Полный текст (951 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.
стр. 386
الجهاد أو غيره من المصالح جاز لغيره أن يشتري منه ذلك وإن كان لا يعتقد جواز أصل القبض. وعلى هذا، فمن اعتقد أن لولاة الأمور فيما فعلوه تأويلا سائغا، جاز له أن يشتري ما قبضوه وإن كان لا يجوز هو ما فعلوه، مثل أن يقبض ولي الأمر عن الزكاة قيمتها فيشتري منه، أو مثل أن يصادر بعض العمال مصادرة يعتقد جوازها، أو مثل أن الجهاد وجب على الناس بأموالهم، وإن ما أخذوه من الوظائف هو من المال الذي يجوز أخذه وصرفه في الجهاد، ونحو ذلك من التأويلات التي قد تكون خطأ، ولكنها مما قد ساغ فيها الاجتهاد. فإذا كان قبض ولي الأمر المال على هذا الوجه، جاز شراؤه منه، وجاز شراؤه من نائبه الذي أمره بقبضه وإن كان المشتري لا يسوغ قبضه. والمشتري لم يظلم صاحبه، فإن شراءه بماله ممن قبضه قبضا يعتقد جوازه، وما كان على هذا الوجه، فشراؤه حلال في أصح الوجهين، وليس من الشبهات، فإنه إذا جاز أن يشتري من الكفار ما قبضوه بعقود يعتقدون جوازها وإن كانت محرمة في دين الإسلام، فلأن يجوز أن يشتري من المسلم ما قبضه بعقد يعتقد جوازه أولى، وإن كنا نراه محرما بطريق الأولى والأحرى، فإن الكافر تأويله المخالف لدين الإسلام باطل قطعا، بخلاف تأويل المسلم، ولهذا إذا أسلم الكفار وتحاكموا إلينا وقد قبضوا أموالا بعقود يعتقدون جوازها، كربا، وثمن خمر وخنزير، لم تحرم عليهم تلك الأموال، كما لا تحرم معاملتهم فيها قبل الإسلام، لقوله تعالى: " اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا". فأمرهم بترك ما بقي في الذمم، ولم يحرم عليهم ما قبضوه. وهكذا من الربا، من كان قد عامل معاملات ربوية يعتقد جوازها، ثم تبين له أنها لا تجوز وكانت من المعاملات التي
стр. 387
تنازع فيها المسلمون، فإنه لا يحرم عليه ما قبضه بتلك المعاملات على الصحيح، والله أعلم.
والذي ظهر لنا أن ثواب الرؤوس ونحوها للمشتري لا للبائع، لأنه اشتراها كلها ولم يستثن عليه، وربما أنه يبيعها قبل الذبح، أو لا يذبح، وتقدم فيه كلام عن الشيخ ابن عطوة موافق لما قاله شيخنا.
قال ابن قندس في "حاشيته على المحرر" بعد كلام له سبق: وهذا معروف في الأمناء وهو فعل الأصلح، كالوكيل، والمضارب، والشريك، ولأن الأمين متى قدر على فعل الأصلح ولم يفعل، كان متعديا بلا شك ولا ريب. انتهى.
قوله: أو إلى من يحفظ مال ربها عادة، كزوجته إلى آخره.
قال في "جمع الجوامع": قلت: ويتوجه: إن كان يعلم منه الرضى بالدفع إليهم، وليس من عادتهم إفساد ماله، جاز، وإلا فلا. وظاهر كلامهم: لا يجوز إلى ولده، ويتوجه: بلى، وأنه كالعبد والزوجة وأولى. انتهى.
قوله: ويكفي في ثبوته الاستفاضة.
ثم ذكر كلام ابن القيم في شرحه بأن الحاكم أن يحكم بعلمه بالاستفاضة في هذه وغيرها، ونقلها في "شرح المنتهى" الصغير في طريق الحكم. والظاهر من الشارح أنه معتمدها، ولا نعلم نصا يخالفه، قاله شيخنا.
قوله: ثم علمت تلفها.
لم يقبل قوله. وصرح في "المنتهى" في الإقرار بقبوله قوله، قاله شيخنا.
قوله: وإن كان لم يرج وجود صاحبها - أي اللقطة - لم يجب تعريف في أحد الوجهين الخ.
стр. 388
مثله من وجد لقطة يعلم أنها للمسلمين لأن عليها سكة الإسلام، ولا يرجو معرفة مالكها لكونها قديمة، فلا تعريف، قاله شيخنا.
إذا كان مع أمين شاة، وهو غير عدل، فولدت ثم ماتت الأم فغذي الأمين البنت من غنمه، صح، وله أجرة المثل إن كان نوى الرجوع، والقول قوله في ذلك، لأنه أمين، وتركها يؤدي إلى موتها. فلو غاب ففعله ولده القائم بأمره، أو وكيله، أو زوجته، أو راعيه، فكذلك، لأنهم كالوكلاء للأمين، ولو دفعها الأمين أو من يقوم مقامه إلى آخره بجزء منها، صح أيضا، قاله شيخنا.
قوله في "المنتهى": ولا يضمن دابة عليها مالكها الكبير إلى آخره.
إن كان لم يرد عن قصده، فظاهر. وإن صده إلى طريق آخر، ففي النفس منها شئ، لكن لا نجسر أن نخالفها إلا أن يعثر على دليل يخالفه، قاله شيخنا.
قال في "جمع الجوامع" فروع: إذا كان فيما أحياه شجر بري لم يغرسه، فهو أحق به، وهل يملكه، على روايتين:
إحداهما: لا يملكه وهي الصحيحة، فليس له منع الناس من أخذه، وعليه أن يأذن لم يستأذنه في الأخذ منه، وعنه: يجوز الدخول لأخذه من غير إذن، والثانية: يملكه. انتهى.
قال في "الإنصاف": قوله: فإن أراد إنسان إحياء أرض يسقيها منه، جاز ما لم يضر بأهل الأرض الشاربة منه.
إذا كان لجماعة رسم شرب من نهر غير مملوك أو سيل، فجاء إنسان ليحيي مواتا أقرب إلى رأس النهر من أرضهم، لم يكن له أن يسقي قبلهم على المذهب، واختار الحارثي أن له ذلك، وقال: وظاهر الأخبار المتقدمة وعمومها يدل على اعتبار السبق إلى أعلى النهر مطلقا، قال: وهو الصحيح. انتهى.
стр. 389
ومن "جمع الجوامع": وفي "الأحكام السلطانية" الثالث:
ما جرى عليه ملك المسلمين ثم خرب حتى صار مواتا عاطلا، ففيه روايتان:
إحداهما: لا يملك بالإحياء عرف أربابه أو لم يعرفوا.
والثانية: إن عرف أربابه، لم يملك باحياء، فإن قلنا: لا يملك بالإحياء، فهل يجوز إقطاعه؟ إن عرف أربابه، لم يجز إقطاعه، وإن لم يعرفوا، جاز إقطاعه وكان الاقطاع كافياً، وتمامه فيه.
قال في "الرعاية": وما فضل في بئره من ماء عد عن حاجته لشرب زرع وغيرهما، بذله لبهائم غيره مجانا، وعنه: وزرعه مع قرب المرعى وعدم ماء غيره. انتهى.
سئل السيد عمر بن عبد الرحيم عن ساقية لأراضي متعددة، لكل منها منفذ يجري منه الماء، وبعض منافذها مرصد بوضع أحجار فيه، ولا يسد شئ من المنافذ لشرب الآخر، وأراد صاحب المنفذ الذي لا رصد عليه أن ينحت تراب أرضه وينقله لينخفض ويأخذ الماء على أصحابه لانخفاض أرضه اللازم معها انخفاض منفذها، فهل لصاحب الأرض المرصدة بالأحجار منعه، والحال أن منافذها متساوية الاتساع، أو متفاوتة؟ وهل لو اطردت عادة بأن الذي لا رصد عليه فعل ذلك، هل لهذه العادة أثر، أم لا؟
فأجاب بقوله: وقد صرحوا بأن من أراد حفر نهر فوق نهر غيره، إن ضيق عليه، منع، وإلا فلا، وبأنه لو أراد من أرضه أسفل توسيع فم النهر، وأراد الأولون تضييقه، أو أراد أحدهم بناء قنطرة أو رحى عليه، أو غرس شجرة على حافته، أو تقديم رأس ساقيته أو تأخيره، لم يجز إلا برضى الجميع، وبذلك يعلم أن نحت الرتاب ونقله إن كان يضر بأخذه ماء كثيرا أو بغيره، منع منه مطلقا.
من "فتاوى ابن حجر" قوله: وإن حفر نهر صغير إلى آخره.
стр. 390
هذا يفيد في السيل، لأن هذا مملوك ومعد له، والسيل من المصالح العامة فلا يكون ملكا، لكن الأول أحق بالتقدم كما قرروه، قاله شيخنا.
قال في "الهداية": في ماء المطر يسقي الأعلى إلى الكعب، ثم يرسله إلى الأسفل إلى من بعده، ثم هو إلى من بعده، فإذا انتهى كعب وأخذ من لا منفذ بعده كعب أيضا، حبسه الأعلى كعباً أيضا، ثم أرسله كالأولى على من بعده طعباً ثانيا وهلم جرا. فلهذا يحتاج إلى ثقوب بعضها فوق بعض، كل مرة يرسله من أعلى من الأول وبين النقبين بقدر الكعب من الأرض. انتهى. نقلتها من خط أحمد البجادي، وذكر أنه عرضها على الشيخ محمد فأعجبته، وقال: هذا هو الصواب، وبه قال شيخنا. وقال: الظاهر أن الشرب يكون كعباً، لأن الماء لا يملك، لكن للأول حق التقدم. والوادي الذي وقع في زمنه النزاع في سبله وهو مهروز بالمدينة، قضى فيه بالكعب، وهو ثابت قبله بلا تردد، فلا يقال: إنه محدث وقت النزاع. قاله شيخنا.
وهذه مسألة وجدتها بخط شيخنا، وأشار لنا بكتابتها، وقال: العمل عليها، لكن لا نقدر على العمل بها، لأن عادات أهل نجد في السيل بخلاف الشرع فنترك الكلام بسبب ذلك.
اعلم أيها السائل عن حكم المياه أنها لا تخلو من حالتين:
إما أن تكون في نهر، أو واد كبير لا يتشاح الناس في الشرب منه، فكل من الناس أن يسقي ما شاء كيف شاء. وأما مياه الأمطار والأنهار الصغار، فلمن في أعلاه أن يسقي ويحبس الماء إلى الكعب، ثم يرسله إلى جاره الأعلى فالأعلى على هذه الصفة. وإذا أحيا سابق في أسفله، ثم ثان فوقه، ثم ثالث، سقى المحيي أولا، ثم الثاني بعده، ثم الثالث. ولو كان أقرب إلى فوهة النهر، فالمحيي أولا أولى، ولا يملكه بالسبق،
стр. 391
لأن الماء لا يملك، لكنه أحق بالبداية بالشرب منه لأجل سبقه، فلا يملك إجارة فضله، ولا يخرجه على مشيئته، بل يجب لمن أحيا بعده أن يشرب الفاضل عنه بغير خلاف في المذهب، لقول النبي ﷺ : "الناس شركاء في ثلاث: الماء والهواء والكلأ". لا يملك منه إلا ما قبضه وحازه. فإن استوى اثنان في القرب، اقتسما على قدر الأرض إن أمكن، وإلا أقرع، وعلى كل وجه لا يملك المحيي أولا من هذا الماء غير شرب أرضه منه، وزرعه، ثم هو للآخر. قال المنقح:
ولا يملك ما قرب من العامر إلى آخره، فليس لأهل هذا السيل إلا ممر سيلهم من غير ملك، وهذا بغير خلاف علمته في المذهب، والله أعلم.
كتبه وصح عنده إسماعيل بن رميح.
الحمد لله، جوابي كما قال إسماعيل، لأنه على قاعدة صحيح المذهب، ذكره شيخاي ابن النجادي والحجاوي في كتابيهما على هذا الترتيب المذكور من سجله، كتبه زامل بن سلطان. نظرت في هذه الفتيا فإذا هي على ضابط الشرع الشريف، موافقة للصواب، كتبه سليمان بن محمد بن شمس، والله أعلم.
ومن "جمع الجوامع": ذكر جماعة على هذا النزول عن الوظائف، وأخذ مال على النزول، هل يجوز أم لا؟ على وجهين:
أحدهما: يجوز أخذ المال على ذلك، وعليه عمل الناس، وهو قريب من أمر الشرع، بل يشبه ما نص عليه.
والثاني: لا يجوز أخذ المال على الوظائف. انتهى.
إذا كان عقار يمر منه السيل إلى من خلفه، فارتفع بسبب الزراعة والسيل، فقال الذي خلفه هذا الارتفاع منع وصول السيل إلينا، فأزل ما زاد على القديم.
أفتى فيها الشيخ محمد بن منصور بحضرة الشيخ محمد وأقره
стр. 392
عليه، أن عليه أن يرده على حاله أولا، فإن أبى فللأسفل أخذ قدر مجرى السيل ليزول ضرره، قاله شيخنا. وفيها بعض الثقل.
من "جمع الجوامع": في اللقطة: وأن تكون بمهلكة، كما قيده في "تجريد العناية" وغيره، وكذلك إذا كانت في مكان يتحقق أخذ اللصوص ونحوهم لها، ولم تكن بمفازة لا ماء فيها تموت من العطش غالبا، ولم تكن قد ضعفت ضعفاً لا يمكنها الامتناع معه، أو أصابتها زمانة ونحو ذلك، ولها ما تأكل وتشرب، للحديث، فمتى وجد لها شئ من أسباب التلف متحققا أو مظنونا، لم يحرم الأخذ.
وقد سمعت جماعة من أهل الخبرة أن الحمار لا يمتنع من الذئب، ثم قال:
الثاني: إذا كانت مسبعة، يجوز أخذها للحفظ.
الثالث: أنه إذا كان لا ماء بها ولا مرعى، يجوز أخذها للحفظ. انتهى.
الظاهر أن مثل بلدنا يجوز التقاطها ولو مع الامتناع لمن يأمن نفسه عليها، للحفظ، لأن تركها يؤدي إلى تلفها بأخذ الظلمة لها وقطاع الطريق، ويرجع على ربها بما أنفق عليها، لأنه محسن، قاله شيخنا.
ومنه أيضا الثامن: لو قال له: إن وجدت العبد ورددته فلك عشرة، وإن لم تجده فلك خمسة، صح. وإن جئت به اليوم أو في هذا الشهر فلك عشرة، وغدا أو بعده فلك خمسة ونحو ذلك صح، وكان على ما قال قياسا على قوله في الإجارة: إن خطته اليوم فلك درهم، وغدا فلك نصفه.
التاسع: إذا جعل له جعلا على أن يذهب إلى بلد آخر ليأتيه بدابة له شردت، أو هي عند شخص، فهل له أن يركبها في رجوعه ... إلى أن قال: إن كانت تصلح له، وإلا فلا، وليس له تحميلها قولا واحدا.
стр. 393
العاشر: إذا قال: من أكل هذا الرغيف، أو الرطل اللحم، أو شرب هذا الكوز الماء، أو الرطل الدبس ونحوه من شراب مباح، أو صعد هذه الشجرة ونحو ذلك فله درهم، فمن فعله استحق ذلك. ومما يجعل في عصرنا أن يجعل على أكل كثير من الحلوى أو الفاكهة، أو شرب كثير من الفقاع، أو صعود موضع عسر أو خطر ونحو ذلك، أن يقال: من أكل رمانة ولم يرم حبة فله كذا، فيصح ذلك، ومن فعله استحق الجعل.
فإن قال: إن فعلت فلك كذا، وإن لم تفعل فعليك كذا، وإن أكلته فلك كذا وإن لم تأكله فعليك كذا، لم يجز. انتهى.
قوله في "شرح الاقناع": وإذا أنفق الملتقط أو غيره نفقة المثل بإذن الحاكم ليرجع، رجع الخ.
الظاهر أن مثله إذا أنفق على قاصر بنية الرجوع عليه إذا أيسر، أنه يرجع. وكذا بناء الشريك بنية الرجوع على شريكه الحاضر المعسر، فله الرجوع بإذن الحاكم، فإن عدم، فأمين يقوم مقامه، كما أشار إليه مرعي، قاله شيخنا.
إذا وجد لقطة في خربة غير محوطة ولا يعلم لها رب، ثم بعد ذلك جاء لها مدع لطلب اللقطة، فكونها لبيت المال أولى، لكون الدار - والحالة هذه - لبيت المال، فكذا ما وجد فيها، فيخاصمه الحاكم، فإن ثبتت له الدار فهو، وإلا فلا كلام. والظاهر أنه لا بد من بينة عليه كما اشترطت في اللقطة التي عنده. فإذا كان سبب وجودها حرث ترابها وأخذه، فالدخول مباح، وأما اللقط فممنوع، فيكون فيها إشكال، هل يملكها الملتقط لأنه لم يتعد بالدخول لإباحته، أم لا لأن سبه ممنوع منه؟ قاله شيخنا.
الذي يظهر أن الأمين إذا حلف عند الإكراه من سلطان، أنه لا يقع قل الضرر أو كثر، لإطلاقهم ذلك، إلا على قول الحارثي، والمقدم خلافه، قاله شيخنا وتقدم.
стр. 394
ومن أحيا شعبة وسقي منها عقاره بذلك السيل، ثم أظهره على من بعده، فله الانتفاع في أرضها بما شاء من غرس وزرع وغيرهما بلا ضرر على ممر السيل، لأن حقهم في المرور لا في رقبة الأرض، قاله شيخنا.
قوله: ولا يملك ما قرب من العامر وتعلق بمصالحه إلى آخره.
زاد في "الرعاية": ولم يستغن عنه. والذي تحرر لنا من كلامهم أن مثل قرى نجد يملك ما حولها بالإحياء، لأن إحياءها شيئا فشيئاً، ويعلم من حال المحيي لها أولا أنه يود أن يحيي ما حولها لطلب قوتها، فيمكن حمل ذلك على ما يضر بالبلد إحياؤه.
قوله: وتسقط الشفعة إلى آخره.
ظاهره أن الغدر ليس عذراً في ذلك، لكن يحرم ذلك على فاعله لأنه خديعة لأخيه، قاله شيخنا.
ما قولكم في قوله في اللقطة: ما لا تتبعه همة أوساط الناس.
ما الوسط، هل هو الخيار، لقوله ﷺ : "بعثت من أوسط قومي" أي خيارهم؟ أم الذي بين الطرفين لا شريف ولا وضيع، ولا غني ولا فقير، لتمثيلهم بالحبل والشسع؟
فأجاب عبد الرحمن بن عبد الله بن ناصر المفتي بالأحساء: المراد بالوسط - كما هو ظاهر - ما ذكره السائل آخر كلامهم، لما أشار إليه من تمثيلهم بما ذكره، كثر الله من أمثاله. انتهى.
هل يحصل إحياء أرض بنحو ساقي يدور عليها فيه ماء أم لا؟
الذي تقدم من القضاة يجيزونه، والظاهر أن لا يكون إحياء، قاله شيخنا.
ومن "حاشية ابن نصر الله" وفي "الرعاية": من أوسط الناس.
ومرادهما من رجل وسط، ولا عبرة بمفرط الطول ولا مفرط القصر.
стр. 395
انتهى. وفي " البخاري" في قوله تعالى: "أمة وسطاً". قال: الوسط العدل. انتهى.
قال في "الشرح " وقال ابن عقيل: إنما يعتبر ما يفحش في نفوس أوساط الناس، فلا عبرة بالقصابين ولا بالموسوسين، كما رجع في يسير اللقطة إلى نفوس الأوساط. انتهى.
وكذا في "المغني" والزركشي، وفي "حاشية المحرر لابن قندس": الاعتبار في الفاحش، في نفوس أكثر الناس وأوساطهم، لا بالقصابين ولا بالموسوسين، كما رجعنا في تحديد الوجه بمنابت الشعر إلى أوساط الناس، وفي يسير اللقطة إلى ما تتبعه نفوس أوساطهم. انتهى.
وفي "الإغاثة" لابن القيم: خير الناس النمط الأوسط الذين ارتفعوا عن تفريط المفرطين ولم يلحقوا بغلو المعتدين، وقد جعل الله تعالى هذه الأمة وسطاً، وهي الخيار العدل لتوسطها بين الطرفين المذمومين، والعدل، هو الوسط بين طرفي الجور، والتفريط، قال الشاعر:
كانت هي الوسط المحمي فاكتنفت بها الحوادث حتى أصبحت طرفا
انتهى.
ومن "شرح المنتهى" لمؤلفه: قال ابن نصر الله: لو مات المشتري وانتقل الشقص إلى وارثه، هل تسقط الشفعة؟
لم أجد من صرح بذلك ... إلى أن قال: هذا يدل على أنه لم يطلع على كلام "المغني" وهو: لو اشترى شقصا ثم اريتد أو مات، فللشفيع أخذه بالشفعة، كما لو مات على الإسلام فورثه ورثته، وقوة كلام الموفق تعطي أنه لا خلاف فيه، لأنه جعله أصلا وقاس عليه مسألة المرتد. انتهى.
стр. 396
فظهر أن قوله في "الشرح": كما لو فصله وخاطه، أنه لا خلاف فيه أنه لا يملك الرد بعد التفصيل والخياطة، لأنه جعله أصلا قاس عليه المسألة كما هنا، قاله شيخنا.
قال في "الإنصاف": وإن تصرف المشتري في المبيع قبل الطلب بوقف أو هبة، سقطت، وكذا لو أعتقه، نص عليه، وهذا المذهب في الجميع، نص عليه، وعليه جماهير الأصحاب ... إلى أن قال: وقال في "الفائق": خص القاضي النص بالوقف، ولم يجعل غيره مطلقا مسقطا، واختاره شيخنا. انتهى.
وقال في "القاعدة": صرح القاضي بجواز الوقف والاقدام عليه، وظاهر كلامه في مسألة الشفعة تحريمه، وهو الأظهر. انتهى.
قوله آخر الفصل الثالث من "شرح الاقناع": وإذا رفع الأمر إلى الحاكم فباع عليه، فللوصي الأخذ حينئذ لعدم التهمة. والذي ظهر أن الحاكم إذا باع لامتناع الولي أو غيبته، وهو - أي الولي - شريك القاصر الذي هو وليه، فللولي الأخذ بالشفعة من المشتري حينئذ، وكذا إن كان الولي أمين الحاكم على القاصر، وامتنع فباع الحاكم، فكذلك، قاله شيخنا.
من "جمع الجوامع" بعد كلام له سبق: فعلى هذا، الأصح يؤخذ بها موقوفا جاز بيعه للوقف ثلاث صور:
الأولى: إذا كان البعض وقفا، والبعض ملكا فبيع الملك، هل يأخذ رب الوقف بالشفعة؟ على وجهين:
والثانية: إذا كان كذلك وبيع الوقف حيث جاز بيعه، هل يأخذ الشريك بالملك؟ على وجهين. المختار: نعم.
الثالث: إذا كان الكل وقفا، وبيع البعض حيث جاز بيعه، فهل يجوز لرب الوقف الآخر الأخذ بها؟ على وجهين. الصحيح: لا يجوز.
стр. 397
انتهى.
وفي "الغاية" توجيه: يجوز الأخذ بالشفعة لشريك الوقف.
قال في "الانصاف": قوله: ولا شقعة بشركة الوقف في أحد الوجهين. ثم قال: إن قلنا: يملكه، وهو المذهب على ما يأتي، فالصحيح من المذهب هنا أنه لا شفعة له. وإن قلنا: لا يملكه الموقوف عليه، فلا شفعة له أيضا على الصحيح من المذهب. وقيل: له الشفعة. انتهى.
ومن "المغني" فصل: وحكم الشفيع في الرد بالعيب، حكم المشتري من المشتري، وإن علم المشتري بالعيب ولم يعلم الشفيع، فللشفيع رده على المشتري، أو أخذ أرشه منه، وليس للمشتري شئ، ويحتمل أن لا يملك الشفيع أخذ الأرش، لأن الشفيع يأخذ بالثمن الذي يستقر عليه العقد .. إلى أن قال: فأما إن اشتراه بالبراءة من كل عيب، فالصحيح أنه لا يبرأ، وفي رواية أنه يبرأ، إلا أن يكون البائع دلس. فإن علم الشفيع باشتراط البراءة، فحكمه حكم المشتري، لأنه دخل على شرائه. وأن يعلم ذلك، فحكمه حكم ما لو علم المشتري دون الشفيع. انتهى.
وإن أخذ الشفيع أرشه من المشتري، أخذه المشتري من البائع، وإلا فلا شئ للمشتري، ويحتمل أن يملك أخذه ويسقط عن الشفيع بقدره من الثمن. وإن كان أسقطه عن المشتري، توفر عليه، كما لو زاده على الثمن باختياره. انتهى.
فظهر أن المشتري إذا أبرأ البائع من العيوب بعد البيع، فللشفيع الرد أو الأرش، وإذا أخذ المشتري الأرش بأن لم يبرئه، وذلك قبل طلب الشفيع، سقط عن الشفيع من الثمن بقدره، وإن لم يأخذ شيئا، فللشفيع أخذ الأرش من المشتري. وإن لم يأخذ الشفيع من المشتري،
стр. 398
لم يأخذ المشتري من البائع إلا على الاحتمال الذي ذكره الموفق، والمقدم خلافه، قاله شيخنا.
من "الانصاف" قوله: وإن عجز عنه أو بعضه سقطت شفعته، ولو أتى برهن أو ضامن، لم يلزم المشتري، ولكن ينظره ثلاثا على الصحيح من المذهب حتى يتبين عجزه، نص عليه. انتهى.
وفي "المنتهى" بعد كلام سبق في شرحه: والمذهب الاكتفاء بالقدرة على الثمن الحال ولو بعد ثلاثة أيام كما يأتي. ثم قال: ويملك الشقص المشفوع بالأخذ شفيع مليء بقدر ثمنه الذي استقر عليه الشراء، ثم قال: وإن عجز عن دفع الثمن أو بعضه ... إلى قوله: والعجز المسقط لها بعد إنظاره - أي الشفيع - بالثمن من حين أخذه بالشفعة ثلاثا - أي ثلاث ليال بأيامهن - قال في "الانصاف": على الصحيح من المذهب، ثم لمشتر لم يرض بتأخير الثمن الفسخ من غير حاكم، وقيل: بل بان بطلانها، فلا يحتاج إلى فسخ، وعلى المذهب: للمشتري الفسخ. انتهى ملخصا.
وعبارة "الاقناع": وإن عجز عن الثمن أو بعضه، سقطت إلى آخره.
والظاهر أن المقدم لابد من الفسخ، فلا تسقط بلا فسخ لقوله آخراً: فإن طلب الإمهال، أمهل يومين أو ثلاثة، فإذا مضت ولم يحضره، فللمشتري الفسخ من غير حاكم. انتهى. والذي تحرر لنا أنه إن طلب الشفيع الإمهال، أمهل ثلاثا، فإن مضت قبل دفعه الثمن، فللمشتري الفسخ، سواء كان الشفيع موسرا أو معسرا. وإن لم يطلبه فإن كان موسرا، ملكه بالثمن، ويكون بذمته دينا يطالب به، فلا يتوقف ملكه على دفعه إلا على قول أبي العباس الذي ذكره في الخيار. وإن كان معسراً، أمهل ثلاثا من وقت الطلب، فإن لم يحضره، فللمشتري الفسخ.
стр. 399
وقد وقع في زمن شيخنا أن رجلا من أهل ثرمدا - أظنه من آل أبارويا - شرى بعض عقار تجب فيه الشفعة، فطلبها شريكه وهو مليء قادر، وتمادى بدفع الثمن بعد أخذه الشقص وإشهاده على ذلك، طلبه المشتري الثمن، أم لا، ولم يطلب الإمهال فيمهل، ومضى مدة زادت على الثلاث؟ فقيل: للمشتري الفسخ بذلك، لعدم تسليم الثمن، ومال إليه الشيخ محمد وأن فسخه صحيح والحالة هذه. فذاكرنا الشيخ في ذلك، وعرضنا عليه عبارة "شرح المنتهى" لمؤلفه، فوافق ورجع عن القول الأول، وأفتاه بعدم الفسخ إذا كان مليئاً ولم يطلب الإنظار، قاله شيخنا.
قوله في الحجر في الحكم الثاني: وكذا لو أسقط الشفيع أو المرتهن حقه إلى آخره.
مفهومه إذا باع شقصا تجب فيه الشفعة فأفلس المشتري - أي حجر عليه - فليس للبائع الرجوع في الشقص، لأن حق الشفيع تعلق بالشقص إلا إن عفا الشفيع، قاله شيخنا.
ومن "جمع الجوامع": ومما يعد أهل الفضل من عواقب النرد والشطرنج: أن صاحبه ينسى الشهادة عند الموت، وعد عن بعض من اعتنى به أنه لقن عند الموت لا إله إلا الله يقول: شاه ونحو ذلك. انتهى.
وسئل الشيخ سليمان بن علي عن عقار بين أقوام مشاعا، ثم قسموه قسمتين، وكان أحدهما يفيض فيه سيل الحديقة ثم يجري إلى الأخرى، فحصل في العليا رمل، فقال ربها: هذا الرمل حصل من السيل المشترك فأريد عليك حقاً منه، ولكون أصل الملك واحدا.
فأجاب: إذا كان السيل موجودا في الدمنة قبل القسمة ثم حدثبت، لم يزل على حكم الاشاعة في السيل في غنمه وغرمه، وما حدث منه من تراب بعد القسمة، فحكمه حكم ما لو كان حادثا قبل القسمة، فيلزم
стр. 400
رفع ذلك الرمل الذي أحدثه سيلهما عليهما جميعا.
وفي جواب له آخر: وإذا كان الارتفاع مما أحدث السيل، فرفعه على جميع أهل السيل. وإن كان بسبب ارتفاع الأرض، فلللأعلى كما له أولا، فيضع على الحجر القديم حجرا حتى يكون السيل على كيفيته الأولى.
وله أيضا: وأما الحائط المشترك فإذا قسم وعرف كل نصيبه، فالحكم فيهما كالحائطين لا يعين الأسفل صاحب الأعلى على تراب السيل، بل لا يلزم الأسفل إعانة الأعلى، لأن القسمة صيرتهما ملكين.
وله أيضا: وأما الملك المذكور الذي منه علوي، وسفلي، وحصل في لعلوي تراب بسبب السيل، وكانت قبل ذلك مشاعا ثم وقعت القسمة، فالقسمة صيرتهما ملكين فلا يغرم صاحب القطعة السفلى شيئا من التراب الحاصل بسبب السيل.
وأما إحداث الأعلى في ملكه شعبة بطلب الأسفل لذلك، أو إحداث الأعلى في ملكه شعبة لتضرره بالتراب أو غير ذلك، فلا يجوز لأحد منهما شئ من الاحداث إلا برضى صاحبه.
وله أيضا: والأرض التي أعلى من الأرض الأخرى، وارتفعت العليا بسبب الزراعة والسماد ونحوه حتى منع ذلك الارتفاع الحادث جريان السيل، جاز للأسفل أن يحفر من الأرض حفرا على القدر المعهود. انتهى.
وهذه فيها تناقض لا يخفى، وتحتاج إلى نظر، وذلك يجيب به على حسب ما يظهر له وقت الجواب إذا وقعت المراجعة من السائل، مع أن الظاهر أنها مسألة واحدة تكرر السؤال عنها، وقد نقلته من خطه بيده.
ومن جواب للشيخ محمد: سألتم عن أرض بين اثنين، كل عارف
стр. 401
نصيبه منها، والسيل يدخلها من نصيب أحدهما ويفرش جميع الأرض، ثم غرس كل منهما نصيبه وحدده، فهل حكم الأرض واحد قبل التحديد وبعده؟
فأجاب الشيخ محمد: الحكم واحد، ويلزم مالك الأرض التي يدخل عليها السيل أن يزيل ما يمنع السيل عن الآخر إلى أن تواسى أرضهم جميعهم كما كانت قبل التحديد، كتبه إبراهيم ابن الشيخ محمد، ومن خطه نقلت.
قوله في الصلح: يجوز بين أهل عدل وبغي إلى آخره.
الظاهر أن ما يطلب السلطان والإخوان من البلدان، يجوز جمعه ودفعه الارتكاب أدنى المفسدتين، ويتحرى فيه العدل، قاله شيخنا.
من "جمع الجوامع": أرض بين قريتين ليس فيها زرع ولا عيون ولا أنهار، يزعم أهل كل قرية أنها لهم في حرمهم، فنقل عنه أبو الصقر أنها ليست لأحد منهم حتى يعلم أنهم أحيوها، ومعناه نقل ابن القسم.
ومنه أيضا: "قضى ﷺ في مهروز وادي بني قريظة أن الماء إلى الكعب يحده الأعلى عن الأسفل".
قال القاضي في "الأحكام السلطانية": وقد قيل: إن هذا القضاء ليس على العموم في الأزمان البلدان، وإنما هو مقدر بالحاجة. وقد يختلف من خمسة أوجه:
أحدها: باختلاف الأرضين، فمنها ما يرتوي باليسير، ومنها ما لا يرتوي إلا بالكثير.
الثاني: باختلاف ما فيها، فإن للزرع من الشرب قدر، وللنخل والأشجار قدر.
الثالث: باختلاف الصيف والشتاء.
الرابع: اختلافهما في وقت الزرع وقلته.
стр. 402
الخامس: باختلاف حال الحال في بقائه وانقطاعه، فإن المنقطع يؤخذ منه ما يدخر، والدائم يؤخذ منه ما يستعمل. واختلافه في هذه الخمسة، لا يمكن تحديده بما قضاه ﷺ في أحدها، فكان معتبرا بالعرف والعادة المعهودة عند الحاجة إليه، فإن سقى رجل أرضه وبحرها فسال من مائه إلى أرض جاره فغرقها، لم يضمن، لأنه تصرف في ملكه بمباح، وقد نص أحمد على نظير هذا في رواية البرزاطي. انتهى.
ومنه نقل يعقوب: قطائع الشام والجزيرة مكروهة. مراده أنما يعمل فيه بأغراض أنفسهم والتشهي، وهذا لا يجوز، وإنما الإقطاع للمسلمين ولمصالح المسلمين. فإذا رأى من يستحق ذلك لدفع عن المسلمين أو لنفع المسلمين من قضاء أو فتوى، فأقطع جاز. ولا يجوز أن يقطع بغير استحقاق، ولا بمجرد الأغراض، هذا مراد أحمد. انتهى.
أما إذا كان التراب في المسيل حادثاً على أصل الأرض القديم، فلمالكه رفعه حيث كان من حركة السيول والرياح، فهو شبه الكري في الأنهار، لا اعتراض لأحد عليهم ولو أضر به رفعه، لأنه حادث.
وإن كان من أصل الأرض، فمع ضرره له منعهم، وإلا فلا. وإن اختلف في حدوثه، فالأصل عدمه، واليمين على منكر حدوثه، كتبه أحمد بن محمد، ومن خطه نقلت.
ما قولكم في أرض وآبار عادية لا يعرف أربابها وهي تحت يد المسلمين فأقطعها الإمام مجانا لمسلم بغير مصلحة لعامة المسلمين وحكم بها الحاكم، هل يصح حكمه أم لا؟ والمصلحة المشروطة من يكون مصرفها إليه؟
الجواب: ليس للإمام اقطاعها لغير مصلحة، وحكم الحاكم حينئذ
стр. 403
غير نافذ، لعدم المصلحة، وللإمام أو نائبه النظر فيها بحسب المصلحة، من جعل خراج عليها يصرف في مصالح المسلمين أو اقطاعها لمصلحة بحسب ما يراه اجتهاده.
ومن المصالح العامة رزق الفقهاء والمؤذنين، ومن فيه نفع للمسلمين كتبه نصور البهوتي، ومن خطه نقلت.
أجاب النووي: إن للغارس ثواباً مستمراً من حين غرسه إلى فناء الغرس، وللوارث ثواب ما أكل من ثمره في مدة استحقاقه بغير معاوضة، وما أخذ من ثمره فأبرأه منه، أفضل من تركه في الذمة، وإذا لم يبرأ، فلكل واحد من الميت والوارث ثواب حق متصل بالأخذ في مدة استحقاقه. وأما المطالبة بأصل المأخوذ يوم القيمة، فللمغصوب منه أولاً على الأصح، وقيل: للوارث الأخير من المتوارثين بطنا بعد بطن، ولا يختص هذا بالغرس بل لكل دين تعذر أخذه، فهذا حكمه. انتهى.
قال ابن نجيم في "قواعده": وأما مسألة ما إذا اختلط الحرام بالحلال، فإنه يجوز الشراء والأخذ، إلا أن تقوك دلالة أنه من الحرام، كما في "البزازية". انتهى.
من "جمع الجوامع" قال أبو العباس: من ثبت دينه باختياره، وتمكن منه فلم يستوفه حتى مات، طالب به ورثته، وإن عجز أو وارثه، فالمطالبة له يوم القيامة في الأشبه، كما في المظالم للخبر، ولو كان للناس على إنسان ديون أو مظالم بقدر ما له على الناس من الديون والمظالم، كا يسوغ أن يقال: يحاسب بذلك فيؤخذ حقه من غريمه هذا ويصرف إلى غريمه، كما يفعل في الدنيا بالمدين الذي له وعليه، يستوفي ماله ويوفي ما عليه. انتهى.
غنم غضبت ثم أديت على الأمين الذي غصبت منه، وأخذ الحسيب
стр. 404
الثلث بأن قاسمه الوكيل أو الأمين، صح ذلك. فإذا كان أخذ من الثلاث واحدة وهي - أي الثلاث لثلاثة أنفس - فيرجع صاحب الشاة المأخوذة على كل واحد بثلث شاته، أو يكون له ثلث الشاتين. فإن كان الأمين لم يعاوض الحسيب، بل أخذ الحسيب بنفسه، فمن جاءه ماله ظفر به، وما تلف فمن مال ربه، قاله شيخنا.
لا تصح إجارة العين المشاعة بين اثنين، بأن أجر أحدهما نصيبه لغير شريكه، فإن طلب أحدهما إجارتها بأجرة المثل وامتنع شريكه، أجبره الحاكم، قاله شيخنا.
ومن "مغني ذوي الأفهام": وإجارة المستعارة والموقوفة فإن مات المؤجر وانتقلت العين إلى غيره، لم تنفسخ الإجارة، ملكا كان أو وقفا، ولا يعتبر إن تلي العقد، ولا أن تكون فارغة إذا كانت ستفرغ في أول المدة. فأما المشغولة بملك الغير من غرس أو بناء وما لا يمكن تفريغها منه في المدة، هل يجوز إجارتها؟ إن كان غير محترم جازت.
وإن كان محترماً، فهل يجوز؟ على قولين:
عندنا المختار: لا، وهو المعروف من مذهب الشافعي، وأبي حنيفة واختاره جماعة من أئمة أصحابنا، وذكر صاحب "الفائق": ظاهر كلام أصجابنا.
والثاني: يجوز، اختاره صاحب "الفائق" وأبو العباس. والمستأجر يقوم مقام من أجره في بقائها مع من له ذلك وعدمه، وهو المعروف عند المالكية، وفائدة الحكم باحترام الغراس والبناء، ليس لمتقدمي أصحابنا فيه كلام. واختلف المتأخرون فقيل: عدم القلع والازالة مطلقا، وقيل:
بل عدمه مجانا، والأول المختار. انتهى.
الذي يظهر: إذا مات المؤجر، أنه ليس لمن بعده إلا أجرة المثل، كما قاله أبو العباس آخر الإجارة في "الاقناع". ولا يسع الناس العمل
стр. 405
بغيره، ولا ينقض حكم من حكم به، قاله شيخنا.
ومن "جمع الجوامع": قال صاحب "الفائق": فلو حكم ببقائه بعد المدة قسرا بأجرة مثله، لم يصادف محلا - يعني الحكم - قال:
ولو كان قبل الانتهاء، كتعليقه فباطل أيضا، يعني لو حكم قبل انتهاء المدة ببقاء الغراس والبناء، إذا فرغت المدة، فباطل أيضا كذا ذكر مع أن المشهور عن الحنابلة الحكم باحترام الغرس والبناء. وقد رأينا غير واحد من قضاة زماننا قد حكم بذلك في مطلق الاستئجار للغرس والبناء.
وقد رأيت القاضي برهان الدين حكم بذلك، وحكم به أيضا شيخنا أبو الحسن، ووالدي، وهو ممن يذهب إلى مذهب أحمد وإلى الحنابلة قديما وحديثا. وقد جرى الناس على ذلك، وأنه متى حكم ببقائه واحترامه، لم يقلعه أحد، ولم يتعرض إليه أحد، والقول بذلك هو المختار. انتهى.
قال ابن عطوة في "روضته": إذا عمل الأجير الخاص لغير مستأجره فأضر به، فله قيمة ما فوته عليه، وقيل: يرجع بقيمة ما عمل لغيره.
وقال القاضي: بالأجر الذي أخذه، قاله في "الفروع".
وسألت شيخنا جمال الدين يوسف بن عبد الهادي، فلم يجزم لي فيها بشئ قبل أن أطلع على كلام صاحب "الفروع". وسألت شيخنا العسكري، وزدت أن عمله له بأوقات لم تجر فيها العادة بعمله.
فأجاب بأنه لا يدخل لأجره الأول إلا المعتاد. انتهى.
قوله: ولا تصح الإجارة بري أرض إلى آخره. بأن يؤاجره على سقي أرضه حتى تروى لأنه لا حد له ينتهي إليه. وأما على سقي أرض معلومة، فالظاهر جوازه، ويسقيها العرف. وإن شرط المالك على العامل في المساقاة الزرع فلم يفعل، فالأقرب أن ينقص من نصيب العامل بقدر تفاوته، لأن فيه مصلحة للنخل وقد فات، قاله شيخنا.
стр. 406
من "التبصرة" لابن فرحون: وقد قال مالك: لا بأس لولي اليتيم أن يتناول المسكين من مال اليتيم الكسرة، وخلق الثوب، والفلوس، أو يمر به سائل وهو في حائطه أو حرثه فيناوله الثمرات، أو القبضة من الطعام، أو الشربة من اللبن وما أشبه ذلك، حسن يرجى بركة ذلك لليتيم ولماله، من "مختصر الواضحة" لفضل بن سلمة. انتهى.
إذا أراد ولي اليتيم إعطاءه من الزكاة، فوكل من يقبض له فدفعه له، ثم بعد قبضه أخذه منه الولي، جاز. ثم إن كان خلطه بنفقته أصلح خلط، وإلا فلا. وإن قبض من نفسه، جاز على قول "المغني" والمقدم خلافه، قاله شيخنا.
قال ابن عطوة: وسألته عمن عليه دين وأراد وفائي بمال يقول: إنه حلال.
فاجاب: إذا لم تعلم، فالقول قول المالك بلا يمين. انتهى.
مسألة وقعت في زمن تاج الدين الفزاري والشيخ ابن أبي عمرو:
وهي بينتان تعارضتا، بينة تشهد بالسفه وبينة تشهد بالرشد، فأفتى الفزاري وشمس الدين بن أبي عمرو بتقديم بينة الرشد، وكذلك ابن رجب أفتى بذلك. انتهى.
ما قولكم إذا حكم شافعي (بمسألة) على مذهب أحمد مخالفة لمذهب الشافعي، مقلداً فيها الإمام أحمد وقلنا بصحة تقليده، فهل المرجع إلى مذهب الشافعي أو أحمد، وبيع الأرض التي في غلتها كل عام مائة صاع أو قيمتها، هل يصح من ذلك شئ؟ وقولهم: والحيل التي تحل حراما أو تحرم حلالا كلها محرمة، ثم ذكر حديث خيبر أنه يجوز ... إلى أن قال: لأن القصد هنا بالذات تحصيل أحد النوعين دون الزيادة. فإن قصدت، حرمت الحيلة جمعا بين الأخبار. فاعلم أنه كل ما قصد التوصل إليه من حيث ذاته لا من حيث كونه حراما جاز.
стр. 407
وإلا فحرم، فأخبرني بما يدخل في هذه القاعدة من الصواب.
الجواب: إنا حيث فرعنا على صحة الحكم المذكور كان كأنه حكم من حاكم حنبلي، حتى لو كان حكمه بالموجب، جاز بيعه عند خرابه، كما هو رأي الأئمة الحنابلة.
الثانية: إذا صحت الوصية فيما ذكر، امتنع جميع ما ذكره السائل، إذ قد لا يفي ما يترك للوصية في بعض السنين بها.
الثالثة: إن الضابط أن ما كان المقصود أحد النوعين من جنس ربوي دون الزيادةو يحل تعاطيه. وإن كان بأحد الطرفين زيادة على الآخر، وما كان المقصود منه الزيادة، فلا. مثاله: نقدان من فضة، كصحاح ومكسرة، أحدهما يزيد وزنا على الآخر، حيث كان المقصود عين أحدهما دون زيادته، جاز ابتياعه بالآخر، هذا ما تفهمه هذه العبارة المشار إليها، فإن حصل تصريح من كتب المذهب بخلافه، وإلا عمل به.
والفهم الذكي يدرك بنظر واحد ما لا يدركه البليد بألف شاهد، كتبه عبد الرحمن بن عبد الله بن ناصر. ومن خطه نقلت.
ومن جواب للشيخ عبد الله بن محمد بن ذهلان: وحاصل مسألة الغصب أنه إن اشتراه لنفسه، أخذه مالكه، ولا يرجع بشئ على مالكه، وإن كان استنقاذا له لمالكه، فقال شيخ الاسلام: ومن لم يخلص مال غيره إلا بما أدى عنه، رجع به. انتهى.
قال ابن عطوة: قال في "القواعد": لو تصرف الوالد في مال ولده الذي يباح له تملكه قبل التملك، لم ينفذ، ولم يكن تملكا على المعروف من المذهب، فإن تملكه لا يحصل بدون القبض الذي يراد به التملك فقط، فيأتي قول شيخنا: الظاهر أن القول قوله في وقت التملك ما لم يتعلق حق الغير، قلت: فلو مات ولم تعلم نيته، فلا عبرة بمجرد التصرف، إذ الاملاك لا تنتقل عن أيدي ملاكها إلا بأمر متيقن،
стр. 408
وزواله مشكوك فيه، ولا يزول متيقن بمشكوك فيه. انتهى.
قوله في باب الموصى إليه ومقاسمته للورثة على الموصى له: لا تجوز إلى آخره.
فيها إشكال: لأنه لا ولاية له على رشيد، ومقاسمته للقاضرين لا تصح إلا أن يقال: يقاسم نفسه بالولاية، والمقدم أنه لا يصح أيضا، قاله شيخنا.
قوله: وإذا تصرفا إلى آخره.
الظاهر صدور الأمر عن رأيهما، ومثله لو وصى بالنظر للمصلح من أولاده فكانا اثنين، قاله شيخنا.
قال في "جمع الجوامع": وفي "الفروع": وعاء هدية كهي مع عرف. قلت: للناس في ذلك عوائد، فما يدفع في صواني النحاس ونحوها، وفي الطياسي، أو في الطسال ونحوها، وفي الأقفاص المتخذة للحمل ونحوها، من العادة رد وعائه، وأوز ودجاج، من العادة رد قفصه، وما في الصحون والزبادي، العادة رد وعائه، والعجوة ونحوها، (العادة) عدم رد قفافها وقواصرها. انتهى.
من "شرح الأنوار" للشافعية: وفي "فتاوى القاضي حسين":
رجل في يده مال لنافلته، فأنفق عليه من مال نفسه بنية الرجوع، لا يرجع عليه لأن عليه أن ينفق من مال النافلة، إلا أن يكون للصبي مصلحة في أن لا يباع ماله في ذلك الوقت، فحينئذ يرجع. انتهى.
ومنها أيضا: وفي "فتاوى القاضي حسين": مات رجل عن ثلاثة بنين من أمهات ثلاث، وهم أطفال وقد ماتت أم أحدهم قبل موت الأب، وعاد مالها إلى طفلها، ثم مات الأب واشتبه على الحاكم أن الأب أنفق على الطفل من ماله أو مال نفسه، قال ينبني الأمر على أنه أنفق
стр. 409
عليه من ماله - أي مال الطفل - احتياطا، إذ لو حمل على أنه أنفق من مال نفسه، أدى إلى الإضرار بالآخرين. انتهى.
ما قولكم في رجل توفيت زوجته ولها منه أولاد، وخلفت مالاً وهم صغار، فتولى عليهم الأب وقبض المال، فلما رشد اثنان منهم، دفع إليهما مالهما، ومات قبل رشد الثالث فطلبه وليه، أو هو حين رشد من التركة لكونه مجهولاً بقاء عينه، فقال الورثة: أنفقه عليك وقد مات الأب ولم يخبر بشئ البتة، فهل يرجع على التركة بقدر نصيبه من إرث أمه أم لا؟
الجواب: يدفع إلى هذا الصغير نصيبه ولا حساب عليه والحالة هذه، إلا أن تقوم بينة شرعية بحساب أبيه عليه، كتبه عبد الله بن محمد ابن ذهلان.
نصيب الابن الثالث مما قبض أبوه ثابت له، يدفع إليه من تركة أبيه حيث لم يثبت أن اباه أنفق عليه مما ثبت له عنده، كتبه عبد الوهاب ابن عبد الله، ومن خطهما نقلت بعد المشافهة منهما لي بذلك، وذلك الجواب بعد إشراف شيخنا على كلام "الأنوار" بل هو الذي نقله من "الانصاف".
قوله: وكذلك الوديعة، يعني أنها تكون دينا في تركته إذا مات ولم يعينها، هذا المذهب، وعليه جماهير الأصحاب. انتهى.
الحمد لله، قال الشهاب ابن حجر الهيثمي المكي في "شرح العباب" ما نصه:
فائدة: في القهوة: حدث قبيل هذا القرن العاشر شراب يتخذ من قشر اللبن، نبت يجلب من نواحي زيلع باليمن يسمى ذلك القهوة، وطال الاختلاف في حلها وطهارتها وضدهما، فمن مفرط يفتي يالإسكار والنجاسة نظرا إلى أنها تورث نشاطا وضراوة تؤثر في البدن عند تركها،
стр. 410
ومن مفرط يفتي بأن شربها قربة فضلا عن الحل والطهارة نظرا إلى أنها تزيل ما في النفس من فتور وكسل وتعين على السهر في العبادات.
والحق في ذلك كله أنه لا إسكار فيها ولا تخدير، وإنما الذي فيها أنها تورث ضررا أو انحرافا في كثير من الأمزجة حتى تخرج عن حد الاعتدال شرعا وعرفا، بل وربما أضرت ببعضها لمضادتها لطبعها من البرودة واليبس.
وفيها أيضا: إن من أدمن عليها لا يمكنه غالبا تركها، كتعاطي نحو الأفيون، وأنت خبير بأن هذا كله لا يوجب تحريمها لذاتها، لأن مناط التحريم التأثير في العقل أو البدن، فحيث انتفى التأثير فيهما عن شئ، حل. وكونها تورث ذلك، ليس لذاتها، كما يقطع بذلك من سبر حال أهلها. وإنما هو تارة من مخالطة من لا خلاق له منهم، وتارة من ضم بعض المخدرات إليها كم أخبر بذلك الجم الغفير منهم، وعنهم:
وحصول الضرر بتركها لا يقتضي تحريمها، لأن ذلك يوجد في كثير من المباحات بل الطيبات. ألا ترى إلى قول عمر ﵁ في اللحم:
إن له ضراوة كضراوة الخمر! والحاصل أن ذاتها مباحة ما لم يقترن بها عارض يقتضي التحريم، كإدارتها على هيئة الخمر المخصوصة بها بخلاف مجرد الإدارة، فإنها لا حرمة فيها، فقد أدار النبي ﷺ اللبن على أصحابه، وسيأتي مخدر معها، أو كاستعمالها لمن لا توافق طبيعته.
ويجمع ذلك كله ما نقل عن المصنف أنه استفتى فيها، فقال: قد تكون وسيلة للخير تارة وللشر تارة أخرى، وللوسائل حكم المقاصد أي فإن قصدت للإعانة على قربة، كانت قربة، أو على مباح كانت مباحة، أو على مكروه كانت مكروهة، أو على حرام كانت حراما، ونقل عن بعض العلماء الثقات.
стр. 411
عن العالم الرباني الشيخ زروق المغربي المالكي أنه قال: لا إسكار فيها، وإنما فيها ضرر بعقل أو بدن ذي السوداء والصفراء، وبما تقرر، علم أن الحزم لكل ذي مروءة ودين اجتنابها، واجتناب مخالطة أهلها، لفساد أقوالهم وأحوالهم، واشتمالهم على قبائح لا تخفى على ذي بصيرة، اللهم إلا أن يكون ذلك لضرورة شرعية. ومن ثم نقل لي بعض العلماء الثقات الأفاضل عن شيخنا - خاتمة المحققين - زكريا الأنصاري أنه كان يشربها للباسور، وأن ذلك المخبر كان يحضرها للشيخ لذلك، وأنه للشيخ: ومن الناس من يزعم إسكارها، فسقه ذلك القول، وشنع على قائله. انتهى كلام ابن حجر.
وفي "شرح مختصر الشيخ خليل المالكي" للإمام العلامة محمد ابن عبد الرحمن الخطاب ما نصه:
فائدة: ظهر في هذا القرن أو قبله بيسير شراب يتخذ من قشر البن يسمى قهوة ، واختلف الناس فيه، فمن مغال يرى أن شربه قربة، ومن قائل يرى أنه مسكر كالخمر.
والحق أنه في ذاته لا إسكار فيه، وإنما فيه تنشيط للنفس، ويحصل بالمداومة عليه ضراوة تؤثر في البدن عند تركه، كمن اعتاد أكل اللحم بالزعفران والمفرحات، فيتأثر عند تركه ويحصل له انشراح في استعماله. غير أنه تعرض له الحرمة لأمور: منها أنهم يجتمعون عليها ويديرونها كما يديرون الخمر، ويصفقون وينشدون أشعارا من كلام القوم، فيها الغزل وذكر المحبة، وذكر الخمرة وشربها، فيسري إلى النفس التشبه بأصحاب الخمر خصوصا لمن كان يتعاطى مثل ذلك، فيحرم حينئذ شربها لذلك مع ما ينضم لذلك من المحرمات. ومنها أن بعض من يبيعها يخلطها بشئ من المفسدات، كالحشيشة ونحوها على ما قيل. ومنها أن شربها في مجامع أهلها يؤدي بالاختلاط بالنساء،
стр. 412
لأنهن يتعاطين بيعها كثيرا، وبالاختلاط بالمرد، لملازمتهم لمواضعها، ولسماع الغيبة والكلام الفاحش، والكذب الكثير من الأراذل الذين يجتمعون لشربها ما يسقط المروءة بالمواظبة عليها. ومنها أنهم يتلهون عن صلاة الجماعة بها، ولوجود ما يلهي من شطرنج ونحوه في مواضعها.
ومنها ما يرجع لذات الشارب، أخبرني والدي حفظه الله عن العارف بالله أحمد زروق أنه سئل عنها في ابتدائها أول أمرها، فقال: أما الإسكار فليست مسكرة، ولكن من كان طبعه السوداء والصفراء، يحرم عليه شربها، لأنها تضر به في بدنه وعقله. ومن كان طبعه البلغم، فإنها توافقه.
وقد كثر في هذه الأيام فيها الجدال، وانتشر فيها القيل والقال، وحدث بسببها فتن وشرور، واختلف فيها متأخروا العلماء وتصانيفهم، ونظمت في ذمها ومدحها القصائد، فالذي يتعين على العاقل أن يتجنبها بالكلية إلا لضرورة شرعية. ومن سلم من هذه العوارض كلها الموجبة للحرمة، فإنها ترجع في حقه إلى أصل الإباحة. وقد عرضت هذا الكلام على سيدي الشيخ العارف بالله محمد بن عراق، وعلى سيدي الوالد أعاد الله علينا من بركتهما، فاستحسناه وأمرا بكتابته. وإنما قلت هذا الكلام لأني لم أر من استوعب في ذلك. انتهى كلام الخطاب. وقد نقله بتمامه الإمام العلامة إبراهيم اللقاني، وأقره في رسالته المسماة "بنصيحة الاخوان باجتناب الدخان" والحمد لله أولا وآخرا، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.
ولأبي مسعود المفتي في الروم:
أقول لإخواني عن القهوة انتهوا ... ... ولا تجلسوا في مجلس هي فيه
وما ذاك عن بعض ولا عن ملالة ... ولكن غدت مشروب كل سفيه
من كتاب الوقف
ومن الوقف، قال في "شرح الإقناع" بعد كلام له سبق: ووقف الهازل، ووقف التلجئة، إن غلب على الوقف جهة التحرير من جهة أنه
стр. 413
لا يقبل الفسخ، فينبغي أن يصح، كالعتق والإتلاف. وإن غلب عليه شبه التمليك، فيشبه الهبة والتمليك، وذلك لا يصح من الهازل على الصحيح، قاله في "الاختيارات". انتهى.
ومن "جمع الجوامع" بعد كلام له سبق: وأصل الاختلاف أن الوقف أخذ شبها من التمليك، وشبها من التحرير. كما لا يخفى ...
إلى أن قال: وقال الحارثي: منشأ الخلاف تردد الوقف بين التحرير والتمليك. انتهى.
ومنه أيضا: هل يصح توقيته بغاية مجهولة أو غير مجهولة؟
على قول من قال: لا يزال وقفا، لا يصح توقيته. ومن قال: يعود ملكا، يصح توقيته. فإن غلب جانب التحرير، فالتحرير لا يتوقت.
وإن غلب جانب التمليك، فتوقيت جميعه قريب من توقيته على بعض البطون، كما لو قال: هذا وقف على زيد سنة ثم على عمرو سنة. انتهى.
ومنه أيضا: القاعدة الثانية والستون: ذكر في القواعد المجهولة: أظنها لجمال الدين الإمام، وقيل: لابن شيخ السلامية. ويقوى عندي أنها لابن قاضي الجبل، لقربها من خطه، ويحتمل أن يكون ابن مفلح والد نظام الدين.
الوقف اغتفر في استدامته من الجهالة أشياء لأنه يشبه العتق، من جهة ثانية القربة، ولذلك يصح تعليقه بالشرط على أحد الوجهين.
ويشبه الهبة إذ هو تبرع في الحياة. ويشبه الوصية من جهة القربة أيضا. انتهى كلامه.
قلت: ويشبه البيع من جهة أنه يشترط فيه إيجاب وقبول في أحد الوجهين، وانتقاله عن ملكه على الخلاف فيه. ويشبه الصدقة من جهة إطلاق اسمها عليه وأنه ربما كان على الفقراء وأهم ماله. ويشبه الإجارة
стр. 414
من جهة ملك المنفعة دون العين. ويشبه الفرس الجيس من جهة تجيس أصله وجواز الانتفاع به. انتهى.
ومن جواب لشيخنا: الصحيح من المذهب أن كل ما لا يصح بيعه، لا يصح وقفه. ومن ذلك وقف ما لم يره، أو كون الواقف أعمى أو لم يره في زمن يتغير فيه. انتهى.
ومن "جمع الجوامع" فرع: تقدم قول: إن الوقف كالعتق. قال في "الفائق": وهل الوقف كالعتق أو البيع؟ فيه وجهان. وفي "الرعاية": الوقف كالعتق، وقيل: كالبيع. انتهى.
ومنه أيضا من "مسائل البقليني": ذكر الرافعي في آخر الركن الأول أنه لو وقف ماله في يد الغاصب، جاز، ولم يذكر التفصيل الذي ذكره في بيع المغصوب من أن يكون قادرا على الانتزاع أم لا.
ويقتضي هذا الإطلاق أن يكون المغلب في الوقف مشابهته للعتق، وتصحيح بطلان وقف أحد العبدين يقتضي مشابهته للبيع، فالوقف فرع يتردد بين أصلين، وقاعدة الشافعي في مثله الحاق الفرع بأكثر الأصلين شبها في الحكم.
فأجاب: الوقف لا يتردد بين البيع والعتق، وإنما يتردد بين التمليك وشبه العتق، ولا توقف في أنه من حيث تمليك المنافع للموقوف عليه يشبه التمليك، ومن حيث زوال الملك في الرقبة عن اختصاص الآدميين يشبه العتق. فإذا وقف ماله في يد الغاصب فمن حيث أن الوقف إنما ورد على الرقبة وذلك تحرير، غلب شبه العتق وصح مطلقا ...
إلى أن قال: والظاهر والله أعلم أنه أكثر شبها بالتمليكات باعتبار التفريعات المقتضية لذلك، والله أعلم. انتهى.
والذي تحرر لنا أن وقف المغصوب لا يصح، لأنه لا يصح وقف
стр. 415
ما لا يصح بيعه، وهذا مما يعضد أنه أقرب إلى التمليكات، كما إليه ميل الشيخ عبد الله مع الإشكال.
ومن أيضا الثاني: أن يكون يجوز بيعها كما قدمناه.
الخامس: لا يصح وقف ما يقدر على تسليمه.
السادس: تقدم في ضبط الموقوف أنه ما يصح بيعه، قاله الحارثي.
السابع: يصح وقف المغصوب وفاقا للشافعي، لجواز بيعه في الجملة.
ومن "الرعاية": وقيل: لا يصح وقف ما ليس قربة، سواء أثم فيه أم لا. ومن له دار يريد التنزه عنها، فالأولى وقفها على الفقراء، ولا يصح وقف مجهول، ولا عليه. انتهى.
ومنه أيضا: قال أبو العباس: إذا وقف على الفقراء، فأقارب الواقف الفقراء أحق من الفقراء الأجانب مع التساوي في الحاجة. انتهى.
ومنه أيضا: إن من الأشياء ما لا يحتاج إلى ذكر المصرف كالمسجد فإنه إذا قال: وقفت هذه الدار مسجدا، صح، ولا يحتاج إلى ذكر المصرف، لأنه معلوم بالضرورة أن المسجد للصلاة. وكذلك إذا قال: وقفت هذا المصحف أو الكتاب، فإنه معلوم بالضرورة أنه موقوف للقراءة فيه وإن لم يذكر قارئاً أو يخصه بمكان. وكذلك إذا قال:
وقفت هذه البئر، فإنه معلوم بالضرورة أنها لمن يشرب منها وإن لم يخص بها قوما من الناس. انتهى.
ومنه: قال الحارثي: ونقل الأثرم: قلت لأبي عبد الله: رجل بينه وبين رجل أرض، فأوقف أحدهما نصيبه فقال: هم يقولون: البيع جائز، فالصدقة والوقف والهبة مثله. إلا أنه إذا وقف أرضا بينه وبين آخر، احتاج إلى أن يحد الأرض كلها، وكذلك في البيع والصدقة، فهو عندي واحد وفاقا لمالك والشافعي.
стр. 416
ونقل جماعة فيمن وقف دارا وإن لم يحدها، قال: وإن لم يحدها إذا كانت معروفة.
وأما الذهب والفضة، فإن كانت دراهم فلا يصح وقفها مطلقا في الأصح. انتهى.
من شرع مسجداً بأن أذن فيه وأقام، وقف ولو لم ينو الوقف، قاله شيخنا.
ومن "جمع الجوامع" الرابع: إذا كان الوقف على درس، أو حضور في مكان القراءة أو غيرها على طائفة مخصوصة، فمن حضر ذلك استحق، سواء كان من أهل البلد أو غيرهم إذا لم يخص أهل البلد. انتهى.
ومنه أيضا: فإن كان الوقف على مدرسة من قرية من قراها أو فيها على حضور في المدرسة، فكل من حضر المدرسة من أهل تلك القرية وغيرها دخل في الوقف، ومن لم يحضر، لم يدخل في الوقف، من أهلها ومن غير أهلها، وتمامه فيه.
ومنه: قال الأثرم في كتابه: قيل لأبي عبد الله: يشترط فيه - يعني الوقف - أن ينفق على نفسه منه. قال: إذا اشترط هذا، فنعم. وذكر الحارثي: إذا وقف على الغير واستثنى الأكل منه، أو الانتفاع مدة معينة أو مدة حياته، جاز. انتهى.
ومنه: وقد بان لك مما قدمناه في هذا الركن أنه يشترط فيه شروط الأول: أن يكون الموقوف عينا. وأن يكون يجوز بيعها. وأن يكون الوقف على بر أو قربة. انتهى.
ومنه أيضا: ولا يشترط لصحة الوقف ولا لزومه إخراجه عن يده في أصح الروايتين، اختاره الأكثر.
وفي "التلخيص" الشرط الخامس من شروط الوقف: إخراجه عن
стр. 417
يده في إحدى الروايتين. فإن مات قبل إخراجه وحيازته، بطل وكان ميراثا، اختارها ابن أبي موسى، لأنه عقد تبرع، فلم يزل بمجرده كالهبة والوصية.
قال الحارثي: الشرط الثاني: إخراجه عن يده، وليس شرطا للصحة بل للزوم، والمذهب عند أبي بكر وابن أبي موسى اعتباره ولم يوردا في كتابيهما خلافه. قال أحمد: الوقف المعروف، أن يخرجه عن يده إلى غيره يوكل فيه ويقوم فيه. وفي رواية حنبل: الوقف يخرجه عن يده إلى من يقوم به، وعلى هذه قال الأصحاب، ابن أبي موسى، والسامري، وصاحب " التلخيص": إن مات قبل إخراجه وحيازته، بطل وكان ميراثا، والقياس يقتضي التسليم إلى المعين الموقوف عليه إذا قيل بالانتقال إليه، وإلا فإلى الناظر أو الحاكم. انتهى.
من "الانصاف" قوله: ولا يشترط إخراج الوقف عن يده في إحدى الروايتين، هذا المذهب وعليه الجمهور. قال المصنف وغيره:
هذا ظاهر المذهب، وقدمه في "المحرر" و "الفروع" و "الرعايتين" و "الحاوي الصغير" و "الفائق" وغيرهم، قال في "التخليص": وهو الأشبه، واختيار أكثر الأصحاب والمنصوص عندهم في الخلاف.
وقال الزركشي: هو المشهور، والمختار المعمول به في الروايتين، وعنه:
يشترط أن يخرجه عن يده، قطع به أبو بكر، وابن أبي موسى في كتابيهما، وقدمه الحارثي في "شرحه" واختاره، وأطلقهما في "الهداية" و "المذهب" و "المستوعب" و "القواعد الفقهية"، ويأتي التنبيه على هذا أيضا عند قول المصنف: عقد لازم.
وقال في "الفروع": ورأيت بعضهم قال: القاضي في خلافه لا يختلف مذهبه أنه إذا لم يكن يصرفه في مصارفه، ولم يخرجه عن يده، أنه يقع باطلا. انتهى.
стр. 418
فائدة: إذا قلنا بالاشتراط، فهل هو شرط لصحة العقد أو للزومه؟
ظاهر كلام جماعة، منهم صاحب "الكافي" و "المحرر" و "الفروع" وغيرهم: إنه شرط للزوم لا شرط للصحة، ويحتمله كلام المصنف، وصرح به الحارثي فقال: وليس شرطاً في الصحة، بل شرط في اللزوم. وجزم به في "المغني" و "الشرح"، وصرح به أبو الخطاب في "انتصاره"، فصاحب "التلخيص" و "الفائق" وغيرهم.
إن مات قبل إخراجه وحيازته، بطل وكان ميراثا، قاله الحارثي.
قلت: وفيه نظر، بل الأولى هنا اللزوم بعد الموت. وظاهر كلام المصنف هنا أن الخلاف في صحة الوقف، وصرح به في "الهداية" و "المذهب" و "مسبوك الذهب" و "المستوعب" وغيرهم، فقال:
هل يشترط في صحة الوقف إخراجه عن يد الواقف؟ على روايتين:
قال في "الخلاصة": لا يشترط في صحة الوقف إخراجه عن يده. انتهى.
وإذا قال: في حقي من العقار الفلاني نخلة وقف على كذا، لا يصح، لأنها مجهولة. وكذا لو قال: من عقاري. وإن أوصى بوقفها - أي النخلة - وأبي الشركاء القسمة، فالذي يظهر أنه إذا كان له ثلث العقار مثلا، جعلت ثلث ثلاث، فلا يفوت الغرض، وأقل ما فيه قول السبكي في "جمع الجوامع": ولابد من تعيين المصرف، فلا يصح على مسجد غير معين، سواء كانت وصية بوقف أو وقف منجز، قاله شيخنا.
من "جمع الجوامع": وكان إن عين وقف كتاب بمكان، فهل يجوز نقله منه؟
ظاهر كلام جماعة: لا يجوز، وقاعدة الفقه على ذلك، ويتوجه جوازه إن انتفع به في المكان المنقول أكثر، وهو المختار. ويتوجه:
إن كان قصد الواقف المكان وعلم بقرينة، لم يجز. وإن كان قصده
стр. 419
النفع دون المكان، جاز. انتهى.
ومنه أيضا قوله: الرابع: أن يقف ناجزا، فإن علقه على شرط غير الموت، لم يصح، هذا المذهب، وتمامه فيه.
ومنه أيضا في جواب للسبكي: قلت: الصحة عندنا: إن وقف الإنسان على نفسه باطل، وإنما يفتي به إذا حكم به حاكم مجتهد يرى صحته فلا ينقض، أو حاكم مقلد لإمام يرى صحته فلا ينقض أيضا إذا كان قد ولي القضاء مطلقا، أو على المذهب ذلك الإمام. وصحة وقف الإنسان على نفسه عند الحنفية إنما يتأتى على قول أبي يوسف، وعند الحنابلة فيها روايتان متكافئتان، وعند مالك باطل، وعند الشافعية وجه ضعيف. انتهى.
ومنه أيضا: وإذا دفع الواقف أو غيره مالاً لناظر أو غيره، وقال اشتر به وقفا لهذه الجهة، فاشترى بالمال بنفسه أو بوكيله شيئا، صار وقفا بمجرد الشراء، ولا يحتاج في ذلك إلى تجديد وقف، لا من الواقف ولا من الناظر ولا من الحاكم على قاعدة مذهبنا. انتهى.
ومنه ذكر في "الاختيارات" أن العادة المستمرة والعرف المستقر في الوقف يدل على شرط الواقف أكثر مما يدل لفظ الاستفاضة، وهو يدل على ثلاثة أشياء:
الأول: إن العادة المستمرة تدل على شرط الواقف، يعني لو استمر الوقف على أمر من تفرقة، أو تفاضل، أو تسوية، أو عمل بشئ، ولم يعلم شرط الواقف، دل على أن ذلك في شرط الواقف، أو هو شرط الواقف. وقد يكون المراد بالعادة المستمرة العادة الواقعة بين الناس إذا كانوا اعتادوا وضع شئ بشئ واستمر الأمر في ذلك عليها، ووجد ذلك في لفظ واقف، حمل على تلك العادة المستمرة.
الثاني: العرف يدل على شرط الواقف، يعني لو كان في عرف أهل
стр. 420
البلد - أي البلد الواقف - شئ من لفظ مستعمل لشئ، فوجد في لفظ واقف من أهل ذلك البلد، دل العرف على أنه مراد الواقف، وأنه الشرط الذي شرطه.
الثالث: الاستفاضة تدل على شرط الواقف، وأنها دون العادة والعرف. انتهى.
ومنه أيضا: لو سبل ماء للشرب، ففي كراهة الوضوء منه وتحريمه وجهان: في "فتاوى ابن الزاغوني" وغيرها:
قال شيخنا أبو الحسن في تصحيح "الفروع": ظاهر كلام الأصحاب في الوقف التحريم. انتهى.
ومنه القاعدة التاسعة والثمانون: إذا وقف عليه كتابا أو مصحفا، جاز له أن يقرأ فيه ويعيره ويؤجره.
القاعدة الخامسة والتسعون: إذا وقفه عليه عليه ليقرأ فيه، فهل له أن يؤجره لمن يقرأ فيه؟
إن قلنا: يملكه، جاز، وإلا فلا. فإن شرط أن يقرأ فيه ولا يؤجره لم يجز له إجارته.
ومن "جمع الجوامع": القاعدة السادسة والثلاثون بعد المئة: في "فتاوى السبكي": وصى قرابغا أن يوقف عنه ما ذكر أنه في ملكه، وهو حصته من ضيعة معينة، وأن يشتري من ثلث ماله حصة معلومة من ضيعة أخرى عينها، وتوقف على تربته ومسجده. فتبين أن الضيعة الأولى ليست ملكه، ولا يمكن تملكها، لأنها وقف.
والثانية: تعذر شراؤها، وأراد أوصياؤه أن يشتروا طاحونا ويوقفوها بدلا عن ذلك، وكانت الطاحون لأيتام، قصد المتكلم للأيتام بيعها عليهم في وفاء دين أبيهم، فقيل: إن الطاحون ورثها الأيتام من أمهم ولا دين عليها، لكن لهم أملاك من جهة أبيهم، دينه متعلق بها،
стр. 421
وبيع الطاحون وتبقية غيرها من الأملاك، أصلح لهم من بيع غيرها، فعرض هنا مسألتان:
فأما الضيعة التي ظن أنها ملكه وتبين وقفيتها، فلا تصح الوصية بوقف عينها، ولكن هل يوقف غيرها مكانها؟ يحتمل أن يقال بذلك، ويحتمل أن يقال: الوصية تبطل بالكلية، ولم أر في مذهبنا نقلا، ولا عند الحنفية ولا المالكية. لكن في "المغني" في الوصية: لو قال:
أوصيت لك بعيد من عبيدي ولا عبيد له، لم تصح الوصية، لأنه أوصى له بلا شئ.
وقد روي عن أحمد في رجل قال في مرضه: أعطوا فلانا من كيسي مائة درهم ولم يكن فيه شئ، يعطى مائة درهم، فلا تبطل الوصية، لأنه قصد إعطاء مائة درهم وصفها في الكيس. فإذا لم تكن في الكيس، أعطي من غيره، فكذلك يخرج الوصية بعبد من عبيده إذا لم يكن له عبد، أن يشترى من تركته عبد ويعطى إياه. انتهى كلام "المغني".
قال: وما نقله ابن منصور عن أحمد، وذلك لأن وراء مسألة العبيد أن يقول: أعطوه ألفا من دراهمي التي في الكيس، والمنقول عن أحمد ليس كذلك، وإنما قال: أعطوه ألفا من الكيس. والإعطاء من الكيس ليس مقصودا، فنظيره أن يقول: أعطوه عبدا من الدار أو من المسجد.
فهذا يقارب مسألة العبيد ومسألتنا. وقال: ونعلم أنه لا تعلق بنص أحمد لا في هذه ولا في هذه، والمعنى في الفرق أن وجود الدراهم في تركته يقتضي صحة الوصية، فإن الموصى به جزء منها، وإنما جعل الكيس على ابتداء إتمام الإعطاء، فالموصى به شئ موجود. ولو قال: بألف درهم من دراهمي التي في الكيس ولم يكن فيه دراهم، كان ذلك نظير مسألة العبيد، لأن الموصى به غير موجود.
قال: وأما أصحابنا فقد جزموا بالقول: إنه إذا قال: أعطوه رأسا
стр. 422
من رقيقي ولم يكن له رقيق يوم الوصية ولا يوم الموت، إن الوصية باطلة.
قال: والذي أقول: إن ذلك يخالف الوصية بالوقف، فإن الوصية بالوقف، المقصود منها منفعة الموقوف عليه لاسيما ما يجب، لأن الموصي المذكور شرع في بناء المسجد والتربة، وتحصيل وقفه لهما، وأنفق منه إيقاف الضيعة المذكورة عليها، بعد أن أخرج من ماله مبلغا وأرصده لجهة الوقف ليشتري به ما يوقفه، فلا شك أن غرضه الأعظم تحصيل وقف، أي وقف كان، ونص على الضيعة المذكورة بظنه أنها له.
وأما من يقول: أعطوه داري الفلانية وتبين أنها ليست له، أو أعطوه عبدا من عبيدي وتبين أنه لا عبد له، فالغرض الأعظم فيه وفيما اشترى من الوصايا إخراج جزء من المال صدقة بعد الموت. وتعين المصرف من ذلك أو من غيره يقصد، وقصد دون قصد الأول، فبان الفرق بين الآخرين، الأعظم في الموضعين وهما: الوقف المؤبد، والوصية المعجلة.
والوصية بالوقف المؤبد أيضا تنقسم إلى ما يظهر غرضه في إخراج شئ من التركة صدقة ويجعل وقفا، والقسم الأول أقوى في غرض البقاء.
والنظر إلى المالية لا على عين المنصوص عليه، وهو الذي يتكلم فيه ليقوى قوة قوية أنه متى تعذر وقف الضيعة المذكورة، يشتري من التركة ما يقوم مقامها، ولا يفرق تردد ذلك إلى الورثة أيضا لا إلى الوصية، بل يشري محافظة على قصده. وكذا ينبغي أن يشترلا ما يكون مثل المنصوص عليه أو أجود من العقار، ولا يشرى من العقار ما دون المنصوص عليه، محافظة على غرضه بقدر الإمكان.
واعلم يا أخي أن كثيرا من المسائل - ترد الفتاوى عن المتقدمين -
стр. 423
منصوصة في الكتب، ويكون المأخذ فيها يختلف باعتبار قصد المتكلم وغرضه، وتحصيل الأجوبة فيها في الغالب على مقتضى اللفظ، وفي بعض الأوقات يحصل الجواب على ما يفهم من القصد، كما اتفق فيما حكيناه في هذه المسألة عن أحمد، ووقائع جزئية في الأحكام والفتاوى في زمننا يظهر فيها من القرائن الدالة على ما لا يمكن التعبير عنه ووضعه في كتب الفقه، كمسألتنا هذه، فإن القرائن الدالة على قصد وافقها وقفا دائما لتربته ومسجده كثيرة يكاد يقطع بها، ولا تحصرها العبارة، فإبطال الوصية معها ورد ذلك على الورثة يكاد يقطع ببطلانه. هذا ما يتعلق بالضيعة التي أوصى بوقفها ظنا منه أنها له.
قلت: وكلامه هذا فيها محض الفقه. قال: وأما الضيعة التي أوصى بأن تشتري وتوقف وتعذر ذلك، فقد رأيت في كتب الحنفية في "الفتاوى الظهيرية" قال: ولو أن رجلا أوصى بأن يشتري بهذه الالف ضيعة في موضع كذا وتوقف على المساكين، فلم يوجد هناك ضيعة، لا يجوز للقاضي أن يشتري ضيعة في موضع آخر.
قال أبو نصر: ليس للوصي أن يصرف ذلك إلى مؤونة المساجد.
وإن لم يجد الضيعة في ذلك الموضع، يشتري ضيعة في أقرب المواضع التي سمى، ويجعلها وقفا على ما سمى. انتهى كلام "الفتاوى الظهيرية".
قال: وأنا أختار ما قاله أبو نصر من كونه يشتري ضيعة في أقرب المواضع التي سمى، إذا نص على الموضع. وقواعد الشافعية تقتضيه ولا تأباه. قلت: وأظن أنه قد ورد عن أحمد نص في ذلك، لكن لم يحضرني الآن موضعه. لكن عندنا مسألة مثل هذه المسألة وهي:
إذا أوصى أن يشتري عبد فلان، فلم يبعه، أو أعتقه، أو مات، قلت: مضاهاة القول في المسألة أن الضيعة التي أوصى بوقفها فبانت
стр. 424
موقوفة، أو ليست له، أو مستحقة ونحو ذلك، أن يشتري مثلها ويوقفها.
وأما الثانية التي أوصى أن تشتري قتوقف، فلم يبعها مالكها، أو بانت موقوفة، أن يشتري مثلها أيضا. كل ذلك إذا خرجتا من الثلث، أو جاز الورثة ... إلى أن قال: وكل ما وقع مثل الموصى إليه فيه، له أن يأخذه ويشتري به ذلك. ثم هل يصير وقفا بمجرد الشراء، أو يحتاج إلى وقف من الموصى إليه؟ يتوجه وجهان: المختار: يصير وقفاً بمجرد الشراء، وله أن يقفه على نفسه إذا أوصى إليه بذلك. فإن أوصى أن يقفه على جار أو فقير ونحوه، وكان كذلك، فهل له أن يقفه على نفسه؟ يخرج على وجهين: في الوكيل، هل له أن يبيع من نفسه؟ وهل له أن يقف على ولده أو قريبه؟ انتهى.
ومنه أيضا: ذكر أبو الحسن "في الاختيارات": إن من وقف وقفا مستقلا ثم ظهر عليه دين، ولم يمكن وفاء الدين إلا ببيع شئ من الوقف وهو في مرض الموت، بيع بالاتفاق. وإن كان الوقف في الصحة، فهل يباع لوفاء الدين؟ فيه خلاف في مذهب أحمد وغيره.
قال أبو العباس: وبيعه قوي. قال أبو الحسن: وظاهر كلام أبي العباس: ولو كان الدين حادثا بعد الوقف، قال: وليس هذا بأبلغ من التدبير، وقد ثبت عنه ﷺ أنه باع المدبر في الدين. انتهى.
ثم كتب على هامش الجواب بخطه: لعل هذا هو المراد بالحكم،
стр. 425
لأنه في مدة الإجارة لا نزاع في بقائه، وإنما النزاع بعد انقضائها، فالمراد بالحكم هو ما بعد انقضائها، ولهذا يقول الحاكم: مع العلم بالخلاف. هذا إن حكم قبل انقضاء المدة، وإن حكم بعد انقضائها، فلا يقلع مجانا بلا نزاع، لأن حكم الحاكم بالمختلف فيه يرفع النزاع. انتهى كلام ابن اللحام.
ومن "القواعد" الثاني: التصرفات المالية، كالعتق، والوقف، والصدقة، والهبة، إذا تصرف بها وعليه دين ولم يكن حجر عليه، فالمذهب صحة تصرفه وإن استغرق ماله في ذلك. واختار الشيخ: لا ينفذ شئ من ذلك مع مطالبة الغرماء، وحكاه قولا في المذهب. انتهى.
لا يصح بيع الوقف إلا أن تعطلت مصالحه. فإن لم تتعطل، لم يصح ولو مصلحة إلا على قول، والمذهب خلافه، فليس كالأضحية، قاله شيخنا.
ومن "المغني": وجملته أن الواقف إذا اشترط في الوقف أن ينفق منه على نفسه، صح الوقف والشرط، نص عليه أحمد، وبذلك قال ابن أبي ليلى، وابن شبرمة، وأبو يوسف، والزبيري، وابن شريح.
وقال مالك، والشافعي، ومحمد بن الحسن: لا يصح الوقف، لأنه إزالة الملك، فلم يجز اشتراط نفعه لنفسه، كالبيع والهبة. انتهى.
ومن "الشرح الكبير" وعنه: لا يلزم الوقف إلا بالقبض وإخراج الوقف عن يده، اختاره ابن أبي موسى، كالهبة، والصحيح الأول.
وذهب أبو حنيفة إلى أن الوقف لا يلزم بمجرده، وللواقف الرجوع فيه، إلا ان يوصي به بعد موته، فيلزم أو يحكم بلزومه حاكم. انتهى.
قال ابن قندس: قال القاضي في خلافه: ولا يختلف مذهبه أنه إذا لم يكن يصرفه في مصارفه، ولم يخرجه عن يده، أنه يقع باطلا. ظاهره
следующие страницы →