Полный текст (951 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.
стр. 421
وبيع الطاحون وتبقية غيرها من الأملاك، أصلح لهم من بيع غيرها، فعرض هنا مسألتان:
فأما الضيعة التي ظن أنها ملكه وتبين وقفيتها، فلا تصح الوصية بوقف عينها، ولكن هل يوقف غيرها مكانها؟ يحتمل أن يقال بذلك، ويحتمل أن يقال: الوصية تبطل بالكلية، ولم أر في مذهبنا نقلا، ولا عند الحنفية ولا المالكية. لكن في "المغني" في الوصية: لو قال:
أوصيت لك بعيد من عبيدي ولا عبيد له، لم تصح الوصية، لأنه أوصى له بلا شئ.
وقد روي عن أحمد في رجل قال في مرضه: أعطوا فلانا من كيسي مائة درهم ولم يكن فيه شئ، يعطى مائة درهم، فلا تبطل الوصية، لأنه قصد إعطاء مائة درهم وصفها في الكيس. فإذا لم تكن في الكيس، أعطي من غيره، فكذلك يخرج الوصية بعبد من عبيده إذا لم يكن له عبد، أن يشترى من تركته عبد ويعطى إياه. انتهى كلام "المغني".
قال: وما نقله ابن منصور عن أحمد، وذلك لأن وراء مسألة العبيد أن يقول: أعطوه ألفا من دراهمي التي في الكيس، والمنقول عن أحمد ليس كذلك، وإنما قال: أعطوه ألفا من الكيس. والإعطاء من الكيس ليس مقصودا، فنظيره أن يقول: أعطوه عبدا من الدار أو من المسجد.
فهذا يقارب مسألة العبيد ومسألتنا. وقال: ونعلم أنه لا تعلق بنص أحمد لا في هذه ولا في هذه، والمعنى في الفرق أن وجود الدراهم في تركته يقتضي صحة الوصية، فإن الموصى به جزء منها، وإنما جعل الكيس على ابتداء إتمام الإعطاء، فالموصى به شئ موجود. ولو قال: بألف درهم من دراهمي التي في الكيس ولم يكن فيه دراهم، كان ذلك نظير مسألة العبيد، لأن الموصى به غير موجود.
قال: وأما أصحابنا فقد جزموا بالقول: إنه إذا قال: أعطوه رأسا
стр. 422
من رقيقي ولم يكن له رقيق يوم الوصية ولا يوم الموت، إن الوصية باطلة.
قال: والذي أقول: إن ذلك يخالف الوصية بالوقف، فإن الوصية بالوقف، المقصود منها منفعة الموقوف عليه لاسيما ما يجب، لأن الموصي المذكور شرع في بناء المسجد والتربة، وتحصيل وقفه لهما، وأنفق منه إيقاف الضيعة المذكورة عليها، بعد أن أخرج من ماله مبلغا وأرصده لجهة الوقف ليشتري به ما يوقفه، فلا شك أن غرضه الأعظم تحصيل وقف، أي وقف كان، ونص على الضيعة المذكورة بظنه أنها له.
وأما من يقول: أعطوه داري الفلانية وتبين أنها ليست له، أو أعطوه عبدا من عبيدي وتبين أنه لا عبد له، فالغرض الأعظم فيه وفيما اشترى من الوصايا إخراج جزء من المال صدقة بعد الموت. وتعين المصرف من ذلك أو من غيره يقصد، وقصد دون قصد الأول، فبان الفرق بين الآخرين، الأعظم في الموضعين وهما: الوقف المؤبد، والوصية المعجلة.
والوصية بالوقف المؤبد أيضا تنقسم إلى ما يظهر غرضه في إخراج شئ من التركة صدقة ويجعل وقفا، والقسم الأول أقوى في غرض البقاء.
والنظر إلى المالية لا على عين المنصوص عليه، وهو الذي يتكلم فيه ليقوى قوة قوية أنه متى تعذر وقف الضيعة المذكورة، يشتري من التركة ما يقوم مقامها، ولا يفرق تردد ذلك إلى الورثة أيضا لا إلى الوصية، بل يشري محافظة على قصده. وكذا ينبغي أن يشترلا ما يكون مثل المنصوص عليه أو أجود من العقار، ولا يشرى من العقار ما دون المنصوص عليه، محافظة على غرضه بقدر الإمكان.
واعلم يا أخي أن كثيرا من المسائل - ترد الفتاوى عن المتقدمين -
стр. 423
منصوصة في الكتب، ويكون المأخذ فيها يختلف باعتبار قصد المتكلم وغرضه، وتحصيل الأجوبة فيها في الغالب على مقتضى اللفظ، وفي بعض الأوقات يحصل الجواب على ما يفهم من القصد، كما اتفق فيما حكيناه في هذه المسألة عن أحمد، ووقائع جزئية في الأحكام والفتاوى في زمننا يظهر فيها من القرائن الدالة على ما لا يمكن التعبير عنه ووضعه في كتب الفقه، كمسألتنا هذه، فإن القرائن الدالة على قصد وافقها وقفا دائما لتربته ومسجده كثيرة يكاد يقطع بها، ولا تحصرها العبارة، فإبطال الوصية معها ورد ذلك على الورثة يكاد يقطع ببطلانه. هذا ما يتعلق بالضيعة التي أوصى بوقفها ظنا منه أنها له.
قلت: وكلامه هذا فيها محض الفقه. قال: وأما الضيعة التي أوصى بأن تشتري وتوقف وتعذر ذلك، فقد رأيت في كتب الحنفية في "الفتاوى الظهيرية" قال: ولو أن رجلا أوصى بأن يشتري بهذه الالف ضيعة في موضع كذا وتوقف على المساكين، فلم يوجد هناك ضيعة، لا يجوز للقاضي أن يشتري ضيعة في موضع آخر.
قال أبو نصر: ليس للوصي أن يصرف ذلك إلى مؤونة المساجد.
وإن لم يجد الضيعة في ذلك الموضع، يشتري ضيعة في أقرب المواضع التي سمى، ويجعلها وقفا على ما سمى. انتهى كلام "الفتاوى الظهيرية".
قال: وأنا أختار ما قاله أبو نصر من كونه يشتري ضيعة في أقرب المواضع التي سمى، إذا نص على الموضع. وقواعد الشافعية تقتضيه ولا تأباه. قلت: وأظن أنه قد ورد عن أحمد نص في ذلك، لكن لم يحضرني الآن موضعه. لكن عندنا مسألة مثل هذه المسألة وهي:
إذا أوصى أن يشتري عبد فلان، فلم يبعه، أو أعتقه، أو مات، قلت: مضاهاة القول في المسألة أن الضيعة التي أوصى بوقفها فبانت
стр. 424
موقوفة، أو ليست له، أو مستحقة ونحو ذلك، أن يشتري مثلها ويوقفها.
وأما الثانية التي أوصى أن تشتري قتوقف، فلم يبعها مالكها، أو بانت موقوفة، أن يشتري مثلها أيضا. كل ذلك إذا خرجتا من الثلث، أو جاز الورثة ... إلى أن قال: وكل ما وقع مثل الموصى إليه فيه، له أن يأخذه ويشتري به ذلك. ثم هل يصير وقفا بمجرد الشراء، أو يحتاج إلى وقف من الموصى إليه؟ يتوجه وجهان: المختار: يصير وقفاً بمجرد الشراء، وله أن يقفه على نفسه إذا أوصى إليه بذلك. فإن أوصى أن يقفه على جار أو فقير ونحوه، وكان كذلك، فهل له أن يقفه على نفسه؟ يخرج على وجهين: في الوكيل، هل له أن يبيع من نفسه؟ وهل له أن يقف على ولده أو قريبه؟ انتهى.
ومنه أيضا: ذكر أبو الحسن "في الاختيارات": إن من وقف وقفا مستقلا ثم ظهر عليه دين، ولم يمكن وفاء الدين إلا ببيع شئ من الوقف وهو في مرض الموت، بيع بالاتفاق. وإن كان الوقف في الصحة، فهل يباع لوفاء الدين؟ فيه خلاف في مذهب أحمد وغيره.
قال أبو العباس: وبيعه قوي. قال أبو الحسن: وظاهر كلام أبي العباس: ولو كان الدين حادثا بعد الوقف، قال: وليس هذا بأبلغ من التدبير، وقد ثبت عنه ﷺ أنه باع المدبر في الدين. انتهى.
ثم كتب على هامش الجواب بخطه: لعل هذا هو المراد بالحكم،
стр. 425
لأنه في مدة الإجارة لا نزاع في بقائه، وإنما النزاع بعد انقضائها، فالمراد بالحكم هو ما بعد انقضائها، ولهذا يقول الحاكم: مع العلم بالخلاف. هذا إن حكم قبل انقضاء المدة، وإن حكم بعد انقضائها، فلا يقلع مجانا بلا نزاع، لأن حكم الحاكم بالمختلف فيه يرفع النزاع. انتهى كلام ابن اللحام.
ومن "القواعد" الثاني: التصرفات المالية، كالعتق، والوقف، والصدقة، والهبة، إذا تصرف بها وعليه دين ولم يكن حجر عليه، فالمذهب صحة تصرفه وإن استغرق ماله في ذلك. واختار الشيخ: لا ينفذ شئ من ذلك مع مطالبة الغرماء، وحكاه قولا في المذهب. انتهى.
لا يصح بيع الوقف إلا أن تعطلت مصالحه. فإن لم تتعطل، لم يصح ولو مصلحة إلا على قول، والمذهب خلافه، فليس كالأضحية، قاله شيخنا.
ومن "المغني": وجملته أن الواقف إذا اشترط في الوقف أن ينفق منه على نفسه، صح الوقف والشرط، نص عليه أحمد، وبذلك قال ابن أبي ليلى، وابن شبرمة، وأبو يوسف، والزبيري، وابن شريح.
وقال مالك، والشافعي، ومحمد بن الحسن: لا يصح الوقف، لأنه إزالة الملك، فلم يجز اشتراط نفعه لنفسه، كالبيع والهبة. انتهى.
ومن "الشرح الكبير" وعنه: لا يلزم الوقف إلا بالقبض وإخراج الوقف عن يده، اختاره ابن أبي موسى، كالهبة، والصحيح الأول.
وذهب أبو حنيفة إلى أن الوقف لا يلزم بمجرده، وللواقف الرجوع فيه، إلا ان يوصي به بعد موته، فيلزم أو يحكم بلزومه حاكم. انتهى.
قال ابن قندس: قال القاضي في خلافه: ولا يختلف مذهبه أنه إذا لم يكن يصرفه في مصارفه، ولم يخرجه عن يده، أنه يقع باطلا. ظاهره
стр. 426
أن المراد مذهب أحمد، وظاهر ما قاله الشيخ تقي الدين: إن المراد مذهب مالك، فإنه قال: اختلفوا هل يشترط لصحة الوقف إخراج الأعيان عن يده؟ على قولين:
أحدهما: عدم الاشتراط، وهو ظاهر المذهب، وقول أبي حنيفة والشافعي.
والثاني: اشتراطه كقول مالك، وإحدى الروايتين عن أحمد، وعن مالك: إنه إن كان الواقف يصرفه في مصارفه المشترطة، لم يشترط إخراجه عن يده.
قال القاضي: في خلافه لا يختلف مذهبه إلى آخره.
ولعل المصنف نقل كلامه من كلام ابن قاضي الجبل، قال في بعض الأصحاب: إن كلامه يفهم ما نقله المصنف. انتهى.
ومن "جمع الجوامع": الشرط الخامس من شروط الوقف إخراجه عن يده في إحدى الروايتين. فإن مات قبل إخراجه وحيازته، وكان ميراثا، اختارها ابن أبي موسى، لأنه عقد تبرع، فلم يلزم بمجرده، كالهبة، والوصية، والمذهب عند أبي بكر، وابن أبي موسى: اعتباره، ولم يوردا في كتابيهما خلافه. وفي رواية حنبل: يخرجه عن يده إلى من يقوم به. قال الأصحاب: ابن أبي موسى، والسامري، وصاحب "التلخيص": وإن مات قبل خروجه، بطل وكان ميراثا. انتهى.
إذا وقف ولم يخرجه عن يده، لزم على المذهب، وعلى مقابله أنه غير لازم، أو غير صحيح، فهل بيعه يكون رجوعا؟
الظاهر أن رجوع، لا خروجه إلى الموقوف عليه أو الناظر. لكن إن كان شرط النظر لنفسه، دفعه لغيره ثم قبضه منه ثانيا عن الخلاف، قاله شيخنا،
стр. 427
من "الانصاف" قوله: ولا يشترط القبول إلا أن يكون على آدمي معين.
ففيه وجهان: إذا وقف وقفا، فلا يخلو: إما أن يكون على آدمي معين أو غيره. فإن كان على غير معين، فقطع المصنف هنا أنه لا يشترط القبول، وهو صحيح، وهو المذهب، وعليه الأصحاب.
وذكر الناظم احتمالا يقبله نائب الامام.
وإن كان الموقوف عليه آدميا معينا - زاد في "الرعايتين": أو جمعا محصورا - فهل يشترط قبوله، أم لا يشترط؟
فيه وجهان ... إلى أن قال: الوجه يشترط. قال في "المذهب" و "الخلاصة": يشترط في الأصح. قال الناظم: هذا أقوى، وقدمه في "الهداية" و "المستوعب" و "الرعاية الصغرى" و "الحاوي الصغير"، وأطلقهما في "مسبوك الذهب" و "التلخيص" و "شرح ابن منجا" و "الرعاية الكبرى" و "الزركشي" و "تجريد العناية".
قال الشيخ تقي الدين: وأخذ الريع قبول ... إلى أن قال: فعلى المذهب لا يبطل برده، فرده وقبوله وعدمهما واحد كالعتق، جزم به في "المغني" و "الشرح". وقال أبو المعالي في "الهداية": يرتد برده، كالوكيل إذا رد الوكالة وإن لم يشترط لها القبول، قال الحارثي:
وهذا أصح. وعلى القول بالاشتراط، قال الحارثي: يشترط اتصال القبول بالايجاب. فإن تراخى عنه، بطل كما يبطل في البيع والهبة، وعلله ثم قال: قوله: فإن لم يقبله، أو رده، بطل في حقه دون من يعده، هذا مفرع على القول باشتراط القبول.
قوله: ولا يشترط إخراج الوقف عن يده.
في إحدى الروايتين - وهو المذهب، وعليه الجمهور - وعنه:
يشترط أنه يخرجه عن يده، قطع به أبو بكر، وابن أبي موسى، وقدمه
стр. 428
الحارثي واختاره، وأطلقهما في "الهداية" و "المذهب" و "المستوعب" و "القواعد الفقهية". قال القاضي: لا يختلف مذهبه أنه إذا لم يكن يصرفه في مصارفه ولم يخرجه عن يده، أنه يقع باطلا. انتهى.
فعلى القول بالاشتراط، فالمعتبر عن أحمد إلى ناظر يقوم به، قاله الحارثي. والقياس يقتضي التسليم إلى المعين الموقوف عليه إذا قيل بالانتقال إليه، وإلا فإلى الناظر والحاكم. انتهى.
وعلى القول بالاشتراط أيضا: لو شرط نظره لنفسه، سلمه لغيره ثم ارتجعه منه، قاله في "الفروع".
قال الحارثي: وأما التسليم على من ينصبه هو، فالمنصوب إما غير ناظر، فوكيل محض يده كيده، وإما ناظر، فالنظر لا يجب شرطه لآخر، فالتسليم إلى الغير غير واجب. انتهى. قلت: وهو الصواب.
وإذا قلنا بالاشتراط، فهل هو شرط للزوم أو للصحة؟
ظاهر كلام جماعة، منهم صاحب "الكافي" و "المحرر" و "الفروع" وغيرهم، أنه شرط للزوم، لا شرط للصحة، ويحتمله كلام المصنف، وصرح به الحارثي فقال: وليس للصحة، بل شرط للزوم. وجزم به في "المغني" وصرح به أبو الخطاب، وصاحب "التلخيص" وغيرهم، قاله في القاعدة التاسعة والأربعين.
فعلى هذا، قال ابن أبي موسى، والسامري، وصاحب "التلخيص" و "الفائق" وغيرهم: إن مات قبل إخراجه وحيازته، بطل وكان ميراثا، قاله الحارثي وغيره.
قلت: وفيه هنا نظر، بل الأولى هنا اللزوم بعد الموت. وظاهر كلام المصنف هنا أن الخلاف في صحة الوقف، وصرح به في "الهداية" و "المذهب" و "مسبوك الذهب" و "المستوعب" وغيرهم، فقالوا: هل يشترط في صحة الوقف إخراجه عن يد الواقف؟ على روايتين:
стр. 429
قال في "الخلاصة": ولا يشترط في صحة الوقف إخراجه عن يده. انتهى.
قال الدميري في "شرح المنهاج": قال السبكي: قال لي ابن الرفعة: أفتيت ببطلان وقف خزانة كتب وقفها واقف لتكون في مكان معين في مدرسة الصاحبية بمصر. انتهى.
ومن جواب لمحمد بن ملا على الواعظ: الثالثة: إن الغراس المذكور، إن استغنى الوقف عن غرسه فيه، وكان إبقاؤه ربما يضر بالأمات، أو لا مصلحة في تركه، صح للناظر بيعه وصرف ثمنه في مصلحة الوقف، ولا يعطى الموقوف عليه منه شيئاً إذ لا حق له إلا في الغلة وليس ذا منها. انتهى.
فائدة: قال ابن حجر الهيثمي في "تحفة المحتاج في شرح المنهاج":
وأفتى جمع المتأخرين في نخل وقف مع أرضه ثم حدث منها ودي، بأن تلك الودي الخارجة من أصل النخلة جزء منها فلها حكمها كأغصانها.
قال شيخنا المحقق عمر بن عبد الرحيم الحسيني في "حاشيته" عليها: قوله ك كأغصانها. يؤخذ منه أنه يجوز قلعها حيث اعتيد أو شرطه الواقف. ومثله فيما يظهر ما لو أضرت بأصلها. وحيث قلعت، فهي ملك للموقوف عليه كأغصانها حيث جاز قطعها. انتهى. فعليه هي كالريع يتصرف فيها المالك بنفسه وبغيره كالثمرة، والله أعلم. انتهى.
فائدة: الودي الخارج من أصل النخلة الموقوفة لا يصح بيعه ، لأنه جزء منها كأغصانها. نعم! لو قلعها نحو ريح وتعذر الانتفاع بها، انقطع الوقف عنها، وملكها الموقوف عليه حينئذ. وإن أمكن الانتفاع بها جذعا بإجارة، فلا، أفتى به شيخ الإسلام محمد بن محمد بن عبد المنعم الشافعي. انتهى.
стр. 430
الظاهر جواز بيعه، لكن يجعل ثمنه في وقف، لأنه بأصوله اشبه منه بالثمرة، وكذا أجاب الخزرجي، ونقل عن الشيخ منصور، قاله شيخنا.
ومن جواب للشيخ عبد الله، وأما جذع النخلة الوقف إذا انكسر، أو فنى وهو باق، فإنه يباع ويشري بثمنه مثله. فإن لم يبلغ مثله ولا بعض مثله، اشترى به ما ينتفع به الموقوف عليه ولو من غير جنسه، نحو قدح، أو ماعون غيره. انتهى.
ومن جواب للشيخ سليمان: وأما فراخة النخل الوقف، فيشري بثمنها نخلة أو بعضها، وإلا صرفت في مصالح النخل. انتهى.
ومن جواب للشيخ محمد بن عثمان الشافعي ﵀: وأما الودي الذي ينبت في أصول النخل الموقوف، هل يكون حكمه حكم النخل، أم يكون كالثمرة؟
فأفتى جمع متأخرون بأن الودي الخارج من أصل النخلة جزء منها، فله حكمها كأغصانها، وسبقهم بنحو ذلك السبكي، فإنه أفتى في أرض وقف وقف فيها شجر موز، فزالت بعد أن نبت في أصولها فراخ، ثم كذلك في الثانية وهكذا، بأن الوقف ينسحب على كل ما ينبت من تلك الفراخ المتكررة من غير احتياج إلى إنشائه. وأفتى آخرون بأنها للموقوف عليه، لأنها من الفوائد الحادثة، فتلحق بالثمرة ونحوها. وكفى بكل من القائلين أسوة.
وأما جريد النخل الموقوف إذا كان رطبا، هل يجوز لمستحقه قطعه، أم لا إلا بعد يبسه؟
فالجواب: إنه لا يجوز للموقوف عليه أن يقطع من أغصان الموقوف إلا ما اعتيد قطعه من الجريد اليابس الذي هو من جمل فوائد الموقوف التي يملكها الموقوف عليه، كالثمرة ونحوها، والله أعلم. انتهى.
стр. 431
ووجدت بخط الشيخ عبد الرحمن بن عبد الله بن حسين الشافعي ما صورته:
ما تحت النخلة الموقوفة، إن كان في جذعها: دخل في وقفها، وإن كان نابتا في حوضها لم يدخل، لاستقلاله فلا يشمله لفظها. انتهى.
ومن فتاوى الشهاب ابن حجر: إذا شرط الواقف أن يفرق كذا يوم عاشوراء. فهل يلزم - وإذا تعذر التفريق فيه يؤخر إلى عاشوراء الثاني - أو لا؟
فأجاب: يجب أن يفرق يوم عاشوراء. فإن اتفق تأخيره عنه فرق عند الإمكان، ولا يؤخر إلى عاشوراء الثاني.
وسئل أيضا عمن وقف نخلة ولها أولاد وبعضها يضر بفاؤه، فهل يجوز قطع المضر، وما يفعل به إذا قطع؟
فأجاب: يجوز قطع المضر. ثم ما حدث بعد الوقفية، أفتى جمع بأن حكمه حكم الأصل فيكون وقفا. ويشهد له ما قاله السبكي في شجر الموز. وأفتى آخرون بأنه للموقوف عليه، واختلفوا في الموجود حال الوقفية، قال بعضهم: والذي تحرر لي بعد التثبت أياما، أنه إن أمكن نقله إلى مكان آخر، فعل وإلا بيع ويشتري بثمنه نخلة، أو يشارك به في نخل يقوم مقام الأصل، وتجري عليه أحكامه، وتصرف غلته في مصارفه، ولذلك شاهد من كلامهم، وهو متجه. انتهى.
الظاهر أن هذا موافق لمذهبنا، والعمل عليه، قاله شيخنا.
ومن جواب للشيخ أبي المواهب بن عبد الباقي: وأما ودي النخل الحادث بعده فهو كالأصل. انتهى.
ومن جواب للشيخ سليمان بن علي: وأما فراخة الوقف، فإن كان أخذها أصلح، جاز، ويشتري بثمنها نخلة أو بعضها تصرف مصرف الوقف، وإلا صرفت في مصالح الوقف. انتهى.
стр. 432
ومن جواب للشيخ سليمان بن علي أيضا: الظاهر أن فسيل النخل الذي لا يترجى كونه نخلا صالحا، حكمه كالأغصان اليابسة. انتهى.
وهذا مخالف لما تقدم عنه.
قال في "شرح الوجيز": وإن وقف عقاره وسكت، بأن قال: هذا العقار وقف، ولم يذكر مصرفا صحيحا، بطل الوقف على الأصح، ورجع إلى ملك واقفه لعدم انتقاله على هذه الصورة.
وكذا لو وقف عقاره على يد زيد أو عمرو ولم يذكر له مصرفا صحيحا، فإنه لا يقف على الأصح من الروايتين، لأن الواقف أراد باليد نظارة لزيد لا تمليكا له، ولم يبين المصرف بل سكت عنه، فكان مجهولا، وجهالة المصرف مبطلة للوقف، فعدم ذكره أولى بالبطلان، ورجع العقار إلى ملك واقفه طلقا لعدم انتقاله عن ملكه، كالتي قبلها.
وعنه: يصح الوقف في الجميع، هذه والتي قبلها، لأن مقتضى الوقف التأبيد، فيحمل على مقتضاه ولا يضر ترك ذكر مصرفه، لأن الإطلاق إذا كان له عرف، صح وحمل عليه، وعرف المصرف هنا أولى الجهات به، وهم ورثته وهم أحق الناس ببره، فكأنه عينهم لصرفه، بخلاف ما إذا عين جهة باطلة. واختار هذه الرواية الثانية في المسألتين جمع من الأصحاب، ورجحوها على التي قبلها. انتهى. والله أعلم.
الذي تقرر لنا في فراخة النخل الوقف أنها تباع وتصرف في مصالح الوقف، لأنها بأصولها أشبه، كما نقل عن الشيخ منصور، وهو الذي عليه الشيخ محمد، قاله شيخنا.
إذا قال مالك: قادم في غلة الأرض الفلانية عشرة آصع لجهة كذا فقط، سواء كان وقفا أو مشترطا ذلك فيه أو طلقا، وهذا فيه وصية، فالظاهر أنها تكون برا. فإن قال: حب، فلا إشكال، لأنه لغته. وإن كان ذلك القول من نخل، فإنها تكون تمرا من غلة النخل، لأنه الذي
стр. 433
يتبادر له الفهم، والظاهر أنها تخرج منه. فلو أراد الورثة إخراجها من غيره، لم يلزم الموصى له قبولها، وهل إذا رضي بها من غيرها يجوز، أم لا؟ فيها تردد، قاله شيخنا.
ومن "جمع الجوامع": شخص أوصى أن يشتري منه ثلثه مكان يوقف على جهة معينة، فاشترى الوصي دارا ثم أراد بيعها ويشتري غيرها، هل يجوز للمصلحة؟ وهل توقف بمجرد الشراء؟
الجواب: لا تصير وقفا بمجرد الشراء ولا بد من وقفها، وقد صرح به الموصي بقوله: يوقف. وأما بيعها، فإن كان شراها بعين المال، فلا. وإن كان شراها في الذمة ولم يقع الشراء لجملة الوصية، فله بيعها، وما ذكر من المصلحة لا يقتضي جواز البيع حيث وقع الشراء صحيحا لجهة الوصية، والله أعلم. انتهى.
ومنه: الثاني والثمانون بعد المائتين من أجوبة البلقيني: فيمن أوصى بشراء أرض ووقفها، فاشتريت ولم توقف إلا بعد ما حصل منها ريع، هل هو للجهة، أو للورثة؟
أجاب: يصرف في جهة الوقف، لأن الأرض مستحقة الوقفية من حين شرائها، لا حق فيها للورثة، وهي مسألة نفيسة.
وأما الذي قال: إن لم يساور هذا العقار ألفاً فهو وقف، فلا يوقف، لأنه لا يصح تعليقه على غير الموت، قاله شيخنا.
قال في "جمع الجوامع": السادس: يشتري به زيادة في وقفه، قال أبو العباس: لا يرصد بلا فائدة. انتهى.
ومنه، الثاني والثلاثون: إذا شرط الواقف في وقفه قراءة قرآن، أو قراءة حديث، أو تدريس فقه بمسجد، أو بيت، أو مدرسة، أو رباط، أو مكان، أو بلد، تعين القرآن، أو التدريس في العلم الذي عينه. وهل يتعين المكان؟ يتوجه احتمالات: أحدها: يتعين، وهو
стр. 434
ظاهر كلام بعض أصحابنا. والثاني: لا. والثالث: إن كان للواقف قصد في وقوعه في المكان، أو علم ذلك بقرينة، كمن بنى مدرسة وجعل فيها درسا ونحو ذلك لقيام شعائر مدرسته، تعين المكان. انتهى.
مسألة: رجل يملك بيتا وعليه دين لولده، فأوقف البيت المذكور على أجنبي والحال أن الواقف لا يقدر على وفاء الدين بعد الوقف، هل يصح، أم لا؟
أجاب بما لفظه: لا يصح الوقف المذكور، وعبارة القاضي الطيب الناشري في "إيضاحه": قال ابن الرفعة في باب صدقة التطوع: من الكفاية إذا كان محتاجا لما يتصدق به لنفسه، أو لنفقة عياله، أو لقضاء دين عليه - أي لا يرجو وفاءه - فتصدق بالمال، أو وهبه، أو وقفه، أو أعتقه، ففي صحة ذلك الوجهان في هبة الماء في الوقت، والصحيح عدم الصحة، فإنه يريد أن يتحيل على أهل الديون، وأن يضيع من يعول، وكفى بالمرء إثما أن يضيع من يعول، كما ورد في الحديث. انتهى.
وعبارة الزركشي في "قواعده": التصرفات المالية، كالعتق، والوقف، والصدقة، والهبة، إذا فعلها من عليه دين - أي لا يرجو وفاءه - أو له من تلزمه نفقته مما لا يفضل عن حاجته، يحرم عليه في الأصح، لأنه حق واجب، فلا يحل تركه لسنة، وعلى هذا فهل يملكه المتصدق عليه؟
قال ابن الرفعة: ينبغي أن يكون كهبة الماء بعد دخول الوقت، وقضيته أنه لا يملكه على المرجح. انتهى. وجرى على ذلك جمهور المتأخرين إلا من شذ، وممن أفتى به الجمال بن الخياط، والشيخ تقي الدين العيني، والفقيه العلامة يحيى العامري، وشيخنا، شيخ المذهب
стр. 435
والإسلام - الشهاب البكري وغيرهم من المحققين المعتمدين. ومن نسب الصحة إلى "شرح المهذب" فقد أخطأ. بقي من الفتيا أسطر ضاق عنها الطرس، وحاصلها تأكيد لما قدمه، ورد على من فهم عبارة "المهذب" خلاف ذلك من فتيا الشيخ العلامة المحقق الفهامة، قطب الدين اقليم اليمن، شيخ الإسلام عبد الرحمن بن زياد، نقلته من خط الشيخ أحمد بن موسى الباهلي الشافعي حرفا بحرف.
ومن قال: ثلث مالي يشري به نخل ويوقف على ولدي.
الذي يظهر أن مراده من غير بيع نخله، بل يشتري بثمن العروض من غير العقار، والنخل يوقف ثلثه - ووقع مثل هذه في الدرعية - فباع ثلث العقار على أجنبي، ثم اشتراه الوصي للوقف احتياطا، وإلا ففيها إشكال من كونه يباع. ولو قال له: يباع عقارك ويشري به، لم يرض به، قاله شيخنا.
وذكر أنه وقف على ورقة بخط الشيخ ناصر بن محمد - ولم ينسبها -.
إذا قال: ثلث مالي وقف على زيد، يوقف منه العقار ونحوه.
بخلاف الدراهم والعروض، فيبطل، وهذا بعيد من فهم العامةو وعملنا على غيره، قاله شيخنا.
وأما من قال: ثلث مالي يوقفه فلان على ما أراد ونحو ذلك.
فالذي يظهر جوازه على ورثة الوصي، ولأن الوقف ليس كالطلق.
وإن كان قال: يفعل به ما أراد، ورأى وقفه عليهم، فالظاهر جوازه، قاله شيخنا.
ومن "جمع الجوامع" القاعدة الثانية والستون: إذا وقف على أضحية، فإن عينها لطائفة من الفقراء، أو فقراء مكان، فرقت عليهم، وللناظر أن يأكل منها بالمعروف. وإن أطلق الأضحية، فهل للناظر أن يأكل ثلها، ويهدي ثلثها، ويتصدق بثلثها؟
стр. 436
الظاهر: لا، وإنما يكون الفقراء، وإنه يأكل كأحدهم فقط. انتهى.
ومن جواب للشيخ سليمان بن علي: إذا أوصى بوقف ثلث ماله، بيع الأثاث ونحوه وأضيف إلى الأثمان ويشتري به، لأنه مراد الواقف، والعقار يترك على حاله يوقف ثلثه. وإذا وقف على جهة باسم مشارك ولا قرينة، فالظاهر عدم الصحة كالمبهم. انتهى.
وإذا أوصى بأضحية في غلة عقاره. سواء كان طلقا أو اشترطه في وفقه، عينه - أي الوقف - فقسم الورثة العقار وامتنع أحدهم من نصيبه من الأضحية، أو تعطل نصيبه، فكان لا غلة له إذاً، فالظاهر لا يلزم الآخر إلا نصيبه، ولأنه العرف بخلاف ما إذا لم يقسم، فإنها تكون من رأس بينهما ولو كانت جميع الغلة، قاله شيخنا.
قال في "طبقات زين الدين بن رجب": قال ابن عقيل: أنا أخالف صاحبي في هذه، لدليل عرض لي، وهو أن الباقي بعد التعطل والدروس صالح لوقوع البيع وابتداء الوقف، فإنه يصح وقف هذه الأرض العاطلة ابتداء، والدوام أولى. ثم قال: قلت: هذا ليس بجواب لما قال المخرمي من منع صحة إنشاء وقفها، فإن أكثر ما يفيد هذا أن وقفيتها لم تزل بالخراب، والمخرمي موافق على ذلك، ولكنه يقول: يجوز، أو يجب بيعها وصرف ثمنها إلى مثلها، وهذا شئ آخر ... إلى أن قال: ثم يقال: إذا وقفها ابتداء وهي متعطلة. فإن كان يمكن الانتفاع بها لما وقفت له، كوقف أرض سباخ مسجداً، صح وقفها ... إلى أن قال: وإن سلمنا صحة إنشاء وقفها، وأنها تباع ويصرف ثمنها فيما ينتفع به، كما هو ظاهر كلام أحمد في مسألة السرج الفضية ... إلى أن قال: قلت: الإمام أحمد يراعي المعاني في مسائل الأيمان ومسألة الوقف، فإن الواقف إنما قصد بوقفه دوام الانتفاع بما وقفه، فإذا تعذر حصول
стр. 437
ذلك النفع من تلك العين، أبدلناها بغيرها مما يحصل منه ذلك النفع مراعاة لحصول النفع الموقوف ودوامه به ... إلى أن قال: والتحقيق في ذلك ما تقدم، وهو أن العين المعطلة إن كان يمكن الانتفاع بها على وجه ما، صح وقفها ابتداء ودواما. لكن في الدوام تبدل وإن لم تبدل في الابتداء، لما سبق في الفرق، وفي الموضعين الوقف صحيح، لكن جواز الإبدال أو وجوبه أمر زائد على صحة الوقف، وتمامه فيه.
الظاهر: لا يصح وقف مغصوب إلا على غاصبه كالبيع، أو على قادر على أخذه منه، وربما لا يصح الوقف أصلا بخلاف البيع، والأول أظهر، قاله شيخنا.
قال الغزالي ونقله النووي على قوله في الوقف على جماعة يمكن حصرهم: قال: إن قلت: كل عدد فهو محصور في علم الله، ولو أراد إنسان حصر أهل بلد، قدر عليه إن تمكن منهم. فاعلم أن تحديد أمثال هذه الأمور غير ممكن، وإنما يضبط بالتقريب، فنقول: كل عدد لو اجتمع في صعيد واحد لعسر على الناظر عده بمجرد النظر، كالألف وغيره، فهو غير محصورو وبين الطرفين أوساط متشابهة تلحق بأحد الطرفين، وما وقع الشك فيه استفتي فيه القلب. انتهى.
ومنه، العاشر في "فتاوى ابن فركاح": لو وقف مخبزا، أو فأسا، أو شيئا يمكن الانتفاع به مع بقاء عينه على عامة المسلمين، فأخذه واحد من المسلمين لينتفع به فهلك في يده من غير تعد منه، فلا ضمان عليه، وما قاله صحيح لا يبعد من قاعدة مذهبنا.
ومنه أيضا سؤال: وقف إنسان على جهة بر وأراد آخر أن يوقف عليه، فهل يجوز للثاني؟ وهل ينقص من أجر الأول؟ وهل يحتاج إلى إذن من الأول أم لا؟
فأجاب صدر الدين الخابوري: كل واحد من الواقفين مثاب على
стр. 438
وقفه، ولا يأخذ واحد منهما من أجر الآخر شيئا بسبب وقفه، ولا ينقص من أجر الأول شيئا بوجود الوقف الثاني، وليس لواحد منهما منع الآخر من الوقف بغير طريق شرعي، ولا يحتاج الواقف الثاني في إنشاء وقفه إلى إذن الأول، وما قاله صحيح، والله أعلم. انتهى.
من "جمع الجوامع": الثامن: قال الحارثي: يصح وقف الفحل للإطراق لا لإجارته، وقد حث الشارع على إعارته، ويصح وقف صغار الرقيق، والجحش الصغير، والزمن المرجو زوال علته ز انتهى.
والذي تحرر لنا صحة وقف الغراس الصغار وإن كان لا يحمل إلا بعد مدة بلا تردد، قاله شيخنا.
ومنه أيضا بعد كلام له سبق عن ابن الصلاح: وهذا لا يتأتى على قاعدة مذهبنا، فإن عندنا يحصل الوقف بالقول أو الفعل، وقاعدة مذهبنا:
يحصل الوقف بمجرد الشراء. وإذا قتل العبد الموقوف وأخذت قيمته، واشترى بها مكانه صار وقفا بمجرد الشراء. وإذا دفع الوقف أو غيره مالا إلى الناظر أو غيره، وقال: اشتر به وقفا لهذه الجهة، فاشترى بالمال بنفسه أو بوكيله شيئا، صار وقفا بمجرد الشراء، ولا يحتاج في ذلك إلى تجديد وقف، لا من الواقف ولا من الناظر ولا من الحاكم، على قاعدة مذهبنا. انتهى.
فظهر لنا أن الوثيقة التي عرضت علينا بخط موسى بن عامر على صواب وأمضيناها، وهي:
إن إنسانا أوصى أن يشتري فلان بثلث ماله نخلا يوقف على ولده - أي الموصي - فشرى الوصي كما أمر ولم يوقفه، إنه يكون وقفا بمجرد الشراء، والله أعلم، قاله شيخنا.
وظهر لنا أنه إن مات الوصي، أو امتنع، يقوم الوارث مقامه.
стр. 439
قال في "المحرر": والورثة في تنفيذ وصاياه كوصيه. فإن لم تثبت الوصية إلا بشاهد، فحلف الورثة معه، ثبتت - أي أن مورثنا أوصى فلانا بوقف كذا علينا - قاله شيخنا.
فصل: قال تقي الدين: وإن وكله، أو أوصى إليه أن يقف عنه شيئا ولم يعين مصرفا، فينبغي أن يكون كالصدقة فإن المصرف للوقف كالمصرف للصدقة، ويبقى إلى الوكيل والوصي تعيين المصرف. فإن عين صرفا منقطعا، فيكون للوصي تتميمه بذكر مصرف مؤبد، والله أعلم. انتهى.
فائدة: قال ابن رجب في "الطبقات": رأيت في "الفتاوى المنسوبة على تاج الدين الفزاري" الحنبلي واقعة، وهي: وقف وقفه رجل عند الحاكم أنه وقفه في صحة من بدنه وعقله ، ثم قامت بينة أنه كان حينئذ مريضا مرض الموت المخوف، فأفتى النووي أنه تقدم بينة المرض، فيعتبر الوقف من الثلث، ووافقه على ذلك ابن الصيرفي وابن عبد الوهاب الحنبليان، وخالف الفزاري، وقال: تقدم بينة الصحة، لأن من أصلهم: إن البينة التي تشهد بما يقتضيه الظاهر تقدم، ولهذا تقدم عندهم بينة الداخل. والأصل والغالب على الناس الصحة، فتقدم البينة الموافقة له. انتهى.
ما قولكم إذا أوصى إنسان في أرض له بثلاثين صاعا حبا مثلا، تؤكل في مسجد معين مثلا كل عام في رمضان، والحاصل أن في بعض السنين أن الأرض لم تزرع، فهل تلزم الوصية كل عام، زرعت الأرض أو لم تزرع، أو يكون مع الزرع فقط؟
الجواب: إن العادة إذا لم تزرع الأرض ولا نخل ونحوه فيها، لا يخرج شئ إلا بنص الواقف، وهو داخل في الخلاف الذي في "الفروع" فيما نقص عما قدره الواقف كل شهر، أنه يتمم مما بعده، وحكم به
стр. 440
بعضهم بعد سنين، ورأيت غير واحد لا يراه. انتهى. فقوله: غير واحد لا يراه، كان الشيخ محمد يقول: هذا يوافق العادة. انتهى من خط شيخنا.
سئل ابن حجر: إذا قال شخص: تصدقت بهذا على الفطور من غير تعيين مكان يفطر فيه، وجرت العادة بإرادة مكان معين أو لم تجر، ما الحكم؟
أجاب بأنه حيث اطردت العادة في زمن الواقف حال الوقف بإرادة مكان معين، حمل الوقف فيه أخذا من قول ابن عبد السلام وغيره:
إن العرف المطرد في زمن الواقف حال وقفه بمنزلة المشروط في وقفه، فلا يعطى إلا من ورد ذلك المكان. وأما إن لم تجر العادة بإرادة مسجد معين ولم يعينه، بطل الوقف. انتهى.
وسئل أيضا عمن قال في وقفه أو وصيته: وقفت أو أوصيت بأرضي الفلانية ليسرج بغلتها، أو للمصباح في رمضان ولم يقل: للمسجد، لكن قرينة الحال تدل على أن المراد الجامع أو غيره، هل يسرج منها جميع الليل، أم لا؟
أجاب: الذي يتجه في ذلك العرف المطرد فيه. فإذا قال: وقفت، أو أصبت بغلة أرضي الفلانية يسرج بها في رمضان واطراد العرف عندهم أن ما يريد السراج في محل مخصوص، حمل عليه ووجب الإسراج فيه، ثم الذي دل عليه كلامه أن جميع غلة الأرض الموصى بها تصرف في السراج، فيجب العمل بها، أعني أنه تؤخذ تلك الغلة وتوزع على جميع ليالي رمضان، ويسرج في كل ليلة بما خصها، سواء كفى بعض الليل أو استغرقه. نعم! إن خص كل ليلة بما يسرج به جميعها في ذلك المحل الذي نزلنا الوقف والوصية عليه، اشترط هنا من ينتفع بالسراج، وإلا لم يسرج إلا القدر الذي يتوقع فيه الانتفاع،
стр. 441
لأن إسراج ما عداه حرام، ويكون الفاضل محفوظا عند الوصي أو الناظر، وإلا فالقاضي على رمضان القابل. وإن لم يخص لياليه بالتوزيع ما يكفي كلا منهما، وجب الإسراج بقدر ما يتحصل ولو زمنا يسيرا من أول كل ليلة، لأن قصد الموصي إحياء ذلك المحل بالإسراج فيه كل ليلة.
فإن لم يتحصل إلا ما يكفي بعض الليالي فقط، لزم إسراجه في ذلك البعض، والله أعلم. انتهى.
من كلام ابن عطوة: لا يصح الوقف على الأغنياء على الصحيح، فلا يصح للأغنياء الصوام في المسجد الفطر. وإن قيل: (ليس) المنع مرادهم بل الإباحة المحضة، فعدم المنع ظاهر، وإلا لزم المنع من الانتفاعات بالأوقاف مطلقا، كالصلاة في المساجد ... إلى أن قال:
وقوله ﵇: "من فطر صائما". وهو عام. وقول الأصحاب:
لا يصح الوقف على كنيسة بل على المارين بها، عام يشمل الغني وغيره.
ثم ظهر لي في "الرعاية الكبرى" بأن المراد جنس الأغنياء والفسقة لا أفراد الجنس، فظهرت. انتهى. أي ظهر بأن المنع فيما إذا قال:
هذا وقف على إفطار الأغنياء أو الفسقة، بخلاف ما إذا قال: هذا وقف على الصوام، فيشمل الغني والفقير بلا تردد، من تقرير شيخنا.
إذا قال الآخر: افعل بثلث مالي ما شئت، أو هو بحكمك، أو افعل بها ما ترى، أو ما أراك الله، أو أنت أبصر به ونحو ذلك، صح، فيتصدق به على ما يرى أنه وجه بر أو فضل. وإن كان عقارا فرأى الصدقة بنمائه كل عام، جاز، ولا يجوز أن يشتري به نخل يوقفه على أحد، أو يوقف ثلث نخل الميت الموصي، لأنه لم ينص له على الوقف، ولأن عقده لا تتناوله الوصية إلا بإذن، قاله شيخنا.
من "جمع الجوامع": الثالث: إذا وقف على أفقر الناس، أو أضعف
стр. 442
الناس، دفع إلى أفقر أو إلى أضعف من يوجد بالظن أو النية. انتهى.
إذا أوصى بنخلة من عقاره الفلاني لجهة معينة، لم يصح بيع العقار حتى تعين. وإن أوصى بنخلة ولم يقل: من عقاري، أو بحجة، فهي كالدين.
إن باع الورثة التركة ولم ينفذوها، فللوصي أو الحاكم أو الوارث فسخ البيع كالدين في التركة، قاله شيخنا.
ومن جواب للشيخ سليمان بن علي: وبيع العقار الموصى فيه بآصع معلومة لوجهه بر، ونقل ذلك إلى عقار آخر، لا بأس به. لكن إن تعطل المنقول إليه فلم يف، رجعت إلى الأول. انتهى. والذي قرره شيخنا عدم الصحة.
قوله في الزكاة: ولا يقبل قول من عرف بغنى: إنه فقير إلى آخره.
الظاهر أن مثله الوقف على الفقير من أولاده، وأراد الدخول فيه من عرف بغنى. وأما المرأة الفقيرة مع الغني. إذا أرادت التناول منه، تدعي عدم النفقة منه، كفاها شاهدان، قاله شيخنا.
سبلت موزة عقارها على ضناها وما تناسلوا.
الجواب: هذا الوقف مرتب بطنا بعد بطن، كتبه سليمان بن عليو ومن خطه نقلت. الظاهر أن قصد الواقفين بقولهم: لمن في درجته، أنهم إخوة الميت، قاله شيخنا.
إذا وقفت الآيسة على أولادها ونسلهم، وليس لها إذاً الا بنات، فهي قرينة بدخول أولاد البنات، قاله البلباني.
وقف بين إمام مسجد ومؤذنه وصوامه، ولا يعرف قسمته المتيقن لمستحقه، والباقي طريقه الصلح، والحاكم ولي الصوام، فيصالح
стр. 443
الإمام والمؤذن، ولا طريق له إلا ذلك، ويفيده كلام الشيخ تقي الدين، قاله شيخنا.
ومن "جمع الجوامع": الثاني عشر: ليعلم أن شرط الواقف إنما يؤثر إذا وقع منه قبل عقد الوقف، أو حال عقد الوقف، فإن حصل منه بعد الوقف لم يؤثر، وليس له بعد لزوم الوقف وعقده أن يلحق به شرطا ولا حكماً من مستحق ولا ناظر، ولا غير ذلك.
ومنه أيضا ك ولا يجوز أن يصرف - في غير السنة التي كان المغل فيها من مغل - شئ في السنة المستقبلة، إلا ما يفضل عن المستحق في سنة المغل. انتهى.
قال في "الحاوي": إذا وقف وقفا على عمارة المسجد، واكتفى المسجد ببعض غلة الوقف، ففي الفاضل وجهان: أحدهما: وهو قول على أبيس هريرة: إنه يكون محفوظاً للمسجد، لجواز أنه يحتاج إليه في ثاني حال.
والثاني: وهو قول أبي حسن ابن القطان: إنه يشتري به عقارا للمسجد، لأنه أحفظ. انتهى. من "جمع الجوامع" للسبكي الشافعي، ونقله عنه ابن عبد الهادي في كتابه، وهو ما نقل عن "الحاوي".
ولابن عبد الهادي من أثناء جواب لشرف الدين المقدسي: ولا يجوز أن يصرف - في غير السنة التي المغل فيها من مغلها - شئ في السنة المستقبلة، إلا ما يفضل عن المستحق في سنة المغل، ووافقه على الجواب زين الدين بن منجا الحنبلي.
وكتب ابن الحضرمي الحنفي: إذا كان وجود المغل في سنة، مصرفه إلى المستحق في تلك السنة، ولا يجوز صرفه على ما باشر في السنة الثانية إلا بعد كمال شرط الواقف. انتهى.
стр. 444
ومنه التاسع عشر: ما فضل عن المسجد من وقفه ومغله وآلته، جاز صرفه لمثله وفقير، نص عليه. قال الشيخ: وفي سائر المصالح. وفي "الفائق": وكذا الفاضل من جميع ريعه يصرف إلى مسجد آخر، ذكره القاضي في "المجرد".
العشرون: الذي يصرف ذلك، الناظر. فإن لم يكن فالحاكم، أو الإمام أو نائبه. وقيل: إنما يصرفه أولاً الإمام، أو الناظر بإذنه. انتهى.
ومنه أيضا: إن من الأشياء ما لا يحتاج إلى ذكر المصرف كالمسجد، فإنه إذا قال: وقفت هذه الدار مسجدا، صح، ولا يحتاج إلى ذكر المصرف، لأنه معلوم بالضرورة أن المسجد للصلاة. وكذلك إذا قال: وقفت هذا المصحف أو الكتاب، فإنه معلوم بالضرورة أنه موقف للقراءة فيه، وإن لم يذكر على قارئ أو يخصه بمكان، وكذلك إذا قال: وقفت هذا البئر، فإنه معلوم بالضرورة أنها لمن يشرب منها، وإن لم يخص بها قوما من الناس. انتهى.
من شرع مسجداً بأن أذن فيه وأقام، وقف ولو لم ينو الوقف، قاله شيخنا.
стр. 445
شخص قال: هذه الدار وقف لأبي: الابن وضناه، والبنت حياة عينها، قبل قوله على نفسه وعلى من بعده من أولاده، وبعد انقطاعه يكون وقفا منقطعا على ورثته نسبا.
وإن قيل: هذا وقف للمسجد أو على المسجد، فللصوام في عرفنا ما لم يصرفه قرينة، ككونه أثلاً، فلعمارة المسجد، وما فضل بعد عمارة المسجد أو الصوام، جاز دفعه للإمام إذا كان فقيرا، أو وظيفته قليلة لا تقوم به، لقولهم: في سائر المصالح وهو مصلحة، وعلى الفقراء مطلقا. وإذا شهدت البينة التامة بالوقف، قبلت ولو كذبها المستحق.
فإن لم تكمل، لم يثبت إلا بالحلف معه. فلو امتنع ثم حلف البطن الثاني، حكم بها ولو كانت صفة الشهادة أن هذه الدار وقف فقط، وبهذا حكم من مضى من القضاة.
وإذا وقف عقاره المعين وفيه باب لدار له، لم تدخل في الوقف إذا لم يشملها اسمه، لأن حكمها وحدها، ولأنه العرف، من تقرير شيخنا.
ومن جواب للشيخ محمد: ومن أوصى بثلث ماله، وقف بعد ما يخرج منه حج. لم أقف فيه على صريح، وميل القلب إلى صحته وهو الصواب، والله أعلم. قاله شيخنا: فيه نظر، لأنه لا يصح وقف شئ من ماله، ولا قوله: وقف بعد إخراج درهم منه أو دينار ... إلى أن قال: يوقف بعد إخراج كذا منه.
وقد قال في "جمع الجوامع": وأما الذهب والفضة، فإن كانت دراهم، لم يصح وقفها مطلقا في الأصح. انتهى.
ومن قال: ثلث مالي يشري به نخل ويوقف على ولدي.
الظاهر أن مراد من غير بيع عقاره، إلا إن نص عليه، بل يشتري بثمن العروض، والنخل يوقف ثلثه، وقد وقع مثل هذا في الدرعية، فأفتينا الوصي بأن يبيع العقار على أجنبي، ثم يشتريه منه الوصي
стр. 446
للوقف احتياطا، وإلا ففيها ثقل من أنه يباع. ولو قال له قائل: يباع ويشري به، قال: لا، ولو أراده لبينه.
وقد وقفنا على ورقة للشيخ ناصر بن محمد - لم ينسبها - بخطه بيده: إذا قال: ثلث مالي وقف على زيد، يوقف منه العقار ونحوه، بخلاف الدراهم، والعروض، فيبطل، وهذا يبعد من فهم العامة، وقد عملنا بخلافه، من تقرير شيخنا.
ومن قال: ثلث مالي يوقفه فلان على ما أراد ونحو ذلك، فالظاهر جوازه على ورثة الموصي، لأن الوقف ليس كالطلق. وإن قال: يفعل به ما أراد، فرأى وقفه عليهم، جاز، قاله شيخنا.
إذا قال: في عقاري الفلاني أضحية كل عام. هل هو العام، أم المغل؟ الظاهر أنه المغل. فإن كانت الثمرة ظهرت، استدان فيها، وإلا فالأحوط إن كان الوارث رشيدا، ضحى من عنده وحده وتركه عن التفاخت. وإن كان قاصرا، ففيها ثقل. وجلدها لا يجوز بيعه على المذهب، ودبغه بجزء منه أو بصوفه، صحيح.
وإن شرى حق الدباغ، صح، وبيعه قبل دبغه، ففيه شئ. وإن كان المدبوغ جدلين وهما ضحايا واحد، فاقتسماها هو والدباغ جاز.
وإن كان المدبوغ جلداً جيدا وأعطاه الدباغ جدلا رديئاً عن نصفه، ففيه الخلاف الذي في بيع كله. وإذا لم يكف الوقف أضحية، أرصد حتى يكفي ولو أعواما، لأنه العرف، قاله شيخنا.
قال في "الانصاف": يحرم بيع الجلد، والحل على الصحيح من المذهب، وعنه: يجوز، ويشري به آلة البيت، لا مأكول. قال في "الترغيب" و "التلخيص": وعنه: يجوز بيعها بمتاع البيت، كالغربال والمنخل ونحوهما، فيكون إبدالا بما يحصل منه مقصودهما، كما أجزنا إبدال الأضحية. انتهى. وقطع به في "القواعد" وقال: نص عليه.
стр. 447
ومن "جمع الجوامع": قال الشيخ في "المغني": وذكر الحارثي:
إذا وقف وقفا واستثنى منه الانتفاع مدة معينة - وقلنا - يصح - فمات في أثنائها، ينبغي أن يكون ذلك للورثة، كما لو باع دارا استثنى لنفسه السكنى سنة فمات في أثنائها. انتهى.
الظاهر: وفاء دينه من ذلك، لأنه تركة بلا تردد، ولم يزل يحكم به من عرفنا، قاله شيخنا.
ومن "جمع الجوامع" من أثناء جواب للسبكي.
أحدها: أن يتحد الواقف والموقوف عليه والصيغة ولم يفصل، فهو وقف واحد، سواء كان الموقوف عليه جملة أو واحدا.
الثاني: أن يتعدد الجميع، فلا إشكال أنها أوقاف.
الثالث: أن يتعدد الواقف.
الرابع: أن يتعدد الموقوف عليه أو الصيغة فقط، فلا إشكال في تعدد الوقف، كوقفت على زيد داري، ووقفت عليه بستاني بإعادة صيغة الوقف، فهما وقفان، لأنهما صيغتان، كما لو قال: بعتك داري وبعتك بستاني.
ومنه أيضا القاعدة الثالثة والستون: إذا كان الوقف على طائفة، وكان شجرا أو أرضا تزرع، متحصلها ثمر أو زرع، فهو للمستحق. وهل للناظر بيعه ويدفع ثمنه إليهم، أو يدفعه إليهم هو وليس له بيعه إلا بإذنهم؟ أما إذا ذكر الواقف شيئا من ذلك، رجع إليه. فإنه إن جعل لكل واحد منهم دراهم في السنة، فهنا بيعه للناظر قطعا، لأن الواقف جعل له بيعه. وأما إن جعل لكل واحد جزءا منه، كأن جعل لكل واحد قدراً من الشعير أو البر ونحو ذلك، أو جزءاً من المتحصل، كربعه، فهنا لا يبيعه إلا بإذنهم قطعا. وإن أطلق الوقف عليهم، فكذلك ليس للناظر أن يبيعه
стр. 448
ولا شيئا منه إلا بإذنهم. فإن كان الوقف يحتاج إلى عمارة أو نفقة أو مصروف، فله أن يبيع بقدر ذلك فقط.
ومنه أيضا: قال صاحب "الفروع": وللناظر الاستدانة عليه بلا إذن حاكم لمصلحة. قلت: ويتوجه: إن كان على جهة، فبإذن حاكم، أو على مستحقين، فبإذنهم. فإن كان على جهة واحتاجت إلى عمارة ونحو ذلك قبل دخول المغل، استدان لذلك. وإن كان على مستحقين وحصلت حاجة، فهل يستدين لهم على الوقف؟
يتوجه احتمالان: المختار: نعم. فإن نقص مغله سنة، لم يستدن ليكمل للمستحقين. وهل يستدين ليكمل لأرباب الوظائف.
يتوجه احتمالان: المختار: له ذلك.
ومنه أيضا: القاعدة الخامسة والخمسون بعد المئة: لو مات مؤجر الوقف وانتقل إلى من بعده، لا تبطل الإجارة بموته.
إذا كان نخله سبل على عمارة قدور ففضل منها شئ، صرف في عمارة قدر آخر ووقف كالأول، أو تصدق به، أو اشترى به قدرا آخر، على ما بحثه الشيخ، وفي مصلحة، لأن ذلك من المصالح، قاله شيخنا.
رجل غرس أرضا ولا يعلم كيف حلوله فيها، ثم باعها مع غرسها سوى قطعة معلومة فيها غرس، قال: هذه سبل على قدور، ما الحكم في ذلك؟
الجواب: الظاهر: إن عين قدورا وقفا، جاز وكان في عمارتها، والفاضل يصرف في عمارة مثلها، أو يتصدق به، أو يشتري به قدور على قول الشيخ. فإن لم يعين القدور، أو عين ما لم يكن وقفا، لم يصح وكان طلقا، قاله شيخنا.
ومن "جمع الجوامع": قال علاء الدين: فيما إذا اختلفوا في التسوية والتفضيل مع اتفاقهم على الاستحقاق، كمن شرك بين ولد بعض
стр. 449
بنيه، ورتب بين ولد بعض، ويموت ولده ويوجد من ولد ولده جماعة يختلفون، هل هم من أهل التشريك أو الترتيب؟
فهنا، من حكم له بشئ في يده، ثم حدث من ادعى أنه مشارك له وأنكر من في يده، فالقول قول من في يده.
قلت: فأما إن كان في يد رجل وقف، فادعى أجنبي أنه يستحق فيه، فأنكر من هو تحت يده استحقاقه، مثل أن ادعى أنه موقوف عليه أو على ذريته، فإن كان الواقف موجوداً، عمل بقوله كما هو ظاهر كلام "الكافي". وإن كان غير موجود، فالقول قول من هو في يده إلى أن يثبت الخارج ما ادعاه. انتهى.
فظهر لنا: إذا كان في يد امرأة عقار وقف من أبيها مثلا فماتت، فنازع ورثة أبيها أولادها بأنهم لا يدخلون فيه، لعل الواقف وقفه على أولاده وهم ذكور وإناث، فلا يدخل ولد البنات إلا بنص أو قرينة، مع العلم أنه وقف زيد وجهل المصرف، فقال أولادها: هذا وقف بيد أمنا تستحقه مدة حياتها، فنحن كذلك بعدها، فلا ينزع من يدنا إلا ببينة، فإن القول قول أولاد المرأة، لأن اليد لميتهم ولهم بعده إلا أن يقيم المدعي بينة بدعواه، قاله شيخنا.
ومن "جمع الجوامع": لو وقف على مسجد، أو طريق، أو بئر، صرف في مصالحه دون من سكن فيه، ويصرف لأرباب وظائفه، من المؤذن، والقيم، والإمام من ذلك إن لم يخصه بالمسجد. انتهى.
وقفت امرأة عقارها على أولادها للذكر مثل حظ الأنثيين، ثم أولادهم، وقادم في غلته عشرة آصع، ثم تقسم في شهر رمضان على فقراء جيرانها. وإن كان أحد من ذريتها محتاجاً، فهو أولى. انتهى كلام الواقف.
فإذا كان ولد البنات فقيراً محتاجاً، هل يدخل في الذي يقسم
стр. 450
لدخوله في أهل الوقف؟ فيه ثقل، لأنهم لا يشملهم لفظ الدرية، ودخولهم أقرب، لأن الظاهر أن قصده بذلك أهل الوقف المستحقين له، لاسيما إن كان كله لأولاد البنات مع حاجتهم إلى ذلك، قاله شيخنا.
فلو كان جيراناً، لم يقع تردد، لأنه أقل الأحوال، قاله شيخنا.
وذكر شيخنا أنه وقف على وثيقة للشيخ محمد بن عبد القادر ابن بريد، تلميذ الشهاب بن عطوة، أن فلاناً ساوم فلاناً في عقاره الفلاني بثمن كذا وأطلقه له بذلك، فقال: أخاف أنك موقفه، فحلف بالله أنه لم يوقفه. فقلت: استرجعه إن كان صار منك شئ، وطيب نفس رفيقك، فقال: أنا مسترجع ومبطل وقفي إن كنت أنا وقفت، فحكمت بصحة رجوعه وبكونه ملكاً طلقاً، فباعه من فلان واشتراه بثمن كذا، وحكمت بصحة البيع. انتهى كلام محمد.
والذي نفعل أنا إذا ذكرنا البيع وشروطه، قلنا: وذلك بعد ما رجع فيه، إن كان صدر منه فيه شئ من أن العقار في يده والحالة هذه، ثم نحكم بصحة البيع، فراجعته أنك لم تحكم بصحة رجوعه كما تقدم محمد، فقال: حكمي بصحة البيع مستلزم صحة رجوعه، وكذا حكمي بموجبه، والأحوط قوله بعد ما سألني الحكم، من تقرير شيخنا.
وقف عقاره على ورثته من كل الجهات، ثم على أولادهم، لا تدخل فيه الزوجة، لأن الجهات، أبوة، وبنوة، وأخوة، وهل ذلك ترتيب جملة أو أفراد؟ بل هو ترتيب جملة طبقة بعد طبقة. وكذا وقفه على ثلاثة نفر ثم أولادهم، يكون ترتيب جملة، قاله شيخنا.
стр. 451
امرأة وقفت عقارها على أولادها وهي شيخة، غلته، تقول:
مرادي أن لي بيعه متى أردت الغلة، بلا شك مستثناة، وربما يظهر منه عدم صحة الوقف مع الثقل، ونحن نعمل بقول الواقف العامي إذا قال:
مرادي كذا في المجلس إذا احتمله لفظه. وكان الشيخ محمد يفتي بقبول الواقف العامي في المجلس: إن قصدي في لفظي كذا، من تشريك أو ترتيب إذا احتمله لفظه، بخلاف ما بعده.
وإذا عمر شخص عمارة في مسجد بنية وقفه للمسجد وفيه مصلحة له، جاز، فلو عمر ليبيعه فغاصب. فلو باعه على من يوقفه، جاز إذا وقفه على المسجد، من تقرير شيخنا.
من "جمع الجوامع": هل يجوز للناظر أن يقرض مال الوقف على
стр. 452
جهة أو مستحقين بغير إذنهم؟
أما لغير مصلحة، فلا. والمصلحة كخوف عليه من ذهاب، أو فساد، أو قبض، أو خاف عليه الطريق، فالظاهر جوازه.
قال في "الفروع": يتوجه في قرض الناظر مال الوقف، أنه كفرض الولي مال الولي عليه. انتهى.
ومن جواب للبلباني: إذا وقف آخر على أبيه إن احتاج، فالوقف صحيح، ويكون لأولاد الواقف بعد أبيه. انتهى. ومن خطه نقلت، قال شيخنا: قد رجع البلباني عن ذلك، لكن وقع ما يشبه لذلك أن ابن مجلي وقف على والده إن احتاج حياة عينه، ثم بعده على أولاده فقلنا بصحته وأنه لمن بعده، لكن هل هم أولاد الواقف أو أولاد الأب، لقوله على أولاده فصارت مجملة.
اشتبه علينا، هل هم أولاد الأب أم الابن؟ فالمتبادر إلى الفهم أنه لأولاد الواقف بدليل قوله: إن احتاج حياة عينه. فإذا قيده على أبيه بالحاجة، فكيف يطلقه بلا شرط على أولاد أبيه وهم إخوة الواقف؟ ! وكيف يقدم إخوته على أولاده وقد علمنا أنه لأولاد الواقف؟ من تقرير شيخنا.
الثاني والثلاثون: إذا شرط الواقف في وقفه قراءة القرآن، أو قراءة حديث، أو تدريس فقه بمسجد، أو بيت، أو مدرسة، أو رباط، أو مكان، أو بلد، تعين القرآن أو التدريس في العلم الذي عينه، وهل يتعين المكان؟ يتوجه احتمالات:
أحدها: يتعين وهو ظاهر كلام بعض أصحابنا.
والثاني: لا.
والثالث: إن كان للواقف قصد في وقوعه في المكان، أو علم ذلك
стр. 453
بقرينة، كمن بنى مدرسة وجعل فيها درساً ونحو ذلك لقيام شعائر مدرسته، تعين المكان. انتهى.
ومنه أيضا: وفي أثناء جواب للسبكي: القسم السابع: أن يجهل الحال ولا يعلم منه غير ما عادة مباشر به.
فهاهنا لا يغير شئ من تلك العادة، ولا يتجاوزها، بل يتبع تلك العادة ولو كتابا يقتضي أنه وقف وسكت عن السبيل مثلا.
ويجوز ذلك - لا نغيره - إلا إذا اعتقدنا بطلانه، لاحتمال أن يكون حاكم حكم بذلك، واليد دليل عليه، فيبقى على ما هو عليه لدلالة اليد مع الاحتمال. ويحتمل أيضا أن يكون له كتاب آخر، أو سبب آخر، فاليد دلالة على الاستحقاق، والأسباب كثيرة لا تنحصر. انتهى.
ومن قال: في هذه الأرض كل سنة كذا، سواء كان مقدماً في غلة وقف، أو هو وصية على جهة بر، وفي بعض السنين لم تزرع، فهل يلزمهم - أي المستحقين - الاخراج كل سنة، أم في السنة التي تزرع فيها دون غيرها؟
الظاهر: ولو كان المفرط ناظر وقف، فالضمان على الوقف لا على الناظر إلى آخره.
هذا كلام ابن نصر الله، وهو صحيح، فإذا فرط الناظر بأن طلب منه هدم جدار الوقف المائل ونحوه، ففرط بتركه، فالضمان على الوقف كما تقدم أنه على المالك. فإن فرط بفعل فعله، فالضمان عليه لأنه المباشر، قاله شيخنا.
ومن "جمع الجوامع": ومن أثناء جواب للسبكي في الفرق بين أوقاف المصريين والشاميين.
стр. 454
فالشام يكون في الوقف جماعة، لكل منهم اسم، أحدهم ناظر، والآخر شاهد، والآخر مشارف، والآخر شاهد، والآخر عامل، وربما يكون آخر صاحب ديوان، وآخر مستوفيا ونحو ذلك، فيترتب على ذلك مفاسد، وتمامه فيه.
وإذا وقف شخص عقارين له على أولاده مثلا بلفظة واحدة، وقادم عليهم في غلته شئ معلوم لجهة بر، فإن استولى على أحد العقارين غاصب، فالظاهر لنا، وإليه ميل الشيخ محمد، وأجاب به عبد الرحمن مفتي الأحساء، أن الوصية تقسط بينهما، فلا يكون على الأولاد إلا قدر ما بأيديهم فقط، لأن كل واحد منهما على حدته واسمه وحده ولو كانا في وقف واحد، فأما إن كانا وقفين، فلا أشكال أن كل عقار وحده، فلا يلزمهم اخراج عما في يد الغاصب بلا تردد، قاله شيخنا.
ومن "جمع الجوامع": ذكر القاضي علاء الدين بن اللحام، قال في الكافي: إذا اختلف أرباب الوقف فيه، رجع إلى الواقف، لأن الوقف ثبت بقوله: فإن لم يكن الواقف موجوداً، تساووا فيه، لأن الشركة تثبت ولم تثبت التفضيل، فوجبت التسوية كما لو شرك بينهم بلفظه. انتهى.
ومن "جمع الجوامع": قال في "الفروع": يصح في معين جائز بيعه، فظاهره لا يصح فيما لا يصح بيعه، وإنه لابد من العلم به.
ومنه أيضا: قلت: التحرير في وقف الماء إن كان محوزاً في إناء، أو قربة، أو مصنع، إنه لا يصح، وهو سبيل لا وقف. وأما البئر، فإن كان ماؤها نابعاً، صح وقفها ووقف مائها. وإن كان مستنقعاً يجمع فيها، صح وقفها دون مائه. انتهى.
إذا قال: هذا وقف على زيد، فإن رزقني الله ولدا فهو أحق به، فالظاهر صحته، فإن جاءه ولد فهو أحق به، وحكم به ناصر بن محمد،
стр. 455
وسليمان بن شمس، ووافقهما الشيخ محمد، وهو الذي نفهم، قاله شيخنا.
ومن "جمع الجوامع": من أثناء كلام نقله عن الفتاوى المصرية قال: وإذا كان عزل الناظر واستبداله موافقا لأمر الله ورسوله، لم يكن للمعزول ولا غيره رد ذلك، ولا يتناول من الوقف شيئا والحالة هذه.
وإن اشتبه الأمر وكان الناظر عالماً عادلا، سوغ له اجتهاده. انتهى.
وإذا وقف عقاريه على أولاده في وقتين، فكل وقف وحده يقسم على حدته، وقال عبد الوهاب: وقف واحد إذا كانت الجهة واحدة والموقوف واحد. وإذا قال ثلث مالي يشري به عقار يوقف على زيد، صح ذلك، من تقرير شيخنا.
ومن "جمع الجوامع": من جواب للسبكي: المسألة الأولى في اتحاد الوقف وتعدده مسائل.
أحدها: أن يتحد الواقف والموقوف عليه والصيغة ولم يفصل، فهو وقف واحد، سواء كان الموقوف عليه خمسة أو واحداً، كقوله:
وقفت داري على الفقراء، أو داري وبستاني على الفقراء، أو على زيد، فهذا وقف واحد بلا خلاف.
وفائدة اتحاد الوقف وتعدده تظهر في مسائل، منها في استحقاق أهله عند موت بعضهم، ومنها في العمارة. فإذا كانت أماكن موقوفة، واحتاج بعضها إلى عمارة - وكثيرا ما تقع هذه المسألة ونسأل عنها - ويكون الواقف واحداً والموقوف عليه واحداً، كأوقاف الصدقات.
والذي يظهر أن العمارة إنما تجب من الوقف الواحد بعضه لبعض، فمتى تعدد، لم تجب عمارة أحد الوقفين من الآخر، سواء اتحد الواقف والموقوف عليه، كما إذا وقف على شخص واحد في وقتين وقفين، أم تعدد أحدهما.
стр. 456
نعم! إذا تعدد الوقف واتحد الموقوف عليه، وكان معيناً، فله أن يعمره منه أو من غيره كسائر أمواله. وإن كان من جهة، فيظهر أن يكون للناظر في أمرها أن يفعل المصلحة، وليس هو الناظر في الوقف، بل الناظر على تلك الجهة من كان إن كان لها ناظراً، وقد يتعذر ذلك في بعض الأوقات، بل تكون للفقراء أو حاجتهم خاصة، فتقدم على عمارة الوقف الآخر. وإن كانت لا تقدم على عمارة ذلك الوقف، وقد يسوغ بأن يكون صرف ذلك القدر إلى تلك العمارة لا يعوق عليهم أمراً هم محتاجون إليه، ويحصل له بذلك مصلحة.
الثانية من صور العقد: أن يتعدد الجميع، فلا إشكال أنها أوقاف متعددة كوقفين من واقفين على شخصين.
الثالثة: أن يتعدد الواقف فقط، كما لو وقف زيد داره على عمرو وعلى الفقراء، أو وقف خالد داره عليه.
الرابعة: أن يتعدد الموقوف عليه أو الصيغة فقط، فلا إشكال في تعدد الوقف، كقول زيد: وقفت على عمرو داري، وعلى خالد بستاني، أو قوله: وقفت على زيد داري، ووقفت عليه بستاني بإعادة صيغة الوقف فيهما وقفان، لأنهما صيغتان، وتمامه فيه.
قال في "الانصاف": تنبيه: محل الخلاف إذا كان الموقوف عليه معيناً، أو جمعاً محصوراً. فأما إن كان الموقوف عليهم غير محصورين كالفقراء والمساكين، أو على مسجد، أو مدرسة، أو قنطرة، أو رباط ونحو ذلك، فالنظر فيه للحاكم قولاً واحداً. انتهى.
إذا قامت بينة أن هذه الدار وقف، ولا نعلم شرط الواقف، عمل بالعادة الجارية من ترتيب أو تشريك، وإلا فهو كوقف منقطع، قاله شيخنا.
وقف عقاره على بعض ورثته وريعه لا يقوم بعمارته، وأوصى
стр. 457
بعمارته في ماله، فالظاهر صحة هذه الوصية لأنها عمارة لوقفه الذي لا يقوم به ريعه لقلته، وبه حكم ناصر وابنه، ونقل عن البلباني، قاله شيخنا.
ومن "جمع الجوامع": بعد السؤال: إذا كان الناظر الثاني يعرف الأماكن الموقوفة، صح التفويض إليه. وإن لم يحددها في المكتوب وإن لم يعرفها، فلابد من التحديد، كتبه عبد الكريم الأنصاري.
قلت: النزول والتفويض والتقرير في نظر وقف، لا يحتاج إلى معرفة الجهات ولا تحديدها. انتهى.
ومنه: إذا وجدنا وقفاً ولم نجد له ناظراً، إن النظر يكون للحاكم.
وإن كان أحد ثم من ذرية الواقف، فلا مدخل له في الوقف. ومنها:
إذا جعل نظره للحاكم أو القاضي، وكان ثم من لا يصلح للقضاء كجاهل وفاسق، فالذي ينبغي أن ليس له النظر، ولا الولاية عليه، لاسيما على قاعدة مذهبنا من أن ولايته غير صحيحة. انتهى.
قال في "الانصاف" الثانية: قال المصنف والشارح وغيرهما:
والحكم في الرهن، والهبة، وسائر العقود إذا جمعت ما يجوز وما لا يجوز، كالحكم في البيع، إلا أن الظاهر فيها الصحة، لأنها ليست عقود معاوضة فلا يوجد جهالة العوض فيها. انتهى.
قال في "القواعد": والحكم في الرهن، والهبة، والوقف، وتمامه فيه.
فظهر أنه إذا أقام زيد بينة بوقف زيد عقاره الفلاني، ثم ظهر أنه خرج منه سهم ولم تحد البينة الخارج كم هو، فالوقف صحيح، وقال بعض الناس ببطلانه، ثم رجع ووافق وحكم بالصحة، قاله شيخنا.
ومن "جمع الجوامع": ومنها: إنما فضل عن الموقوف عليهم، أو عن مصلحة الجهة الموقوف عليها.
стр. 458
مثال الأول: وقف وقفا حاصله كل سنة مائة على عشرة من الفقراء أو الفقهاء، فتحصل منه في سنة أو سنتين زيادة على المائة، أو وقف على مصلحة مسجد أو رباط ونحو ذلك، فمتى زاد الوقف بأن صار يتحصل منه ما يزيد مصلحته، فالمرجع فيه إلى الناظر، وفيما يفعل يتوجه احتمالات:
أحدها: يصرفه إلى أقرب الأشياء شبهاً. فإن كان على مسجد، صرف الفاضل عنه إلى أقرب المساجد إليه ... إلى أن قال: ومنها:
إذا وجدنا مسجداً أو جهة من جهات الخير قد فضل بعض متحصل وقفها عنها، ووجد أمر مهم غيرها يحتاج على صرف، سواء عليه وقف لم يقم به أو ليس عليه وقف، يتعلق بجميع المسلمين أو بعضهم، كمسجد، وطريق، وعقبة وغير ذلكو جاز الصرف إليه.
ومنه أيضا: ليس للناظر أن يفعل شيئاً في أمر الوقف إلا بمقتضى المصلحة الشرعية، وعليه أن يفعل الأصلح فالأصلح، وهذا في كل من تصرف لغيره بحكم الولاية، كالإمام، والحاكم، والواقف، وناظر الوقف وغيرهم إذا قيل: هو مخير بين كذا وكذا، أو يفعل ما شاء، أو ما رأى، فإنما ذلك تخيير مصلحة لا تخيير شهوة. انتهى.
ومنه: الناظر بشرط الواقف، أو بتقرير، لا يحل له عزل نفسه عن النظر إذا علم أن الوقف يفسد، أو يتجرأ عليه من يأكله بيد أو نظر. انتهى.
ومنه: الثالثة: في ثمرة الموقوف، وهي منقسمة إلى فوائد ومنافع.
فالمنافعو كالصوف، والوبر، واللبن، والثمار، والنتاج، والغلة.
والمنافع كل ذلك للموقوف عليه، يتصرف تصرف الملاك في أملاكهم بلا خلاف إلا النتاج، ففيه خلاف. ثم الموقوف إن كان شجراً، ملك ثمرها دون أغصانها، لأن الأغصان جزء الذات الموقوفة، فلا تدخل في
стр. 459
الملك إلا أن تكون مقصودة في العادة، كأغصان الخلاف، فتكون كثمر غيرها، وتمامه فيه.
وعبارة "التوضيح": ويملك الموقوف عليه الوقف، صوفه، ولبنه، وثمرته، ونفعه، ونتاجه، وأرش جناية عليه. انتهى.
فقولهما: ونتاجه. هذا على غير المذهب، لكن العسبان اليابسة والكرب، يملكهما موقوف عليه، بخلاف الرطبة، قاله شيخنا.
من "جمع الجوامع": وفي فتاوى ابن الصلاح مسألة: في ناظر وقف أجره من غير إشهار، هل تصح إجارته؟
فأجاب: لا تصح من غير إشهار، إلا إذا أجره بما يغلب على ظنه أنه لا يزاد عليه بالاشهار شء، والأمر بالاشهار مسطور أيضا في مال المفلس. انتهى. وهذا لا يتأتى على قواعدنا، فإن عندنا لا يجب الإشهار على الناظر، وإنما عليه أن ينظر المصلحة، ولو قيل باستحباب الاشهار لم يبعد. انتهى.
ثم قال: قال أبو العباس: من قال من الفقهاء: إن شروط الواقف نصوص كألفاظ الشارع فمراده أنها كالنصوص ... إلى أن قال: أي يستفاد مراد الواقف من ألفاظه المشروطة، كما يستفاد مراد الشارع من ألفاظه، فكما يعرف العموم والخصوص، والاطلاق والتقييد، والتشريك والترتيب في الشرع من ألفاظ الشارع، فكذلك يعرف في الوقف من ألفاظ الواقف، مع أن التحقيق في هذا أن لفظ الواقف، ولفظ الحالف، والبائع، والموصي، وكل عاقد، يحمل على عادته في خطابه ولغته التي يتكلم بها، سواء وافقت اللغة العربية العرباء، أو العربية المولدة، أو العربية الملحونة، أو كانت غير عربية، وسواء وافقت لغة الشارع أو لم توافقه، فإن المقصود من الألفاظ دلالتها على مراد الناطق بها، فنحن نحتاج في معرفة كلام الشارع إلى معرفة لغته، وعرفه، وعادته، وكذلك
стр. 460
في خطاب كلامه. وكل قوم فإذا تخاطبوا بينهم في البيع، والإجارة أو الوقف، أو الوصية، أو النذر أو غير ذلك بكلام، رجع على معرفة مرادهم إلى ما يدل على مرادهم من عادتهم في الخطاب، وما يقترن بذلك من الأسباب. وأما أن يجعل نصوص الواقف أو نصوص غيره من العاقدين كنصوص الشارع في وجوب العمل بها، فهذا كفر بالاتفاق، إذ لا يطاع أحد من البشر في كل ما يأمر به بعد رسول الله ﷺ . وقد اتفق المسلمون على أن شروط الواقف تنقسم إلى قسمين صحيح وفاسد، كالشروط في باقي العقود. فالشروط أن وافقت كتاب الله كانت صحيحة. وإن خالفت كتاب الله كانت باطلة.
ثم قال: وأتتني عدة مرار صورة مسألة من حلب، في وقف شرط واقفه أن لا يؤجر أكثر من سنتين، فأجره الناظر عشرين سنة، وحكم حاكم حنبلي بصحة الإجارة، وقال: مذهب أحمد يجوز مخالفة شرط الواقف في ذلك، فأجبت عليها بأن هذا القول من هذه الحاكم على الإطلاق خطأ وافتراه على مذهب أحمد بغير علم، والصواب في ذلك، متى كان في الإيجار مصلحة أكبر من مراعاة شرط الواقف، فهنا قال بعض الأشياخ: حفظ عين الوقف أولى، وتجوز مخالفة شرط الواقف، واعتمدت في ذلك على ما سمعته من شيخنا، ومن القاضي برهان الدين ابن مفلح، ولم يحضرني فيها نقل، ثم رأيت كلام "الفروع" وقد صرح بها غيره أيضا.
وقد قال العلامة بن القيم في "إعلام الموقعين" بعد كلام له سبق:
هذا من أبطل الباطل، وأقبح الحيل، وهو مخالفة شرط الواقف ومصلحة الموقوف عليه، وتعرض لإبطال هذه الصفة.
ثم قال: فلا يحل لمفت أن يفتي بذلك، ولا لحاكم أن يحكم به، ومتى حكم به، نقض حكمه، اللهم إلا أن يكون فيه مصلحة للوقف،
следующие страницы →