← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 150963

كشف المغطى من المعاني والألفاظ الواقعة في الموطا

ابن عاشور

Полный текст (362 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

الثانية: أنه إن فتح هذا الباب تعرض له من لا يحسن الجمع والفرق، فيفسد الأحاديث، فلهذا أدخل مالك حديث: «لا يخطب أحدكم على خطبة أخيه» عن أبي هريرة، ثم أعاده بسند آخر عن ابن عمر اهـ. قلت: وقد يُجمع الحديث من روايات، إذا كان شيخه الذي روى عنه هو الذي جمعه، مثلًا حديث زيد بن أسلم عن عطاء، والأعرج عن أبي هريرة، فيمن أدرك ركعة من الصبح. وقد يجمعه مالك، كما قال في حديث حُميد بن قيس، وثور بن زيد في الرجل الذي نذر أن لا يتكلم: «وأحدهما يزيد في الحديث على صاحبه». وما يوجد في «الموطأ» برواية يحيى بن يحيى الليثي من قوله: «قال يحيى: وسمعت مالكًا يقول أو سئل مالك أو شبه ذلك» فقد سئل عنه أبو الوليد بن رشد فأجاب: «لا يصح أن يتقد أن يحيى بن يحيى زاد في «الموطأ» شيئًا على ما ألَّفه مالك، فأمَّا ما فيه من «قال يحيى، وسئل مالك»، فيحتمل وجهين: أحدهما: أن مالكًا لما كتبه بيده، قال: وسئلت عن كذا، فلما رواه عنه أصحابه كتب كل واحد منهم في انتساخه: «وسُئل مالك»؛ إذا لا يصح أن يكتب الناسخ وسئلتُ، فيُوهم أنه هو المسئول. والوجه الثاني: أن يكون مالك ﵀ لم يكتب «الموطأ» إذ ألفه بيده، وإنما أملاه على من كتبه، فأملى فيما أملى منه «وسئلت عن كذا» فكتب الكاتب: وسُئل مالك؛ إذ لا يصح إلا ذلك. وأما قوله: وسمعت مالكًا يقول، فإنما قاله في «الموطأ» فيما سمعه منه من لفظه، وهو يسير من جملة «الموطأ»؛ لأن مالكًا ﵀ إنما كان يقرأ عليه، فيسمعه الناس بقراءة القارئ عليه على مذهبه، في أن القراءة على العالم أصحُّ للطالب من قراءة العالم. فما سمعه عليه بقراءته أو بقراءة غيره ولم يسمعه من لفظه وهو الأكثر، قال فيه: «حدثني مالك أو قال مالك». وما اتفق أنه سمعه منه من لفظه، قال فيه: «وسمعت مالكًا يقول»، انتهى كلام ابن رشد.

стр. 37

وأقول: لا يمنع كلام ابن رشد من أن يكون في بعض ذلك صور أخرى لم يذكرها ابن رشد، فقد كان مالك لا يحدِّث في المجلس أحاديث كثيرة، ولم يكن الرواة عنه يتمكنون من نَسْخ «الموطأ»، فهم يكتبون ما سمعوه من الحديث ومما أثبته مالك، ويزيد بعضهم على بعض بمقدار تمكنهم من سماع القارئ، وبمقدار تفاوتهم في سرعة الكتابة، وعلى حسب اختلاف أغراضهم، فإن منهم من يطلب الحديث دون الفقه، ومنهم من يطلب الأمرين، وهذا هو السبب فيما نجده من اختلاف «الموطأ» باختلاف روايته. على أنه قد يفسر مالم كلامه حين القراءة عليه، وقد يذكر شيئًا لم يكن كتبه في أصله، فيثبته من سمعه؛ إذ لم يكن جميعهم ينتسخ من أصله. وفي «شرح القسطلاني على صحيح البخاري» في مناقب عبد الله بن سلام في ذكر زيادة في حديث أن عبد الله بن سلام من أهل الجنة، قال عبد الله بن يوسف: إن مالكًا تكلم بقوله وفيه نزلت هذه الآية: ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا﴾ [يوسف: ٢٦] عقب ذكر الحديث وكانت معي ألواحي فكتبت هذا فلا أدري قاله مالك أو في الحديث. وأحسب أن أوفى روايات الموطأ بجميع ما كتبه مالك أو بمعظمه، وأكثرها مطابقةً لأصل مالك، هو رواية يحيى بن يحيى الليثي، فإنه لقي مالكًا في آخر حياته؛ إذ هو رحل إلى المدينة في السنة التي مات فيها مالك، يدل ذلك على أنه روى عن زياد بن عبد الرحمن الملقب بشبطون أبوابًا فاتته؛ فلذلك وقع الإقبال على رواية يحيى. وعندي أنه لا يبعد أن يكون بعض ما في رواية يحيى من قوله: «وسئل» أنه من زيادات يحيى بن يحيى على ما في أصل مالك. وقد رأيت كلامًا مأثورًا عن الشافعي

стр. 38

يوضح ما نحوناه. روى الربيع عن الشافعي فيما رواه من رحلته إلى مالك: أن أول حديث سمعه من مالك في مسجد رسول الله ﷺ في المساء: «حدثني نافع عن ابن عمر عن صاحب هذا القبر رسول الله ﷺ ، ويشير بيده نحو القبر» وأنه حدث في مجلس واحد خمسة عشر حديثًا، وأنه ناول «الموطأ» الشافعي فقرأه على الناس وهم يكتبون. قال: وقد قرأته في ثمانية أشهر، وفي السامعين الليث بن سعد، وابن القاسم، وأشهب، وعبد الله بن عبد الحكم. قال الشافعي: «ولقد شهدت مجلس مالك في رحلتي الثانية إليه، وحوله أربعمائة أو يزيدون، وقد دخل مالك من باب النبي ﷺ وأربعة من تلامذته يحملون ديوانه (أي كان ذا أجزاء) وجلس مالك على كرسيٍ وألقى مسألة من جراح العمدة» اهـ. وكان يحيى بن يحيى روى «الموطأ» كاملًا عن مالك عدا أبوابًا. وروى «الموطأ» كاملًا عن مالك عبد الله بن مسلمة القعنبي. واعلم أنه قد رويت عن كالك أحاديث ليست في «الموطأ». وقد أخرج البخاري في «صحيحه» عدة أحاديث ليست لرواة «الموطأ»، وأحاديث لا توجد في رواية يحيى بن يحيى. وأول من أدخل «الموطأ» إلى إفريقيا علي بن زياد التونسي. وأول من أدخل «الموطأ» إلى الأندلس الغازي بن قيس. قاله السيوطي في «البغية»، وقال: قد شهد تأليف مالك «الموطأ»، وتوفي سنة (١٩٩). إحصاء ما في الموطأ من آثار روي عن أبي بكر الأبهري: أن جملة ما في «الموطأ» من الآثار عن النبي ﷺ والصحابة، والتابعين، ألف وسبعمائة وعشرون حديثًا، منها: ستمائة مسند، ومائتان

стр. 39

واثنان وعشرون مرسلًا، وستمائة وثلاثة عشر موقوفًا، ومن قول التابعين مائتان وخمسة وثمانون. وعن ابن حزم: أحصيت ما في موطأ مالك، فوجدت فيه من المسند خمسمائة ونيفًا، ومن المرسل ثلاثمائة ونيفًا. وأقول: إن مالكًا لم يكرر ذكر الأحاديث المشتملة على أحكام عديدة تندرج تحت أبواب كثيرة، ولو كرر كما فعل البخاري لكان حجم «الموطأ» ضعف ما هو عليه. أسانيد مالك في الموطأ واعلم أن أعلى أسانيد مالك في «الموطأ» هي الآتية: عن ابن عمر: - مالك عن نافع عن ابن عمر عن رسول الله ﷺ . - مالك عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر عن رسول الله ﷺ . - مالك عن عبد الله بن عبد الله بن جبرٍ بن عتيك عن ابن عمر ... عن أنس بن مالك: - مالك عن ابن شهاب عن أنس عن رسول الله ﷺ . - مالك عن إسحاق بن أبي طلحة عن أنس عن رسول الله ﷺ . - مالك عن حميد الطويل عن أنس عن رسول الله ﷺ . - مالك عن عمرو مولى المطلب عن أنس عن رسول الله ﷺ . - مالك عن محمَّد بن أبي بكر الثقفي عن أنس عن رسول الله ﷺ . - مالك عن شريك بن عبد الله بن أبي نمر عن أنس عن رسول الله ﷺ . عن سهل بن سعد: - مالك عن ابن شهاب عن سهل بن سعد عن رسول الله ﷺ .

стр. 40

- مالك عن أبي حازم بن دينار عن سهل بن سعد عن رسول الله ﷺ . عن جابر بن عبد الله: - مالك عن أبي الزبير المكي عن جابر بن عبد الله عن رسول الله ﵇. - مالك عن وهب بن كيسان عن جابر عن رسول الله ﵇. - مالك عن محمَّد بن المنكدر عن جابر عن رسول الله ﵇. عن أبي شريح الكعبي: - مالك عن سعيد المقبري عن أبي شُريح الكعبي عن رسول الله ﷺ . عن أبي سعيد الخدري: - مالك عن نافع عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله ﷺ قال (حديث واحد). عن عمر بن أبي سلمة ربيب رسول الله ﷺ . - مالك عن وهب بن كيسان عن عمر بن أبي سلمة (حديث واحد). رواية يحيى بن يحيى الليثي وإن أجل الروايات للموطأ وأوعبها هي رواية يحيى بن يحيى الليثي، وهي التي اعتمدها الناس بالمغرب والمشرق، وشرحوها، وصححوها. وللناس كلهم في أسانيدهم الموصلة إلى «موطأ» يحيى بن يحيى ثلاثة طرق أصلية هي: طريقُ عُبيد الله (بضم العين مصغرًا) بن يحيى بن يحيى الليثي سمع من أبيه، ولم يسمع من غيره، وسمع الناس منه رواية ابيه، وإليها تنتهي أسانيدنا في «موطأ» يحيى من طرق كثيرة ترجع إلى سندين: - سند محمَّد بن فرج مولى ابن الطلاع القرطبي، عن يونس بن مغيث الصفار، عن أبي عيسى عبد الله بن يحيى بن يحيى الليثي عن عم أبيه عبيد الله، عن يحيى بن يحيى، وهذا أقرب الأسانيد؛ لأنه مرويٌّ عن سند عبد الله بن محمَّد بن هارون الطائي القرطبي الذي قال فيه ابن خلدون صاحب «التاريخ»: إن له طريقة عالية في «الموطأ». - وسند أبي عمر الطلمنكي، عن أبي عيسى، عن عم أبيه، عن يحيى، وللطلمنكي روايات عن ابن وضاح.

стр. 41

والطريق الثانية: طريق محمَّد بن وضاح القرطبي المتوفى سنة ست وثمانين ومائتين (٢٨٦)، عن يحيى بن يحيى. قال في «الديباج»: كان أحمد بن خالد ينكر عليه كثرة رده في كثير من الأحاديث، كان كثيرًا ما يقول: ليس هذا من كلام النبي في شيء، وهو ثابت من كلامه ﷺ . اهـ. وكذلك كان ابن وضاح يغير رواية يحيى في «الموطأ» إذا بدا له تصويب أو تخطئة مع صحة ما روي عن يحيى في ذلك عند التأمل، فكان يعتمد على فهمه لا على روايته، فلا يسمى للطلمنكي سند إلى ابن وضاح. والطريق الثالثة: طريق محمَّد بن أحمد العُتبي، عن يحيى بن يحيى، ولها سند

стр. 42

أبي الوليد الباجي عن ابن سهل، عن ابن القطان، عن ابن وحشون، عن ابن الشقاق، عن ابن المكوي، عن اللؤلؤي، عن العتبي، وليس لنا سند يبلغ إلى يحيى بن يحيى إلا من طريق ابنه عبيد الله أو من طريق العتبي. ثم إن الذين اعتنوا بتصحيح رواية عبيد الله بن يحيى بن يحيى بن يحيى كثيرون، منهم الحافظ أبو عمر بن عبد البر، وله طرق منها: طريق أحمد، ومنها طريق وهب، ومنهم الحافظ أبو عمر الطلمنكي. أشهر نسخ الموطأ بالأندلس نسخة محمَّد بن فرج مولى ابن الطلاع تلميذ ابن مغيث، وله رواية عن ابن وضاح.

стр. 43

ونسخة أبي مروان بن أبي الخصال تلميذ أبي عمر بن عبد البر، وأبي عمر الطلمنكي المقابلة على كتابيهما بخط يده. ونسخة أبي مروان بن مسرة بخط يده؛ وهو عبد الملك بن مسرة بن خلف اليحصبي من أهل شنتمرية الشرق، وسكن قرطبة. سمع من محمَّد بن فرج «الموطأ» (أي مولى ابن الطلاع) أو سمع من الصوفي وأبي بَحر توفي سنة (٥٥٢). ترجمة في «الصلة» وفي «المعجم». ونسخة أبي محمَّد بن عتاب. وهو منم شيوخ ابن بشكوال. ونسخة القاضي الوزير عبد الرحمن بن محمَّد المعروف بابن فطيس (بضم الفاء بصيغة التصغير) وهو يروي عن أبي عيسى يحيى بن عبد الله، عن عبيد الله بن يحيى، عن أبيه، توفي سنة (٤٠٢). وهو من شيوخ ابن بشكوال. نسخة ابن بشكوال وقد جمعت هذه النسخ كلها نسخة خلف ابن بشكوال الأندلسي التي عثرت على أربعة أجزاء منها من تجزئة اثني عشر جزءًا، وبالجزء الأخير منها خطه وإذنه برواية «الموطأ» عنه لشيخ الفقيه الزكي أبي العباس أحمد بن علي الذي قرأه عنه كله بأسانيده، وعلى هذه النسخة تصحيحات ومقابلات على نسخة ابن بشكوال معزوة إلى أصولها من النسخ المذكورة. ويوجد في مواضع قليلة نقل عن نسخة ابن المشاط، وهو أحمد بن مطرف بن

стр. 44

المشاط. كذا سماه في طرة على باب ما جاء في الطاعون من الموطأ. وفي آخر النسخة التي بالمكتبة الصادقية من كتب الشيخ النجار، يقول عبد الله بن إبراهيم بن سعيد بن القايد الرغي (كذا): قرأت هذا الجزء على أبي القاسم بن فيرَّه بن أبي القاسم بن أحمد الرعيني الشاطبي، عن أبي الحسين بن هذيل عن أبي داود الزاهد المقري، عن ابن عبد البر. ٢ - وعن محمَّد بن عبد الرحيم الخزرجي وأبي الحسن بن النعمة، عن أبي عمران بن أبي تليد، عن ابن عبد البر. ٣ - وعن أبي جعفر القيسي، عن أبي عامر بن حبيب، عن أبي الحسن بن فقود، عن ابن عبد البر. ٤ - وعن الخزرجي وغيره، عن ابن بحر، عن ابن عبد البر. وعن القاضي أبي عبد الله ... بن سعادة، عن أبي علي بن سكرة، عن أبي الوليد الباجي. وقال لي: الاعتماد في رواية «الموطأ» على محمَّد بن وضاح القرطبي، وعبيد الله بن يحيى، وكلاهما عن يحيى، ويروي أحمد بن مطرف عن عبيد الله. ويروي قاسم أصبغ عن ابن وضاح. ويروي سعيد بن نصر عن قاسم. ويروي وهب ابن مسرة عن ابن وضاح. ويروي احمد بن سعيد، عن ابن وضاح، وعن عبيد الله. وبجنب ذلك خط عبد الله بن إبراهيم بن سعيد سنة (٦١٢): أنه قرأه عليه ناسخ النسخة حسن بن عتيق بن الحسن بن ربلي سنة (٦٠٩).

стр. 45

في آخر النسخة المذكورة ما يأتي: موطأ يحيى ٥٠٠ حديث وكسْر. موطأ مطرف ٦٠٧ حديث. موطأ يحيى بن بكير ٥٠٠ حديث. موطأ أبي المصعب ٥٩٠ حديثًا. موطأ محمَّد بن عبد الله ... ٥٨٧. موطأ ابن القاسم ٥٠٠. موطأ ابن وهب ٥٦٠. موطأ القعنبي ٤٤٧. موطأ معن بن عيسى بن دينار ٤٩٠. موطأ عبد الله بن يوسف ٤٨١. موطأ عبد الله الزبيري .. موطأ سعيد بن سويد .. موطأ أبي حذيفة أحمد بن إسماعيل السهمي .. موطأ ابن أبي ذئب ذكره أبو عمر بن عبد البر في «برنامجه». عدد أحاديث الموطأ (١٠٤١). منها ٥١٩ بالأسانيد المشهورة. ومنها ٢٤٠ ممَّا قال «بلغني .. ». ومنها ٤١ سماعًا منه، لم يوجد سنده في الكتب.

стр. 46

ومنها ٢٩٢ مضطربة الإسناد بين الرواة فبعضهم .. وبضعهم قطعه وأوقفه. تفاسير الموطأ حسبما في آخر نسخة من الموطأ من كتب الشيخ النجار نسخت سنة (٦٠٩) هي الآن في المكتبة الوطنية بتونس. تفسير الموطأ لأصبغ بن الفرج جزء. تفسيره لابن سحنون ثلاثة أجزاء. تفسير لأبي الطاهر أحمد بن عمر بن الفرج. تفسيره ليحيى بن يحيى جزء. تفسيره لمطرف بن عبد الله صاحب مالك. تفسيره لابن وهب. تفسيره لابن القاسم رواية أصبغ عنه. تفسيره لعبد الله بن نافع جزء. تفسيره لمحمد بن عبد الله بن عبد الرحمن البرقي جزء. تفسيره لابن مزين خمسة أجزاء. تفسيره لأحمد بن عمران بن ... الأخفش البغدادي جزء.

стр. 47

تفسيره لعبد الملك بن حبيب خمسة أجزاء. تفسيره لأبي جعفر أحمد بن نصر الداودي ثلاث مائة ورقة. تفسيره للقنازعي ثلاثمائة ورقة. تفسيره للقاضي ابن الصفار ثلاثة أجزاء. تفسيره لابن عبد البر. تفسيره للجوهري. تفسيره لابن شراحيل الحجازي. تفسيره لمروان البوني خال الفقيه ابن القطان ٦ أجزاء. تفسيره للباجي. تفسيره لابن أبي زمنين. انتهى ما في نسخة «الموطأ». كتاب مسند حديث «موطأ» إمام دار الهجرة أبي عبد الله مالك بن أنس، واختلاف ألفاظه، وتفسير غريبه، وتسمية رجاله، وكناهم، وفضائلهم، وتاريخ موتهم. وعدد من فيه من الصحابة من الرجال والنساء، وما لكل واحد منهم فيه من حديث، وتسمية التابعين الذين روى عنهم الإمام مالك ﵏، تخريج الإمام

стр. 48

العالم أبي القاسم عبد الرحمن بن عبد الله بن محمَّد الجوهري الغافقي المصري. فيه سَوق إسناد الكتاب من ابن فهد إلى مؤلفه من عدة طرق ممن سمعه عليه في داره بمصر. ابتدأ المؤلف الكتاب بأحاديث فضل العلم، وفضل المدينة، وعالمها، وقول العلماء في مالك بن أنس، ثم وفاته ونسبه، وابتدأ في ذكر شيوخ مالك بالمحمدين، ثم رتب البقية على أسمائهم في حروف المعجم إلى أن ختم بمن اسمه يزيد، ثم ذكر الكنى، ثم من قال فيه مالك: عن الثقة عنده، ثم البلاغات. قال: وجملة ما فيه ستمائة وستة وستون (٦٦٦) حديثًا. قال: وذلك أني نظرت في الموطأ من اثنتي عشرة رواية رويت عن مالك وهي: رواية ابن وهب. رواية ابن القاسم. رواية القعنبي. رواية عبد الله بن يوسف التنيسي. رواية معن بن عيسى. رواية سعيد بن عفير. رواية يحيى بن عبد الله بن بكير. رواية أبي مصعب الزهري. رواية مصعب الزبيري. رواية محمَّد بن المبارك الصوري. رواية سليمان بن بُرد. رواية يحيى بن يحيى الأندلسي. قال: فأخذت الأكثر من رواياتهم، وذكرت اختلافهم في الحديث والألفاظ. ويُسند كل حديث بسنده إلى «الموطأ» من طريق ابن وهب أو القعنبي أو قتيبة بن سعيد أو يحيى أو إسماعيل بن أبي أويس أو أبي مصعب الزهري. وذكر أن عدة رجال مالك المسمين خمسة وسبعون. وتوجد نسخة منه أولها بخط نسخي وبقيتها بخط تعليق، والنسخة في مجلد واحد فيشتمل على أربعة أجزاء: الأول: من اسمه محمَّد، وهم الذين ابتدأ بهم، ينتهي إلى آخر من اسمه محمَّد.

стр. 49

الثاني: من الأسماء التي أولها حرف الهمزة إلى حرف العين. الثالث: من حرف العين إلى حرف النون. الرابع: من حرف النون إلى الختام. وهذه النسخة توجد بمكتبة كوبريلي محمَّد باشا عدد (٤٣٠) في قسم الحديث بالأستانة. وقفت عليها في الآستانة في شهر ذي الحجة سنة (١٣٧٠).

стр. 50

كشف المغطى من المعاني والألفاظ الواقعة في المُوطأ كتاب الطهارة والصلاة

стр. 51

كتاب الطهارة والصلاة وُقُوت الصلاة الصلاة عبادة معروفة، وهي ثانية قواعد الإسلام، وأول ما شرع الإسلام لعموم المسلمين من الشرائع، فرضت بالوحي ليلة الإسراء، وذكرها القرآن في آيات كثيرة. ولا حاجة بنا إلى التعرض لاشتقاق لفظها، وأجدر منه بالتعرض أن لفظ الصلاة كان معروفًا عند العرب في جاهليتهم في معنى عبادة لله تعالى ومناجاة وخشوع، وقد عرفوا ذلك من اليهود، والنصارى، ومن الصابئة من قبل، ولذلك لما رأى المشركون المسلمين يصلون وعلموا أنهم ليسوا يهودًا ولا نصارى سموهم الصابئة، وقالوا لمن يسلم: صَبَأ، ودعوا رسول الله ﷺ بالصابئ. ومما يدل على أن لفظ الصلاة معروف عندهم تسميتهم كنيسة اليهود صلاة، وقول النابغة يذكر دَفن النعمان بن الحارث الغساني: فآب مصلوه بعينٍ جَلية ... وغودر بالجَولانِ حزمٌ ونائل روي بالصاد المهملة، أي: الرهبان الذين صلوا لأجله، وروي بالضاد المعجمة أي: دافنوه؛ ومن أجل ذلك لم يسأل الناس رسول الله ﷺ عن معنى الصلاة حين نزلت الآيات التي فرضت بها، ولكنهم طلبوا بيان كيفيتها، فقال رسول الله ﷺ : «صلوا كما رأيتموني أصلي». والصلاة نموذج من عبادات الله تعالى، ففيها توحيده، والثناء عليه، والاعتراف بالعبودية، والالتجاء إليه، ولذلك كانت أعظم مظاهر الشكر، إذ جمع فيها بين الاعتقاد، والقول، والعمل، كما قال الشاعر: أفادتكم النعماء مني ثلاثةٌ ... يَدي ولساني والضميرَ المحجبا قال تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ [سورة النساء: ١٠٣]. وكانت علامة على الإيمان، ولذلك وصف المسلمون بأنهم أهل القبلة.

стр. 52

ولم يختلف علماء الإسلام في عقوبة تارك الصلاة عقابًا شديدًا، وإنما اختلفوا في دلالة تركها بعد الوعظ والتأخير إلى آخر وقت الصلاة على كفر تاركها، فقال بكفره جمع من الصحابة والأئمة وهو قول ضعيف المدرك؛ إذ لا كفر بذنب عند كافة أهل السنة وإثبات ذلك في ترك الصلاة دون غيرها من العبادات تحكم. عناية الشريعة بأمر الصلوات الخمس عناية قوية، ومن آثار تلك العناية أن حددت للصلوات أوقاتًا توقع فيها؛ لئلا يكون إيكال ذلك إلى تعيين الناس لأنفسهم أوقاتًا، وسيلة إلى التقاعس عنها، وتعلة النفوس بالمطل فيها، فتجتمع صلوات فتثقل على المصلي فيتركها. وكان من الحزم لإقامة الصلوات أن تعين لها أوقات ضيقة، إلا أن رحمة الله تعالى وسعت كل شيء، فوسع على الأمة أوقات الصلوات رفقًا بهم، وليَظهر تفاوت حرصهم على العبادة، فلذلك لم يختلف علماء الأمة في أن أوائل الأوقات أفضل لإيقاع الصلوات، أو هي متعينة عند القائلين بأن الوقت الذي هو أداء هو أول الوقت وما بعده قضاء سدَّ مسد الأداء، وهو نظر ضعيف، ثم جعلت الشريعة لأهل الضرورات سعة أخرى في الوقت، وما بعد ذلك فهو قضاء يُعدُّ المؤخر إليه آثمًا. فأوقات الصلوات هي أزمنة مقدرة لإيقاعها بتقديرٍ من الله تعالى. ولا شك أن تعيين تلك الأوقات مشتمل على حكم ومصالح. وجماع القول فيها عندي: إنها أوقات لذكر الله تعالى بابتداء شئون الناس، وانتهاء تلك الشئون ليراقبوا الله في أعمالهم وصنائعهم، وليشكروه عند العود منها بأحوال الشمس ظهورًا ومغيبًا؛ لأن الناس على أحوال الشمس انتظمت مبادئ شئون الناس ونهاياتها، وتلك الشئون هي الهبوب من النوم، والرجوع من العمل، واستقبال عمل المساء، والرجوع منه، والاستعداد للنوم. فتلك على الترتيب: هي الفجر، والظهر، والعصر، والمغرب، والعشاء. ومناسباتها الروحية لشكر الله تعالى، الذي هو السر الأعظم للصلاة واضحة للمتأمل. وقد ذكر القرآن أوقات الصلوات واستوعبها إجمالًا بقوله تعالى: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآَنَ الْفَجْرِ﴾ [سورة الإسراء: ٧٨]، وبقوله: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ﴾ [سورة هود: ١١٤]، وبقوله: ﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ (١٧) وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ﴾ [سورة الروم: ١٧ - ١٨].

стр. 53

وبين رسول الله ﷺ ذلك الإجمال، ورواه المسلمون بالتواتر والإجماع. مالك عن ابن شهاب: أن عمر بن عبد العزيز أخر الصلاة يومًا فدخل عليه عُروة بن الزبير فأخبره أن المغيرة بن شُعبة أخر الصلاة يومًا وهو بالكوفة، فدخل عليه أبو مسعود الأنصاري، فقال: ما هذا يا مغيرة؟ أليس قد علمت أنَّ جبريل نزل فصلى فصلى رسول الله. ثم قال: بهذا أُمرت، فقال عمر بن عبد العزيز: اعلم ما تحدث به يا عروة، أو إن جبريل هو الذي أقام لرسول الله وقت الصلاة؟ قال عروة: كذلك كان بشير بن أبي مسعود يُحدث عن أبيه ... هذا الحديث أغر، ففيه مراجعة فقيهين لأميرين، وفيه تلقّي تابعي عن تابعي، وصحابي عن صحابي، ورسول عن رسول، وكان عمر بن عبد العزيز أمير المدينة، وكان المغيرة بن شعبة أمير الكوفة، وفي هذا الحديث بيان إجمال آيات أوقات الصلوات. ومعنى تأخير عمر بن عبد العزيز الصلاة أنه أخَّرها عن أول وقتها. وإخبار عروة عمر بن عبد العزيز بحديث أبي مسعود يقتضي أن عروة نهى ما رآه أبو مسعود، وهذا الحديث رواه البخاري عن عبد الله بن مسلمة عن مالك. فمعنى إخبار عروة عمر بن عبد العزيز، وقول أبي مسعود للمغيرة إنكار على التأخير، وفيه دليل على أن السلف كانوا يخشون أن يكون أول الوقت هو المتعين لإيقاع الصلاة أو أن التأخُّر عنه بدون وجه إثم كشأنهم في المحافظة على السنة. وهذا قول من يرون أن الواجب الموسَّع وقته هو أول الوقت، وأن ما بعده قضاء سد مسد الأداء. والجمهور على أن جميع وقت الواجب الموسَّع وقت أداء. ولعل أبا مسعود كان يرى الوقت هو أول الوقت، فلذلك قال أبو مسعود للمغيرة: أليس قد علمت، الدال على أن هذا كان غير خفي. وقد اختصر أبو مسعود الحديث؛ لأنه وكله إلى ما في علم المغيرة من تفصيله.

стр. 54

ومحل الاحتجاج منه قوله: «أن جبريل نزل فصلى»؛ لظهور أن المراد نزل عند الوقت، أي ابتدائه، وقوله: «فصلى رسول الله» أي حين صلى جبريل أو صلى مع جبريل إمامًا أو مأمومًا بجبريل، كل ذلك لا جدوى للبحث فيه في غرضنا الذي هو بيان أن النزول عقبته الصلاة بلا تريث، وأن نزول جبريل لتبيين الوقت لا لأنه مكلَّف بمثل صلاة البشر. وظاهر أن النزول تكرر في الأوقات الخمسة، وظاهر أن قول جبريل لرسول الله ﷺ : «بهذا أمرت»، يقتضي أنه مأمور بجميع تلك الحالة المشار إليها، بقول جبريل: «بهذا». ومن جملتها ما دلت عليه الفاء في قوله: فصلى، أي جبريل. وقوله: فصلى رسول الله ﷺ في المرات الخمس فهو مأمور بالمبادرة بالصلاة في أول الوقت. ثم يجيء على كون أوقات الصلوات ذات مبادي ونهايات أن معنى الأمر بأول الوقت أنه تأكيد أو أمر لغير ذي العذر، كما بينته الآثار المذكورة عقبه وغيرها، وتخريج الوجوه في تلك الاحتمالات غير عسير، والشريعة لا يفارقها التيسير. وزعم بعض الناس أن حديث مالك هنا مختصر، وأن بسطه في كتابي الدارقطني والطبراني لا أعيره أذنًا. واعلم أن صلاة جبريل قصد منها تبليغ صفة الصلاة للنبي ﷺ ؛ لأن التبليغ بالفعل أشد بيانًا واختصارًا؛ لأن من الأفعال ما لا تحيط به العبارة، وهذا أيضًا هو وجه إعادة جبريل الصلاة في الأوقات الخمسة، لاختلاف صفات الصلوات في عدد الركعات، وفي صفة القراءة، وفي مقدار ما يقرأ في كل ركعة، وفي موضع القراءة، وغير ذلك من الصفات. واعلم أن الله أراد تشريف أوقات الصلاة، فلما كان فرضها في الإسراء بحضرة الملائكة، أرسل الله تعالى جبريل لبيان أوقاتها. وها علم أن قول عروة: «كذلك كان بشير بن أبي مسعود يُحدث عن أبيه»، معناه

стр. 55

كذلك اللفظ الذي أخبرتك به، كان بشير بن أبي مسعود يقول مثله. وقول أبي مسعود للمغيرة: «أليس قد علمت» صريح في أنه يعلم أن المغيرة عالم بذلك، وهذا يقتضي أن ذلك كان مشهورًا بين الصحابة ينقله بعضهم عن بعض، والمغيرة من الذين يظن أنهم حضروا ذلك، أو تلقوه عن الذين حضروا. وقول عمر بن عبد العزيز: «اعلم ما تحدث به يا عروة» أمر له بأن يتحقق في ذلك؛ إذ لم يكن قد بلغ عمر بن عبد العزيز من غير عروة؛ لأنه بينه بقوله: «إن جبريل نزل» إلخ، المقتضي أن جبريل أقام لرسول الله وقت الصلاة، أي حدده، كما تقول: أقمت قبلة المسجد. فقوله: وقت الصلاة، منصوب على أنه مفعول به بفعل أقام وليس منصوبًا على الظرفية. *** قال عُروة: ولقد حدثتني عائشة زوج النبي أن رسول الله كان يُصلي العصر والشمس في حُجرتها قبل أن تظهر. تردد الشارحون في هيئة الشمس التي تستفاد من هذا الحديث، والذي أرى أن المقصود منه التبكير في وقت العصر، وأنه لا يؤخر إلى العشي. والظاهر أن حجرة عائشة كانت تفتح إلى جهة بين القبلة والغرب، فلا تغيب الشمس عن الحجرة بعد الزوال، وأن هذا المفتح هو مفتح الحجرة من خلفها، أي من جهة الطريق؛ لأن باب الحجرة كان يفتح في المسجد إلى جهة الشام، وهي جهة الشمال بانحراف؛ لأن بابها المفضي إلى المسجد كان في حائط القبلة، وقبلة المدينة من الجنوب بانحراف يسير إلى الشرق، وأن الشمس كانت في وقت العصر في حجرتها. ومعنى «قبل أن تظهر» قبل أن يظهر قرصها للواقف في الحجرة؛ وذلك لقصر حائط الحجرة، بحيث كان أقل من قامة الإنسان. وقد وصف وقت صلاة العصر بأنه أن يظهر قرص الشمس إلى بصر الرائي الواقف غير منكس رأسه ولا مُطأطئ له. ويؤيد

стр. 56

هذا ما في «المنتقى» عن حبيبٍ كاتب مالك عن مالك أن معنى «تظهر»: أن الشمس في الأرض لم تبلغ الجدار، أي: لم تظهر فيه. فهذا تفسير هذا اللفظ. *** مالكٌ عن ابن شهاب عن أنس بن مالك أنه قال: كُنا نُصلي العصر، ثم يذهب الذاهب إلى قُباء، فيأتيهم والشمس مرتفعةٌ. يريد: أن الذاهب يذهب إلى قباء راجلاً. وفي هذا دليل على أن أول وقت العصر أن يصير ظل كل شيء مثله بعد الظل الذي زالت عليه الشمس، خلافًا لمن رأى أن وقت العصر متأخر عن ذلك. وقد اختلفت الرواية عن الزهري، فبعضهم روى عنه «ثم يذهب الذاهب إلى قباء» وهي رواية مالك وابن أبي ذئب. وروى جمهور رواة الزهري وبعض رواة الموطأ «يذهب الذاهب إلى العوالي»، والعوالي: القرى المتصلة بالمدينة من الجهة النجدية. قالوا: وهي تمتد إلى منتهى ثمانية أميال على المدينة. واختلفوا في أن قباء من أقصاها أو من أدناها، فقيل: هو على ثمانية أميال من المدينة. وقيل: هو على ثلاثة أميال. والصواب: أنه ثلاثة أميال، كما جاء صريحًا في قول مالك ﵀ في كتاب الصلاة الثاني من «المدونة» في نقل أبي الوليد الباجي. قال الباجي: «ومالك أعلم ببلده وأماكنها، على أنه أثبت أصحاب الزهري وأحفظهم، فإذا خالفته رواية غيره عن الزهري قضي لمالك» اهـ. أقول: وجه هذه الحيرة بينهم ومصير معظم أهل الحديث إلى ترجيح رواية «يذهب الذاهب إلى العوالي» اعتدادهم بكثرة رواة ذلك عن الزهري مع ظنهم أن قباء على

стр. 57

مسافة ثمانية أو عشرة أميال، فخشوا أن يظن الناس أن وقت العصر مبكر جدًا. وأقول أيضًا: إن الحق ما قاله مالك؛ لأنه تعارض هنا مجمل ومبين فيقضى بالمبين، وهو تعيين ذهاب الذاهب إلى قباء لانعدام فائدة التحديد في رواية العوالي، لامتداد العوالي مسافة ستة أميال أو نحوها. والمشاهد اليوم أن قباء لا يعدو مسافة ثلاثة أميال من المدينة. ما جاء في دلوك الشمس وغسق الليل مالك عن داود بن الحصين قال: أخبرني مخبر أن عبد الله بن عباس كان يقول: دُلُوك الشمس إذا فاء الفيء، وغسق الليل اجتماع الليل وظُلمته. قيل: أراد داود بن الحصين بالمخبر عكرمة مولى ابن عباس، وإنما كتم داود بن الحصين تسميته، لأن عكرمة كان يُتهم برأي الخوارج، وكان مالك يكره أن يروي عن أمثالهم، وإن كان قائلاً بقبول رواية أهل النحل الذين لا يبيحون الكذب ما لم يكن الراوي داعية لنحلته حريصًا على ترويجها. فطوى داود بن الحصين ذكره عن مالك، وقطع السند متعهدا هو بتوثيق عكرمة وسلامته مما نسب إليه، لأن داود يعلم أن مالكًا يشق بمرسل الثقة. وبهذا لا يشكل عليك قبول مالك لهذا الإبهام؛ لأنه جعله على عهدة الراوي الثقة.

стр. 58

جامع الوقوت مالك عن نافع عن عبد الله بن عمر أن رسول الله ﷺ قال: الذي تفوته صلاة العصر، كأنما وُتر أهله وماله. وُتر: مبني للمجهول مشتق من الوَتر -بفتح الواو-مصدر بمعنى النقص والرزء، قال تعالى: ﴿وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد: ٣٥] أي: كأنما رُزئ أهله وماله وهو تشبيه لشدة الخسر. وروي قوله: «أهله وماله» بالنصب على أنه مفعول ثان لـ (وُتر) ومعطوف عليه أي: سُلِبَ أهله وماله، فبقي بلا أهل ولا مال. وروي بالرفع على أن أهله نائب عن الفاعل على معنى أصابتهم تِرة، أي: قتل، فيكون ذلك مجازًا وهو متكلف، وإن كان صحيحًا. ولبعد هذا الوجه قال ابن السيد في «شرح غريب الموطإ»: الرفع غلط. وقد علمت له وجهًا، وإن كان ضعيفًا. *** مالكٌ عن يحيى بن سعيد؛ أن عمر بن الخطاب انصرف من صلاة العصر فلقي رجُلاً لم يشهد العصر فقال عمر: ما حبسك عن صلاة العصر؟ فذكر له الرجل عُذرًا، فقال عمر: طففت. قال مالكٌ: لكل شيءٍ وفاءٌ وتطفيفٌ. قول عمر: طففت، أي نقصت، مأخوذ من تطفيف المكيال والميزان، وهو النقص فيه. ويقال: شيءٌ طفيفٌ: قليل. وظاهر قول عمر أن النقص جاء من تأخير الصلاة عن أول وقتها، وهو الذي يؤذن به إخراج مالك إياه في وقوت الصلاة. وقيل: أراد النقص الذي عرض له من تفويت الجماعة.

стр. 59

النوم عن الصلاة قوله في حديث ابن شهاب: «وكلأ بلالٌ ما قُدر له، ثم استند إلى راحلته، وهو مقابل الفجر». كلأ: أي رقب. يُقال: كلأ النجوم، إذا نظر فيها ليرى طُلوع النجم الذي يوقت به. قال الراعي من شعراء الحماسة: كفاني عرفان الكرى وكفيتُه ... كُلُوء النجوم والنُّعاس مُعانقُهُ وقوله: «مقابل الفجر» معناه والله أعلم: وهو مُقارب وقت طُلوع الفجر حتى كأن الفجر قُبالته بمرأى منه، كما يُقال: البلد أمامك أو بين يديك، أي: قريبٌ منك. *** قوله: «ففزع رسول الله». أي: انتبه من نومه دُفعةً. ومنه قوله في حديث زيد بن أسلم بعده: «فإذا رقد أحدكم عن الصلاة أو نسيها ثم فزع إليها». *** قوله: فصلى بهم رسول الله الصبح، ثم قال حين قضى الصلاة: «من نسي الصلاة، فليُصلها إذا ذكرها، فإن الله ﵎ يقول في كتابه: ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي﴾ [طه: ١٤].

стр. 60

مراده ﵊ من قوله: «من نسي الصلاة» إلى آخره، أن يعرفهم بأن خروج الوقت لا يسقط وجوب الصلاة، وأن على المسلم أن يقضي الصلاة إذا نسيها حتى خرج الوقت. وقوله: «فإن الله تعالى يقول» إلخ بيان لدليل ذلك الفقه، أي فإن الله تعالى أوجب علينا الصلاة كما أوجبها على من قبلنا لحكمة واحدة، فلذلك كان ما أوحاه إلى من قبلنا من حكمة إقامة الصلاة لازمًا لنا، لاتحاد حكمة الصلاة فينا وفيهم. وتلك الحكمة أنها أداءٌ لحق ذكره، وحق ذكر الله مستقر في ذمة المسلم، فلا يسقطه خروج الوقت؛ لأن الوقت إنما جعل للمحافظة على أداء الصلاة وتجنب تأخيرها الذي قد يفضي إلى نسيانها؛ فلا يعود خروج الوقت سببًا لإسقاط الصلاة؛ لأنه بذلك يجعل الوسيلة مقصدًا والمقصد تبعًا، وذلك إخراج للحقائق الشرعية عن مهيعها والمقصود منها، فهذا استدلال من استنباط رسول الله ﷺ ، أو هو من بيان القرآن بوحي غير مقروء. وفي الآية قراءتان لـ «ذكري» بالإضافة إلى ياء المتكلم، وقراءة «للذكرى» بألف في آخره على أنه اسم مصدر الذكر الذي أريد به ذكر الله تعالى، فمدلول القراءتين واحدٌ والاستدلال قائمٌ على كلتا القراءتين. ولشراح «الموطأ» هنا حيرة وتطويل لا داعي إليهما ولا تعويل. *** قوله في حديث زيد بن أسلم: «فأمرهم رسول الله أن يركبوا حتى يخرجوا من ذلك الوادي، وقال: إن هذا وادٍ به شيطانٌ ... ». احتار شارحو «الموطأ» و «الصحيحين» في تفسير الكلام النبوي، وذهبوا في ذلك طرائق لا حاجة إلى ذكرها، إذ هي منكم على طرف الثمام.

стр. 61

والذي بدا لي في توجيه الأمر بالانتقال من ذلك الوادي، وفي توجيه قوله في تعليله: «إن هذا واد به شيطان»: أن حيلة الشيطان لما غلبت حرصهم على كلاءة وقت الفجر حتى حرمتهم فضيلة ذلك الوقت الذي تشهده الملائكة، أمرهم رسول الله ﷺ بمبارحة ذلك المكان الذي غُلبوا فيه على ما يُحبُون من فضيلة الوقت تسليًا من الحسرة التي تلازمهم ما بقوا في ذلك المكان يذكرون ما ألم بهم، وتبغيضًا لآثار حيل الشيطان عندهم ليحصل لهم من ذلك التبغيض تيقظ لمحاربة كيد الشيطان، والتحرز منه بطريقة نفسانية تدخل في قوة المحسوس، وفي ذلك تقوية للإيمان. وقريبٌ من هذا المعنى النهي عن الاستقرار بأرض العذاب. وقوله: «به شيطانٌ» يحتمل أن يكون معناه: أنه حل به شيطان، وهو الشيطان الذي دبر تهدئة ونفوسهم، ويحتمل أن يكون شيطانًا ملازمًا لذلك الوادي؛ إذ يجوز أن تألف المجردات والموجودات الخفية مواضع تلازمها، كما يألف الوحش والطير. قوله فيه: «يا أيها الناس إن الله قبض أرواحنا ولو شاء لردها إلينا في حينٍ غير هذا ... ». تسكينٌ لهم، وإبداءٌ لمعذرتهم عند الله تعالى، بأنهم كانوا في حالة النوم غير مكلفين، وأنهم كانوا غير مفرطين في الأخذ بأسباب التيقظ للوقت. فالكلام الأول: تحسرٌ لما فاتهم من الفضل، والكلام الثاني: تهدئة لروعهم وفزعهم ببيان عدم المؤاخذة بذنب. وقوله: «إن الله قبض أرواحنا» أي: في حال النوم. والقبض: الحبس والإمساك، أي: أمسك أرواحنا، أي: عن التصرف بكمال قواها؛ لأن النوم شبيه بالموت في عدم الإدراك، وعدم التصرف بالحواس، وبالمشي، والعمل باليد، فهو موت صغير؛ ولذلك قال الله تعالى: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ [الزمر: ٤٢]. ووجه تشابه النوم والموت أن الحياة قوة ينشأ عنها الحس والحركة بسبب انبثاث الروح الحيواني في مزاج الحي، وينشأ عن الروح الحيواني انبعاث روح نفساني، فالموت انعدام الروح الحيواني، وبالضرورة ينعدم الروح النفساني، والنوم يساوي الموت في عدم انبعاث الروح النفساني عدمًا مؤقتًا، فتُشبه حالة النائم حالة الميت وقتًا ما، فالنوم: قبض للروح مؤقت بكيفية صالحة لرجوع مفعوله عند التيقظ؛ لأن سبب النوم تعب المجموع

стр. 62

العصبي من آثار الأعمال الطبيعية التي يقوم بها البدن من رؤية، وكلام، وسمع، وحركة وتفكير، وأعمال الأعضاء الرئيسية. فتنقبض بسبب ذلك التعب أعصاب الدماغ التي هي الحاكمة في المجموع العصبي، فتطلب الأعصاب كلها الراحة وترتخي، ويحصل لها خمود، ثم غيبوبة، فيُفقد إحساس النظر، ثم السمع، ثم يقع اختلاط الذهن ويفقد الكلام والحركة، إلى أن تحصل الراحة للأعصاب، فيستيقظ. النهي عن الصلاة بالهاجرة قوله: «وقال رسول الله ﷺ : اشتكت النار إلى ربها فقالت: يا رب أكل بعضي بعضًا فأذن لها بنفسين في كل عامٍ نفسٍ في الشتاء ونفسٍ في الصيف». حقيقة الشكاية في اللغة: الإخبار عن الأمر المنافر أو المضر، فشكاية جهنم إلى الله تعالى يحتمل أن تكون مجازًا عن حالة تتجاوز فيها حد معتادها لتكون شكاية بلسان الحال كقول عنترة يصف فرسه: فازور من وقع القنا بلبانه ... وشكا إلي بعبرةٍ وتحمحم وعِلمُ الله تعالى بتلك الحالة من النار قائم مقام بلوغ الشكاية للمشتكى إليه. وتقدير الله تعالى تخفيف حرها وقرها بإطلاق شيء منه إلى الدنيا هو الإذن لها بنفسين، ويحتمل أن تكون الشكاية حقيقة بأن يكون لجهنم شيء يدل على تضايق أمرها، واضطرابها، وعجزها عن القيام بما سُخرت له، فإن جهنم من الموجودات المغيبة عنا،

стр. 63

فلا نصل إلى كنه أحوالها والقدرة صالحة لما لا تصل إليه العقول بحسب معتادها، ويحتمل أن تكون الشكاية من الملائكة المسخرين بتدبير جهنم أن يكونوا يخشون أن تصل بهم شدة أمر جهنم إلى التقصير في تدبير ما سُخروا له، والله أعلم. النهي عن دخول المسجد بريح الثوم قال في «القبس»: إن إدراج هذه الترجمة في كتاب وقوت الصلاة، للتنبيه على أن الجماعة ليست بفرض، وإلا لما جاز التخلف عنها، فلما جاز أكل الثوم الموجب للتخلف، وهو توجهٌ غير رشيق. والذي يظهر أن ذكر ذلك هنا لمجرد مناسبة ترك فضيلة من فضائل الصلاة، وهي فضيلة الجماعة لعارض الأذى، كما خير إيقاع الصلاة في أول الوقت لأجل أذى الحر. العمل في الوضوء الطهارة: من أهم شرائع الإسلام فقد جعلت شرطًا في أداء الصلاة التي هي أعظم شرائع الإسلام، قال النبي ﷺ : «لا يقبل الله الصلاة بغير طُهور»، فالطهارة وسيلة عظيمة لفضائل جمة جُثمانية ورُوحانية. وقد جاء الإسلام متممًا لمكارم الأخلاق، وهاديًا إلى الفضائل والمحاسن، ليبلغ بالناس إلى أقصى حد تصل إليه الفطرة السليمة؛ إذ الطهارة نظافة، والنظافة من أول ما ألهم إليه البشر من خصال الفطرة السليمة، كما أشار إليه قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا﴾ [الأعراف: ٢٢] لما هو معلوم من أن السوأة مقر القذارة. ولكن الناس منذ القدم وإن لم يكونوا مضيعين لحظ من الطهارة قد كانوا مفرطين في حظوظ عظيمة من كمالها على تفاوت بينهم في ذلك التضييع، فجاء الإسلام يأمرهم بما يكمل ما في الفطرة من حب التطهر، وذلك بجعله الطهارة شرطًا في أهم أركانه، وببيان فضائلها، وبتحديد مواقيت إيقاعها بحسب ما يناسب حاجة كل أحد حتى لا يُعرضها الناس للإضاعة

стр. 64

بذريعتين: إحداهما: النسيان عنها، والثانية: اختلاف النفوس في الشعور بحالة لزومها، وهاتان الذريعتان هما ذريعة التفريط في الفضائل كلها. فأما النسيان: فتراخى المرء عن الأمر الحسن في وقته الحاصل فيه، فإذا تذكره بعد فوات وقته، يتثاقل عن تداركه فينقلب نسيانه إلى تهاون واستخفاف. وأما اختلاف الشعور بالحاجة إلى العمل النافع: فيُغر المرء بأنه في غنى عنه فيتركه في حال تلبسه بما يقتضي عمله، فيفوت الانتفاع بالمنافع كثيرًا من الناس في أوقات كثيرة. وشأن الناس في أمر النظافة هكذا، فإنهم وإن كانوا لا يختلفون في حسن النظافة تجد كثيرًا غير متسمين بها إما لنسيان وتهاون، وإما لإخالتهم أنفسهم في نظافة، وهم في ضدها. فلسد هاتين الذريعتين جعل الإسلام الطهارة واجبة؛ لأجل الصلاة التي هي عبادة تتكرر كل يوم فلم يبق للنسيان إلى نفوسهم تطرق، ولا للاغترار بالنظافة الكاذبة بأذهانهم تعلق. وإن مظاهر الكمال الجثمانية من شأنها السريان إلى النفس فتقيد الروح نشاطًا وإشراقًا ينشئان عن شدة اتصال أحوال الروح بأحوال الجسد، ثم عن الشعور بالفضل والتحلي بالكمال، فكانت الطهارة الجثمانية تهيئة لإشراق الروح إشراقًا يُهيئ إلى التزكية والنزاهة كما يحس به المتطهر في حال تطهره ويحس بضده في حال انتقاض الطهارة. ويحصل تمام ذلك الإشراق عن الطهارة بسبب نية المتطهر القيام بواجب شرعي، واستشعاره أن تطهره تأهب للصلاة التي هي مناجاة الله تعالى. قال الشيخ أبو محمد في «الرسالة»: «ويُشعر نفسه أن ذلك تأهب وتنظف لمناجاة ربه، والوقوف بين يديه لأداء فرائضه». ولتحصيل الاجتياز إلى الروح من هذا البرزخ اشترط الإسلام في الطهارة أن يكون فعلها بنية التقرب إلى الله تعالى، فإنها من جملة أعمال الإسلام التي جاء فيها قول رسول الله ﷺ : «إنما الأعمال بالنيات» فبتلك النية وذلك الإخلاص يكمل سريان الطهارة الجثمانية إلى الروح فتزكيها. وجعلت الشريعة أسبابًا لتجديد الطهارة لا تخفى عن المتلبس بها فلا تقبل تشكيكًا

стр. 65

ولا تأخيرًا. فتقرر فضل الطهارة بقوله تعالى: ﴿فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ﴾ [التوبة: ١٠٨]. وجعلت الطهارة: طهارتين: كبرى: لجميع الجسد لإزالة ما عليه من مفرزات طبيعية وما يرد إليه من أوساخ خارجية، وصغرى: لأعضاء ومنافذ يكثر الإفراز والورود عليها. وجعلت أسباب تجديد كلتا الطهارتين أسبابًا من شأنها التكرر، وجعلت تلك الأسباب أشياء مناسبة لشعور النفس بانتقاص إشراقها المعبر عنه في الحديث: «أصبح خبيث النفس كسلان». ومن بدائع التشريع أننا نجد مناسبة بين الأسباب التي يعبر عن أكثرها الفقهاء بالأحداث وهي مفرزات جسدية. وبين سبب مشروعية الطهارة الكبرى والصغرى وهو النظافة، فإن تلك الأسباب تكثر وتقل في آحاد الناس تبعًا لقوة عضلات البدن وضعفها. وإذا كان الوسخ من جملة المفرزات الجسدية كانت تلك الأسباب الظاهرة مقارنة في الواقع للسبب الخفي، فأنيطت سببية الطهارة بالظاهر، لأنه مقارن للخفي ومعرف به كشأن الأسباب الشرعية. وقد ورد الأمر مع ذلك بالغسل كل يوم جمعة في الحديث الصحيح في «الموطإ» وغيره. وحمله كثير من الفقهاء على الوجوب، وعلله حذاقهم بأنه لمجرد النظافة حتى أجاز بعضهم إيقاعه بماء الورد؛ لأنه ليس لرفع الحدث. وحمله مالك ﵀ على السنة المؤكدة. ويلحق بهذا طهارة أخرى وهي طهارة الجسد، والثوب، والبُقعة من التلطخ بالنجاسات؛ ولذلك أخذ حكم طهارة الحدث في القول المشهور من وجوبهما، ويدل عليه الحديث: «إنهما ليُعذبان وما يُعذبان في كبيرٍ؛ أما أحدهما فكان لا يتستر من البول ... ». والمطهر: هو الماء الباقي فيه وصف المائية على اختلاف في صفة بقاء هذا الوصف

стр. 66

فيه. ولم يعتد الشرع بغير الماء من الموائع المطهرة؛ لأن الماء هو الممكن تناوله، ولا تختلف فيه منازع الناس، ولخصوصية في الماء علمها الله تعالى. الطهور للوضوء مالك، عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، عن حميدة بنت أبي عبيدة بن فروة، عن خالتها كبشة بنت كعب بن مالك وكانت تحت أبي قتادة الأنصاري أنها أخبرتها: أن أبا قتادة دخل عليها فسكبت له وضوءًا فجاءت هرةٌ لتشرب منه فأصغى لها الإناء حتى شربت، قالت كبشة: فرآني أنظر إليه فقال: أتعجبين يا ابنة أخي، قالت: فقلت: نعم، فقال: إن رسول الله قال: «إنها ليست بنجسٍ إنما هي من الطوافين عليكم أو الطوافات». الظاهر أن قول رسول الله ﷺ : «إنما هي من الطوافين عليكم» من بقية قوله: «إنها ليست بنجسٍ» فيكون إيماء إلى علة إسقاط غسل ما ولغت فيه الهرة مع غلبة أكلها الجيف والمستقذر، فالاحتراز منها مشقة عفي عنها، فيشاركها في ذلك الكلب المتخذ للحراسة عند أهل البادية بالقياس. وعلى هذا يكون حكم غيرهما من السباع بخلاف ذلك. وهذا الاحتمال هو المناسب لقول مالك ﵀ «إلا أن يُرى على فمها نجاسةٌ» لأن حالة رؤية النجاسة على فمها حالة تحقق مباشرة النجاسة للماء. وهي أيضًا حالة نادرة فليست من مواقع التيسير. ويحتمل أن يكون قوله ﵇: «فإنما هي من الطوافين» إلخ لم يقع مقارنًا لقوله: «إنها ليست بنجس» بل وقع في سياق آخر للترئيف على الهرَّة وإن لا يؤذيها أهلها، كما يشهد له حديث: «دخلت امرأة النار في

стр. 67

هرة حبستها ... »، ويكون أبو قتادة جمع بين الخبرين: فأولهما: لإظهار حكم شربها من إناء وضوئه، وثانيهما: لدفع تعجب امرأته من رفقه بالهرة؛ فيكون محل حُكم هو قوله: «إنها ليست بنجس»، فيلحق بها كل حيوان هو مظنة لأكل الجيف والنجاسات لا يختص بما يعسر الاحتراز عنه، فالحكم هو العفو عن هذا الشك في النجاسة تيسيرًا على الأمة. وهذا أوفق بمذهب مالك من طهارة لعاب الحيوان كله، حتى قال: «إن غسل الإناء من ولوغ الكلب غسل نظافة لا طهارة». وهو أوفق بما يرد عقب هذا من قول عُمر لصاحب الحوض: «فإنا نرد على السباع وترد علينا» أي: يعسر الاحتراز عن الانتفاع بالمياه التي تردها السباع مع دلالته على أن ذلك قد مضى من السنة فلذلك كان من قبيل المسنون. وقوله: «إنما هي من الطوافين» صيغة قصر، وهو قصر قلب، للرد على من يتنزل منزلة المنكر كونها من الطوافين فيكثر أذى الهرة أو يتجنب سؤرها، كما تقول لمن يغلظ على أخيه: إنما هو أخوك. *** ووقع فيه قوله: «فقال عمرو بن العاصي لصاحب الحوض: يا صاحب الحوض هل ترد حوضك السباع؟ فقال عمر بن الخطاب: يا صاحب الحوض لا تُخبرنا فإنا نرد على السباع وترد علينا». الحوض: وهدة متسعة من الأرض يجتمع فيها المطر، فيقر بها بعد السيل. وقد يكون مجعولاً بحفرٍ وتحويط. يقال: حوض فلان الماء، إذا حفر له وحاطه بجدر قصير

стр. 68

ويتعهده بسد ما تثلم منه لجريان الماء. قال زهير: ونؤيا كجذم الحوض لم يتثلم وربما جعلوا الحوض قرب البئر لينزل فيه ماؤها ويجمع لوقت ورود الماشية. وفي حديث نبع زمزم لأم إسماعيل «فجعلت تُحوضه». والأحواض من خصائص عرب البادية أهل الخيام، وهم يتنافسون في أراضي النزول بكثرة ما فيها من مرور المياه والأحواض؛ ولذلك يسمون أهل الحِلة أهل الماء. وتسمى منازل العشائر في بادية العرب المياه. ومنه قوله: حُكام المياه. وقد يكون الحوض عامًا لأهل الماءة كلهم، وقد يكون مما اختص به واحد منهم، وإنما يكون ذلك لكثرة أنعامه. والاختصاص بها يكون بما تملك به الأشياء في البوادي، وذلك بالسبق إلى سكنى المكان الذي به الحوض أو باحتقار الحوض، ثم إذا اختص به يدفع الناس عن الشرب منه إلا بإذنه، وكانوا يبيحون ذلك لعابر السبيل. فذلك معنى قول عمر وقول عمرو بن العاص «يا صاحب الحوض» يعني المختص به، وفيه قول زهير: ومن لم يذُد عن حوضه بسلاحه ... يهدم ومن لا يظلم الناس يُظلم لأنهم كانوا إذا استضعفوا أحدًا غصبوا ماءه. قال صنان بن عباد اليشكري من شعراء الحماسة حين استضعفه بعض الناس بعد أخيه حمارٍ واسمه علقمة: لو كان حوض حمار ما شربت به ... إلا بإذن حمارٍ آخر الأبد وإذا كان مجتمع الماء دون الحوض سمي الشَرَبة (بفتح الشين وفتح الراء). وهي حويض يسع من الماء مقدار ما يسقي نخلة. وإنما سأل عمرو عن ورود السباع الحوض؛ لأن السباع تسكن الأغيال التي بحذاء المياه لتفترس الدواب حين ترد الماء. والنهي في قول عمر: «لا تخبرنا» مستعمل للتخيير، أي: إن شئت لا تخبرنا؛ إذ لا فائدة فيه. ووجه الجمع في كلام عمر بين قوله: «لا تخبرنا» وقوله: «فإنا نرد على السباع»

стр. 69

إلخ قد أشار إليه الباجي. *** مالكٌ عن نافع؛ أن عبد الله بن عمر كان يقول: إن كان الرجال والنساء في زمان رسول الله ليتوضؤون جميعًا. أخرج الإمام هذا الحديث تحت ترجمة «الطهور للوضوء» لينبه على أن قول الراوي: «يتوضؤون جميعًا» أنهم يتوضؤون من إناءٍ متحد للرجال والنساء، للرد على أقوال غريبة في هذا الباب، قال بها بعض السلف في صدر الإسلام انجرت إليهم من أوهام بأخبار ضعيفة وعوائد قديمة، فقد كان أهل الجاهلية إذا استقوا من المياه سقي الرجال، ثم سقي النساء. وكان النساء إذا استقين بالغن في غسل أبدانهن وثيابهن، واغتسلت الحيض آخر ذلك. وقد وصف القرآن شيئًا من ذلك بقوله تعالى: ﴿قَالَتَا لا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ﴾ [القصص: ٢٣]. وقالت كبشة أخت عمرو بن معد يكرب

стр. 70

في تعيير أخويها وأوليائها: ولا تردوا إلا فضول نسائكم ... إذا ارتملت أعقابهن من الدم فكان معهودًا أن الماء بعد سقي النساء يصير غير صالح، وربما كان مؤكدًا لهذا الوهم الاغترار ببعض أحوال أهل الكتاب، فقد قطنت المدينة وما حولها قبل الإسلام طوائف من اليهود: بنو قينقاع، وقريظة، وخيبر، والنضير، وكان في دين اليهود تحقير للمرأة وتنجيس لأغلب أحوالها، فسرى ذلك في أوهام كثير من سكان المدينة حتى قال بعضهم: إن مرور المرأة بين يدي المصلي يبطل الصلاة كالكلب، والحمار، فكانت عائشة تقول: بئسما عدلتُمونا بالكلب والحمار، ومن ذلك أن بعضهم قال: بكراهة تطهر الرجل بفضل وضوء المرأة. نقله ابن رزق في كتاب «الأنوار». فكان هذا محل عناية المتفقهين من قبل. وذكر أن ابن عباس سئل عن التطهر بفضل وضوء المرأة فقال: هن ألطف بنانًا وأطيب ريحًا، وكذلك قال زيد بن ثابت اهـ، فكان حديث ابن عمر أقوى حجةٍ في هذا الباب؛ لأنه أثبت أن وضوء الرجال مع النساء كان من الأمر المعمول به في زمن رسول الله ﷺ . ومن العجيب ما نقله الباجي وغيره عن أحمد وداود أنهما قالا: إن خلت المرأة بالتطهر فلا خير في فضل طهورها وإن تطهرت بحضرة الرجل فلا بأس أن يتطهر بفضلها، وأعجب منه توجيه البابلي شيخ الزرقاني.

стр. 71

ترك الوضوء مما مست النار «ما مست النار» أي: أصابت، وهو كناية عن الطعام المطبوخ بالنار، وإنما يطبخ بالنار عندهم غالبًا اللحم وما فيه الودك. وإنما ترجم مالك ﵀ هذه الترجمة لإبطال ما كان يروى عن بعض الصحابة أن على من أكل لحمًا مطبوخًا أن يتوضأ، ولم ينقل إلينا عنهم أكانوا يرون الوضوء بعد ذلك واجبًا أم فضيلة، وأكانوا يرون أكل ما مست النار ناقضًا لوضوء الآكل أم واجبًا غير ناقض. وأحسب أن هذا كان مذهبًا لبعض السلف الذين كانوا بالعراق، كما يدل عليه خبر أنس مع أبي طلحة وأبي آخر الباب «وقولهما له: هذا يا أنس، أعراقية»؟ وكان الصحابة يتحرزون مما أدخله المسلون بالعراق من عوائدهم في أمور العبادة حتى يخال الجاهل أن تلك العوائد من السنة. وقد قيل: إن ذلك كان مأمورًا به في صدر الإسلام حرصًا على النظافة؛ لأن دسومة اللحم تُبقي في اليدين والفم روائح مكروهة. وقد كانوا في الجاهلية يكتفون بمسح الأيدي بالمناديل، ويكتفي المسافرون والصائدون بمسح أيديهم بأعراف خيلهم. قال امرؤ القيس: نمش بأعراف الجياد أكُفنا ... إذا نحن قُمنا عن شواءٍ مُهضب المش: مسح اليد بشيءٍ لإذهاب الغمر. والخبران الواردان عن زيد بن ثابت، وجابر بن سمرة بالوضوء مما مست النار ومن لحوم الإبل، وهما في «صحيح مسلم» ما أريد بالوضوء إلا المعنى اللغوي دون الشرعي، وهو غسل اليدين مثل ما في الحديث: «من بركة الطعام الوضوء قبله

стр. 72

والوضوء بعده» فلا حاجة إلى دعوى وقوع نسخه. وقال كثير: إنه كان مأمورًا فنسخ. ومن أعجب العجب أن ذهب أحمد بن حنبل بأن الوضوء ينتقض بأكل لحم البعير لشدة زهومته سواء أكله نيًا أم مطبوخًا، وأية مناسبة بين أكل اللحم بالفم، وبين غسل الرجلين، ومسح الرأس والأذنين. وكيف يذهب إلى هذا عالم بعد أن انضبطت قواعد الفقه والأصول، ووجوه محامل الأخبار. ورحم الله أبا عبد الله البخاري

стр. 73

حيث لم يخرج في «صحيحه» حديث زيد بن ثابت في الوضوء مما مست النار، ولا حديث جابر بن سمرة في الوضوء من لحوم الإبل. جامع الوضوء مالك عن العلاء بن عبد الرحمان عن أبيه، عن أبي هريرة: أن رسول الله ﷺ خرج إلى المقبرة فقال: «السلام عليكم دار قوم مؤمنين وإنا إن شاء الله بكم لاحقون وددت أني قد رأيت إخواننا». فقالوا: يا رسول الله ألسنا بإخوانك؟ قال: «بل أنتم أصحابي وإخواننا الذين لم يأتوا بعد. وأنا فرطُهُم على الحوض». فقالوا: يا رسول الله كيف تعرف من يأتي بعدك من أُمتك؟ قال: «أرأيت لو كان لرجل خيلٌ غُر مُحجلةٌ في خيلٍ دُهم بهم ألا يعرف خيله؟ » قالوا: بلى يا رسول الله، قال: «فإنهم يأتون غُرًا مُحجلين من الوضوء وأنا فرطهم على الحوض فلا يُذادن رجالٌ عن حوضي كما يُذاد البعير الضال، أُناديهم: ألا هُلم، ألا هلُم فيُقال: إنهم قد بدلُوا بعدك. فأقول: فسُحقًا فسحقًا فسُحقًا». قوله: «دار قوم» الدار: المكان الذي يجمع سكانًا كثيرين. يقال: دار القوم ودارة القوم. وفي المثل: دارهم ما دمت في دارهم. والمراد هنا: سُكان الدار، مثل ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢]. وانتصب: «دار قوم» على الاختصاص بالنداء؛ لأن المراد سُكانها. وقوله: «وإنا إن شاء الله بكم لاحقون» تنويه بأولئك المخاطبين، حيث يتمنى

стр. 74

المتكلم أن يكون مصيره كمصيرهم فيؤكد الخبر تأكيدًا يدل على أنه يسعى مثل سعيهم. فالمقصود لاحقون بكم: بالموت على الإيمان مثل: إيمانكم وعمل مثل عملكم، وكلمة «إن شاء الله» لرجاء حصول المأمول. وقوله: «وددت»: انتقال من خطاب الأموات إلى خطاب أصحابه الحاضرين معه في المقبرة. والمراد بالإخوان: الإخوان في الإيمان، كما هو ظاهر، والمراد بالود هنا: التمني بقرينة كون المودود غير ممكن عادةً، فظن السامعون أن رسول الله تمنى أن يرى فريقًا من المؤمنين، فلذلك قالوا: «ألسنا بإخوانك؟ » أي: ألست ترانا الآن، وقد أرادوا استطلاع المقصود من تمني رؤية المؤمنين. فأجابهم بقوله: «بل أنتم أصحابي» إلخ. أي إخواني وزيادة. وإنما وددت أن أرى من لم يكن من أصحابي. وقد اتضح أن رسول الله قد آذنهم بقرب انتقاله إلى الرفيق الأعلى؛ لأنه تمنى أن يرى من لم يكن موجودًا يومئذ من المؤمنين، أي: أن الحياة الدنيا لا يود منها رسول الله إلا أن يرى أمته لو كان ذلك في الإمكان المعتاد. وكفى أمته بهذا دليلاً على محبة رسول الله ﵊ أمته وجزاه أحسن ما جزى به نبيًا عن أمته وبما هو أهله. وقوله: «وأنا فرطهم عن الحوض» الفرط: بفتحتين. ويقال: الفارط بإشباع فتحة الفاء: هو الذي يسبق الواردين إلى الماء، فيصلح لهم الحوض الذي يملأ به الماتحون ويتذوق لهم الماء إن كان المستقون مسافرين في أرض لا يعرفون ماءها، قال الأعشى: وأصفر كالحناء ذاوٍ جمامه ... متى ما يذُقه فارط القوم يبصُقُ والكلام تمثيل، يعني وسيجدونني لما ينفعهم يومئذٍ؛ ولأجل كون الكلام تمثيلاً نشأ عنه سؤال أصحابه بقولهم: «كيف تعرف من يأتي بعدك» أي: كيف تعرفهم يوم الحشر حتى تصلح من أحوالهم كما ينفع الفرط قومه؟ وحصل الجواب بقوله: «أرأيت لو كان لرجل خيل» إلخ. أما قوله: «فلا يذادن رجال» فهو انتقال من البشارة إلى النذارة، كدأب رسول الله في طبه النفوس، حذرهم به من الوقوع فيما يخرج عن الإسلام بعد الدخول في حضيرته والسعي إلى الارتواء من معينه.

стр. 75

وقوله: «لا يذادن» نهي يراد بمثله النهي عن سبب الفعل، كما قال النابغة: فقلت لهم لا أعرفن عقائلاً ... رعابيب من جنبي أريكٍ وعاقل ضوارب بالأيدي وراء براغزٍ ... حسانٍ كآرام الصريم الخواذل ولا أعرفني بعد ما قد نهيتكم ... أجادل يومًا في شوي وحامل وهو نهي تحذير، ونداء النبي ﷺ إياهم يومئذ بالإقبال على حوضه مراد به التعريض للملائكة الذين ذادوهم عن الحوض أن يسمحوا لهم بوروده، فهذا النداء من معنى الشفاعة لهم ظنًا منه أنهم طُردوا لأجل ذُنوبهم وأنهم موفقون. وقوله: «فيقال: إنهم قد بدلوا بعدك» لا محالة أن المراد به أنهم بدلوا الإيمان كفرًا. فهو إشارة إلى قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالإِيمَانِ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾ [البقرة: ١٠٨]. أي: أنهم ليسوا بمؤمنين، وهؤلاء هم أهل الردة الذين ماتوا على الكفر. والمجيء بهم إلى جانب الحوض تنكيل بهم، ليروا ما كان لهم من الخير لو ثبتوا على الإيمان. وليس في الكلام ما يؤذن بأنهم يجيئون غُرًا محجلين، وأنى لهم الغرة والتحجيل اللذين هما من سمة التفضيل. وقوله: «فأقول: فسحقًا فسحقًا فسحقًا» السحق: البُعد، ومكان سحيق: بعيد، وهو مفعول مطلق بديل عن فعل أمر أو عن فعل دعاء. وكرر الدال على إبعادهم ثلاث مرات؛ لإبطال تكرير ما دل على إدنائهم ثلاثًا من قوله: «ألا هلم»، وفيه إيماء إلى أن الرجال المتحدث عنهم ليسوا بمؤمنين؛ لأن الدعاء عليهم بالسحق يقتضي عدم الرحمة لهم، ولو كانوا مؤمنين لكان رسول الله بهم رؤوفًا رحيمًا وشفيعًا ملحًا، وللشارحين في هذا الحديث تطويل وشكوك تفككت بها أوصال هذا الكلام الشريف. *** مالك عن هشام بن عروة عن أبيه عن حُمران مولى عثمان بن عفان: أن عثمان بن عفانٍ جلس على المقاعد فجاء المؤذن فآذنه بصلاة العصر فدعا بماءٍ فتوضأ، ثم قال:
следующие страницы →