Полный текст (362 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.
стр. 71
ترك الوضوء مما مست النار
«ما مست النار» أي: أصابت، وهو كناية عن الطعام المطبوخ بالنار، وإنما يطبخ بالنار عندهم غالبًا اللحم وما فيه الودك. وإنما ترجم مالك ﵀ هذه الترجمة لإبطال ما كان يروى عن بعض الصحابة أن على من أكل لحمًا مطبوخًا أن يتوضأ، ولم ينقل إلينا عنهم أكانوا يرون الوضوء بعد ذلك واجبًا أم فضيلة، وأكانوا يرون أكل ما مست النار ناقضًا لوضوء الآكل أم واجبًا غير ناقض. وأحسب أن هذا كان مذهبًا لبعض السلف الذين كانوا بالعراق، كما يدل عليه خبر أنس مع أبي طلحة وأبي آخر الباب «وقولهما له: هذا يا أنس، أعراقية»؟ وكان الصحابة يتحرزون مما أدخله المسلون بالعراق من عوائدهم في أمور العبادة حتى يخال الجاهل أن تلك العوائد من السنة. وقد قيل: إن ذلك كان مأمورًا به في صدر الإسلام حرصًا على النظافة؛ لأن دسومة اللحم تُبقي في اليدين والفم روائح مكروهة. وقد كانوا في الجاهلية يكتفون بمسح الأيدي بالمناديل، ويكتفي المسافرون والصائدون بمسح أيديهم بأعراف خيلهم. قال امرؤ القيس:
نمش بأعراف الجياد أكُفنا ... إذا نحن قُمنا عن شواءٍ مُهضب
المش: مسح اليد بشيءٍ لإذهاب الغمر.
والخبران الواردان عن زيد بن ثابت، وجابر بن سمرة بالوضوء مما مست النار ومن لحوم الإبل، وهما في «صحيح مسلم» ما أريد بالوضوء إلا المعنى اللغوي دون الشرعي، وهو غسل اليدين مثل ما في الحديث: «من بركة الطعام الوضوء قبله
стр. 72
والوضوء بعده» فلا حاجة إلى دعوى وقوع نسخه. وقال كثير: إنه كان مأمورًا فنسخ. ومن أعجب العجب أن ذهب أحمد بن حنبل بأن الوضوء ينتقض بأكل لحم البعير لشدة زهومته سواء أكله نيًا أم مطبوخًا، وأية مناسبة بين أكل اللحم بالفم، وبين غسل الرجلين، ومسح الرأس والأذنين. وكيف يذهب إلى هذا عالم بعد أن انضبطت قواعد الفقه والأصول، ووجوه محامل الأخبار. ورحم الله أبا عبد الله البخاري
стр. 73
حيث لم يخرج في «صحيحه» حديث زيد بن ثابت في الوضوء مما مست النار، ولا حديث جابر بن سمرة في الوضوء من لحوم الإبل.
جامع الوضوء
مالك عن العلاء بن عبد الرحمان عن أبيه، عن أبي هريرة: أن رسول الله ﷺ خرج إلى المقبرة فقال: «السلام عليكم دار قوم مؤمنين وإنا إن شاء الله بكم لاحقون وددت أني قد رأيت إخواننا». فقالوا: يا رسول الله ألسنا بإخوانك؟ قال: «بل أنتم أصحابي وإخواننا الذين لم يأتوا بعد. وأنا فرطُهُم على الحوض». فقالوا: يا رسول الله كيف تعرف من يأتي بعدك من أُمتك؟ قال: «أرأيت لو كان لرجل خيلٌ غُر مُحجلةٌ في خيلٍ دُهم بهم ألا يعرف خيله؟ » قالوا: بلى يا رسول الله، قال: «فإنهم يأتون غُرًا مُحجلين من الوضوء وأنا فرطهم على الحوض فلا يُذادن رجالٌ عن حوضي كما يُذاد البعير الضال، أُناديهم: ألا هُلم، ألا هلُم فيُقال: إنهم قد بدلُوا بعدك. فأقول: فسُحقًا فسحقًا فسُحقًا».
قوله: «دار قوم» الدار: المكان الذي يجمع سكانًا كثيرين. يقال: دار القوم ودارة القوم. وفي المثل: دارهم ما دمت في دارهم. والمراد هنا: سُكان الدار، مثل ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢]. وانتصب: «دار قوم» على الاختصاص بالنداء؛ لأن المراد سُكانها.
وقوله: «وإنا إن شاء الله بكم لاحقون» تنويه بأولئك المخاطبين، حيث يتمنى
стр. 74
المتكلم أن يكون مصيره كمصيرهم فيؤكد الخبر تأكيدًا يدل على أنه يسعى مثل سعيهم. فالمقصود لاحقون بكم: بالموت على الإيمان مثل: إيمانكم وعمل مثل عملكم، وكلمة «إن شاء الله» لرجاء حصول المأمول.
وقوله: «وددت»: انتقال من خطاب الأموات إلى خطاب أصحابه الحاضرين معه في المقبرة.
والمراد بالإخوان: الإخوان في الإيمان، كما هو ظاهر، والمراد بالود هنا: التمني بقرينة كون المودود غير ممكن عادةً، فظن السامعون أن رسول الله تمنى أن يرى فريقًا من المؤمنين، فلذلك قالوا: «ألسنا بإخوانك؟ » أي: ألست ترانا الآن، وقد أرادوا استطلاع المقصود من تمني رؤية المؤمنين. فأجابهم بقوله: «بل أنتم أصحابي» إلخ. أي إخواني وزيادة. وإنما وددت أن أرى من لم يكن من أصحابي. وقد اتضح أن رسول الله قد آذنهم بقرب انتقاله إلى الرفيق الأعلى؛ لأنه تمنى أن يرى من لم يكن موجودًا يومئذ من المؤمنين، أي: أن الحياة الدنيا لا يود منها رسول الله إلا أن يرى أمته لو كان ذلك في الإمكان المعتاد. وكفى أمته بهذا دليلاً على محبة رسول الله ﵊ أمته وجزاه أحسن ما جزى به نبيًا عن أمته وبما هو أهله.
وقوله: «وأنا فرطهم عن الحوض» الفرط: بفتحتين. ويقال: الفارط بإشباع فتحة الفاء: هو الذي يسبق الواردين إلى الماء، فيصلح لهم الحوض الذي يملأ به الماتحون ويتذوق لهم الماء إن كان المستقون مسافرين في أرض لا يعرفون ماءها، قال الأعشى:
وأصفر كالحناء ذاوٍ جمامه ... متى ما يذُقه فارط القوم يبصُقُ
والكلام تمثيل، يعني وسيجدونني لما ينفعهم يومئذٍ؛ ولأجل كون الكلام تمثيلاً نشأ عنه سؤال أصحابه بقولهم: «كيف تعرف من يأتي بعدك» أي: كيف تعرفهم يوم الحشر حتى تصلح من أحوالهم كما ينفع الفرط قومه؟ وحصل الجواب بقوله: «أرأيت لو كان لرجل خيل» إلخ.
أما قوله: «فلا يذادن رجال» فهو انتقال من البشارة إلى النذارة، كدأب رسول الله في طبه النفوس، حذرهم به من الوقوع فيما يخرج عن الإسلام بعد الدخول في حضيرته والسعي إلى الارتواء من معينه.
стр. 75
وقوله: «لا يذادن» نهي يراد بمثله النهي عن سبب الفعل، كما قال النابغة:
فقلت لهم لا أعرفن عقائلاً ... رعابيب من جنبي أريكٍ وعاقل
ضوارب بالأيدي وراء براغزٍ ... حسانٍ كآرام الصريم الخواذل
ولا أعرفني بعد ما قد نهيتكم ... أجادل يومًا في شوي وحامل
وهو نهي تحذير، ونداء النبي ﷺ إياهم يومئذ بالإقبال على حوضه مراد به التعريض للملائكة الذين ذادوهم عن الحوض أن يسمحوا لهم بوروده، فهذا النداء من معنى الشفاعة لهم ظنًا منه أنهم طُردوا لأجل ذُنوبهم وأنهم موفقون.
وقوله: «فيقال: إنهم قد بدلوا بعدك» لا محالة أن المراد به أنهم بدلوا الإيمان كفرًا. فهو إشارة إلى قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالإِيمَانِ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾ [البقرة: ١٠٨]. أي: أنهم ليسوا بمؤمنين، وهؤلاء هم أهل الردة الذين ماتوا على الكفر.
والمجيء بهم إلى جانب الحوض تنكيل بهم، ليروا ما كان لهم من الخير لو ثبتوا على الإيمان. وليس في الكلام ما يؤذن بأنهم يجيئون غُرًا محجلين، وأنى لهم الغرة والتحجيل اللذين هما من سمة التفضيل.
وقوله: «فأقول: فسحقًا فسحقًا فسحقًا» السحق: البُعد، ومكان سحيق: بعيد، وهو مفعول مطلق بديل عن فعل أمر أو عن فعل دعاء. وكرر الدال على إبعادهم ثلاث مرات؛ لإبطال تكرير ما دل على إدنائهم ثلاثًا من قوله: «ألا هلم»، وفيه إيماء إلى أن الرجال المتحدث عنهم ليسوا بمؤمنين؛ لأن الدعاء عليهم بالسحق يقتضي عدم الرحمة لهم، ولو كانوا مؤمنين لكان رسول الله بهم رؤوفًا رحيمًا وشفيعًا ملحًا، وللشارحين في هذا الحديث تطويل وشكوك تفككت بها أوصال هذا الكلام الشريف.
***
مالك عن هشام بن عروة عن أبيه عن حُمران مولى عثمان بن عفان: أن عثمان بن عفانٍ جلس على المقاعد فجاء المؤذن فآذنه بصلاة العصر فدعا بماءٍ فتوضأ، ثم قال:
стр. 76
والله لأُحدثنكم حديثًا لولا أنه في كتاب الله ما حدثتكموه، ثم قال: سمعت رسول الله يقول: «ما من امرئ يتوضأ فيُحسن وضوءه، ثم يُصلي الصلاة إلا غُفر له ما بينه وبين الصلاة الأخرى حتى يُصليها. قال مالك: أراه يُريد هذه الآية: ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفِيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ﴾ [هود: ١١٤].
قوله: «لولا أنه في كتاب الله» رواه يحيى بن يحيى، وابن بكير، عن مالك «أنه» بهمزة ونون مشددة. ورواه أبو مصعب عن مالك «لولا آية» بهمزة ممدودة وياء تحتية. وكذلك رواه مسلم عن حُمران عن عثمان، فيحتمل أن عثمان حدث بذلك مرتين، فقال مرة: «لولا أنه» وقال مرة: «لولا آية». ويحتمل أن حمران حدَّث بذلك عروة فقال مرة: (أنه) ومرة: (آية). وزعم ابن حجر في «فتح الباري» أن رواية (أنه) بهمزة ونون تصحيف، وهذا خطأ وجرأة على الرواة الثقات، فإن الحديث
معنعن في «الموطإ» فلا يظن برواته أنهم نقلوه من الكتب بطريق المناولة؛ لأن هذه الطريقة لم تكن متبعة عند أئمة السلف. وأعجب من ذلك أن ابن حجر اعتذر للتصحيف بسبب زيادة كلمة «في كتاب الله» في «الموطإ» و «صحيح مسلم»، فصحف لأجلها بعض رواته لفظ (آية) بالتحتية فصيره بالنون، يعني وسلم من ذلك رواة «صحيح البخاري» إذ ليس في حديثه ذكر كلمة «في كتاب الله».
ومعنى قول عثمان: «لولا أنه في كتاب الله ما حدثتكموه»: أنه إن لم يحدث به وجد الناس معناه في القرآن الذي لا يخفى عن أحد، ومعنى كونه في كتاب الله أنه
стр. 77
مجمل في كتاب الله، وأن المسموع من رسول الله ﷺ بيان لذلك المجمل. وهذا كقول ابن مسعود حين لعن الواشمة والواصلة: مالي لا ألعن من لعن رسول الله وهو في كتاب الله، فقالت له امرأة: لقد قرأت ما بين اللوحين فما وجدته، فقال: إن كنت قرأتيه لقد وجدته، قال الله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧].
وقوله: «ما حدثتكموه» أي: خشية التقصير في غير هذا العمل من الصالحات مع أن مقصد الدين جعل المسلم بين حالي الخوف والرجاء، فكاد أن يمسك عن الحديث به.
ورواية «لولا آية في كتاب الله» بهمزة وتحتية يتعين أن تحمل على مثل رواية (أنه) بالهمزة والنون، كما تدل عليه رواية أبي مصعب، حيث لم تناف قول مالك عقبه: «أراه هذه الآية» إلخ فيكون المراد بما في كتاب الله على الروايتين قوله تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفِيِ النَّهَارِ﴾ [هود: ١١٤]. وفي «صحيح مسلم» عن عروة بن الزبير أن عثمان أراد قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى﴾ [البقرة: ١٥٩]. وهو بعيد عندي أن يكون هو المراد؛ لأن المقصود بـ ﴿الَّذِينَ يَكْتُمُون﴾ في تلك الآية اليهود الذين كتموا البشارة بالنبي ﷺ ، وكتموا أحكامًا من التوراة، فأنسوها مثل حكم الرجم؛ ولأن محملها على كتمان الوحي الذي بكتمانه يضيع لفظه دون كتمان بعض ما يسمع من النبي ﷺ . فقد أمسك كثير من الصحابة عن التحدث عن رسول الله ﵊.
وفيما ذكرنا ما ينبهك على أن اختيار مالك ﵀ رواية (أنه) بهمزة ونون دون (آية) بالهمزة والتحتية مع أن كلتيهما مروي عن عمرو عن حمران هو من بديع صنع مالك في هذا الكتاب؛ فغفل عنه كثير من ذوي الألباب.
***
стр. 78
مالكٌ أنه بلغه أن رسول الله ﷺ قال: «استقيموا ولن تُحصوا».
هذا الحديث من جوامع الكلم النبوية، و «استقيموا»: أمر بالاستقامة المشتقة من القوام أي: عدم الاعوجاج، قال سحيم:
وكنت إذا غمزت قناة قومٍ ... كسرت كعوبها أو تستقيما
أي: تعتدل ويزول اعوجاجها. والمراد بالاستقامة هنا معناها المجازي، أي: حسن العمل. ويقال في ضده مجاز بضده، وهو الزيغ أصله الاعوجاج.
وقوله: «ولن تُحصوا» أي: ولن تحيطوا بكمال الاستقامة. وحقيقة الإحصاء معرفة كامل العدد ﴿وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا﴾ [الجن: ٢٨]. واستعمل مجازًا في العجز عن العمل. شُبهت قوة العمل بكثرة المعدود، فأطلق على العجز عن القيام بالعمل القوي اللفظ الموضوع للعجز عن معرفة العدد الكثير، وأطلق نفي الإحصاء على نفي الاستطاعة، وهو إطلاق فصيح، قال تعالى ﴿عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ﴾ [المزمل: ٢٠] أي: لن تستطيعوا قيام الليل كله.
والواو في قوله: «ولن تحصوا» واو الحال، أي: استقيموا وأنكم لن تحصوا غاية الاستقامة، والكلام مسوق مساق الإغراء بالعمل، كما تقول: افعل كذا ولا تقدر؛ لأن الإنسان يأنف من نسبته إلى التقصير، فإذا قلت له: لا تقدر أو نحوه، صرف جهده للعمل، فيأتي به كاملاً أو مقاربًا، ومن هذا القبيل قولهم: «ولا أظنك تفعل».
ما جاء في المسح على الخُفين
المسح على الخفين: رخصة شرعية جعلت عوضًا عن غسل الرجلين الثابت بنص القرآن، فقُيد الإطلاق الذي في آية الطهارة المائية بما ثبت بالسنة من مسح النبي ﷺ على الخفين. وهذه الرخصة من سماحة الإسلام ويُسره، فإن من الناس من
стр. 79
يحتاجون إلى لبس الخفين؛ لوقاية أرجلهم من ألم مباشرة الحصى، والحجارة، أو لغير ذلك، فإذا لبسوا الخفاف ثقل عليهم نزعها عند الوضوء، فرخص لهم أن يمسحوا عليها إذا كانوا قد لبسوها بعد غسل الرجلين في وضوء. وقد وقع تردد بين الصحابة في إجراء المسح على الخفين: فأنكره جماعة، وخصَّه جماعة بحالة السفر؛ لأنها حالة مشقة تقتضي الرخصة. وجوزه جمهورهم في الحضر والسفر؛ وهو المستفيض عن جمع من فقهاء الصحابة وأعلمهم بسنة رسول الله مثل: عمر بن الخطاب، وسعد بن أبي وقاص، والمغيرة بن شعبة، وأنس بن مالك، وجابر بن عبد الله. قال ابن رشد في «البيان والتحصيل»: قال: بجواز المسح على الخفين نحو من أربعين من الصحابة.
وأقول: سبب الاختلاف فيه بينهم في الصدر الأول نُدرة وقوعه لقلة من يلبسهما قبل حصول الترفه، ولم يبق شك في أن رسول الله ﷺ لبس الخفين في الحضر والسفر، ومسح عليهما بدون علة. وبهذا يتضح أن الرخصة في المسح عليهما اعتبار من الشريعة بالأمور الحاجية للناس، وأن ليس موقع الرخصة قاصرًا على الضرورة على أن هنالك اعتبارًا آخر دقيقًا وهو أن الخفين لما كانا يمنعنان وصول الأوساخ إلى الأرجل، كان من المناسب تعويض مسحهما عن غسل الرجلين. وقد أومأ إلى ذلك ما جاء في حديث المغيرة بن شعبة مما رواه البخاري، أنه لما أهوى لينزع خفي النبي ﷺ قال له رسول الله: «دعهما فإني أدخلت رجلي فيهما طاهرتين».
ثم قيل: إن المسح لا حد لوقته، بل يجوز ما لم ينزعهما لابسهما، فإذا نزعهما وجب تجديد الوضوء وغسل الرجلين، وهذا هو المشهور عن مالك. وروي فيه حديث عن أبي بن عمارة في «سنن أبي داود». وقيل: لا يجوز أكثر من يوم وليلة، فيجب بعد ذلك تجديد الوضوء بغسل الرجلين، وله أن يلبس الخفين بعد ذلك وإلى ثلاثة أيام في السفر. وهذا مروي عن علي بن أبي طالب ﵁ مرفوعًا في «صحيح
стр. 80
مسلم»، وروي عن مالك في قول شاذ عنه، وبه قال الشافعي وأبو حنيفة.
ولعل مرجع هذه الأقوال إلى أن طول مدة عدم غسل الرجلين هل يفضي إلى شيء من التعفن أو حتى يكون إيجاب نزعهما بعد مدة عند من حدد المدة بمنزلة إيجاب غسل يوم الجمعة عند من أوجبه، كما تقدم.
جامع غُسل الجنابة
سُئل مالك «عن رجل له نسوةٌ وجوارٍ هل يطُؤهن جميعًا قبل أن يغتسل؟ فقال: لا بأس أن يُصيب الرجل جاريته قبل أن يغتسل، فأما النساء الحرائر فيُكره أن يُصيب الرجل المرأة الحُرة في يوم الأُخرى، فأما أن يُصيب الجارية، ثم يُصيب الأُخرى وهو جُنُبٌ، فلا بأس بذلك».
هكذا وقعت هذه المسألة في «الموطإ» من رواية يحيى بن يحيى، وكذلك رأيتُها في رواية القعنبي، إلا أنه قال: «جاريتيه». عوض جاريته. وقد وقع مثل ذلك في نسخة من رواية يحيى. وهذه مسألة قلقة، وقد وقع فيها إجمال، ولم يفصح عن موجب السؤال. وحاصل ما بدل لي في ذلك أن مراد السائل أن يسأل عن حكم إصابة المرأة قبل التطهر من مجامعة أخرى، فقد رُوي عن النبي ﷺ : «إذا أتى أحدُكُم أهله، ثم أراد أن يعود فليتوضأ» فمراد السائل البحث عن حكم ذلك، وعن جريانه في قربان الحرائر والإماء أو اختصاصه بقربان الحرائر. وأحسب أن في ذلك ترددًا جرى بين
стр. 81
المتفقهين هو الذي دعا السائل إلى سؤاله، وقد كان جواب مالك عن ذلك متوجهًا إلى التنبيه على مسألة تندرج في صور السؤال وجوابه، وهي أن هذا العود قد يكون عودًا إلى المرأة الواحدة وقد يكون عودًا إلى امرأة أخرى، وهذه الأخرى قد تكون أمةً وقد تكون حرةً، وحكم العود قبل الاغتسال لا يختلف في تلك الصور من حيث هو عود قبل غُسل؛ ولكنه يختلف بتعلُّقه بحكم آخر، وهو اقتضاء بعض صوره أن يكون العود إلى امرأة أخرى حرة، فهذه المرأة إذا لم تكن هي صاحبة يوم زوجها لم يجز له أن يصيبها في يوم الأخرى إلا بإذنها. وبذلك يعلم أن ما ورد من طواف النبي ﷺ على نسائه في غسلٍ واحد، أي: في ليلة واحدة أو وقت بين وقتي صلاة من النهار هو خصوصية للرسول ﷺ ، أو كان ذلك بإذنهن، أو لكونه سوى في ذلك بين جميعهن. وأفاد جواز إصابة امرأتين فأكثر في جنابة بقوله: «لا بأس أن يصيب الرجل جاريتيه قبل أن يغتسل».
التيمُم
أمر التيمم في الإسلام دقيق. ولقد تحيرت زمانًا في تطلب الحكمة التي لأجلها شُرع التيمم، فإن الطهارة مشروعة لذاتها، وجُعلت مقارنة للصلاة جمعًا بين الكمالات وتنويهًا بشأن الطهارة كما تقدم، وبقدر الصلاة وهي أعظم، وما يعرض للمسلم مما يمنعه من التطهر لفقد ماء، أو خوف من الوصول إليه، أو مرض هو مقتضٍ للعفو عن إيجاب الطهارة عليه، جريًا على تيسير الإسلام، وكان مناسبًا أن لا يقتضي تركه صلاته؛ لأن الصلاة أهم من الطهارة؛ ولأن تعذر الوسيلة لا ينبغي أن يجر إلى تعطيل المقصد. فكان وجوب الصلاة مع تعذر الطهارة شرعًا واضحًا، وكان تعويض الطهارة المائية بطهارة مائية أخرى متعذرًا، فكأن النظر يقتضي أن تسقط الطهارة عن عادم الماء والعاجز؛ ولذلك لما عدم المسلمون الماء في غزاة بني المصطلق تحيروا في أمر الصلاة، فنزلت آية التيمم. ولما أصابت عمر جنابة في غزوةٍ لم يصل، وأصاب عمارًا مثلُه،
стр. 82
فتمرغ في التراب وصلى.
وقال عمران بن حصين: رأى رسول الله رجلاً معتزلاً لم يصل في القوم، فقال له: «ما منعك أن تُصلي في القوم؟ » قال: أصابتني جنابة ولا ماء، قال: «عليك بالصعيد، فإنه يكفيك»، فكان تعويض الطهارة المائية بغير مائية شرعًا غريبًا خفي الحكمة، وكنت زمانًا أحسبه من متشابه الشريعة، ولكني لم ألبث أن ألهمت إلى حكمة دقيقة فيه لم تبد لأحد فيما رأيت، تلك هي التنبيه على عظم قدر الصلاة، وتأكد وجوب التطهر لها، بأن أرادت الشريعة إقامة عمل مُقام الطهارة، حتى لا يستشعر المسلم أنه يناجي ربه بدون تطهر، وحتى لا تفوته نية التطهر للصلاة، فلا يفوته ذلك المعنى المنتقل به من طهارة الظاهر إلى طهارة الباطن، وحتى لا يظن أن أمر الطهارة هينٌ، وفي إقامة ذلك العمل مقام الطهارة تذكير مستمر بها، حتى لا ينسى العود إليها عند زوال ما منعه منها.
هذا العمل هو عمل رمزي محض، وهو توهم المتطهر أنه يتطهر بمصدر الماء ومنبعه قراره، وهو الحجر والتراب إذ الأرض منبع الماء وقراره، قال الله تعالى: ﴿وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الأَنْهَار﴾ [البقرة: ٧٤]. وقال: ﴿وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الأَرْضِ﴾ [المؤمنون: ١٨] فأولى الأشياء بالماء وأقربها إليه هو الأرض وما ظهر عليها، وهو الصعيد المقصود في آية التيمم.
وأحسب أنه لا يوجد حكم وهمي في شرائع الإسلام غير التيمُّم، فلا تنتقض القاعدة التي أصلناها في كتاب «أصول النظام الاجتماعي»، وهي أن الإسلام حقائق لا أوهام.
ولكون التيمم طهارة رمزية اكتفى فيه بمسح الوجه واليدين عن الوضوء وعن الغسل مع أنهما دون أعضاء الوضوء، بله أعضاء الغُسل. وقد ظن عمار بن ياسر ﵁ لزوم إحاطة الجسد بالمس بالتراب للجنابة، فتمرغ في التراب، فقال له رسول الله ﷺ : «يكفيك الوجه والكفان» رواه البخاري وغيره.
стр. 83
ولما بينت لك في هذا العمل من فضيلة استبقاء تعظيم الصلاة بين رسول الله ﷺ أن التيمم منحة خص الله تعالى بها هذه الأمة، فقال رسول الله ﵊: «وأُعطيت خمسًا لم يُعطهن أحدٌ قبلي» فذكر منها: «وجُعلت لي الأرض مسجدًا وطهُورًا».
ولهذا المعنى، قال مالك في «الموطإ»: «ومن قام إلى الصلاة، فلم يجد الماء، فعمل بما أمره الله تعالى به من التيمُّم، فقد أطاع الله سبحانه، وليس الذي وجد الماء بأطهر منه ولا أتم صلاة؛ لأنهما أُمرا جميعًا، فكل عمل بما أمره الله تعالى به» فالتيمم من أعمال آثار القوة الواهمة في الإنسان إذ لم يمكن غيرها، وإن كان معظم شرائع الإسلام حقائق لا أوهامًا.
ما جاء في المُستحاضة
وقع فيه قول رسول الله ﷺ : «إذا أصاب ثوب إحداكُن الدم من الحيضة فلتقرُصه ثم لتنضحه بالماء، ثم لتُصلي فيه».
وقع في أكثر النسخ رواية يحيى (لتصلي) بإثبات الياء من (لتصلي) وذلك على وجه الالتفات إلى خطاب المرأة السائلة؛ لأن رسول الله ﷺ علم أن قولها: «أرأيت إحدانا إذا أصاب ثوبها الدم» إلخ، إنما تعني نفسها، ولكنها سلكت طريق الغيبة استحياءً. وعليه فالياء ياء ضمير المخاطبة وليست لام الكلمة، ويؤيد ذلك قول الباجي: إن رسول الله كان قد علم من هي المرأة؛ ولذلك لم يستفسر حالها مع اختلاف أحوال النساء في ذلك.
стр. 84
ووقع في بعض النسخ، وفي رواية محمد بن الحسن بدون ياء.
ما جاء في النداء للصلاة
مالك عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هُريرة أن رسول الله ﷺ قال: «إذا نُودي للصلاة، أدبر الشيطان له ضُراطٌ، حتى لا يسمع النداء فإذا قُضي النداء أقبل، حتى إذا ثُوب بالصلاة أدبر، حتى إذا قُضي التثويب أقبل، حتى يخطر بين المرء ونفسه يقول: اذكر كذا، اذكر كذا، لما لم يكن يذكر، حتى يظل الرجل إن يدري كم صلى».
إدبار الشيطان انقطاع اتصاله بروح الإنسان ووسوسته؛ لكراهيته الأذان، لما بين ماهية الشيطان وبين مدلول الأذان من المنافرة، فالأذان توحيد لله تعالى وإبطال الشرك، وهو إبطال حظ عظيم من الحظوظ الشيطانية التي بها استهواء البشر، ثم يعقبه إثبات الرسالة التي بها صلاح الناس، وفيه جلب الناس إلى أفضل عمل وهو الصلاة، وذلك كله ينافر قصد الشيطان؛ فكان في الأذان نقض لأساس عمل الشيطان المنبه عليه بقوله تعالى: ﴿وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاةِ﴾ [المائدة: ٩١]. ثم فيه إعلان التوحيد وإعلان الدعوة للصلاة، فيهتدي به من كان ضالاً، ويتذكر من كان غافلاً، فإدباره عند الأذان إدبار حيرة وفزع، حتى إذا انقضى النداء رجع، فإذا ثوب بالصلاة، أي: أقيمت الصلاة، أدبر أيضًا؛ لأن في الإقامة ما في الأذان، ثم يرجع عند الشروع في للصلاة، لكن حيرته تكون أقل؛ لأن الإقامة لا يسمعها إلا الذين حضروا الصلاة، فلا تهدي ضالاً ولا تذكر غافلاً. ومن أجل هذا لم يفزع من القراءة في الصلاة والتكبير.
وقوله: «له ضراط»: تمثيل لحاله بحال الفزع الخائف حين تضطرب أمعاؤه من الخوف، وقد لقبوا عمرًا جد امرئ القيس بمضرط الحجارة، أي: مخيف الجماد فضلاً على الناس، فيكون قوله: «له ضراط»: مركبًا على معنى مشبه به حال الشيطان في فزعه. ويحتمل أن يكون قوله: «له ضراط»: تخييلاً، بأن شبه الشيطان في فراره بحمار، وإثبات الضراط تخييل.
стр. 85
افتتاح الصلاة
مالكٌ عن ابن شهاب، عن سالم بن عبد الله، عن عبد الله بن عُمر؛ أن رسول الله ﷺ «كان إذا افتتح الصلاة، رفع يديه حذو منكبيه، وإذا رفع رأسه من الركوع، رفعهما كذلك أيضًا، وقال: «سمع الله لمن حمده ربنا ولك الحمد»، وكان لا يفعل ذلك في السجود».
стр. 86
رفع اليدين حذو المنكبين عند افتتاح الصلاة عملٌ يُراد به إظهار تعظيم الله تعالى المناسب لقول المصلي: الله أكبر، وقد كان رفع اليدين علامة على الاستسلام والانقياد؛ لأن اليدين هما ممسك آلة الحرب من سيفٍ، ورمحٍ، ونبلٍ، فإذا استسلم الرجل ألقى سلاحه، ورفع يديه، ولذلك يقال: ألقى بيده، وألقى السلاح، أي: هو مسالم غير محارب، فمناسبته لافتتاح الصلاة أن فيه إيماء إلى إلقاء المعاصي، وأمور الدنيا المحضة، للإقبال على عبادة الله، ومناجاته عند القيام إلى الصلاة. وأما مناسبته لبقية مواقع التكبير فهي في الركوع، والسجود، والرفع منه مفقودة؛ لأن الساجد والجالس أظهر حالاً في الاستسلام من حال رافع اليدين في القيام. وأما هي في الرفع من الركوع فذات شائبتين؛ لأن الرافع من الركوع قائم، فأن اجتُزئ بما كان متلبسًا به من الركوع، فترك رفع اليدين أنسب، وإن نظر إلى أنه قيام فرفع اليدين مناسب. وقد اختلف الرواية في «الموطإ» في إثبات رفع اليدين عند الركوع، على أن مالكًا ﵀ رجع إلى عدم استحباب رفع اليدين إلا عند تكبيرة الإحرام، كذلك روى عنه ابن القاسم.
وأحسبها أن وجه الإجماع على أن رفع اليدين ليس من أركان الصلاة ولا من مؤكداتها، فالمقدار المختلف في ثبوت سنته منه ينبغي أن يُترك؛ لأنه متردد بين كونه مستحبًا وكونه عملاً زائدًا في الصلاة، فأخذ بجانب تجنب الزيادة في الصلاة والأمر هين.
стр. 87
القراءة في المغرب والعشاء
مالكٌ عن أبي عُبيد مولى سُليمان بن عبد الملك، عن عُبادة بن نُسي، عن قيس بن الحارث، عن أبي عبد الله الصنابحي قال: قدمت المدينة في خلافة أبي بكرٍ الصديق، فصليت وراءه المغرب، فقرأ في الركعتين الأوليين بأم القرآن وسورة من قصار المفصل، ثم قام في الثالثة، فدنوت منه، حتى أن ثيابي لتكاد أن تمس ثيابه، فسمعته قرأ بأم القرآن، وبهذه الآية: ﴿رَبَّنَا لا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ [آل عمران: ٨].
يحتمل أنه دنا بعد أن كان قريبًا منه، فيكون قد أحدث عملاً، وذلك لا يضر؛ لأنه عمل لتعلُّم أحكام الصلاة كالعمل لإصلاحها، ويحتمل أنه أراد: فكنت دانيًا منه. وكان قدوم أبي عبد الله الصنابحي المدينة عقب وفاة رسول الله ﷺ بخمسة أيام، فصادفته في مدة إقامته حوادث ارتداد فريق من العرب، فكانت قراءة الصديق ﵁ تلك الآية في الركعة الأخيرة من المغرب دعاء، كالقنوت من شدة عظمة ارتداد العرب في نفسه وكيف زاغت قلوبهم بعد أن اهتدوا، فكان من تلك العظة خائفًا من الزيع، فالتجأ إلى الله بالدعاء بالنجاة منه. وقد أخرج مالك هذا الحديث من فعل الصديق والحديث الذي بعده من فعل عبد الله بن عمر، وإن لم يكن يرى قراءة السورة بعد الفاتحة في ثالثة المغرب وفي ثالثة ورابعة الظهر، والعصر، والعشاء، ثم أخرج بعدهما حديث البراء بن عازب أن رسول الله ﷺ قرأ في العشاء بالتين والزيتون، أي وسورة أخرى، فعلمنا أن مالكًا نظر في الآثار نظر اجتهاد وأنه حمل حديث قراءة الصديق على محمل الدعاء والقنوت، وحمل حديث قراءة ابن عمر السورة في الأربع أنه اجتهاد. ورجح مالك الأحاديث الدالة على أن السورة لا تقرأ في غير الركعتين الأوليين، بأن النبي ﷺ لو قرأها لعلم الناس مقدار قراءتها؛ إذ لا يشتبه عليهم قدر ما تقرأ فيه أم القرآن وحدها وقدرها مع سورة أخرى، كما علمت
стр. 88
عائشة ﵂ أن الفجر لا يقرأن في ركعتيها بالسورة من قِصر قراءة رسول الله ﷺ فيها؛ إذ قالت: فصلى ركعتين خفيفتين، حتى قُلت: هل قرأ بأم القرآن؟ وبذلك التقدير علم المسلمون قراءة السورة لا في الأولين من الصلاة السرية.
فإن قلت: ما بال ما بعد الركعتين الأوليين لا يقرأ فيه سورة مع القرآن؟
قلت: شأن الشريعة التخفيف في مظنة ابتداء الملل، فإن كل عمل يكون آخره أثقل على النفس من أوله، ولذلك لما صلى رسول الله ﷺ صلاة الكسوف، قام وركع وسجد في الركعة الثانية دون طول ما في الركعة الأولى؛ ولذلك أيضًا جعلت صلاة الجمعة ركعتين تخفيفًا من ملل النفوس، من أجل حضور الخطبتين فيما نظن؛ ولذلك أيضًا كانت القراءة فيما زاد على الركعتين بالفاتحة فقط، ويؤيد ذلك أن الصحيح أن الصلاة فُرضت أول الأمر ركعتين، ثم زيد في بعضها ركعتان أو ركعة، فروعي التخفيف في تلك الزيادة رفقًا بالأمة؛ لقول الله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْر﴾ [البقرة: ١٨٥].
العمل في القراءة
مالكٌ عن حميد الطويل، عن أنس بن مالك أنه قال: قُمت وراء أبي بكرٍ، وعمر وعثمان، فكُلهم كان لا يقرأ بسم الله الرحمن الرحيم إذا افتتح الصلاة.
هذا يدل على أن سنة أصحاب رسول الله ﷺ في مدينته، عدم قراءة البسملة في الصلاة، وقد علم ذلك من الصلوات الجهرية، وعدم قراءتها يدل على أنها ليست من الفاتحة ولا من غيرها من سور القرآن، سوى أنها جزء آية من سورة النمل. ولا وجه لما تأول به بعض الشافعية من أن عدم الجهر بها، لا يدل على عدم قراءتها؛ إذ لو كانت من الفاتحة ولم يجهر بها، لكان بعض السورة جهرًا وبعضها سرًا ولا يعرف
стр. 89
لهذا نظير. وقد تظافرت الأدلة على أنها ليست بآية من سور القرآن. وسيجيئ حديث أبي ابن كعب في «ما جاء في أم القرآن». وهو أعظم دليل على أن البسملة ليست من الفاتحة، وقول مالك وسائر أئمة المدينة، وجمهور علماء الإسلام: إنها ليست بآية في أوائل سور القرآن، وهو الذي لا ينبغي التعويل على غيره؛ إذ لو كانت آية في أوائل السور لرويت قراءتها في أوائل السور بالتواتر، وذلك مفقود بالإجماع. فتعين أن لا تثبت قُراءنيتها في أوائل السور؛ إذ ليس بين أيدينا قرآن غير متواتر، كما أشار إلى الاستدلال بهذا أبو بكر الباقلاني ﵀ وهو ملجئ للمخالفين؛ ولأجل ذلك تُركت زيادات ابن مسعود، آيات انفرد بروايتها ولم تتواتر، مع أنه رواها أنها من القرآن. ونقل عن المازري أنه كان يقرؤها في الصلاة في أول السور خروجًا من الخلاف. ولا أظن ذلك به لضعف أدلة القائلين بقراءنيتها، وإنما تعلقوا بأحاديث ضعيفة، وبكونها كتبت في المصاحف بين السور، ولا يصح هذا دليلاً لقراءنيتها، فإنها كتبت فصلاً للسور علامة على الافتتاح، وإنما جعلوها العلامة دون نحو: الحمد لله، من أجل أنها لفظ قرآني، حتى لا يُدخل في المصحف ما ليس بقرآن.
ترك القراءة خلف الإمام فيما جهر فيه
مالكٌ عن ابن شهابٍ، عن ابن أكيمة الليثي، عن أبي هُريرة أن رسول الله ﷺ انصرف من صلاةٍ جهر فيها بالقراءة فقال: «هل قرأ معي منكم أحدٌ آنفًا؟ » فقال رجلٌ: نعم أنا يا رسول الله، قال: فقال رسول الله: إني أقول: «ما لي أُنازع القرآن»، فانتهى الناس عن القراءة مع رسول الله، فيما جهر فيه رسول الله، بالقراءة حين سمعوا ذلك من رسول الله ﷺ .
هذا الحديث أصرح حديث في هذا الباب؛ لأن فيه التصريح بأن صلاة رسول الله ﷺ كانت جهرية، فلا يعارض الأحاديث الآمرة بقراءة المأموم مع الإمام في الصلاة
стр. 90
السرية. وبقية الأحاديث في هذا الباب مجملات أو مرويات بالمعنى أو بزيادة من عند الراوي، ويفسرها هذا الحديث. والبخاري، ومسلم لم يُخرجا هذا الحديث في «صحيحيهما»، ولم أدر ما حال بهما دون ذلك، وقول رسول الله ﷺ : «هل قرأ معي منكم أحد آنفًا؟ ». يدل على أن القراءة المسؤول عنها كانت قراءة سرية لم رسول الله ﷺ ؛ فلذلك سأل بـ (هل) المفيدة لطلب التصديق، ولو كان سمع قراءة خلفه لسأل عن تعين القارئ، فلقال: «من قرأ معي منكم؟ ».
وقوله: «إني أقول ما لي أنازع القرآن» أي: أقول في نفسي حين الصلاة، كقول زهير:
وكان طوى كشحا على مستكنة ... فلا هو أبداها ولم يتقدم
وقال سأقضي حاجتي ثم أتقي ... عدوي بألفٍ من ورائي ملجم
ومعناه: أن رسول الله حصل لنفسه الشريفة مثل ما يحصل للمتكلم إذا كان يتكلم ويشاركه غيره في الكلام، وهذا حصول مكاشفة جعله الله تعالى لرسوله، فظهرت فيه مشاركة نورانية؛ لصعود قراءته إلى السماء خالصة عن خلط يكدر شيئًا من صفاء نورها، ونفع المصلين بخلوص بركتها، أو يقلل نفع القارئ معه من بركة الإنصات إلى قراءة الرسول ﵊. والحاصل أنه حصلت حالة كدر في نورانية قراءة رسول الله؛ ليحصل تعليم المصلين وجوب الإنصات إلى إمامهم، ثم إن كان هذا القارئ كان يحاكي قراءة رسول الله، فالمنازعة تمثيل لحالة المشاركة في شيء متحد بمجاذبة بين شخصين في شيء، وإن كان القارئ قرأ بغير ما كان رسول الله يقرأ، فالمنازعة تمثيل لحالة المماثلة في عملٍ، بحالة المشوش المغلط، وأيامًا كان فالكلام خبر مستعمل في اللوم والتوبيخ؛ لما هو ظاهر أن منازعة الرسول والإمام أمر مذموم وجفاء لو علم به صاحبه قبل أن يوقف عليه.
ما يفعل من سلَّم من ركعتين ساهيًا
مالكٌ عن أيوب بن أبي تميمة السختياني، عن محمد بن سيرين، عن أبي هُريرة أن رسول الله ﷺ انصرف من اثنتين، فقال له ذو اليدين: أقصرت الصلاة أم نسيت يا
стр. 91
رسول الله؟ فقال رسول الله: «أصدق ذو اليدين؟ » فقال الناس: نعم، فقام رسول الله، فصلى ركعتين أُخريين، ثم سلم، ثم كبر، فسجد مثل سُجوده، أو أطول، ثم رفع، ثم كبر، فسجد مثل سُجوده أو أطول، ثم رفع.
ذو اليدين ويلقب بذي الشمالين أيضًا، واسمه: الخِرباق -بكسر الخاء المعجمة وسكون الراء-ابن عمرو. قيل: هو سُلمي-بضم السين نسبة إلى بني سُليم، وقيل: هو زُهري.
هذا الحديث فيه نسيان النبي ﷺ في صلاته، واعلم أن النسيان من الأعراض البشرية التي تحصل إذا حصلت أسبابها العادية، فهو جائز وقوعه من الأنبياء والرسل، وثبت وقوعه منهم في الجملة، فالنسيان أقسام: منه ما يكون في الأمور العادية، وهذا واقع من الأنبياء، فقد قال موسى للخضر: ﴿لا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيت﴾ [الكهف: ٧٣]. وقد نسي رسول الله ﷺ حين خرج إلى صلاة، أنه كان عليه أن يغتسل. ومنه ما يكون في الأمور الدينية، فأما ما يتعلق بالتبليغ، فهو أيضًا جائز وواقع بعد أن يقع التبليغ، وقد قال رسول الله ﷺ : «يرحم الله فُلانًا لقد ذكرني كذا وكذا، آية نسيتُهن من سُورة كذا وكذا»، فذلك نسيان لشيءٍ من القرآن بعد تبليغه وتواتره. وأما ما يتعلق بابتداء التبليغ، فالله عصم رُسله من نسيان ما أمروا بتبليغه؛ لقوله تعالى: ﴿لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (١٦) إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ (١٧) فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ (١٨) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَه﴾ [القيامة: ١٦ - ١٩]. وما ورد في هذا الحديث هو من قبيل النسيان في أمور الدين الذي لا يتعلق بالتبليغ، على أن مالكًا ﵀ روى فيما يأتي: أنه بلغه أن رسول الله قال: «إني لأنسى أو أُنسى لأسُن»، فدل على أن بعض نسيانه مراد من الله تعالى؛ ليتعلم به المسلمون حكمًا شرعيًا، وفي رواية: «إني لا أنسى ولكن أُنسى لأسن»، فيدل على أن نسيانه في الأمور الدينية لا يقع إلا لقصد التعليم.
стр. 92
وعلى الرواية المشهورة «إني لأنسى» بلام الابتداء، فما في خبر ذي اليدين يحتمل أنه مما نُسي فيه رسول الله ﵊؛ لقصد التعليم والتسنن، ويحتمل أنه نسي؛ لتفكرٍ عرض له في صلاته، أو لغفلة من حافظته عن عدد ما صلاه، والتفكر لا يحمل إلا على أن يكون تفكُّرًا في أمر شرعي من مهمات الدين أو مصالح المسلمين، كما رُوي عن عمر، أنه قال: «إني لأجهز جيشي وأنا في الصلاة»: أي: العزم على توجيه الجيش. ومنه ما في «الصحيح»: «أن رسول الله ﷺ سلم من صلاةٍ، ثم انفتل مسرعًا، ثم رجع، فقال لهم: «ذكرت مالاً بقي، لم أقسمه بين الناس، فقسمتُهُ».
النظر في الصلاة إلى ما يشغلك عنها
مالكٌ عن علقمة بن أبي علقمة، عن أُمِه أن عائشة زوج النبي ﷺ قالت: «أهدى أبو جهم بن حُذيفة لرسول الله خميصةً شامية لها علمٌ؛ فشهد فيها الصلاة، فلما انصرف قال: «رُدي هذه الخميصة إلى أبي جهم؛ فإني نظرت إلى علمها، فكاد يفتنُني».
قوله: «فإني نظرت إلى عَلَمها»: أي نظر عُروض عن غير قصد التأمل. ومعنى: «فكاد يفتنني»: أنه يحصل لرسول الله ﷺ عارض شغل بالنظر يفيت شيئًا من الإقبال على الصلاة بجميع القلب. فتسمية ذلك افتتانًا، إنما هي بحسب ما يناسب مقام رسول الله ﷺ من كمال الخشوع؛ إذ الافتتان شغل يفيت مصلحة عظيمة.
стр. 93
وبهذا لا يبقى إشكال في إعطائه إياها أبا جهم مع أن أبا جهم قد يصلي فيها أيضًا؛ لأن نظر أبي جهم إلى أعلامها لو حصل، لا ينقصه مقدار خشوع أمثاله، فهذا مقام روحاني عظيم دل عليه الحديث.
العمل في غُسل الجُمعة
مالكٌ عن سُمي مولى أبي بكر بن عبد الرحمن عن أبي صالح السمان عن أبي هُريرة أن رسول الله ﷺ قال: «من اغتسل يوم الجُمعة غُسل الجنابة، ثم راح في الساعة الأولى فكأنما قرب بدنةً. ومن راح في الساعة الثانية، فكأنما قرب بقرةً. ومن راح في الساعة الثالثة، فكأنما قرب كبشًا أقرن. ومن راح في الساعة الرابعة، فكأنما قرب دجاجةً. ومن راح في الساعة الخامسة، فكأنما قرب بيضةً، فإذا خرج الإمام حضرت الملائكة يستمعون الذكر».
شُرع الغسل يوم الجمعة؛ لقصد التنظيف لأجل الاجتماع للصلاة؛ ليكون الناس على حالة كاملة في حالة اجتماعهم؛ ولأجل ذلك سُن لبس أحسن الثياب والطيب. وقوله: «ثم راح في الساعة الأولى» أي: الأولى من وقت الجمعة، وليس المراد في الساعة الأولى من انتهاء الغسل؛ لأن عمر بن الخطاب قال لعثمان حين دخل المسجد وعمر يخطب: «أيةُ ساعةٍ هذه؟ »: أي: أية ساعة من الساعات المأمور بها، فتعين أنها ساعة ليوم الجمعة، وإنما يوم الجمعة يعتبر بصلاة الجمعة، فتعين أن الساعة ساعة من وقت صلاة الجمعة.
والمراد بالساعات في قوله «في الساعة الأولى» وما بعده هو: أجزاء من تجزئة المدة التي بين ابتداء النداء إلى الجمعة وبين خروج الإمام. وهو تفسير مالك للحديث فيما نقله عنه أصحابه، وذكر في «المدونة» وفي «تفسير ابن مُزين للموطإ» عن عيسى ابن دينار قال: أخبرني ابن القاسم عن مالك أنه قال: أما الذي يقع في قلبي، فإنه إنما أريد به ساعة واحدة تكون فيها هذه الساعات، من راح في أول تلك الساعة، أو الثانية، أو الثالثة، أو الرابعة، أو الخامسة. قال عيسى: هو بين في ذكر كتاب
стр. 94
الله: ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّه﴾ [الجمعة: ٩] اهـ.
وتفاضلُها لما في السابق منها من المبادرة إلى فعل الواجب؛ لأن الله تعالى أوجب السعي عند النداء فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ٩]. ولم ينقل أن رسول الله ﷺ وأصحابه كانوا يحضرون إلى صلاة الجمعة من أول النهار ولا من قبل الزوال. ويدل لذلك أيضًا دلالة بينة خبر عمر مع عثمان الآتي لما جاء عثمان وعمر يخطب، فقال عمر: أية ساعة هذه؟ ، فقال عثمان: لم أزد على أن سمعت النداء، فتوضأت إلخ، فجعل وقت التهجير هو سماع النداء، ولم يفهم الصحابة منها إلا هذا المعنى، ولو كان المراد من الساعات أجزاء أخر من النهار أو من الضحى، لتساءلوا عن تعيين مبدئها. ولا يظن أنهم كانوا يحضرون بالمسجد من إثر صلاة الصبح ولا من إثر طلوع الشمس؛ لأن الجلوس في المسجد ليس بعبادة إلا في الاعتكاف، وإلا في وقت الصلاة؛ لقول رسول الله ﷺ : «إنكم في صلاةٍ ما انتظرتم الصلاة»، والانتظار يكون في وقت مظنة الأداء، أما أن يكون المراد بالساعات المصطلح عليها عند أهل علم الفلك، فلا يخطر ببال عالم بالشريعة أن يحمل كلام رسول الله ﷺ عليها. وفي هذا ما يوقنكم بالإعراض عن تفسير الساعات بما فسرت به من غيرها ما في قول مالك فهو أسد رأيًا، وأبصر بعمل مدينة الرسول رأيًا، فلا تحفل بتأويلات من يتلقفون الألفاظ، ولا يمعنون في الأغراض.
ما جاء في السعي يوم الجُمعة
مالك أنه سأل ابن شهاب، عن قول الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ٩]. فقال ابن شهابٍ: كان عمر بن
стр. 95
الخطاب يقرؤها: «إذا نُودي للصلاة من يوم الجمعة، فامضوا إلى ذكر الله».
قال مالك: وإنما السعي في كتاب الله العمل والفعل. يقول الله ﵎: ﴿وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا﴾ [البقرة: ٢٠٥]. وقال تعالى: ﴿وَأَمَّا مَنْ جَاءَكَ يَسْعَى (٨) وَهُوَ يَخْشَى﴾ [عبس: ٨، ٩] وقال: ﴿ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعَى﴾ [النازعات: ٢٢] وقال: ﴿إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى﴾ [الليل: ٤] قال مالك: فليس السعي الذي ذكر الله تعالى في كتابه بالسعي على الأقدام ولا الاشتداد، وإنما على العمل والفعل.
جعل ابن شهاب قراءة عمر بن الخطاب تفسيرًا لقراءتنا المشهورة، ومثله قرأ عبد الله ابن مسعود.
وقول مالك: «وإنما السعي في كتاب الله العمل والفعل» أي: في هذه الآية. وهذا تفسير مخالف لتفسير ابن شهاب، رأى مالك أنه المناسب للآية. وهذا المعنى للسعي مجاز مشهور في كلام العرب، ومنه تسمية المتوسطين في الصلح بين القبائل سُعاة، قال زهير:
سعى ساعيًا غيض بن مُرة بعد ما ... تبزل ما بين العشيرة بالدم
وهذا أيضًا كما يقولون: ذهب، أي عمل، قال تعالى: ﴿قَالَ فَاذْهَبْ فَإِنَّ لَكَ فِي الْحَيَاةِ أَنْ تَقُولَ لا مِسَاس﴾ [طه: ٩٧]، وقال الحماسي:
فإن كنت سيدنا سدتنا ... وإن كنت للخال فاذهب فخل
وليس مالك مريدًا لحمل السعي على المعنى المجازي أينما جاء في كتاب الله. فقد جاء السعي في كتاب الله على حقيقته؛ كقوله تعالى: ﴿فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَى﴾ [طه: ٢٠]. وإنما حمل مالك ﵀ الآيات التي ساقها هنا على محمل المعنى المجازي للسعي؛ لأن بعضها متعين فيه ذلك مثل آية الجمعة؛ إذ لا يكون السعي بمعناه الحقيقي مما يؤمر به؛ إذ لا أثر له في الامتثال، فإن المقصود الوصول إلى الجامع، فهو هنا تمهيد وتوطئة؛ لقوله عقبه: ﴿وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ (٩) فَإِذَا قُضِيَتِ
стр. 96
الصَّلاةُ فَانتَشِرُوا فِي الأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ٩، ١٠] فمعنى: «فاسعوا»: فأقبلوا على ذكر الله واتركوا البيع. وكذلك قوله تعالى: ﴿سَعَى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا﴾ [البقرة: ٢٠٥] إذ لا أثر لخصوص السعي في الإنحاء عليه بالفساد، وكذلك قوله تعالى حكاية عن فرعون: ﴿ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعَى﴾ [النازعات: ٢٢] فإنه متعين للحمل على معنى الجد في الكيد لموسى؛ إذ ليس السعي على الرجلين من شيم ملك مثل فرعون. ومن فسَّر الآية بالمعنى الحقيقي بأن فرعون لما ذُعر من انقلاب العصا حية فر هاربًا فقد أخطأ المقصود. قال ابن عطية: قال الجمهور: أدبر، كناية عن إعراضه، ويسعى: يجد في حل أمر موسى والرد في وجه شرعه اهـ. وبعض الآي يتحمل المعنى الحقيقي، إلا أنه ضعيف الجدوى، والضُّعف مما يوجب العدول عن الحقيقة مثل قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا مَنْ جَاءَكَ يَسْعَى﴾ [عبس: ٨]؛ إذ يجوز أن يكون ابن أمٌ مكتوم في مجيئه جاء سعيًا، إلا أن ذلك لا أثر له في غرض ترجيح الإقبال عليه على الإقبال على من استغنى ولم يكن يزكى. وكذلك قوله: ﴿ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعَى﴾ [النازعات: ٢٢] يتحمل أن يكون فرعون قام من مجلسه معرضًا مسرعًا من الغضب، إلا أن ذلك لا يناسب حال استعظامه لدى قومه. فتعين أن المعنى على المجاز في: (أدبر) و (يسعى): أي: أعرض وحرص على حشر السحرة إلخ.
ومقصد مالك تعيين المعنى المجازي في الآية والرد على رواية من روى عن ابن مسعود أنه كان يقول: لو قرأتُها: «فاسعوا» لسعيت حتى يسقط ردائي. يريد: توهين قراءة «فاسعوا» بأنها: تفيد وجوب الجري في المشي إلى الجمعة، فابن مسعود من أهل اللسان لا يجهل أن السعي ورد في غير معنى الاشتداد والجري، فلعل ما نسب إليه، إنما هو من كلام بعض رواة قراءته يريدون توجيهها.
ما جاء في الساعة التي في يوم الجمعة
وقع في حديث يزيد بن عبد الله بن الهاد:
стр. 97
«أن أبا هُريرة قال: خرجت إلى الطُّور فلقيت كعب الأخبار» إلخ.
الظاهر أن أبا هريرة كان في بيت المقدس زائرًا؛ فخرج إلى الطور مهبط الوحي على موسى ﵇ بنية القربة بالصلاة فيه، كما يدل عليه قوله بعد: «فلقيت بصرة بن أبي بصرة الغفاري أو أبا بصرة بن بصرة، كما صوبه أبو عمر بن عبد البر. فإن أبا بصرة قال له: «لو أدركتُك قبل أن تخرج إليه ما خرجت» إلخ.
ولم ينكر عليه أبو هريرة ولا اعتذر بما يدفع اعتراض أبي بصرة.
ويحتمل عندي أن من أغراض أبي هريرة في الخروج إلى الطور أن يلقى كعب الأحبار، فقد جاء في ترجمة أبي هريرة: أنه كان يحب معرفة ما في التوراة، كما ذكره في «الاستيعاب» «والإصابة»، والظاهر أنه لقي كعب الأحبار في الطور قبل إسلام كعب الأحبار، وأن كعبًا كان مجاورًا بالطور أو كان في مسجد لليهود هنالك. ومما يدل على أن كعبًا كان يومئذٍ قبل أن يسلم قوله في الخبر: فقرأ كعب التوراة، فقال: صدق رسول الله؛ وتصديقه رسول الله لا ينافي أنه كان قبل أن يسلم؛ لأنه قد يكون قد ابتدأ انشراح صدره للإسلام، أو قد يكون من اليهود الذين لا ينكرون رسالة محمد ﷺ ، وإنما يخصونها بالعرب، فقد قال ابن صياد لرسول الله ﷺ حين قال له: «أتشهد أني رسول الله؟ »: أشهد أنك رسول الأميين، وعلى هذا المذهب نشأ اليهود العيسوية بأصبهان، وهم أصحاب أبي عيسى الأصبهاني اليهودي، وكان كعب من أكبر أحبار اليهود، وهو كعب بن ماتع الحميري، والأحبار بفتح الهمزة: لغة في الحبر، فهو وصف مثل أمشاج، وثوب أخلاق، وبناءٍ أنقاض، وغزل أنكاث؛ فيجعل وصفًا جاريًا على اسم كعب، يعرب إعراب النعت. وليس المراد به هنا جمع حبر، كقوله تعالى: ﴿وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالأَحْبَارُ﴾ [المائدة: ٤٤]. وربما قالوا: كعب الحبر. أسلم كعب في خلافة عمر، وكان عمر يقربه إليه.
ووقع فيه قوله «خير يوم طلعت عليه الشمس يوم الجُمعة».
هكذا ثبت في رواية يحيى «طلعت عليه»، وتعدية فعل طلع بحرف (على)
стр. 98
باعتبار أن اليوم هو من أحوال أهل الأرض؛ فبذلك الاعتبار جعلت الشمس طالعة عليه، ووقع في رواية عبد الله بن مَسلمة في «الموطإ» «طلعت فيه»، وكذلك رواه الترمذي في كتاب الجمعة عن معن عن مالك، وهي ظاهرة.
واعلم أن حديث يزيد بن عبد الله بن الهاد بهذه الرواية لم يخرجه البخاري ولا مسلم، وأخرجه الترمذي عن مَعن عن مالك مقتصرًا على بعضه، وأخرجه أبو داود عن عبد الله بن مسلمة عن مالك وهو حديث صحيح، ومن العجيب إغفال البخاري ومسلم إياه. وفيه رواية ثلاثة من أصحاب رسول الله، ويظن أن إغفال صاحبي الصحيحين إياه ناظر إلى ما وقع فيه من قول الراوي «فلقيت بَصرة بن أبي بَصرة» قالوا؛ لأن المعروف أن راوي كلام الرسول هو أبو بصرة لا بصرة بن أبي بصرة. وهذا عندنا لا يوجب إغفال الحديث؛ لأن بصرة بن أبي بصرة صحابي بالاتفاق، وكون الحديث مرويًا عن أبيه عند غير يزيد ابن الهاد، لا يوجب إبطال رواية بَصرة لإمكان الرواية، والمثبت مُقدم على النافي. ويجوز أن يكون بصرة يكنى أبا بصرة أيضًا؛ فيكون هو الواقع في حديث الجمهور.
الترغيب في الصلاة في رمضان
مالكٌ، عن ابن شهابٍ، عن عُروة بن الزبير، عن عائشة زوج النبي ﷺ أن رسول الله صلى ذات ليلةٍ، فصلى بصلاته ناسٌ، ثم صلى الليلة القابلة: فكثر الناس، ثم اجتمعوا من الليلة الثالثة أو الرابعة، فلم يخرج إليهم رسول الله، فلما أصبح قال: «قد رأيت الذي صنعتم ولم يمنعني من الخُروج إليكم إلا أني خشيت أن تُفرض عليكم»؛ وذلك في رمضان.
قوله: «وذلك في رمضان» هو من كلام عائشة ﵂، وفي هذا الحديث إشكال
стр. 99
وهو أنه كيف يكون إيجاب الله تعالى على الناس عبادة مسببًا عن مواظبتهم عليها مع أن حكمة مشروعية العبادات فرضًا ونفلاً حكمة ثابتة لها في ذاتها كسائر الأحكام الدينية، علمنا بعضها ولم نعلم بعضًا، فقلنا: هو تعبُّد. وأجاب أبو بكر الأبهري فيما نقله في «المنتقى»: أن يكون الله أوحى إليه أنه: إن واصل على هذه الصلاة معهم تفرض عليهم بأن يُحدث فيهم من الأحوال والاعتقاد ما يكون الأصلح لهم فرض هذه الصلاة عليهم، وهذا أحسن جواب رأيته. وهنالك أجوبة أخرى لا يثلج لها الصدر. ويرد على هذا الجواب أن ما علل فيه من المصلحة هو أمر قاصر على جماعة خاصة، فلا يقتضي شرعًا عامًا؛ فلا يحصل المطلوب من إثبات مصلحة لقيام رمضان في ذاته تقتضي وجوبه. وأنا أجيب بأن قيام رمضان يشتمل على مصلحة علمها الله تعالى ولو بحثنا عنها لعلمناها وهي تقتضي وجوبه، ولكن الله لم يوجبه تيسيرًا على الأمة؛ لعسر اجتماع فرض صوم النهار وقيام الليل، فإذا واظبوا على قيام رمضان خف عليهم وصار عادة لهم فذهب العسر فلم يكن للإيجاب مانع. وهذا الجواب ينفع في نظائر هذا الحديث.
وقد استشكل الحديث أيضًا، بأنه ينافي ما جاء في حديث الإسراء: «إن الله تعالى قال لما فرض الخمسين صلاة ثم ردها إلى خمس صلوات جعل الحسنة بعشر أمثالها وقال تعالى: «هُن خمسٌ وهُن خمسون لا يُبدل القول لدي» بأنه يقتضي أن لا تزاد صلاة واجبة أكثر من الصلوات الخمس، وأطالوا في الأجوبة عنه بما ليس بمقنع، وهو إشكال غير متجه؛ لأن قوله: «لا يبدل القول لدي» معناه: لا يغير ما أوجبته ابتداء من الخمسين صلاة ومن الفضل بثواب الخمسين.
ما جاء في صلاة الليل
مالكٌ عن إسماعيل بن أبي حكيم؛ أنه بلغه أن رسول الله ﷺ سمع امرأةً من الليل تُصلي، فقال: «من هذه؟ » فقيل له: هذه الحولاء بنت تُويت لا تنام الليل، فكره رسول الله حتى عُرفت الكراهية في وجهه، ثم قال: «إن الله لا يمل حتى تملوا، اكلفوا
стр. 100
من العمل ما لكم به طاقةٌ».
قوله: «إن الله لا يمل حتى تملوا» الملل المغني نفيه عن الله تعالى هو ملل مجازي لاستحالة الملل عليه تعالى، فاستُعمل في لازم معناه، وهو نقص الثواب أو قطعه، وهذا لازم الملل ونحوه والتمجز عنه بالملل ونحوه معروف في كلام العرب، قال زهير:
ومن لا يزل يستحمل الناس نفسه ... ولا يُعفها يومًا من الذُّل يسأم
أي: يمل، فيقطع عنه العطاء والرفد، فكنى بالسآمة عن قطع العون، والمقصد الشرعي من هذا أن يكون المسلم في تطوعه بالعبادة مقبلاً بنشاط ومحبة، فإذا كلف نفسه من العبادة ما لا يطيق مل، واستثقل العبادة، فصار يأتيها عن كراهة وضجر فلم يحصل نور الإقبال بالشراشر على مناجاة ربه، فلم يكن جديرًا بفرط الثواب.
وقوله: «اكلفوا من العمل ما تطيقون»، يقال: كلف بكذا من باب فرح: أي أولع وأحب، وحذف باء الجر من قوله: «ما تطيقون» فعُدي الفعل بنفسه على طريقة التوسع؛ أو لأنه ضمن (اكلفوا) معنى اعملوا، فعبر عن العمل بالكلف؛ لأن العمل من لوازم المحبة؛ إذ لا يفعل الطائع فعلاً إلا هو عن محبة؛ إذ لا إكراه عليه. وفي هذا التضمين نكتة بديعة وهي الإشارة إلى علة النهي التي قدمناها، وهي أن الشأن أن يكون عمل المتطوع عن محبة وإقبال، فعبر عن اعملوا بـ (اكلفوا) ببداعة بليغة.
صلاة النبي ﷺ في الوتر
وقع فيه قول: زيد بن خالد «فتوسدت عتبته». العتبة بالتحريك: أسكفة
стр. 101
الباب، وهي خشب أو صخرة في الباب توضع عليها الرجل عند الدخول ويسقط عليها أو فيها سكر دفتي الباب من أسفلهما.
الأمر بالوتر
وقع فيه قول رسول الله ﷺ :
«فإذا خشي أحدُكُم الصُّبح صلى ركعةً واحدةً تُوتر له ما قد صلى».
حكى ابن مزين في «تفسير الموطأ»: أنه سأل عيسى بن دينار عن قول مالك عقب هذا الحديث: «ما شيء اثنين من هذا» أي: في بعض روايات «الموطإ» غير رواية يحيى. فقال: أراد مالك الذين يقولون: لا يفصل بين الشفع والوتر بسلام، يقول: أين هم عن هذا؟ وهو قوله ﵊: «صلى ركعةً واحدةً».
فضل صلاة الجماعة على صلاة الفذ
اعلم أن الجماعة المعنية في الأحاديث الواردة في فضل الجماعة أو وجوبها هي صلاة الجماعة في المسجد في وقت الاجتماع؛ لأن المقصد الشرعي منها اجتماع أهل المحلة الواحدة تجديدًا لأواصر الأخوة الإسلامية والألفة، فاعتيادها اعتياد بألف المسلمين بعضهم ببعض. ومن اجتماعهم ينشأ شعورهم بمصالحهم ودفع أضرارهم؛ ولذلك جعلت الشريعة اجتماعات للمسلمين مرتبة في اليوم وفي الأسبوع يجتمع أهل البلد الواحد لصلاة الجمعة، وفي العيدين كذلك، وفي الحج يجتمع طوائف من المسلمين في مكة. فأما صلاة رجل مع آخر أو مع رجال في غير المسجد، أو فيه في غير وقت الاجتماع، فإنما لها من الفضل دون ذلك إلحاقًا لها بالجماعة؛ لأن فيها استبقاء حب التجمع، فألحقت بحكم الجماعة، كما ألحقت صلاة الإمام الراتب وحده في مسجده بصلاة الجماعة.
***
مالكٌ عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هُريرة أن رسول الله ﷺ قال: «والذي
نفسي بيده لقد هممت أن آمر بحطبٍ، فيُحطب، ثم آُمر بالصلاة، فيُؤذن لها، ثم آمر رجُلاً، فيؤم الناس، ثم أُخالف إلى رجالٍ، فأُحرق عليهم بُيُوتهم، والذي نفسي بيده لو يعلم أحدُهم أنه يجد عظمًا سمينًا أو مرماتين حسنتين لشهد العشاء».
إخراج هذا الحديث في ترجمة «فضل صلاة الجماعة» إما أخذ من قوله: «لشهد العشاء»: أي: حضرها معنا، ومن ثم احتج به قوم رأوا وجوب الصلاة في الجماعة. وإما لما يؤذن به الهم بعقاب المتخلفين عنها والعدول عنه من أنهم لا يبلغ ما صنعوه أن يستحقوا هذه العقوبة، فيبقى الحديث دالاً على مطلق أهمية صلاة الجماعة. وكأن هذا الذي تأوله مالك؛ لأنه لا يرى وجوب إيقاع كل صلاة من الخمس في جماعة، فجعلت تحت عنوان الفضيلة، فتعين أنه يرى الحديث واردًا مورد الزجر عن التهاون بصلاة الجماعة. وعندي أن قول ﷺ : «لشهد العشاء» مقصود منه: أنهم يتخلفون عن حضور صلاة
стр. 102
العشاء في المسجد؛ لأنهم لا يصلون العشاء تهاونًا أو كسلاً أو نفاقًا؛ إذ لو كانوا يصلونها لما صعب عليهم حضورها مع الجماعة.
وبعد هذا فالحديث دل على وقوع هم من رسول الله بتحريق بيوت قوم تخلفوا عن الجماعة، أو قومٍ تركوا صلاة العشاء تهاونًا، أو قومٍ من المنافقين لا يحضرون إلا ما لا مشقة في حضوره من الصلوات. وكانت العقوبة عظيمة؛ لأنها مفضية إلى إتلاف نفوسهم، أو إتلاف مالٍ عظيمٍ من أموالهم.
وقد عرضت للناظرين في هذا الحديث إشكالات وأجوبة أرى التطويل بها مفيتًا للمقصود من فهم الحديث.
والجواب الفصل عندي: أن هؤلاء قومٌ من المنافقين لا محالة، لتنزه المسلمين أصحاب رسول الله عن التهاون بحضور الجماعة بله التهاون بصلاة العشاء؛ ولأن عظم العقوبة مؤذن بذلك، وقد علم رسول الله ﷺ نفاقهم بما علم به نفاق جميع المنافقين؛ وإذ قد كان هم رسول الله ﵊ مؤذنًا بإمكان حصول ما هم به فدل على أنه لم يقرر على همه ذلك، أو أنه شُرع وقتًا للزجر، ثم نسخ قبل العمل به.
وإعراض رسول الله ﷺ عن ذلك يدل على أنه أبطله فإنه لم يعاقب أحدًا من
стр. 103
المنافقين، كما ورد في حديث عمر بن الخطاب أن رسول الله نهاه عن قتل بعض المنافقين.
وبهذا تندفع جميع الاحتمالات التي وردت على هذا الحديث. وبقي مدلول الحديث دالًا على أهمية صلاة الجماعة. وهذه نكتة إخراج مالك إياه تحت ترجمة «فضل صلاة الجماعة»؛ لأنه لمَّا كان همًّا معطلًا أو منسوخًا لم يكن دليلًا على حكم شرعي ولكنَّه دليل على أهمية ما غضب لأجله رسول الله ﷺ .
ما جاء في العتمة والصبح
مالكٌ عن سمي مولى أبي بكرٍ، عن أبي صالح، عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: «بينما رجل يمشي بطريق إذا وجد غصن شوكٍ على الطريق، فأخره فشكر الله له فغفر له».
أشكل هذا الحديث بأنَّ هذا عمل قليل، فكيف يكون جزاؤه مغفرة الذنوب؟ . وأجيب عنه بأجوبة كثيرة في «المنتقى» و «القبس». والذي أراه في الجواب أنه يحتمل أن يكون قوله: «فغفر له» أنَّه غفر له طائفة من ذنوبه؛ إذ لم يصرح في الحديث بأنه غفر له ذنوبه كلها. ويحتمل أن يكون المراد غفر له جميع ذنوبه كما قد يشعر له حذف المفعول، فيكون هذا جزاء يخص هذا الرجل؛ لأنه أتى بالحسنة على إخلاص نيَّة وطهارة نفس، واندفاع إلى الخير حبًّا في مرضاة الله تعالى، فدلَّ ذلك على رسوخ الخير في نفسه. وعلى أن ما عسى أن يكون لابسه من السيئات، إنما كان تلبُّسًا غير راسخ فهو قد رغَّب في سلامة الناس، ولم يستخف بما يؤذيهم مع سلامته، فلذلك جوزي بغفران ذنوبه لحسن نيته. ونظيره حديث البغيِّ التي رأت كلبًا يلهث من
стр. 104
العطش، فنزعت خفها وأدلته في بئر، فرفعته ممتلئًا ماء، فسقت الكلب فشكر الله لها فغفر لها.
صلاة الإمام وهو جالس
فيه حديث: هشام بن عروة عن أبيه:
«أن رسول الله خرج في مرضه» إلخ.
قال ابن عبد البر: «لم يختلف رواة «الموطإ» في إرساله، وقد أسنده جماعة عن عائشة منهم: حمَّاد بن سلمة، وابن نمير، وأبو أسامة». قلت: تبعه شراح «الموطإ» وهو غفلة؛ لأن مالكًا رواه مسندًا بأطول مما هنا في «جامع الصلاة».
الصلاة الوسطى
نزل قوله تعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ والصَّلاةِ الوُسْطَى﴾ [البقرة: ٢٣٨] فتلقاها من المسلمين من قرأها ومن سمعها مدَّة حياة رسول الله ﷺ ، ولم يسأله أحد عن المراد منها. والمظنون بهم أن سكوتهم عن السؤال عن تعيينها ما كان إلا لأنهم عرفوا المراد منها، إمَّا: بغلبةِ هذا الوصف على صلاةٍ معينة من الصلوات الخمس، وإمَّا: باستفادة تعيينها من تحقق هذا الوصف في إحدى الصلوات تحققًا أشد منه في غيرها وأولى. ولم يتجاوزوا ذلك الفهم إلى الخوص بينهم في إعلان المراد منها؛ لأن شأنهم كان أن يحافظوا على كل ما أمروا به سواء كان واجبًا أو مرغبًا فيه، ولذلك قل خوضهم في التمييز بين الأمر المقصود منه الوجوب، والأمر المقصود منه الندب، وقد كان الذين تلقوا الآية وسمعوها وفهموا المراد منها ابتداءً هم أهل مدينة الرسول ﷺ ، ثم انقرض
стр. 105
معظم الذين تلقوا الآية وجاء الخوض في طلب تعيين الصلاة الوسطى في آخر عصر الصحابة، فروى لنا خَلَف من درج منهم أن الصلاة الوسطى: هي صلاة الصبح. وقد روى مالك أنه بلغه عن علي، وعبد الله بن عباس ﵄ أنها الصبح. وروى غيره أن ذلك أيضًا قول أبي بن كعب، وأنس بن مالك، وجابر بن عبد الله ﵃. ومن الصحابة من ظن أنَّها العصر ولا مانع من أن يشتدَّ فهم بعض السامعين، ويعتمد على ظهور وصف التوسط في اجتهاده، كما قال زيد بن ثابت ﵁، إنها الظهر، وكما قال جمعٌ كثيرٌ: إنها العصر. وقد دلَّت قراءة عائشة وحفصة عن رسول الله ﷺ قوله: «والصلاة الوسطى وصلاة العصر» صريحً أن الوسطى غير العصر فكان ذلك مؤذنًا بأنهما تريانها الصبح لشذوذ ما سوى ذلك من الأقوال في الوسطى. ومن زعم أن عطف «وصلاة العصر» في قراءة عائشة وحفصة لا يقتضي المغايرة، لجواز أن يكون المعطوف مغايرًا للمعطوف عليه بالمعنى دون الذات، كما جاء في عطف الصفات في نحو: قول الشاعر:
إلى الملك القرم وابن الهمام ... وليث الكتيبة في المزدحم
فقد بعد فهمًا في استعمال العرب؛ لأنَّ ذلك إنما يكون في عطف مفرد على مفرد كما في الشاهد، وإمَّا الآية ففيها عطف مفرد على جمع، فهو من ذكر بعض أفراد العام للاهتمام به، فلا يحتمل معنى غير التنبيه على الاعتناء بإثبات ما سبق له الكلام إليه.
ونحن إذا نظرنا نظر تحقيق لم نجد صلاة جديرة بالتحريض على الحفاظ عليها في غالب أحوال الناس مثل صلاة جديرة بالتحريض على الحفاظ عليها في غالب أحوال الناس مثل صلاة الصبح، فإنها عرضة للتفويت؛ لأنها في وقت يعقب النوم. وقد جاء في الحديث: «إنَّ الشيطان يعقد على قافية المرء ويقول له: عليك ليلٌ
стр. 106
طويلٌ فارقد»، ولأن الله تعالى نبهنا على فضلها بقوله: ﴿إنَّ قُرْآنَ الفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ [الإسراء: ٧٨]، ولم ينبه على غيرها في أوقات الصلوات المذكورة قبل بقوله: ﴿أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وقُرْآنَ الفَجْرِ إنَّ قُرْآنَ الفَجْرِ﴾ [الإسراء: ٧٨]. وقد غير أسلوب تعلُّق بوقت الفجر، فلم يقل: أقم صلاة لدلوك الشمس إلى الفجر، بل جمع أوقات أربع صلوات في قوله: ﴿لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إلَى غَسَقِ اللَّيْلِ﴾ [الإسراء: ٧٨]، ثم أفرد وقت الفجر؛ لأنه إمَّا أراد به وقت الفجر، أو الوقت الذي يليه الفجر.
الرخصة في الصلاة في الثوب الواحد
كان غالب لباس الرجال العرب ثوبين، غير مخيطين، فإن اسم الثوب إنما يراد به: القطعة المنسوجة. فلِباسهم: إزار وهو شقة من المنسوج تلف على النصف الأسفل، ورداء وهو شقَّة مثلها تلف على الكتفين والصدر. فإذا قالوا: لفلان ثوبٍ واحد، فمرادهم: أنه الإزار× إذ هم لا يلبسون الرجاء بدون إزار. وأمَّا نحو: القميص، والجبَّة للرجل، والدرع للمرأة، فلا يسمَّى ثوبًا، وهو لباس الخاصة وأهل الترف، فإذا صلى المصلي في إزار فقط بقي نصفه الأعلى عريانًا، وهو منظر غير لائق بحالة الصلاة، فكانت السنة أن يصلي المصلَِي مستور الظهر، ولكن كثيرًا من الناس لا يجد ثوبين، فرخَّص لهم الصلاة في الثوب الواحد بأن يجعلوه على الكتفين على كيفية لا تنكشف معها العورة، وهي الاشتمال: وهو التوشُّح بالثوب ليقر في مكانه، فلا يتدلَّى بتكرُّر الحركة. وقد صلى رسول الله ﷺ بعض الصلوات كذلك في بيته. وهو محمل حديق عُمر بن أبي سلمة، ومحمل فعل أبي هريرة، وقد بيَّن ذلك كله حديث جابر في هذا الباب. وقد ورد في الحديث أن النساء في صلاة الجماعة كنَّ يؤمرن أن لا يرفعن رؤوسهن من السجود حتى يجلس الرجال؛ لقصر أثواب بعض الرجال. وبهذا يعلم أنَّ المراد من الرخصة أنها الحالة التي لا يجد فيها المصلي ثوبين، وأن ذلك في الثوب دون نحو القميص والجبة. ولهذه النكتة أخرج مالك حديث ربيعة بن أبي
стр. 107
عبد الرحمن أن محمد بن عمرو بن حزم كان يصلي في القميص الواحد، أي لأن القميص ليس بثوب.
الرخصة في صلاة المرأة في الدرع والخمار
يعني فقط دون إزار ولا ملحفة. وقع في سند الحديث الأول من هذه الترجمة «محمد بن زيد بن قنفذ» فثبت في بعض نسخ «الموطإ» بدال مهملة، وفي معظم النسخ بذال معجمة وهو الأصح وكلاهما لغة في اسم الحيوان المعروف ذي الشوك القصير على ظهره. ويُعرف محمدُ بن زيد هذا بمحمد بن زيد بن المهاجر التيمي المدني، وهو من شيوخ مالك روى عن أبيه زيد، وعن سعيد بن المسيب، وعن أمه أم حرام، وهو ثقة جليل حسبك أنه روى عنه مالك. تم بحمد الله.
* * *
ووقع في قول عروة: «أن المرأة استفتته فقالت: إن المنطق شق عليَّ» قال ابن مزين في «تفسير الموطأ» عن عيسى بن دينار: المنطق هو الإزار، تريد: أن الإزار يشقُّ عليها، فرخص لها أن تصلِّي في الدرع والخمار بلا إزار. أهـ.
الجمع بين الصَّلاتين
قوله في حديث معاذ:
«وإنكم لن تأتوها حتى يضحى النهار». يضحى (بفتح الياء وبفتح الحاء) مضارع ضَحِى (بكسر الحاء). يقال: ضحِي فلان، إذا أصابه حرُّ الشمس في وقت الضَّحَاء،
стр. 108
قال عمر بن أبي ربيعة:
رأت رجلًا أما إذا الشمس عارضت ... فيضحَى وأما بالعشي فيخصَر
والضاحي: البازر للشمس في وقت الضَحاء، قال كعب:
يومًا يظل به الحرباء مصطخِدا ... كأن ضاحيه بالشمس مملول
وعلى هذا فإثبات الضحى للنهار استعارة تبعية، ومعناه: حتى يصيب النهار حر الشمس، أي: يتمكَّن حرُّ الشمس من الفضاء المسمى بالنهار، كما يتمكن من الرجل القائم في الشمس.
ويحتمل أن يكون مجازًا عقليًّا، أي: حتى يضحي الناي في النهار، وهو وقت شدة حرَّه، أي بعد شروق الشمس ببعيد.
ما يجب فيه القصر
وقع فيه قول سالم بن عبد الله بن عمر: «أن أباه ركب إلى ريمٍ».
هكذا وقع في روايات الموطإ بكسر الراء بعدها تحتية ساكنة. والظاهر أن السكون تخفيف، وأن أصله بهمزة ساكنة بعد الراء، كما وقع في «معجم ياقوت» مقدمًا على القول بأنه بالياء، وهو اسم واد لمزينة قرب يصب فيه ورقان، وهو مصروف.
وضع اليدين إحداهما
على الأخرى في الصلاة
مالكٌ عن عبد الكريم بن أبي المخارق البصري أنه قال: من كلام النبوءة: إذا لم
стр. 109
تتشح فاصنع ما شئت. ووضع اليدين إحداهما على الأخرى في الصلاة يضع اليُمنى على اليُسرى، وتعجيل الفِطرِ، وتأخير السُّحور.
قد يكون المراد بكلام النبوءة كلام رسول الله ﷺ بقرينة قوله: «ووضع اليدين» إلخ، فالحديث مرسل وقد جمع في روايته أربعة أقوال من أقوال رسول الله ﷺ . جمعها تحت قوله: «من كلام النبوءة» فعلمنا أنه لا يريد إلا كلام رسول الله ﷺ . ومعنى قوله: «ووضع الدين» أي: قول يدلُّ على الأمر بذلك، وكذلك قوله: «وتعجيل الفطر».
ووقع في «تفسير ابن مزين» للموطأ عيسى بن دينار أن معناه من كلام الأنبياء، وعن يحيي بن يحيي عن ابن نافع مثله أهـ. قلت: ويؤيده أنه وقع في رواية البخاري عن أبي مسعود الأنصاري أن رسول الله قال: «إن مما أدرك الناس من كلام النبوءة الأولى» إلخ، فيكون تأويله أن وضع اليدين إحداهما على الأخرى كان سنة الصلاة في الأمم السالفة، وقد رأيت اليهود يضعون الأيدي على الأيدي في صلاتهم. وأما تعجيل الفطر فذلك في صوم الأمم، قال تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٣]، وعلى هذا التأويل يكون شرع ذلك للمسلمين بما دلَّ عليه كلام رسول الله ﷺ من استحسانه.
стр. 110
انتظار الصلاة والمشي إليها
مالك أنه بلغه أن سعيد بن المسيب قال: يُقال: لا يخرج أحدٌ بعد النداء إلا أحدٌ يُريد الرجوع إليه إلا منافقٌ.
ثبت في «الموطإ» كلا المستثنيين مرفوعًا، ومقتضى القاعدة المشهورة بين النحاة أن يكون أحدهما مرفوعًا والآخر منصوبًا، لأنَّ أداة الاستثناء هنا غير مؤكدة؛ ولأنَّ الكلام تامٌّ. وأحسب أن مثل هذا التركيب مما لم يتكلم عليه النحاة؛ لأنه واسطة بين ما تكررت فيه المستثنيات وبين ما فيه مستثنى واحد، فإن التكرير هنا ليس تكريرًا للمستثنيات على السواء بأن تكون المستثنيات بمنزلة المثنى والجمع، بل التكرير هنا تكرير مرتب بقوله: «إلا أحدٌ يريد الرجوع إليه» استثناء من لفظ (أحد) الأول باعتبار جنسه فقط فـ (إلا) فيه بمنزلة (غير) لأنه كالوصف، وقوله: «إلا منافق» استثناء من (أحد) باعتبار جنسه وحكمه وهو مناط القصر ومحلُّ الفائدة، فلذلك كانا حقيقين بالرفع. على أنِّي أحسب أن ما ذكره النحاة في تكرير (إلا) لغير توكيد مع الكلام غير المفرغ، من رفع أحد المستثنيات ونصب الباقي مجرد نظر لا شاهد عليه من كلام العرب. ولا أحسب العرب يرتضونه، وإنما جر النحويين إليه طرد قاعدتهم، وهي أن المبدَل منه إذا أبدل منه مرة لا يُبدل منه مرة أخرى؛ لأنه صار بالإبدال منه أولًا كالساقط.
ما جاء في الصلاة على النبي ﷺ -
قوله: «قولوا: اللهم صلِّ على محمدٍ وأزواجه وذريته، كما صليت على آل إبراهيم، وبارك على محمدٍ وأزواجه وذريته، كما باركت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيدٌ».
فيه إشكال التشبيه المقتضي قوَّة المشبَّه به أو تساويهما. ولهم عليه أجوبه تبلغ بضعة
следующие страницы →