← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 150963

كشف المغطى من المعاني والألفاظ الواقعة في الموطا

ابن عاشور

Полный текст (362 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

حصل بأنَّ حصوله بقدر الله وعلمه أنه سيصيب من سيصيبه. وقد بيَّن عمر لأبي عبيدة سرَّ مسألة القدر وأطال لما رأى في كلامه من الشبهة التي راجت عليه وهي على غيره من السماعين أروج؛ فابتدأ بقوله: «نعم نفرُّ من قدر الله إلى قدر الله»، يعني أنَّ ما قدره الله محجوبٌ عنا، فلا ندري أهو الموت أم السلامة فلو أقدمنا على الطاعون الذي هو سبب الموت فقد أقدمنا على أمر هر أنه قدر الله لنا؛ وإذا لم نقدم عليه فحصلت السلامة من ضره ظهر بعد أن الله قدَّر لنا السلامة، فمن أين ندري ما قدَّره الله لنا، وما علينا إلا طلب المسببات من أسبابها التي وضعها الله تعالى فإذا طلبناها وتيسرت ظهر أن الله قدر لنا أحد الأمرين، ثمَّ إن عمر بسط الدليل، فبيَّن أنَّ النَّاس إنَّما يتذكرون عقيدة القدر عند حصول الحوادث النادرة وعند الحيرة في صنعهم، ولا يتذكرون ذلك في سائر أحوالهم الحاصلة لهم كثيرًا في كل يوم، فإن أخذهم بأسباب المنافع وتوقيهم أسباب الأضرار مستمر؛ فلماذا لا يتركونها قائلين: لماذا نفر من قدر الله؟ فالسعي والاتقاء كله ترد عليه شبهة الفرار من قدر الله، ولهذا مثَّل له عمر بمن يرعى إبلًا، فيطلب لها مواقع الخصب مع أنَّ قدر الله لها من حياةٍ أو موتٍ ومن سمنٍ أو هزال مقرَّر في علم الله تعالى، يعني أنَّ طلب السلامة للناس أولى من طلب السلامة للإبل ونحوها. وقول عمر: «لو غيرك قالها»: كلمة تقال في مقام من يأتي أمرًا لا يليق بأمثاله، فـ (لو) فيها للتمنِّي لا محالة، وليس ثمَّة جواب محذوف يدلُّ على قصد التعزير لغير أبي عبيدة، لو قال ذلك؛ إذ ليس المقام إلَّا مقام نظرٍ واستدلال. * * * ووقع فيه قوله: «من مهاجرة الفتح» فالهجرة فيه مراد منها مطلق المعنى اللغوي دون المعنى الشرعي الذي له الفضيلة الجليلة. وكانت مهاجرة الفتح بقيَّة أشراف قريش الذين تأخر إسلامهم إلى الفتح، وكانوا أهل رأي وتدبير لشؤون الناس؛ إذ كانوا من قبل يدبَّرون أمر قريش وفيهم مناصبهم في الجاهلية. وإنَّما لم يختلفوا على عمر في الرأي؛ لأنَّهم سمعوا من اختلاف المهاجرين، واختلاف الأنصار ما نوَّر بصائرهم؛ فاعتمدوا على أوضح الرأيين، وبرأيهم حصل الترجيح عند عمر ﵀. * * * ووقع فيه قوله: «من مشيخة قريشٍ» ضبطه ابن أبي الخصال بفتح الميم، وسكون

стр. 317

الشين، وفتح التحتية والخاء، قاله في طرة النسخة المقابلة على نسخة ابن بشكوال قال: وكذلك رده علينا أبو القاسم ابن بشكوال، وذكر أن ابن العربي، وابن عتاب ردَّاه عليه، كذلك وأبو بحر. وضبط في أصل النسخة بوجهين الوجه المذكور، وبكسر الشين. النَّهي عن القول بالقدر «القدر» بفتح الدال لغة هو تعيين مقدار الأشياء، كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر: ٤٩] أي: بإتقان وضبط. وأطلق في الشرع على علم الله تعالى بما تكون عليه الأشياء مع إرادته أن تكون كذلك قبل تعلق القدرة بإبرازها، فهو مجموع تعلق العلم والإرادة بالممكنات وأحوالها قبل وقوعها، فهو التعلُّق الصلوحي بالنسبة للإرادة. وبهذا المعنى جاء في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ جِئْتَ عَلَى قَدَرٍ يَا مُوسَى﴾ [طه: ٤٠] وجاء أيضًا في حديث تحاج آدم وموسى. وحديث: «كلُّ شيء بقضاء وقدر» المذكورين في هذا الباب. وجاء في حديث الإيمان في «صحيح مسلم»: «وتؤمن بالقدر خيره وشره». وقد نجمت في القرن الأول للإسلام طائفة بحثوا عن كنه علم الله بما سيكون من عباده، وكيف قدرها لهم وأشكلت عليهم الآثار الواردة في إثبات القدر، فنفوها وقالوا: لا قدر، والأمر أنفٌ ظنًّا منهم أنهم ينزهون الله تعالى عن العجز وعن إرادة الضلال، ويقال: إن أول من تكلَّم في ذلك معبد الجهني ظهر في زمن بقية من الصحابة، وتوفي في حدود سنة تسعين، ثمَّ تبعه صاحبه غيلان الدمشقي في مدَّة عمر بن عبد العزيز، وتوفي سنة عشرين ومائة (١٢٠)، فوسمهم أهل السنة بالقدرية نسبة إلى لفظ القدر الذي خاضوا فيه وإن كانوا هم في الحقيقة لا يثبتون القدر. فما وقع في الترجمة هنا من قوله: «النهي عن القول بالقدر»، يحتمل أن معناه النهي

стр. 318

عن اعتقاد رأي القدرية، فيكون القول فيها بمعنى الاعتقاد والظنِّ على ما شاع من استعمال القول بمعنى الظنِّ من غير سبق أداة استفهام، وهي لغة بني سُليم. ويرجِّح هذا الاحتمال دخول الباء على القدر، فإنَّ دخولها شائع على القول المراد به الاعتقاد لتضمينه معنى اعتقد، ويحتمل أنَّ معنى النَّهي عن التكلم في القدر؛ لأنَّه يجرُّ إلى شبهة في العقيدة لا يسهل اقتلاعها من نفوس عموم الناس، فكان النهي سدًّا لذريعة اختلال العقيدة. وقد رُوي أنَّ رسول الله ﷺ نهى عن الخوض في سرِّ القدر بقوله: «إذا ذكر القدر فأمسكوا» وهو حديث حسنه الرواة. وعلى هذا الاحتمال تكون الباء بمعنى في. وأيَّاما كان فالآثار المخرجة تحت الترجمة، وكلام عمر بن عبد العزيز في ذلك، دالة على النهي، فعلى الاحتمال الأول دلت على وجوب الإيمان، فدلت ضمنًا على النهي عن ضدِّه، لأنَّ الأمر بالشيء نهي عن ضدِّه؛ وعلى الاحتمال الثاني دلَّت على الإيمان به كما جاء في الكتاب والسنة وكلام الأئمة من غير خوض في ذلك؛ لأنَّه أسلم إلَّا لعالمٍ أو متعلِّم. * * * ووقع فيه قول رسول الله ﷺ : «فقال له موسى: أنت آدم الَّذي أغويت الناس وأخرجتهم من الجنَّة، فقال له آدم: أنت موسى الَّذي أعطاه الله علم كلِّ شيء» إلخ. يحتمل قوله: «أنت آدم»، وقوله: «أنت موسى» أن يكون آدم وموسى منادى محذوفًا منه حرف النداء، فقد وقع هذا الحديث في «صحيح البخاري» من رواية سفيان عن أبي هريرة، فقال موسى: «يا آدم أنت أبونا ... » إلخ، قال له آدم: «يا موسى ... » إلخ، قال له آدم: «يا موسى ... » إلخ. ويحتمل أن الاستفهام فيهما مسلط على الاسمين العلمين وعلى الموصولين وصلتيهما. ووقع الاسم العلم في حيز الاستفهام يقصد به التعجُّب إذا كان المسمى معروفًا عند المستفهم، كما وقع في حديث عبد الله بن مسعود يوم بدر حين وجد

стр. 319

أبا جهل جريحًا في القتلى: «أنت أبو جهل؟ ». والكلام استفهام لا محالة بقرينة قوله: «قال: نعم»، وقد ضبط في نسخة ابن بشكوال بهمزة قبل الألف ومدة بمداد المصحح لا في أصل الناسخ. جامع ما جاء في أهل القدر وقع فيه قول رسول الله ﵊: «لتستفرغ صفحتها» السين والتاء في «لتستفرغ» للطلب، أي: تطلب فراغ صحفتها فتأخذ هي ما فيها، وهو تمثيل لحال المرأة التي تسعى في طلاق ضرَّتها المسلمة، لتتزوج زوجها فتحلَّ محلَّها في النفقة بحال التي تتحيل على استفراغ صفحتها لتأكل ما فيها، فإنَّهم كانوا يضعون الطعام الجيد في الصحاف. وقد ورد في الأثر: أنَّ عمر اتخذ صحافًا فكان لا تأتيه طرفة بالطعام إلَّا جعل منه في تلك الصحاف، وبعث بها إلى أمَّهات المؤمنين. * * * وقوله: «ولتنكح» ضبطه الرواة بسكون اللام وبالجزم على الأمر، أي: ولتنكح رجلًا آخر، أو تنكح زوج تلك المرأة من دون أن تسأل طلاق ضرَّتها إن كانت الرغبة من الزوج في نكاحها، فلا تجعل رغبته باعثًا على اقتراحها عليه أن يطلِّق ضرتها. وضبطه في نسخة ابن بشكوال بكسر لام «ولتنكح» وفتح الحاء فيكون عطفًا على «لتستفرغ» فيكون المعنى: ولتنكح زوج أختها المسلمة. قال الطيبي: هو علَّة أخرى للنهي اهـ. قلت: صواب العبارة أن يقول: علَّة أخرى لسؤال الطلاق، وهذا وجه ضعيف؛ لأنه يؤول إلى عطف التفسير؛ لأنه عين معنى قوله: «لتستفرغ صحفتها» وذلك لا يلاقي طريقة التمثيل وبلاغته، والظاهر أنَّ كسر اللام ونصب

стр. 320

«لتنكح» خطأٌ من الراوي. * * * ووقع فيه قوله: «الذي لا يعجل شيءٌ أناه وقدَّره» ثبت في جميع روايات «الموطإ» لفظ «شيء» مرفوعًا، فيجوز في «يعجل» أن يكون بفتح الياء وفتح الجيم مضارع عجل وهو لازم غير متعد. و «أناه» بفتح الهمزة على أنَّه بمعنى وقته، و «قدره» بتشديد الدال أي: جعل له قدرًا. والمعنى: لا يتعجل شيء وقَّت له وقتًا وقدر له تقديرًا، فيأتي قبل وقته وعلى غير قدره. ويجوز أن يكون «يعجل» بضم الياء وكسر الجيم مضارع أعجل المتعدِّي بالهمزة، و «إناء» بكسر الهمزة و «قدره» بتخفيف الدال، أي: لا يستطيع شي من الأشياء أن يُسرع وقتًا وقَّته الله وقدرًا قدَّره الله فيقدمه على وقته، ويجوز أن يكون «يُعجَّل» بضم الياء مع تشديد الجيم، والمعنى مثل الذي قبله. هذه أظهر الوجوه في ضبطه. وتجوز وجوه أخر فيها ضعف، وقد أنهاها ابن العربي في «القبس» إلى عشرة وبعضها لا يوافق الرواية. قال عياض في «المشارق»: اختلف الشيوخ في ضبط هذه الجملة فرواية عبيد الله عن أبيه «يعجل»، بفتح الياء والجيم و «أناه وقدره» مفعول به و «شيء» مرفوع هو بالفاعل. ورواه القنازعي بضم «يعجل». ورواه ابن وضَّاح «شيئًا» مفعولاً و «أناه» الفاعل. وكلهم يقولون: أناه: قدَّره. وقال الجياني: رواه بعضهم «يعجل» بتشديد الجيم «شيئًا آناه» أي: أخره بفتح الهمزة ومدها وقصر آخره (أي: قصر همزته) و «قدره» بتشديد الدال فعلان. قلت: رواه القعنبي عن مالك: «لم يُعجل» بضم الياء و «شيئًا» بالنصب «أناه قدره» دون واو العطف. قال ابن بشكوال: وهو الصواب إن شاء الله. وقد

стр. 321

وجدت في نسخة عتيقة من «الموطإ» بخط ناسخها وراويها عن طرة الشيخ أبي القاسم (يعني ابن بشكوال) ما نصه: هذا الذي في الكتاب كلام منقطع؛ لأنه خال عن ضمير يعود إلى الذي ولا بد منه ضرورة، والذي يرتبط به آخر الكلام بأوله: «الحمد لله الذي لا يعجل شيء أناه وقدره»، والمعنى: أن قضاء الله لا يعدو وقته الذي قدره، والضمير في «أناه» عائد على الله (يعني: الضمير المرفوع) وهو فعل في معنى أخَّره، وقال جرول: وآنيت العشاء إلى سهيل ... أو الشعرى فطال بي الأناء ومن كتاب ابن مسرة قال لنا ابن الطلاع: الرواية «لا يعجل شيء أناه» أي: لا يتقدم شيء أخَّره حتى يأتي وقته. قال الوزير (يعني ابن فطيس): كذا وقع في كتاب أبي عيسى كما عندنا: (أي: بكلمة -لا- وبرفع شيء). وحدثنا ابن دليم ثنا أحمد بن خالد أخبرنا علي بن عبد العزيز قراءة عليه ثنا عبد الله بن مسلمة القعنبي قال: قرأت على مالك بن أنس أنه بلغه كان يقال: «الحمد لله الذي خلق كل شيء كما ينبغي، الذي لم يعجل شيئًا أناه قدره، حسبي الله» إلى آخر الحديث، وهذا الصواب إن شاء الله. ما جاء في حسن الخلق مالك: أنَّه بلغه عن عائشة زوج النَّبي ﷺ أنَّها قالت: استأذن رجلٌ على النَّبيِّ، قالت عائشة: وأنا معه في البيت، فقال رسول الله: «بئس ابن العشيرة»، ثمَّ أذن له رسول الله، قالت عائشة: فلم أنشب أن سمعت ضحك رسول الله معه، فلمَّا خرج الرَّجل قلت: يا رسول الله قلت فيه ما قلت، ثمَّ لم تنشب أن ضحكت معه، فقال رسول الله: «إنَّ من شرِّ النَّاس من اتَّقاه النَّاس لشرِّه». أمَّا قول رسول الله ﷺ : «بئس ابن العشيرة»، فهو ذمٌّ لما عليه الرجل من كفر أو نفاق أو خبث طوية، ولم يذكر له صفة معيَّنة فليس بغيبة، لأنَّ الذم ليس من الغيبة؛

стр. 322

أو لأنَّه أراد أن يعرفه الناس ويحذروا غدره، فيكون من باب ما قيل في جواز ذكر مثل ذلك في مقام الجرح والتعديل، فمقام بيان الرسول ﷺ وتعليمه أولى بجواز ذلك. وأما مضاحكته إيَّاه بعد أن قال فيه قوله ذلك، فقد أشكل على عائشة? وأجابها رسول الله ﷺ بما أزال إشكالها غير أنَّ الناظرين قد بقي في نفوسهم من الإشكال ما جزموا معه، بأنَّ ما فعله الرسول ﷺ من حسن لقاء الرجل إنما هو ضرورة ومداراة؛ لأنَّهم رأوا التنافي بين ما قاله الرسول ﵊ في هذا الرجل وبين ما لاقاه به باقيًا. والحقُّ أنَّ الإشكال قد ارتفع بتنبيه رسول الله ﷺ عائشة وسرعة ما فهمت من ذلك. وبيان ذلك أن قوله: «بئس ابن العشيرة» خبر عن حال الرجل بما هو في الواقع؛ ليعرف الناس خبثه وجلافته، وأن تبسُّط الرسول ﵊ له حين لقائه أمر من آثار الملاقاة والمحادثة، فالتبسط إكرام للوارد وهو من مكارم الأخلاق، وأنَّ الضحك معه من آثار جريان ما يوجب الضحك عند المحادثة، فليس بين قول الرسول ﵊ وفعله تعارض؛ لأنه لو لاقاه بالعبوس لكان من سوء تلقي الوافد ولا داعي إليه؛ إذ ليس من حقِّ الرجل الصالح أن يعامل الرجل الذميم بالغلظة والجفاء إلَّا حين ظهور منكر أو شيء يوجب الإنكار والموعظة؛ فلذلك قال رسول الله ﷺ لعائشة: «إن من شرِّ الناس من اتَّقاه الناس لشره»، فذلك ضربه رسول الله ﷺ مثلاً لنفسه، أي: أنِّي لست شريرًا حتَّى أظهر الشر للناس فيتقوني، كيف وقد قال الله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: ٤]، وقال ﴿وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ [آل عمران: ١٥٩]، فعائشة ظنت أنَّ مقالة رسول الله ﷺ بين لها الفرق بين الاعتقاد في حال شخص، وبين إعطائه ما يستحقُّه من المعاملة العرفية، والرسول ﷺ أولى الناس بكلِّ ما يوجب الإقبال عليه والهشَّ إلى لقائه ويدفع تجهم لقائه؛ لأن مراد الله من بعثته شدَّة امتزاج الأمَّة به؛ ليصلح من أحوالهم على قدر قابليتهم وليس مأمورًا بمعاملة الناس على حسب ما يضمرونه، ولكن على حسب ما هو المعروف بينهم وعلى قدر مراتبهم في أقوامهم، وبهذا تعلم أن ليس المراد بقوله: «أنَّ من شرِّ الناس» إلخ أن ما فعله اتقاء لشر الرجل الوافد وأنه من باب التقية؛ لأن ذلك لا يناسب مقام رسول الله ﷺ بل أراد أنَّه منزه عن استجلاب اتِّقاء الناس إياه بالغلظة والشر؛ لأن جميع أكوانه ﷺ رحمة، كما قصره على ذلك قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٧].

стр. 323

ما جاء في المهاجرة وقع فيه قوله: «أنظروا هذين حتَّى يصطلحا» روي «أنظروا» بهمزة قطع مفتوحة في أوله وبكسر الظاء على أنه أمر من الإنظار وهو التأخير. ويرجِّح هذه الرواية ما في الحديث الذي بعده «اتركوا هذين حتى يصطلحا». وروي بهمزة وصل وبضم الظاء، فيجوز أن يكون أمرًا من النظر بمعنى الانتظار، أي: لا تعجلوا بعدِّهما في زمرة من يغفر لهم، ويجوز أن يكون أمرًا من النظر بمعنى التأمل بالعين، أي: انظروا ما يؤول إليه أمرهما، والحديث أفاد أنهما لا يُكتبان فيمن يغفر لهم حتى يصطلحا فإن لم يصطلحا بقيا كذلك إلى اليوم الموالي من قابل. ما جاء في لبس الثياب للجمال بها وقع فيه قول عمر ﵁: «جمع رجلٌ عليه ثيابه». يقال: جمع عليه ثيابه إذا لبس ثوبًا على نصفه الأعلى وثوبًا على نصفه الأسفل؛ لأنَّ ذلك منتهى اللبسة عند العرب: إزار وبرد، أو ما يقوم مقامهما؛ لأنَّ من لا يجد إلا ثوبًا فهو يتزر به، وذلك معنى قول الفقهاء: تكره الصلاة بدون ردا، أي: أن يصلي عاري النصف الأعلى. وليس مراد عمر أن يلبس الرجل كلَّ ما عنده من ثياب.

стр. 324

ما جاء في لبس الخز وقع فيه قوله: «مطرف خز» كتب في طرة نسخة ابن بشكوال أنه في كتاب أبي عيسى «مطرف» بضم الميم وفتح الراء. وثبت في نسخة ابن أبي الخصال بكسر الميم مع فتح الراء. وقال ابن مسرة في طرة كتابه: الضم أفصح هـ. وفي «لسان العرب» حكاه بالوجهين، ثم قال: قال الفراء: وأصله مطرف بالضم، فكسروا الميم ليكون أخف، كما قالوا: مغزل وأصله مغزل، وكذلك المصحف والمجسد، وهو مأخوذ من أطرف أي: جعل في طرفه العلمان؛ ولكنهم استثقلوا الضمة فكسروه، وهو رداء من خز مربع له أعلام، وجمعه مطارف. ما يكره للنساء لبسه من الثياب مالكٌ عن مسلم بن أبي مريم، عن أبي صالح، عن أبي هريرة أنه قال: نساءٌ كاسياتٌ عارياتٌ مائلاتٌ مميلاتٌ، لا يدخلن الجنَّة، ولا يجدن ريحها، وريحها يوجد من مسيرة خمسمائة سنةٍ. قال القنازعي: فسَّره مالك فقال: «عاريات» أي: يلبسن الرقاق من الثياب التي لا تسترهن، «مائلات» عن الحق، «مميلات» من أطاعهن، كذا في طرة نسخة قرئت على ابن بشكوال اهـ. وهذا وعيد عظيم يقتضي بظاهره الحرمان من الجنة أبدًا،

стр. 325

فإن كان هذا الظاهر هو المراد، فالمقصود نساء من نساء المشركين أو اليهود كنَّ حسنات المنار يستهوين بعض نساء المسلمين، فذكر هذا من عاقبتهنَّ لتحذير التشبه بهن على سبيل التهويل والتقبيح؛ كقوله تعالى: ﴿وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى﴾ [الأحزاب: ٣٣] وقوله في شأن قارون: ﴿فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ (٧٩) وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آَمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا وَلَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الصَّابِرُونَ﴾، إلى قوله: ﴿وَيْكَأَنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾ [القصص: ٨٢]. وليس المقصود أنَّ تلك الصفات المذكورة للنساء هي التي أوجبت حرمانهنَّ من دخول الجنة إن كنَّ مؤمنات؛ لأنَّ ذلك ينافي المعتقد الحق، ويسوي بين الكفر بمراتبه وبين المعصية مع الإيمان على تفاوت المعاصي، ولا يقدم على القول بذلك صحيح العلم. وإن كان هذا الظاهر في العيد غير مراد، فلعلَّ من تأويله أنهنَّ لا يدخلن الجنة مع الرعيل الأول، ولا يجدن ريحها في المحشر، وأنَّهنَّ يعذَّبن عذابًا أليمًا، ثمَّ يدخلن الجنة. واعلم أنَّ هذا التأويل مبني على أن المراد بقوله: «عاريات» أي: بين الرجال، وبقوله: «مائلات» الكناية عن عدم العفاف، أي: مائلات إلى غير الأزواج، وبقوله، «مُميلات» داعيات أترابهن إلى مثل ما يملن إليه؛ لأنَّ كلَّ ذلك من الكبائر. فإن كان المراد أنَّهن يبرزن بين النساء في الشفوف، وأنَّهن يملن في المشية، ويملن ما يمال من أجسادهن تثنيًا ممَّا ليس من الكبائر، فالكلام حينئذ مراد به نساء معروفات في ذلك العصر جعلن هذه الخلال علامة على رقة عفافهن، فالكلام جرى مجرى الأمارة للتحذير مما تدلُّ عليه تلك الأمارة وليس المقصود نفس الأمارة، فيرجع إلى قريب من التأويل الأوَّل في الوعيد، والله أعلم.

стр. 326

ما جاء في إسبال الرَّجل ثوبه وقع فيه قول النبي ﷺ : «إزرة المؤمن» إلخ. كتب من قرأ ابن بشكوال أنه قال: الرواية أزرة (فجعل ضمة على الهمزة)، والصواب: إزره (جعل كسرة تحت الهمزة) كذا ردَّه على شيخنا ابن بشكوال، وقال: كذا ردَّه علينا ابن العربي. ما جاء في إسبال المرأة ثوبها وقع فيه قول النبي ﷺ : «فذراعًا لا تزيد عليه» في طرة نسخة ابن بشكوال عنه قال أبو عمر: عجبت من ابن وضَّاح كان يقول: «لا تزيد عليه» ليس من كلام النبيء ﵇ وقد روينا هذا الحديث من وجوه كثيرة فيها كلُّها عن النبيِّ ﵇ «فذراعًا لا تزيد عليه» اهـ. ما جاء في الانتعال وقع فيه قول مالك: «لا أدري ما أجابه الرَّجل»، أي: لا أدري أأجابه أم لم يجبه ولا بماذا أجابه؛ وذلك لأنَّ مثل هذا الاستفهام المقصود منه التعليم لا يحتاج إلى جواب من المسؤول؛ بل الغالب أن يلقيه السائل، ثمَّ يجيب عنه هو مثل قوله تعالى: ﴿عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ (١) عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ﴾ [النبأ: ١، ٢] وقوله ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آَمَنُوا﴾ الآية [الأعراف: ٣٢]. * * * ووقع فيه قوله: «ما كانت نعلا موسى» إلخ ثبت في رواية صحيحة «ما كانتا» باتصال الفعل بضمير المثنى فالفعل على هذا رافع لضمير مستتر عائد إلى «نعليك» في قوله: «لعلَّك تأوَّلت هذه الآية: ﴿فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ﴾ [طه: ١٢] ويكون قوله: «نعلا

стр. 327

موسى» بدلًا من الضمير على حدِّ أحد وجهين في قوله تعالى: ﴿وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ [الأنبياء: ٣]؛ لزيادة البيان للضمير، وثبت في أكثر النسخ بدون ألف التثنية وهو ظاهر. النهي عن الشَّراب في آنية الفضة والنَّفخ في الشَّراب وقع في حديث النفخ في الشراب قول رسول الله ﷺ للذي قال له: إني أرى القذاة فيها قال: «فأهرقها»، كذا وجدناه في جميع نسخنا، وهو يتعين أن يكون بهمزة قطع، يقال: أهرق كأكرم يُهرق، والأمر منه أهرق. ووجد في نسخة ابن بشكوال مكتوبًا في أصلها «فاهريقها»، ولم يضبط الألف بهمزة ولا بحركة وجعل سكونًا على الهاء وفتحة على القاف، ويتعينَّ أنَّها فتحة للتخلص من التقاء ساكنين. واللغات في «هراق» بالهاء ثلاث، الأولى: هراق بفتح الهاء يهريق بفتح الهاء، أيضًا أصله: هريق بوزن دحرج فالأمر منه هرِّق. الثانية: أهرق كأكرم، فالأمر منه أهرق بهمزة قطع. الثالثة: أهراق بهمزة قطع وسكون الهاء، والأمر منه اهريق بهمزة وصل، وتحريك القاف إما بكسرة على الأصل في التخلص من التقاء الساكنين، وإما بفتحة لأنَّ الفتح أخف. وكتب في طرة نسخة ابن بشكوال أن رواية «فأهرقها» لابن بكير ومطرف، ومقتضاه أنَّ رواية «فأهريقها» ليحيى بن يحيى والبقية.

стр. 328

ما جاء في لبس الثياب وقع فيه حديث أبي هريرة: «نهى رسول الله عن لبستين» إلى أن قال: «وأن يشتمل الرَّجل بالثَّوب الواحد على أحد شقَّيه». ووقع في باب النهي عن الأكل بالشمال عن جابر: «وأن يشتمل الصمَّاء»، فالاشتمال والصمَّاء شيء واحد. وفسَّر أهل اللغة الاشتمال بأن يلتحف في الثوب يرفعه ويلقيه على أحد م نكبيه ويُخرج يده من تحته، ووقع في باب الصلاة في الثوب الواحد من «صحيح البخاري» عن الزهري «الملتحف المتوشح» وهو المخالف بين طرفيه على عاتقيه وهو الاشتمال على منكبيه». وعن ابن السكيت: الاشتمال أن يأخذ طرف الثوب الذي ألقاه على منكبه الأيمن من تحت يده اليسرى، ويأخذ الذي ألقاه على منكبه الأيسر من تحت يده اليمنى، ثمَّ يعقد طرفيهما على صدره. وفي حديث عمر بن أبي سلمة أنه رأى رسول الله ﷺ يصلِّى في ثوب واحد مشتملاً به، واضعًا طرفيه على عاتقيه، وفي حديث جابر: «وجدت رسول الله يصلِّي، وعلي ثوبٌ واحدٌ، فاشتملت به فلما فرغت، قال لي رسول الله: «ما هذا الاشتمال الذي رأيت؟ ». قلت: كان ثوبًا واحدًا، قال: «فإن كان واسعًا، فالتحف به، وإن كان ضيقًا، فاتَّزر به». وأما الصمَّاء، فقال أبو عبيد: الصماء أن يجعل ثوبه على أحد عاتقيه، فيبدو أحد شقيه ليس عليه ثوب. وقال أبو عبيدة: أن يضع الكساء على كتفيه، ثمَّ يرده من جهة يمينه على يده اليسرى، وعاتقه الأيسر فيغطي يده اليسرى، ثم يرده ثانية من خلفه على يده اليمنى وعاتقه الأيمن فيغطيهما جميعًا، وهذه أشمل. ولعلَّهما إطلاقان في كلام العرب أو اصطلاحان للقبائل، فتبين من هذا كلِّه معنى الالتحاف والاشتمال وتبين أن الصَّماء صفة من صفات اللِّحفة والشِّملة على تقدير موصوف محذوف،

стр. 329

وإضافة اشتمال إلى الصماء حيث يضاف هو من الإضافة البيانية. وورود «الصماء» منصوبة بعد فعل «يشتمل» وهو نصب على المفعولية المطلقة لفعل اشتمل، إما لبيان النوع أو لمجرد التوكيد على اختلاف التفسيرين. ووصفت بالصماء؛ لأنَّ المشتمل يسد بها المنافذ على رجليه ويديه جميعًا، أو على معظمهما، فوصفها بالصماء مجاز عقلي في إسناد الوصف، وإنَّما الأصم ملابسها وهو الأعضاء الممنوعة بها من الحركة والنفوذ، وإطلاق مادة الصمم عليها استعارة شاعت في كلامهم. جامع ما جاء في الطَّعام والشَّراب وقع فيه قول أنس: «ثمَّ أخذت خمارًا لها، ثمَّ لفَّت الخبز ببعضه، ثمَّ دسَّته تحت يدي وردَّتني ببعضه». قال عياض في «المشارق»: اختلف في تأويله، فقيل: معناه صرفت جوعي، فأعطتني من بعض الطعام ما رده. والهاء على هذا (أي: في قوله ببعضه) عائدة على الطعام، وقيل: بل الهاء عائدة على الخمار الذي لفَّت فيه الطعام، أي: غطت أنسًا ببعضه وجعلته له كالرداء، وهذا شبه التأويل، وقد رواه البخاري (أي: عن عبد الله بن يوسف عن مالك) «ثمَّ لاثتني ببعضه»، وهذا يصحِّح هذا التأويل اهـ، أي: لأنَّ لاث بمعنى لفَّ. قلت: في طرة نسخة ابن بشكوال «عن ابن بشكوال أن ابن وضَّاح فسَّره بمعنى ردت جوعه، قال: وليس من الرداء كما يقول من يقول اهـ. وأقول: تفسير ابن وضَّاح لا يلائم لفظ أنس؛ لأنَّ كلمة (بعض) الثانية مجعولة في مقابلة كلمة (بعض) الأولى و (بعض) الأولى متعين انصرافها إلى الخمار، والمعنى: أنَّها لفت الخبز في بعض الخمار، ثمَّ جعلت فضلة الخمار على كتف أنس لطول الخمار حفظًا للخمار من أن يذال على الأرض. * * * ووقع فيه قوله: «لقد بلغ هذا الكلب من العطش مثل الَّذي بلغ منِّي»، يجوز أن

стр. 330

يكون «الكلب» منصوبًا على البدل من اسم الإشارة على أنه مفعول «بلغ» أي: وصل إليه وأدركه وأصابه، وقوله: «من العطش» (من) بيانية متقدمة على المبيَّن وهو «مثل»، و «مثِلُ» مرفوعًا على أنَّه فاعل «بلغَ». وقوله: «مني» متعلق بـ «بلغ» الثاني، وإنَّما عدَّاه بـ (من) مع أنه يتعدَّى بنفسه للدلالة على شدَّة التمكُّن. ويجوز رفع «الكلب»، ونصب «مثل» وهو مرجوح. * * * مالكٌ، عن زيد بن أسلم، عن عمرو بن سعد بن معاذٍ، عن جدَّته أنَّ رسول الله ﷺ قال: «يا نساء المؤمنات لا تحقرنَّ إحداكنَّ لجارتها، ولو كراع شاةٍ محرقًا». ذكر الكراع هنا مبالغة في حقارة الهدية، أي: لا ينبغي أن تصدَّ حقارة الشيء هديته فإنَّ إهداءه خير من ترك الهديَّة، فالكلام مسوق للتحريض على الهديَّة بين الجيران بما تيسر، والشرط ونحوه إذا قصد منه المبالغة في أضعف أو أحقر الجنس المتحدث عنه لا يقتضي إرادة الحقيقة، ونظيره قول المثل: «زوج من عود خيرٌ من قعود». ووصفه بكونه «محرقًا» يحتمل أنَّه لتقريب الجنس من الحالة التي قصدها المتكلِّم وهي الترغيب في الإهداء من طعام أهل البيت كيفما كان، فالمحرق هنا بمعنى المشوي لقصد تقريبه من حالة إمكان أكله، ويحتمل أن يكون المراد بالمحرق الذي تجاوز حد النضج، فلم يبق مرغوبًا فيه، فيكون الكلام مبالغة شديدة. * * * ووقع فيه قوله: «ولا رأيت آكلاً به» وهو الرواية المشهورة التي تناسب قول عمر: «لا آكل السمن حتَّى يحيا الناس»؛ إذ هي تقتضي أنَّ فقدان السمن كان عامًّا في جميع قوم ذلك البدوي وأنَّه لا يختص به، وفي بعض الروايات: «ولا رأيت أكلًا به» بضمِّ همزة «أكلًا» وسكون الكاف، أي: ولا رأيت طبيخًا بالسمن، وهي دون الرواية الأولى في الدلالة على عموم هذه الحالة. وفي رواية أخرى: «ولا لكت أكلًا به» ومعناها أنًّه ما أكل سمنًا محضًا، ولا مضغ طعامًا مأدومًا بالسمن، وهي دون

стр. 331

الروايتين الوليين. * * * ووقع فيه قول عمر ﵁: «لا آكل السَّمن حتَّى يحيا الناس من أول ما يحيون»، فضبط في نسخة عتيقة مقابلة على نسخة ابن بشكوال بضم الياء الأولى في الفعلين وبكسر الياء الثانية في يحيى وضمها في يحيون، وضبط بفتح الياء الأولى، والياء الثانية في الفعلين، وكتب في طرة النسخة أنَّه في أصل ابن أبي الخصال بالضبط الأول، وأنَّه كذلك ضبطه الطلمنكي أيضًا، وكتب في حاشية أصل ابن أبي الخصال أنَّه عند الشيخ أبي علي (أي: الصدفي) بالضبط الثاني، وأن أبا عمر (يعني ابن عبد البرِّ) وأبا الوليد الوقشي (في كتابه) ضبطاه بضم الياء الأولى في الفعلين وفتح الياء الثانية فيهما، وأن أبا الوليد الوقي اختار «يحيي» بضم الياء الأولى، وكسر الثانية في الفعل الأول اهـ، فتلك ثلاثة وجوه أحدها: أن يكون من «أحيا»، يقال: أحيا القوم إذا حييت ماشيتهم أو صاروا في الحيا، أي: الخصب. كذا في «القاموس»، أي مشتقًا من الحيا بالقصر وهو المطر، وقال ابن السيد البطليوسي في «شرح مشكل الموطإ»: أحيا الناس يحيون، إذا حييت أموالهم وأخصبوا، كما يقال: أهزل الناس فهم مهزلون، إذا أجدبوا فهزلت أموالهم اهـ. وهذا الوجه هو الذي رجَّحه أكثر الرواة للموطأ وهو الأظهر عربية. الوجه الثاني: أن يكون من حيي الناس إذا صاروا أحياء، بمعنى: رجعوا إلى حالة الشبع على تشبيه الجدب والجوع بالموت، وتشبيه الشبع والخصب بالحياة على نحو قوله تعالى: ﴿فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ [الجاثية: ٥]، ﴿وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا﴾ [ق: ١١]، قال ابن السيد في «شرح مشكل الموطإ»: والفقهاء يروونه يحيا ويحيون (أي: بفتح الياءين في الفعلين) والوجه هنا ما تقدم اهـ. فهذا الوجه دون الوجه الأول.

стр. 332

الوجه الثالث: أن يكون «يحيا» و «يحيون» بضم الياءين الأوليين في الفعلين، وفتح الثانيتين فيهما على أنَّه مبني للمجهول من أحيا، أي: حتَّى يحييهم الله، وهذا الوجه أضعف الوجوه. ما جاء في نزع المعاليق والجرس من العين قوله: «من العين» ظرف مستقر في موضع الحال من المعاليق والجرس، أي: حال كونهما من العين، و (من) للتعليل، أي: مجعولين لأجل العين، أي: لأجل دفع ضر العين، فذلك تأويل مالك في الترجمة، وهو الذي سيصرح به بعد ذكر حديث الأمر بقطعهما، فأما لو اتخذا لغير ذلك الاعتقاد مثل: الإشعار بمحل وجود الإبل عند تفرقها في المرعى، فلا ضير فيه. الرُّقية من العين المراد بالعين نظر العين، أي: نر الناظر إلى شيء نظر تعجب واستغراب، فقد خلقت في بعض النفوس قوَّة مغناطيسية تحصل عند البهت والتعجُّب القوى، تتوجه من الناظر إلى الشيء المنظور بواسطة العين، فينفعل لها المنظور انفعالاً يتأثر منه مزاجه بتغيير يكون على حسب تلك القوَّة التي في الناظر وعلى حسب قابلية المنظور، فليس كل ناظر بمشتل على تلك القوة ولا هي متساوية في الذين يشتملون عليها. وليس كلُّ منظور بقابلٍ للتأثر والانفعال، ولا الذين يتأثرون بذلك بمستوين في ذلك التأثر والانفعال. وقد يوجد مثل هذه القوَّة في بعض أصناف الحيوان، فقد ثبت أن بعض الحيات يخطف بنظره إلى عين ناظره بصر ناظره، وهو صنف يسمى عند العرب ذا الطُّفيتين، وأنَّه إذا نظر إلى المرأة الحامل ونظرت إليه سقط حملها، وسيجيئ ذكره في «الموطإ». والأسد إذا نظر إلى الدابة بطل حراك رجليها فثبتت واقفة حتَّى يأتيها، وربما تشتهر هذه القوة في بعض الأمم أو في بعض القبائل كغيرها من الخلال النفسانية

стр. 333

مثل: الزجر، ومثل: القيافة، وتعبير الرؤيا، وصدق الرؤيا، والفراسة، وغير ذلك. وفي الحديث: «إن فيكم محدَّثين منهم عمر بن الخطاب»؛ فلذلك قد تتفق الإصابة بنظر العين وقد تتخلف من الشخص الواحد وفي الشخص الواحد بحسب أحوال تحصل من مجموع المهيئات للإصابة أو من موانعها؛ فلذلك قال رسول الله ﷺ في حديث سهل بن حنيف «هل تتَّهمون أحدًا»، أي: هل تظنُّون بأحدٍ أنه أصابه بنظره بأن يكون معروفًا بالإصابة بها، فظهر بهذا أن الإصابة بنظر العين عند التعجُّب أثر من آثار القوة الإنسانية المغناطيسية، فلا تحصل إصابة العين بين شخصين أحدهما غائب عن الآخر، إذا ذكره بعجب كما يتوهَّم عامة الناس، ولا بين شخص وشيء غير حيوان؛ لأن الجسم الحيواني هو القابل للمغناطيسية الحيوانية، فأما التبريك المأمور به في الحديث: «إذا نر أحد أحدًا أعجب به»، فلعلَّ الناظر يحصل له بتذكر تلك الوصاية انفعال مضادٌ تنكسر به أشعَّة نفسه، ويرتدع في باطنه عن استرسال التعجب، فلا تحصل تلك المغناطيسية أو تحصل منكسرة ناقصة لا تؤثر في المنظور. وأما الرقية بعد الإصابة فهي من الدعاء إلى الله بالشفاء، وقد قال الله تعالى: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: ٦٠]. وجعل بركاتٍ لألفاظ كتابه وتنزيهه. وأما الوضوء الخاص لأعضاء العائن وصب مائه على المعين، فلعل المُعاين عقب نظره المغناطيسي ينتشر على بعض جسده شيء من القوى يزيلها الماء إذا مرَّ عليها، ويحملها فيه، فإذا صب الماء على المصاب بتلك النظرة أفاده؛ لأنَّ الماء فيه قابلية حمل الكهرباء؛ ولأن بعض الأدواء قد يُعالج بإدخال مثل سببه كالتلقيح من الجدري، ومن بعض السُّموم، ومن بعض الحمَّيات.

стр. 334

تعالج المريض وقع فيه قوله: «فاحتقن الجرح الدم» احتقن مطاوع حقن الذي هو بمعنى حبس، وغلب استعماله لغة في حبس المائعات، يقال: حقن اللبن في الوطب، وحقن الماء في السقاء، وحقن فلان بوله حبسه، وفي المثل: «لا رأي لحاقن»، ثم قالوا: حقنوا دماءهم، إذا اصطلحوا أو تركوا القتال على سبيل الاستعارة، ولذلك يقال: احتقن الدم إذا انحبس في الجوف أو غيرها، تقديره: حقنه حاقن فاحتقن، فقوله هنا: «احتقن الجرح الدم» برفع الجرح ونصب الدم جرى على تحويل الإسناد، وأصله: احتقن دم جرحه، فأسند الاحتقان للجرح وجعل الدم تمييزًا له، كما يقال: انكفأ الإناء ماء. وقد جاء التمييز معرفًا بلام الجنس على القليل، كقوله: «وطبت النفس» على قول الكوفيين، والدم إذا احتقن في الجرح استحال مدَّة فأحدث أوجاعًا ويخاف منه الفساد. السُّنَّة في الشَّعر وقع فيه قوله: «إنَّ ابن عمر كان يكره الإخصاء ويقول: فيه تمام الخلق». وقع هذا الأثر تحت هذه الترجمة في جميع نسخ «الموطإ» من رواية يحيى بن يحيى ولم يذكر غيره من رواة «الموطإ» فيما رأيت، ولعله أراد أن يزيد في

стр. 335

ترجمة هذا الباب ما يشمل الإخصاء فنسي، وقوله: «فيه تمام الخلق»، أراد في العضو الذي يدخل عليه الإخصاء ذهاب تمام الخلق. رأيت في طرة نسخة ابن بشكوال عن الوقشي معنى قوله: «فيه مام الخلق» أي: يذهب بتمام الخلق، كما يقال: ضرب فلان ضربة كانت فيها نفسه، أي: ذهبت بنفسه اهـ. قلت: فالمراد بتمام الخلق التناسل؛ لأن الله أراد بناموس التناسل بقاء الأنواع، فالخصاء يعطل ذلك. * * * ووقع فيه حديث: «أنا وكافل اليتيم في الجنَّة» وانفرد يحيى بن يحيى بإخراجه في هذا الباب، ولعله أراد ما ظنناه به في إخراج الأثر المذكور قبله، وقد أخرجه سويد بن سعيد في موطئه تحت ترجمة «باب ما جاء في كافل اليتيم والأرملة». ما جاء في المتحابين في الله وقع فيه قوله: «عن حفص بن عاصم، عن أبي سعيدٍ الخدريِّ أو عن أبي هريرة» إلخ، هكذا في رواية يحيى بن يحيى بـ (أو) التي للشك، وكذلك رواه عن مالك معظم الرواة عنه، وقال ابن عبد البر في «التمهيد» «رواه مصعب الزبيري، وأبو قرة موسى بن طارق، وأبو معاذ البلخي، عن مالك بسنده إلى أبي سعيد وأبي هريرة

стр. 336

معًا بواو العطف دون شك. ورواه زكريا بن يحيى الوقار عن ابن وهب وابن القاسم ويوسف بن عمر بن يزيد عن مالك بسنده إلى أبي سعيد» أقول لم يختلف الحفَّاظ في إسناد هذا الحديث عن أبي هريرة، فبقي النظر في إسناده عن أبي سعيد الخدري؛ فإنه قد وقع بصيغة الشكِّ في رواية معم رواة «الموطإ» ولكن جزم ستة من أصحاب مالك بروايته عنه بسنده إلى أبي سعيد بدون شكٍّ فوجب الجزم بصحَّة رواية هذا الحديث عن أبي سعيد الخدري؛ لأنَّ رواية اليقين لا تعارض بينها وبين رواية الشكِّ، فلعل مالكًا شكَّ مدة في رواية هذا الحديث عن أبي سعيد أو عن أبي هريرة، ثم جزم بروايته عن أبي سعيد كما جزم غيره بروايته عن أبي هريرة، فصار قد رواه صحابيان عن رسول الله ﷺ . * * * مالكٌ أنَّه بلغه عن عبد الله بن عبَّاسٍ أنَّه كان يقول: القصد، والتؤدة، وحسن السَّمت جزءٌ من خمسة وعشرين جزءًا من النُّبوءة. إن كان ابن عبَّاس قال هذا من قبل نفسه -وهو الظاهر؛ لأنَّه لو سمعه من النبي ﷺ لحدث به عنه -فقوله: «من خمسة وعشرين» ليس مقصودًا به نصٌّ العدد وعدَّة الأجزاء؛ لأنَّ ذلك لا قبل لأحد بعلم تجزئته، فيكون اسم العدد مستعملاً في معنى الكثرة، أي: هذه الثلاثة الخلال جزء من أجزاء عظيمة من النبوءة، وأما تحقيق كون تلك الخصال من خصال النبوءة فذلك حاصل له باستقراء شمائل رسول الله ﷺ ، وإن كان ابن عبَّاس قاله عن سماع من رسول الله ﷺ فالمعنى أنَّ للنبوءة خصالًا عظيمة، ومناقب جليلة هي أمَّهات الفضائل وهي خمس وعشرون منها هذه الثلاثة، فيكون اسم العدد مرادًا منه نصُّه؛ لما أطلع الله عليه رسوله ﷺ من هذه التجزئة على الإجمال. الرُّؤيا مالكٌ عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة الأنصاريِّ، عن أنس بن مالكٍ أنَّ

стр. 337

رسول الله ﷺ قال: «الرُّؤيا الحسنة من الرَّجل الصَّالح جزءٌ من ستَّةٍ وأربعين جزءًا من النُّبوءة». المراد بالحسنة يحتمل أن يكون المنتظمة الدال حالها على سلامتها من اضطراب في الدماغ ناشئ عن أبخرة من أخلاط البدن، وهي المعروفة بأضغاث الأحلام، فليست الحسنة بمعنى الملائمة للرائي أو لغيره؛ لأنَّها قد تكون بما فيه مساءة مثل: ما ورد في حديث رؤيا النبي ﷺ بقرا تذبح، ورؤياه السيف الذي هزَّه فانكسر، ويحتمل أن يكون المراد بالحسنة المسرة التي تلائم الرائي؛ لأنَّها لا تنشأ عن اضطراب الأخلاط البدنية، فيكون هذا الوصف جزءًا أصليًّا من أمارة كون الرؤيا صادقة، أما الرؤيا المسيئة فيحتمل أمرها أن تكون ناشئة عن أخلاط واضطراب المزاج وأن تكون انكشافًا صادقًا، فعلى الوجه الأول: يكون الخبر عن الرؤيا الصادقة كلها سواء كانت مسرة أم مسيئة، وعلى الثاني: يكون الخبر عن الرؤيا المسرة وسكت عن المسيئة. وشرط كونها من الرجل الصالح؛ لتحقق سلامتها من سلطان الشيطان على نفس الرائي، ومعنى كونها جزءًا من النبوءة أن من خصال النبوءة انكشاف الأمور المغيبة للنبي، قال الله تعالى: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا (٢٦) إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ﴾ [الجن: ٢٦، ٢٧] وبقية التجزئة بستة وأربعين تجزئة لا يعلمها إلا الله ورسوله ﷺ ، وهي تجزئة أنواع من خصال النبوءة لا محالة. الاستئذان مالكٌ عن الثِّقة عنده، عن بكير بن عبد الله بن الأشجِّ عن بسر بن سعيدٍ، عن أبي سعيدٍ الخدريِّ، عن أبي موسى الأشعريِّ قال: قال رسول الله: «الاستئذان ثلاثٌ، فإن أذن لك فادخل، وإلَّا فارجع». قوله: «عن أبي سعيد الخدري عن أبي موسى الأشعري» ظاهره أنَّ أبا سعيد لم

стр. 338

يسمعه من النبي ﷺ ، فلذلك حدث به عن أبي موسى الأشعري، وهو مشكل؛ لأنَّ الحديث المذكور بعده من طريق ربيعة بن أبي عبد الرحمن صريح في أنَّ أبا سعيد سمع ذلك من النبي ﷺ ، وأخبر به عمر بن الخطاب، ولم يورد الباجي، وابن العربي، توقفًا فيه وليس بين يدي هذا الموضع من كتاب «التمهيد»، ورأيت في كتاب «تجريد أسانيد التمهيد» المجعول مدخلًا له، والذي يسمى «بالتقصِّي» لأبي عمر بن عبد البرٍّ كلمة قال: «أما قوله عن أبي سعيد عن أبي موسى، فليس كذلك، ومعناه عن أبي سعيد عن قصة أبي موسى أو في قصة أبي موسى. ومثل هذا حديث عمير بن سلمة الضمري عن البهزي في قصة الحمار الوحشي، وإنَّما الحديث لعمير بن سلمة الضمري عن النبي ﷺ ، وعمير بن سلمة مشهور في الصحابة، والبهزي إنَّما كان صائد الحمار» انتهى كلامه. وهو خلاف الظاهر؛ لأنَّ قول بسر بن سعيد عن أبي موسى صريح في قصد الرواية؛ لأنَّ كلمة عن في الأسانيد من ألفاظ التحديث، ولا يظن بمالك ولا بأهل سنده أن يوردوها في غير موردها، ومما نظَّر به أبو عمر من حديث عمير بن سلمة يقال عليه ما قلناه هنا؛ لأنَّ كون عمير من الصحابة لا يمنع روايته خبرًا عن غيره إذا كان لم يشهده، فالذي أراه أن يكون المعنى أحد وجهين:

стр. 339

الأوَّل: أنَّ أبا سعيد لم يسمع هذا اللفظ من رسول الله ﷺ ؛ ولكنَّه سمع مرادفه، أو شهد من فعل رسول الله ﷺ ، واستئذان أصحابه عليه ما حدَّث به عمر بن الخطاب، ولما سمع لفظ رسول الله ﵊ من أبي موسى حدث به عنه. الوجه الثاني: أن يكون أبو سعيد لم يسمع من النبي ﷺ هذا اللفظ، ولا علم من فعل النبي ﵊ وأصحابه ما يقتضيه، ولكنَّه سمعه من أبي موسى في مجلس من الأنصار ولما صدَّق أهل ذلك المجلس أبا موسى فيما أخبر به وأرسلوا أبا سعيد ليخبر عمر بصدق أبي موسى، تعيَّن على أبي سعيد إسناد لفظ الحديث عن أبي موسى؛ لأنَّه ما سمعه إلَّا منه وما سمع من أهل المجلس سوى تصديقه، فاللفظ المشهود بصدق نسبته إلى رسول الله ﷺ هو ما رواه أبو موسى، فلا مندوحة لأبي سعيد من أن يرويه إلَّا عن أبي موسى. وما وقع في رواية سفيان بن عيينة في «صحيح البخاري» عن أبي سعيد الخدري أنه قال: «فقمت فأخبرت عمر أنَّ النبيَّ قال ذلك»، هو مقام شهادة لا مقام تحديث، فاستند إلى ما علمه من أهل المجلس من الأنصار، أو أراد: فأخبرته عمن أرسلوني غليه من الأنصار؛ فيكون من قبيل نقل الشهادة والله أعلم. ما جاء في أكل الضَّب وقع فيه قوله: «فإذا ضبابٌ فيها بيضٌ» ضبط لفظ «بيض» في بعض النسخ بفتح الباء وعلى هذا جرى تفسير ابن العربي في «القبس»، ووقع في بعضها بكسر الباء، وعلى هذا جرى تفسير الباجي في «المنتقى». والرواية الأولى أصح نظرًا لقوله: «فيها»؛ لأنه لو كان بكسر الباء لكان «بيض» صفة لـ «ضباب»، فلم يكن موقع لقوله: «فيها»؛ إذ لا يصلح شيء من الكلام السابق لذلك. ومعنى «فيها بيض»: أن الضباب كانت محشوة ببيض دجاج مصلوق. * * *

стр. 340

وقول رسول الله ﷺ : «إنِّي تحضرني من الله حاضرةٌ» هو بالضاد المعجمة من الحضور، أي: تلُّم بي، وقد أفهم رسول الله ﷺ المراد من الحاضرة، ومدلولها مساوٍ لمدلول الحدث في فعل «تحضرني» فكان ذلك الفعل في قوَّة الفعل المبني إلى المجهول على حدِّ «سأل سائل»، وقول يزيد بن عمرو بن الصعق الكلابي يهجو النابغة: وإن الغدر قد علمت معدٌّ ... بناه في بني ذبيان بان والمقصود من إبهام ذلك؛ أن لا يتسبَّب في إعراض مؤاكليه عن تناول ذلك الطعام اقتداءً به أو تقززًا مما عسى أن يذكره من وصف ذلك الطعام. وهذا من آداب المؤاكلة؛ لأنَّ المرء إذا كان الطعام لا يلائمه لسبب غير مضرٍّ بالآكل، أن لا يخبر بما وجد فيه؛ إذ الناس مختلفون في الرغبات، وفي المنفرات، وفيها كثير من آثار الواهمة، فينبغي أن يتركوا وشأنهم؛ إذ لعلَّ من يخبرهم يكون قد أثار الكراهية في نفوسهم، أو يكون ألجأهم إلى الإعراض عن ذلك الطعام مصانعةً أو حياءً من أن يقال: إنَّهم لا يتقزًّزون ممَّا تقزَّز منه المخبر، فإنَّ المآكل المباحة محكوم الإقبال عليها، والإعراض عنها، لحكم العوائد، ولعلَّ رسول الله ﷺ أجاب النسوة بهذا لضعف نفوسهن، ثمَّ بين ما منعه من أكل ذلك بما ورد في حديث ابن عبَّاس المذكور عقب هذا، وهو قوله لخالد: «لم يكن (أي: الضب) بأرض قومي فأجدني أعافه». ما يتَّقى من الشُّؤم الشؤم مقارنة بين بعض الموجودات، وبين ضرٍّ ليس من طبع نوعه، وضده اليمن. وكان العرب ومعظم الأمم يتوهَّمون هذه المقارنة، ويرصدونها عند ابتداء ظهور لائحة منها في بعض الموجودات، فيرصدون أحوال ذلك الموجود حين يحصل لهم بزعمهم استقراء يدلُّ على أنَّ بين الموجود وبين الشرِّ أو الخير مقارنة وملازمة، فيقولون: إنَّه مشؤوم أو ميمون. ومن أمثالهم «أشأم من البسوس». وقال أبو الأسود: كضرائر الحسناء قلن لوجهها ... حسدًا وبغضًا إنه لمشوم وأكثر ما يثبتون ذلك للأوقات، والأمكنة، وجديد الحوادث؛ كالولادة، والعرس، والسفر؛ ولذلك يدعون للمعرس، يقولون: «باليمن والبركة» و «على الطائر

стр. 341

الميمون»، ويقولون للمسافر: «على خير طائر وعلى الطائر الميمون»، ويقولون في الصابح: «صبَّحك الله بنعم طيرٌ». فالشؤم عندهم من شعب الطيرة، وهو مشتقٌّ من الشَّآم اسم البلد المعروف؛ لأنَّ العرب يزعمون أنَّ بلد الشام وبيء، وأنَّ دمشق بلد وبيء، وقد كان بعض الأعراب كره امرأته، فسافر بها إلى الشام، وهي لا تعلم قصده، فلما بلغ دمشق دفعها من باب البلد، وقال: دمشق خذيها واعلمي أن ليلة ... تمرُّ بعودي نغشها ليلة القدر ولما جاء الإسلام أبطل وهم الطيرة، وفضح أهله وسفَّه عقولهم، ودعا الرسول ﵊، أو توعد من يعتقد الطيرة بعد بقوله: «إنَّما الطيرة على من تطير»، وباستقراء الشريعة حصل العلم القوي بأنَّ الشؤم باطل، فالترجمة الواقعة في «الموطإ» «ما يتقى من الشؤم» (ما) فيها موصولة، وقوله: «من الشؤم» بيان لـ «ما»، ومعنى «يتَّقى» يحذر من الوقوع فيه، أي: من اعتقاده، وليس المراد أنَّ بعض الأشياء يحذر منها لشؤمها؛ لأنَّ التركيب لا يساعد على ذلك؛ إذ جعل الشؤم نفس المتقي. * * * مالكٌ عن أبي حازم بن دينارٍ، عن سهل بن سعدٍ السَّاعديِّ أنَّ رسول الله ﷺ قال: «إن كان ففي الفرس، والمرأة، والمسكن». يعني الشؤم. هذا الحديث أحسن حديث في هذا الباب، وأصحُّه وأقواه نسبةً إلى رسول الله ﷺ ؛ لأن راويه توخَّى فيه لفظ النبي ﷺ بدون زيادة ولا نقص، حتَّى أنَّه لما جرى كلام الرسول ﵊ على إضمار لفظ الشؤم لأنَّه جرى الكلام عليه بحضرة الرسول ﵊ -حكى الراوي لفظه كما صدر منه، ثمَّ فسَّر معاد الضمير الواقع في الكلام النبوي، بقول الراوي: (يعني الشؤم)، فصار هذا الحديث الذي رواه سهل بن سعد ﵁، هو الحاكم على جميع ما روي في هذا الباب، ومعناه أن الشؤم غير كائن؛ لأنَّ رسول الله لا يخبر عنه بقوله: «إن كان» إلَّا وهو غير واقع،

стр. 342

إذ ليس رسول الله بالذي يشكَُ في الشؤم أواقعٌ هو أم لا؟ وإنَّما جاء بصيغة الشرط «بأن» الغالبة في الشروط المعرضة لعدم الوقوع على إيجاز بليغ، وهو إظهار مثار توهُّم الناس الشؤم في أمور ثلاثة هي أظهر الأشياء في حصول الشؤم لو كان شؤم، فمعنى الكلام: الشؤم ليس بموجود فإن كان موجودًا، فأعلق الأشياء بتخيُّله فيها الفرس والمرأة والمسكن، وإنما خصَّ هذه الثلاثة؛ لأنَّها هي الملابسات للإنسان التي يريد منها صاحبها فوق ما يريد من بقية الملابسات، فإنَّ المرء يريد من الأشياء التي يستعملها نفعًا هو ذاتي فيها وهو راض به، فيريد من الشاة صوفها ولبنها، ومن البقرة حرثها ولبنها، ومن السيف القطع به، ومن النَّار الدفء بها والطبخ، ومن الناقة الحمل عليها ولبنها، ومن الحمار الركوب عليه والسير، فالأشياء كلُّها لا تخيب مراد مستعملها منها؛ إذ كانت منافعها المرادة حاصلة معها بالجبلة. فأمَّا الفرس فهو دابَّة تراد للركوب ولفهم مقاصد راكبها عند السير بها من سرعة، وبطء، وكر، وفر، وإقدام، وإحجام فصاحبها بحاجة إلى أن يحصل منها اشتراك معه في مقاصده العقلية، وإلى استعمال ذكائها في استكشاف مراده منها، وفي هذه الحالة قد تكون عند ظنه، فيعدُّها ميمونة، وقد يتخلف ظنُّه فيها فيعدها مشومة؛ لأنَّ إخلافها ظنَّه يجرُّ عليه مصائب. والمرأة يراد منها أن تكون مخلصة له حافة لسره ولعهده، راعية لماله، مجلبة لنسله، وبخاصةً الذكور، موافقة لطبعه، فقد يتَّفق أن تكون طبائعها موافقة له وجارية على مراده فيعدها ميمونة، وقد لا يتَّفق الطبعان ولا تقبل المرأة الانطباع على أخلاق زوجها ولا تلد له فتلحقه منها أضرار تقلُّ وتعظم بحسب مقدار تخلف مقصده فيعدها مشومة عليه؛ ولذلك كانوا يدعون للمعرس بقولهم: «بالرفاء والبنين»، أي: الوفاق، وولادة الأولاد الذكور. وأمَّا المسكن فهو قرارة المرء، وفيه تعرض له الحوادث، فإن حدث له فيه ما يسره أو ما هو الكثير من أحوال أمثاله من يوم مسرَّة ويوم مساءة حسبه منزلًا مألوفًا، وإن اتفق أن تواردت عليه فيه الهموم أو الأمراض، سمَّاه منزلًا مشومًا. وهذه الثلاثة يعسر على صاحبها استبدالها لوفرة نفقاتها، ولشدَّة الإلف بها، ولقلَّة إلفاءِ عوض عنها، فكانت مراقبة ما يحصل معها عندهم شديدة؛ ولذلك كثير بين أهل الجاهلية التحدُّث بشؤم هذه الأمور الثلاثة أكثر من غيرها، وذلك من حكم الوهم

стр. 343

المحض لا حقيقة له، ولما سبق من رسول الله ﷺ أن نهاهم عن توهُّم الشؤم خاطب فريقًا رأى منهم إعادة الخوض في إثباته بما يردعهم، فجعله مشكوكًا فيه في خصوص هذه الثلاثة التي يعسر استبدالها كالمنكِّل لهم مبالغة في تأديبهم، وحاشى رسول الله ﷺ أن يقرَّ ذلك أو أن يشكَّ في تقريره. كيف؟ وذلك يناقض صريح نهيه عن الطيرة ونفيه لوقوعها، وما الشؤم إلَّا فرع منها، هذا ما ظهر لي في وجه الجمع بين نفي الشؤم وبين هذا الكلام، وقد رويت أحاديث بقريب من لفظ هذا الحديث أو زيادة عليه أو بلفظ آخر وكلُّها ظاهرها إثبات فاعلية الشؤم، وتأويل جميعها متعين لما دلَّت عليه جمهرة الآثار وما دلَّ عليه هذا الحديث الحاكم على جميعها كما ذكرنا. ويجمع تأويلها أن يكون في كلٍّ منها راوٍ لم يحافظ على اللفظ النبوي، كما نطق به صاحبه ﵊، أو لم يستوعب ما قبله من الكلام فتوهم ما يقتضي تقرير ثبوت الشؤم في هذه الثلاثة وما زيد عليها. وقد رأيت ما رأيت من كلام العلماء يؤول هذا الحديث وغيره بتأويلات مرجعها إلى أنَّ الشؤم واقع في هذه الثلاثة، وأن أحاديث نفيه ونفي الطيرة معناها نفي التأثير، ومعنى هذا إثبات مقارنة القضاء والقدر، وهو تأويل باطل إذ لا يناسب الاقتصار على هذه الثلاثة؛ لأنَّ مقارنة القضاء والقدر موجود معها ومع غيرها. ولم يسلم من هذا التأويل إلا عياض ﵀ ولا عجب في تحقيقه، وقد ذكر الشارح الزرقاني: أن أبا داود الطيالسي روى عن مكحول عن عائشة? : «أنَّها قيل لها إنَّ أبا هريرة قال: قال رسول الله: «الشؤم في ثلاثة» إلخ، فقالت: لم يحفظ أبو هريرة، إنه دخل وهو (أي: رسول الله) يقول: «قاتل الله اليهود يقولون: الشؤم في ثلاثة» فسمع

стр. 344

آخر الحديث ولم يسمع أوله»، وروى أحمد بن حنبل، وابن خزيمة عن أبي حسان أن عائشة قالت: ما قال رسول الله ذلك، وإنما قال: «إن أهل الجاهلية كانوا يتطيَّرون من هذه الثلاثة» اهـ. ومن العلماء من حمل الآثار المثبتة والناهية على أنَّ المثبتة منسوخة، وهو فاسد؛ لأنَّ النسخ لا يدخل في الأخبار؛ فيقتضي أنَّ رسول الله ﷺ لما أخبر بما يقتضي ثبوت الشؤم أخبر عن متابعةٍ لاعتقاد الدهماء وهذا ينزه عنه المقام النبوي، فليعلم العالم ما يخرج من فمه أو ما يكتبه بقلمه. * * * مالكٌ عن يحيى بن سعيدٍ أنَّه قال: جاءت امرأةٌ إلى رسول الله، فقالت: يا رسول الله دارٌ سكنَّاها، والعدد كثيرٌ، والمال وافرٌ، فقلَّ العدد وذهب المال، فقال رسول الله: «دعوها ذميمةً». الظاهر أنَّ المراد بالدار مكان من أرض البادية، وقد قيل: أنَّها دار مكمِّل بن عوف أخي عبد الرحمن بن عوف من بني زهرة، والمال هو الإبل، فالحديث اقتضى أن هذه المنزلة التي نزلوها وسكنوا بها كانت وبيئة، أو كانوا سكنوا بها، ولا جيرة لهم فأغير عليهم، فهلك ناسهم وذهب نعمهم؛ فلذلك أمرهم رسول الله ﷺ بالارتحال عنها، فليس في هذا الحديث ما يشهد لاعتبار شؤم المسكن في نظر الدين.

стр. 345

ما يكره من الأسماء جاء رسول الله ﷺ مهذِّبًا للأخلاق، مزيلًا لجلافة أهل الجاهلية، وقد كان من خشونتهم، وجلافتهم أن يتعمَّدوا تسمية أولادهم بأسماء تدلُّ على معانٍ مزعجة أو كريهة، فكانوا يسمُّون بصخر، ومرَّة، وجمرة، وحنش، وكلب، وجبل، وأفعى، وحزن، وصعب، ونحو ذلك، وذلك من الجلافة ولا أثر له في الخلق، وكما أنَّ النَّاس يكرهون تشويه الخلقة؛ لأنَّه يسوء النظر، فكذلك يكوهون سيِّئ الأسماء؛ لأنه مكروه في السمع، فأدَّبهم الرسول ﷺ بالنَّهي عن هذه التسميات، وغض من المسمَّين بها ليستبدلوها وليتجنبها غيرهم، وقد كانوا يزعمون أنَّهم يسمُّون بتلك الأسماء يرهبون بها أعداءهم، فأبطل الدين زعمهم هذا بأنَّ إرهاب العدوِّ لا يكون بالألفاظ إنَّما يكون بالصفات من الشجاعة، وإباء الضيم، ونصر الحق، فالإسلام دين الحقيقة والأصالة لا مجال فيه للأوهام وأفن الرأي، وقد غير رسول الله أسماء رجال من هذا القبيل، مثلما بدَّل اسم غاوي بن عبد العزى فسماه راشد بن عبد ربه. وكان اسمه حزنٌ وأنَّه جاء رسول الله، فقال له: «ما اسمك؟ ». قال: حزنٌ، قال رسول الله ﵊: «أنت سهلٌ»، قال: لا أغيِّر اسمًا أسمانيه أبي، قال سعيد ﵀: فما زالت الحزونة فينا. فهذا وجه كراهية رسول الله الأسماء السيئة وليس ذلك لاعتقاد تأثيرها في المسمَّى ولا في أعماله والله أعلم. ما جاء في المشرق وقع فيه قول كعب الأحبار لعمر في العراق: «وبها الدَّاء العضال»؛ في طرة

стр. 346

نسخة ابن بشكوال عن كتاب ابن أبي الخصال: قال أبو عمر قال مالك: «الداء العضال الهلاك في الدين». وفي حاشية كتاب القاضي أبي عمر الطلمنكي: الداء العضال الفساد في الدين. قال مالك: وأبو حنيفة منه اهـ. لعله يريد مخالفة مذهب أبي حنيفة لكثير مما ثبت في السنة. ما جاء في قتل الحيَّات وقع فيه قوله: «فركز فيها رمحه» ركز براء في أوله، وزاي في آخره من باب نصر، أي: غرز وثبت. يقال: ركز رمحه في الأرض، فالمعنى: أنه غرز سنان رمحه في الحية. * * * وقول رسول الله ﷺ «إنَّ بالمدينة جنًّا قد أسلموا» إلخ. ظاهر كلام راوي هذا الحديث أنَّ رسول الله ﷺ قاله في معرض بيان سبب موت الفتى الذي طعن الحيَّة برمحه، بأنَّ تلك الحيَّة جني مسلم متشكل بشكل حية، وأن موت الفتى الذي طعنه كان قصاصًا لذلك الجنِّي تولاه بنفسه حين اضطرابه في رأس الرمح قبل موته، أو تولاه قبيله من الجنِّ، وأن هنالك قبيلاً آخر من الجنِّ بالمدينة كفارًا شياطين وأن قتل الواحد منهم لا ضير فيه لقاتله، فيحتمل أنَّ رسول الله قد أعطاها التأمين في مدينته، كما أعطى الجن الذين سألوه عن قوتهم أن يقتاتوا من الطعام، وروث الدواب، وأنه سأل ربَّه أن لا يسلط غيرها على المسلمين إذا قتلوها؛ ولذلك جعل للمسلمين أمارة للتفرقة بين الفريقين وهي الإيذان ثلاثًا. وعلى هذا الاحتمال فالحديث من المتشابه من جهات كثيرة قد ذكر شرَّاح الحديث بعضها، وأعظمها

стр. 347

عندي أنَّ ما صنع هذا الفتى كان خطأ وقبل تعيين هذه الأمارة، وأنَّ مسلمي الجنِّ أولى بالتسامح مع مسلمي الإنس من كفَّار الجنِّ مع هؤلاء، وأيًّا ما كان من الإشكال فإذا جرينا على هذا الاحتمال فالحكم خاص بمدينة الرسول ﷺ وبزمان وجوده فيها، فيكون من خصائصه ﷺ أن أسلم له الموجودات الخفيَّة كما أسلمت لسليمان، وأنَّها كانت تتشكل في صورة الحيَّات لتسمع القرآن والهدي، وعلى هذا تقوم معارضة بينه وبين حديث أبي هريرة الآتي، ويحتمل احتمالًا ثانيًا أن يكون رسول الله ﷺ قال ذلك في غير قصة الفتى الذي طعن الحيَّة، وأنَّ أبا سعيد ظن أنَّ موت الفتى ما كان إلَّا بمثل ذلك السبب، لما رأى من شدَّة المقارنة بين موت الحية وموت الفتى، مع أنَّ الحية لم تنهشه، فظنَّ أنَّ موته كان خرقًا للعادة، فهو من عمل الجن، لكن يجوز أن سبب تلك المقارنة أنَّ ذلك الفتى لما كان مباشرًا لعمل غزوة الخندق قد أصابته جراح في يديه، فلمَّا سرى إليها سمُّ الحية حين اضطربت في رأس الرمح عمل ذلك السمُّ عمله في قلب الفتى سريعًا فخرَّ ميتًا أو مغشيًّا عليه غشيانًا أعقبه الموت، ويعضد هذا الاحتمال أنه وقع في حديث أبي سعيد من رواية ابن وهب عن مالك عند «مسلم» بلفظ: «ثمَّ قال رسول الله: إنَّ بالمدينة جنًّا» إلخ. وعلى هذا الاحتمال الثاني، فتأويل الحديث أنَّ المراد بالجنِّ ضرب من الحيات، وهو الذي يقال له: الجان، يسكن البيوت، ويجمع لفظه على جنان، كما جاء في حديث أبي لبابة في هذا الباب، وتأويل قوله: «قد أسلموا»، أي: سالموا النَّاس من النهش فنهى عن قتلها؛ إذ لا مضرة فيها، ولعلَّ فيها منافع فإنها تأكل الفأر والعقرب، ولعلَّها كانت سريعة الاختفاء إذا اعترض لها الإنسان، فإذا أوذيت لم ترجع، أو كان ذلك بدعوة من الرسول ﵊، والتي ترجع بعد الإيذاء هي الحيَّة الخبيثة الجريئة، المعبَّر عن خبثها بأنَّها شيطان. وبهذا التأويل يتَّضح الجمع بين هذا الحديث وبين حديثي أبي لبابة وعائشة في هذا الباب، وحديث أبي هريرة أنَّ رسول الله ﷺ قال في الحيَّات: «ما سالمناهن منذ عاديناهن، ومن يتركهن خوف شرهن، فليس منا» رواه أبو داود وأحمد.

стр. 348

وحديث ابن عبَّاس في «سنن» أبي داود يرفعه: «من ترك قتل الحيات مخافة طلبهن، فليس منا ما سالمناهن منذ حاربناهن». وفيها أيضًا حديث ابن مسعود قال رسول الله: «اقتلوا الحيات كلَّهن، فمن خاف ثأرهم فليس منِّي». وهذه الأحاديث تحمل على تأويل حديث أبي سعيد الخدري وعدم الأخذ بظاهره. وقد قال مالك في غير الموطإ: «إن ما وقع في حديث أبي لبابة خاص بالمدينة». وأقول: هو خاص أيضًا بعهد رسول الله فيها ﷺ . ما جاء في المملوك وهيئته الهيئة السَّمت من صفة اللباس، ولبس ما يدلُّ على معنى في لابسه، مثل: التقنع للحرَّة، والبرد للحر، وفي الحديث قال معرور بن سويد: رأيت أبا ذرٍّ وعليه حلةٌ وعلى مملوكه خلةٌ، وقال كثير: هنَّ الحرائر لا ربات أخمرة ... سود المحاجر لا يقرأن بالسور فجعل الأخمرة أمارة على غير الحرائر. وفي القرآن: ﴿قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ﴾ [الأحزاب: ٥٩]، أي: أن يعرفن أنهن حرائر. * * * مالك أنَّه بلغه أن أمةً كانت لعبد الله بن عمر بن الخطَّاب، رآها عمر بن الخطَّاب، وقد تهيَّأت بهيئة الحرائر، فدخل على ابنته حفصة، فقال: ألم أر جارية أخيك تجوس النَّاس،

стр. 349

وأنَّها قد تهيَّأت بهيئة الحرائر؟ وأنكر ذلك عمر ﵁. «تهيَّأت»: أي: تكلفت هيئة أو تلبست بهيئة، كما يقال: تعمَّم وتقنَّع. وإنكار عمر على الأمة؛ لأنَّ في ذلك إخراجًا للإماء عن معروف حالهنَّ، فيتطلعن إلى ما فوق المعروف فيدخل ذلك حرجًا على سادتهنَّ؛ إذ ليس كل أحد يقدر على ذلك؛ فتفضي إلى منازعات بينهنَّ وبين مواليهنَّ وكراهية، ويختلُّ نظام الرق والولاء؛ ولأنَّ الإماء لا يراعين من آداب المروءة مثل ما تراعيه الحرائر، ففي خروجها بين الناس بزيِّ الحرائر يوهم أنَّها حرة، فتكون من ذلك سوء سمعة للحرائر، ولعلَّة أن يتطرق بذلك بعض الحرائر إلى الخروج عن معتاد أمرهنَّ من الاحتشام ويجسن خلال الرجال، فيزول بعض ما جرى من أمور النظام العائلي، وتحدث منازعات بين المتطلعات وبين أوليائهن، وزاد عمر إنكارًا أن ذلك يصدر من بيت أمير المؤمنين، وأنَّه قدوة للناس. ما يكره من الكلام مالكٌ عن عبد الله بن دينار، عن عبد الله بن عمر أنَّ رسول الله ﷺ قال: «من قال لأخيه: يا كافرٌ، فقد باء بها أحدهما». ضمير «بها» عائد إلى جملة مقول القول على تأويله بالكلمة، وذلك شائع في الاستعمال، قال الله تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ (٩٩) لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا﴾ [المؤمنون: ٩٩، ١٠٠]. واستعمال «باء» هنا استعارةٌ تمثيلية شبهت هيئة المقدم على سباب المؤمن بقادم أو مغيرٍ يرمي المقدم عليه بأذى مع هيئة المشتوم بمغار عليه، وهو يدافع عن نفسه، ولما كانت الإغارة تستلزم الرجوع بعد قضائها شبه من صدقت عليه كلمة السبِّ براجع بعد إغارة، فالشاتم راجع بها بتمثيله بمن حاول إغارة، فخاب سعيه وردَّ كيده، والمشتوم راجع بها إن صدقت عليه، بتمثيله بمن أغير عليه فخرج للدفاع، فرجع محروبًا. والمعنى أنَّ أصل الكلام الصدق، فمن قال لأخيه المسلم: يا كافر، فهو لا يخلو من إحدى حالتين: إمَّا أن يكون صادقًا بأن يكون تحقق كفر المشتوم، فيكون المشتوم قد باء

стр. 350

بذلك السب، ومن لوازمه أنَّه قد باء بإثم الكفر بشهادة مسلم، وإمَّا أن يكون الشاتم كاذبًا، بأن يكون قد قال ذلك بهتانًا، فيكون قد سبَّ نفسه، وهو لا يدري إذ قد عدَّ حالة الإيمان كفرًا، ولا يعدُّ الإيمان كفرًا إلا كافرٌ؛ إذ إيمان المؤمن يقتضي الكفر بضدِّ الإيمان، فيكون قد كفى المسبوب أمر الرد عليه؛ فقد رجع الساب سابًّا لنفسه من حيث لا يشعر؛ إذ قد عدَّ حال الإيمان حال كفر فهو يرضى لنفسه الحال المتصف بها المسبوب، فيلزم منه أنه يرضى لنفسه خلافها، وخلاف الإيمان كفر، فكان جديرًا بأن يسب بأنَّه كافر بوجه أحق من الوجه الذي سبَّ به صاحبه؛ لأنَّ حاله هو أشبهت حال الكافر، فكان عود السب إليه أحرى وأجدر. وليس المعنى فقد باء بصدق السب أحدهما، أي: باء كافرًا؛ لأنَّ اللفظ لا يقتضيه والقواعد الشرعية تنافيه؛ ولأنَّ السب إنشاء والإنشاء لا نسبة له في الخارج مطابقة أو لا مطابقة، وبهذا اندفع عن الحديث الإشكال. ما جاء فيما يخاف من اللِّسان وقع فيه: أنَّ رسول الله ﷺ قال: «من وقاه الله شرَّ اثنتين ولج الجنَّة، فقال رجلٌ: يا رسول الله ألا تخبرنا» إلخ. وقع في رواية يحيى بن يحيى، وابن القاسم قوله: «لا تخبرنا» بلفظ النهي، وقد أشكل على الشارحين موقعه، وتأوله الباجي في «المنتقى» بأنَّ الرَّجل أراد أن تتسابق أفهام الحاضرين إلى تعيين هذين الاثنين. وهو أقرب ما تأوَّل به

стр. 351

الشارحون، وليس في حكاية الراوي ما يدلُّ على أنَّ رسول الله ﷺ أراد اختبار فهمهم مثلما وقع في حديث: «أية شجرة كالآدمي»، فيكون ذلك مما اقتضاه الكلام؛ ولأن الخبر متعلق بأمر الآخرة ولا مجال للأفهام في تعيينه. ورواه عبد الله بن مسلمة القعنبي: «ألا تخبرنا» بزيادة همزة على أن «ألا» للعرض، وهذه الرواية أقرب، وهي تقتضي أن رسول الله ﷺ قال ذلك، وسكت قليلاً أو اشتغل بشيء، ويدلُّ عليه أنَّه ﵊ قال ذلك أربع مرات. ويرجح رواية القعنبي خمسة أمور: أوَّلها: أن شأن أهل مجلس رسول الله ﷺ الحرص على الاستفادة، واحتمال كون المراد اختبار تنبههم لم يحك الراوي ما يقتضيه. الثاني: أنَّ المقام مقام تبشير وترغيب، فلا يظنُّ أنَّ الرجل قال: «لا تخبرنا»، خشية أن يذكر لهم ما لا يقدرون عليه، كما نقله الشارح الزرقاني عن الباجي عن ابن حبيب. الثالث: أن سكوت الرسول ﷺ عقب كلِّ مرة دليل على قصد التشويق للخبر، وذلك يناسب حرص السامع على تعجيل العلم به. الرابع: أن سكوت بقية الحاضرين دليل على أنَّ هذا الرجل كان سائلاً ما فيه رغبة الجميع بخلاف ما في رواية يحيى، فإن ذلك لا يشاركه فيه جميع الحاضرين على كلِّ تأويل. الخامس: أنه في المرة الرابعة أسكت الرجل رجل آخر إلى جنبه، وذلك يدلٌ على أنه لما حرص على تعجيل الفائدة، ورسول الله ﵊ يسكت، خافوا أن يكون الرجل قد أحرجت رسول الله ﵊ كثرة إلحاحه بتعجيل العلم بذلك، فرأى الرجل المسكت أن يُوكل وقت الإعلام بتعيين هذين الأمرين إلى رسول الله ﷺ . وقد يجمع بين الروايتين بأنَّ أحد القولين صدر من رجل حاضر في المجلس، فحدَّث الراوي مرَّة بقول هذا ومرَّة بقول الآخر، فتكون كلتا الروايتين مما حدَّث به مالك أو زيد

стр. 352

ابن أسلم أو عطاء. ما جاء في الصِّدق والكذب مالكٌ عن صفوان بن سليم أنَّ رجلاً قال لرسول الله ﷺ : أكذب امرأتي يا رسول الله؟ ، فقال رسول الله: «لا خير في الكذب»، فقال الرَّجل: يا رسول الله أعدها وأقول لها؟ فقال رسول الله: «لا جناح عليك». نهاه رسول الله ﷺ عن الكذب حين أجمل في سؤاله أحوال الكذب لامرأته، فإنّ الكذب قبيح سواء كان للزوجة أم للأجنبي؛ لأن داعيته ذميمةٌ، فلما بيَّن السائل مراده رخص له فيه؛ إذ قد علم أنَّه لا يريد الكذب في أحوال المرأة مطلقًا. والظاهر أنَّ مراد السائل أن يعدها، ويقول لها أمورًا ترجع إلى المحبَّة والحظوة عنده؛ ولذلك حذف المفعول الثاني لـ «أعدها وأقول لها»؛ لأنَّه معلوم من المقام، ومثل ذلك مغتفر؛ لأنَّه تحبُّب وهو بمنزلة الشعر تغتفر فيه المبالغة، نحو: أنت الحبيب. أما الوعد والقول في غير ذلك، فلا أحسب فيه رخصة، ولا يستقيم ما فسَّر به الشارحون ولا سيَّما قوله: «وأقول لها» فإنَّه أعمُّ من «أعدها» على أنَّ رسول الله ﷺ قد علم أنَّ قول السائل: «أكذب امرأتي» إنَّما يشمل الكذب في أحوال التصرف مع المرأة مثل: الإنفاق، والكسوة، وغير ذلك، فكان جوابه له بقوله: «لا خير في الكذب» ناهيًا عن الكذب في بعض ما فهم بعض الشارحين الترخيص في الكذب في مثله، فلمَّا أعاد الرجل وعرَّض وكنَّى، أجابه رسول الله ﵊ جوابًا واردًا على شيء معين والله أعلم. * * *

стр. 353

ووقع فيه قول ابن مسعود: «وتنكت في قلبه نكتةٌ سوداء» ففعل «تنكت» مبني للمجهول، ومعناه: جعل أثر في شيء، يقولون: نكت الأرض؛ إذا باشر التراب بعود أو أصبع، فترك أثرًا في التراب، والنكتة الأثر الصغير في شيء، وهي ترادف النقطة؛ لأن التاء والطاء تتبادلان لقرب مخرجيهما. * * * مالكٌ عن صفوان بن سليم أنه قال: قيل لرسول الله: أيكون المؤمن جبانًا؟ فقال: «نعم»، فقيل له: أيكون المؤمن بخيلاً؟ فقال: «نعم»، فقيل له: أيكون المؤمن كذَّابًا؟ فقال: «لا». تجويز الجبن والبخل على المؤمن، معناه أن تينك الخصلتين غير معصيتين؛ لأنَّ الجبن سجيةٌ والبخل بما ليس واجبًا إعطاؤه تفريط في فضل العطاء، ومعنى: «لا يكون المؤمن كذابًا» أنَّ الكذب حرام وليس من خصال الإيمان، فلا يجوز للمؤمن أن يكون كذابًا. فالخبر هنا في معنى الإنشاء كأنَّه قيل: لا تكن كذابًا. وليس المراد أنَّ ذلك لا يقع في نفس الأمر؛ فيتوهم منه سلب الإيمان عن الكذابين من المسلمين، ولا حاجة إلى تأويل ذلك بسلب الإيمان الكامل؛ لأنه ليس مناسبًا للسياق. ما جاء في عذاب العامَّة بعمل الخاصَّة المراد بالعامَّة الجميع، أي: عذاب جميع الناس. والمراد بالخاصة البعض، أي: بعمل بعضهم، فقد يكون الخاصَّة هم الأكثر، والعامة الأقلَّ كما يدلُّ عليه البلاغ عن أم سلمة. وقال ابن وضَّاح: العامة الإمام، والخاصة: الرعية، وهو تفسير ضعيف المعنى.

стр. 354

التَّرغيب في الصَّدقة وقع فيه قوله في حديث أبي طلحة: «ذلك مالٌ رابحٌ» فذكر البخاري أنه روى بالباء الموحدة من الربح، أي: وهي رواية أكثر الرواة، ومنهم يحيى بن يحيى الليثي كما صرَّح بذلك أبو عمر في «التمهيد». وذكر البخاري أنَّه رواه إسماعيل، ويحيى بن يحيى التميمي «رايح» بالياء المثناة التحتية، أي: وهي رواية مطرف، وابن الماجشون، كما صرَّح به الباجي في «المنتقى»، وهي أيضًا رواية ابن وهب كما في التمهيد. وعلى هذه الرواية وقع تقصير في تفسير هذا اللفظ في كلام الشراح كلِّهم. وتحقيقه أن معنى قولهم: «بياء» أنَّها صورة الياء، وأما النطق به فهو بهمزة بعد الألف، لوجوب إبدال الهمزة من حرف العلَّة في اسم الفاعل من المعتلِّ العين، وإنما تكتب في الرسم تحت صورة الياء؛ ولذلك كانوا لا يجعلون نقطتين تحت هذه الياء في نحو: قائل وبائع. وقد حكى ابن جنِّي أنَّ أبا علي الفارسي ذهب مع صاحب له إلى بعض المتَّسمين بالعلم يزورانه، فوجدا بين يديه أجزاء كتب فيه لفظ (قايل) بنقطتين تحت الياء فقال له أبو علي: خطُّ من هذا؟ فقال: خطي، فالتفت أبو علي إلى صاحبه، وقال: لقد أضعنا خطواتنا في زيارة مثله. والمعنى أنَّه شبه ذلك الحائط بإبل تروح على صاحبها كل يوم بالدرِّ، كما في حديث أبي هريرة في «الموطإ» و «الصحيحين»: «نعم المنيحة اللقحة الصفيُّ تغدو بإناءٍ وتروح بإناءٍ»؛ لأنَّهم يحلبون الإبل عند رواحها. والإبل تسمَّى

стр. 355

مالاً. قال زهير: صحيحاتِ مالِ طالعات بمخرم فهو تشبيه بمركب في هيئة العود على صاحبه بالفائدة وحذفت الكاف على طريقة التشبيه البليغ، ووقع في «شرح الزرقاني» عن الباجي أنَّه روي رايج بالجيم بدل الحاء، وهو غلط سرى إلى الزرقاني من تحريف في كلام «المنتقى». * * * ووقع فيه قول مولاة عائشة: «شاة وكفنها». الكفن بفتحتين أصله ما يلفُّ فيه الميِّت من الثياب، ويطلق على ما يلفُّ فيه اللحم المطبوخ من أرغفة ورقاق. * * * قال مالك: قد بلغني أنَّ مسكينًا استطعم عائشة أمَّ المؤمنين وبين يديها عنبٌ، فقالت لإنسانٍ: خذ حبَّةً فأعطه إيَّاها، فجعل ينظر إليها ويتعجَّب، فقالت عائشة: أتعجب كم ترى في هذه الحبَّة من مثقال ذرة؟ . قصدت عائشة? من فعلها هذا أن لا تردَّ السائل، وأن تعلِّم من معها فضل الصدقة ولو قليلة، ولعلَّ العنب الذي كان بين يديها كان قليلًا لا يفضل عن حاجة أهل بيتها، والعنب فاكهة مشتهاة، ورسول الله يقول: «وابدأ بمن تعول»، فكرهت حرمان السائل من العنب الذي يشتهيه الناس، والثواب حاصل على الإعطاء دون الحرمان. * * * ووقع فيه قول رسول الله ﷺ : «والَّذي نفسي بيده ليأخذ أحدكم حبله، فيحطب على ظهره، خيرٌ له من أن يأتي رجلًا» إلخ. قال أبو عمر: ثبت في جلِّ روايات «الموطإ»
следующие страницы →