← Нахв и сарф

Нахв и сарф · id 150966

شرح أبيات مغني اللبيب

عبد القادر البغدادي

Полный текст (2 797 стр.). Показаны 2766–2797 · переход к 2771.

стр. 2766

أي فتى هيجاء، وأي جار هيجاء أنت، ولا يجوز رفعه، لأنه إذا رفع فهو على أحد وجهين: إما أن يكون عطفا على أي، أو عطفا على أنت، فإن كان عطفا على أي، وجب أن يكون بإعادة حرف الاستفهام، وخرج عن معنى المدح، فيصير: أي فتى هيجاء وأي جارها أنت، وإن كان عطفا على أنت، صار التقدير: أي فتى هيجاء أنت، والذي هو جار الهيجاء، وكأنه قال: أنت ورجل آخر جاء هيجاء، ولم يقصد الشاعر إلى هذا، والهيجاء: الحرب، وأراد [بفتاها] هنا: القائم بها المبتلى فيها، وبـ"جارها": المجير منها، الكافي لها، ومعنى استقلت: نهضت. انتهى. وكذا قال ابن خلف، وقال ابن السراج في "الأصول": أنشد سيبويه في نحو ذلك: أي فتي هيجاء أنت وجارها ... إذا ما رجال بالرجال استقلت فلو رفع، لم يكن فيه معنى أي جارها الذي هو في معنى التعجب، والمعنى: أي فتى هيجاء، وأي جار لها أنت. انتهى. وهذا البيت أحد الأبيات الخمسين التي أنشدها سيبويه في كتابه، ولم يعرف قائل كل منها والله أعلم. وأنشد بعده، وهو الإنشاد الثلاثون بعد التسعمائة: (٩٣٠) إن يسمعوا سبة طاروا بها فرحا ... مني وما سمعوا من صالح دفنوا قال ابن جني في "إعراب الحماسة": يقبح أن يجزم حرف الشرط جزما يظهر

стр. 2767

إلى اللفظ، ثم لا يكون جوابه مجزوما أو بالفاء، لكن هذا يجوز في الشعر، فأراد: إن يسمعوا عني ريبة ففصل، ونحوه: إن تضرب توجعه زيدا، على إعمال الأول وهو في البيت أسهل لأنه لم يظهر جزم الجواب. انتهى. وهو أول أبيات ثلاثة أوردها أبو تمام في باب الهجاء من "الحماسة" لقعنب ابن أم صاحب الغطفاني، وبعده: صم إذا سمعوا خيرا ذكرت به ... وإن ذكرت بشر عندهم أذنوا جهلا علينا وجبنا من عدوهم ... لبئست الحلتان الجهل والجبن ومثله لطريح بن إسماعيل الثقفي أنشده له المبرد في "الكامل" وابن قتيبة في ترجمته من "طبقات الشعراء": إن يسمعوا الخير يخفوه وإن سمعوا ... شرا أذاعوا وإن لم يسمعوا كذبوا قال أبو علي في "الحجة" وأما قوله: (وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ) [الانشقاق/٢]، فقد فسر أذنت أنها استمعت، وفي الحديث: "ما أذن الله لشيء كإذنه لنبي ... "، الثاني بفتحتين، وقال عدي: في سمع يأذنن الشيخ له ... وحديث مثل ماذي مشار وأنشد أبو عبيد: صم إذا سمعوا خيرا ذكرت به ... البيت

стр. 2768

وأما قول عدي: أيها القلي تعلل بددن ... إن همي في سماع وأذن فالسماع مصدر بمعنى المسموع. انتهى. وقال التبريزي: كان الواجب أن يقول: تطيروا بها فرحا، ولا يجعل الجواب ماضيا، وإن كان جائزا في الشعر، وفرحا مفعول له، ومعنى طاروا بها: كثروا في الناس وأذاعوها، وأذنوا: سمعوا وجهلا على وجبنا، بتقدير: أتجمعون جهلا وجبنا. وأنشد بعده، وهو الإنشاد الواحد والثلاثون بعد التسعمائة: (٩٣١) إن تركبوا فركوب الخيل عادتنا ... أو تنزلون فإنا معشر نزل قال سيبويه: وسألت الخليل ﵀ عن قول الأعشى: إن تركبوا فركوب الخيل عادتنا ... البيت فقال: الكلام هاهنا على قوله يكون كذا، أو يكون كذا لما كان موضعه ما لو قال فيه: أتركبون لم ينقص المعنى، صار بمنزلة: ولا سابق شيئا. وأما يونس، فقال: أرفعه على الابتداء كأنه قال: أو أنتم نازلون، وقول يونس أسهل. وأما قول الخليل، فجعله بمنزلة قول زهير: بدا لي أني لست مدرك ما مضى ... ولا سابق شيئا إذا كان جائيا

стр. 2769

والإشراك على هذا التوهم بعيد كبعد: ولا سابق شيئا. انتهى. قال الأعلم: الشاهد في رفع تنزلون حملا على معنى إن تركبوا، لأن معناه ومعنى أتركبون متقارب وكأنه قال: أتركبون فذلك عادتنا، أو تنزلون في معظم الحرب، فنحن معروفون بذلك، هذا مذهب الخليل وسيبويه، وحمله يونس على القطع، والتقدير عنده: أو أنتم تنزلون، وهذا أسهل في اللفظ، والأول أصح في المعنى والنظم، والخليل ممن يأخذ بصحة المعاني، ولا يبالي باختلال الألفاظ. انتهى. فأنت ترى أنهم حملوه على إضمار المبتدأ بالنقل عن يونس، ولم يقل أحد منهم: أن "أو" بمعنى الإضراب، كما قال المحقق الرضي، ولا ضرورة تلجئه إليه. واقتصر ابن عصفور في كتاب "الضرائر" على مذهب الخليل، وخصه بالضرورة قال: ألا ترى أن تنزلون حكمه أن تحذف منه النون للجزم، لأنه معطوف على الفعل المجزوم بأداة الشرط، وهو تركبوا، لكنه اضطر إلى رفعه .. إلى آخر ما ذكره. والبيت من قصيدة للأعشى ميمون التي مطلعها: ودع هريرة إن الركب مرتحل ... وهل تطبيق وداعا أيها الرجل وهذه القصيدة ملحقة بالمعلقات السبع، وروى الخطيب التبريزي البيت كذا: قالوا الطراد فقلنا تلك عادتنا ... أو تنزلون فإنا معشر نزل وقال في شرحه: يقول: إن طاردتم بالرماح، فتلك عادتنا، وإن نزلتم تجادلون بالسيوف نزلنا. انتهى. وعلى هذه الرواية لا شاهد فيه، ونزل: جمع نازل، ونزولهم عن الخيل يكون لضيق المعركة ينزلون، فيقاتلون على أقدامهم، وفي ذلك الوقت يتداعون: نزال. وترجمة الأعشى تقدمت في الإنشاد التاسع عشر بعد المائة.

стр. 2770

وأنشد بعده، وهو الإنشاد الثاني والثلاثون بعد التسعمائة: (٩٣٢) فلا تلحني فيها فإن بحبها ... أخاك مصاب القلب جم بلابله قال سيبويه في باب الحروف الخمسة التي تعمل فيما بعدها كعمل الفعل فيما بعده تقول: إن بك زيدا مأخوذ، وإن لك زيدا واقف، إلى أن قال: ومثل ذلك: إن فيك لزيدا راغب، قال الشاعر: فلا تلحني فيها فإن بحبها ... البيت كأنك أردت: إن زيدا راغب، وإن زيدا مأخوذ، ولم تذكر بك ولا فيك، فألغيتا هنا كما ألغيتا في الابتداء. انتهى. قال الأعلم: الشاهد فيه رفع مصاب على الخبر، وإلغاء المجرور، لأنه من صلة الخبر، ومن تمامه، ولا يكون مستقرا للأخ ولا خبرا عنه. انتهى. قال أبو علي في "إيضاح الشعر": الظرف قد استجيز فيه ما لم يستجز في غيره، ألا ترى أنه قد جاء: "فلا تلحني فيها ... البيت"، ففصل "بحبها" بين إن واسمها، ولو كان مكان الظرف غيره، لم يجز ذلك، والظرف متعلق بالخبر كأنه قال: إن أخاك مصاب القلب بحبها. وأورده أيضا في موضعين من "التذكرة القصرية" قال في الأول: مسألة: إن قال قائل: لم لا يكون المحذوف في التقدير مؤخرا كأنه قال: إن في الدار زيدا، فلا يسقط بذلك حكم ما يعلق بالظرف؟ قيل: يقبح

стр. 2771

هذا الفصل كما: كانت زيدا الحمى تأخذ، فإن قيل: فقد قال: فإن يحبها أخاك مصاب القلب؟ قد قيل: قد روى البغداديون: هذا مصاب القلب. فذا يدلك على استكراههم الرفع، لما فيه من الفصل، فعدلوا عنه إلى النصب، ويجوز أن يقول: إن الظرف قد فصل به في أماكن، فيجوز أن يكون هذا مثلها. وقال في الموضع الثاني: مسألة: "ما كان فيها أحد خير منك" "فيها" متعلقة بكان إذا نصبت خيرا منك، ومتعلقة بمحذوف إذا كان مستقرا، ويجوز أن تنصبها بـ"خيرا منك" وإن تقدم عليه لشبهه بالفعل" وليس الفصل بـ فيها إذا علقتها بـ خير منك يقبح، لأن أبا الحسن قد أنشد في "المسائل الصغيرة": . . . . . . . . فإن بحبها ... أخاك مصاب القلب. . . . . ورواه الكوفيون: مصاب القلب، وأظنهم هربوا من الفصل، فنصبوا مخافة أن يجري مجرى: كانت زيدا الحمى تأخذ. وأتى أبو الحسن بمسائل هناك يفصل فيها بالظرف المتعلق بالخبر. انتهى. وقد فصل ابن السراج في "الأصول" مذهب الكوفيين في هذه المسألة قال: إذا كان الظرف غير محل للاسم سماه الكوفيون الصفة الناقصة، وجعله البصريون لغوا، ولم يجز في الخبر إلا الرفع، وذلك قولك: فيك عبد الله راغب، ومنك أخواك هاربان، وإليك قومك قاصدون، لأن منك وفيك وإليك لا يكون محلا، ولا يتم بها الكلام، وقد أجاز الكوفيون: فيك راغبا عبد الله، شبهها الفراء بالصفة التامة، لتقدم راغب على عبد الله. وذهب الكسائي إلى أن المعنى: فيك رغبة عبد الله، واستضعفوا أن يقولوا: فيك عبد الله راغبا، وأنشدوا بيتا جاء فيه مثل هذا منصوبا: فلا تلحني مصاب القلب على التشبيه بقولك: إن بالديار أخاك واقفا .. إلى آخر ما فصله.

стр. 2772

وقوله: فلا تلحني: هو نهي، أي: لا تلمني في حب هذه المرأة، فقد أصيب قلبي بها، واستولى عليه حبها، والعذل لا يصرفني عنها، يقال: لحيت الرجل: إذا لمته، وتلاحوا: تنازعوا، وأصله من: لحيت العصا ألحيها لحيا: إذا سلخت لحاءها وجلدها، وكذلك: لحوتها ألحوها لحوا، واللحاء، بالكسر والمد، قشر الشجر، وفي المثل: "لا تدخل بين العصا ولحائها"، والمصاب: اسم مفعول من أصيب بكذا من المصيبة وهي الشدة النازلة، والجم، بالجيم: الكثير، والبلابل: الأحزان وشغل البال، واحدها بلبال، وهو مبتدأ، وجم خبره، والجملة خبر ثان لإن. وأنشد بعده، وهو الإنشاد الثالث والثلاثون بعد التسعمائة: (٩٣٣) أبعد بعد تقول الدار جامعة ... شملي بهم أم تقول البعد محتوما الشمال: نظام الحال واتساقه، والمحتوم: المحق الذي لا ينقص، والهمزة للاستفهام، وبعد: ظرف لتقول تقدم عليه، ففضل بينه وبين الهمزة وذلك مغتفر في الظرف، والبعد: ضد القرب، وتقول هنا بمعنى: تظن، والدار جامعة: مفعولاه، وكذلك تقول الثاني عامل في المنصوبين بعده، والبيت لم أقف على تتمته، ولا على قائله، والله أعلم.

стр. 2773

وأنشد بعده، وهو الإنشاد الرابع والثلاثون بعد التسعمائة: (٩٣٤) إذن والله نرميهم بحرب ... تشيب الطفل من قبل المشيب على أنه فصل بين إذن ونرميهم المنصوب به القسم، والبيت لم أقف على تتمته، ولا على قائله، والله أعلم. وأنشد بعده: لما رأيت أبا يزيد مقاتلا ... أدع القتال وأشهد الهيجاء وتقدم شرحه في الإنشاد التاسع والخمسين بعد الأربعمائة. وأنشد بعده، وهو الإنشاد الخامس والثلاثون بعد التسعمائة: (٩٣٥) فما كل حين من توالي مواليا صدره: بأهبة حزم لذ وإن كنت آمنا. الأهبة، بضم الهمزة: التأهب والتهيؤ، يقال: أخذت لهذا الأمر أهبته، أي عدته، والحزم: التيقظ في جميع الأمور، ولذ: فعل أمر من لاذ به يلوذ لوذا،

стр. 2774

ولواذا، أي: اعتصم به، وكل حين، ظرف لتوالي، والموالاة: مخالصة الود، ومن: اسم ما، ومواليا خبرها. وأنشد بعده، وهو الإنشاد السادس والثلاثون بعد التسعمائة: (٩٣٦) وما كل من وافى منى أنا عارف صدره: وقالوا تعرفها المنازل من منى وهو من شواهد سيبويه، قال ابن خلف: يروى بنصب كل ورفعه، أما من نصب "كل" فقد جعل "ما" تميمية، وأبطل عملها، ونصب "كل" بـ عارف، ومن رفع "كل" جعلها اسم "ما" على لغة أهل الحجاز، وجعل "أنا عارف" في موضع الخبر، وأضمر الهاء في عارف حتى يكون في الجملة ما يعود على الاسم، فيصح أن يكون خبرا، كأنه قال: أنا عارفه، وفي لغة بني تميم إذا رفع كل رفع بالابتداء، وأنا عارف خبر، ويعود إلى اسم "ما" الضمير المحذوف، وتعرفها بمنزلة: اعرفها، والمنازل: ظرف له، يقول: اعرف مكانها بالمنازل من منى، وهي حيث ينزلون أيام رمي الجمار، وما كل من وافى منى أنا عارف موضعه ينزل فيه، قال سيبويه: وكان هذا أحسن من التقدير والتأخير، يعني أن رفع

стр. 2775

"كل" بما على لغة أهل الحجاز، وإضمار الهاء في خبرها أحسن من أن ينصب كل بـ عارف في لغتهم، فتولي "ما" منصوبا بغير هاء، لأن حذف الهاء من الخبر كثير، وليس إيلاء الناصب منصوبا بغيره في شيء من الكلام، قال أبو جعفر: وسألنا أبا إسحاق عن معنى هذا البيت؟ وأجاب، فقال: هذا يذكر امرأة يتعشقها، فليس يسأل عن خبرها إلا من يعرفه ويعرفها. انتهى. والبيت من أبيات أوردها الأسود أبو محمد الأعرابي في "فرحة الأديب" لمزاحم بن الحارث العقيلي وهي: وجدي بها وجد المضل بعيره ... بمكة لم تعطف عليه العواطف رأى من رفيقيه جفاء وفاته ... ببرقتها المستعجلات الخوانف فقالا تعرفها المناول من منى ... البيت ولم أنس منها ليلة الجزع إذ مشت ... إلى وأصحابي منيسخ وواقف فمدت بنانا للصفاح كأنه ... بنات النقا مالت بهن الأحاقف وبعد هذا أبيات خمسة. قوله: وجدي بها وجد المضل بعيره، هو من شواهد سيبويه. قال ابن خلف: الشاهد فيه أنه جعل وجدي مبتدأ، ووجد المضل خبره لا يستغنى عنه، فلم يجز نصبه كما جاز في غيره، وأصله: وجدي بها وجد مثل وجد المضل، والوجد: حرقة الباطن والحزن، والمضل بعيره: الذي أضل بعيره، لم تعطف عليه العواطف:

стр. 2776

لم يرق عليه أحد، ولم يعنه على طلب بعيره. ومزاحم: شاعر إسلامي معاصر لجرير والفرزدق. وأنشد بعده: ونحن عن فضلك ما استغنينا وتقدم الكلام عليه في الإنشاد الخامس والثلاثين بعد المائة. وأنشد بعده: أبا خراشة ما أنت ذا نفر ... البيت وتقدم بسط الكلام عليه في الإنشاد الثالث والأربعين. وأنشد بعده: كأن سبيئة من بيت رأس ... يكون مزاجها عسل وماء وتقدم شرحه في الإنشاد الثاني والتسعين بعد الستمائة. وأنشد بعده، وهو الإنشاد السابع والثلاثون بعد التسعمائة: (٩٣٧) ومهمة مغبرة أرجاؤه ... كان لون أرضه سماؤه قال ابن الشجري في "أماليه" هذا من المقلوب، وفيه حذف مضاف، وإنما أراد: كأن لون سمائه لون أرضه، وذلك لأن القتام لأجل الجدب ارتفع حتى

стр. 2777

غطى السماء، فصار لونها كلون الأرض، وقد اتسع القلب في كلامهم حتى استعملوه في غير الشعر، فقالوا: أدخلت القلنسوة في رأسي، والخاتم في أصبعي. انتهى. وقال السعد في "المطول": وفي القلب من المبالغة ما ليس في تركه، لإشعاره بأن لون السماء قد بلغ من الغبرة إلى حيث يشبه به لون الأرض في الغبرة. انتهى. والواو: واو رب، والمهمة: المفازة والقفر، ومغبرة، أي: ذات غبرة بالضم وهو لون يشبه الغبار، أو بمعنى ذات غبار، والأرجاء، جمع رجا بالقصر، وهو الطرف والناحية، وهذا البيت كذا اشتهر، وهو منسوب لرؤبة، ولا يوجد في ديوان رجزة، وإنما الموجود: وبلد عامية أعماؤه ... كأن لون أرضه سماؤه وهذا مطلع أرجوزة له، وكذا رواه صاحب "الصحاح" وابن الأنباري في "مسائل الخلاف"، وابن الشجري في "أماليه"، وجواب رب في أواخر الأرجوزة، وهو: هاتكته حتى مضت أكراؤه والبلد: الأرض، وعامية بالتخفيف كرامية: اسم فاعل من عمي عليه الأمر: إذا التبس، ومنه قوله تعالى: (فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الْأَنْبَاءُ) [القصص/٦٦]، والأعماء، جمع عمى بالقصر: وهي الأرض التي ليس بها أثر عمارة ولا نبات، وصف البلد بالشدة في أبيات كثيرة، إلى أن قال: هاتكته، وهو جواب رب،

стр. 2778

والأكراء: جمع كرى بالقصر، وهو النوم، يقول: قطعت ذلك البلد حتى طار النعاس من عيني. وتقدمت ترجمة رؤبة في الإنشاد الخامس عشر. وأنشد بعده، وهو الإنشاد الثامن والثلاثون بعد التسعمائة: (٩٣٨) فإن أنت لاقيت في نجدة ... فلا تتهيبك أن تقدما على أن فيه قلبا، والأصل: فلا تنهيبها، والبيت من قصيدة للنمر بن تولب الصحابي وقبله: فأوصى الفتى بابتناء العلاء ... وأن لا يجور ولا يأثما ويلبس للدهر أجلاله ... فلن يبننى الناس ما هدما وإن أنت لاقيت في نجدة ... فلا تتهيبك أن تقدما فإن المنية من يخشها ... فسوف تصادفه أينما وإن تتخطاك أسبابها ... فإن قصاراك أن تهرما وأوصى: فعل مضارع للمتكلم من الوصية، والعلاء، بالفتح والمد، الشرف والرفعة، وأن لا تجوز معطوف على ابتناء، وقوله: ويلبس الدهر إجلاله، هو كقول بيهس الفزاري: البس لكل حالة لبوسها ... إما نعيمها وإما بوسها

стр. 2779

وقوله: فلن يبني الناس ما هد ما، يقول: إذا ضيع الفتى مجده لم يبنه الناس. وقوله: وإن أنت لاقيت في نجده، قال محمد بن حبيب: النجدة: القتال، وقوله: لا تتهيبك، معناه: لا تتهيبها، يريد أن فيه قلبا، وقال الجواليقي في "شرح أدب الكاتب": النجدة: الشجاعة والبأس والقوة، وحذف مفعول لاقيت يريد: إذا لاقيت قوما ذوي نجدة في حرب ونحوها، فلا يتهيبك الإقدام عليهم فإن الذي يخشى المنية تلقاه أين ذهب من الأرض، فهو من المقلوب. وقوله: فسوف تصادفه أينما هو من شواهد "الجمل الزجاجية"، وسوف للتأكيد، قال اللخمي: إن قيل: كيف قال: من يخشها، والمنية تصادف من خشيها، ومن لم يخشها، فأي معنى للشرط؟ قلت: هو خطاب لمن ظن أن خشيته تنجيه من الموت على جهة الرد عليه وإبطال ظنه ومعتقده. انتهى. وقوله: وإن تتخطاك أسبابها، التخطي: التجاوز، وأسباب المنية: ما يؤدي إليها من مرض ونحوه، وقصاراك، بضم القاف: غايتك، والهرم، انحطاط القوى من طول العمر، يعني: إن تتجاوزك أسباب المنية فإن غايتك الهرم، وتبديل وجودك بالعدم. وقد أوردنا القصيدة بتمامها، وشرحناها شرحا وافيا في الشاهد الواحد بعد التسعمائة من شواهد الرضي. وترجمة النمر بن تولب تقدمت في الإنشاد الواحد والثمانين.

стр. 2780

وأنشد بعده، وهو الإنشاد التاسع والثلاثون بعد التسعمائة: (٩٣٩) ولا تهيبني الموماة أركبها ... إذا تجاوبت الأصداء بالسحر تهيبني، بفتح أوله، وأصله: تهيبني بتاءين، فحذف إحداهما، قال أبو علي في باب ما قلب الكلام فيه عن الحد الذي ينبغي أن يكون عليه من كتاب "إيضاح الشعر": قال أبو زيد: إذا طلعت الجوزاء، انتصب العود في الحرباء، يريد: انتصب الحرباء في العودن وقال أبو الحسن: عرضت الناقة على الحوض، وعرضتها على الماء، وإنما يريدون: عرضت الماء عليها، وقالت الحطيئة: فلما خشيت الهون والعير ممسك ... على رغمه ما أمسك الحبل حافره التقدير: ما أمسك الحبل حافره، والمعنى: ولست كالعير، ومثله: رب ثاو يمل منه الثواء أي: ولست لذاك، وينشد للفرزدق: ووفراء لم تحرز بسير وكيعة ... غدوت بها طيا يدي برشائها قل فيه: طيا رشاءها بيدي، وأنشد الطوسي: لما خشيت نسبي أضوائها

стр. 2781

يريد: أضواء نسبيها. وأنشد أيضا: كما دحست الثواب في الوعاءين أي: كما لففت الثوبين في الوعاء، وأنشد أبو الحسن: وإن أنت لاقيت في نجدة ... فلا تتهيبك أن تقدما يريد: لا تتهيبها، وحكى سيبيويه: تهيبني البلاد، فيكون معناه القلب على تأويل أبي الحسن، وقال ابن مقبل: ولا تهيبني الموماة أركبها ... إذا تجاوبت الأصداء بالسحر وقال الأخطل: مثل القنافد هداجون قد بلغت ... البيت قال أبو الحسن: فجعل هجر كأنها هي البالغة وهي المبلوغة في المعنى. وأنشد لكعب الغنوي: وكن أنت ترعى سر نفسك واعلمن ... بأن أقل الناس للسر ساتره يريد أن أستر الناس للسر أقلهم، وهذا يشبه: أدخلت الكم في رأسي، والخاتم في أصبعي، وقال الفرزدق: لا تحسبن دراهما سرقتها ... تمحو مخازيك التي بعمان يريد: سرقتك، وهذا الضرب كثير، وأما قوله: إلى ملك ما أمه من محارب ... أبوه ولا كانت كليب تصاهره

стр. 2782

فتقديره: ما أبوه أمه من محارب، فقدم خبر المبتدأ، وهي جملة كما قدمه وهو مفرد، نحو: منطلق زيد، ومشنوء من يشنؤك. انتهى كلامه. وقال ابن الشجري: الأصداء، جمع الصدى: وهو ذكر البوم، والصدى: الصوت الذي يجيبك إذا صحت بقرب جبل. انتهى. قال الزبيدي في "لحن العامة": وقد هاب الرجل الشيء يهابه هيبة، وقد تهيبت الرجل: إذا هبته، وتهيبني: إذا هبته أيضا، وهو من الأضداد. قال ابن مقبل: ولا تهيبني الموماة أركبها ... البيت وكذا في كتاب "الأضداد" للأصمعي، وقال الصاغاني في "العباب": تهيبت الشيء، وتهيبني الشيء، أي: خفته وخوفي، وأنشد البيت، والموماة، بفتح الميم: المفازة، يقول: أسافر في المفازة وحدي، وأركب الطريق منفردا، ولا أهابها خشية عدو أو سبع، ولا سيما بالليل ووقت الأسحار، وعند تجاوب الأطيار، فإن المسافر إذا كان وحده يهاب الطريق. والبيت من قصيدة لتميم بن مقبل، مطلعها: يا حار أمسيت شيخا قد وهى بصري ... والتات ما دون يوم البعث من عمري يا حار من يعتذر من أن يلم به ... ريب الزمان فإني غير معتذر يا حار أمسى سواد العين خالطه ... شيب القذال اختلاط الصفو بالكدر قد كنت أهدى ولا أهدى فعلمني ... حسن المقادة أني فاتني بصري كان الشباب لحاجات وكن له ... فقد فزعت إلى حاجاتي الأخر

стр. 2783

قالت سليمى ببطن القاع من سرح ... لا خير في العيش بعد الشيب والكبر واستهزأت تربها مني فقلت لها ... ماذا تعيبان مني يا ابنتي عصر لوما الحياء ولوما الدين عبتكما ... ببعض ما فيكما إذ عبتما عوري قد قلتما لي قولا لا أبا لكما ... فيه حديث على ما كان من قصر ما أنتما والذي حالت حلومكما ... إلا كحيران إذا يسري بلا قمر إن ينفض الدهر مني مرة لبلى ... فالدهر أرود بالأقوام ذو غير لقد قضيا فلا تستزئا سفا ... عما نعمنا به من لذة الوطر لا تأمن السيف إذا روحتها إبلي ... حتى ترى نيبها يضمزن بالجرر ولا أقوم على حوضي فأمنعه ... بذل اليمين بشوطي باديا خسري ولا تهيني الموماة أركبها ... إذا تجاوبت الأصداء بالسحر ولا أقوم إلى المولى فأشتمه ... ولا تخدشه نابي ولا ظفري وهي قصيدة يكفي منها هذا المقدار. وترجمة تميم بن مقبل تقدمت في الإنشاد الواحد والثلاثين بعد الأربعمائة، وكان السبب في نظم هذه القصيدة أنه خرج في بعض أسفاره، فمر بمنزل عصر العقيلي، وقد جهده العطش فاستسقى، فخرجت إليه ابنتاه بعس [فيه لبن] فرأتاه أعور كبيرا، فأبدتا له بعض الجفوة، وذكرتا عوره وكبره، فرجع ولم يشرب، فبلغ أباهما الخبر، فتبعه ليرده، فلم يرجع، فقال: ارجع ولك أعجبهما إليك، فرجع وقال في القصيدة، قال ابن قتيبة هي من أحسن شعره. وقوله: لوما الحياء ولوما الدين عبتكما ... البيت.

стр. 2784

استشهد به صاحب "الكشاف" عند قوله تعالى (لَوْ مَا تَأْتِينَا بِالْمَلَائِكَةِ) [الحجر/٧]، ركبت "لو" مع "لا وما" لامتناع الشيء لوجود غيره. وأنشد بعده، وهو الإنشاد الأربعون بعد التسعمائة: (٩٤٠) كأن أوب ذراعيها إذا عرقت ... وقد تلفع بالقور العساقيل قال ابن الشجري: القور: جمع قارة، وهي الجبيل الصغير، والعساقيل: اسم لأوائل السراب، جاء بلفظ الجمع، ولا واحد له من لفظه، والتلفع: الاشتمال والتجلل، وقال: تلفع بالقور العساقيل، وإنما المعنى: تلفع القور بالعساقيل. انتهى. والأوب: الرجع مصدر مضاف لفاعله، وإذا عرقت: كناية عن وقت الهاجرة وشدة الجر، وخبر كأن في بيت آخر، وهو قوله: شد النهار ذراعا عيطل نصف ... قامت فجاوبها نكد مثاكيل وشد النهار: ارتفاعه منصوب على الظرف، وقوله: ذراعا عيطل، هو خبر كأن، والعيطل: المرأة الطويلة، والنصف بفتحتين: التي بين الشابة والكهلة، والنكد، جمع نكداء، وهي التي لا يعيش لها ولد، والمثاكيل: جمع مثكال: وهي الكثيرة الثكل، أي: التي مات لها أولاد كثير، والمعنى: كأن ذراعي هذه الناقة في سرعتها في السير ذراعا هذه المرأة في اللطم لما فقدت ولدها، وجاوبها نساء فقدن أولادهن، لأن النساء المثاكيل، إذا جاوبنها، كان ذلك أقوى لحزنها، وأنشط في ترجيع يديها عند النوج، لخصته في شرح المصنف، وقد بسطنا الكلام عليه في حاشيتنا على هذا البيت من شرح المصنف.

стр. 2785

وأنشد بعده، وهو الإنشاد الواحد والأربعون بعد التسعمائة: (٩٤١) فديت بنفسه نفسي ومالي ... وما ألوك إلا ما أطيق هو لعروة بن الورد. فلو أني شهدت أبا سعاد ... غداة غدا بمهجته يفوق قال الأزهري في "التهذيب": الفواق: ترجيع الشهقة الغالبة، تقول للذي يصيبه البهر: يفوق فواقا وفؤوقا. أبو عبيد عن الكسائي: هو يفوق بنفسه فؤوقا، وهو يسوق بنفسه. ثعلب عن ابن الأعرابي: الفوق: نفس الموت. انتهى. والمعنى: يجود بمهجته، أي: يموت، وقوله: ولا آلوك، قال الأزهري: ابن الأعرابي: الألو: التقصير، والألو: المنع، والألو: الاجتهاد، والألو: الاستطاعة، والألو: العطية، وأنشد: أخالد لا آلوك إلا مهندا ... وجلد أبي عجل وثيق القبائل أي: لا أعطيك إلا سيفا وترسا من جلد ثور، والعرب تقول: أتاني فلان فما ألوت رده، أي: ما استطعت، وأتاني في حاجة فألوت فيها: [أي: اجتهدت فيها]. أبو حاتم عن الأصمعي، يقال: ما ألوت جهدا، أي: لم أدع جهدا، والعامة تقول: ما آلوك جهدا بالكاف وهو خطأ. انتهى المراد منه.

стр. 2786

فالمناسب هنا أن يكون آلوك بمعنى: أعطيك، يقول: الجود بالنفس والمال مما أطيقه، وأما الصحة والعافية ودفع الموت مما لا أطيقه. ووقع في رواة ابن أبي الإصبع في "تحرير التحبير": وما آلوه بضمير الغائب وهو ظاهر، والأول على الالتفات. وعروة بن الورد شاعر جاهلي تقدمت ترجمته في الإنشاد الواحد والستين بعد الثلاثمائة، ونسبهما إلى عروة قدامة في "نقد الشعر" وابن أبي الإصبع في "تحرير التحبير"، والزنجابي في "معيار النظار" وغيرهم، لكن رأيتهما في ديوان حسان بن ثابت في نسخة قديمة، والله أعلم. وأنشد بعده، وهو الإنشاد الثاني والأربعون بعد التسعمائة: (٩٤٢) فلما أن جرى سمن عليها ... كما طيبت بالفدن السياعا هو من قصيدة للقطامي مدح بها زفر بن الحارث، مطلعها: قفي قبل التفرق يا ضباعا ... ولا يك موقف منك الوداعا وتقدم شرحه في الباب الرابع، ثم مضى في الكلام إلى أن ذكر أنه استنتج من ناقته ناقة رباها إلى أن قويت واشتدت، فقال: فلما أن مضت سنتان عنها ... وصارت حقة تعلو الجذاعا

стр. 2787

قال شارحه أبو سعيد السكري: إذا دخلت في السنة الثالثة فهي حقة، والذكر حق، فأراد أنها علا بها عظم وأسرعت الشباب حتى صارت تعلو الجذاع، وهي أصغر منهن بسنة، وإنما تكون جذعا وجذعة في السنة الرابعة: عرفنا ما يرى البصراء فيها ... فألينا عليها أن تباعا قال السكري: آلينا: حلفنا، وأراد: لا تباع لما رأى من تمام خلقها. وقلنا مهلوا لثنيتيها ... لكي تزداد للسفر اضطلاعا قال السكري: مهلوا: انتظروا حتى تخرج ثتيتاها وهي تثني في السنة الثالثة، والاضطلاع: بالقوة/ يقال: هو مضطلع بذلك الأمر: إذا كان قويا عليه، والضليع من الإبل والخيل: التام الخلق، وإنما يراض إذا أثنى وأربع. فلما أن جرى سمن عليها ... كما بطنت بالفدن السياعا قال السكري: الفدن: القصر، والسياع: الطين، فأراد: كما بطنت الفدن بالسياع، أي: طينته. أمرت بها الرجال ليأخذوها ... ونحن نظن أن لن تستطاعا أي: أمرتهم بأخذها لتراض وتركب، ويروى: أن لا تستطاعا. انتهى. والفدن. بفتح الفاء والدال، والسياع، بفتح السين وكسرها؛ شبه جريان السمن في أعضائها على السوية، وأخذ كل عضو منه نصيبه بتطيين الفدن بالسياع، وفيه تشبيه الناقة بالقصر في العلو والارتفاع. وترجمة القطامي تقدمت في الإنشاد الثامن والخمسين بعد المائتين.

стр. 2788

وأنشد بعده، وهو الإنشاد الثالث والأربعون بعد التسعمائة: (٩٤٣) وعذلت أهل العشق حتى ذقته ... فعجبت كيف يموت من لا يعشق هو من قصيدة لأبي الطيب المتنبي قالها في صباه يمدح محمد بن أوس بن معن الأزدي، قال الواحدي: يذهب في هذا البيت إلى أنه من المقلوب على تقدير: كيف لا يموت من يعشق؟ يعني أن العشق يوجب الموت لشدته، وإنما يتعجب ممن يعشق، ثم لا يموت، وإنما يحمل على القلب ما لا يظهر المعنى دونه، وهذا ظاهر المعنى من غير قلب، وهو أنه يعظم أمر العشق، وجعله غايه في الشدة، يقول: كيف يكون موت من غير عشق، أي: من لم يعشق يجب أن لا يموت، لأنه لم يقاس ما يوجب الموت، وإنما يوجبه العشق، وقال بعض من فسر هذا البيت: لما كان المتقرر في النفوس أن الموت في أعلى مراتب الشدة قال: لما ذقت العشق، وعرفت شدته، عجبت كيف يكون هذا الأمر المتفق على شدته غير العشق. انتهى. وأنشد بعده، وهو الإنشاد الرابع والأربعون بعد التسعمائة: (٩٤٤) إذا أحسن ابن العم بعد إساءة ... فلست لشري فعله بحمول أراد: لشر فعليه فقلب، وفي طبع هذا الشاعر غلظة وجفاء وقسوة، فإن كلامه هذا بخلاف قول الله ﵎: (إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ)

стр. 2789

[هود/١١٤]، وبخلاف قوله ﷺ : "أتبع السيئة بالحسنة تمحها" وهذا البيت رأيته مفردا في نوادر ابن الأعرابي، رواه عن أبي زياد الكلابي صاحب "النوادر". وأنشد بعده: إن تقرآن على أسماء ويحكما ... مني السلام وأن لا تشعرا أحدا وتقدم في الإنشاد الرابع والثلاثين. وأنشد بعده: لو يشأ طار بها ذو ميعة ... لا حق الآطال نهد ذو خصل وتقدم في بحث "لو". وأنشد بعده: استغن ما أغناك ربك بالغنى ... وإذا تصبك خصاصة فتحمل وتقدم في بحث "إذا". وأنشد بعده: لن يخب الآن من رجاك وقد ... حرك من دون بابك الحلقة وتقدم إنشاده في بحث "لن".

стр. 2790

وأنشد بعده: يا أبتا عللك أو عساكا وتقدم إنشاده في بحث "عسى". وأنشد بعده، وهو الإنشاد الخامس والأربعون بعد التسعمائة: (٩٤٥) مثل القنافد هداجون قد بلغت ... نجران أو بلغت سوآتهم هجر أورده ابن السراج في كتاب "الأصول" في باب "الضرائر الشعرية" وقال: جعل هجر في اللفظ هي التي تبلغ السوءات، وكذا أورده ابن عصفور في كتاب "الضرائر" مع الأبيات المتقدمة وغيرها، وكان الأصل رفع السوآت، ونصب نجران وهجر، وهما بلدان، لأنها هي التي تأتي البلاد، لا أن البلاد تأتيها، والسوءة، بالفتح: الفعلة القبيحة، قال ابن السيد في "شرح أبيات الجمل" شبههم بالقنافذ لمشيهم بالليل للسرقة والفجور، والهدجان: مشي في ارتعاش، والبيت للأخطل النصراني من قصيدة هجا بها جريرا، وقبله: أما كليب بن يربوع فليس لها ... عند التفاخر إيراد ولا صدر مخلفون ويقضي الناس أمرهم ... وهم بغيب وهي عمياء ما شعروا مثل القنافد هداجون ... البيت.

стр. 2791

كليب: قبيلة جرير، وضرب الإيراد والصدر مثلا لعقد الأمور وحلها، وأصلهما السير إلى الماء والرجوع عنه، ومخلفون: متروكون، والعمياء: الجهالة، ونجران: فاعل بلغت، والمفعول محذوف يدل عليه مفعول بلغت الثاني، تقديره: قد بلغت نجران سوآتهم. وترجمة الأخطل تقدمت في الإنشاد السابع والأربعين وأنشد بعده، وهو الإنشاد السادس والأربعون بعد التسعمائة: (٩٤٦) قد سالك الحيات منه القدما أنشد سيبويه مع بيتين بعده، وهما: الأفعوان والشجاع الشجعما ... وذات قرنين ضموزا ضرزما رواه برفع الحيات على أنها فاعل سالمت، والقدم مفعولهن والأفعوان: مفعول بفعل محذوف تقديره: وسالمت القدم الأفعوان، والشجاع، فالمسألة واقعة منهما. وقال ابن السيد: الفراء يرويه بنصب الحيات على أنها مفعولة، والقدما: فاعل، وهو مثنى حذفت نونة للإضافة. وكذا قال شراح أبيات "الجمل" ابن السيد واللخمي وغيرهما، قال ابن خلف: هجا رجلا القدمين وصلابتهما لطول الجفاء، فذكر أنه يطأ الحيات والعقارب فيقتلها، فقد سالمت قدميه لذلك، وكان القياس أن يرفع الأفعوان وما بعده، على البدل من الحيات غير أنه حمله على فعل

стр. 2792

مضمر يدل عليه سالم، لأن المسالمة إنما تكون من اثنين فصاعدا، فكأنه قال: وسالمت القدم الأفعوان، وصف رجلا بخشونة القدمين، وغلظ جلدهما، فالحيات لا تؤثر فيهما، والأفعوان: الذكر من الأفاعي، والشجاع: الذكر من الحيات. وقوله: وذات قرنين: أراد بها العقرب، وقيل: الأفعى القرناء، وضرب من الأفاعي يكون له قرون من جلده، والضموز: المطرقة التي تصفر لخبثها، فإذا عرض لها إنسان ساورته وثبا، والضرزم، بكسر الضاد والزاء المعجمتين المسنة، وهو أخبث لها، وأكثر لمسها، ويقال: الضرزم: الشديدة، والشجعم الجريء والميم الزائدة. انتهى. وهذا كله كلام الأعلم وابن السيد. وقال اللخمي: الشجاع نوع من الحيات، والشجعم مع عظم جسم وذات قرنين، يعني حية لها قرنان، وهما لحمتان في رأسها من يمين وشمال، وقيل: يعني العقرب، والضرزم: الشديدة العض. هجا رجلا بغلظ القدمين وصلابتهما لطول الحفاء، يقول: قد سالمت الحيات قدميه فما تقدم أن تدخل تحتهما كما سالمت القدمان الحيات، فاغتدين مسلمات، واغتدى الرجل سالم القدمين. هذا ملخص ما وقفت عليه من شرح أبيات سيبويه، وشرح أبيات "الجمل"، واختلفوا في قائله، فقال سيبويه وخدمته: أبو حيان الفقعسي، وقال اب السيد: هو لمساور العبسي، وقال اللخمي: هو للعجاج، والله أعلم. وهذا الرجز من أرجوزة أوردناها برمتها، وشرحناها شرحا وافيا في الشاهد التاسع والأربعين بعد التسعمائة من شواهد الرضي. وأنشد بعده: هما خطتا إما إسار ومنة وتقدم بسط الكلام عليه في الإنشاد التاسع والسبعين بعد الثمانمائة.

стр. 2793

وأنشد بعده، وهو الإنشاد السابع والأربعون بعد التسعمائة: (٩٤٧) إن من صاد عقعقا لمشوم ... كيف من صاد عقعقان وبوم على أن المفعول يكون مرفوعا، فإن عقعقان مفعول صاد، مع أنه مرفوع بألف التثنية، وبوم، معطوف على المفعول، وهو مرفوع بالضمة، والعقعق: طائر معروف أبلق بسواد وبياض أذنب يعقعق بصوته، يشبه صوته العين والقاف، كذا في "العباب" للصاغاني، ومشوم: أصله مشؤوم، فنقلوا ضمة الهمزة إلى الشين الساكنة، فحذفت الهمزة للساكنين، والشؤم، مهموز العين، النحوسة. وهذا البيت لم أقف على قائله، ولا على تتمته مع شدة الفحص عنه مدة عشرين سنة، ولا رأيته في كتاب نحو يعتمد عليه، ومثل هذا مما جهل قائله، لا يجوز الاستشهاد به لاحتمال أنه من شعر المولدين، والله أعلم. وهذا آخر الأبيات التي ختم المصنف بها كتابه، وقد من الله علينا في أن وفقنا لشرح أبياته من الأول إلى الآخر، بعد أن كاد يذهب البصر برمد شديد، فإنني لما وصلت إلى الإنشاد الثالث والأربعين بعد الستمائة حدث لي شقيقة رمدت بها عيني اليمنى، وانطبقت معها اليسرى، وذلك في اليوم الرابع من ذي الحجة ختام سنة سبع وثمانين وألف، فرمدت عيني بنزلة حادة مدة ثلاثين يوما، ففترت النازلة، فانفتحت عيناي بعض الانفتاح، فشرعت في تكميل شرح الأبيات في غزة ربيع الأول من شهور سنة إحدى وتسعين بعد الألف، ولله الحمد على هاتين النعمتين، وتم شرحها في وقت العصر من يوم الجمعة السادس من شهر رجب من السنة المذكورة، ولكن قد استعجلنا في أواخر هذا الشرح لتصميم العزم إلى القسطنطينية لأمر عرض

стр. 2794

فتم قبل السفر بخمسة أيام، وكان ابتداء الشروع في الشرح الساعة السابعة من الليلة الثالثة والعشرين من شهر رمضان المبارك من السنة السادسة والثمانين بعد الألف من الهجرة، ولله الحمد أولا وآخرا، وصلى الله على سيدنا محمد وآله الطيبين وصحبه المكرمين، ومن تبعهم بخير وإحسان إلى يوم الدين. الحمد لله. اتفق الفراغ من تصحيح هذه النسخة ومعارضتها بنسخة المؤلف التي بخطه في أواسط شهر ربيع الآخر من سنة ثمان وأربعين ومائة وألف على يد العبد الضعيف أحمد بن الحسين الكيواني الشامي، لطف الله تعالى به، ولله الحمد، وصلى الله على شفيع الأمة سيدنا محمد وعلى آلة وصحبه وسلم تسليما كثيرا. [وجاء في آخر نسخة مكتبة عارف حكمت في المدينة المنورة (ب) ما نصه]: قال كاتبه: اللهم يا من نحا بابه العالي أغناه، ورفع مقامه وهداه، وعلمه ما لم يكن يعلم، ونجاه من لحن الأصغرين وسلم، أسألك رحمات تؤنس رمس مؤلف هذا الكتاب، ولحقه بالزلفى وحسن مآب، وألحق بذلك كافة أهليه والأصحاب، وأجر أقلام كاتب هذا المؤلف العظيم، حتى يقول بعد بسم الله الرحمن الرحيم: الحمد لله رافع شواهد وحدانيته على مناسب الملكوت، المغني من نحا نحوه عن الافتقار إلى من يفني ويموت، الجازم قلوب المؤمنين أنه الله الواحد الذي تقدست أسماؤه وأفعاله، المعرب عما استتر عن العقول كلمه وأقواله، وأصلي على الشاهد على الأمم أمته، المشيد بيوت الكمال جمعه السالم وصلته، سيدنا محمد الذي

стр. 2795

كان أول مبتدأ في الأكوان، وآخر خبر منعوت في الإنجيل والفرقان، وعلى آله خير الموارد والمصادر، وأصحابه النجوم الزواهر. أما بعد، فقد نمقت أنملي هذه الشواهد، وتأملت ما فيها من السوانح والشوارد، فإذا هي عروس تجلى على معاهد الآداب، ويتلو من توسمها: (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ)، ولله المولى مؤلفها عبد القادر فما أقدره! وما أسبق محلى مضمار البغدادي وأمهره! وما أوسع اطلاعه على مخبآت الكتب والدفاتر! وما أجرى يراعه بين الأوائل والأواخر! فجزاه الله خير الجزاء على هذا الصنيع، ورفع بأمثاله شواهد النحو والبيان والبديع، وسقى جدثه شآبيا الرحمة والرضوان، وأسكنه فراديس الجنان. وقد كتب هذه النسخة بأقلام العجز والتقصير، بحسب ما جرى به أقلام التقدير، هو الفقير إلى الله مصطفى بن فتح الله الحلبي النحاس، ألبسه الله لباس الحظوظ والإيناس، برسم خزانة كتب الحضرة العلية بمناصب العلوم، والدوحة المثمرة بثمرات المنطوق والمفهوم، ألا وهي حضرة عظيم مكة وإمها، مفتيها وهمامها، المسند إليه كل كمال، والمسند حديثه الصحيح بالحسن المتواتر من الأقوال والأفعال، عمدة ذوي التمييز، خير قائم بالسنة وكتاب الله العزيز، سيبويه زمانه، والعلم المفرد بين أقرانه، لا يشار إليه بالبنان، ولا تبعث أروح المعاني سوى من صاحب البيان، صدر الشريعة الغراء، وكنز الهداية الذي جل معروفا وقدرا، مولانا الشيخ الأجل الأكمل أبي الأفضال عبد القادر المكي الحنفي، حفه الله بلطفه الخفي، ونفع بعلومه الشريفة، وزكي شيمة اللطيفة، وذهب بطول بقائه طراز مذهب أبي حنيف، وجزاه عني وعن المسلمين أحسن ما يجازي به إمام، قد قام لله بالله في بلده الحرام. وقد فرغت من نسخ هذا المؤلف صبيحة يوم الخميس المبارك، ثاني ذي الحجة الحرام من شهور سنة ألف ومائة واثنين وعشرين، أحسن الله ختامها، وعلى الله حسن الختام، وعليه توكلي طول الدوام. وأقول:

стр. 2796

لمغني الخلق قد قامت شواهد ... تدل بأنه في الكون واحد إله من نحاه ينال نحوا ... كثيرا في المصادر والموارد إليه يصعد الكلم المزكي ... ويسعد عنده فعل المحامد له الحمد الذي قد جل عدا ... على ما من صلة وعائد وأرجوه المحلى من حظوظ ... يشير له الأنامل بالمقاصد له الأسماء والأفعال تجلى ... على صفتي فتظهر في المشاهد ومن آياته خلقي ونطقي ... ورفعي ثم خفضي للمعاند وإعرابي وإغرابي بيانا ... بديعا في المعاني كالقلائد وما خطفت يميني سوف يلفى ... إذا نشر النشور وعاد عائد فيارب البرية جد بعفو ... ولطف عند أوقات الشدائد ووال الله سحب الفضل تترى ... على قبر المؤلف خير ماجد وعبد القادر المولى أبحه ... جنانك وهي عالية المقاعد وإني قد كتبت له كتابا ... وشرحا للصدور بلا معاند وجاء برسم مولانا المعلى ... معظم مكة جم الفوائد رئيس العلم والعلماء جمعا ... وللمفتي كم صعدت مصاعد فجلى عبد قادرها هداها ... وصح لها حديث عن مساعد وللنعمان كم أهدت سرورا ... فحدث صاحبيه عن مجاهد أيا مولاي لا تنظر حظوطي ... بعين الحظ باهت في المعاهد ولا تنظر جناياتي وجهلي ... فإني مثل مجدك لا أشاهد وإني منك معتز الأماني ... وإن أدنيتني ما لي مباعدا وقد تم الكتاب بحمد ربي ... ووفد الله جاؤوا للمراصد

стр. 2797

وبشراك الصعود بكل بشر ... وأوقات السعود برغم حاسد وعش واسلم بإنعام ولطف ... وإيناس يميد له الموائد بجاة المصطفى خير البرايا ... وأشرف مرسل للخير قائد عليه الله صلى ثم آل ... وصحب ما أضاء لهم فراقد تمت هذه الأبيات بحمد الله وعونه وحسن توفيقه وصلى الله وسلم على أشرف مخلوقاته وأعظم أنبيائه سيدنا ومولانا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين وتابع لهم بإحسان إلى يوم الدين م الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات