آخرته بدنياه، وأشقى منه من باع آخرته بدنيا غيره، ففكرت من هو؟ فوجدته المفتي يأتيه رجل قد حنث في امرأته ورقيقه، فيقول له: لا شيء عليك، فيذهب الحانث فيتمتع بامرأته ورقيقه، وقد باع المفتي دينه بدنيا هذا، وسأله رجل عن مسألة، فتردد إليه ثلاثة أيام، فقال: ما أصنع لك يا خليلي؟ مسألتك هذه معضلة، وفيها أقاويل، وأنا متحر في ذلك؛ فقال له: وأنت- أصلحك الله- لكل معضلة، فقال له: هيهات يا ابن أخي لست بقولك هذا أبذل لك لحمي ودمي إلى النار، وكان يزري على من يعجل في الفتوى، ويذكر النهي عن ذلك عن معلميه القدماء وقال: إني لأسأل عن مسألة أعرفها، فما يمنعني من الجواب فيها إلا كراهة الجرأة بعدي على الفتوى، وقيل له: إنك تسأل عن المسألة، لو سئل عنها بعض أصحابك أجاب، فتتوقف فيها، فقال: فتنة الجواب بالصواب أشد من فتنة المال.
قال الخليل: أن الرجل يسأل عن المسألة، ويعجل في الجواب فيصيب فأذمه، ويسأل عن المسألة فيتثبت في الجواب فيخطئ فأحمده. قال الخطيب، والعمري: قل من حرص على الفتوى، أو سابق إليها أو ثار إليها، إلا قل توفيقه واضطرب في أمره، وإذا كان كارهاً لذلك غير مختار له ما وجد عند مندوحة، وقدر أن يحيل بالأمر فيه على غيره؛ كانت المعونة فيه من الله أكثر، والصلاح في فتياه وجوابه أغلب.
قال بشر الحافي: من أحب أن يسأل؛ فليس بأهل أن يسأل. وكان الحسن ليس عليه شيء أشد من الفتيا، وقال تارة: ما ابتلي أحد بمثل ما ابتليت به، أفتيت اليوم في عشر مسائل. ورأى رجل ربيعة يبكي، فقال: ما يبكيك؟ فقال: أستفتي من لا علم عنده، وظهر في الإسلام أمر عظيم، وقال لبعض: من يفتي ههنا؛ أحق بالسجن من السراق.
قلت: فكيف لو رأى زمننا، وإقدام من لا علم عنده على الفتيا، مع
стр. 737
قلة خبرته، وسوء سيرته، وشؤم سريرته، وإنما قصده السمعة، والرياء، ومماثلة الفضلاء والنبلاء المشهورين، والعلماء الراسخين المتبحرين السابقين، ومع هذا فهم ينهون ولا ينتهون، قد أملي لهم بانعكاف الجهل عليهم، وتركوا ما لهم في ذلك وما عليهم.
فمن أقدم على ما ليس له أهل من فتيا، أو قضاء أو تدريس؛ آثم، فإن أكثر منه، وأصر واستمر؛ فسق، ولم يحل قبول قوله، ولا فتياه، ولا قضاؤه. وهذا حكم دين الإسلام، ولا اعتبار بمن خالف هذا الصواب؛ فإنا لله وإنا إليه راجعون.
وقد قال ابن أبي داود وغيره: شرط الشافعي في المفتي والقاضي شروطاً لا توجد إلا في الأنبياء. وقال بعض أصحابه: شرط الشافعي شروطاً فيهما؛ تمنع أن يكون بعده حاكم، وكتب سلمان إلى أبي الدرداء: بلغني أنك قد قعدت طبيباً؛ فاحذر أن تقتل مسلماً، وتحرم الفتيا على الجاهل بما يسأل عنه لما سبق من الحديث وإن كان عارفاً لغيره. قال سفيان: أدركت العلماء وهم يكرهون أن يجيبوا في المسائل والفتيا حتى لا يجدوا بداً من أن يفتوا، وقال: أدركت العلماء والفقهاء يترادون المسائل، يكرهون أن يجيبوا فيها، فإذا أعفوا منها، كان أحب إليهم، وقال: أعلم الناس بالفتيا؛ أسكتهم عنها، وأجهلهم بما أنطقهم فيها .. إلى أن قال:
فصل: ومن تفقه، وقرأ كتاباً أو كتباً من المذهب وهو قاصر لم يتصف بصفة بعض المفتين المذكورين؛ فللعامي أن يقلده إذا لم يجد غيره في بلده وقريباً منه. وإن كان يقدر على السفر إلى مفت؛ لزمه، وقيل: إذا خلت البلد عن مفت؛ حرم السكنى فيها، فإن شق السفر، ذكر مسألة للقاضي المذكور، كأن وجدها مسطورة وهو ممن يقبل خبره، وأخبره بعينه؛ كان المستفتي له مقلداً لصاحب المذهب، لا للحاكي له.
стр. 738
وإن لم يجدها؛ فليس له أن يقيسها على ما عنده من المسطور وإن اعتقده، مثل قياس الأمة على العبد في العتق؛ لأنه يعرض لأن يعتقد ما ليس من هذا القبيل دليلاً فيه، ولا يفتي في الأقارير والأيمان، ونحو ذلك مما يتعلق باللفظ، إلا أن يكون من أهل بلد اللافظ، بإقرار أو يمين أو غيرهما، أو خبير به عالم بتعاريفهم في ألفاظهم؛ فإن العرف قرينة حالية يتعين الحكم بها، وتحيل مراد اللافظ مع عدم مراعاتها، وكذا فكل قرينة تعين المقصود كما يأتي بيانه.
فائدة: كان مكحول ومالك لا يفتيان حتى يقولا: لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وقيل: يقول بعد الاستعاذة: ﴿سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ (١). ﴿فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلّاً آَتَيْنَا حُكْماً وَعِلْماً﴾ (٢). "رب اشرح لي صدري، ويسر لي أمري، واحلل عقدة من لساني، يفقهوا قولي" (٣). ثم الحوقلة، ثم يصلي على النبي ﷺ وسائر النبيين، ثم يقول: اللهم أهدني ووفقني وسددني، واجمع لي بين الصواب والثواب، وأعذني من الخطأ والحرمان، آمين، وأن يأتي بذلك أول كل فتيا يفتيها في يومه لما يفتيه في سائر يومه، مضيفاً إلى ذلك قراءة الفاتحة، وآية الكرسي، وما تيسر. فإن من ثار على ذلك؛ كان حقيقاً أن يكون موفقاً في فتياه، وإن تركه جاز وترك الأفضل. انتهى.
قال في "جمع الجوامع" بعد كلام له سبق، في أثناء جواب: والضرورة إن ألجأت إلى تنفيذ حكم المقلد؛ فإنما هو إذاً وقف على حد التقليد، ولم يتجاسر على قضية لو نزلت على عمر بن الخطاب؛ لجمع
стр. 739
لها أهل الشورى. انتهى.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: المسلمون متفقون على جواز صلاة بعضهم خلف بعض، كما كان الصحابة والتابعون ومن بعدهم من الأئمة الأربعة، يصلي بعضهم خلف بعض، ومن أنكر ذلك؛ فهو مبتدع ضال، مخالف للكتاب والسُنَّة وإجماع المسلمين. وقد كان في الصحابة والتابعين ومن بعدهم من يقرأ بالبسملة، ومنهم من لا يقرأ بها، ومع هذا؛ فكان بعضهم يصلي خلف بعض، مثل ما كان أبو حنيفة وأصحابه والشافعي وغيرهم يصلون خلف أئمة أهل المدينة من المالكية، وإن كانوا لا يقرؤون بالبسملة لا سراً ولا جهراً. وصلى أبو يوسف خلف الرشيد وقد احتجم، وأفتاه مالك: لا يتوضأ، فصلى خلفه أبو يوسف ولم يعد، وكان أحمد يرى الوضوء من الحجامة والرعاف، فقيل له: فإن كان إمامي قد خرج منه الدم ولم يتوضأ، أصلي خلفه؟ فقال: كيف لا تصلي خلف سعيد بن المسيب ومالك، وفي هذه المسألة صورتان:
إحداهما: أن لا يعرف المأموم أن إمامه فعل ما يبطل صلاته؛ فهنا يصلي المأموم خلفه باتفاق السلف والأئمة الأربعة وغيرهم، وليس في هذا خلاف متقدم.
الثانية: تيقن المأموم أن الإمام فعل ما لا يسوغ عنده، مثل أن يمس ذكره أو النساء لشهوة، أو يحتجم، أو يفصد، أو يتقيأ ثم يصلي بلا وضوء؛ فهذه فيها نزاع مشهور، وصحة صلاة المأموم هو قول جمهور السلف، وهو مذهب مالك، وهو قول آخر في مذهب الشافعي وأبي حنيفة، وأكثر نصوص أحمد على هذا، وهذا هو الصواب. انتهى.
وقال ابن القيم في "إعلام الموقعين": إذا تفقه الرجل، وقرأ كتاباً من كتب الفقه، وهو مع ذلك قاصر في معرفة الكتاب والسُنَّة وآثار
стр. 740
السلف، والاستنباط والترجيح، هل يسوغ تقليده في الفتوى للناس؟
فيه أربعة أقوال:
الجواز مطلقاً. والمنع مطلقاً. والجواز عند عدم المجتهد، ولا يجوز مع وجوده. والجواز إن كان مطلعاً على ما يفتي بقولهم، والمنع إن لم يكن مطلعاً.
والصواب فيه التفصيل، وهو أنه إن كان السائل يمكنه التوصل إلى عالم يهديه السبيل؛ لم يحل له استفتاء مثل هذا، ولا يحل لهذا أن ينصب نفسه للفتوى مع وجود هذا العالم، وإن لم يكن في بلده أو ناحيته غيره، بحيث لا يجد المستفتي من يسأله سواه؛ فلا ريب أن رجوعه إليه أولى من أن يقدم على العمل بلا علم، أو يبقى مرتبكاً في حيرته، متردداً في عماية جهالته، بل هذا هو المستطاع من تقواه المأمور بها.
ونظير هذه المسألة: إذا لم يجد السلطان من يوليه، إلا قاضياً عارياً عن شروط القضاء؛ لم يعطل البلد عن قاض، وولى الأمثل فالأمثل.
ونظير هذا: لو كان الفسق هو الغالب على أهل البلد، وإن لم تقبل شهادة بعضهم على بعض وشهادته له؛ لتعطلت الحقوق وضاعت؛ قبل شهادة الأمثل فالأمثل.
ونظير هذا: لو غلب الحرام والشبه حتى لم يجد الحلال المحض؛ فإنه يتناول الأمثل فالأمثل.
ونظير هذا: لو شهد بعض النساء على بعض بحق في بدن، أو مال، أو عرض وهن منفردات بحيث لا رجل معهن، كالحمامات والأعراس؛ قبل شهادة الأمثل فالأمثل منهن قطعاً، ولا يضيع الله ورسوله حق المظلوم ويعطل إقامة دينه في مثل هذه الصور أبداً، بل نبه الله على قبول شهادة الكفار على المسلمين في السفر في الوصية في آخر سورة نزلت، ولم ينسخها شيء البتة، ولا نسخ هذا الحكم كتاب ولا سُنَّة، ولا اجتمعت
стр. 741
الأمة على خلافه، ولا يليق بالشريعة سواه؛ فإن الشريعة شرعت لتحصيل مصالح العباد بحسب الإمكان. وأي مصلحة لهم في تعطيل حقوقهم إذا لم يحضر أسباب تلك العقود شاهدان، حران، ذكران، عدلان، بل إذا قلتم: تقبل شهادة النساء حيث لا رجل، وينفذ حكم الفاسق إذا خلا الزمان عن قاض عادل عالم؛ فكيف لا تقبل شهادة النساء إذا خلا جمعهن عن رجل، أو شهادة العبيد إذا خلا جمعهم عن حر، أو شهادة الكفار بعضهم على بعض إذا خلا جمعهم عن مسلم؟
وكلام أحمد في ذلك يخرج على وجهين: فقد منع كثير منهم الفتوى والحكم بالتقليد، وجوزه بعضهم، لكن على وجه الحكاية؛ لقول المجتهد، كما قال أبو إسحق بن شاقلا وقد جلس في جامع المنصور فذكر قول أحمد: أن المفتي ينبغي له أن يحفظ أربعمائة ألف حديث ثم يفتي، فقال لي رجل: أنت تحفظ هذا؟ فقال: إن لم أحفظه؛ فأنا أفتي بقول من يحفظه.
وكان أبو الحسن بن بشار من كبار أصحابنا يقول: ما ضر رجلاً عنده ثلاث مسائل أو أربع من فتاوى الإمام أحمد أن يستند إلى هذه السارية ويقول: قال أحمد بن حنبل. انتهى.
قال ابن عطوة: وسألت شيخنا عن العمل والحكم، هل يجوز بكل من الروايتين والوجهين إذا اختلف الترجيح؟ فأجاب: يجوز ذلك، ولا يجوز بالمرجوح، وينقض حكم من حكم به. انتهى.
والذي تقرر لنا أنه لا ينقض إلا إن خالف نصاً، أو إجماعاً أو قياساً جلياً، قاله شيخنا.
ومن أثناء جواب لابن تيمية، بعد كلام له سبق: لأن المأموم يعتقد أن ما فعله الإمام سائغ له، وأنه لا أثم عليه فيما فعل؛ فإنه مجتهد أو مقلد
стр. 742
مجتهداً؛ فهو يعتقد صحة صلاته، وأنه يأثم إذا لم يعدها، بل لو حكم بمثل هذا لم يجز له نقض حكمه، بل كان ينفذه. انتهى.
ومن "جمع الجوامع": أجاب الشيخ عز الدين بن عبد السلام: بأنه إذا حكم الحاكم في محل يسوغ فيه الاجتهاد برأي أو تقليد لبعض الأئمة الذين يجوز تقليدهم؛ نفذ حكمه، لا سيما إذا أمضى حكمه حاكم آخر أو حكام، ووافقه أبو النصر مبارك ابن الطباخ، وهو من أكابر فقهاء المصريين. انتهى.
قال في "الإنصاف": قوله: وإن كان مما لا يصلح نقض (١) أحكامه.
هذا المذهب ... إلى أن قال: ويحتمل أن لا ينقض الصواب منها، وأختاره المصنف، وابن عبدوس، والشيخ تقي الدين وغيرهم، وجزم به في "الوجيز" و "المنور"، وقدمه في "الترغيب"، وهو ظاهر كلام "الخرقي"، وأبي بكر، وابن عقيل، وابن البنا، حيث أطلقوا أنه لا ينقض من الحكم إلا ما خالف كتاباً أو سُنَّة، أو إجماعاً.
قلت: وهو الصواب، وعليه عمل الناس من مدد، ولا يسع الناس غيره، وهو قول أبي حنيفة ومالك. وأما إذا خالفت الصواب؛ فإنها تنقض بلا نزاع. قال في "الرعاية": ولو ساغ فيها الاجتهاد. انتهى.
من "المغني": مسألة: قال: ولا ينقض من حكم غيره إذا رجع إليه إلا ما خالف كتاباً أو سُنَّة أو إجماعاً.
فائدة: ولا ينقض ما وافق الصواب؛ لعدم الفائدة في نقضه، فإن الحق وصل إلى مستحقه، وقال أبو الخطاب: تنقض قضاياه كلها ما أخطأ وما أصاب، وهو مذهب الشافعي؛ لأن وجود قضائه كعدمه، ولا أعلم فيه فائدة، فإن الحق لو وصل إلى مستحقه بطريق القهر من غير
стр. 743
حكم؛ لم يغير ذلك، فكذلك إذا كان بقضاء؛ وجوده كعدمه.
ومن "المغني": الشرط الثالث: أن يكون من أهل الاجتهاد، وبهذا قال مالك، والشافعي، وبعض الحنفية. وقال بعضهم: يجوز أن يكون عامياً ويحكم بالتقليد، لأن الغرض منه فصل الخصام، فإذا أمكنه ذلك بالتقليد؛ جاز، كما يحكم بقول المقومين ... إلى أن قال: ثم المفتي لا يجوز أن يكون عامياً مقلداً؛ فالحكم أولى، فإن قيل: فالمفتي؛ يجوز أن يخبر بما سمع، قلنا: نعم! إلا أنه لا يجوز أن يكون مفتياً في تلك الحال، وإنما هو مخبر؛ فيحتاج أن يخبر عن رجل بعينه من أهل الاجتهاد، فيكون معمولاً بخبره لا بفتياه، ويخالف قول المقومين؛ لأن ذلك لا يمكن الحاكم بمعرفته بنفسه، بخلاف الحكم، إذا ثبت هذا؛ فمن شروط الاجتهاد ستة أشياء ... إلى أن قال: وقد نص أحمد على اشتراط ذلك للفتيا، والحكم في معناه، ثم قال: فمن عرف ذلك ورزق فهمه؛ كان مجتهداً، له الفتيا وولاية القضاء (١) إذا وليه. انتهى.
ومن "الإنصاف" قال في خطبته: وليس غرضي في هذا الكتاب الاختصار والإيجاز، وإنما غرضي الإيضاح وفهم المعنى، ... إلى أن قال: واعلم أنه إذا كان الخلاف قوياً في المسألة من الجانبين؛ ذكرت كل من يقول بكل قول، أو من قدم، وأطلق، وأشبع الكلام في ذلك مهما استطعت ... إلى أن قال: فظن بهذا التصنيف خيراً، فربما عثرت فيه بمسائل وفرائد وغرائب ونكت كثيرة، لم نظفر بمجموعها في غيره؛ فإني نقلت فيه من كتب كثيرة من كتب الأصحاب. انتهى. ثم ذكر ما نقل منه من المتون؛ فإذا هو بضع وسبعون، ومن الشروح بضعاً وثلاثين.
ومنه أيضاً: واعلم أن من أعظم الكتب نفعاً، وأكثرها علماً وتحريراً، وتحقيقاً وتصحيحاً للمذهب، كتاب "الفروع"؛ فإنه قصد
стр. 744
بتصنيفه تصحيح المذهب، وتحريره وجمعه، وذكر أنه يقدم غالباً المذهب. وإن اختلف الترجيح أطلق الخلاف، إلا أنه لم يبيضه كله، ولم يقرأ عليه، وكذلك "الوجيز"، فإنه بناه على الراجح من الروايات المنصوصة وذكر أنه عرضه على شيخه أبي بكر عبد الله الزريراني، فهذبه، إلا أن فيه مسائل كثيرة على غير المذهب، وكذلك "التذكرة" لابن عبدوس؛ فإنه بناها على الصحيح من الدليل، وكذلك ابن عبد القوي في "مجمع البحرين"؛ فإنه قال: ابتدئ فيه بالأصح في المذهب نقلاً، أو الأقوى دليلاً، وكذا "نظمه"، وكذا نظم "المفردات"، فإنه بناها على الصحيح الأشهر، وكذلك "الخلاصة" لابن منجا، قال فيها: أبين الصحيح من الرواية والوجوه، وكذلك "الإفادات بأحكام العبادات" لابن حمدان، قال فيها: أذكر هنا غالباً صحيح المذهب ... إلى أن قال: فإن كان الترجيح مختلفاً بين الأصحاب في مسائل متحدة المأخذ؛ فالاعتماد في معرفة المأخذ من ذلك على ما قاله المصنف والمجد، والشارح، وصاحب "الفروع" و "القواعد" و "الوجيز" و "الرعايتين" و "النظم" و "الخلاصة"، والشيخ تقي الدين، وابن عبدوس؛ فإنهم هذبوا كلام المتقدمين، ومهدوا قواعد المذهب بيقين، فإن اختلفوا؛ فالمذهب ما قدمه صاحب "الفروع" في معظم مسائله، فإن أطلقوا الخلاف، أو كان من غير المعظم الذي قدمه؛ فالمذهب ما اتفق عليه الشيخان، المصنف، والمجد، أو وافق أحدهما الآخر في إحدى اختياراته، وليس هذا على إطلاقه، وإنما هو الغالب، فإن اختلفا؛ فالمذهب مع من وافق صاحب "القواعد" والشيخ تقي الدين، وإلا؛ فالمصنف، لا سيما في "الكافي"، ثم المجد، قال العلامة ابن رجب في "حلقاته" في ترجمة ابن المنى، وأهل زماننا ومن قبلهم إنما يرجعون في الفقه من جهة الشيوخ والكتب إلى الشيخين، الموفق، والمجد، وهذا تلميذه. انتهى. فإن لم يكن لهما
стр. 745
أو لأحدهما في ذلك تصحيح؛ فصاحب "القواعد"، ثم "الوجيز" ثم "الرعايتين". وإن اختلفا فـ "الكبرى"، ثم "النظم" ثم "الخلاصة" ثم "تذكرة" ابن عبدوس ... إلى أن قال: وقد قيل: إن المذهب فيما إذا اختلف الترجيح؛ ما قاله الشيخان، ثم المصنف، ثم المجد ثم "الوجيز" ثم "الرعايتين" وقال بعضهم: وإن اختلفا في "المحرر" و "المقنع"، فالمذهب ما قاله في "الكافي"، ثم قال: واعلم أن الترجيح إذا اختلف بين الأصحاب؛ إنما يكون ذلك لقوة الدليل من الجانبين، وكل واحد ممن قال بتلك المقالة إمام يقتدي به؛ فيجوز تقليده والعمل بقوله، ويكون ذلك في الغالب مذهباً لإمامه، لأن الخلاف إن كان للإمام؛ فواضح، وإن كان بين الأصحاب؛ فهو مقيس على قواعده، وأصوله، ونصوصه، وقد تقدم أن الوجه مجزوم بجواز الفتيا به، .... إلى أن قال: واعلم أنه قد تقدم لا يفتي إلا مجتهد على الصحيح من المذهب، وتقدم هناك قول بالجواز، فيراعي ألفاظ إمامه ومتأخرها، ويقلد كبار مذهبه، والعامي يخير في فتواه فقط؛ فيقول: مذهب فلان كذا، ذكره ابن عقيل وغيره، لكن قال أبو العباس: الناظر المجرد يكون حاكياً لا مفتياً، وقال في "عيون المسائل": إن كان الفقيه مجتهداً يعرف صحة الدليل؛ كتب الجواب عن نفسه، وإن كان مما لا يعرف الدليل؛ قال: مذهب أحمد كذا، مذهب الشافعي كذا؛ فيكون مميزاً لا مفتياً، ولو سأل مفتيين واختلفا عليه؛ تخير على الصحيح من المذهب. انتهى.
(ومن "المغني": ولا يجوز له أن يقلد غيره ويحكم بقول من سواه، وكذلك ليس للمفتي الفتيا بالتقليد، وبهذا قال الشافعي، وأبو يوسف، ومحمد ... إلى أن قال: وإذا حدثت حادثة، نظر في كتاب الله، فإن لم يجدها؛ نظر في سُنَّة رسوله، فإن لم يجدها؛ نظر في القياس).
قال ابن عبد الهادي: قال السبكي في أثناء جواب له: وقول الشيخ
стр. 746
سيف الدين الآمدي، وابن الحاجب: إنه يجوز التقليد قبل العمل لا بعده بالاتفاق.
فيه نظر، ففي كلام غيرهما ما يشعر بإثبات خلاف بعد العمل أيضاً، لكن وجه ما قالا أنه بالتزامه مذهب إمامه؛ مكلف به ما لم يظهر له غيره، والعامي لا يظهر له، بخلاف المجتهد، هذا وجه ما قالاه، ولا بأس به. انتهى.
ومن "حاشية ابن قندس" قوله: فعلى هذا يراعي ألفاظ إمامه ومتأخرها، ويقلد كبار مذهبه في ذلك.
ظاهره وجوب مراعاة ألفاظ إمامه، ووجوب الحكم بمذهب إمامه، وعدم الخروج عن الظاهر عنه، وهذا كله يدل على أنه لا يصح حكمه بغير ذلك؛ لمخالفته الواجب عليه ... إلى أن قال: وظاهر ما ذكره المصنف هنا وجوب العمل بقول إمامه، والمنع من تقليد غيره، وظاهره ترجيح القول من منع تقليد غيره، وهذا هو اللائق بقضاة الزمان، ضبطاً للأحكام، ومنعاً من الحكم بالتشهي (فإن كثيراً من القضاة لا يخرجون من مذهب إمامهم بدليل شرعي، بل لرغبة في الدنيا وكثرة الطمع)، فإذا ألزم بمذهب إمامه؛ كان أضبط وأسلم، وإنما يحصل ذلك إذا نقض حكمه بغير مذهب أمامه، وإلا فمتى أبقيناه وحصل مراد قضاة السوء؛ لم تنحسم مادة السوء، ويرشح ذلك بأن يقال: هذه مسألة خلافية، فبعضهم ألزم بذلك، وبعضهم لم يلزمه، والإمام إذا ولاه الحكم على مذهب إمامه دون غيره؛ فهو حكم من الإمام بإلزامه بذلك، فيرتفع الخلاف ( ... إلى أن قال: فظاهره أن المقلد يجب عليه العمل بقول من يقلده وهو إمامه، وأن لا يخرج عن قوله ... إلى أن قال: قال بعض أصحابنا: مخالفة المفتي إمامه الذي قلده؛ كمخالفة المفتي نص الشارع ... إلى أن قال: قال النووي في "روضته" فرع: إذا
стр. 747
استقضى مقلداً للضرورة، فحكم بمذهب غير مقلده؛ قال الغزالي: إن قلنا: لا يجوز للمقلد تقليد من شاء: بل عليه اتباع مقلده؛ نقض حكمه، وإن قلنا: له تقليد من شاء؛ لا ينقض). انتهى.
الذي تقرر أن مذهبنا أن الحاكم لا يجوز له الحكم بغير مذهبه. بخلاف الشافعية، فيجوز أن يحكم بغير مذهب إمامه مقلداً، قاله شيخنا.
قال شهاب الدين ابن عطوة في "درر الفوائد وعقيان القلائد"، بعد كلام له سبق: فإن ولاية الحكام في وقتنا هذا ولايات صحيحة، لأنهم سدوا من ثغور الإسلام ثغراً سده فرض كفاية، ولو أهملنا هذا القول، ومشينا على طريقة التغافل التي يمشي عليها من مشى من الفقهاء الذين يذكر كل منهم في كتابه شروطاً في القاضي، إن قلنا به؛ لم يصح أن يكون أحد قاضياً حتى يكون من أهل الاجتهاد، ثم يذكر في شروط الاجتهاد أشياء ليست موجودة في الحكام، فهذا إحالة، أو كالتناقض، وكان تعطيلاً للأحكام، وسداً للباب، وأن لا ينفذ حق ولا يكاتب فيه، ولا تقام بينة، إلى غير ذلك من القواعد الشرعية؛ فكان هذا غير صحيح.
والصحيح أن الحكام اليوم حكوماتهم نافذة صحيحة، وولاياتهم جائزة شرعاً. انتهى.
ومن جواب للنووي: من لا أهلية له من القضاة والولاة، إذا حكموا بحق، أو أمروا به، أو دفعوا منكراً أو نهوا عنه، أو تصرفوا لمجانين، أو غياب، أو أيتام، أو أقاموا في ولايتهم بما يوافق الحق والصواب؛ فإنا ننفذه تحصيلاً لمصالح أهل الإسلام، فإنا لو أبطلناها؛ لاشتد الضرر، وعظم الخطر. انتهى.
ومن كلام ابن عطوة: لا إنكار فيما يسوغ فيه الخلاف، ومسائل الخلاف لا يسوغ الإنكار فيها، ومسائل الاجتهاد بما لم يكن فيه سُنَّة
стр. 748
ولا إجماع، وللاجتهاد فيه مساغ؛ فلا ينكر على من عمل بذلك مجتهداً أو مقلداً، والصواب أن مسائل الاجتهاد ما لم يكن فيه دليل؛ يجب العمل به وجوباً ظاهراً ...
إلى أن قال: قلت: وحاصل الفائدة أن الخلاف يفيد ثبوت الحكم والتقليد وجوازه، والحكم به يفيد لزومه، ويرفع الخلاف. انتهى.
سئل ابن عبد السلام عن المقلد يأخذ بقول ينسب إلى إمامه، ولا يرويه عن صاحب مذهبه، وإنما حفظه من كتب المذهب.
فأجاب: الاعتماد على كتب الفقه الصحيحة الموثوق بها، فقد اتفق العلماء في هذا العصر على جواز الاعتماد عليها، لأن الثقة حصلت بها كما تحصل بالرواية. قال ابن الصلاح: قال الضميري: قل ما وجد التزوير على المفتي، وذلك أن الله حرس أمر الدين؛ فله الحمد والشكر. انتهى.
قال في "الإفصاح" لابن هبيرة: واتفقوا على أنه إذا طلب الحاضر إحضار خصم له آخر من بلد آخر فيه حاكم، أي البلد الذي فيه الخصم الآخر الطالب؛ فإنه لا يجاب سؤاله، فإن كان ذلك البلد لا حاكم فيه؛ فقال أبو حنيفة: لا يلزمه الحضور إلا أن تكون مسافة يرجع منها في يومه، وقال الشافعي، وأحمد: يحضره الحاكم، سواء بعدت أو قربت. انتهى.
قال في "التنقيح": وله تولية قاضيين فأكثر. قال ابن عطوة: فيفهم من هذا أنه إذا كان الإمام نصب قاضيين في بلد؛ قدم قول الطالب إلى أحدهما إذا كان خصمه حاضراً منه، في ذلك البلد، أما إن كان غائباً في بلد آخر فيه حاكم؛ فلا يلزمه إحضاره، واختصموا إلى حاكم البلد الذي فيه المطلوب، ذكره الوزير اتفاقاً. انتهى.
ما قولكم في أهل بلد على مذهب واحد، وفيه قاض واحد، واختصم
стр. 749
شخصان في قضية، وطلب المدعي الطلوع عن قاضي البلد إلى غيره ليشق على خصمه، هل له ذلك، أم لا؟
الجواب: اللهم أهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك، لا يلزم المدعى عليه النقلة من بلده مع المدعي إلى بلد آخر ليتقاضيا عند حاكمه، كتبه يحيى القومني، ومن خطه نقلت.
ومن "الدرر المضية المختصرة من الأجوبة المصرية" للشيخ بن تيمية: وإذا طلبا حاكمين؛ أجيب من طلب الذي له الولاية على محل النزاع إذا كان الحاكمان عدلين، فإن كان لهما الولاية معاً؛ أجيب من طلب الحاكم الأقرب، أو يقرع بينهما، أو يجاب المدعي، وهذا القول الثالث أفتى به طائفة في زمننا. انتهى.
ومن "المغني": وأما الجرح والتعديل؛ فإنه يحكم فيه بعلمه بغير خلاف؛ لأنه لو لم يحكم فيه بعلمه؛ لتسلسل الأمر، فإن المزكين يحتاج إلى عدالتهما أو جرحهما، فإذا لم يعمل بعلمه؛ أحتاج كل واحد منهما لمزكين، ثم كل واحد منهما يحتاج إلى مزكين، فيسلسل الأمر، وما نحن فيه خلافه. انتهى.
ومن "التبصرة" لابن فرحون المالكي: مسألة: وإذا لم يوجد المجنهد، وولي القضاء مقلد؛ فقال ابن الحاجب: يلزمه المصير إلى قول مقلده، وقيل: لا يلزمه، وقال ابن الصلاح: اعلم أن من يكتفي بأن يكون في فتياه أو علمه موافقاً لقول أو وجه في المسألة، ويعمل بما شاء من الأقوال والوجوه من غير نظر في الترجيح؛ فقد خرق الإجماع، فهو كما قال أبو الوليد الباجي المالكي عن بعضهم: إنه يقول: حق صديقي عليَّ إذا وقعت له حكومة أن أفتيه بالرواية التي توافقه، قال الباجي: وهذا مما لا خلاف فيه بين المسلمين ممن يعتد به في الإجماع أنه لا يجوز، وهذا مما لا خلاف فيه بين المسلمين ممن يعتد به في الإجماع أنه لا يجوز، واعلم أنه لا يجوز للمفتي أن يتساهل في الفتوى، وكذلك الحاكم، إلا
стр. 750
أن الحاكم ملزم، والمفتي مخبر.
ومن "الروض وشرحه" للشافعية: مجتهد، أي غير مقلد ... إلى أن قال: هذا هو الأصل، لكن مع عدمه، أي الصالح للقضاء، كما في زمننا لخلوه عن المجتهد؛ نفذوا، أي الأصحاب للضرورة قضاء من ولاه سلطان ذو شوكة وإن جهل وفسق؛ لئلا تتعطل الحقوق، ولهذا ينفذ قضاء قاضي البغاة كما مر.
قال البلقيني: ويستفاد بذلك أنه لو زالت شوكة من ولاه بموت ونحوه؛ انعزل لزوال الضرورة. انتهى.
ومن "بدائع الفوائد" لابن القيم، الحاكم محتاج إلى ثلاثة أشياء، لا يصح له الحكم إلا بها، معرفة الأدلة، والاستنباط، والبينات، مثل ذلك إذا تنازع اثنان عنده في رد سلعة مشتراه بعيب؛ فحكمه موقوف على العلم بالدليل الشرعي الذي سلط المشتري على الرد، وهو إجماع الأمة المستند إلى حديث المصرَّاة، وعزاه على العلم بالسبب المثبت بحكم الشارع في هذا المبيع المعين، ويقولون: هذا الوصف عيب يسلط على الرد، أم ليس بعيب؟ وهذا لا يتوقف العلم به على الشرع، بل على الحس والعادة والخبر، أو نحو ذلك، وعلى البينة التي هي طريق الحكم بين المتنازعين، وهي كل ما يبين له صدق أحدهما من إقرار، أو شهادة أربعة عدول، أو ثلاثة في دعوى الإعسار في أصح القولين، أو شاهدين، أو رجل شاهد ويمين، أو شاهد وامرأتين، أو شهادة رجل واحد، وهو الذي يسميه بعضهم الإخبار، أو شهادة امرأة واحدة، كالقابلة، والمرضعة، وشهادة النساء منفردات حيث لا رجل معهن، كالحمامات، والأعراس على الصحيح الذي لا يجوز العدول عنه، ولا يجوز القول بغيره، وشهادة الصبيان على الجراح إذا لم يتفرقوا، وشهادة الأربع من النسوة، أو المرأتين، أو القرائن الظاهرة عند الجمهور، كمالك، وأحمد،
стр. 751
وأبي حنيفة، كتنازع الرجل وامرأته في ثيابهما. انتهى ملخصاً.
ومن كلام ابن حجر: ويشترط كون الإمام الأعظم عدلاً كالقاضي وأولي، فلو اضطر لولاية فاسق؛ جاز. قال ابن عبد السلام: لو تعذرت العدالة في الأئمة والحكام؛ قدمنا أقلهم فسقاً. قال الأذرعي: وهو متعين إذ لا سبيل إلى جعل الناس فوضى على ما يأتي. انتهى.
ومن "وقاية الرواية في مسائل الهداية" للحنفية، من كتاب القضاة: الأهل للشهادة أهل للقضاء، وشروط أهليتها شروط أهليته، والفاسق لا يصح تقليده، والاجتهاد شرط للأولوية، فلو قلد جاهل؛ صح، ويختار الأقدر والأولى.
وصح قضاء المرأة إلا في الحدود والقود، ويمضي حكم قاض آخر في مختلف فيه، إلا ما خالف الكتاب، والسُنَّة المشهورة، أو الإجماع.
وصح تحكيم الخصمين من صلح قاضياً، ولزمهما حكمة البينة، والنكول، والإقرار، وإخباره بإقرار أحد الخصمين، وبعدالة شاهد حال ولايته، ولا يسأل قاض عن شاهد بلا طعن الخصم، إلا في حد وقود، وقال: لا يسأل في الكل سراً وعلانية، وبه يفتى في زمننا، وكفى واحد للتزكية، والاثنان أحوط. انتهى.
قال القرافي: ونص ابن أبي زيد في "النوادر" على أنا إذا لم نجد في جهة، إلا غير العدول؛ أقمنا أمثلهم، وأقلهم فجوراً للشهادة عليهم، ويلزم مثل ذلك في القضاة وغيرهم؛ لئلا تضيع المصالح. وما أظن أحداً يخالفه في هذا؛ فإن التكليف مشروط بالإمكان. انتهى.
ومن "التحفة" في النكاح: معنى أن العامي لا مذهب له؛ أنه لا يلزم القاضي وغيره الإنكار عليه في مختلف فيه، ولكنه إن رفع إليه ولم يحكم حاكم بصحته؛ أبطله، خلافاً لابن عبد السلام، فإن تزوجها
стр. 752
من وليها الفاسق، ثم طلقها ثلاثاً؛ فالأولى أن لا يتزوجها إلا بعد محلل، فافهم تعبيره بالأولى؛ صحته بلا محلل، وبنى بعضهم هذا الخلاف على أن العامي، هل له مذهب معين، كما هو الأصح عند القفال، أو لا مذهب له، كما هو المنقول عن عامة الأصحاب ومال إليه المصنف؟
فعلى الثاني مطلقاً، والأول إن قلد من يرى الصحة لو نكح نكاحاً مختلفاً فيه، وطلق ثلاثاً، لم ينكحها بلا محلل وإن حكم الشافعي ببطلان النكاح مؤاخذة بما ألتزمه. انتهى.
قال ابن عطوة: وسألت شيخنا عن شيوخ بلدنا بعد أن عرفته حالهم؟ فأجاب: حكمهم كغيرهم من السلاطين في سائر الأوطان. انتهى.
وصرح الشيخ مرعي في قتال أهل البغي: أنه لو تغلب على كل ناحية إمام كزمننا؛ فإن حكمه كالإمام. انتهى.
ما قولكم في جماعة أحيوا بلداً، وأمروا أحدهم على أنفسهم، أو أحياها وحده وأعطى من أراد جزءً من البلد، أو تأمر عليهم قهراً، هل ولايته صحيحة ويستفيد بها ما يستفاد بالولاية شرعاً، أم لا؟
الجواب: الولاية صحيحة، وحكمه حكم غيره من ولاة المسلمين، وكتبه أحمد بن يحيى بن عطوة بن زيد، ومن خطه نقلت.
ومن "شرح المنهاج" للشربيني الشافعي: اعلم أن ألفاظ الحكم المتداولة في السجلات مراتب: أدناها الثبوت المجرد، وهو أنواع: ثبوت اعتراف المتبايعين مثلاً بجريان البيع، وثبوت ما قامت به البينة من ذلك، وهذا ليس بحكم؛ لأنه إنما يراد به صحة الدعوى، وقبول الشهادة؛ فهو بمثابة: سمعت البينة وقبلتها، ولازم في ذلك الحكم إلزاماً، وأعلاها الثبوت مع الحكم، والحكم أنواع ستة: الحكم بصحة البيع، والحكم بموجبه، والحكم بموجب ما ثبت عنده، والحكم بما قامت به البينة عنده، والحكم بموجب ما أشهد به على نفسه، والحكم بثبوت ما
стр. 753
قامت به البينة، وأدنى هذه الأنواع هذا السادس، وهو الحكم بثبوت ما شهدت به البينة، لأنه لا يزيد على أن يكون حكماً بتعديل البينة.
وفائدته: عدم احتياج الحاكم آنفاً إلى النظر فيها، وجواز النقل في البلد، وأعلاها الحكم بالصحة، أو بالموجب، أعني الأولين، هذا على أن يطلق على أن أحدهما ليس أعلى من الآخر، بل يختلف ذلك باختلاف الأشياء؛ ففي شيء الحكم بالصحة أعلى، وفي شيء يكون الحكم بالموجب أعلى، فإن كانت الصحة مختلف فيها، وحكم بها من يراها؛ كان حكمه بها أعلى من الموجب.
مسألة: بيع المدبر مختلف فيه، فإذا حكم بصحته شافعي؛ كان حكمه به أعلى من حكمه بموجب البيع؛ لأن حكمه في الأول حكم بالمختلف فيه قصداً، وفي الثاني يكون حكمه بها ضمناً؛ لأنه إنما حكم قصداً لترتيب أثر الحكم عليه، واستتبع هذا الحكم الحكم بالصحة، لأن أثر الشيء إنما يترتب عليه إذا كان صحيحاً. وأما كون الحكم بالموجب أعلى من الحكم بالصحة.
مثاله: التدبير متفق على صحته، ولا يكون حكمه مانعاً من الحكم بصحة البيع، بخلاف ما لو حكم الحنفي بصحة التدبير؛ فإن حكمه بذلك يكون حكماً باطلاً بيعه، فهو مانع من حكم الشافعي بصحة بيعه، ولو حكم الشافعي بصحة إجارته؛ لا يكون مانعاً للحنفي من الحكم بفسخها بموت أحد المتؤاجرين، وإن حكم الشافعي فيها بالموجب؛ فالظاهر، خلافاً لبعضهم أن يكون مانعاً للحنفي من الحكم بالفسخ بعد الموت؛ لأن حكم الشافعي بالموجب قد تناول الحكم بانسحاب بقاء الإجارة ضمناً. فإن قيل: حكم الشافعي ببقاء الإجارة بعد الموت؛ حكم بالموت بعد وجود فيكون باطلاً كما مر.
أجيب بأن الحكم ببقاء الإجارة حكمه وقع ضمناً، لأن موجب الإجارة
стр. 754
لم ينحصر فيه، وهم يغتفرون في الضمنيات ما لا يغتفرون في القصديات، قال الأشموني: هذا ما ظهر لي. انتهى.
قال ابن عبد السلام: ليس قول القاضي: ثبت عندي كذا. حكماً منه بمقتضى ما ثبت عنده؛ فإن ذلك أعم منه ... إلى أن قال: فظهر أن الثبوت غير الحكم قطعاً، وقد يستلزم الحكم وقد لا يستلزمه، وإن القول بالثبوت حكماً في جميع الصور خطأ قطعاً، وإنه يتعين تخصيص هذه العبارة، وتأويل كلام العلماء، وحمله على معنى صحيح ... إلى أن قال: اختلف في الحكم والثبوت، هل هما بمعنى واحد، أو الثبوت غير الحكم، والعجب أن الثبوت يوجد في العبادات والمواطن التي لا حكم فيها بالضرورة إجماعاً.
ومن ذلك ابتاع رجل من آخر، وأنكر البائع ذلك، فثبت عند القاضي البينة بالشراء؛ فلا يكتب لهم القاضي كتاب حكم حتى يقيم المشتري عنده بينة أن البائع باع منه شيئاً يعرفونه في ملكه، قاله في مختصر "الواضحة".
وإن وقع في الكتاب إصلاح أو لحاق؛ نبه عليه، وعلى محله في الكتاب. وإذا شهد عند القاضي عدول بما يعلم خلافه؛ فلا يحل له أن يسمع منهم، ولا يقضي بشهادتهم. وإن شهد عنده غير عدل والقاضي يعلم أنه شهد بحق؛ فلا يحل له أن يجيز شهادته، ولا يحكم بها.
وفي "الوثائق": لا ينبغي لأحد أن يجرح شاهداً يعلم أنه شهد بحق وفي "الطرر" لابن عات: إذا وقع في الوثيقة محو أو بشر أو ضرب في غير مواضع العدد، مثل عدد الدنانير، أو أجلها، أو تاريخ الوثيقة، وما أشبه ذلك؛ لم يضر. وإن لم يعتذر منه الكاتب. وإن كان في تلك المواضع؛ سئلت البينة، فإن حفظت الشيء بعينه الذي وقع فيه ذلك من غير أن يروا الوثيقة؛ مضت، أو سئلوا عن البشر، فإن حفظوه؛ مضت أيضاً، وإلا سقطت. انتهى.
стр. 755
من "الروض وشرحه": لو قال: ثبت عندي كذا بالبينة العادلة، أو صح؛ لم يكن حكماً، لأنه قد يريد قبول الشهادة، فصار كقوله: سمعت البينة وقبلتها، ولأن الحكم هو الإلزام، والثبوت ليس بإلزام. انتهى.
ومنه: يجوز التحكيم من اثنين لرجل غير قاض، وإن وجد القاضي في البلد، فإنه يجوز التحكيم بشرط تأهل المحكم للقضاء، وإلا فلا يجوز مع وجود القاضي.
ويشترط رضى الخصمين قبل الحكم بحكمه لا بعده؛ لأن رضاهما هو المثبت للولاية، فلا بد من تقدمه ... إلى أن قال: وإذا ثبت الحق عنده وحكم به، أو لم يحكم؛ فله أن يشهد على نفسه في المجلس خاصة، إذ لا يقبل قوله بعد الافتراق، كالقاضي بعد العزل، قاله الماوردي.
ولا يشترط رضى خصم قاض استناب عنه ليحكم بينهما، ويمضي القاضي حكمه، أي المحكم، كالقاضي، ولا ينقض حكمه إلا بما ينقض به قضاء غيره. انتهى.
من جواب لابن نصر الله: إذا حكم حنبلي بموجب التبايع؛ فمعناه لزوم البيع بالنسبة إلى البائع والمشتري والشريك وغيرهم، واستقرار ملك المشتري فيه على مقتضى مذهبه؛ فليس لأحد تغيير لزومه، ولا لحاكم آخر الحكم بخلاف ما اقتضاه حكم الأول، ومثل ذلك لو حكم شافعي بموجب بيع؛ كان حكمه مانعاً من دعوى الغبن، فالبيع عنده موجب للزوم الذي يمنع دعوى الغبن؛ فلا يسوغ لحاكم حنبلي سماع دعوى الغبن في ذلك على مقتضى مذهبه. انتهى.
قوله: والحكم بالموجب لا يشمل الفساد.
هذا رد لقول القائل: إنه حكم بموجب العقد، سواء كان صحيحاً أو فاسداً، وهو خلاف الصحيح، بل إذا أثبت الحاكم عقداً ثم حكم
стр. 756
بموجبه؛ صح ذلك، ولمن بعده الحكم بصحته وإن كان لا يراها؛ لأن حكم الموجب لا يشمل فاسداً، وإنما يكون على صحيح، قاله شيخنا. قال القاضي أبو يعلي في "الأحكام السلطانية": لو خلا البلد من قاض، فأجمع البلد على تولية قاض عليهم. فإن كان الإمام مفقوداً؛ صح، ونفذت أحكامه عليهم. وإن كان موجوداً؛ لم يصح. وإذا تجدد بعد ذلك إمام؛ لم يستدم هذا القاضي النظر إلا بعد إذنه، ولم ينقض ما تقدم من حكمه. انتهى.
قال ابن عطوة: من مات في سفر أو موضع لا قراء فيه، ولا قضاة، ولا عدول، فما فعله جماعة الرفقة، من بيع وغيره؛ فجائز، قاله البرزلي وعندنا كذلك. انتهى.
من "شرح مختصر التحرير" لابن النجار: ولا ينقض حكم حاكم في مسألة اجتهادية عند الأئمة الأربعة ومن وافقهم، وينقض بمخالفة نص الكتاب، أو نص سنة، أو إجماع قطعي، ولا ينقض بمخالفة قياس ولو جلياً على الصحيح من المذهب، ويصح في قول حكم مقلد، وينقض في قول ما خالف فيه مذهب إمامه.
قال ابن مفلح: وإن حكم مقلد بخلاف إمامه، فإن صح حكم المقلد؛ أنبنى نقضه على منع تقليد غيره، ذكره الآمدي؛ وهو واضح. وفي قول ابن حمدان: مخالفة المفتي نص إمامه؛ كمخالفة نص الشارع.
وقال ابن هبيرة: عمله بقول الأكثر أولى. قال الغزالي: إذا منعنا من قلد إماماً أن يقلد غيره، وفعل وحكم بقوله؛ فينبغي أن لا ينفذ قضاؤه.
قال ابن هبيرة: من لم يجوز إلا تولية قاض مجتهد، إنما عنى به قبل استقرار المذاهب وانحصار الحق فيهم.
وقال الآمدي: جوز بعض أصحابنا الافتاء بالتقليد، وهو ظاهر كلام ابن بشار المتقدم، واختاره أبو الفرج، وصاحب "الرعاية" و "الحاوي"
стр. 757
من أصحابنا، كالحنفية؛ لأنه ناقل كالراوي، وليس إذاً مفتياً مخبراً، ذكره جماعة، منهم أبو الخطاب، وابن عقيل، والموفق، وزاد: فيحتاج مخبر عن معين مجتهد؛ فيعمل بخبره لا بفتياه.
ولا يجوز خلو العصر عن مجتهد عند أصحابنا وطوائف، وقد قيل: المجتهد المطلق عدم من زمن طويل، ذكره ابن حمدان في "آداب المفتي"، وقال النووي: فقد الآن المجتهد المطلق من دهر طويل، نقله السيوطي في "شرح منظومته لجمع الجوامع".
وقال الرافعي: لأن الناس اليوم كالمجمعين أن لا مجتهد، نقله الأردبيلي في "الأنوار".
قال ابن مفلح: وفيه نظر. قال في "شرح التحرير": هو كما قال، فإنه وجد بعد جماعة، منهم ابن تيمية.
قال ابن العراقي، وتقي الدين السبكي، والبلقيني: وما يجيب به المقلد عن حكم؛ فإخبار عن مذهب إمامه لا فتيا، قاله أبو الخطاب، وابن عقيل، والموفق، ويعمل بخبره، أي المخبر إن كان عدلاً، لأنه ناقل كالراوي.
وإن عمل عامي في حادثة بما أفتاه مجتهد؛ لزمه البقاء عليه قطعاً وليس له الرجوع عنه إلى فتوى غيره في تلك الحادثة بعينها إجماعاً، نقله ابن الحاجب، وابن الهندي، وغيرهما، وإلا، أي وإن لم يعمل بما أفتاه المجتهد؛ فلا يلزمه العمل إلا بالتزامه ذلك.
قال ابن مفلح: هذا الأشهر.
وإن اختلف عليه مجتهدان؛ تخير في الأخذ بأيهما شاء على الصحيح، أختاره القاضي، والمجد، وأبو الخطاب، وأنه ظاهر كلام أحمد، فإنه سئل عن مسألة في الطلاق، فقال: إن فعل حنث، فقال السائل: إن أفتاني إنسان: لا أحنث، قال: تعرف حلقة المدنيين؟ قلت: فإن أفتوني؛ حل.
стр. 758
قال: نعم. انتهى.
قال في "النكت لابن مفلح على المحرر": فيتوجه لو أثبت حاكم مالكي الخ.
أي بناء على جواز نقل الثبوت حيث جاز نقله؛ يتوجه جوازه، ولو كان الذي ثبت عنده لا يرى جواز الحكم به، لأن المثبت مخبر بثبوت ذلك عنده أشبه الشاهد؛ فإنه مخبر بوقوع ما شهد به، وقد يكون لا يجيز الحكم به، ومع ذلك للحاكم المشهود عنده بشهادته؛ فكذلك ما أثبته الحاكم الأول وهو لا يجيزه للحاكم الذي اتصل به ذلك الثبوت إذا كان الحاكم يرى صحته.
قوله: فإن حكم. يعني بصحة الثبوت بالخط.
قوله: فلحاكم حنبلي يرى صحة الحكم أن ينفذه في مسافة قريبة لأنه نقل لحكمه، لا لثبوته.
قوله: ثم أن رأى الثبوت حكماً أي الحنبلي نفذه.
هذا يقتضي أن في المذهب خلافاً في كون الثبوت حكماً.
وبخطه أيضاً: ومثل ذلك لو ثبت عند حاكم حنبلي وقف على النفس ولم يحكم به، ونقل الثبوت إلى حاكم شافعي؛ فله الحكم ببطلان الوقف، وأمثاله كثيرة.
ومنه أيضاً قوله: وقال شيخنا: والأول أشهر أنه أخبر بالثبوت.
قوله: والأول، أي إن قوله: ثبت عندي.
وبخطه على قوله: والأول أشهر، أي إنه يكتب: ثبت عندي.
قوله: فيتوجه لو أثبت حاكم مالكي الخ.
أي بناء على جواز نقل الثبوت حيث جاز نقله؛ فيتوجه جوازه ولو كان الذي ثبت عنده لا يرى جواز الحكم به؛ لأن المثبت مخبر بثبوت
стр. 759
ذلك عنده، أشبه الشاهد؛ فإنه مخبر بوقوع ما شهد به. انتهى.
ومن "حاشية الإرشاد" للشافعية: قوله: وإن تعذر وجود من فيه هذه الصفات، كما في زمننا لخلوه عن المجتهد، فأهل القضاء من ولاه سلطان ذو شوكة، يعني أنه ينفذ قضاؤه للضرورة وإن كان جاهلاً أو فاسقاً، لئلا تعطل مصالح الناس. انتهى.
ومن جواب للشيخ عبد الرحمن بن عبد الله بن حسين الشافعي المفتي بالأحساء، وهو عم الشيخ الصوفي محمد بن أحمد، لا هذا المتأخر، وذلك في مسألة ناصر بن موسى في سعكال، قال بعد كلام سبق: ولا يخفى عليك أنه لا يلزم محمداً السفر إلى الأحساء أو إلى مكة مثلاً إذا كان في قطركم من يكفي، ولا يحل ولا يجوز تكليفه بذلك. لأني سمعت أنهم يريدون أن يحاكموك عند قاضي الأحساء، وهذا لا يلزمك شرعاً؛ فلا توافقهم عليه. انتهى. ومن خطه نقلت.
ومن "آداب المفتي" لابن حمدان: من شروط المفتي أن يكون مسلماً، مكلفاً، عدلاً، فقيهاً، مجتهداً بقضاء، صحيح الذهن والفكر والنظر في الفقه وما يتعلق به. أما اشتراط إسلامه، وتكليفه، وعدالته؛ فبالإجماع، لأنه يخبر عن الله بحكمه لتحصل الثقة بقوله، وينبني عليها كالرواية والشهادة.
فصل: وأما الفقيه على الحقيقة ؛ فهو من له أهلية تامة، يمكنه أن يعرف الحكم بها إذا شاء، مع معرفة جملة كثيرة، عرفاً من أمهات مسائل الأحكام الشرعية الفرعية العملية، بالاجتهاد والتأمل، وحضورها عنده، فكل فقيه حقيقة مجتهد أصولي، فلهذا كان علم أصول الفقه فرضاً على الفقهاء.
قال ابن عقيل: فرض عين، والمذهب فرض كفاية. كالفقه. انتهى.
стр. 760
فائدة: منسوبة لتاج الدين أبي الحسن السبكي الشافعي: ذكر أنه أجاب عنها سنة ست وأربعين وسبعمائة بدار الحديث الأشرفية بدمشق، قال بعد كلام له سبق: المقلد بمذهب الشافعي أو غيره، إذا أراد أن يقلد غيره في مسألة؛ فله أحوال:
أحدها: أن يعتقد رجحان مذهب ذلك الغير في تلك المسألة؛ فيجوز في ظنه.
الثانية: أن يعتقد رجحان مذهب إمامه، أو لا يعتقد أصلاً، ولكن في كلا الأمرين يقصد بتقليده احتياطاً لدينه وما أشبه ذلك؛ فهو جائز، وهذا كالحيلة إذا قصد الخلاص بها من الربا، كبيع الجمع بالدراهم، وشراء الجنيب بها؛ فليس بحرام ولا مكروه، بخلاف الحيلة على غير هذا الوجه، حيث يحكم بكراهيتها.
الثالثة: أن يقصد بتقليده الرخصة فيما هو محتاج إليه، لحاجة لحقته أو ضرورة أرهقته؛ فيجوز أيضاً أن يعتقد رجحان مذهب إمامه، ويعتقد تقليد الأعلم؛ فيمتنع، وهو صعب، والأولى الجواز.
الرابعة: أن لا يدعوه إلى ذلك ضرورة، ولا حاجة، بل مجرد قصد الترخص من غير أن يغلب على ظنه رجحان؛ فيمتنع، لأنه حينئذ متبع لهواه، لا للدين.
الخامسة: أن يكثر منه ذلك حقيقة مركبة ممتنعة بالإجماع؛ فيمتنع.
السابعة (١): أن يعمل بتقليد الأول، كالحنفي يدعي بشفعة، فيأخذ بمذهب أبي حنيفة، ثم تستحق عليه، فيريد أن يقلد الشافعي؛ فيمتنع منها لتحقق خطئه، إما في الأولى، وإما في الثانية، وهو شخص واحد مكلف، وهذه المسائل والتفصيل حسب ما ظهر لنا. انتهى.
ومن "مقدمة" لبعض العلماء الشافعيين، في الفرق بين الحكم بالصحة، والحكم بالموجب، والثبوت المجرد، والثبوت المضاف إلى
стр. 761
حكم: إذا قال الحاكم: ثبت عندي أن فلاناً عنده كذا وكذا؛ فهذا ليس بحكم. وإذا قال المنفذ: ثبت عندي أن القاضي فلاناً حكم بكذا فقط؛ فهذا ليس بحكم أيضاً، حتى يقول: ونفذت ما حكم به.
فصل: في الفرق بين ألفاظ الحكم المتداولة في السجلات ، وهي على مراتب: منها قوية، وضعيفة.
فأعلاها يسجل بثبوته ويحكم بصحته، أعني بصحة ذلك العقد، وقفاً كان أو بيعاً. قال البلقيني: حقيقة الحكم بالصحة أن يقبل قضاء من له ذلك في أمر قابل لقضائه، ثبت عنده وجوده بشرائطه الممكن ثبوتها، أن ذلك الأمر صدر من أهله في محله على الوجه المعتبر عنده شرعاً.
فقولنا: قضاء. يخرج الثبوت المجرد؛ فإنه ليس بحكم على الصحيح.
وقولنا: من له ذلك. يدخل فيه الإمام ونوابه في ذلك، وحاكم أهل البغي، إذا لم يستحل دماء أهل العدل، وحاكم الكفرة إذا حكم بينهم.
وقولنا: قابل لقضائه. يخرج إذا لم يقبل القضاء، كالعبادة المجردة، وأما من لم يقبل القضاء، ولكن يقبل الإلزام، كما إذا ثبت عنده وجود شيء؛ فإذا هذا الثبوت يكون عاماً، ولا فرق عندنا بين الثبوت بالشاهدين، والشاهد واليمين، وكذا الثبوت بالإقرار وبعلم القاضي.
وأما قولنا: وشرائطه الممكن ثبوتها. يفهم أن جميع الشروط المعتبرة في الحكم بالصحة لا بد من ثبوتها. فالبيع إذا حكم بصحته؛ لا بد أن يكون مقدوراً على تسليمه عندنا، وعند المالكية، كما إذا باع مرهوناً؛ فإنه لا يصح بيعه بغير إذن المرتهن. فهذا وأمثاله لا يحكم فيه بصحة ولا بموجب. وأما إذا رفع إلى الحاكم شيء من هذا، ولم يظهر فيه أنه مرهون ونحوه، وأراد الحكم بالموجب؛ فلا يكلف البائع إلى إقامة بينة أن المبيع ليس مرهوناً، بخلاف ما إذا أراد الحكم بالصحة؛
стр. 762
فإنه لا بد من إثبات الملك، والحيازة، ورشد البائع.
قال السبكي في "شرح المنهاج" في كتاب الوقف ما ملخصه: فإذا تقرر أن الحكم بالصحة أعلى درجات الحكم، فمن شرطه ثبوت ملك البائع، وحيازته، وتصرفه، وأهليته، وصحة صيغته في مذهب القاضي، يعني إذا كان شافعياً.
وأما إذا حكم القاضي في مسألة مختلف فيها، وهي صحيحة عند إمامه، ورفع ذلك الحكم إلى حاكم يرى بطلانها؛ لزم القاضي تنفيذ حكم الحاكم الذي يرى الصحة، إن لم يتبين عنده أن ذلك الحكم بني على سبب باطل، أو أنه ليس هو الصحيح في مذهب إمام من حكم بصحته. فإن تبين له ذلك؛ فليس له تنفيذه، بل له نقضه.
قال السبكي: ومن السجلات الواقعة في تواقيع القضاة، يسجل بثبوته ويحكم بصحته. فإن قلنا: الضمير في قوله: بصحته راجع إلى الثبوت؛ فلا يفيد صحة التصرف فيراجع الحاكم في ذلك. فإن قال: أردت بصحته صحة الثبوت؛ عمل به، هذا إن أمكنت المراجعة. فإن لم تمكن؛ حملناه على الحكم بصحة التصرف، لأنه المتعارف.
قوله: بصحته، يعني أن هذا العقد تترتب عليه آثاره، وحكم القاضي بالصحة إلزام كل أحد بعدم التعرض إليه بفساد أو غيره.
فائدة: الحكم بالصحة له شروط: منها: ثبوت الملك والحيازة.
ومنها: ثبوت أهلية التصرف.
ومنها: صحة الصيغة.
ومنها: كونه وقع من أهله في محله، والحكم في مسألة مختلف فيها؛ يرفع الخلاف موجب الصحة، وجواز العمل لكل آخذ بهذا الحكم.
فصل: وأما الحكم بالموجب ؛ فإنه أحط رتبة من الحكم بالصحة، وكثيراً ما يوجد في سجلات القضاة، يسجل بثبوته، ويحكم بموجبه،
стр. 763
وهذا الحكم له ثلاثة شروط:
الأول: أهلية العاقدين.
الثاني: صحة صيغة العقد.
الثالث: كونه وقع من أهله في محله، ولا يشترط فيه ثبوت الملك، والحيازة، فإذا ثبتت المقدمات عنده؛ حكم بموجبها، فإن كان البائع مالكاً؛ صح الكلام، لأن مقتضاهما وموجبهما ذلك، فلهذا لا يجوز لحاكم آخر نقضه إن لم يتبين عدم الملك للبائع.
قال البلقيني: الحكم بالموجب هو قضاء القاضي بأمر ثبت عنده بالإلزام، مما يترتب على ذلك الأمر خاصاً أو عاماً، على الوجه المعتبر عنده في ذلك شرعاً.
قول البلقيني: القضاء يخرج به الثبوت المجرد؛ فإنه ليس بحكم على الصحيح.
وقوله: بالإلزام الخ.
يعني الإلزام بالأمر الذي ثبت عنده، وقد ظهر بما قلناه، أن بين الحكم بالموجب والحكم بالصحة فروق:
الأول: أن الحكم بالصحة ينصب إلى ذلك العقد الصادر، من بيع، أو وقف، أو نحوهما.
والحكم بالموجب ينصب إلى الحكم بثبوت ذلك الشيء، والحكم على من صدر منه بموجب ما صدر منه، ولا يلزم فيه ثبوت أنه مالك إلى حين البيع، ولا إلى حين الوقف، وهذا الحكم غير سالم من الاعتراض كما يأتي:
الثاني: أن الحكم الصادر إذا كان صحيحاً بالاتفاق، ووقع الخلاف في موجبه؛ فالحكم بالصحة فيه لا يمنع من العمل بموجبه عند غير الذي حكم بصحته، فلو حكم الأول بموجبه؛ امتنع على الحاكم الثاني
стр. 764
النقض لهذا الحكم.
مثال ذلك: التدبير صحيح بالاتفاق، وموجبه إذا كان تدبيراً مطلقاً؛ منع البيع عند الحنفية، فلو حكم الحنفي بصحة التدبير؛ لم يمتنع على الشافعي الحكم بصحة بيعه، ونقض حكم الحنفي؛ فظهر بهذا أن الحكم بالموجب هنا أعلى من الحكم بالصحة.
الثالث: إن كل دعوى كان المطلوب منها إلزام المدعى عليه بما أقر به، أو قامت البينة عليه به؛ فإن الحكم حينئذ فيها بالإلزام، وهو الحكم بالموجب لا يكون حكماً بصحتها، ولكنه يتضمن الحكم بموجبها، وبصحة الإقرار فيها ونحوه.
الرابع: إن الحكم على الزاني بموجب زناه، وعلى السارق بموجب سرقته؛ يدخل فيه الحكم بالموجب، لا الحكم بالصحة.
الخامس: أن تنفيذ الحكم المختلف فيه؛ يكون حكماً بموجب ذلك الشيء المختلف فيه، يعني الإلزام بذلك الشيء المحكوم به.
السادس: لو ترافع متبايعان إلى حاكم شافعي أو مالكي، وتنازعا على الوجه الذي يقتضي التحالف قبل وقوعه، وأراد أن يحكم بصحة ذلك العقد؛ فإنه لا يحكم فيه إلا بالموجب، وهو الإلزام، وهو موجب الحجة القائمة، ولا يحكم فيه بالصحة.
السابع: لو حكم حنفي بموجب البيع بعد ثبوت ملك البائع وأنه من أهل التصرف؛ لم يكن ذلك بالحكم بالصحة عندنا، فلو قبض المشتري؛ كان حكماً بالصحة عندنا، وأما قبل قبض المبيع؛ فهو من ضمان البائع، وأما حكم الحنفي في البيع الفاسج بالموجب بعد قبض المبيع؛ لا يمنع الشافعي بالحكم بالبطلان، بخلاف ما إذا حكم الحنفي بصحة البيع الفاسد عنده بعد القبض؛ لحصول الملك.
الثامن: يتصور أن لا فرق بين الحكم بالصحة والحكم بالموجب في صور: بعضها ليس مختلفاً فيه، وبعضها مختلف فيه.
стр. 765
مثال ذلك: باع قمحاً، وأذن للمشتري أن يكيل لنفسه ما اشتراه؛ فإن في صحة البيع عندنا وجهين: كما إذا اشترط أن لا يكيله إلا بكيل المشتري أو البائع.
ومثال الصور التي اختلف فيها: أن يأذن البائع للمشتري في شيء لا ينافي مقصود صحة العقد، والأصح عندنا في الصورتين الصحة، وعند المالكية لا، فإذا فرعنا على الصحيح، فرفع إلى الحاكم الشافعي صورة من هذه الصور، فله أن يحكم بصحة تصرف المشتري، التصرف الذي لا يصح العقد إلا به بعد القبض؛ فيتضمن ذلك الحكم بالصحة، أي صحة العقد والقبض، ولو حكم الشافعي بصحة العقد والقبض بطريقه؛ صح الحكم، ولو حكم الشافعي بموجب القبض؛ لم يصح حكمه في هذه الحالة، لعدم ضبط الكيل، خلافاً للمالكية، ولو صح عند الحاكم أن القبض وقع بطريقه؛ فله الحكم بصحته، وإن ثبت عنده، أو علم أن القبض لم يقع بطريقه؛ فلا يصح حكم به ولا ينفذ.
التاسع: إن الحكم بالموجب يتضمن أشياء لا يتضمنها الحكم بالصحة، منها الحكم بالإلزام بمجرد العقد، مثال ذلك إذا حكم الحنفي بصحة البيع بمجرد عقده؛ فإن حكمه لا يمنع خياراً، وأما عنده فيمنع، فليس لبائع ولا مشتر الفسخ، وعندنا لهما ذلك، ولو حكم الحنفي في ذلك، أو المالكي بالموجب؛ امتنع فسخ البيع عندنا؛ فظهر أن الحكم بالموجب في هذه الصورة أعلى من الحكم بالصحة، ومنها الرهن.
مثال ذلك: إذا حكم شافعي بصحة الرهن المعار؛ لم يكن ذلك مانعاً لمن يرى فسخ الرهن بالعود إلى الراهن أن يحكم بصحة فسخ الرهن؛ فظهر أن الحكم بالموجب أعلى؛ لأن الشافعي إذا حكم بموجب الرهن، أو الإلزام بمقتضاه؛ امتنع على المالكي أن يفسخ، لأن موجبه عند الشافعي دوام الحق فيه للمرتهن مع العود مطلقاً.
стр. 766
فصل: ويجتمع الحكم بالصحة والموجب في أمور:
منها: أنه لا ينقض الحكم إذا صدر في محل الاجتهاد، وكذا الحكم بالصحة إذا صدر في محل الاجتهاد لا يرد عليه النقض إذا استوفيت شروطه وآثاره، وكما لا يرد النقض على الحكم بالصحة؛ لا يرد النقض على ما يتضمن الحكم بالصحة، وكذلك الحكم بالموجب إذا وقع في مسألة يكون الحكم فيها أعلى من الحكم بالصحة.
ومنها: إذا حكم حاكم بصحة شيء أو بموجبه، وكان ذلك صحيحاً عنده؛ فإن ذلك لا يتطرق إليه نقض، إلا أن يخالف الإجماع، أو الكتاب، أو السُنَّة، أو القياس الجلي.
ومنها: إذا رفع إلى القاضي كتاب حكم من حاكم غيره، فإنه ينفذه، سواء كان في البلد أو في غيره، قربت المسافة أو بعدت، وسواء كان بصحة أو بموجب. وأما إن كان سماع بينة؛ فلا يقبله إلا إذا كان بينه وبين البينة مسافة تقبل فيها الشهادة على الشهادة، ومن أصحابنا من أجاز ذلك بناءً على أنه حكم، ورجحه الغزالي، والمفتى به؛ الأول، وفاقاً لمالك.
ومنها: إذا شهد شهود في قضية مال، ثم رجعوا بعد الحكم بصحة أو موجب؛ حكم عليهم بالتغريم، ويتضمن الحكم بالموجب الحكم بالصحة. إذا شهد عنده الشهود أن هذا وقف، وذكر الوقف على وجه معين، وحكم الحاكم بموجب الشهادة، كان ذلك متضمناً للصحة والموجب معاً.
فائدة: قال البلقيني: من أحضر كتاب وقف أو بيع ، وأثبت صدوره فقط، ولم يثبت ما يقتضي الحكم بالصحة؛ فلا يجوز للقاضي أن يحكم بالصحة ولا بالموجب، لأن الواقف قد يأتي بشهود يشهدون عند آخر أن الحاكم الأول حكم بموجب هذا الوقف فيجعله الحاكم الثاني حكماً
стр. 767
من الحاكم الأول؛ فلا بد أن يثبت الملك، فإنه قد يقف ما ليس ملكه، إلا ببينة تشهد له بالملك إلى حين وقفه. قال البلقيني: الثبوت المجرد له ثلاث فوائد عندنا وعند الحنفية: تعديل البينة. وقبول شهادتهم فيما شهدوا به. وجريان ذلك الأمر المشهود به. وأما صحته وهو أنه حكم بصحته؛ فليس ذلك مشروطاً عندنا، قال السبكي: الثبوت يدل على الصحة. والصحيح أن الثبوت ليس حكماً بالثابت، بل غايته أن يكون حكماً بثبوته، يعني لجريان العقد، ومن أضاف الثبوت إلى الحكم، كقوله: ثبت عندي أن هذه الدار وقف فلان أو ملك فلان؛ فهذا شبيه بالحكم، فلا ينقض إلا بتحقيق، مثل أن يخالف شرطاً من شروط الوقف أو البيع. فإن نقص شرطاً؛ فللقاضي نقضه، قال البلقيني: إذا قال الحاكم ثبت عندي كذا وكذا من غير ذكر بينة معينة؛ فأنا نعمل به ونحمل قوله على الصحة، ونحمل ذلك العقد الذي حكم به على الصحة. قال القرافي: إن قلت: ما الفرق بين الثبوت والحكم؟ وهل الثبوت حكم، أم لا؟ فإذا قلنا: أن الثبوت حكم، فهل هو عين الحكم أو يستلزمه؟ فالجواب: الثبوت سبب قيام الحجة على ثبوت السبب عند الحاكم، مثل أن يثبت عند الحاكم أن النكاح الذي صدر بين الزوجين بلا ولي ... إلى أن قال: فإذا قال القاضي: إن قيمة ما أخذ فلان من مال فلان بطريق الغصب والعدوان كذا وكذا، أو ثبت عندي أن قيمة ما أتلفه فلان كذا وكذا؛ فهذا إذا ثبت عند الحاكم ثبوتاً مجرداً؛ لم يستلزم إنشاء حكم بها، بل لا بد من جريان الدعوى بين الخصمين والإعذار في ذلك، ولا يحكم في غيبة خصم إلا في أربع مسائل: إذا غاب في مسافة فوق مسافة الغدو، وقدرها، إذا ركب الراكب إليها بكرة لا يرجع إلى أهله من ليلته، فيجوز للحاكم سماع البينة والحكم بها عليها، لكن مع تحليف المدعي، وإن أقام شاهداً حلف يمينين، الثاني: التواري
стр. 768
وهو الاختفاء في البلد، فيجوز للقاضي سماع البينة ويحكم عليه بالحق والصحيح تحليفه أيضاً، الثالث: إذا تعذر الحضور إلى مجلس الحكم بعد طلبه؛ فللقاضي سماع البينة والحكم عليه، ويحلف أيضاً.
الرابع: أن يحضر المجلس ويدعي عليه فيهرب، فهذا على أقسام: الأول: أن يقر بما ادعاه ثم يهرب؛ فهذا يحكم عليه، ولا يمين، لأن الدعوى حصلت بحضوره، والإقرار حصل منه، الثاني: أن ينكر المدعى عليه فيطلب الحاكم البينة فيهرب؛ فيسمع البينة ويحكم بها مع الحلف، الثالث: أن تقع الدعوى ثم يدعي دفعاً أو إبراء، ثم يذهب ليأتي بحجة فيهرب؛ ففيه الخلاف، والراجح أن الحاكم يحلف المدعي بنفي ما ادعاه، ويكتب له ويحكم. انتهى ... إلى أن قال كاتبها: كتبتها للشيخ الكامل أبي عبد الله محمد الرملي في أوقات، آخرها يوم الجمعة، ثامن رمضان سنة ٩٨٨ من الهجرة قال:
قال ابن عبد القوي:
وإن قال هذا فاشهدوا بعد ... ختمه كتابي إلى القاضي ولم يقرأ أردد
وعن أحمد ما منهم لقبوله ... بناءً على إنفاذ ايصا ملحد
ووجهان في هذا أيمضيه عارف ... بخط وختم الكاتب المتجود
ومن شرطه التسطير من أرض حكمه ... وأن يصل المقصود في المتقلد
فائدة: قال في "مغني ذوي الأفهام": والحاكم إذا رأى خطه وتيقنه؛ جاز العمل به وإن لم يذكره، وكذلك الشاهد جاز له الشهادة به وإن لم يذكره، وتجوز الشهادة على خط أنه خط فلان إذا رآه يكتبه. فإن لم يره، ولكن يعرف خطه يقيناً؛ جاز له أن يشهد أنه خطه ولو لم يعاصره. انتهى.
من "الإنصاف": وعلى هذا. إذا عرف المكتوب إليه أنه خط القاضي
стр. 769
الكاتب وختمه؛ جاز على الصحيح على هذا التخريج، وقدمه في "الفروع" و "الرعاية". انتهى.
قال في "المغني": والكتاب على ضربين.
أحدهما: أن يكتب بما حكم به، وذلك مثل أن يحكم على رجل بحق، فيبعث قبل إيفائه، أو يدعي حقاً على غائب ويقيم بينة، ويسأل الحاكم عليه، فيحكم عليه، ويسأله أن يكتب له بحكمه إلى قاضي البلد الذي فيه الغائب فيكتب له إليه، أو تقوم البينة على حاضر فيهرب قبل الحكم عليه، فيسأل الحاكم صاحب الحق الحكم عليه، وأن يكتب له كتاباً بحكمه؛ ففي هذه الصور الثلاثة؛ يلزم الحاكم إجابتهم إلى الكتابة، ويلزم المكتوب إليه قبوله، سواء كان بينهما مسافة بعيدة أو قريبة، حتى لو كانا في جانبي البلد، أو مجلس؛ لزمه قبوله وإمضاؤه، وسواء كان حكماً على حاضر أو غائب؛ لا نعلم في هذا خلافاً، لأن حكم الحاكم يجب إمضاؤه على كل حاكم ... إلى أن قال: ويشترط لقبول كتاب القاضي ثلاثة شروط.
أحدها: أن يشهد به شاهدان عدلان، ولا يكفي معرفة المكتوب إليه خط الكتاب وختمه، ولا يجوز له قبوله في ذلك بقول أئمة الفتوى.
وحكي عن الحسن، وبسوار، والعنبري أنهم قالوا: إذا كان يعرف خطه وختمه؛ قبله، وهو قول أبي ثور، والاصطخري، ويتخرج لنا مثله ..
إلى أن قال: بناء على قوله في الوصية: إذا وجدت بخطه؛ لأن ذلك يحصل به غلبة الظن؛ فأشبه شهادة الشاهدين. انتهى ...
إلى أن قال: الشرط الثاني: أن يكتبه القاضي في موضع ولايته وعمله. فإن كتبه من غير ولايته وعمله؛ لم يسغ قبوله. لأنه لا يسوغ له في غير ولايته حكم؛ فهو فيه كالعامي.
стр. 770
الثالث: أن يصل الكتاب إلى المكتوب إليه في موضع ولايته، فإن وصله في غيره؛ لم يكن له قبوله حتى يصير إلى موضع ولايته. انتهى.
ومن جواب لأبي المواهب: وأما كاتب الوثيقة، سواء كان مفتياً أو غيره، منصوباً أم لا، كائناً من كان؛ فهو من جملة البينة، حكمه حكم الشاهد والحالة هذه. انتهى. ومن خطه نقلت.
قولهم: والأولى للقاضي عدم قبول الصدقة الخ.
قال الفومني بخطه على هامش "الفروع": قال الشاشي الشافعي: يحتمل أن ذلك في صدقة التطوع، ويحتمل أن يكون في الصدقة الواجبة والتطوع. انتهى.
والظاهر جواز قبوله الصدقة الواجبة، والوصية .. وصدقة التطوع؛ ففيها ثقل، قاله شيخنا.
وقال: وعند الشافعي إن أبرأه من دينه؛ جاز إن لم يكن القاضي طلبه منه.
والظاهر عندنا مثله؛ لأنه لا يتوقف على رضاه ولا قبوله، ولقولهم: هو في الدعوات كغيره، يكاد يفهم جواز قبول الزكاة، قاله شيخنا.
ومن "شرح المنتهى" لمؤلفه: ولا يجوز لشاهد يرى شهادته بخطه، وتيقنه ولم يذكر المشهود؛ أن يشهد إلا على قول مرجوح. قال "المنقح": هو أظهر، وعليه العمل. انتهى.
ومنه أيضاً: فعلى هذا، إذا عرف المكتوب إليه أنه خط القاضي وختمه؛ جاز قبوله، والعمل على الأول. انتهى.
قال في "الإنصاف": قوله: وكذلك الشاهد إذا رأى خطه في كتاب بشهادته ولم يذكرها، فهل له أن يشهد؛ على روايتين.
إحداهما: ليس له أن يشهد، وهو الصحيح من المذهب.
والثانية: له أن يشهد إذا حرره، وإلا فلا. وعنه: له أن يشهد
стр. 771
مطلقاً، واختاره في "الترغيب"، وجزم به في "الوجيز" و "منتخب الآدمي" و "المنور"، وقدمه في "المحرر" و "النظم". انتهى.
ومنه أيضاً: ويقلد العامي من عرفه عالماً عدلاً، أو رآه منتصباً معظماً، ولا يقلد من عرفه جاهلاً عند العلماء.
قال المصنف في "الروضة" وغيرها: يكفيه قول عدل، يعني خبير ... إلى أن قال: فإن استوى مجتهدان؛ تخير، ذكره أبو الخطاب وغيره من الأصحاب ... إلى أن قال: ولا يجوز للعامي الرخص، ذكره ابن عبد البر إجماعاً، ويفسق عند الإمام أحمد وغيره ... إلى أن قال: ولو سأل مفتيين؛ تخير إذا اختلفا عليه على الصحيح من المذهب، اختاره القاضي، وأبو الخطاب، والكصنف وغيرهم. انتهى.
ومن الزركشي: قال أبو محمد في "المقنع": إذا عرف المكتوب إليه أنه خط القاضي الكاتب وختمه؛ جاز قبوله، وكذا قال ابن حمدان ... إلى أن قال: وظاهر كلام "الخرقي" أنه لا يشترط ختم كتاب القاضي إلى القاضي؛ وهو كذلك. انتهى.
قال في "الرعاية الكبرى" فصل: ولا يفتي في الأقارير والأيمان إلا من عرف لغة بلدهما، وعرف عادة أهله. انتهى.
ومن "المغني": يستحب للحاكم أن يتخذ كاتباً، وأن يجلسه بين يديه ليشاهد ما يكتبه، ويشافهه بما يملي عليه، وإن تعد ناحية؛ جاز، لأن المقصود يحصل، فإن لم يكتبه يعرضه على الحاكم. انتهى.
ومن "حاشية" ابن قندس: قولهم: كفتياه، وظاهر كلامه أن فتياه مجردها ليس حكماً، بل لابد لصيرورتها حكم من حكم بها منه أو من غيره، والأمر كذلك.
قال ابن القيم: فتيا الحكم ليست حكماً منه، فلو حكم غيره بخلاف ما أفتى به؛ لم يكن نقضاً لحكمه، ولا هي في معنى الحكم، ولهذا له أن
стр. 772
يفتي الحاضر، والغائب، ومن يجوز حكمه له، ومن لا يجوز. انتهى.
من كتاب الشهادات
وفي "المغني" لابن عبد الهادي في كتاب القاضي: ولا يقبل إلا بشاهدين يدفعه إليهما، ويدفعاه إلى المكتوب إليه، ويشهدا به، ويعرف أنه خطه؛ فيجوز العمل بما فيه. انتهى.
قال في "المنتهى": كوجدان خط أبيه بحكم أو شهادة إلا على مرجوح.
قال "المنقح": وهو أظهر، وعليه العمل. انتهى.
الظاهر أن هذا على المذهب من أنه لا يحكم بشهادة البينة بخط الحاكم إذا عرفه من غير شاهدين يحملانه، وعدم قبول شهادة الميت، وأما على القول المرجوح؛ فيجوز العمل به كغيره، ولم يزل القضاة يفعلونه قديماً وحديثاً، قاله شيخنا.
ومن "مختصر خليل" المالكي: وجازت على خط مقر بلا يمين، وخط شاهد ميت، أو غاب ببعد، وإن بغير مال إن عرفه، كالمعين، وأنه كان يعرف مشهده، لا على خط نفسه حتى يذكرها. انتهى.
فائدة: مختصرة في الشهادة على الخط لابن المنجا .
فصل: في الشهادة على الخط: إذا رفعت إلى الحاكم ما حكمها؟ هل له قبولها أم لا؟
هذه مسألة اجتهادية، يسوغ للحاكم الاجتهاد فيها، وقد اختلف العلماء فيها على قولين، وتخرج على قواعد الإمام أحمد وأصوله.
يجوز الحكم بكتاب القاضي إلى القاضي، وكتاب القاضي إلى الأمير، وبالعكس، للحاجة الداعية إلى ذلك، لكن، هل يجوز الحكم بما فيه من غير أن يثبت عنده بالبينة أن هذا كتاب فلان؟
هذا محل نظر؛ فإن أصحابنا قالوا: إذا كتب الحاكم كتاباً، وأدرجه ختمه، ثم استدعي ببينة، فقال: هذا كتابي؛ قالوا: لم يصح، ثم
стр. 773
ذكروا عند ذلك نصوص أحمد في رواية الكوسج فيمن كتب وصية لا يصح، لكن يحمل قول الإمام في الرواية الأولى على أن خطه مشهور معروف، والثانية على أن خطه لم يكن مشهوراً معروفاً؛ فلهذا منع في الثانية دون الأولى، قاله في "المستوعب". وفي "المستوعب" لما ذكر تنفيذ الوصية من غير إشهاد ولا إعلام بها لأحد؛ قال: فعلى هذا إذا عرف القاضي المكتوب إليه خط القاضي وختمه؛ جاز قبوله، وكذلك إذا شهد عنده شاهدان أن هذا كتاب فلان كتبه إليك من عمله فختمه. وإن لم يعلما ما فيه؛ جاز قبوله. انتهى.
بل عمل أهل الأمصار على هذا في كل وقت وزمان؛ فإن كتب النبي ﷺ وإرسالها إلى الملوك وغيرهم، ثم الخلفاء الراشدون بعده ما زالوا يرسلون كتبهم، ولم يعلم أن أحداً منهم أشهد على ذلك، بل لو كانوا يفعلون ذلك؛ لنقل إلينا، أو كان مشهوراً بمنزلة الإجماع لكثرة المراسلات.
وذكر ابن تيمية في بعض فتاويه: أن من عرف خطه بإنشاء أو إقرار، أو شهادة؛ عمل به.
وحكى بعض المتأخرين عنه أيضاً أنه حكى قولاً في المذهب أن القاضي يحكم بخط شاهد ميت، وقال: الخط كاللفظ إذا عرف أنه خطه، وأنه مذهب جمهور العلماء. انتهى ... إلى أن قال: فإذا كان شخص ما له طريق يتوصل إلى حقه إلا بالشهادة على خط الشهود، فإذا أقام بخط كل واحد من الشاهدين شاهدان؛ ساغ للحاكم الإقدام عليه والحكم به، أيضيع حق هذا وله طريق يتوصل به إلى حقه؟ فليس في الكتاب والسنة نهي عن هذا ... إلى أن قال: فإذا رفع إلى الحاكم اثنان أحدهما: من أفجر الناس وقد استولى على وقف أو غيره.
والثاني: من أهل الدين والصلاح والوقف له، ومعه كتاب الوقف،
стр. 774
وفيه شهادة جماعة من أهل العلم، وخطوطهم مشهورة معروفة، وقد درجوا إلى رحمة الله؛ ساغ للحاكم الاجتهاد في المسألة، ولا يعين الظالم على التمكن من ظلمه وفجوره، فيفعل ما يريد، ويقول لخصمه: لا يقوم لك على ما في يدك حجة، بل قد لا يكون بينه وبين أحد خصومة ولا دعوى، وإنما يده عليه، ولكن عنده كتاب منقطع يطلب اتصاله، ما له طريق إلى ذلك إلا بالشهادة على الخط. هذا ملخص كلامه، نقلته من خط الشيخ محمد بن إسماعيل.
وفي "التنقيح" وتقدم لأصحابنا قول: يحكم بخط شاهد ميت. قال الشيخ تقي الدين: الخط كاللفظ إذا عرف أنه خطه عند الجمهور، وهو يعرف خطه كما يعرف صوته، وجوز أحمد، ومالك الشهادة على الصوت، والشهادة على الخط أضعف، لكن جوازه أقوى من منعه. انتهى.
قلت: وعمل به كثير من حكامنا. انتهى.
ومن جواب للشيخ حسين بن عثمان، الشافعي أخيراً، الحنبلي أولاً بعد أن سئل عن كتاب القاضي إلى القاضي من غير شاهدين يحملانه.
فأجاب: هذا لا أرضاه لك؛ لأن مدارهم على إبطال وثائق القضاة، وإنها لا تقبل إلا بشاهدين عدلين، ولا لهم مستند في ذلك غير إتباع ما في الكتب من غير تلق من أهل العلم، وهذا فيه فساد عظيم وتضييع للحقوق؛ فإن وثائق القضاة أضبط وأحسن من شهادات أهل هذا الزمان، وأنت تعرف أن شهادة العدول تظهر الحق، ولا تثبته في نفس الأمر، حتى لا يجوز للشخص أن يستولي على ما ليس له ولو شهد به عدول كثيرون.
إذا علمت ذلك؛ فمذهب إمامنا الشافعي في الأصل: لا يقبل كتاب القاضي إلى القاضي إلا إذا شهد بما فيه عدلان، ولكن أصحابنا المتأخرون
стр. 775
لما نظروا إلى ما ذكرنا، وإلى أن لله أحكاماً تتجدد بتجدد الوقائع. كما قال عمر بن الخطاب ﵁: الناس أحدثوا؛ فأحدثنا لهم، امضوا كتاب القاضي إذا عرفوه من غير احتياج إلى بينة تشهد بما فيه، بل رأوه أضبط من بينة هذا الزمان الذي قل فيه العدل، وانتشر فيه الكذب والزلل، نسأل الله السلامة من شر أهله.
وأما مذهب الحنابلة؛ فقد صرح ابن مبرد، أي ابن عبد الهادي وغيره؛ بأن القاضي إذا عرف خط القاضي اعتمده، إلا إذا بان خطؤه انتهى. ونقلته من خطه بعد الإشارة إليه من شيخنا.
قال في "الإنصاف": وعند الشيخ تقي الدين: من عرف خطه بإنشاء أو إقرار، أو شهادة؛ عمل به كميت. فإن حضر فأنكر مضمونه؛ فكاعترافه بالصوت (١) وإنكار مضمونه.
وقال في كتاب أصدره إلى السلطان في مسألة الزيارة: وقد تنازع العلماء في كتاب الحاكم، هل يحتاج إلى شاهدين على لفظه، أم واحد، أم يكتفي بالكتاب المختوم، أم يقبل الكتاب بلا ختم ولا شاهد؟
على أربعة أقوال في مذهب أحمد وغيره. نقله ابن خطيب السلامية في تعليقه، وذكر الشيخ تقي الدين قولاً في المذهب؛ أنه يحكم بخط شاهد ميت. وقال: الخط كاللفظ إذا عرف أنه خطه، وقال: أنه مذهب جمهور العلماء، وهو يعرف أن هذا خطه، كما يعرف أن هذا صوته.
وقت اتفق العلماء، على أنه يشهد على الصوت من غير رؤية المشهود عليه، والشهادة على الخط أضعف، لكن جوازه قوي أقوى من منعه. انتهى.
ومنه، فوائد: الأولى: قال في "الروضة": لو كتب شاهدان إلى شاهدين من بلد المكتوب بإقامة الشهادة عنهما لم يجز، لأن الشاهد