← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 150963

كشف المغطى من المعاني والألفاظ الواقعة في الموطا

ابن عاشور

Полный текст (362 стр.). Показаны 351–362 · переход к 356.

стр. 351

الشارحون، وليس في حكاية الراوي ما يدلُّ على أنَّ رسول الله ﷺ أراد اختبار فهمهم مثلما وقع في حديث: «أية شجرة كالآدمي»، فيكون ذلك مما اقتضاه الكلام؛ ولأن الخبر متعلق بأمر الآخرة ولا مجال للأفهام في تعيينه. ورواه عبد الله بن مسلمة القعنبي: «ألا تخبرنا» بزيادة همزة على أن «ألا» للعرض، وهذه الرواية أقرب، وهي تقتضي أن رسول الله ﷺ قال ذلك، وسكت قليلاً أو اشتغل بشيء، ويدلُّ عليه أنَّه ﵊ قال ذلك أربع مرات. ويرجح رواية القعنبي خمسة أمور: أوَّلها: أن شأن أهل مجلس رسول الله ﷺ الحرص على الاستفادة، واحتمال كون المراد اختبار تنبههم لم يحك الراوي ما يقتضيه. الثاني: أنَّ المقام مقام تبشير وترغيب، فلا يظنُّ أنَّ الرجل قال: «لا تخبرنا»، خشية أن يذكر لهم ما لا يقدرون عليه، كما نقله الشارح الزرقاني عن الباجي عن ابن حبيب. الثالث: أن سكوت الرسول ﷺ عقب كلِّ مرة دليل على قصد التشويق للخبر، وذلك يناسب حرص السامع على تعجيل العلم به. الرابع: أن سكوت بقية الحاضرين دليل على أنَّ هذا الرجل كان سائلاً ما فيه رغبة الجميع بخلاف ما في رواية يحيى، فإن ذلك لا يشاركه فيه جميع الحاضرين على كلِّ تأويل. الخامس: أنه في المرة الرابعة أسكت الرجل رجل آخر إلى جنبه، وذلك يدلٌ على أنه لما حرص على تعجيل الفائدة، ورسول الله ﵊ يسكت، خافوا أن يكون الرجل قد أحرجت رسول الله ﵊ كثرة إلحاحه بتعجيل العلم بذلك، فرأى الرجل المسكت أن يُوكل وقت الإعلام بتعيين هذين الأمرين إلى رسول الله ﷺ . وقد يجمع بين الروايتين بأنَّ أحد القولين صدر من رجل حاضر في المجلس، فحدَّث الراوي مرَّة بقول هذا ومرَّة بقول الآخر، فتكون كلتا الروايتين مما حدَّث به مالك أو زيد

стр. 352

ابن أسلم أو عطاء. ما جاء في الصِّدق والكذب مالكٌ عن صفوان بن سليم أنَّ رجلاً قال لرسول الله ﷺ : أكذب امرأتي يا رسول الله؟ ، فقال رسول الله: «لا خير في الكذب»، فقال الرَّجل: يا رسول الله أعدها وأقول لها؟ فقال رسول الله: «لا جناح عليك». نهاه رسول الله ﷺ عن الكذب حين أجمل في سؤاله أحوال الكذب لامرأته، فإنّ الكذب قبيح سواء كان للزوجة أم للأجنبي؛ لأن داعيته ذميمةٌ، فلما بيَّن السائل مراده رخص له فيه؛ إذ قد علم أنَّه لا يريد الكذب في أحوال المرأة مطلقًا. والظاهر أنَّ مراد السائل أن يعدها، ويقول لها أمورًا ترجع إلى المحبَّة والحظوة عنده؛ ولذلك حذف المفعول الثاني لـ «أعدها وأقول لها»؛ لأنَّه معلوم من المقام، ومثل ذلك مغتفر؛ لأنَّه تحبُّب وهو بمنزلة الشعر تغتفر فيه المبالغة، نحو: أنت الحبيب. أما الوعد والقول في غير ذلك، فلا أحسب فيه رخصة، ولا يستقيم ما فسَّر به الشارحون ولا سيَّما قوله: «وأقول لها» فإنَّه أعمُّ من «أعدها» على أنَّ رسول الله ﷺ قد علم أنَّ قول السائل: «أكذب امرأتي» إنَّما يشمل الكذب في أحوال التصرف مع المرأة مثل: الإنفاق، والكسوة، وغير ذلك، فكان جوابه له بقوله: «لا خير في الكذب» ناهيًا عن الكذب في بعض ما فهم بعض الشارحين الترخيص في الكذب في مثله، فلمَّا أعاد الرجل وعرَّض وكنَّى، أجابه رسول الله ﵊ جوابًا واردًا على شيء معين والله أعلم. * * *

стр. 353

ووقع فيه قول ابن مسعود: «وتنكت في قلبه نكتةٌ سوداء» ففعل «تنكت» مبني للمجهول، ومعناه: جعل أثر في شيء، يقولون: نكت الأرض؛ إذا باشر التراب بعود أو أصبع، فترك أثرًا في التراب، والنكتة الأثر الصغير في شيء، وهي ترادف النقطة؛ لأن التاء والطاء تتبادلان لقرب مخرجيهما. * * * مالكٌ عن صفوان بن سليم أنه قال: قيل لرسول الله: أيكون المؤمن جبانًا؟ فقال: «نعم»، فقيل له: أيكون المؤمن بخيلاً؟ فقال: «نعم»، فقيل له: أيكون المؤمن كذَّابًا؟ فقال: «لا». تجويز الجبن والبخل على المؤمن، معناه أن تينك الخصلتين غير معصيتين؛ لأنَّ الجبن سجيةٌ والبخل بما ليس واجبًا إعطاؤه تفريط في فضل العطاء، ومعنى: «لا يكون المؤمن كذابًا» أنَّ الكذب حرام وليس من خصال الإيمان، فلا يجوز للمؤمن أن يكون كذابًا. فالخبر هنا في معنى الإنشاء كأنَّه قيل: لا تكن كذابًا. وليس المراد أنَّ ذلك لا يقع في نفس الأمر؛ فيتوهم منه سلب الإيمان عن الكذابين من المسلمين، ولا حاجة إلى تأويل ذلك بسلب الإيمان الكامل؛ لأنه ليس مناسبًا للسياق. ما جاء في عذاب العامَّة بعمل الخاصَّة المراد بالعامَّة الجميع، أي: عذاب جميع الناس. والمراد بالخاصة البعض، أي: بعمل بعضهم، فقد يكون الخاصَّة هم الأكثر، والعامة الأقلَّ كما يدلُّ عليه البلاغ عن أم سلمة. وقال ابن وضَّاح: العامة الإمام، والخاصة: الرعية، وهو تفسير ضعيف المعنى.

стр. 354

التَّرغيب في الصَّدقة وقع فيه قوله في حديث أبي طلحة: «ذلك مالٌ رابحٌ» فذكر البخاري أنه روى بالباء الموحدة من الربح، أي: وهي رواية أكثر الرواة، ومنهم يحيى بن يحيى الليثي كما صرَّح بذلك أبو عمر في «التمهيد». وذكر البخاري أنَّه رواه إسماعيل، ويحيى بن يحيى التميمي «رايح» بالياء المثناة التحتية، أي: وهي رواية مطرف، وابن الماجشون، كما صرَّح به الباجي في «المنتقى»، وهي أيضًا رواية ابن وهب كما في التمهيد. وعلى هذه الرواية وقع تقصير في تفسير هذا اللفظ في كلام الشراح كلِّهم. وتحقيقه أن معنى قولهم: «بياء» أنَّها صورة الياء، وأما النطق به فهو بهمزة بعد الألف، لوجوب إبدال الهمزة من حرف العلَّة في اسم الفاعل من المعتلِّ العين، وإنما تكتب في الرسم تحت صورة الياء؛ ولذلك كانوا لا يجعلون نقطتين تحت هذه الياء في نحو: قائل وبائع. وقد حكى ابن جنِّي أنَّ أبا علي الفارسي ذهب مع صاحب له إلى بعض المتَّسمين بالعلم يزورانه، فوجدا بين يديه أجزاء كتب فيه لفظ (قايل) بنقطتين تحت الياء فقال له أبو علي: خطُّ من هذا؟ فقال: خطي، فالتفت أبو علي إلى صاحبه، وقال: لقد أضعنا خطواتنا في زيارة مثله. والمعنى أنَّه شبه ذلك الحائط بإبل تروح على صاحبها كل يوم بالدرِّ، كما في حديث أبي هريرة في «الموطإ» و «الصحيحين»: «نعم المنيحة اللقحة الصفيُّ تغدو بإناءٍ وتروح بإناءٍ»؛ لأنَّهم يحلبون الإبل عند رواحها. والإبل تسمَّى

стр. 355

مالاً. قال زهير: صحيحاتِ مالِ طالعات بمخرم فهو تشبيه بمركب في هيئة العود على صاحبه بالفائدة وحذفت الكاف على طريقة التشبيه البليغ، ووقع في «شرح الزرقاني» عن الباجي أنَّه روي رايج بالجيم بدل الحاء، وهو غلط سرى إلى الزرقاني من تحريف في كلام «المنتقى». * * * ووقع فيه قول مولاة عائشة: «شاة وكفنها». الكفن بفتحتين أصله ما يلفُّ فيه الميِّت من الثياب، ويطلق على ما يلفُّ فيه اللحم المطبوخ من أرغفة ورقاق. * * * قال مالك: قد بلغني أنَّ مسكينًا استطعم عائشة أمَّ المؤمنين وبين يديها عنبٌ، فقالت لإنسانٍ: خذ حبَّةً فأعطه إيَّاها، فجعل ينظر إليها ويتعجَّب، فقالت عائشة: أتعجب كم ترى في هذه الحبَّة من مثقال ذرة؟ . قصدت عائشة? من فعلها هذا أن لا تردَّ السائل، وأن تعلِّم من معها فضل الصدقة ولو قليلة، ولعلَّ العنب الذي كان بين يديها كان قليلًا لا يفضل عن حاجة أهل بيتها، والعنب فاكهة مشتهاة، ورسول الله يقول: «وابدأ بمن تعول»، فكرهت حرمان السائل من العنب الذي يشتهيه الناس، والثواب حاصل على الإعطاء دون الحرمان. * * * ووقع فيه قول رسول الله ﷺ : «والَّذي نفسي بيده ليأخذ أحدكم حبله، فيحطب على ظهره، خيرٌ له من أن يأتي رجلًا» إلخ. قال أبو عمر: ثبت في جلِّ روايات «الموطإ»

стр. 356

«ليأخذ». ورواه معن وابن نافع «لأن يأخذ» اهـ. أقول: فعلى روايتنا فاللام لام جواب القسم و «يأخذ» مرفوع وهو مؤول بالمصدر؛ لأنَّه على تقدير (أن) وهي في مثل هذا لا تعمل مقدرة؛ فلذلك ارتفع الفعل على حد قول طرفة: ألا أيهذا الزاجري أحضر الوغى ... وأن أشهد اللذات هل أنت مخلدي وقولهم في المثل: «تسمع بالمعيدي خيرٌ من أن تراه»، وخرج عليه قوله تعالى: ﴿وَمِنْ آَيَاتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعً﴾ [الروم: ٢٤] بناء على أن «من آياته» خبر مقدَّم (وليس بمتعين)، وقوله: «فيحطب» عطف على «يأخذ» فهو مرفوع؛ إذ لا موجب لنصبه مع رفع المعطوف عليه، وروي «فيحتطب»، وقوله: «خير» هو خبر المصدر المؤول به الفعل الواقع في جواب القسم. وقد ظهر أنَّ الجملة من المبتدا المؤول ومن خبره هي جواب القسم، ولا يصحُّ جعل فعل «يأخذ» جوابًا للقسم، أي بأن لا تقدر (أن) المصدرية؛ إذ ليس المقسم عليه هو الأخذ، بل المقسم عليه هو كون ذلك الأخذ خيرًا من المسألة؛ ولأنه لو كان «يأخذ» هو الجواب، لاقترن بنون التوكيد. ما يتَّقى من دعوة المظلوم وقع فيه قول عمر: «فإنَّهما إن تهلك ماشيتهما، يرجعان إلى المدينة إلى نخلٍ وزرعٍ، وإنَّ ربَّ الصُّريمة، وربَّ الغنيمة إن تهلك ماشيتهما، يأتيني ببنيه» إلخ. ثبت في الرواية قوله: «يرجعان» بإثبات النون وقوله: «يأتيني» بإثبات التحتية بعد التاء المثناة فوق، وقد جرى ذلك على النادر في اجتماع المبتدأ والشرط، فإنَّ الشائع أن الفعل الواقع بعدهما الصالح لكونه خبرًا وكونه جوابًا أن يكون مجزومًا على أنه

стр. 357

جواب للشرط. ويكون مجموع الشرط وجوابه في موضع الخبر، ومثل ما وقع في كلام عمر هنا قول جرير البجلي: يا أقرع بن حابس يا أقرع ... إنك إن يصرع أخوك تصرع قال سيبويه: أي: أنك تصرع إن يصرع أخوك. * * * ووقع فيه قول عمر ﵁: «إنَّها لبلادهم قاتلوا عليها في الجاهليَّة، وأسلموا عليها في الإسلام». جعل قوله: «قاتلوا عليها في الجاهلية» إلخ بيانًا وتعليلاً لقوله: «إنَّها لبلادهم»؛ وذلك لأنَّ أصل التملك بين البشر إنَّما كان بالابتزاز والقوة، وقد جهلت الأحوال التي صارت بها الأشياء في أيدي مالكيها، فلمَّا جاءت الشريعة أقرت الناس على ما بأيديهم بالأسباب التي كانوا قد تواضعوا على الرضا بكونها أسبابًا للملك والاختصاص، فليس معنى: «قاتلوا عليها في الجاهلية» أنَّهم قاتلوا النبي ﷺ والمسلمين؛ لأنَّه لو كان ذلك لكانت الأرض لبيت المال أو كانت صلحًا، فلا يكون لقوله: «إنها لبلادهم» موقع، ولأنَّه ينافي قوله: «وأسلموا عليها في الإسلام»؛ بل المعنى أنهم قاتلوا عليها القبائل وأبعدوا عنها أصحاب المطامع، كما قال النابغة: هموا طرفوا عنها بليًّا فأصبحت ... بليٌّ بوادٍ من تهامة غائر وأسلموا على أنهم يقرون فيها، أي: أسلموا على نية البقا بأرضهم، وليس المراد أنهم اشترطوا ذلك حين إسلامهم؛ إذ لم يحفظ ذلك في أخبار إسلام القبائل. أسماء النَّبيِّ ﷺ - مالكٌ عن ابن شهابٍ عن محمد بن جبير بن مُطعمٍ أنَّ النَّبي ﷺ قال: «لي خمسة أسماء: أنا محمَّدٌ، وأنا أحمد، وأنا الماحي الَّذي يمحو الله بي الكفر. وأنا الحاشر الَّذي يحشر الناس على قدمي، وأنا العاقب».

стр. 358

أفاد لام الاختصاص في قوله ﷺ : «لي خمسة أسماء» أنَّ هذه الأسماء المباركة أعلام له لا يشاركه فيها غيره، وأفاد ذلك ظاهر تقديم المسند على المسند إليه في قوله: «لي خمسة أسماء» أنَّه لا يشاركه فيها غيره، وأفاد الاقتصار على هذه الخمسة في مقام البيان أنَّ ليس لرسول الله أسماء غيرها، فنشأ من هذين المفادين إشكالان: أحدهما: أنَّ بعض هذه الأسماء قد يسمَّى به غير رسول الله ﷺ ، وثانيهما: أنَّ لرسول الله أسماء غير هذه الخمسة، فقد ثبت في صحيح الآثار أسماء منها: نبي التوبة، ونبي الرحمة في حديث أبي موسى الأشعري في «صحيح مسلم». وقال يونس عن ابن شهاب في روايته لحديث جبير بن مطعم: «وقد سمَّاه الله رؤوفًا رحيمًا». وقد ذهب كثير من علمائنا في دفع هذين الإشكالين طرقًا غير مقنعة للناظر، ولا يطمئن لها الخاطر. والذي هر لي في دفع هذين الإشكالين وبيان الحديث من أصله، أن نبيِّن تحقيق معنى الاسم والفرق بينه وبين الصفة، فإنِّي لم أر من عرَّج عليه في مثل هذا المقام، ثمَّ تكون تلك فاتحة استنارة المراد. فالاسم لما كان مشتقًا من وسم على أظهر الوجوه كان المعنيُّ به العلامة التي تجعل لذاتٍ لتمييزها عن غيرها من الذوات، فهو في اللغة يرادف معنى العلم، ولذلك يقولون سمَّاه كذا، أي: جعله له علمًا، فكان حقُّ العلم والاسم أن لا يشارك المسمَّى به فيه غيره، وكان حقُّه أن لا يدلَّ على معنى وصفي؛ ولكنه قد يشعر بالوصف إشعارًا ما إذا كان واضع الاسم قد لاحظ عند التسمية بذلك اللفظ ملاحظة المناسبة أو للإشعار بوصفٍ في المسمَّى أو للتفاؤل؛ ولذلك يضمنون المعنى الوصفيَّ مع اختصار في اللفظ تقريبًا لمعنى العلمية، ولذلك كلِّه عرف النحويون العلم بأنَّه ما وضع لمعيَّن لا يتناول غيره، ولكن قد يرعض الاشتراك في الاسم العلم بين متعدِّد، إمَّا لتماثل مقاصد

стр. 359

الواضعين للاسم، وإمَّا لقصد التشبيه بالمسمى الأول، وكثر هذا الاشتراك بسبب اقتباس أسماء بعض الأسلاف من العائلة أو القبيلة؛ إذ لا وسيلة إلى ضبط الاختصاص ولا إلى العلم بمقدار المشاركة. فرسول الله ﷺ قد أعلمنا أنَّ له خمسة أسماء، فعلمنا أنَّ هذه الخمسة أعلام له؛ وله بها مزيد اختصاص، فأمَّا كونها أعلامًا، فلأنَّ اسم «محمد» هو الذي أسماه به جده عبد المطلب حين ولادته وبه دعاه القرآن ثلاث مرات. وأنَّ اسم «أحمد» قد سمِّي به على لسان الرسول الذي جاء قبله، وهو عيسى ﵇ كما حكاه عنه القرآن، فهو بهذا الوجه أسبق من اسمه «محمَّد» في سجل الوحي والرسالة، وأحسب أنَّ اسم «أحمد» تعبير عمَّا سيسمَّى به أنه علم مشتق من قوَّة الحمد، أي: كثير الحمد. فهذان علمان له لا محالة، ولم يتحقَّق أن قد سمي باسم «محمَّد» أحد قبل النبي ﷺ أسمى نفسه بها، وذلك فيما نظنُّ بتوقيفٍ من الله تعالى، وهي وإن كانت أوصافًا له، كما دلَّ عليه تفسير كلِّ واحد منها بما يدلُّ على قصد ما فيه من الوصف، فإنَّ تلك الأوصاف لما بينت بمتعلقاتها، كانت خاصة به ﷺ ، ونُزلت بذلك الاختصاص منزلة الأعلام التي حصلت لها العلمية بالغلبة. وذلك أن الأوصاف إذا رمز بها إلى حالة خاصة في الموصوف أو حالة غريبة تصير ألقابًا، واللقب ملحق بالعلم، فأمَّا بقية أوصاف النبي ﷺ الواردة في القرآن والسنة مثل: ﴿بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: ١٢٨] ومثل: الشاهد، والمبشر، والقدير، والداعي إلى الله، ومثل: نبي الرحمة، فإنها مراد منها الوصفيَّة دون العلمية؛ ولذلك لا تجد فيما ورد فيها من الآثار أنَّ النبيَّ ﷺ عبر عنها بأسماء، بل يقول: «أنا نبي الرحمة»، مثل حديث حذيفة في كتاب «الشمائل»، فلا منافاة بين ما أشعر به لفظ خمسة من حصر أسمائه في تلك الخمسة وبين ما دُعي به رسول الله عليه الصلاة

стр. 360

والسلام من صفات الكمال، وكذلك مفاد لام الاختصاص إنما هو الاختصاص الذي بمعنى الملك والأحقية، وهو معنى اللام وليس هو الاختصاص بمعنى الحصر، كما توهمه بعض الناس. ولعلَّ ما دفعناه من الأوهام هي التي حملت بعض رواة هذا الحديث على حذف اسم العدد منه، وقد ثبت لفظ الخمسة في هذه الرواية، وهي أصحُّ الروايات، وثبت في روايات أخرى وهي تقضي على الروايات التي حذف منها لفظ الخمسة. قال أبو بكر بن العربي في «القبس»: «نصَّ على أسمائه الخمسة التي ترتبت عليها الشريعة، فإنَّ الله تعالى سمَّى نفسه، وترتبت المخلوقات على أسمائه الحسنى، فتعلَّق بكلِّ اسم من أسمائه جزء من مخلوقاته، وكذلك تعلَّق كلُّ جزء من أجزاء الشريعة بكل اسم من أسماء النبي ﷺ » اهـ. ويا ليته بيَّن كيفية تعلُّق كلِّ جزء من أجزاء الشريعة بكل اسم من هذه الأسماء الخمسة؛ وإذ قد ألمَّ إلمامًا، ولم يشف من مطالعها أوامًا، فها أنا ذا أترسم أثره، وأرجو أن أصيب ما أضمره، ولا شكَّ أنَّه يريد بالجزء من أجزاء الشريعة الجزء النوعي، أي: التنويع الأول للشريعة كلِّها؛ إذ لا يمكن تعلُّق أجزاء الشريعة، أي: فروعها بأسماء رسول الله ﷺ إلَّا بهذا الاعتبار. فالتنويع الأول للشريعة أنَّها تتنوع إلى الإيمان، والإسلام، والإحسان، كما أنبأ عنه حديث جبريل في «الصحيح». ودخل في الإيمان الإيمان بما جاء به الرسل من قبل وهو ما أنبأ عنه قوله تعالى ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا﴾ الآية [الشورى: ١٣]. ودخل في ذلك ما اختصَّت به هذه الشريعة، وهو أنَّها ناسخة لجميع الشرائع التي سبقتها، وأنها خاتمة للشرائع كلِّها بحيث لا تنسخها شريعة أخرى، فأسماء رسول الله ﷺ هذه الخمسة قد تعلَّق بكلِّ واحدٍ منها جزء من هذه الأجزاء، «فالماحي» الذي يمحو الله به الكفر تعلَّق به جزء الإيمان كله و «محمَّد» لما كان مشتقًّا من الحمد بمعنى المفعول أعني المحمودية، فهو الذي حمده الله فجعله واسطته إلى خلقه في تبليغ شريعته، وحمده الناس لما تلقوا الشريعة منه وعرفوا فضلها في نجاتهم، فتعلق بهذا الاسم الشريف جزء الإسلام.

стр. 361

«وأحمد» لما كان اسم تفضيل من الحمد كان مشتقًّا من الحمد المضاف إلى الفاعل أعني الحامدية، وذلك حمد الله على نعمه وملاحظة شكره، فتعلق بهذا الاسم جزء الإحسان. «والحاشر» الذي فسر بأنَّه الذي يحشر الناس على قدميه، أي: على إثره، تمثيلًا لعدم الفصل بينه وبين الحشر بنبيٍّ آخر تتبعه أمةٌ أخرى، فتعلَّق بهذا الاسم جزء ختم الرسالة. «والعاقب» بمعنى الآتي عقب من قبله، والمراد هنا عاقب الأنبياء، ولما كان هذا أمرًا معلومًا لم يكن الإخبار به أو الوسم به إلَّا للدِّلالة على لازمه أعني أنه الذي نسخت شريعته شرائعهم، فتعلَّق بهذا الاسم جزء نسخ هذه الشريعة الشرائع التي قبلها، فهذا ما لاح في تقفية كلام أبي بكر بن العربي ﵀. وعلينا أن نلتفت إلى وجه اختصاص الرسول ﵇ بهذه الأسماء من جهة معانيها، فالاسمان الأوَّلان هما علماه كما تقدَّم، فظهور اختصاصه بهما لا يحتاج إلى زيادة. والماحي المفسر بمعنى محو الكفر به اختصَّ به رسول الله ﷺ ؛ لأنَّه بدعوته قد اقتلع الشرك من جذوره وفضح اعتقاد أهله بما نصبه من الأدلة على بطلانه، وفضائحه، وبهتانه بحيث لم يبق بعد الدعوة المحمدية له رواج، فلذلك كان الإشراك أبعد شيء عن المسلمين مع أنَّه لم تنج منه الأمم الأخرى، فقد عبدت بنو إسرائيل العجل، ثمَّ قالوا لموسى: ﴿اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آَلِهَةٌ﴾ [الأعراف: ١٣٨]، وقد عبدت النصارى عيسى ابن مريم، ومريم؛ فلذلك قال رسول الله ﷺ في خطبته في حجَّة الوداع: «إنَّ الشيطان قد يئس أن يعبد في راضكم هذه؛ ولكنَّه قد رضي منكم بما دون ذلك ممَّا تحقرون من أعمالكم». فالمراد من المحو محوه عن أمته بحيث لا يعود يظهر فيهم الشرك أو يكون المراد من محوه محو شبهه بالأدلة القاطعة المتكررة، فيكون المحو مجازًا في الإبطال القوي كقول الشاعر: محا السيف ما قال ابن دارة أجمعا «والحاشر» قد دلَّ على ختم الرسالة وهو من خصائصه، «والعاقب» دلَّ على نسخ الشرائع التي سلفت وذلك من خصائصه، فهذا جماع خصائص هذه الأسماء

стр. 362

الشريفة المباركة صلَّى الله وسلم على صاحبها. هذا وقد وقع في رواية يحيى بن يحيى وأكثر رواة «الموطإ» لفظ «الذي يمحو الله بي الكفر»، ووقع في رواية ابن بكير، ومعن بن عيسى «الذي يمحو الله به الكفر» وكلتا الروايتين جرى على استعمال شائع في الضمير العائد من الصلة على اسم الموصول، فإن اسم الموصول من قبيل الاسم الظاهر فحقه أن يعود إليه ضمير الغائب، ولكن إذا كان اسم الموصول خبرًا عن ضمير المتكلم جاز إجراؤه على ظاهر اللفظ، وجاز إجراؤه على المعني بالموصول، كما في قول علي بن أبي طالب: أنا الذي سمتني أمي حيدرة ... أكيلكم بالسيف كيل السندرة السندرة امرأة كانت تبيع القمح وتوفي الكيل. وجرى عليه بشَّار في قوله: أنا الذي يجدوني في صدورهم ... لا أرتقي صدرًا منها ولا أرد وأما قوله في الحديث: «وأنا الحاشر الذي يحشر الناس على قدمي» فاتفق رواة «الموطإ» على وجهٍ واحدٍ فيه، وهو «على قدمي» بياء المتكلم المفرد. انتهى القول مني توضيح على أغلق من كتاب الموطأ. وكان تمامه في شهر صفر عام ستين وثلاثمائة وألف وفيما بعد، مما ألحق محمد الطاهر ابن عاشور محمد الطاهر ابن عاشور