Полный текст (2 797 стр.). Показаны 2731–2770 · переход к 2736.
стр. 2731
وهما من قصيدة في وصف ناقته، وخدي البعير يخدي خديا، ووخد يخد وخدانا ووخدا، كلاهما من السير السريع، وقوله: على العلات، أي: على ما بها من الكلال والجوع والعطش، وسام رأسها، أي: مرتفع من نشاطها، وموضع سام نصب على الحال، ولكنه أسكنه ضرورة، كقول بشر بن أبي خازم:
كفى بالنأي من أسماء كافي
فرأسها إذن مرتفع بسام دون الابتداء ارتفاع الفاعل بفعله، لأن اسم الفاعل إذا اعتمد عمل عمل الفعلن واعتماده أن يكون خبرا أو صفة أو صلة أو حالا، وروعاء: حديدة الفؤاد ترتاع من كل شيء، وانتصابها على الحال، والمنسم: للبعير كالظفر للإنسان، ورثيم: مشقوق، فعيل بمعنى مفعول، صكته الحجارة فرثمته، وأصل الرتم في الأنف، يقال: رثمت أنفه: إذا شققته حتى يسيل دمه، ولكنه استعاره للمنسم كمجلس، قوله: اقصري من القصر الذي هو الحبس، أي احبسي جولانك. إلى هنا كله كلام ابن الشجري.
وأول القصيدة:
لمن الديار غشيتها بسخام ... فمعايتين فهضب ذي أقدام
دار لهند والرباب وفرتني ... ولميس قبل حوادث الأيام
عوجا على الطليل المحيل لأننا ... نبكي الديار كما بكى ابن حذام
ومجدة نسأتها فتكمشت ... رتك النعامة في طريق حام
تخدي على العلات ... البيتين
وبعدهما:
فجزيت خير جزاء ناقة واحد ... ورجعت سالمة القرا بسلام
стр. 2732
سخام، بضم السين المهملة بعدها خاء معجمة، وذي اقدام: موضعان، وعمايتان، بفتح المهملة: جبلان، وهضب: وهدة. وهند والرباب وفرتني ولميس: أسماء نساء، وعوجا: اعطفا، والمحيل: المتغير، ولأن في لأننا معنى "لعل"، وكذلك "لعن"، وبه استشهد، وابن حذام: شاعر قديم، ومجدة: ناقة سريعة، والواو، واو رب، ونسأتها: جرجرتها، وتكمشت: أسرعت، ورتك: سرعة، وجام: حار من الشمس، والعلات، بكسر العين المهملة: الحالات، وحالت: اضطربت، وتصرعني: تسقطني، والقرا، بفتح القاف، والقصر: الظهر.
وترجمة امرئ القيس تقدمت في الإنشاد الرابع.
وأنشأ بعده:
والدهر الإنسان دواري
تقدم في الإنشاد الثاني عشر.
وأنشد بعده:
طلبوا صلحنا ولات أوان ... فأجبنا أن ليس حين بقاء
وتقدم الكلام عليه في الإنشاد الحادي عشر بعد الأربعمائة.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الرابع عشر بعد التسعمائة:
(٩١٤) بني إن البر شيء هين ... المنطق الطيب والطعيم
قال المبرد في "الكامل"، يقال: غيم وغين، أبدلت الميم نونا لاجتماعهما في الغنة، كما يقال للحية، أين وأيم، واستخارت الشعراء أن تجمع الميم والنون في القرافي لما ذكرت لك، قال الراجز:
стр. 2733
بني إن البر شيء هين ... المنطق اللين والطعيم
وقال الآخر:
ما تنقم الحرب العوان مني ... إلى آخره.
انتهى. وأنشد البيت الأول أبو زيد في "نوادره"، وقال: قالته امرأة لابنها، ورأيت في كتاب "غرر الخصائص الواضحة" تأليف الوطواط الكتبي المصري: سمع بعض الأعراب يقول لولده:
بني إن البر شيء هين ... وجه طليق وكلام لين
وعلى هذا لا إكفاء في القافية، والبر، بالكسر: الجميل وفعل الخير، والطعيم: مصغر طعام، وقد أورده ابن الشجري في "أماليه" قال: وقد ورد النداء تعجبا كقول الآخر:
يا ريها اليوم على مبين ... على مبين جرد القضيم
جمع بين الميم والنون رويين لتقارب مخرجهما، كقول الآخر:
بني إن البر شيء هين ... المنطق الطيب والطعيم
ومثله لأبي جهل بن هشام:
ما تنقم الحرب العوان مني ... .. إلى آخره
وقال آخر: فجمع بين الطاء والدال لتقاربهما:
إذا ركبت فاجملوني وسطا ... إني كبير لا أطيق العندا
العند: جمع ناقة عنود، وهي التي لا تستقيم في سيرها، وهذا يسمى في عيوب
стр. 2734
القوافي: الإكفاء. انتهى.
وأنشد بعده:
ما تنقم الحرب العوان مني ... إلى آخره
وتقدم الكلام عليه في الإنشاد السابع والخمسين.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الخامس عشر بعد التسعمائة:
إذا ركبت فاجعلوني وسطا ... إني كبير لا أطيق العندا
هكذا رواه المرزباني عن الأخفش في كتاب "الموشح"، وكذا أنشده أبو علي في "الحجة" عند ذكر اختلاف القراء في السين والصاد من "يبسط" و"بسطة" قال: فأما من يبدل السين في "بسطة" وترك السين، فلأنه أصل الكلمتين، ولأن ما بين الحرفين من الخلاف يسير، فاحتمل الخلاف لقلته، ولأن هذا النحو من الخلاف لقلته غير معتد به، ألا ترى أن الحرفين المتقاربين قد يقعان في روي، فسيتجيزون ذلك كما يستجيزونه في المثلثين، كقوله:
إذا ركبت فاجعلوني ... إلى آخره.
فكما جعل الدال مثل الطاء في جمعهما في حرف الروي، ولم يحفل بما بينهما من الخلاف في الإطباق، كذلك لم يحفل بما بين السين والطاء، فلم يقربها منها كما فعل الآخرون. انتهى. ورواه ابن قتيبة في باب ما أبدل من القوافي من "أدب الكاتب":
стр. 2735
إذا نزلت فاجعلوني وسطا ... إني كبير لا أطيق العندا
قال ابن السيد في شرحه: قال: فسره، فقال: العند: الجانب، ورواه أبو بكر بن دريد: العند، بضم العين وتشديد النون، جمع عاند، وهو المائل المنحرف، وزاد بعده:
ولا أطيق البكرات الشردا
ولا يجوز أن تكون الألف حرف روي، لأن الأولى هي المبدلة من التنوين والأخيرين للإطلاق، وهاتان الألفان لا يجوز أن يكونا رويين. هذا كلامه. وبهذا المقدار من الشرح لم يتضح معنى هذا الرجز، وقد أوضحه الجواليقي في شرحه قال: قوله:
إذا نزلت فاجعلاني وسطا ... إلى آخره
العند، بفتحتين: الجانب والناحية، وكان هذا الرجل قد كبر، والرجل إذا كبر عاد كالصبي، والصبيان يخافون بالليل، يقول: اجعلاني وسطكما، فإني لا أطيق أن أكون في الجانب، ويروي "العندا" وهو جمع عاند وعنود، فعاند وعند، كشاهد وشهد، يقال: ناقة عنود: إذا تنكبت الطريق من قوتها ونشاطها، وذلك مماتمدح به وتستجب، والرواية الجيدة: "إذا ركبت" كذا رواه لنا ثابت عن ابن رزمة عن أبي سعيد، وقال: العند بفتحتين، ميلك عن الشيء، عند يعند بالكسر، ويعند بالضم عندا بفتحتين وعنود بالضم. انتهى كلامه. وإنما أمرهم بجعله وسطا لئلا تخرج به عن الطريق فتمرح، فترميه أو تضعفه.
стр. 2736
وأنشد بعده، وهو الإنشاد السادس عشر بعد التسعمائة:
(٩١٦) ياما أميلح غزلانا شدن لنا ... من هؤليائكن الضال والسمر
على أنه صغر فعل التعجب تشبيها له بأفعل التفضيل، قال الشاطبي في "شرح الألفية": علل ذلك سيبويه بأنهم أرادوا تصغير الموصوف بالملاحة، كأنك قلت: مليح، لكنهم عدلوا عن ذلك وهم يعنون الأول، ومن عادتهم أن يلفظوا بالشيء وهم يريدون شيئا آخر. انتهى.
و"يا" حرف نداء، والمنادى محذوف، أي: يا صاحبي، والملاحة: البهجة وحسن المنظر، والغزلان، جمع غزلان: وهو ولد الظبية، قال أبو حاتم: الظبي أول ما يولد هو طلي، ثم هو غزلان، والأنثى غزالة، فإذا قوي وتحرك، فهو شادن، فإذا بلغ شهرا، فهو شصر، بالشين المعجمة والصاد المهملة المفتوحين، فإذا بلغ ستة أشهر أو سبعة، فهو جداية، بفتح الجيم للمذكر والأنثى، وهو خشف أيضا، والرشأ: الفتي من الظباء، فإذا أنثى، فهو ظبي، ولا يزال ثنيا حتى يموت، والأنثى ظبية، والثني: الذي يلقي ثنيته، أي سنة من ذوات الظلف والحافر في السنة الثالثة، يقال: أثنى فهو ثني فعيل بمعنى فاعل، وشدن: ماضي شدن الغزال، بالفتح يشدن، بالضم، شدونا: قوي وطلع قرناه، واستغنى عن أمه، وربما قالوا: شدن المهر، وأشدنت الظبية، فهي مشدن: إذا شدن ولدها، والنون الثانية ضمير الغزلان، فاعل شدن، والجملة صفة لغزلان، واللام ومن متعلقان بشدن، وقوله: من هؤليائكن، هو مصغر هؤلاء شذوذا، وأصله: أولاء بالمد والقصر، وها:
стр. 2737
للتنبيه، وأولاء: اسم إشارة [يشار به] إلى جمع، سواء كان مذكرا أم مؤنثا، عاقلا أم غير عاقل، والكاف: حرف خطاب، والنون حرف أيضا لجمع الإناث، ورواه الجوهري:
من هؤلياء بين الضال والسمر
وقال: لم يصغروا إلا هذا، وإلا ما أحيسنه، والضال: صفة اسم الإشارة، أو عطف بيان لها، وهو السدر البري، اسم جنس يصدق على الكثير والقليل، واحده ضالة، والسمر: بفتح السين وضم الميم: وهو شجر شائك عظيم، وهو اسم جنس أيضا، واحده سمرة، قال المصنف في شرح أبيات ابن الناظم: البيت من جملة أولها:
حوراء لو نظرت يوما إلى حجر ... لأثرت سقما في ذلك الحجر
يزداد توريد خديها إذا لحظت ... كما يزيد نبات الأرض بالمطر
فالورد وجنتها والحمر ريقتها ... وضوء بهجتها أضوا من القمر
يا من رأى الخمر في غير الكروم ومن ... هذا رأى نبت ورد في سوى الشجر
كادت ترف عليها الطير من طرب ... لما تغنت بتغريد على وتر
بالله يا ظبيات القاع قلن لنا ... ليلاي منكن أم ليلى من البشر
يا ما أميلح غزلانا شدن لنا ... البيت.
وروى العباسي في "معاهد التنصيص" عن بعضهم أنه من أبيات لبعض الأعراب، وأنشدها، وفي "الدمية" للباخرزي أنه أول أبيات ثلاثة لبدوي اسمه كامل الثقفي، ثانيها:
стр. 2738
بالله يا ظبيات القاع قلنا لنا ... البيت
وثالثها:
إنسانة الحي أم أدمانة السمر ... بالنهي رقصها لحن من الوتر
وقال العيني: إنه من قصيدة للعرجي، ومنها:
بالله يا ظبيات القاع ... البيت
وقال الصاغاني في "العباب": يقولون: ما أميلح زيدا، ولم يصغروا من الفعل غيره، وغير قولهم: "ما أحيسنه"، قال الحسين بن عبد الرحمن العريني:
بالله يا ظبيات القاع ... البيت
باتت لنا بعيون من براقعها ... مملوءة مقل الغزلان والبقر
يا ما أميلح غزلانا شدن لنا ... البيت
انتهى.
والأدمانة: الظبية البيضاء يعلو بياضها طرق فيهن غبرة، والنهي، بكسر النون: الغدير في لغة نجد وغيرهم يفتح النون، وقال السخاوي في "شرح المفصل": والنحاة ينشدون:
ياما أميلح غزلانا ... البيت.
ظنا منهم أنه شعر قديم، وإنما هو لعلي بن محمد العريني وهو متأخر، وكان يروم التشبه بطريقة العرب في الشعر، وله مدح في علي بن عيسى وزير المقتدر، وقتل المقتدر في شوال سنة عشرين وثلاثمائة، وتقدمت ترجمة العرجي في الإنشاد السادس والعشرين بعد المائتين.
وأنشد بعده:
كأن ثبيرا في عرانين وبله ... كبير أناس في بجاد مزمل
وتقدم شرحه في الإنشاد السادس والخمسين بعد السبعمائة.
стр. 2739
وأنشد بعده، وهو الإنشاد السابع عشر بعد التسعمائة:
(٩١٧) يا صاح بلغ ذوي الزوجات كلهم ... أن ليس وصل إذا انحلت عرى الذنب
قال الفراء في تفسيره عند قوله تعالى: (في يوم عاصف) [إبراهيم/١٨]، وجوها من الإعراب إلى أنه قال: وإن شئت نويت أن تجعل عاصف من نعت الريح خاصة، فلما جاء بعد اليوم أتبعته بإعراب اليوم، وذلك من كلام العرب أن يتبعوا الخفض الخفض إذا أشبهه، وقد قال الشاعر:
كأنما ضربت قدام أعينها ... قطنا بمستحصد الأوتار محلوج
وقال آخر:
تريك سنة وجه غير مقرفة ... ملساء ليس لها خال ولا ندب
قال الفراء: قلت لأبي ثروان، وقد أنشدني هذا البيت بخفض غير: كيف تقول: تريك سنة وجه غير مقرفة؟ قال: تريك سنة وجه غير مقرفة، قلت له: أنشد بنصب غير، فخفض غير، فأعدت عليه القول، فقال: الذي تقول أنت أجود مما أقول أنا، وقال آخر:
فإياكم وحية بطن واد ... هموز الناب ليس لكم بسبي
стр. 2740
ومما يرويه نحويونا الأولون أن العرب تقول: هذا حجر ضب خرب، وقد ذكر عن يحيى بن وثاب أنه قرأ: (إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين) [الذاريات/٥٨]، فخفض المتين، وبه أخذ الأعمش، والوجه أن يرفع المتين، وأنشدني أبو الجراح العقيلي:
يا صاح بلغ ذوي الزوجات كلهم ... أن ليس وصل إذا أنحلت عرى الذنب
فأتبع "كل" خفض الزوجات وهو منصوب، لأنه نعت لذوي، انتهى.
وقال أبو حيان في "تذكرته"، قال الفراء: أنشدني أبو الجراح:
يا صاح بلغ ذوي الزوجات كلهم ... البيت
بخفض كلهم على الجوار للزوجات، قال الفراء: فواقفت أبا الجراح على قوله، وقلت له: أليس المعنى: ذوي الزوجات كلهم .. البيت؟ فقال: بلى الذي تقول خير من الذي أقول، ثم استنشدته البيت، فأنشده بخفض كلهم. انتهى.
وقال أبو عبيد البكري فيما كتبه على "نوادر القالي" هذا البيت لأبي الغريب وهو أعرابي له شعر قليل، أدرك الدولة الهاشمية، قال أبو زياد الكلابي: كان أبو الغريب شيخا قد تزوج، فم يولم، فاجتمعنا على بابا خبائه وصحنا:
أو لم ولو بيربوع ... أو لم بقرد مجدوع
قتلتنا من الجوع
فأولم واجتمعنا عنده، فأعرس بأهله، فلما أصبح، غدونا عليه، فقلنا:
يا ليت شعري عن أبي الغريب ... إذ بات في مجاسد وطيب
معانقا للرشأ الربيب ... أأحمد المحضار في القليب
стр. 2741
أم كان رخوا يابس القضيب
فصاح إلينا: يابس القضيب، والله يابس القضيب، وأنشأ يقول:
سقيا لعهد خليل كان يأدم لي ... زادي ويذهب عن زوجاتي الغضبا
كان الخليل فأضحى قد تخونه ... هذا الزمان وتطعاني به الثقبا
وهو القائل:
يا صاح بلغ ذوي الزوجات كلهم ... أن ليس وصل إذا استرخت عرى الذنب
انتهى. أراد بالخليل: قضيبه، وتخونه: تنقصه، والثقب: جمع ثقبة، والمراد من قوله: "إذا انحلت عرى الذنب": استرخاء القضيب بذبول العروق والأعصاب، قال ابن السكيت في كتاب "المذكور والمؤنث": أهل الحجاز يقولون للمرأة زوج بغير هاء، قال تعالى: (أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ) [الأحزاب/ ٣٧] وتجمع على أزواج، قال تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ) [الأحزاب/٢٨] وسائر العرب يقولون: زوجة، وتجمع على زوجات، وأنشد هذا البيت. انتهى.
وكذا قال علي بن حمزة البصري في كتاب "التنبيهات"، ورد علي الأصمعي في زعمه أن العرب لا تكاد تقول زوجة، واستشهد بأبيات كثيرة، ولولا خوف الإطالة لنقلناها.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الثامن عشر بعد التسعمائة:
(٩١٨) لحب المؤقدان إلي موسى ... وجعدة إذا أضاءهما الوقود
قال أبو علي في "الحجة" عند قوله تعالى: (الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ) من أول سورة البقرة: فأما حجة من قرأ بتحقيق الهمزة، فلأنه إنما كان ترك الهمزة
стр. 2742
في "أو من" لاجتماع الهمزتين، كما أن تركها في "آمن" لذلك، فلما زال اجتماعهما مع سائر حروف المضارعة سوى الهمزة، رد الكلمة إلى الأصل فهمز، لأن الهمزة من الأمن والأمنة فاء الفعل، ومما يقوي [الهمز] في ذلك أن من تركها إنما يقلبها واوا ساكنة، وما قبلها متحرك بالضم، والواو الساكنة إذا انضم ما قبلها، فقد استجازوا قلبها همزة، قال محمد بن يزيد: أخبرني أبو عثمان، قال: أخبرني الأخفش، قال: كان أبو حية النميري يهمز كل واو ساكنة قبلها ضمة، وينشد:
لحب المؤقدان إلى مؤسى
وتقدير ذلك أن الحركة لما كانت تلي في موسى، صارت كأنها عليها، والواو إذا تحركت بالضم، أبدلت منها الهمزة، فإذا جاز إبدال الهمزة من الواو التي ذكرنا واجتلابها، وإن لم تكن من الكلمة، فالهمزة التي هي أصل في الكلمة أولى بالتقرير، وأن لا يبدل منها الواو. انتهى.
وقال أيضا عند قوله تعالى: (بالسؤق والأعناق) من سورة (ص): قرأ ابن كثير وحده "بالسؤق" بالهمز، وقرأ أيضا (بالسؤوق) بواو بعد الهمزة، أما الهمز في السؤق فغيره أحسن وأكثر، وللهمز فيه وجيه في القياس والسماع، فأما السماع فإن أبا عثمان زعم أن أبا الحسن كان يقول: إن أبا حية النميري يهمز الواو التي قبلها ضمة، وينشد:
لحب المؤقدان إلى مؤسى
فعلى هذا يجوز همز سؤق. فأما وجه القياس، فإن الهمز لما لم يكن بينها وبين الضمة حاجز، صار كأنها عليها، فهمزها كما يهمزها إذا تحركت بالضم، وأما
стр. 2743
همز السؤوق، فجائز كثيرا، وذلك أن الواو إذا كانت عينا مضمومة جاز فيها الهمز كما جاز في الفاء نحو: أجوه وأقتت. انتهى.
وقال تلميذه ابن جني فيمن همز (الضَّالِّينَ) في آخر سورة الفاتحة من "المحتسب" قد رأينا في كتاب "الخصائص" وغيره من كتبنا أن الحرف الساكن إذا جاور الحركة، فقد تنزله العرب منزلة المتحرك بها، من ذلك قول جرير:
لحب المؤقدان إلى مؤسى
فهمز الواو في الموضعين جميعا، لأنهما جاورتا الضمة الميم قبلهما، فصارت الضمة كأنها فيهما، والواو إذا ضمت ضما لازما فهمزها جائز، نحو: أقتت في وقتت، وأجوه في وجوه، ونظائر ذلك كثيرة. انتهى.
أقول: ذكره في باب "شواذ الهمز" من واخر كتابة "الخصائص"، وذكره أيضا في باب الهمزة من أول كتابة "سر الصناعة"، وذكره أيضا عند قول الشاعر:
وإنك إن أعطيت بطنك سؤله ... وفرجك نالا منتهى الذم أجمعا
في أواخر "إعراب الحماسة"، وذكره أيضا في بحث قلب الهمزة من شرح تصريف أبي عثمان المازني.
والبيت من قصيدة لجرير مدح بها هشام بن عبد الملك المرواني، وقبله:
بأود والإياد لنا صديق ... نأى عنك الإياد وأين أود
стр. 2744
نظرنا نار جعدة هل نراها ... أبعد غال ضوءك أم همود
لحب الواقدان إلى موسى ... وجعدة لو أضاءهما الوقود
تعرضت الهموم لنا فقالت ... جعادة أي مرتحل تريد
فقلت لها الخليفة غير شك ... هو المهدي والحكم الرشيد
أود: بضم الهمزة، والإياد بالكسر: هما موضعان بالحزن في بلاد نبي يربوع، وغال، بالمعجمة: أتلف وأهلك، والهمود: انطفاء الجمر حتى يصير رمادا، وفيه التفات من الغيبة إلى الخطاب، يقول: نظرنا إلى نارك يا جعدة، فلم نرها، فلم ندري: أمن بعدها ما ترى، أم هي قريبة، ولكن صار جمرها رمادا.
وقوله: الحب الواقدان .. إلخ، كذا هو في نسختي، وهي نسخة مضبوطة ضبطا صحيحا، واللام في جواب قسم مقدر، تقديره: والله لحب الموقدان، أي: لقد صارا حبيبين، قال ابن يعيش: حب من المضاعف الذي عينه ولامه من باب واحد، وفيه لغتان: حب وأحب، والثاني أكثر في الاستعمال، وأما حب فوزنه فعل بفتح العين، فإذا أريد به المدح نقل إلى فعل، فيقول: حب زيد، أي صار محبوبا، قال الشاعر:
هجرت غضوب وحب من يتجنب
انتهى. وحب هنا يجوز فيه فتح أوله وضمه، أصلها: حبب: بضم العين بالتحويل من المفتوح العين إلى المضمومها للمدح والتعجب، فإن نقلت حركة العين إلى الفاء، بعد حذف حركتها، صارت حب بضم أوله، وإن حذفت ضمة العين،
стр. 2745
صار حب بفتح الأول، والإدغام في الصورتين واجب، لاجتماع المثلثين، وفاعله الموقدان، اسم فاعل من أوقدت النار إيقادا، أي: شعلتها، وأما الوقدان فلا يصح، لأن وقد لازم، يقال: وقدت النار وقدا ووقودا، أي: اشتعلت، والنار واقدة، أي: مشتعلة. وموسى وجعدة: هما المخصوصان بالمدح، وهما ولداه، وهذا من باب التشوق والحنين إليهما بعد مفارقتهما للوفود إى هشام بن عبد الملك، ولو للتمني، وأضاءهما: أراهما، فإن أضاء يأتي متعديا كما هنا، والوقود: بفتح الواو: الحطب المشتعل، وروي: "إذ أضاءهما"، وهي الرواية المشهورة، وهي ظرف عاملها حب، وإنما مدحها بإيقاد النار، لأنه يدل على الكرم ومحبة الضيوف، وهذا شأن الكرام من العرب وقال السيوطي: موسى وجعدة عطف بيان للموقدين، وإذا أضاءهما: بدل اشتمال منهما، هذا كلامه، وترجمة جرير تقدمت في الإنشاد الحادي عشر.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد التاسع عشر بعد التسعمائة:
(٩١٩) قد يؤخذ الجار بذنب الجار
قال الميداني في "أمثاله": هذا مثل إسلامي، وهو في شعر الحكمي، يعني أبا نواس، الحسن بن هانئ، وقال الشريشي في شرح المقامة الأربعين عند قول الحريري: "إنه ممن يدور خلف الدار، ويأخذ الجار بالجار": العرب تسمى فرج المرأة الجار، ودبر المرأة الجارة، وأخذ الحريري من قول أعرابي [جاء لامرأته]، وقد اغتلم، واشتدت شهوته، وأنعظ، فلما قرب منها، وهجم عليها، قالت له:
стр. 2746
إني حائض، قال لها: فأين الهنة الأخرى؟ ثم حمل عليها وهي تدافعه وتسبه، وهو ماض في شغله ينشدها:
كلا ورب البيت ذي الأستار ... لأهتكن حلق الحتار
هتك غلام ليس بالحوار ... قد يؤخذ الجار بذنب الجار
قال الخليل: الحتار: ما استدار من طوق الجفن، وكذلك حتار الظفر والدبر، ومما يبين هذا المعنى قول الشاعر:
جانيك من يجني عليك وقد ... يعدي الصحاح مبارك الجرب
ولرب مأخوذ بذنب قريبه ... ونجا المقارف صاحب الذنب
انتهى. والحتار، بكسر الحاء المهملة بعدها مثناة فوقية. وقال الثعالبي في كتاب "الكنايات والأمثال" بعد أن ساق حكاية الأعرابي والأبيات: الحتار: ما استدار بالعين من باطن الجفنن وحتار كل شيء: ما أحاط به، وقال بعض أهل اللغة، الحتار: اسم للفرج، فقوله: قد يؤخذ الجار بذنب الجار، الجار الأول من المجاورة، والثاني: اسم الفرج، واحتج بقول المرار الفقعسي:
نسيت للأم من قيس ومن أسد ... وإنما أنت دينار بن دينار
وإن تكن أنت من عبس وأمهم ... فأم عبسكم من جارة الجار
أي: من الاست، ومعنى البيت الأول: أنت عبد ابن عبد، لأن دينارا من أسماء العبيد. انتهى.
стр. 2747
وأنشد بعده، وهو الإنشاد العشرون بعد التسعمائة:
(٩٢٠) ممن حملن به وهن عواقد ... حبك النطاق فشب غير مهبل
حملت به في ليلة مزؤودة ... كرها وعقد نطاقها لم يحلل
هما من قصيدة لأبي كبير الهذلي مذكورة في "أشعار الهذليين" وتقدم مطلعها في الإنشاد الحادي عشر بعد المائة، وقبلهما:
ولقد سريت على الظلام بمغشم ... جلد من الفتيان غير مثقل
ممن حملن به ... إلى آخر البيتين
وبعدهما:
فأتت به حوش الفؤاد مبطنا ... سهدا إذا ما نام ليل الهوجل
قال التبريزي في "شرح الحماسة": كان السبب في هذه الأبيات إن أبا كبير تزوج أم تأبط شرا، وكان غلاما صغيرا، فلما رآه كثير الدخول على أمه، تنكر له، وعرف ذلك أبو كبير في وجهه إلى أن ترعرع الغلام، فقال أبو كبير لأمه: ويحك قد والله رابني أمر هذا الغلام، ولا آمنه، لا أقربك، قالت له: فاحتل عليه حتى تقتله، فقال له ذات يوم: هل لك أن تغزو؟ فقال: ذاك من أمري،
стр. 2748
قال: فامض بنا، فخرجا، ولا زاد معهما، فسارا ليلتهما ويومهما من الغد حتى ظن أبو كبير أن الغلام قد جاع، فلما أمسى، قصد به أبو كبير قوما كانوا له أعدء، فلما رآهم من بعد، قال له أبو كبير: ويلك قد جعنا، فلو ذهبت إلى تلك النار، فالتمست لنا شيئا، فمضى تأبط شرا، فوجد على النار رجلين من ألص من يكون من العرب، وإنما أرسله إليهما أبو كبير ليقتلاه، فلما رأياه قد غشي نارهما، وثبا عليه، فرمى أحدهما، وكر على الآخر، فرماه فقتلهما، ثم جاء إلى نارهما، فأخذ الخبز منهما، فجاء به إلى أبي كبير، فقال: كل، لا أشبع الله بطنك، ولم يأكل هو، فقال: أخبرني ويحك، كيف قصتك؟ فأخبره، فازداد خوفا، ثم مضيا في ليلتهما فأصابا إبلا، وكان يقول له أبو كبير ثلاث ليال: اختر أي نصفي الليل شئت تحرس فيه وأنام، وتنام النصف الآخر، فقال: ذلك إليك اختر أيهما شئت، فكان أبو كبير ينام إلى نصف الليل، ويحرسه تأبط شرا، فإذا نام تأبط شرا، نام أبو كبير أيضا حتى استوفى الثلاث، فلما كان في الليلة الرابعة، ظن أن النعاس قد غلب على الغلام، فنام أول الليل إلى نصفه، وحرسه تأبط شرا، فلما نام الغلام، قال أبو كبير: الآن يستثقل نوما، وتمكنني فيه الفرصة، فلما ظن أنه قد استثقل، أخذ حصاة، فحذفها، فقام الغلام كأنه كعب، فقال: ما هذه الوجبة، فقال: لا أدري، فقام، فعس، وطاف حول الإبل، فلم ير شيئا، وفعل أبو كبير ثلاث مرات كذلك، وهو ينتبه، فلما رجعا إلى الحي، ترك أبو كبير أمه، فلم يقربها، ووصفه بهذه الآبيات.
وقوله: ولقد سريت على الظلام .. إلخ، المغشم، بكسر الميم، وهو الكثير الغشم، وهو الظلم، والجلد، بفتح الجيم: من له الجلادة، وهي قوة القلب، وقوله: غير مثقل، يعني: كان حسن القبول محببا إلى القلوب.
وقوله: ممن حملن، النون ضمير النساء، ولم يجر لهن ذكر، لكونه معلوما من المقام، وقال "به"، فرد الضمير على لفظ منن ولو رد على المعنى لقال "بهم"،
стр. 2749
وعدى حمل بالباء، وهو متعد بنفسه، لأنه ضمنه معنى حبلت، قال ابن الشجري: وهو معنى قول المصنف ضمنه في الموضعين متى علقت، وقله: وهن قواعد ... إلخ نون عواقد للضرورة، وهو جمع عاقدة، وأعمله في "حبك" حكاية للحال، وإن كان ذلك فيما مضى، وهو جمع حباك، بكسر أوله: ما يشد به النطاق مثل التكة، والنطاق: شقة تلبسها المرأة، وتشد وسطها، ثم ترسل الأعلى على الأسفل إلى الركبة، والأسفل ينجر على الأرض ليس له حجزة ولا نيفق ولا ساقان، والجمع نطق، والحجزة، بالضم: موضع التكة، والنيفق: الموضع المتسع من السراويل، والعامة تكسر النون، قال ابن خلف: قال أبو جعفر: سألت عن هذا البيت علي بن سليمان، فقال: حملن من الحبل، أي: أنهن حبلن به وهن يخدمن، وكانت العرب تستحب أن تطأ النساء وهن متعبات أو فزعات ليغلب ماء الرجل، فيجيء الولد مذكرا، فوصف أنها حبلت به وهي عاقدة حبك النطاق، والحبك: الطرائق، وقيل: الحبك: الإزار الذي تأتزر به المرأة، وقيل: الحبكة حجزة الإزار، والنطاق: المنطقة. انتهى. قال القارئ: والمهبل: المثقل باللحم، يقال: هبلة اللحم: كثر عليه وغلظ، وقيل: المهبل: المعتوه الذي لا يتماسك، ومعنى البيت: إنه من الفتيان الذين حملت بهم أمهاتهم، وهن غير مستعدات للفراش، فنشأ محمودا مرضيا لم يدع عليه بالهبل والثكل. وحكي عن بعضهم: إذا أردت أن تنجب المرأة، فأغضبها عند الجماع، ولذلك يقال في ولد المذعورة: إنه لا يطاق:
تسنمها غضبي فجاء مسهدا ... وأنفع أولاد الرجال المسهد
وقوله: حبلت به في ليلة مزؤودة: هي مفعولة من زأدته أزأده زأدا، أي أفزعته، وزئد، فهو مزؤود، أي: مذعور، قال المبرد في "الكامل": مزؤودة:
стр. 2750
ذات زؤد، وهو الفزع، فمن نصب مزؤودة، فإنما أراد المرأة، ومن خفض أراد الليلة، وجعل الليلة ذات فزع، لأنه يفزع فيها
وقال ابن جني في "إعراب الحماسة": إنما جعل مذعورا، وأكثر ما يقولون: إذا اتسعوا: يوم مضروب على قولك: ضربت ساعة، وقمت يوما، وأنت تنصب اليوم والساعة نصب المفعول به، فلما كانوا قد يأخذونه في هذا الشق، جاؤوا به أيضا مسندا إليه الفعل إسناده إلى ما يسم فاعله [وعلى قولك قبل إسناد الفعل] إليها: هذه ليلة زئدها زيد، كقولك: هذه جبة كسيها عمرو، ثم تقول: هذه ليلة مزؤودة، كقولك: [هذه] جبة مكسورة، وهذا على رواية الجر، وأما من نصب، فعلى الحال للمرأة الحامل، وفائدة ذكر الليلة في رواية النصب أن تكون بدأت بحمله ليلا وهو أنجب، وصاحبه يوصف بالشجاعة، وقد دعاهم ذلك إلى أن وصلوا أنسابهم بالليل تحققا به، قال:
أنا ابن عم الليل وابن خاله ... إذا دجا دخلت في سرباله
لست كمن يفرق من خياله
انتهى. وبه يندفع قول المصنف: لا فائدة في ذكر الليل في رواية النصب. وقوله: "فأتت به حوش الفؤاد ... البيت" تقدم شرحه في الإنشاد السادس والأربعين بعد السبعمائة، وقد بسطنا الكلام على هذه الأبيات أخر منها، ونقلنا ما للناس عليها من كلام في الشاهد الثامن بعد الستمائة من شواهد الرضي.
стр. 2751
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الواحد والعشرون بعد التسعمائة:
(٩٢١) كيف تراني قالبا مجني ... قد قتل الله زيادا عني
قال ابن جني في باب استعمال الحروف بعضها مكان بعض: وكذلك قوله عز اسمه: (هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى) [النازعات/١٨]، وأنت إنما تقول: هل لك في كذا، لكنه لما كان على هذا دعاء منه ﷺ ، صار تقديره: أدعوك إلى أن تزكى، وعليه قول الفرزدق:
كيف تراني قالبا مجني ... أضرب أمري ظهره لبطن
قد قتل الله زيادا عني
لما كان معنى: قد قتله: قد صرفه، عداه بعن، ووجدت في اللغة من هذا الفن شيئا كثيرا لا يكاد يحاط به، ولعله لو جمع اكثر جاء كتابا ضخما، وقد عرفت طريقة، فإذا مر بك شيء فتقبله، وائنس به، فإنه فصل من العربية لطيف يدعو إلى الأنس بها، والفقاهة فيها.
وكذا قال عند قوله: (يُخَادِعُونَ اللَّهَ) [البقرة/٩] من "المحتسب"، وكذا في "إعراب الحماسة". قوله: كيف تراني هذا كلام تعجبي يشعر بالنشاط والشماتة بالعدو، وقلب المجن: عبارة عن رميه من يده لعدم الاحتياج إليه، فإن الفرزدق هرب من البصرة إلى المدينة، واختفى بها خوفا من زياد ابن أبيه لغضبه كان غضبها زياد عليه، فلما جاء إلى المدينة خبر موته، ظهر بعد الاختفاء، وأنشد هذه الأبيات الثلاثة إظهارا للشماتة، وفرحا بسلامته منه، فكأن الفرزدق لشدة حذره
стр. 2752
من زياد، وخوفه من عائلته، كانت حالته تشبه حالة من أخذ حذره من عدوه، وتسلح، وأخذ مجنه بيده، واستعد به للمدافعة عن نفسه، فلما هلك العدو، ترك الحذر، وألقى المجن من يده، وأظهر الفرح بسلامته، والشماتة بعدوه. والمجن، بكسر الميم: الترس والدرقة مأخوذ من الجنة، بضم الجيم، وهي السترة، لأن صاحب المجن يتستر به عما يقصد به من مكروه.
وزياد هو زياد بن عبيد، ويقال له: زياد بن سمية بالتصغير، اسم أمه، ويقال له: زياد ابن أبيه، أي: ابن أبي معاوية بن أبي سفيان، لأن معاوية استحلقه بأبيه بأبي سفيان، على أنه ولده من الزنا، وكان أمير العراقين، ومات سنة ثلاث وخمسين من الهجرة. قال الواقدي: سر أهل العراق والزهاد والعلماء بموته، وقالوا: مات طاغية العراق، وكان أبوه عبيد وأمه سمية مملوكين للحارث بن كلدة، بفتح الكاف واللام، وكان طبيب العرب ومن أشرافها.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الثاني والعشرون بعد التسعمائة:
(٩٢٢) واسقبلت قمر السماء بوجهها ... فأرتني القمرين في وقت معا
قال ابن الشجري في المجلس الثاني من "أماليه": أراد المتنبي بالقمرين: الشمس والقمر، ولو لم يردهما لم يدخل الألف واللام، ولقال: أرتني قمرين. انتهى. قال الصفدي في كتابه "رشف الزلال في وصف الهلال": وليس معنى البيت كما ظنه بعض الناس من أنه يريد بذلك أنه رأى في وقت واحد القمر ووجهها، وإنما التحقيق أنها لما استقبلت قمر السماء أرته خياله في وجهها، فرآهما في وقت
стр. 2753
واحد كما تقابل الأشكال المرآة، فتنطبع الصورة فيها فترى المرآة والأشكال المنطبعة فيها وقت واحد. وعندي أن هذا المعنى أبلغ من أن يكون المراد بأحد القمرين وجهها على أنه شمس أو قمر مجازا، وبالآخر قمر السماء إذ يقبح بالعاشق إذا بدا له محيا الحبيب أن يرى شيئا سواه، فتأمل. قال الشمني: يأبى هذا التحقيق جعل وجهها قمرا، إذ ليس ذلك إلا لإضاءته وإشراقة، والأجرام المضيئة المشرقة لا تنطبع فيها الصورة. انتهى.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الثالث والعشرون بعد التسعمائة:
(٩٢٣) أخذنا بآفاق السماء عليكم ... لنا قمراها والنجوم الطوالع
هو من قصيدة للفرزدق هجا بها جريرا وافتخر بآبائه منها:
أولئك آبائي فجئني بمثلهم ... إذا جمعتنا يا جرير المجامع
وهي قصيدة جيدة مشهورة مشروحة في المناقضات، وأخذ المصراع الثاني من قول رجل من بني ناشب، وهو:
لنا قمر السماء وكل نجم ... يضيء لنا إذا القمران غارا
ومن يفخر بغير ابني نزار ... فليس بأول الخطباء جارا
كذا في كتاب "البيان" للجاحظ. وقال الفراء في تفسيره: أراد الفرزدق بالقمرين: الشمس والقمر، لأن العرب قد تجمع الاسمين على تسمية أشهرهما،
стр. 2754
وقال المبرد في "الكامل": المربدان: هو المربد وما يليه مما جرى مجراه، والعرب تفعل هذا في الشيئين إذا أجريا في باب مجرى واحدا، قال الفرزدق:
أخذنا بآفاق السماء عليكم ... البيت
يريد: الشمس والقمر، لأنهما قد اجتمعا في قولك: النيران، وغلب الاسم المذكر، وإنما يؤثر في مثل هذه الخفة.
وروى الزجاجي في "أماليه" أن المفصل قال له الرشيد: ما معنى افتخار الفرزدق بالشمس والقمر، وحظه فيهما كحظ سائر الناس؟ قال: إنما أراد بالشمس إبراهيم، وبالقمر النبي عليهما الصلاة والسلام، وبالكواكب الخلفاء المهديين من آبائك، وهذا كله دون من يفاخره ويساجله، فأعجب به الرشيد. انتهى.
قال ابن رشيق في "العمدة" بعد كلام المفضل الرشيد: أعجب الرشيد بذلك، ووصله، والفرزدق ما قصد إلى شيء من ذلك، ولا أراده، ولا أعلم أن الرشيد يكون أمير المؤمنين، وإنما أراد كل مشهور فاضل، فهو لنا عليكم، ومنا لا منكم، فنحن أشرف بيتا، وأظهر فضلا، وأبعد صيتا، إلا أن التي جاء بها المفضل ملحة أفادته مالا. وترجمة الفرزدق تقدمت في الإنشاد الثاني.
стр. 2755
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الرابع والعشرون بعد التسعمائة:
(٩٢٤) إلى ملك كاد الجبال لفقده ... تزول وزوال الراسيات من الصخر
قال أبو حيان في "شرح التسهيل": وأما (فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ) [النحل/٩٨] فالمعني: فإذا أردت قراءة القرآن فاستعذ، فالفاء مرتبة، والعرب تقول فعل بمعنى كاد يفعل، وأراد أن يفعل، قال الفرزدق:
إلى ملك كاد الجبال لفقده ... يقعن وزال الراسيات من الصخر
أي: كادت الراسيات تزول، أو أرادت أن تزول. انتهى. وكذا في "شرح الجمل الزجاجية" للخفاف الإشبيلي، ومنها علم أن البيت للفرزدق، والراسي الثابت الذي لا يتحرك، ورويا يقعن من الوقوع بدل تزول.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الخامس والعشرون بعد التسعمائة:
(٩٢٥) فارقنا قبل أن نفارقه ... لما قضى من جماعنا وطرا
قال ابن جني في "المحتسب": في سرورة البقرة، ومن ذلك قراءة إبراهيم: (مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ) [آل عمران] وجه ذلك أنك إذا لقيت الشيء، فقد لقيك هو أيضا، فلما كان كذلك، دخله معنى المفاعلة كالمضاربة، وقد جاء ذلك عينة في هذه اللفظة، فأما ما قرأته على أبي علي في "نوادر أبي زيد" من قوله:
فارقنا قبل أن نفارقه ... البيت
فظاهره إلى التناقض، لأنا إذا فارقنا، فقد فارقناه لا محالة، فما معنى قوله بعد
стр. 2756
ذلك: قبلء أن نفارقه؟ وهو عندنا على إقامة المسبب مقام السبب في تفسيره: فارقنا قبل أن نريد فراقه، فوضع المفارقة وهي المسبب موضع الإرادة لها وهي السبب، وذلك لقرب أحدهما من صاحبه، ومثله قوله تعالى: (فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآَنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ) [النمل/٩٨]، أي: إذا أردت القراءة وهو كثير، وقد أفردنا في "الخصائص" له بابا. انتهى.
والبيت من أبيات للربيع بن ضبع الفزاري أوردها أبو زيد في "نوادره" وهي:
أقفر من مية الجريب إلى الز ... زجين إلا الظباء والبقرا
كأنهـ درة منعمة ... من نسوة كن قبلها دررا
أصبح مني الشباب مبتكرا ... إن ينأ مني فقد ثوى عصرا
فارقنا قبل أن نفارقه ... البيت
أصبحت لا أحمل السلاح ولا ... أملك رأس البعير إن نفرا
والذئب أخشاه إن مررت به ... وحدي وأخشى الرياح والمطرا
ها أنا ذا أمل الحياة وقد ... أدرك عقلب ومولدي حجرا
أبا امرئ القيس هل سمعت به ... هيهات هيهات طال ذا عمرا
أقفر: صار أقفر خاليا من الآنسات إلا الظباء وبقر الوحش، فإنهما في هذين الموضعين، والجريب، بفتح الجيم، والزجين، بضم الزاء المعجمة وتشديد الجيم
стр. 2757
المفتوحة: موضعان، قال أبو حاتم: الرخين، بضم الراء المهملة، وتشديد الخاء المعجمة، قال أبو الحسن فيما كتبه على "النوادر": الذي صح عندنا: الرجين، بالجيم.
وقوله: كأنها درة .. البيت، استشهد به أبو علي في "الإيضاح" على أنهم جمعوا فعله، بالضم من المضاعف على فعل، قالوا: درة ودرر، وهي اللؤلؤة العظيمة والنعمة: الخصب والرفاهية واللين، وقوله: من نسوة .. إلخ، أشار به إلى أن حسنها متوارث، ومنعمة: صفة الدرة، وأجاز ذلك وإن كان في الحقيقة من صفة المرأة مبالغة في التشبيه، وذلك لأن الإفراط شبهها في الدرة، صارت الدرة كأنها هي: فوصفت لذلك بصفتها، ومثل ذلك قولهم: هند بدر محلى، فوصفوا البدر بالتحلية، ولذلك لم يدخلوا في الصفة تاء التأنيث، وإن كانت التحلية في الحقيقة من صفة هند، ولا يمكن أن يكون منعمة خبرا ثانيا لكان، لأنه إنما أراد إثبات النعمة لها، ومثل ذلك قول المثلم بن عمرو التنوخي:
لا تحسبني محجلا سبط الساقين أبكي أن يطلع الجمل
لأنه أراد: لا تحسبني امرأة محجلة الساقين ناعمة تبكي إذا ظلع جمل ضعفا عن المشي، إلا أنه أسقط التاء مبالغة في تشبيه المذكر بالمؤنث، وقد قيل: إنه على نية موصوف محذوفن كأنه قال: إنسانا محجلا، والأول أولى. قاله بعض شراح أبيات "الإيضاح".
وقوله: أصبح مني الشباب مبتكرا: يريد: ذهب الشاب مني، ومبتكرا، أي: سافر في بكرة النهار، وهو أغلب أوقات المسافر، وقوله: إن ينأ، أي: إن يبعد عني فقد ثوى، أي: أقام عندي عصرا بضمتين، أي: دهرا وحينا، يعني قد استمتعت بالشباب، وتلذذت به مدة، فإن ذهب عني، فلا عجب.
стр. 2758
وقوله: فارقنا .. البيت، الجماع، بالكسر: الاجتماع والعشرة، وهذه اللفظة في البيت، بحسب عرف هذه الأزمان قبيحة، والوطر: الحاجة، وفاعل فارقنا ضمير الشباب. وقوله: أصبحت لا أملك السلاح ... إلى آخر البيتين، وهما من شواهد سيبويه، و"الجمل الزجاجية" وغيرهما من كتب النحو، قال ابن خلف: الشاهد فيه نصب الذئب بإضمار فعل يفسره ما بعده ليعطف عليه أخشى الرياح.
وقوله: لا أحمل السلاح، ولا أملك: جملتان في موضع نصب خبر أصبح إن كانت ناقصة، وحالا إن كانت تامة، كأنه قال: أصبحت غير حامل السلاح ولا أملك رأس البعير إن نفر بي، ولا يجوز في الذئب الرفع على الابتداء.
وقوله: وحدي، منهم من يجعل نصبه على الظرف بكونه مقدرا بما يجري مجرى الظرف من حرف جر، فإذا قلت: مررت بزيد وحده، فكأنك قلت: مررت بزيد على حياله، ومنهم من يجعل نصبه على المصدر، ويجعله من المصادر التي وقعت أحوالا، وإن كانت مضافة إلى معرفة، لأنها وقعت موقع غيرها، فوحده وقع موقع إيحاد، لأن العرب تقول: أوحدته بمروري إيحادا، وإيحادا وقع موقع موحد ومفرد، فكأنك قلت: مررت به موحدا ومفردا، هذا تحقيق الحال فيه، فقد صار وحده نائبا عن مصدر قد حذفت زيادته، وذلك المصدر نائبا عن اسم رجع عن اسم الفاعل، فلما فيه من معنى الإفراد كان حالا، ولما كان فيه من معنى المصدر كان مفردا لا يثنى ولا يجمع، ولما فيه من الاتساع لم يجر في موضع الجر، لأن الاتساع بعد الاتساع مرفوض، وما جاء عنهم مجرورا إلا في ثلاثة ألفاظ، وهو قولك للرجل إذا مدحته: هو نسيج وحده، أي: بمنزلة المنوال الذي لم ينسج عليه غيره، وإذا ذممته، قلت: هو عيير وحده، وجحيش وحده، تصغير جحش وعير، وهذا مما يحفظ ولا يقاس عليه لشذوذه.
стр. 2759
يصف ما انتهت إليه حالة من الكبر، وأنه قد ضعف بدنه وقلبه، وأنه لا يطيق حمل السلاح للحرب، ولا قوة به على إمساك بعير إذا نفر، وأنه يخشى الذئب إذا كان وحده، لأنه لا يمكنه مدافعته، ويخشى الرياح والمطر إذا أصابه شيء منهما، ومن أمثالهم: "قد كنت وما أخشى بالذئب، وقد كنت وما يقاد في البعير". وحجر، بضم الحاء المهملة والجيم: بو امرئ القيس. وقوله: أعالج الكبر، أي أمراضه وعلله، قال بعض شراح أبيات "الإيضاح": الربيع بن ضبع الفزاري أحد المعمرين عمر مائتي سنة، وأدرك الإسلام، واختلف في إسلامه، فقيل: أسلم، وقيل: لم يسلم، لأن قومه منعوه من ذلك، وقال اللخمي في شرح أبيات "الجمل": قال أبو حاذر: وان الربيع بن ضبع من أطول من كان قبل الإسلام عمرا، عاش أربعين وثلاث مائة سنة، ولم يسلم، وقال حين بلغ مائتي سنة وأربعين سنة:
أقفر من مية الجريب إلى الز ... زجين إلا الظباء والبقرا
إلى آخر الأبيات ...
وانشد بعده، وهو الإنشاد السادس والعشرون بعد التسعمائة:
(٩٢٦) جارية في رمضان الماضي ... تقطع الحديث بالإيماض
قال ابن هشام اللخمي في "شرح أبيات الجمل" هو من رجز لرؤبة بن العجاج، أنشده ابن جني كذا، وقبله:
لقد أتت في رمضان الماضي ... جارية في درعها الفضفاض
تقطع الحديث بالإيماض ... أبيض من أخت بني أباض
стр. 2760
انتهى، ولم أره في ديوانه، ورأيت في "نوادر ابن الأعرابي" غير منسوب إلى أحد:
يا ليتني مثلك في البياض ... أبيض من أخت بني أباض
جارية في رمضان الماضي ... تقطع الحديث بالإيماض
وزاد غير ابن الأعرابي على هذا:
مثل الغزال زين بالحضاض ... قباء ذات كفل رضراض
قال ابن الأعرابي بعد إنشاد الأبيات: إذا أومضت تركوا حديثهم، ونظروا إليها من حسنها، وقوله: في رمضان الماضي، كان الربيع جمعهم في ذلك الوقت، وأورده الفراء في كتاب "الأيام والليالي" شاهدا على أنه يقال: رمضان بدون شهر كما يقال معه، وكذا قال غلام ثعلب في كتاب "اليوم والليلة": وأردفه بقوله: وأخبرني ثعلب عن سلمة عن الفراء عن الكسائي قال: كان الرؤاسي يكره أن يجمع رمضانن يقول: بلغني أنه اسم من أسماء الله تعالى. انتهى. وقال الخمي: قال أبو عمرو: العرب تركوا الشهور كلها مجردة إلا شهر ربيع وشهر رمضان، ويرد عليه أن رؤبة أتى برمضان مجردا من الشهر، وهو من فصحاء العرب، وجاء في الحديث: من صام رمضان إيمانا واحتساب، غفر له ما تقدم من ذنبه"، ولكن إثبات الشهر أفصح كما نطق به القرآن. انتهى. والدرع: قميص المرأة خاصة، والفضفاض: الواسع، وأباض، بفتح الهمزة، وكانت أختهم معروفة بالبياض، قال ابن السيد: وبنو أباض: قوم، وقد استشهد به على أنه يقال: أبيض من كذا، والخضاض، بكسر الخاء المعجمة: اليسير من الحلي، وقيل هو نوع منهن والقباء: الضامرة البطن، والرضراض: الكثير اللحم. وقوله:
стр. 2761
تقطع الحديث .. إلخ، قال الفراء: أي: أنها إذا ابتسمت وكان الناس على حديث، قطعوا حديثهم، ونظروا إلى حسن ثغرها، وكذلك قال ابن السيد: الإيماض: ما يبدو من بياض أسنانها عند الضحك والابتسام، شبهه بوميض البرق. وقال اللخمي: معنى الإيماض أنهم إذا تحدثوا فأومضت إليهم، أي: نظرت، شغلهم حسن عينيها، فقطعوا حديثهم، وقيل: الإيماض هنا التبسم، شبه ابتسامها بوميض البرق في لمعانه، فيكون معناه كمعنى القول الأول، ويحتمل أن تكون هي المحدثة، وأنها تقطع حديثها بالتبسم، يصفها بطلاقة الوجه، وسماحة الخلق، وقد بسطنا الكلام على هذا الرجز في الشاهد الثالث عشر بعد الستمائة من شواهد الرضي. وترجمة رؤبة تقدمت في الإنشاد الخامس عشر.
وأنشد بعده:
يغشون حتى ما تهر كلابهم ... لا يسألون عن السواد المقبل
وتقدم الكلام عليه في الإنشاد السادس والتسعين بعد المائة.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد السابع والعشرون بعد التسعمائة:
(٩٢٧) لعمرك ما الفتيان أن تنبت اللحى ... ولكنما الفتيان كل فتى ندي
كذا أنشده الفراء في مواضع من تفسيره، قال عند قوله تعالى: (لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ) [البقرة/١٧٧]، وأما الأفعال التي جعلت أخبارا للناس، فقول الشاعر:
لعمرك ما الفتيان أن تنبت اللحى ... البيت
стр. 2762
فجعل "أن" خبرا للفتيان، وقال أيضا عند قوله تعالى: (أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ) الآية [١٩/ التوبة] ولم يقل: سقاه الحاج وعامري ... كمن آمن بالله، فهذا مثل قوله: (وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آَمَنَ)، أنشدني الكسائي:
لعمرك ما الفتيان .. البيت، فجعل خبر الفتيان "أن" وهو كما تقول: إنما السخاء حاتم، وإنما الشعر زهير. انتهى. وابن الأنباري في "المقصور والممدود" قال: ويقولون: حلية وحلى، ولحية ولحى، بالكسر، قال الشاعر:
لعمرك ما الفتيان ... البيت
وربما قال العرب: حلى ولحى، ولا يقاس على الضم في هذين الحرفين سواهما لأنهما من ذوات الياء، وثبت جمعهما بالياء. انتهى.
وقال السيد المرتضى في "أماليه": العرب تخبر عن الاسم بالمصدر والفعل مثل قول الشاعر:
لعمرك ما الفتيان ... .. البيت.
قال الجواليقي في كتاب "لحن العامة": قال القتبي: ليس الفتى بمعنى الشاب والحدث، وإنما هو بمعنى الكامل الجزل من الرجال. انتهى.
والبيت ملفق من مصراعين من ابيات لابن بيض، وهي:
لعمرك ما الفتيان أن تنبت اللحى ... وتعظم أبدان الرجال من الهبر
ولكنما الفتيان كل فتى ندي ... صبور على الآفات في العسر واليسر
خروج من الغمى، نهوض إلى العلى ... ضروب بنصل السيف منشرح الصدر
رأيت رجالا يكثر المال عندهم ... وليس يقي أحسابهم كثرة الوفر
غلاظ الكدى شل الأكف كأنهم ... على السائلين الصالدات من الصخر
стр. 2763
إذا حفرت في مكان فوجدته صلبا لا يقدر عليه، فهو الكدية، يقول: فهو لئيم لا يقدر على ما عنده، يقال: سألته فأكدي وأجبل وأصلد. انتهى.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الثامن والعشرون بعد التسعمائة:
(٩٢٨) حتى يكون عزيزا من نفوسهم ... أو أن يبين جميعا وهو مختار
قال ابن جني في "إعراب الحماسة": أصل هذا: أو أن يبين مجتمعة أسبابه، أو جميعة أسبابه، ثم حذف المضاف، وأقام المضاف إليه مقامه، فارتفع الضمير الذي كان مجرورا لوقوعه موقع المضاف المحذوف الذي كان مرفوعا، فلما ارتفع استتر في جميع. ومن أبيات الكتاب.
عهدي بها الحي الجميع وفيهم ... قبل التفرق ميسر وندام
ونحو من هذا قولهم: جحر ضب خرب، فهذا يتأوله سيبويه، والجماعة على أنه جار على الغلط، وأنا أرى أنه ليس بغلط، وذلك أن أصله: هذا جحر ضب خرب جحره ثم حذف الجحر، فارتفع ضميره، واستتر في خرب، فهذا يؤول في المعنى إلى ما أراده من ذهب إلى الغلط، غير أن الطريق مخالفة، وحذف المضاف كثيرا، وأما الغلط، فشاذ، وأجاز أبو الحسن في نحو: مررت بالقوم جميعا أن يكون منصوبا على المصدر أيضا على حد قولهم: مررت بهم جميعا، وهو عنده من المصادر التي جاءت على فعيل نحو النذير والنكير والعذير، وهذا مذهب حسن. انتهى.
стр. 2764
وهو من أبيات أوردها أبو تمام في "الحماسة" ليزيد بن حمار السكوني يوم ذي قار
إني حمدت بني شيبان إذا خمدت ... نيران قومي وفيهم شبت النار
ومن تكرمهم في المحل أنهم ... لا يعرف الجار فيهم أنه الجار
حتى يكون عزيزا من نفوسهم ... البيت
كأنه صداع في رأس شاهقة ... من دونه لعتاق الطير أو كار
قال التبريزي: إذا خمدت يجوز أن يكون المراد به [أن الحرب] سكنت فيما بين قومي، وشبت نيران الحرب في بني شيبان، ويجوز أن يكون المراد به النار نفسها، وهو الوجه لذكره المحل فيما بعد، ولا يعلم الجار فيهم أنه الجار، لأنه يجرونه مجرى أنفسهم حتى يقدر أنه منهم. وقوله: حتى يكون عزيزا من نفوسهم، أي: مادام مقيما فيهم كأنه واحد منهم، أو أن يبين جميعا، أي: يفارق مجتمعه أسبابه وهو مختار، أي: لا يخرج كرها، ونصب جميعا على الحال، أي: يبين بجميع أسبابه، ويجوز أن يكون على الحال من الذين يفارقهم، يعني: أن يفارقهم وهم مجتمعون لتوديعه، ثم وصف عز الجار منهم، وشبهه بالصدع، بفتحتين، وهو الوعل بين الوعلين في رأس قلة مرتفعة لا تصل عتاق الطير إليه، أي: جوارحهما. ويجوز أن يكون قوله: "حتى يكون عزيزا ... إلخ" معناه: أنهم يعاملونه بهذه المعاملة إلى أن يكون عزيزا فيما بينهم، أو يختار مفارقتهم، والمعنى: ذلك له فيهم ما اعتز بجوارهم، أو مال إلى فراقهم، ويجوز أن يكون "من نفوسهم" في موضع الحال، وعزيزا: خبر كان، وإن جعلت عزيزا حالا، ومن نفوسهم خبرا،
стр. 2765
جاز، والمعنى: حتى يكون كأنه من أصلهم، كما قال تعالى: (لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ) [التوبة/١٢٨] أي: من جنسكم وبطانتكم. انتهى.
وأورد القالي هذه الأبيات في أوائل "أماليه"، قال: وأنشدني أبو بكر بن دريد لبعض الأعراب:
إني حمدت بني شيبان إذا خمدت ... إلى آخر الأبيات الأربعة ...
ونسبها أبو عبيد البكري فيما كتبه على "الأمالي" وسماه "للآلي على أمالي القالي" كما نسبها أبو تمام وقال: وقوله: "إذا خمدت نيران قومي": يريد نار الحرب لمدافعتهم عنه، ويحتمل أن يريد نار القرى لما ذكر المحل في البيت الثاني.
وقوله: حتى يكون عزيزا من نفوسهم، يريد: كأنه من عزته من نفوسهم، أي: بينهم، لا جار لهم، أو أن يبين جميعا، يريد موفور المال مجتمعه، وهو مختار لفراقهم، لا من ضيم لحقه منهم، ولا إخفار لذمته فيهم. انتهى.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد التاسع والعشرون بعد التسعمائة:
(٩٢٩) وأي فتى هيجاء أنت وجارها
تمامه:
إذا ما رجال بالرجال استقلت
وأنشده سيبويه في كتابه، قال الأعلم: الشاهد فيه عطف جارها على فتى هيجاء والتقدير: أي فتى هيجاء، وأي جارها أنت، فجارها نكرة، لأن "أيا" إذا أضيفت إلى واحد، لم يكن إلا نكرة، لأنه في معنى الجنس، فجارها وإن كان مضافا إلى ضمير هيجاء، فهو نكرة في المعنى، لأن ضمير الهيجاء في الفائدة مثلها، فكأنه قال:
стр. 2766
أي فتى هيجاء، وأي جار هيجاء أنت، ولا يجوز رفعه، لأنه إذا رفع فهو على أحد وجهين: إما أن يكون عطفا على أي، أو عطفا على أنت، فإن كان عطفا على أي، وجب أن يكون بإعادة حرف الاستفهام، وخرج عن معنى المدح، فيصير: أي فتى هيجاء وأي جارها أنت، وإن كان عطفا على أنت، صار التقدير: أي فتى هيجاء أنت، والذي هو جار الهيجاء، وكأنه قال: أنت ورجل آخر جاء هيجاء، ولم يقصد الشاعر إلى هذا، والهيجاء: الحرب، وأراد [بفتاها] هنا: القائم بها المبتلى فيها، وبـ"جارها": المجير منها، الكافي لها، ومعنى استقلت: نهضت. انتهى. وكذا قال ابن خلف، وقال ابن السراج في "الأصول": أنشد سيبويه في نحو ذلك:
أي فتي هيجاء أنت وجارها ... إذا ما رجال بالرجال استقلت
فلو رفع، لم يكن فيه معنى أي جارها الذي هو في معنى التعجب، والمعنى: أي فتى هيجاء، وأي جار لها أنت. انتهى.
وهذا البيت أحد الأبيات الخمسين التي أنشدها سيبويه في كتابه، ولم يعرف قائل كل منها والله أعلم.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الثلاثون بعد التسعمائة:
(٩٣٠) إن يسمعوا سبة طاروا بها فرحا ... مني وما سمعوا من صالح دفنوا
قال ابن جني في "إعراب الحماسة": يقبح أن يجزم حرف الشرط جزما يظهر
стр. 2767
إلى اللفظ، ثم لا يكون جوابه مجزوما أو بالفاء، لكن هذا يجوز في الشعر، فأراد: إن يسمعوا عني ريبة ففصل، ونحوه: إن تضرب توجعه زيدا، على إعمال الأول وهو في البيت أسهل لأنه لم يظهر جزم الجواب. انتهى. وهو أول أبيات ثلاثة أوردها أبو تمام في باب الهجاء من "الحماسة" لقعنب ابن أم صاحب الغطفاني، وبعده:
صم إذا سمعوا خيرا ذكرت به ... وإن ذكرت بشر عندهم أذنوا
جهلا علينا وجبنا من عدوهم ... لبئست الحلتان الجهل والجبن
ومثله لطريح بن إسماعيل الثقفي أنشده له المبرد في "الكامل" وابن قتيبة في ترجمته من "طبقات الشعراء":
إن يسمعوا الخير يخفوه وإن سمعوا ... شرا أذاعوا وإن لم يسمعوا كذبوا
قال أبو علي في "الحجة" وأما قوله: (وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ) [الانشقاق/٢]، فقد فسر أذنت أنها استمعت، وفي الحديث: "ما أذن الله لشيء كإذنه لنبي ... "، الثاني بفتحتين، وقال عدي:
في سمع يأذنن الشيخ له ... وحديث مثل ماذي مشار
وأنشد أبو عبيد:
صم إذا سمعوا خيرا ذكرت به ... البيت
стр. 2768
وأما قول عدي:
أيها القلي تعلل بددن ... إن همي في سماع وأذن
فالسماع مصدر بمعنى المسموع. انتهى. وقال التبريزي: كان الواجب أن يقول: تطيروا بها فرحا، ولا يجعل الجواب ماضيا، وإن كان جائزا في الشعر، وفرحا مفعول له، ومعنى طاروا بها: كثروا في الناس وأذاعوها، وأذنوا: سمعوا وجهلا على وجبنا، بتقدير: أتجمعون جهلا وجبنا.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الواحد والثلاثون بعد التسعمائة:
(٩٣١) إن تركبوا فركوب الخيل عادتنا ... أو تنزلون فإنا معشر نزل
قال سيبويه: وسألت الخليل ﵀ عن قول الأعشى:
إن تركبوا فركوب الخيل عادتنا ... البيت
فقال: الكلام هاهنا على قوله يكون كذا، أو يكون كذا لما كان موضعه ما لو قال فيه: أتركبون لم ينقص المعنى، صار بمنزلة: ولا سابق شيئا. وأما يونس، فقال: أرفعه على الابتداء كأنه قال: أو أنتم نازلون، وقول يونس أسهل. وأما قول الخليل، فجعله بمنزلة قول زهير:
بدا لي أني لست مدرك ما مضى ... ولا سابق شيئا إذا كان جائيا
стр. 2769
والإشراك على هذا التوهم بعيد كبعد: ولا سابق شيئا. انتهى. قال الأعلم: الشاهد في رفع تنزلون حملا على معنى إن تركبوا، لأن معناه ومعنى أتركبون متقارب وكأنه قال: أتركبون فذلك عادتنا، أو تنزلون في معظم الحرب، فنحن معروفون بذلك، هذا مذهب الخليل وسيبويه، وحمله يونس على القطع، والتقدير عنده: أو أنتم تنزلون، وهذا أسهل في اللفظ، والأول أصح في المعنى والنظم، والخليل ممن يأخذ بصحة المعاني، ولا يبالي باختلال الألفاظ. انتهى.
فأنت ترى أنهم حملوه على إضمار المبتدأ بالنقل عن يونس، ولم يقل أحد منهم: أن "أو" بمعنى الإضراب، كما قال المحقق الرضي، ولا ضرورة تلجئه إليه. واقتصر ابن عصفور في كتاب "الضرائر" على مذهب الخليل، وخصه بالضرورة قال: ألا ترى أن تنزلون حكمه أن تحذف منه النون للجزم، لأنه معطوف على الفعل المجزوم بأداة الشرط، وهو تركبوا، لكنه اضطر إلى رفعه .. إلى آخر ما ذكره.
والبيت من قصيدة للأعشى ميمون التي مطلعها:
ودع هريرة إن الركب مرتحل ... وهل تطبيق وداعا أيها الرجل
وهذه القصيدة ملحقة بالمعلقات السبع، وروى الخطيب التبريزي البيت كذا:
قالوا الطراد فقلنا تلك عادتنا ... أو تنزلون فإنا معشر نزل
وقال في شرحه: يقول: إن طاردتم بالرماح، فتلك عادتنا، وإن نزلتم تجادلون بالسيوف نزلنا. انتهى. وعلى هذه الرواية لا شاهد فيه، ونزل: جمع نازل، ونزولهم عن الخيل يكون لضيق المعركة ينزلون، فيقاتلون على أقدامهم، وفي ذلك الوقت يتداعون: نزال.
وترجمة الأعشى تقدمت في الإنشاد التاسع عشر بعد المائة.
стр. 2770
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الثاني والثلاثون بعد التسعمائة:
(٩٣٢) فلا تلحني فيها فإن بحبها ... أخاك مصاب القلب جم بلابله
قال سيبويه في باب الحروف الخمسة التي تعمل فيما بعدها كعمل الفعل فيما بعده تقول: إن بك زيدا مأخوذ، وإن لك زيدا واقف، إلى أن قال: ومثل ذلك: إن فيك لزيدا راغب، قال الشاعر:
فلا تلحني فيها فإن بحبها ... البيت
كأنك أردت: إن زيدا راغب، وإن زيدا مأخوذ، ولم تذكر بك ولا فيك، فألغيتا هنا كما ألغيتا في الابتداء. انتهى.
قال الأعلم: الشاهد فيه رفع مصاب على الخبر، وإلغاء المجرور، لأنه من صلة الخبر، ومن تمامه، ولا يكون مستقرا للأخ ولا خبرا عنه. انتهى.
قال أبو علي في "إيضاح الشعر": الظرف قد استجيز فيه ما لم يستجز في غيره، ألا ترى أنه قد جاء: "فلا تلحني فيها ... البيت"، ففصل "بحبها" بين إن واسمها، ولو كان مكان الظرف غيره، لم يجز ذلك، والظرف متعلق بالخبر كأنه قال: إن أخاك مصاب القلب بحبها. وأورده أيضا في موضعين من "التذكرة القصرية" قال في الأول: مسألة: إن قال قائل: لم لا يكون المحذوف في التقدير مؤخرا كأنه قال: إن في الدار زيدا، فلا يسقط بذلك حكم ما يعلق بالظرف؟ قيل: يقبح
следующие страницы →