قال: فلو أفتاه مفت بالحل، ثم أفتاه آخر بالحرمة بعد ما عمل بالقول الأول؛ فإنه يعمل بالفتوى.
الثاني: في حق امرأة وأخرى لأولى، ويعمل بكلام المفتي في الحادثتين. انتهى. والله أعلم، وصلى الله على سيدنا محمد عدد ما ذكرك الذاكرون، وغفل عن ذكرك الغافلون، عدد معلوماتك أبداً، وما ينهى سرمداً. انتهى).
وقد نص في "الفتاوى الصغرى"، حيث قال: فلو أفتاه مفت بالحل، ثم أفتاه آخر بالحرمة بعدما عمل بفتوى الأول؛ فإنه يعمل بفتوى الثاني في حق امرأة أخرى، لا في حق الأولى، ويعمل بكلام المفتي في الحادثتين. انتهى ملخصاً، والله أعلم.
سئل الشيخ التقي أبو العباس: عمن يقلد لبعض العلماء في مسائل الاجتهاد، ومن عمل منها بقول بعض العلماء، هل ينكر عليه ويهجر، أم لا. وكذلك من يعمل بأحد القولين؟
فأجاب: مسائل الاجتهاد، من فعل منها بقول بعض العلماء؛ لم ينكر عليه ولم يهجر، ومن عمل بأحد القولين؛ لم ينكر عليه ولم يهجر، وإذا كان في المسألة قولان. فإن كان يظهر للإنسان رجحان أحد القولين، وإلا قلد بعض العلماء الذين يعتمد عليهم في بيان أرجح القولين، وإذا أفتاه من يجوز له استفتاؤه؛ جاز له أن يعمل بفتواه، ولو كان ذلك القول لا يوافق الإمام الذي ينسب إليه، وليس عليه أن يلتزم قول إمام بعينه في جميع إيمانه. انتهى.
قال الشيخ ابن عطوة، فيما وجدته بخطه: والذي أعرفك عرفك الله كل خير؛ أني من سنتين ما أفتيت، وقد عزمت على ترك الإفتاء، وقد ذكرت خمسة عشر دليلاً في ركن الإفتاء، بعضهما يخيره، وبعضها يوجبه علي، وعلى كل حال؛ فيحرم على كل أحد أن يفتي أو يفعل ما لا يعلم
стр. 702
جوازه بفعل صحيح صريح. انتهى.
ومن جواب للعلامة، زين العابدين الصديقي البكري الشافعي: العامي لا مذهب له، ويجب عليه التعلم من العلماء، وبذل المال في ذلك، والسعي إليه، وإذا انتسب شخص لمذهب معين؛ وجب عليه اعتقاد صحته، أي ما انتسب إليه، وأنه الحق لا شبهة فيه.
ولا يجوز تقليد غير الأربعة في الحكم والفتوى، ولا يجوز تلفيق التقليد في مسألة بعينها، ولا تتبع الرخص، بأن يأخذ من كل مذهب مما رخص فيه من كل أمر فيه سهولة.
وأجاب أيضاً: يجوز تقليد الشافعي في الحيلة في الربا. انتهى.
سئل السيد عمر: ما قولكم في رجل حنبلي مثلاً، أراد تقليد الإمام الشافعي في لحم الجزور، فهل إذا أصاب بدنه أو ثوبه من أبوال ما يؤكل لحمه ما هو طاهر في مذهبه، يسوغ له الصلاة من غير وضوء، أم يجب عليه اجتناب كل نجس عند من أراد تقليده في مسألة؟ وهل يجب أن تكون تلك الصلاة جارية على مذهب الشافعي في الشروط والأركان، أم لا؟ وما حقيقة التلفيق؟ وما يقول سيدي في العامي المنتسب لمذهب أحمد إذا حلف بالطلاق فبان بخلاف ما ظنه، أو فعل المحلوف عليه ناسياً أو معسراً عند الأجل ونحو ذلك؟ فهل للشافعي إذا سأله عن مثل ذلك إجابته بعدم الوقوع على قاعدة مذهب المسؤول من غير كراهة في ذلك؟ وهل يجوز له ترك الجواب فيما قد علمه في ذلك أم لا؟
الجواب: المسألة الأولى يعلم جوابها مما سنورده من كلام الأئمة في ضابط التلفيق الممتنع؛ ففي "شرح خطبة المنهاج" لابن حجر، ونصه: ولا ينافي ذلك قول ابن الحاجب، كالآمدي، من عمل في مسألة بقول؛ لا يجوز له العمل فيها بقول غيره اتفاقاً؛ لتعين حمله على ما إذا بقي من آثار العمل الأول ما يلزم عليه مع الثاني تركب حقيقة لا يقول بها
стр. 703
كل من الإمامين، كتقليد الإمام الشافعي في مسح بعض الرأس، ومالك في طهارة الكلب في صلاة واحدة. انتهى.
وفي "فتاوى" الوجيه ابن زياد ما نصه: سئل عما إذا قلد شافعي مذهب غير الشافعي، فهل يشترط له أن لا يقع فيما يخالف ذلك المذهب من الأفعال، كما إذا قلد شافعي أبا حنيفة في الاكتفاء باستقبال الجهة من القبلة في الصلاة، فهل يشترط أن يمسح ربع الرأس، وأن لا يسيل منه دم، أم لا؟
أجاب ﵀: إن الذي فهمنا من أمثلتهم أن التركيب القادح في التقليد إنما يمنع إذا كان في قضية واحدة، فمن أمثلتهم: إذا توضأ ومس تقليداً لأبي حنيفة، وافتصد تقليداً للشافعي، ثم صلى؛ فصلاته باطلة، لاتفاق الإمامين على بطلان طهارته، وكذلك لو توضأ ومس بلا شهوة تقليداً لمالك، ولم يدلك تقليداً للشافعي، ثم صلى؛ فصلاته باطلة، لاتفاق الإمامين على بطلان طهارته، بخلاف ما إذا كان الترتيب من قضيتين؛ فالذي يظهر أن ذلك غير قادح في التقليد، كمسألة السؤال، فإنه إذا توضأ ومسح بعض رأسه، ثم صلى إلى الجهة تقليداً لأبي حنيفة، فالذي يظهر صحة صلاته، لأن الإمامين لم يتفقا على بطلان طهارته، فإن الخلاف فيها بحاله، لا يقال: اتفقا على بطلان صلاته، لأنا نقول: هذا الاتفاق نشأ من التركيب من قضيتين، والذي فهمنا من كلامهم أنه غير قادح في التقليد.
ومثله: إذا قلد الإمام أحمد أن العورة السوأتان (١) وترك المضمضة، والاستنشاق، والتسمية، الذي يقول أحمد بوجوبها ص ١٣١، فالذي يظهر صحة صلاته إذا قلده في قدر العورة، لأنهما لم يتفقا على بطلان طهارته في
стр. 704
قضية واحدة، ولا يقدح في ذلك اتفاقهما على بطلان صلاته؛ فإنه تركب من قضيتين، وهو غير قادح في التقليد، كما يفهمه تمثيلهم، وقد رأيت في "فتاوى البلقيني" ما يقتضي أن التلفيق من قضيتين غير فادح في التقليد. انتهى.
إذا تقرر ذلك، فإن فرعنا على الأول؛ كان قضية إطلاقه منع التقليد في مسألة السؤال؛ فإنه أطلق منع ما يؤدي إلى التركيب، ولم يقيده بكونه يرجع إلى قضية أو قضيتين، يعني إلى حكم أو حكمين، ولا يرد عليه قول السائل: إن التقليد إنما شرع للترخص والتخفيف؛ لأن فيه الحمل عند توفر شروطه، وإلا فلا اعتداد به، والتخفيف موجود فيه في الجملة عند توفر شروطه إذا نسبناه إلى من يمنعه بالكلية، وإن فرعنا على الثاني؛ اقتضى جواز التقليد في مسألة السؤال، لأن التركيب فيها يرجع إلى حكمين، عدم النقض بأكل لحم الجزور الراجع إلى طهارة الحدث، وطهارة بول ما يؤكل لحمه، الراجع إلى طهارة الخبث، وهو شرط مغاير للذي قبله في الحقيقة والحكم وإن شاركه في اللفظ، ولكل من المقالين وجهة، وكفى بكل من القائلين قدوة، والأول أوفق بمشارب الخاصة، والثاني أوفق بمشارب العامة، وأما إذا سئل الشافعي عن مسألة مثلا ذات اختلاف بين المجتهدين، وكان السائل فيها يعتقد تبعا لإمامه خلاف مذهب المسؤول؛ فينبغي للمسؤول أن يبين له حقيقة الأمر، ثم هو بالخيار، إن أراد التقليد وكان من قضية مذهبه جواز تقليد غير إمامه قلد، وإلا فلا.
وقول السائل: هل الأولى له إرشاد السائل أو تركه الخ. فالظاهر أنه ينظر في حال الحالف، فإن كان من أهل الورع ويرجى منه الوقوف مع قضية مذهبه؛ فالأولى تركه مع اعتقادنا حصول البر ببعض المسالك على قضية مذهبنا، لا نرتاب في أن الورع لنا تركه خروجا من الخلاف،
стр. 705
وللوسائل حكم المقاصد، وإن لم يكن الحالف كذلك، أو يخشى انتهاك حرمة الشرع من غير استناد إلى تقليد أحد من الأئمة؛ فينبغي إرشاده إلى التقليد، لأن التقليد نجاة له؛ إذ الأئمة ﵃ على هدى من ربهم، والله أعلم، كتبه عمر بن عبد الرحيم الحسيني الحسني الشافعي، غفر الله ذنوبه، وستر في الدارين عيوبه.
ومن "الآداب" لابن مفلح: قال الشيخ أبو العباس، بعد ذكره كلام ابن حمدان: هذا يراد به شيئان:
أحدهما: أن من التزم مذهباً معيناً، ثم فعل بخلافه من غير تقليد لعالم آخر أفتاه، ولا استدلال بدليل يقتضي خلاف ذلك، من غير عذر شرعي يبيح ذلك؛ فإنه يكون متبعاً لهواه، وعاملاً بغير اجتهاد ولا تقليد، فاعلا للمحرم بغير عذر شرعي، وهذا الذي أراد نجم الدين.
الثاني: العامي، هل عليه أن يلتزم مذهباً معيناً يأخذ بعزائمه ورخصه؟ فيه وجهان لأصحاب أحمد، وكذا لأصحاب الشافعي، والجمهور يوجبونه ما دام ملتزماً له. انتهى.
ومن "تنقيح الأصول": قال الزناقي: يجوز تقليد المذاهب في النوازل، والانتقال من مذهب إلى مذهب بثلاثة شروط:
أن لا يجمع بينهما على صفة تخالف الإجماع، كمن تزوج بغير صداق، ولا ولي، ولا شهود؛ فإن هذه الصورة لم يقل بها أحد. وأن يعتقد فيمن يقلده الفضل بوصول أخباره إليه، ولا يقلده رمياً في عماية. وأن لا يتتبع رخص المذاهب، والمذاهب كلها مسالك إلى الجنة، وطرق إلى الخيرات.
تنبيه: قال غيره: يجوز تقليد المذاهب في كل ما لا ينقض فيه قضاء القاضي، وهو أربعة: الإجماع، والقواعد، والنص، والقياس الجلي، فإن أراد بالرخص هذه الأربعة؛ فهو حسن متعين، فإن ما لا نقره
стр. 706
مع تأكده بحكم الحاكم؛ فأولى أن لا نقره قبل ذلك، وإن أراد بالرخص ما فيه سهولة على المكلف كيف كان؛ يلزمه أن يكون من قلد الإمام مالك في الأرواث، وترك الألفاظ في العقود؛ مخالفاً لتقوى الله، وليس كذلك. انتهى.
قال ابن حجر في "التحفة" عند ذكر التقليد: الأولى لمن بلي بالوسواس؛ الأخذ بالأخف والرخص، لئلا يزداد فيخرج عن الشرع، ولضده الأخذ بالأثقل؛ لئلا يخرج عن الإباحة.
ويشترك أيضاً أن لا يلفق بين قولين يتولد منهما حقيقة مركبة لا يقول بها كل من الإمامين، وأن لا يعمل بقول في مسألة، ثم بضده في عينها كما مر، وقال قبل ذلك، وحاصله: أنه يجوز تقليد كل من الأئمة الأربعة، وكذا من عداهم ممن حفظ مذهبه في تلك المسألة. ودون حتى عرفت شروطه وسائر معتبراته؛ فالإجماع الذي نقله غير واحد على منع تقليد الصحابة؛ يحمل على ما فقد فيه شرط من ذلك.
ويشترط لصحة التقليد أيضاً أن لا يكون فيما ينقض فيه قضاء القاضي، هذا بالنسبة لعمل نفسه، لا للإفتاء والقضاء؛ فيمتنع إجماعا، كما يعلم مما يأتي؛ لأنه محض شبه وتغرير، ومن ثم قال السبكي: إذا قصد لمصلحة دينية؛ جاز؛ أي مع تنبيه المستفتي قائلا بذلك، وعلى ما اختل فيه شرط مما ذكر يحمل قول السبكي: ما خالف الأربعة كمخالف الإجماع. انتهى.
ومن جواب لمعين الدين بن صفي الدين الشافعي: وأما مسألة تقليد المقلد إماماً آخر؛ فقد صرح أصحاب الشافعي أن لمقلد مذهباً أن يقلد في مسألة إماماً آخر، لكن لا يجوز له أن يلتقط من كل مذهب ما هو الأيسر والأسهل؛ فيخترع لنفسه مذهباً، وأيضاً لا يجوز له أن يعمل في عمل واحد بمسألتين من مذهبه ومذهب غيره، بحيث أن يفتي المفتي من
стр. 707
المذهبين ببطلان عمله، مثل أن يكون شافعي المذهب على وفق مذهبه جرى على بدنه دم؛ فهو على وضوء بمقتضى مذهبه، ثم قلد أبا حنيفة في عدم نقض الوضوء من لمس بدن المرأة الأجنبية؛ فيصلي حينئذ صلاة يفتي مفتي الشافعية ببطلانها، وكذا مفتي الحنفية؛ ففي مثل ذلك لا يجوز تقليد الغير، والصحابة ﵃، عوامهم يقلدون خواصهم في أي مسألة كانت، وكذلك التابعون وتابعوهم، ثم إن البارزين من الشافعية أفتى بأن من عمل عملا يوافق مذهبا من المذاهب، وإن كان العامل لا يعرف أنه مذهب إمام؛ فيصح عمله، وهذه توسعة عظيمة، وأما مسألة العمل بمذهب غير مذهبه، إذا علم من مذهب الغير، ولم يعلم حكم تلك المسألة من مذهبه، فقد علمت من قبل أن لكل مقلد مذهباً أن يعمل في بعض الأعمال بمذهب غير مقلده. وأما الفتوى في مسألة يعلم من مذهب غير مقلده لمقلد ذلك المذهب؛ فجائز قطعاً، فإنهم صرحوا بأنه يجوز أن يكون شخص واحد أفتى بأربع مذاهب، وأما عدم تعيين المذاهب والسؤال عن أهل الفتوى؛ فظاهر طرق الصحابة، والتابعين، وتابعيهم، والصدر الأول أنه جائز، لكن تصريح بعض المتأخرين: أن بعد تدوين المذاهب وجب تقليد واحد معين منهم.
وقال الغزالي في "المستصفى": إن العامي لا مذهب له، ووجب عليه أن يقلد عالماً يعتقد أعلميته، ولا يجوز له التجاوز عن فتواه، ونقل تلك المسألة عن كثير من العلماء، ومال كلام إمام الحرمين في "المنخول": يجبر على ذلك. انتهى.
سئل الشيخ عبد الرحمن الخياري في حال الجواز بالقول المرجوح، هل تشترط معرفة القائل به، أم لا؟ ومن أين لأمثالنا معرفة القائل به؟ وإن قلتم بذلك، فهل يكتفى بمعرفة اسمه، أم لا بد من معرفة حقيقة حاله؟
стр. 708
وقوله في "المنهاج" وغيره: على الأصح، أو الأظهر، أو المشهور ومثلنا لا يعرف القائل ذلك، وهل يكفي تقليد صاحب المرجوح في العمل دون الحكم مع الجهل بمعرفته، أم لا؟
فأجاب، يجوز العمل بالقول المرجوح لنفسه وإن لم يعرف قائله، إذا كان من المذاهب الأربعة، بخلاف ما إذا كان من غيرها؛ فلا بد أن يعرف قائله ليتأتى له التقليد، كما هو صريح كلامهم.
ومن جواب له أيضاً، بعد كلام سبق: نعم يظهر لي أن الأولى للمفتي التأمل في طبقات العامة، فإن كان السائل من الأقوياء الذين يتحرون الأخذ بالعزائم وما فيه الاحتياط؛ اختصهم برواية ما يشتمل على التشديد. وإن كانوا من الضعفاء الذين هم تحت أسر النفوس، بحيث لو اقتصر في شأنهم على رواية ما يشتمل على التشديد؛ أهملوه ووقعوا في وهدة المخالفة لحكم التشريع على سبيل التساهل، روى لهم ما فيه التخفيف شفقة عليهم من الوقوع في ورطة الهلاك، لا تساهلاً في دين الله، أو لباعث، وسداً لطمع في حكام أو رغبة أو رهبة، والله يعلم المفسد من المصلح، فهذا الذي تقرر، وهو الذي نعتقده وندين الله به.
وأما التزام ترجيح إمام واحد على التعيين، من أول كتاب الطهارة الخ، وتضعيف مقابله؛ فالحامل عليه محض التقليد، كما هو الغالب الآن.
واعلم أنه يصح التقليد بعد الفعل، كما إذا صلى ظاناً صحتها على مذهبه، ثم تبين بطلانها في مذهبه، وصحتها على مذهب غيره؛ فله تقليده، ويجتزئ بتلك الصلاة على ما قال في "البزازية"، وعن الإمام الثاني وهو أبو يوسف: أنه صلى يوماً الجمعة بالناس مغتسلاً من الحمام، فلما تفرق الناس أخبر بوجود فأرة ميتة في بئر الحمام، فقال: إذاً نأخذ بقول إخواننا أهل المدينة، إذا بلغ الماء قلتين؛ لم يحمل خبثاً. انتهى. ونقله العلامة ابن أمير حاج عن "القنية" على جهة الاستشكال، في أن
стр. 709
المجتهد بعد اجتهاده في حكم؛ ممنوع من تقليد غيره من المجتهدين فيه. انتهى. ولا يرد علينا ذلك؛ لأن الرد على المجتهد لا المقلد في ذلك؛ وأما صحة الإقدام على التقليد لما هو مخالف لمذهبه من المسائل؛ فلما قدمناه عن الأصوليين على الصحيح، ولما قاله في "يتيمة الدهر".
سئل الإمام الجخندي ص ١٣٧ عن رجل شافعي ترك صلاة سنة أو سنتين، ثم انتقل إلى مذهب أبي حنيفة، فقال: على أي المذهبين قضى بعد أن يعتقد جوازها؛ جاز. انتهى. وهذا نص في صحة التقليد بعد العمل، بخلاف ما عمل من جنسه؛ فتحصل مما ذكرناه أنه ليس على الإنسان التزام مذهب معين، وأنه لا يجوز له العمل بما يخالف ما عمله على مذهبه مقلداً غير إمامه، مستجمعاً شروطه، وأن يعمل بأمرين متضادين في حادثتين لا تعلق الواحدة منهما بالأخرى، وليس له إبطال ما فعله بتقليد إمام آخر؛ لأن إمضاء الفعل كإمضاء القاضي، ولا ينقض تتمة حقيقة التقليد العمل بقول من ليس قوله أحد الحجج الأربع الشرعية بلا حجة منها؛ فليس له الرجوع إلا إلى قول النبي ﷺ ، والإجماع منه التقليد، لأن كلاً منهما حجة شرعية من الحجج الأربع، وعلى هذا اقتصر الكمال في "تحريره"، وقال ابن أمير حاج: وعلى هذا عمل العامي بقول المفتي، وعمل القاضي بقول العدول؛ لأن كلاً منهما، وإن لم يكن إحدى الحجج الأربع، فليس العمل به إلا حجة شرعية، لإيجاب النص، أخذ العامي بقول المفتي، وأخذ القاضي بقول العدول، انتهى.
قلت: وفيه تأمل؛ لأن النص وإن أوجب على العامي الأخذ بقول المفتي مجرداً عن الدليل؛ فعدم علمه بالدليل تقليداً في الحكم، وإلا لزم العامي إمضاء فتوى المفتي، وليس بلازم إلا بالإمضاء بالفعل كما علمت، وقال في "الحاوي القدسي": التقليد جعل الشيء كالقلادة في العنق، حقاً كان أو باطلاً، وهو أنواع: واجب، وجائز، وحرام.
стр. 710
فالواجب: تقليد المعصوم عن الخطأ، وهو النبي ﷺ المبعوث بالحق.
والجائز: تقليد العوام العلماء في الفروع بالإجماع، وفي أصول الدين مختلف فيه.
والتقليد الحرام: فهو كتقليد الآباء والأكابر في الأباطيل. انتهى.
وقال عز الدين بن عبد السلام: إن الأولى التزام الأشد والأحوط في دينه، أي في كل مذهب، وكذا في "الإفصاح" لابن هبيرة، واتفق العلماء على استحباب الخروج من الخلاف. فإذا كان بين التحريم والجواز؛ فالاجتناب أفضل، وإن كان في الإيجاب والاستحباب؛ فالفعل أفضل. وإن كان في المشروعية وعدمها؛ فالفعل أفضل، كقراءة البسملة في الفاتحة، فإنها مكروهة عند مالك، وواجبة عند الشافعي، وسنة عند أبي حنيفة وأحمد. وعند مالك السنة ترك ذكرها؛ ففي مثل هذا الأولى اتباع الأكثر. وقد حقق الكمال أن الاحتياط ترك القراءة خلف الإمام في جميع الصلوات، لأن أقوى الدليلين منع المأموم من القراءة خلف الإمام مطلقاً. انتهى.
قال الإمام فخر الدين في كتابه "ملخص البحر": لا يجوز لمفت على مذهب إمام أن يعتمد إلا على كتاب موثوق في ذلك المذهب، وأما المقلد، فلا يجوز له الحكم بغير مذهب مقلده إذا ألزمناه اتباعه، ذكره الغزالي، واقتصر عليه في "الروضة" وغيرها.
وقال ابن الصلاح: لا يجوز لأحد في هذا الزمان أن يحكم بغير مذهبه. فإن فعل؛ نقض، لفقد الاجتهاد، وكذا - في "أدب القضاء" للغزي - كلام ابن الصلاح، ومرادهم بالمقلد: من حفظ مذهب إمام ونصوصه، لكن عاجز عن تقويم (١) أدلته، غير عارف بغوامضه. انتهى.
стр. 711
ومن خط الشيخ ابن عطوة: وفي "واضح" ابن عقيل: يستحب إعلام المستفتي بمذهب غيره إن كان أهلاً للرخصة، كطالب التخلص من الربا؛ فيدله إلى (١) من يرى التحيل للخلاص منه، والخلع لعدم وقوع الطلاق. انتهى.
وله أيضاً:
الجواب عن الأولى: أصح الوجهين أن العامي لا يلزمه التمذهب بمذهب يأخذ بعزائمه ورخصه.
الثانية: من التزم مذهباً، هل يلزمه بالتزامه؟
المشهور لا يلزمه بالتزامه عند الأكثر.
الثالثة: هل يجوز للعامي التقليد في بعض المسائل من غير مذهبه؟ المشهور أنه إن أفتاه واحد وعمل به؛ لزمه قطعاً؛ ذكره شيخنا علاء الدين المرداوي. وإن لم يعمل به؛ لم يلزمه بالتزامه.
وقال ابن الحاجب: إذا قلد مجتهداً في حكم؛ فليس له تقليد غيره فيه اتفاقاً. ويجوز ذلك في آخر على المختار، والانتقال لغرض دنيوي مذموم غير ممدوح، ولو كان ما انتقل إليه أرجح، ذكره أبو العباس، وابن مفلح ... إلى أن قال:
السادسة عشرة: هل المفتي غير المجتهد مخبر فيعول على قبول خبره فينسبه إلى معين، أم لا؟
المسألة فيها خلاف، والذي اختاره الموفق وجماعة؛ أنه والحالة هذه مخبر لا مفت؛ فيعول على قبول خبره، لا إنشائه ويحتاج أن يخبر عن معين، وأن يكون ثبتاً. انتهى. ومن خطه نقلت، أي من خط ابن عطوة بعد معرفته.
ومن جواب لأبي العباس: مسائل الاجتهاد، من فعل منها بقول بعض
стр. 712
العلماء، لم ينكر عليه، وكذا من عمل بأحد القولين لم ينكر عليه. انتهى.
ومن كتاب "الأنوار": المذاهب الأربعة على الحق، وكل مجتهد مصيب، ومن قلد إماماً منهم؛ فله تقليد غيره، لا سيما عند الضرورة وهذا هو الصحيح، ومن العلماء من منع ذلك فقال: لا يقلد إلا إماماً واحداً، والصواب في المسألة أن لها ثلاث صور (١):
الأولى: أهل الورع، وقد رأينا بعض مشايخنا يلتزمها، وهو أن يأخذ بالأحوط، ويلتزم الأشد، فيغسل المني؛ لأنه نجس في مذهب مالك وأبي حنيفة، وهو قول قديم للشافعي، ويمسح جميع رأسه؛ لأنه فرض عند مالك، ويدلك جميع بدنه؛ لأنه شرط عند مالك، ويفعل الأكمل في كل شيء، وترك كل ما اختلف في تحريمه.
الثانية وهي الوسطى: أن يلتزم مذهباً واحداً، ولا يخرج عنه.
الثالثة: أن يأخذ بالرخص والأسهل من كل مذهب، ولا بأس بذلك عند الضرورة، وما رأيت أحداً من المقلدين يستغني عنه، أي تقليد إمام آخر في وقت الضرورة، فالخطيب الشافعي يقلد مالكاً ويصلي الجمعة بالعشرة أو الثلاثة ونحوها لأجل الضرورة، وهو قول قديم للشافعي، واختلاف العلماء رحمة، ولا معنى للرحمة إلا هذا. انتهى.
ومن جواب للشيخ إبراهيم بن حسن الحنفي: أما مسألة التلفيق؛ فلم أر لعلمائنا الحنفية فيها كلاماً شافياً، غير أن الكمال ابن الهمام، من متأخري أصحابنا ومحققيهم؛ ذكر في كتابه "التحرير في الأصول"؛ وفي "شرح الهداية" في الفقه، تخريجاً منه على ما ذكروه في مسألة التقليد؛ جواز اتباع رخص المذاهب إذا لم يمنع منه مانع شرعي، ففهم جماعة من كلامه الخلاف في ذلك، وإن أدى إلى التلفيق، حتى ناقشه ابن حجر في
стр. 713
ذلك، ومنع ما ذهب إليه من جواز تتبع الرخص؛ لأن المذهب عند الشافعية أن تتبع الرخص حرام، وأحسن ما رأينا في ذلك واسطة كلام شيخنا الإمام، عمر بن عبد الرحيم الوارد علينا من أحمد بن موسى الباهلي: وأما القول بالمرجوح؛ فالمنصوص عليه عند الحنفية أنه لا يجوز الإفتاء به ولا الحكم، وإن حكم به القاضي مع العلم؛ فهو آثم، وفي نفاذ حكمه تفصيل، ويؤخذ من قوة كلامهم وتقييدهم ذلك بالحكم والإفتاء، جواز العمل به في خاصة النفس، لكنه محمول على غير المهجور، وأما المهجور فلا. انتهى.
ويجوز لمن قلد مجتهداً، كمالك، وأبي حنيفة، والشافعي، وأحمد أن يقلد إماماً آخر في بعض المسائل، كأن يقلد الشافعي في عدم النقض للوضوء، وأبا حنيفة مثلاً في تأخير النية في الصوم إلى الزوال.
وقال الشيخ اللقاني في "شرحه": الأصح أنه يمتنع لمن لزم مذهبا معينا، ولو قلنا بجواز انتقاله عنه؛ تتبع الرخص في المذاهب، بأن يأخذ من كل منها بما هو الأهون فيما يقع له من المسائل، خلافاً لقول ابن أبي هريرة أنه لا يفسق بذلك، بل الحق قول أبي إسحاق المروزي أنه يفسق بذلك. انتهى.
ومن كلام ابن القيم: هل يلزم العامي أن يتمذهب ببعض المذاهب المعروفة، أم لا؟
فيه مذهبان: أحدهما: لا يلزمه، وهو الصواب المقطوع به؛ إذ لا واجب إلا ما أوجبه الله ورسوله، ولم يوجب على أحد من الناس أن يتمذهب بمذهب رجل من الأمة فيقلده دينه دون غيره، وقد انطوت القرون الفاضلة مبرأة أهلها من هذه النسبة، ولا يصح للعامي مذهب ولو تمذهب به؛ فالعامي لا مذهب له، لأن المذاهب إنما تكون لمن له نوع نظر واستدلال، وبصر بالمذاهب على حسبه، أو لمن قرأ كتابا في
стр. 714
فروع ذلك المذهب وعرف فتاوى إمامه وأقواله، وأما من لم يتأهل لذلك البتة، بل قال: أنا شافعي، أو حنبلي أو غير ذلك؛ لم يصر كذلك بمجرد القول، كما لو قال: أنا فقيه أو نحوي، أو كاتب؛ لم يصر كذلك بمجرد قوله ذلك، ويوضحه أن القائل: إنه شافعي ونحوه؛ يزعم أنه متبع لذلك الإمام سالك طريقه، وهذا إنما يصح إذا سلك سبيله في العلم والمعرفة والاستدلال، فأما مع جهله وبعده جداً عن سيرة الإمام، وعلمه، وطريقه؛ فكيف يصح له الانتساب إليه إلا بالدعوى المجردة، والقول الفارغ من معنى؟ !
فالعامي لا يتصور أن يصح له مذهباً، ولو تصور ذلك؛ لم يلزمه، ولا يلزم أحداً أن يتمذهب بمذهب رجل من الأمة، بحيث يأخذ بأقواله كلها ويدع أقوال غيره، وهذه بدعة قبيحة حدثت في الأمة، لم يقل بها أحد من أئمة الإسلام، وهم أعلى رتبة وأجل قدراً، وأعلم بالله ورسوله من أن يلزموا الناس بذلك، وأبعد منه قول من قال: يلزمه أن يتمذهب بمذهب عالم من العلماء، وأبعد منه قول من قال: يلزمه أن يتمذهب ﷺ ، وقول خلفائه الأربعة مع غير إمامه أن يترك النص بأحد المذاهب الأربعة، فيا للعجب ماتت مذاهب أصحاب رسول الله ﷺ ، ومذاهب التابعين وتابعيهم، وسائر أئمة الإسلام، وبطلت جملة، إلا مذاهب أربعة أنفس فقط من بين سائر الأمة والفقهاء، وهل قال ذلك أحد من الأئمة، أو دعا إليه، أو دلت لفظة واحدة من كلامه عليه، والذي أوجبه الله ورسوله على الصحابة والتابعين وتابعيهم، وهو الذي أوجبه على من بعدهم إلى يوم القيامة لا يختلف الواجب ولا يتبدل، فإن اختلفت كيفيته أو قدره باختلاف القدرة، والعجز، والزمان، والمكان والحال؛ فذلك أيضاً تابع لما أوجبه الله ورسوله، ومن صحح للعامي مذهباً، قال: هو قد اعتقد أن هذا المذهب الذي انتسب إليه هو
стр. 715
الحق؛ فعليه الوفاء بموجب اعتقاده، وهذا الذي قال: هؤلاء لو صح؛ للزم منه تحريم استفتاء غير أهل المذهب الذي انتسب إليه؛ لتحريمه بمذهب نظير إمامه أو أرجح منه، أو غير ذلك من اللوازم التي يدل فسادها على فساد ملزومها، بل يلزم منه أنه إذا رأى نص رسول الله ﷺ ، وقول خلفائه الأربعة مع غير إمامه أن يترك النص وأقوال الصحابة، ويقدم عليها قول من انتسب إليه، وعلى هذا؛ فله أن يستفتي من شاء من أتباع الأئمة وغيرهم، ولا يجب عليه ولا على المفتي أن يتقيد بالأربعة بإجماع الأمة، كما لا يجب على العالم أن يتقيد بحديث أهل بلده أو غيره من البلاد، بل إذا صح الحديث؛ وجب عليه العمل به، حجازياً كان الحديث، أو عراقياً، أو شامياً، أو مصرياً، أو يمانياً، ولكن ليس له تتبع الرخص من المذاهب، وأخذ غرضه من أي مذهب وجده فيه، بلا اتباع الحق بحسب الإمكان، والله أعلم. انتهى.
ومن جواب لعبد الله الأزهري الحنفي: التقليد للعامي جائز اتفاقاً بين الأئمة قال في "منهاج الأصول": المسألة الثانية في المستفتي: الجمهور على أنه يجوز الاستفتاء للعامي؛ لانعقاد الإجماع على ذلك، لعدم تكليفهم في شيء من الأعصار بالاجتهاد، وتفويت معايشهم، واستضرارهم بأسبابهم.
قال في "الفروع": فإذا استفتى عامي؛ لزمه مذهبه، أي في مذهب أحمد، ومعناه: أنه يعمل بما قاله دائماً، ولا يعمل بمذهبه بعد الاستفتاء فيه في هذه الحادثة خاصة؛ لأن العدل الموثوق به إذا حكى عن مجتهد عدل حكما لعامي؛ حصل للعامي ظن صدق الحاكي، وظن صدق المجتهد الميت في تلك الفتوى؛ فيحصل للعامي من هذين الظنين ظن أنه حكم الله تعالى، وهو كما حكاه هذا العدل عن ذلك المجتهد الميت، والعمل بالظن واجب؛ فوجب على العامي العمل به. انتهى.
стр. 716
وكلامه في التقليد المتفق عليه في أمر ضروري؛ لم يكن في مذهبه قول، ولا يمكنه العمل به؛ لضرورة حاصلة وكلفة عظيمة، وأما التقليد في تتبع الرخص، فممتنع؛ إلا عند أبي إسحاق المروزي؛ فلا يجوز التقليد للشهوة وتتبع الرخص، وأما لضرورة؛ فجائز إجماعاً، قاله ابن الهمام في "التحرير".
فلو التزم مذهباً معيناً كأبي حنيفة مثلاً؛ فقيل: يلزم، وقيل: لا، والتقليد: أخذ المذهب من غير معرفة دليله. انتهى كلام "جمع الجوامع".
وقال في "التنقيح": قال الرياشي: يجوز تقليد المذاهب في النوازل والانتقال من مذهب إلى مذهب بثلاثة شروط.
أن لا يجمع بينهما على وجه يخالف الإجماع، كمن تزوج بغير صداق ولا ولي ولا شهود، فإن هذه الصورة لم يقل بها أحد.
والثاني: أن يعتقد فيمن يقلده الفضل.
والثالث: أن لا يتبع رخص المذاهب.
قال: والمذاهب كلها مسالك الجنة، وظل السعادة. انتهى.
مسألة: هل يجوز لمن ينتحل مذهب إمام معين أن يقلد في بعض المسائل غير إمامه؟
فأجاب الشيخ محمد بن عثمان الأحسائي الشافعي:
الجواب: إن المعتمد عليه أنه يجوز تقليد كل من الأئمة الأربعة، وكذا من عداهم ممن حفظ مذهبه في تلك المسألة، ودون حتى عرفت شروطه وسائر معتبراته. فالإجماع الذي نقله غير واحد على منع تقليد الصحابة؛ محمول على ما فقد فيه شرط من ذلك، لكن يشترط لصحة التقليد أن لا يكون ما قلد فيه ما ينقض فيه قضاء القاضي، هذا بالنسبة لعمل نفسه، أما بالنسبة لإفتاء أو قضاء؛ فيمتنع تقليد غير الأئمة الأربعة فيه إجماعاً، لأنه محض شبه وتغرير، نعم قال السبكي: إذا قصد به
стр. 717
المفتي مصلحة دينية؛ جاز مع تنبيه للمستفتي قائل ذلك، ويشترط أيضاً أن لا يتتبع الرخص، بأن يأخذ من كل مذهب بالأسهل منه؛ لانحلال ربقة التكليف من عنقه حينئذ، ومن ثم؛ كان الأوجه أنه يفسق، وأما ما نقل عن ابن الهمام من الحنفية من جواز التتبع؛ فمردود لأنه يخالف الإجماع الذي نقله ابن حزم، كما ذكره العلامة ابن حجر، ويشترط أيضاً أن لا يعمل بقول في مسألة ثم بضده في عينها، وفي هذا الشرط كلام طويل، وتحقيق لأئمتنا ليس هذا محل ذكره، وأن لا يلفق بين قولين يتولد منهما حقيقة مركبة لا يقول بها كل من الإمامين، كأن توضأ ومس تقليداً لأبي حنيفة، وافتصد تقليداً للشافعي، ثم صلى؛ فصلاته باطلة لاتفاق الإمامين على بطلان طهارته، وكذلك إذا توضأ ومس بلا شهوة تقليداً لمالك، ولم يدلك، تقليداً للشافعي، ثم صلى فصلاته باطلة أيضاً، لاتفاق الإمامين على بطلان طهارته أيضاً، وما أفاده كلام ابن الهمام من جواز التلفيق أيضاً؛ مردود مخالف للإجماع، فلا تغتر به.
وهل يشترط في التقليد اعتقاد المقلد أرجحية مقلده، أو مساواته لغيره، أو لا؟
فيه خلاف، فقال كثيرون: يشترط ذلك، وقال الشيخان: لا يشترط؛ فيجوز تقليد المفضول مع وجود الفاضل، وهذا المشهور، وكنت منذ سنتين نظمت هذه الأبيات فقلت:
الحمد لله وصلى الهادي ... على النبي أفضل العباد
محمد وآله وسائر ... أصحابه الغر ذوي البصائر
وبعد فاعلم أنه يعتبر ... في صحة التقليد ما سيذكر
وهو اعتقاد كون من مقلداً ... أرجح منه أو له ص ١٤٥ مساويا (١)
وكون ما قلد فيه مما ... لا ينقض القضاء فيه حتما
стр. 718
وعدم التلفيق والتتبع ... لرخص المذاهب الممتنع
وخامس الشروط أن لا يعملا ... بالقول في مسألة قد عملا
بضده في عينها وما ذكر ... في سابق منها خلاف المشتهر
وما عليه عول الشيخان ... من أنه يجوز للإنسان
تقليده المفضول مع وجدان ... أفضل منه وهو ذو رجحان
والحمد لله على إنعامه ... بنظم ذي الشروط في ختامه
السؤال العاشر: إذا جاز لمن ينتحل مذهب إمام معين أن يقلد في بعض المسائل غير إمامه، هل يجوز له أن يفتي بذلك، أم لا؟
الجواب: الذي يقتضيه كلام أئمتنا جواز ذلك، حيث قالوا: ولو حكم قاض مقلد بمذهب غير مقلده؛ لم ينقض، بناء على أن للمفتي تقليد من شاء من المجتهدين، وهو الأصح؛ فله أن يقلد في كل مسائله، وله الانتقال من مذهب إلى مذهب آخر، سواء قلنا: يلزمه طلب الاجتهاد في طلب الأعلم أو خيرناه، لكن لا يتبع الرخص لما في تتبعها من انحلال ربقة التكليف. انتهي. فهو كما ترى صريح في جواز الإفتاء بذلك؛ لتساوي الإفتاء والقضاء فيه. انتهى.
ومن أثناء جواب للسيد عمر بن عبد الرحيم الحسيني الحسني الشافعي: وإن كان السؤال عن جواز العمل للإنسان في خاصة نفسه؛ فالجواب جوازه بكل منهما. وإن قلنا: المعتمد في الإفتاء الأول؛ فقد صرح التقى السبكي وغيره من أجلاء المتأخرين بجواز تقليد الوجه المرجوح بالنسبة إلى العمل، دون القضاء والإفتاء، والمراد بمنع الإفتاء به؛ إطلاق نسبته إلى مذهب الشافعي، بحيث يوهم السائل أنه معتمد المذهب؛ فهذا تغرير ممتنع، وهكذا حكم الإفتاء بمذهب المخالف من أئمة الدين، حيث أتقن الناقل نقله لجواز إخبار الغير به، وإرشاده إلى تقليده، لاسيما إذا دعت إليه الحاجة أو الضرورة؛ فإن إخبار الأئمة
стр. 719
المذكورين لنا بذلك، وبجواز تقليده إفتاء منهم لنا بالمعنى المذكور، وفي فتاوى الفقيه ابن زياد، وسط في المسألة ما نصه: وقد أرشد العلماء ﵃ إلى التقليد عند الحاجة، فمن ذلك ما نقل عن الإمام ابن عجيل أنه قال: ثلاث مسائل في الزكاة تفتي فيها بخلاف المذهب، وقد سئل السيد السمهودي عن ذلك. فأجاب بما حاصله: إن المذهب فيها معروف. وإن من اختار الإفتاء بخلافه وهو مجتهد في ذلك؛ ساغ تقليده في ذلك العمل، وقد أرشدني شيخنا العارف بالله أبو المناقب، شهاب الدين الأبشيطي يأمر من استفتاه وإن كان شافعيا بتقليد غير الشافعي، حذرا من المشقة، كتكرار الفدية بتكرار اللبس، وليس هذا من تتبع الرخص في شيء.
وفي فتاوى السبكي ما يشير إلى ذلك، ومنه ما حكي عن الإمام ابن عجيل، وقد حكى الفقيه ابن زياد عن الإمام الأعظم الإصطخري، والهروي، وابن يحيى، وابن أبي هريرة، والفخر الرازي؛ جواز دفع الزكاة إلى آل النبي ﷺ عند انقطاع الخمس عنهم، ثم قال: وقد سألني جماعة من الأشراف العلويين؛ فأجبتهم بجواز الأخذ بعد تقليد القائل بذلك، فهذا الصنيع من هؤلاء الأئمة مصرح بجواز العمل بالوجه المرجوح في المذهب في الإفتاء به، ونسبته من مذهب من لم يتأهل للاجتهاد في الترجيح؛ فممتنع، والله أعلم.
ومن "جمع الجوامع" لابن عبد الهادي، بعد كلام سبق للسبكي: فلا يحل للقاضي أن يحكم بشيء حتى يعتقد أنه قوي.
قلت: هذا في المجتهد. أما المقلد فمتى قلد وجها ضعيفا؛ كان في نفس الأمر قوياً (١).
стр. 720
قلت: ذلك في التقليد في العمل في حق نفسه، أما الفتوى والحكم؛ فقد نقل ابن الصلاح الإجماع على أنه لا يجوز، وتمامه فيه، وأظنه من أثناء الجواب فيه للسبكي، والله أعلم.
ومن "فتح المجيد بأحكام التقليد" لعلي بن أبي بكر بن الجمال الأنصاري: اعلم أن حقيقة التقليد هو اعتقاد قول الغير من غير معرفة دليله التفصيلي والعمل به، وأنه يجب التقليد، أي التزام مذهب معين على كل من لم يبلغ رتبة الاجتهاد المطلق، وعلى هذا حمل ما في "التحفة" في النكاح استيجاها، قول من قال: إن العامي له مذهب معين، وهو الأصح عند القفال، وحمل المنقول عن عامة الأصحاب؛ الذي مال إليه الإمام النووي أنه لا مذهب له، على أنه لا يلزمه التزام مذهب معين، قال: وهو الأصح، أي أنه لا يلزم ذلك، وعدم لزومه تقليد مذهب معين، إنما كان قبل تدوين المذاهب واستقرارها، كما في "التحفة" أيضا في باب الزكاة، وقد اتفقوا على أنه لا يجوز للعامي تعاطي فعل إلا إن قلد القائل بحله، أما المجتهد المذكور، فان كان اجتهد في الحكم وظنه؛ حرم عليه التقليد اتفاقا، وإن لم يجتهد؛ حرم عليه على الراجح لتمكنه من الاجتهاد الذي هو أصل التقليد. قال شيخنا إبراهيم اللقاني: وقول القرافي في الأحكام: المشهور من مذهب مالك امتناع التقليد؛ لا يعول عليه. انتهى.
ولا يقلد إلا من عرفت أهليته ولو بالاستفاضة، وإذا تعدد من يصلح للتقليد، فهل يجب تقليد الأفضل، أو يتخير ولو بمجرد التشهي؟
الأصح عند الجمهور؛ الثاني، ويجوز تقليد الميت على الصحيح ... إلى أن قال: إذا علمت ذلك؛ فلا يجوز القضاء ولا الإفتاء إلا بالراجح، وأما العمل في النفس خاصة في المسألة المذكورة، أعني ذات القولين أو الأقوال؛ فيجوز تقليد المرجوح الذي رجحه بعض أهل الترجيح، سواء
стр. 721
الرافعي وغيره، كما قال مولانا نور الدين: إنه الظاهر، واقتضاه عموم كلام سيدنا عمر (١)، ويؤيده: لما سئل السبكي عن بيع الغائب أفتى بالصحة، بناء على القول الضعيف، فإن قلت: ما ذكره في إفتائه بالقول الضعيف والمنقول أنه ممنوع كما قدمته، بخلاف العمل لخاصة النفس. وإن كان مقتضى عبارة "الروضة" أن العمل كالإفتاء لا يجوز إلا بالراجح. قلت: الممنوع إنما هو إطلاق الإفتاء به، بحيث يوهم المستفتي أنه يعتمد المذهب، أما الإفتاء به على وجه التعريف بحاله، وأنه يجوز للعامي العمل به في خاصة النفس؛ فجائز أيضاً، فإن إخبار القائلين لنا بذلك إفتاء لنا، إِذا كان في المسألة وجهان أو أوجه، فإن كان للقائلين؛ جاز تقليد كل منهما، لعمل النفس خاصة، حتى للمتأهل للنظر والبحث على الأرجح، فعلم مما قدمته أن الضعيف الذي رجحه بعض أهل الترجيح من المسألة ذات القولين أو الوجهين مثلا؛ يجوز تقليده للعارف ولغيره، ثم قال: وما قاله السبكي: إنه يجب تقليد من اعتقده أفضل، ولا يجوز الانتقال عنه إلا لمصلحة دينية؛ إنما يأتي على ضعيف. وأما الصحيح؛ فهو التخيير مطلقا، وجواز الانتقال إلى أي مذهب من المذاهب المعتبرة، ولو بمجرد التشهي ما لم يتتبع الرخص.
ويشترط لصحة التقليد شروط:
أن لا يكون ذلك المقلد فيه مما ينقض فيه قضاء القاضي، وهو أربعة: ما خالف النص، أو الإجماع، أو القواعد، أو القياس الجلي. وما نقله ابن جزم من الإجماع على منع تتبع الرخص؛ نقل عن ابن عبد البر مثله.
قال ابن أمير حاج في "شرح التحرير": لا نسلم صحة دعوى
стр. 722
الإجماع؛ إذ في تفسيق المتبع للرخص في مذهب أحمد روايتان، وحمل القاضي أبو يعلى الرواية المفسقة على غير متأول أو مقلد، ثم ذكر عن "الروضة" الوجهين، وقال السمهودي: حكاية الإجماع من ابن حزم على أن من يتبع الرخص فاسق؛ مردودة بما أفتى به ابن عبد السلام: الثاني: أنه لا يتعين على العامي إذا قلد إماما في مسألة أن يقلد غيره في سائر المسائل.
الثالث: أن لا يلفق بين قولين يتولد منهما حقيقة لا يقول بها كل من الإمامين، كمن توضأ ومس بلا شهوة تقليداً لمالك، ولم يدلك تقليداً للشافعي، ثم صلى فإن صلاته باطلة باتفاقهما على بطلان طهارته المترتبة هي عليها.
وعبارة بعض الفتاوى لابن حجر، بعد أن سئل عن تقليد غير الأربعة، هل يجوز، أو لا؟
الذي تحرر أن تقليد غير الأربعة لا يجوز في الإفتاء، ولا في القضاء، وأما في عمل الإنسان؛ فيجوز تقليده لغير الأربعة، ممن يجوز تقليدهم، لا كالشيعة وبعض الظاهرية.
تتمة: الحاصل أن مذهبنا منع التلفيق، هذا إذا كان التلفيق في قضية واحدة، أي حكم واحد، أما إن كان في قضيتين، أي حكمين، كشافعي توضأ على مقتضى مذهبه بأن مسح بعض رأسه وأراد أن يقلد أبا حنيفة في استقبال الجهة، فهل يمتنع عندنا اتفاقاً، أو لا؟
أفتى الفقيه ابن زيادة عبد الرحمن بالثاني، وهو الجواز، قال: وقد رأيت في فتاوى البلقيني ما يقتضي أن التركيب من قضيتين غير قادح في التقليد؛ ففي فتاويه في الخلع، مسألة: الخلع العاري عن لفظ الطلاق ونيته، هل هو الطلاق بنقص العدد من الطلاق، أو هو فسخ، ويصح من الأجنبي ولا تعود الصفة إذا تزوجها ثانيا؟
стр. 723
أجاب: ليس بطلاق، ولا ينقص عدد الطلاق، بل هو فسخ لأمور بسطتها في "الفوائد المحضة"، وهذا هو المنصور في الخلاف، ولا أرى صحته مع الأجنبي؛ لأن هذا فسخ لا يقع إلا بتراضي الزوجين على وجه مخصوص؛ فلا يتعدى إلى الأجنبي، ولا تعود الصفة إذا تزوجها ثانياً. وما يقال: إنه مركب من مذهبين؛ مردود بأمور ليس هذا موضع ذكرها، وفيها أيضاً: رجل طلق زوجته طلقتين، ثم خالعها بعد ذلك بلفظ الخلع عارياً عن لفظ الطلاق ونيته؟
أجاب: لا يكون طلاقاً ولا ينقص العدد، وهذا الذي نص عليه جماعة من وجوه وإن كان خلاف الجديد، وأفتيت به للخلاص من الحلف بالطلاق، أنه لا يفعل كذا، واضطر إلى فعله، فإذا خالع زوجته على الوجه المذكور؛ تخلص من الخلاف. وهذا وإن كان على مذهب الإمام أحمد، إلا أن الصفة تعود إذا تزوجها، والذي أفتيت به أن الصفة لا تعود لتخلصه مما حلف.
وقول من قال: أحمد لم يقل هذا؛ مردود، وكون الخلع فسخا ظاهر من القرآن، ومقدمة السنة، وعليه جمع كثير من الفقهاء. ثم قال: وعبارة السيد عمر بعد أن سئل عن حنبلي متوضئ أكل لحم جزور مقلداً الشافعي في عدم النقض به، وأصاب بعض بدنه أو ملبوسه شيء من أبوال ما يؤكل لحمه، مما هو طاهر في مذهبه دون مذهب الشافعي، فهل يسوغ له الصلاة والحالة ما ذكر، أو يجب عليه اجتناب كل نجس عند من أراد تقليده؟ وهل يجب أن تكون الصلاة جائزة على مذهب الشافعي في الأركان والشروط، أم لا؟
فأجاب ما نصه، بعد تعرضه بكلام ابن حجر في خطبة "المنهاج"، وكلام ابن زيادة ما نصه: إن فرعنا على الأول؛ كان قضية إطلاق منع التقليد في مسألة السؤال، فإنه لم يقيده. وإن فرعنا على القائل؛
стр. 724
اقتضى جواز التقليد في مسألة السؤال، لأن التركيب فيهما يرجع إلى حكمين: عدم النقض بأكل لحم الجزور الراجع إلى طهارة الحدث، وطهارة بول ما يؤكل لحمه الراجع إلى طهارة الخبث، وهو شرط مغاير للذي قبله في الحقيقة والحكم. وإن شارك في اللفظ فلكل من المقالين وجه، وكفى بكل من القائلين قدوة، والأول أوفق بمشارب الخاصة، والثاني بمشارب العامة.
الرابع: أن لا يعمل بقول إمام في مسألة، ثم يعمل بضده في عينها، وفي هذا الشرط اختلاف عندنا، فالذي جرى عليه السبكي في "جمع الجوامع" تبعاً للآمدي، وابن الحاجب، بل حكيا الاتفاق عليه، وثقله عنهما غير واحد؛ هو ما تقدم، لكن نقل الإسنوي إثبات الخلاف. ثم قال: ومقتضى كلام أئمتنا خلافه، وهو عدم اشتراط أن لا يسبق منه العمل في تلك الواقعة بقول إمامة الأول؛ فافهم جواز الانتقال.
وفي الخادم: إن الإمام الطرطوسي حكى أنه أقيمت الصلاة، أي الجمعة، وهم القاضي الطبري بالتكبير، إذا طائر يزرق عليه فقال: أنا حنبلي، ثم أحرم ودخل في الصلاة، ثم حقيقة الانتقال إنما يتحقق في حكم مسألة خاصة قلد فيها وعمل به، وإلا فقوله: قلدت أبا حنيفة فيما أفتى به من المسائل، والتزمت العمل به، وهو لا يعرف صورها؛ ليس حقيقة التقليد، ثم قال: والغالب أن مثل هذه؛ إلزامات منهم يكف الناس عن تتبع الرخص، وإلا فأخذ العامي في كل مسألة بقول مجتهد أخف عليه، وأنا لا أدري ما يمنع هذا من العقل والنقل؛ فيكون الإنسان يتبع ما هو أخف عليه، وكان ﷺ يحب ما خفف على أمته، وتمامه فيه، رحم الله مؤلفه رحمة واسعة، وكاتبه، وجامعه، وسامعه.
إذا تقرر ذلك؛ فالذي تقرر لنا عند شيخنا بل الله تراه، وجعل جنة
стр. 725
الفردوس مأواه، وهو الذي نقله الشيخ عبد الرحمن، عن شيخه محمد ابن بلبان أن عندنا مثل الشافعية في ذلك من الجواز والمنع من التلفيق في قضية واحدة.
ومن "المغني" لعبد الله بن محمد بن قدامة: القضاء من فروض الكفايات، لأن أمر الناس لا يستقيم بدونه، فكان واجباً عليهم كالجهاد والإمام.
قال الإمام أحمد: لا بد للناس من قاض أو تذهب حقوق الناس، وفيه فضل عظيم لمن قوي على القيام به، وأداء الحق فيه، ولذلك جعل الله فيه أجراً مع الخطأ، وأسقط عنه حكم الخطأ، ولأن فيه الأمر بالمعروف، والنصر للمظلوم، وأداء الحق إلى مستحقه، ورد الظالم عن ظلمه، وإصلاحاً بين الناس، وتخليصاً لهم بعضهم من بعض، وذلك من أبواب القرب كلها. ولذلك تولاه النبي ﷺ والأنبياء قبله؛ فكانوا يحكمون لأممهم، وبعث علياً قاضياً إلى اليمن، وكذا معاذاً، وروي عن ابن مسعود أنه قال: لأن أجلس قاضياً بين اثنين أحب إلي من عبادة سبعين سنة، وعن عقبة بن عامر: جاء خصمان يختصمان إلى النبي ﷺ ، فقال لي: احكم بينهما، فقلت: أنت أولى بذلك، قال: كان. قلت: على ما أقضي به قال: اقض؛ فإن أصبت فلك عشرة أجور، وإن أخطأت فلك أجر واحد. روى سعيد بن منصور في سننه. وقال ﷺ : "من جعل في القضاء؛ فقد ذبح بغير سكين". قال الترمذي: حديث حسن، قيل في هذا الحديث: إنه لم يخرج مخرج الذم للقضاء، وإنما وصفه للمشقة؛ فكأن من وليه قد حمل على مشقة كمشقة الذبح بغير سكين ... إلى أن قال: وقال أصحاب الشافعي: إذا كان ذا حاجة، وله في القضاء رزق؛ فالأولى له الاشتغال به، فيكون أولى من سائر المكاسب؛ لأنه قربة وطاعة، ولأن الحكم آكد من الفتيا، لأنه فتيا وإلزام، وليس من شروط الاجتهاد في مسألة أن يكون مجتهداً
стр. 726
في كل المسائل، بل من عرف أدلة مسألة وما تعلق بها؛ فهو مجتهد فيها وإن جهل غيرها كمن عرف الفرائض وأصولها؛ ليس من شرط اجتهاده فيها معرفته بالبيع، ولذلك ما من إمام إلا وقد توقف في مسائل. وقيل: من يجيب في كل مسألة؛ فهو مجنون، وإذا ترك العالم لا أدري؛ أصيبت مقاتله ... إلى أن قال: وممن رأى الصلح بين الخصوم، شريح وعبد الله بن عتبة، وأبو حنيفة، والشعبي، والعنبري. وروي عن عمر: ردوا الخصوم حتى يصطلحوا؛ فإن فصل القضاء يحدث بين القوم الضغائن. انتهى.
ومن "تبصرة الحكام" لابن فرحون المالكي: اعلم أن كثيراً من المؤلفين من أصحابنا وغيرهم بالغوا في الترهيب والتحذير من الدخول في القضاء، وشددوا في كراهية السعي فيها، ورغبوا في الإعراض عنها والنفور والهرب منها، حتى تقرر في أذهان كثير من الفقهاء والصلحاء إن من ولي القضاء؛ فقد سهل عليه دينه، وألقى بيده في التهلكة رغبة عما هو الأفضل، وساء اعتقادهم فيه. وهذا غلط فاحش يجب الرجوع عنه، والتوبة منه. والواجب تعظيم هذا المنصب الشريف، ومعرفة مكانه من الدين، فيه بعثت الرسل، وبالقيام به قامت السموات والأرض، وجعله النبي ﷺ من النعم التي يباح الحسد عليها بقوله: "لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه الله مالاً فسلطه على هلكته في الحق، ورجل آتاه الله الحكمة فهو يقضي بها ويعمل بها". ومن حديث عائشة: "هل تدرون من السابقون إلى ظل الله يوم القيامة؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: الذين إذا أعطوا الحق قبلوه، وإذا سئلوه بذلوه، وإذا حكموا للمسلمين؛ حكموا كحكمهم لأنفسهم". وفي الحديث الصحيح: "سبعة يظلهم الله في ظله". الحديث، فيبدأ بالإمام العادل. وفي الحديث: "المقسطون على منابر من نور يوم القيامة" الحديث. وقال
стр. 727
عبد الله بن مسعود: "لأن أقضي يوماً بحق أفضل من عبادة سبعين سنة". ومراده أن قضاء يوم بالحق أفضل من عبادة سبعين سنة، فلذلك كان العدل بين الناس أفضل أعمال البر، وأعلى درجات الأجر. قال الله: ﴿وإنْ حَكَمْتَ فَاحْكُم بَيْنَهُم بِالْقِسْطِ إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُقْسِطِينَ﴾ (١). فأي شرف أشرف من محبة الله.
واعلم أن كل ما جاء من الأحاديث التي فيها تخويف ووعيد؛ فإنما هي في حق قضاة الجور من العلماء، والجهال الذين يدخلون أنفسهم في هذا المنصب بغير علم؛ ففي هذين الصنفين جاء الوعيد. وأما قوله ﷺ : "من ولي القضاء فقد ذبح بغير سكين". فقد أورده أكثر الناس في معرض الذم، والتحذير من القضاء، وقد قال بعض العلماء هذا الحديث دليل على فضله، وعلى شرف القضاء وعظم منزلته، وأن المتولي له مجاهد لنفسه وهواه، وهو دليل على فضل من قضى بالحق، إذ جعله ذبيح الحق امتحاناً لعظم منزلته، لتعظم له المثوبة امتناناً، فكما أن القاضي لما استسلم لحكم الله، وصبر على مخالفة الأقارب والأباعد في خصوماتهم، فلم تأخذه في الله لومة لائم، حتى قادهم إلى مر الحق وكلمة العدل، وكفهم عن دواعي الهوى. والمعنى: جعل ذبيح الحق لله، وبلغ به حال الشهداء الذين لهم الجنة، وقد ولى ﵇، علي بن أبي طالب، ومعاذاً، ومعقل بن يسار القضاء؛ فنعم الذابح ونعم المذبوحون، فالتحذير الوارد من الشارع؛ إنما هو عن الظلم، لا عن القضاء، فإن الجور في الأحكام واتباع الهوى من أعظم الذنوب، وأكبر الكبائر، فيجب على من دخل في خطة القضاء بذل الجهد بالقيام بالحق والعدل؛ فقد قال بعض الأئمة: القضاء محنة، ومن دخل فيه؛ فقد ابتلي بعظيم.
стр. 728
وطلب القضاء ينقسم إلى خمسة:
واجب: إذا كان من أهل الاجتهاد، أو من أهل العلم والعدالة، ولا يكون هناك قاض، أو يكون ولكن لا تحل ولايته، أو ليس في البلد من يصلح للقضاء غيره، أو يكون القضاء بيد من لا يحل بقاؤه فيه، أو يولي من لا تحل ولايته؛ فيتعين عليه التصدي لذلك.
ومباح: بأن يكون فقيراً وله عيال؛ فيجوز له السعي في تحصيله لسد خلته. وقال المازني: بل يستحب.
ومستحب: إذا لم يتعين عليه، ولكن يرى أنه لا ينهض به وأنفع للمسلمين من آخر يتولاه غيره.
ومكروه: وهو تحصيله لطلب الجاه والاستعلاء.
ومحرم: إذا كان جاهلاً أو فاسقاً، أو قصد الانتقام من أعدائه، أو قبول الرشى؛ فهذا حرام عليه السعي فيه، وأما ولاية الحكمين فهي شعبة من القضاء في قضية خاصة؛ فينفذ حكمهما فيما فوض إليهما، ولا تجوز ولا تصح ولاية الجاهل.
قال ابن شاش: ولا المقلد إلا عند الضرورة. قال القاضي أبو بكر: فيقضي بفتوى مقلده بنص النازلة. فإن قاس على قوله، وقال: يجيء من هذا كذا؛ فهو متعد، والمنع من ولاية المقلد القضاء في هذا الزمان تعطيل للأحكام، وإيقاع في الهرج والفتن والنزاع، وهذا لا سبيل إليه في الشرع، وقد فسد الزمان وأهله، واستحال الحال. وقال مالك: لا أرى خصال القضاء اليوم تجتمع في أحد. فإن اجتمع فيه خصلتان؛ ولي القضاء، وهما: العلم والورع.
قال ابن حبيب: فإن لم يكن؛ فالعقل والورع، فإنه بالعقل يسأل وبالورع يعف. هذا قول مالك في أهل زمنه؛ فما ظنك بزماننا.
قال المارزي: هذا تسهيل من ابن حبيب في ولاية القضاء للمقلد مع
стр. 729
القدرة على قاض نظار؛ لأن الضرورة تدعو إلى ولاية المقلد، وهكذا قال أصبغ: يولى العدل الذي ليس بعالم، ويؤمر أن يسأل ويستشير. وهذا ينبغي حمله على مواقع الضرورة ومسيس الحاجة، ويختار له كاتب يكتب له.
قال المتأطي: لا يستكتب إلا عدل رضي، ويكتب بين يديه، ثم ينظر هو فيه. وقال مالك: لا يفتي القاضي في مسائل القضاء، وأما غير ذلك فلا بأس به. وإذا حكم بين الخصمين رجلا، وارتضياه بأن يحكم بينهما، فإن ذلك جائز في الأموال وما في معناها، ولا يشترط دوام الرضى إلى حين نفوذ الحكم، بل لو أقاما البينة عنده، ثم بدا لأحدهما قبل أن يحكم؛ فليقض بينهما ويجوز حكمه.
وقال أصبغ: لكل منهما الرجوع ما لم ينشبا في الخصومة عنده. وقال ابن الماجشون: ليس لأحدهما الرجوع، لأن ذلك قبل أن يقاعد أحدهما صاحبه، وبعدما ناشبه الخصومة حكمه لازم لهما، ثم إذا حكم المحكم؛ فليس لأحد أن ينقض حكمه وإن خالف مذهبه، إلا أن يكون جوراً بيناً لم يختلف فيه أهل العلم. قال اللخمي: يشترط أن يكون عدلاً. انتهى.
قال في "الإنصاف": المجتهد ينقسم إلى أربعة أقسام: مجتهد مطلق، ومجتهد في مذهب إمامه أو مذهب إمام غيره، ومجتهد في نوع من العلم، ومجتهد في مسألة أو مسائل.
فالقسم الأول وهو المجتهد المطلق: وهو الذي اجتمعت فيه شروط الاجتهاد التي ذكر المصنف في آخر كتاب القضاء ... إلى أن قال: قال في "آداب المفتي": ومن زمن طويل عدم المجتهد المطلق، مع أنه الآن أيسر منه في الزمن الأول؛ لأن الحديث والفقه قد دونا، وكذا ما يتعلق بالاجتهاد، من الآيات، والآثار، وأصول الفقه، والعربية وغير ذلك، لكن الهمم
стр. 730
قاصرة، والرغبات فاترة، وهو فرض كفاية قد أهملوه وملوه، ولم يعقلوه ليفعلوه. انتهى.
قلت: قد ألحق طائفة من الأصحاب المتأخرين الشيخ أبا العباس ابن تيمية بأصحاب هذا القسم، وتصرفاته في فتاويه وتصانيفه تدل على ذلك.
القسم الثاني: مجتهد في مذهب إمامه أو غيره، وأحواله أربعة:
الأول: أن يكون مقلد لإمامه في الحكم والدليل، لكن سلك طريقه في الاجتهاد والفتوى، ودعى إلى مذهبه وقرأ كثيراً منه على أهله، فوجده صواباً وأولى من غيره.
قال ابن حمدان: وقد ادعى هذا منا، ابن أبي موسى، والقاضي أبو يعلى، وغيرهما من الشافعية خلق كثير، ومن أصحاب الإمام أحمد في المتأخرين، كالمصنف، والمجد، وغيرهما.
وفتوى المجتهد المذكور؛ كفتوى المجتهد المطلق في العمل بها، والاعتداد بها في الإجماع والخلاف.
الحالة الثانية: أن يكون مجتهداً في مذهب إمامه، مستقلاً بتقريره بالدليل، لكن لا يتعدى أصوله وقواعده، مع إتقانه للفقه وأصوله، وأدلة مسائل الفقه، عالماً بالقياس ونحوه، تام الرياضة، قادراً على التخريج والاستنباط، وإلحاق الفروع بالأصول، والقواعد التي لإمامه. وقيل: ليس من شرط هذا معرفة علم الحديث، واللغة، والعربية؛ لكونه يتخذ نصوص إمامه أصولاً يستنبط منها الأحكام، كنصوص الشارع، وقد يرى حكماً، ذكره إمامه بدليل فيكتفي بذلك من غير بحث عن معارض وغيره، وهو بعيد، وهذا شأن أهل الأوجه والطرق في المذاهب، وهو حال أكثر علماء الطوائف الآن، فمن علم يقيناً هذا؛ فقد قلد إمامه دونه؛
стр. 731
لأن معوله على صحة إضافة ما يقول إلى إمامه، لعدم استقلاله بتصحيح نسبته إلى الشارع بلا واسطة إمامه.
والظاهر معرفته بما يتعلق بذلك، من حديث، ولغة، ونحو ... إلى أن قال: فالمجتهد في مذهب أحمد إذا أحاط بقواعد مذهب أحمد، وتدرب في مقاييسه وتصرفاته؛ فإنه ينزل من الإلحاق بمنصوصاته وقواعد مذهبه منزلة المجتهد المستقل في إلحاقه ما لم ينص عليه الشارع بما نص عليه، وهذا أقدر على ذا من ذاك؛ فإنه يجد في مذهب إمامه قواعد ممهدة، وضوابط مهذبة ما لم يجده المستقل في أصول الشارع ونصوصه. وقد سئل أحمد عمن يفتي بالحديث إذا حفظ أربعمائة ألف حديث؟
فقال: أرجو، فقيل لأبي إسحاق بن شاقلا: فأنت تحفظ ذلك؟ فقال: لكني أفتي بقول من يحفظ ألفي ألف (١) حديث، يعني الإمام، ثم إن المستفتي فيما يفتيه به من تخريجه هذا مقلد لإمامه، لا له ... إلى أن قال:
الحالة الثالثة: أن لا تبلغ رتبته رتبة أئمة المذهب أصحاب الوجوه والطرق، غير أنه فقيه نفس، حافظ لمذهب إمامه، عارف بأدلته، قائم بتقريره وتصوره، يصور ويحرر، ويزيف ويمهد، ويقرر ويرجح، لكنه قاصر عن درجة أولئك، إما لكونه لم يبلغ في الحفظ للمذهب مبلغهم، وإما لكونه غير متبحر في أصول الفقه ونحوه، على أنه لا يخلو مثله في ضمن ما يحفظ من الفقه، ويعرفه من أدلته عن أطراف من قواعد أصول الفقه ونحوه، وإما لكونه مقصراً في غير ذلك من العلوم التي هي أدوات الاجتهاد، والحاصل لأصحاب الوجوه والطرق، وهذه صفة لكثير من المتأخرين الذين رتبوا المذاهب، وحرروها، وصنفوا فيها تصانيف
стр. 732
يشتغل اليوم بها غالباً، ولم يلحقوا من يخرج الوجوه ويمهد الطرق في المذاهب.
وأما فتاويهم؛ فقد استنبطوا فيها استنباط أولئك ونحوه، ويقيسون غير المنقول والمسطور على المنقول والمسطور، نحو قياس المرأة على الرجل في رجوع البائع إلى عين ماله عند تعذر الثمن، ولا تبلغ فتاويهم فتاوى أصحاب الوجوه، وربما تطرق بعضهم إلى تخريج قول، واستنباط وجه أو احتمال، وفتاويهم مقبولة.
الحالة الرابعة: أن يقوم بحفظ المذهب ونقله وفهمه؛ فهذا يعتمد نقله وفتواه، فيما يحكيه من مسطورات مذهبه من منصوصات إمامه، أو تعريفات أصحابه المجتهدين في مذهبه وتخريجاتهم. وأما ما لا يجده منقولا في مذهبه؛ فإن وجد في المنقول ما هذا معناه، بحيث يدرك من غير فصل فكر وتأمل أنه لا فارق بينهما، كما في الأمة بالنسبة إلى العبد المنصوص عليه في إعتاق الشريك؛ جاز له إلحاقه به، والفتوى به. وكذا ما يعلم اندراجه تحت ضابط ومنقول ممهد المذهب، وما لم يكن كذلك فعليه الإمساك عن الفتيا فيه. ومثل هذا يقع نادراً في مثل حق هذا المذكور؛ أو يبعد أن تتبع واقعة لم ينص على حكمها في المذهب، ولا هي في معنى بعض المنصوص عليه فيه من غير فرق، ولا مندرجة تحت شيء من ضوابط المذهب المحرر فيه. ثم إن هذا الفقيه لا يكون إلا فقيه النفس؛ لأن تصويره المسائل على وجهها، ونقل أحكامها بعده؛ لا يقوم به إلا فقيه النفس، ويكفي استحضار أكثر المذهب، مع قدرته على مطالعة بقيته قريباً.
القسم الثالث: المجتهد في نوع من العلم: فمن عرف القياس وشروطه؛ فله أن يفتي في مسائل منه قياسية لا تتعلق بالحديث، ومن عرف الفرائض؛ فله أن يفتي فيها، وإن جهل أحاديث النكاح وغيره، وعليه الأصحاب،
стр. 733
وقيل: يجوز ذلك في الفرائض دون غيرها.
وقيل: بالمنع منهما، وهو بعيد، ذكره في "آداب المفتي".
القسم الرابع: المجتهد في مسائل، أو في مسألة: وليس له الفتوى في غيرها، وأما فيها؛ فالأظهر جوازه، ويحتمل المنع؛ لأنه مظنة القصور والتقصير، قاله في "آداب المفتي"، قلت: المذهب؛ الأول. انتهى.
ومن "آداب المفتي" للشيخ نجم الدين بن حمدان:
فصل: الفتيا فرض عين إذا كان البلد ليس فيه مفت، وفرض كفاية إذا كان فيه مفت فأكثر، سواء حضر أحدهما أو كلاهما، أو سئلا معاً أو لا.
والورع إذاً الترك؛ للخطر والخوف من التقصير والقصور.
وتحرم الفتيا على الجاهل بصواب الجواب؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ﴾ (١). ولقوله ﵇: "من أفتى بفتيا من غير علم غير ثبت؛ فإنما إثمه على الذي أفتاه". رواه الإمام أحمد وابن ماجه، وفي لفظ: "من أفتى بفتيا بغير علم؛ كان إثم ذلك على الذي أفتاه". رواه أحمد، وأبو داوود، وقوله ﵇: "من أفتى الناس بغير علم؛ لعنته ملائكة السماء والأرض". ذكره ابن الجوزي في تعظيم الفتيا، ولقوله ﵇: "إن الله لا يقبض العلم انتزاعاً من صدور الرجال، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء، فإذا لم يبق عالم اتخذ الناس رؤوساً جهالاً فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا ". حديث حسن. وقال البراء: رأيت أكثر من ثلاثمائة من أصحاب بدر، ما فيهم من أحد إلا وهو يحب أن يكفيه صاحبه الفتيا. وقال ابن أبي ليلى: أدركت عشرين ومائة من الأنصار من أصحابه
стр. 734
صلى الله عليه وسلم، فيسأل أحدهم عن المسألة، فيردها هذا إلى هذا، وهذا إلى هذا، حتى ترجع إلى الأول، (وفي رواية: ما منهم أحد يحدث أو يسأل عن شيء إلا ود أن أخاه كفاه إياه). قال ابن مسعود: من أفتى الناس في كل ما يسألونه؛ فهو مجنون، وعن ابن عباس نحوه، وقال أبو الحصين الأسدي: إن أحدكم ليفتي في المسألة لو وردت على عمر ابن الخطاب لجمع لها أهل بدر، ونحوه عن الشعبي والحسن، وقال محمد بن عجلان: إذا أخطأ (١) العالم لا أدري؛ أصيبت مقاتلة، ونحوه عن ابن عباس، وسئل القاسم بن محمد عن شيء، فقال: لا أحسن، فقال السائل: إني جئت إليك لا أعرف غيرك، فقال القاسم: لا تنظر إلى طول لحيتي وكثرة الناس حولي، والله ما أحسن مسألتك، فقال له شيخ جالس من قريش إلى جنبه: يا ابن أخي ألزمها، فوالله ما رأيتك في مجلس أنبل منك اليوم، فقال القاسم: والله لأن يقطع لساني أحب إليَّ من أن أتكلم بما لا علم لي فيه، وقال سفيان، وسحنون: أجسر الناس على الفتيا؛ أقلهم علماً، وسأل رجل مالكاً عن شيء أياماً، فقال إني لا أنكلم إلا فيما أحتسب فيه الخير، ولست أحسن مسالتك هذه. قال الهيثم: شهدت مالكاً سئل عن ثمان وأربعين مسألة، فقال في اثنتين (٢) وستة وثلاثين: لا أدري (وقيل: ربما كان سئل عن خمسين مسألة؛ فلا يجيب عن واحدة منها) وكانوا يقولون: من أجاب في مسألة؛ فينبغي قبل أن يجيب فيها أن يعرض نفسه على الجنة والنار، وكيف يكون خلاصه في الآخرة، ثم يجيب فيها، وسئل مالك عن مسألة، فقال: لا أدري، فقيل له: إنها مسألة خفيفة سهلة، فغضب، وقال: العلم كله ثقيل، قال الله تعالى: ﴿إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلاً ثَقِيلاً﴾ (٣) فالعلم كله ثقيل، وخاصة ما يسأل عنه يوم القيامة، وقال: ما أفتيت حتى شهد لي سبعون أني أهل لذلك،
стр. 735
وقال أيضاً لا ينبغي للرجل أن يرى نفسه أهلاً للشيء حتى يسأل من هو أعلم منه، وما أفتيت حتى سألت ربيعة، ويحيى بن سعيد، فأمراني بذلك، ولو نهياني انتهيت، وقال: إذا كان أصحاب النبي ﷺ تصعب عليهم المسائل، ولا يجيب أحدهم في مسألة حتى يأخذ رأي صاحبه، مع ما رزقوا من السداد والتوفيق، مع الطهارة، فكيف بنا الذين غطت الخطايا والذنوب قلوبنا. وقيل: كان إذا سئل عن مسألة؛ كأنه واقف بين الجنة والنار، وقال عطاء: أدركت أقواماً إن كان أحدهم ليسأل عن المسألة، فيتكلم وإنه ليرعد، وسئل ﵇، أي البلاد شر؟ فقال: لا أدري، فسأل جبريل، فقال: لا أدري، فسأل ربه، فقال: أسواقها. ذكره ابن الجوزي، وسئل الشعبي عن شيء، فقال: لا أدري، فقال: ألا تستحي من قولك: لا أدري وأنت فقيه العراق، فقال: لكن الملائكة لم تستح حين قالت: ﴿لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ (١) وقال أبو نعيم: ما رأيت عالماً أكثر قولاً من مالك لا أدري. وقال أبو الذيال: تعلم لا أدري، فإنك إن قلت: لا أدري؛ علموك حتى تدري، وإن قلت: أدري، سألوك حتى لا تدري. وسئل الشافعي عن مسألة فسكت، فقيل: ألا تجيب؟ فقال: حتى أدري، الفضل في سكوتي، أو في الجواب؟ وقال الأثرم: سمعت أحمد يستفتي فيكثر: لا أدري، وذلك فيما عرف فيه الأقاويل، وقال: من عرض نفسه للفتيا؛ فقد عرض لعظيم، إلا أنه قد تلجئ الضرورة، وقيل له: أيها أفضل، الكلام أو الإمساك؟ فقال: الإمساك أحب إلي، إلا لضرورة. وقال عقبة بن سلمة: صحبت ابن عمر أربعة وثلاثين شهراً، وكان كثيراً ما يسأل، فيقول: لا أدري. وكان سعيد لا يفتي فتيا، ولا يقول شيئاً إلا قال: اللهم سلمني وسلم منى. وقال سحنون: أشقى الناس من باع
стр. 736
آخرته بدنياه، وأشقى منه من باع آخرته بدنيا غيره، ففكرت من هو؟ فوجدته المفتي يأتيه رجل قد حنث في امرأته ورقيقه، فيقول له: لا شيء عليك، فيذهب الحانث فيتمتع بامرأته ورقيقه، وقد باع المفتي دينه بدنيا هذا، وسأله رجل عن مسألة، فتردد إليه ثلاثة أيام، فقال: ما أصنع لك يا خليلي؟ مسألتك هذه معضلة، وفيها أقاويل، وأنا متحر في ذلك؛ فقال له: وأنت- أصلحك الله- لكل معضلة، فقال له: هيهات يا ابن أخي لست بقولك هذا أبذل لك لحمي ودمي إلى النار، وكان يزري على من يعجل في الفتوى، ويذكر النهي عن ذلك عن معلميه القدماء وقال: إني لأسأل عن مسألة أعرفها، فما يمنعني من الجواب فيها إلا كراهة الجرأة بعدي على الفتوى، وقيل له: إنك تسأل عن المسألة، لو سئل عنها بعض أصحابك أجاب، فتتوقف فيها، فقال: فتنة الجواب بالصواب أشد من فتنة المال.
قال الخليل: أن الرجل يسأل عن المسألة، ويعجل في الجواب فيصيب فأذمه، ويسأل عن المسألة فيتثبت في الجواب فيخطئ فأحمده. قال الخطيب، والعمري: قل من حرص على الفتوى، أو سابق إليها أو ثار إليها، إلا قل توفيقه واضطرب في أمره، وإذا كان كارهاً لذلك غير مختار له ما وجد عند مندوحة، وقدر أن يحيل بالأمر فيه على غيره؛ كانت المعونة فيه من الله أكثر، والصلاح في فتياه وجوابه أغلب.
قال بشر الحافي: من أحب أن يسأل؛ فليس بأهل أن يسأل. وكان الحسن ليس عليه شيء أشد من الفتيا، وقال تارة: ما ابتلي أحد بمثل ما ابتليت به، أفتيت اليوم في عشر مسائل. ورأى رجل ربيعة يبكي، فقال: ما يبكيك؟ فقال: أستفتي من لا علم عنده، وظهر في الإسلام أمر عظيم، وقال لبعض: من يفتي ههنا؛ أحق بالسجن من السراق.
قلت: فكيف لو رأى زمننا، وإقدام من لا علم عنده على الفتيا، مع
стр. 737
قلة خبرته، وسوء سيرته، وشؤم سريرته، وإنما قصده السمعة، والرياء، ومماثلة الفضلاء والنبلاء المشهورين، والعلماء الراسخين المتبحرين السابقين، ومع هذا فهم ينهون ولا ينتهون، قد أملي لهم بانعكاف الجهل عليهم، وتركوا ما لهم في ذلك وما عليهم.
فمن أقدم على ما ليس له أهل من فتيا، أو قضاء أو تدريس؛ آثم، فإن أكثر منه، وأصر واستمر؛ فسق، ولم يحل قبول قوله، ولا فتياه، ولا قضاؤه. وهذا حكم دين الإسلام، ولا اعتبار بمن خالف هذا الصواب؛ فإنا لله وإنا إليه راجعون.
وقد قال ابن أبي داود وغيره: شرط الشافعي في المفتي والقاضي شروطاً لا توجد إلا في الأنبياء. وقال بعض أصحابه: شرط الشافعي شروطاً فيهما؛ تمنع أن يكون بعده حاكم، وكتب سلمان إلى أبي الدرداء: بلغني أنك قد قعدت طبيباً؛ فاحذر أن تقتل مسلماً، وتحرم الفتيا على الجاهل بما يسأل عنه لما سبق من الحديث وإن كان عارفاً لغيره. قال سفيان: أدركت العلماء وهم يكرهون أن يجيبوا في المسائل والفتيا حتى لا يجدوا بداً من أن يفتوا، وقال: أدركت العلماء والفقهاء يترادون المسائل، يكرهون أن يجيبوا فيها، فإذا أعفوا منها، كان أحب إليهم، وقال: أعلم الناس بالفتيا؛ أسكتهم عنها، وأجهلهم بما أنطقهم فيها .. إلى أن قال:
فصل: ومن تفقه، وقرأ كتاباً أو كتباً من المذهب وهو قاصر لم يتصف بصفة بعض المفتين المذكورين؛ فللعامي أن يقلده إذا لم يجد غيره في بلده وقريباً منه. وإن كان يقدر على السفر إلى مفت؛ لزمه، وقيل: إذا خلت البلد عن مفت؛ حرم السكنى فيها، فإن شق السفر، ذكر مسألة للقاضي المذكور، كأن وجدها مسطورة وهو ممن يقبل خبره، وأخبره بعينه؛ كان المستفتي له مقلداً لصاحب المذهب، لا للحاكي له.
стр. 738
وإن لم يجدها؛ فليس له أن يقيسها على ما عنده من المسطور وإن اعتقده، مثل قياس الأمة على العبد في العتق؛ لأنه يعرض لأن يعتقد ما ليس من هذا القبيل دليلاً فيه، ولا يفتي في الأقارير والأيمان، ونحو ذلك مما يتعلق باللفظ، إلا أن يكون من أهل بلد اللافظ، بإقرار أو يمين أو غيرهما، أو خبير به عالم بتعاريفهم في ألفاظهم؛ فإن العرف قرينة حالية يتعين الحكم بها، وتحيل مراد اللافظ مع عدم مراعاتها، وكذا فكل قرينة تعين المقصود كما يأتي بيانه.
فائدة: كان مكحول ومالك لا يفتيان حتى يقولا: لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وقيل: يقول بعد الاستعاذة: ﴿سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ (١). ﴿فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلّاً آَتَيْنَا حُكْماً وَعِلْماً﴾ (٢). "رب اشرح لي صدري، ويسر لي أمري، واحلل عقدة من لساني، يفقهوا قولي" (٣). ثم الحوقلة، ثم يصلي على النبي ﷺ وسائر النبيين، ثم يقول: اللهم أهدني ووفقني وسددني، واجمع لي بين الصواب والثواب، وأعذني من الخطأ والحرمان، آمين، وأن يأتي بذلك أول كل فتيا يفتيها في يومه لما يفتيه في سائر يومه، مضيفاً إلى ذلك قراءة الفاتحة، وآية الكرسي، وما تيسر. فإن من ثار على ذلك؛ كان حقيقاً أن يكون موفقاً في فتياه، وإن تركه جاز وترك الأفضل. انتهى.
قال في "جمع الجوامع" بعد كلام له سبق، في أثناء جواب: والضرورة إن ألجأت إلى تنفيذ حكم المقلد؛ فإنما هو إذاً وقف على حد التقليد، ولم يتجاسر على قضية لو نزلت على عمر بن الخطاب؛ لجمع
стр. 739
لها أهل الشورى. انتهى.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: المسلمون متفقون على جواز صلاة بعضهم خلف بعض، كما كان الصحابة والتابعون ومن بعدهم من الأئمة الأربعة، يصلي بعضهم خلف بعض، ومن أنكر ذلك؛ فهو مبتدع ضال، مخالف للكتاب والسُنَّة وإجماع المسلمين. وقد كان في الصحابة والتابعين ومن بعدهم من يقرأ بالبسملة، ومنهم من لا يقرأ بها، ومع هذا؛ فكان بعضهم يصلي خلف بعض، مثل ما كان أبو حنيفة وأصحابه والشافعي وغيرهم يصلون خلف أئمة أهل المدينة من المالكية، وإن كانوا لا يقرؤون بالبسملة لا سراً ولا جهراً. وصلى أبو يوسف خلف الرشيد وقد احتجم، وأفتاه مالك: لا يتوضأ، فصلى خلفه أبو يوسف ولم يعد، وكان أحمد يرى الوضوء من الحجامة والرعاف، فقيل له: فإن كان إمامي قد خرج منه الدم ولم يتوضأ، أصلي خلفه؟ فقال: كيف لا تصلي خلف سعيد بن المسيب ومالك، وفي هذه المسألة صورتان:
إحداهما: أن لا يعرف المأموم أن إمامه فعل ما يبطل صلاته؛ فهنا يصلي المأموم خلفه باتفاق السلف والأئمة الأربعة وغيرهم، وليس في هذا خلاف متقدم.
الثانية: تيقن المأموم أن الإمام فعل ما لا يسوغ عنده، مثل أن يمس ذكره أو النساء لشهوة، أو يحتجم، أو يفصد، أو يتقيأ ثم يصلي بلا وضوء؛ فهذه فيها نزاع مشهور، وصحة صلاة المأموم هو قول جمهور السلف، وهو مذهب مالك، وهو قول آخر في مذهب الشافعي وأبي حنيفة، وأكثر نصوص أحمد على هذا، وهذا هو الصواب. انتهى.
وقال ابن القيم في "إعلام الموقعين": إذا تفقه الرجل، وقرأ كتاباً من كتب الفقه، وهو مع ذلك قاصر في معرفة الكتاب والسُنَّة وآثار
стр. 740
السلف، والاستنباط والترجيح، هل يسوغ تقليده في الفتوى للناس؟
فيه أربعة أقوال:
الجواز مطلقاً. والمنع مطلقاً. والجواز عند عدم المجتهد، ولا يجوز مع وجوده. والجواز إن كان مطلعاً على ما يفتي بقولهم، والمنع إن لم يكن مطلعاً.
والصواب فيه التفصيل، وهو أنه إن كان السائل يمكنه التوصل إلى عالم يهديه السبيل؛ لم يحل له استفتاء مثل هذا، ولا يحل لهذا أن ينصب نفسه للفتوى مع وجود هذا العالم، وإن لم يكن في بلده أو ناحيته غيره، بحيث لا يجد المستفتي من يسأله سواه؛ فلا ريب أن رجوعه إليه أولى من أن يقدم على العمل بلا علم، أو يبقى مرتبكاً في حيرته، متردداً في عماية جهالته، بل هذا هو المستطاع من تقواه المأمور بها.
ونظير هذه المسألة: إذا لم يجد السلطان من يوليه، إلا قاضياً عارياً عن شروط القضاء؛ لم يعطل البلد عن قاض، وولى الأمثل فالأمثل.
ونظير هذا: لو كان الفسق هو الغالب على أهل البلد، وإن لم تقبل شهادة بعضهم على بعض وشهادته له؛ لتعطلت الحقوق وضاعت؛ قبل شهادة الأمثل فالأمثل.
ونظير هذا: لو غلب الحرام والشبه حتى لم يجد الحلال المحض؛ فإنه يتناول الأمثل فالأمثل.
ونظير هذا: لو شهد بعض النساء على بعض بحق في بدن، أو مال، أو عرض وهن منفردات بحيث لا رجل معهن، كالحمامات والأعراس؛ قبل شهادة الأمثل فالأمثل منهن قطعاً، ولا يضيع الله ورسوله حق المظلوم ويعطل إقامة دينه في مثل هذه الصور أبداً، بل نبه الله على قبول شهادة الكفار على المسلمين في السفر في الوصية في آخر سورة نزلت، ولم ينسخها شيء البتة، ولا نسخ هذا الحكم كتاب ولا سُنَّة، ولا اجتمعت