← Нахв и сарф

Нахв и сарф · id 150966

شرح أبيات مغني اللبيب

عبد القادر البغدادي

Полный текст (2 797 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

ـ[شرح أبيات مغني اللبيب]ـ المؤلف: عبد القادر بن عمر البغدادي (١٠٣٠ هـ - ١٠٩٣ هـ) المحقق: عبد العزيز رباح - و - أحمد يوسف دقاق الناشر: دار المأمون للتراث، بيروت عدد الأجزاء: ٨ [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع] __ الطبعة

стр. 2

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله رب العالمين, وصلاته وسلامه على سيد المرسلين, محمد وآله وصحبه الطيبين. وبعد, فقد شرعت في شرح أبيات «مغني اللبيب» لابن هشام الأنصاري, أرجو من الله تعالى أن يوفقني. لإتمامه بمنه وكرمه, إنه على كل شيء قدير. وبدأت بالكتابة في الساعة السابعة من الليلة الثالثة والعشرين من شهر رمضان المبارك من السنة السادسة والثمانين بعد الألف من الهجرة, وببركته وبمنه يتم إن شاء الله تعالى. أنشد في الخطبة: ومن ذا الذي ترضى سجاياه كلها ... كفى المرء نبلًا أن تعد معايبه هو من أبيات ليزيد بن محمد المهلي وهي: وخل لنا كنا قديمًا نصاحبه ... تأمر فاعتاصت علينا مطالبه إذا نحن غبنا عنه لم يجر ذكرنا ... وإن نحن جئنا صدنا عنه حاجبه وما الثكل إلا حسن ظن بصاحب ... خذول إذا ما الدهر نابت نوائبه فأجرر أخاك الحبل واترك جذا به ... فإنك جاذبته الحبل قاضبه فإن المنيف الجون يخلف برقه ... وإن الحسام العضب تنبو مضاربه ومن ذا الذي ترضى سجاياه كلها .. البيت. كذا نسبه إليه هارون بن علي بن يحيى في كتابه في «الشعراء المولدين» والحصري في كتاب «زهر الآداب» والدماميني في «المزج» عن أبي سعيد

стр. 3

الأندلسي في كتابه السمى بـ «ماوك الشعر» ورأيته في بعض كتب الأدب آخر أبيات لبشار بن برد وهي: إذا كنت في كل الأمور معاتبًا ... صديقك لم تلق الذي لا تعاتبه وإن أنت لم تشرب مرارًا على القذى ... طمئت وأي الناس تصفو مشاربه فعش واحدًا أو صل أخاك فإنه ... مقارف ذنب مرة ومجانبه من ذا الذي ترضى سجاياه كلها .. البيت ... والظاهر أنه ملحق بهذه الأبيات, ألحقه بعض النساخ, فان أبا هلال العسكري أورد الأبيات الثلاثة المقدمة في كتابه «ديوان المعاني» لبشار بن برد ثم قال بعدها: وقال آخر: «ومن ذا الذي ترضى سجاياه كلها .. » البيت. وفي هذا الروي والوزن والمعنى قول المغيرة بن حبناء, وهو أحد فرسان خراسان: وخذ من أخيك العفو عفو ذنوبه ... ولاتك في كل الأمور تعاتبه

стр. 4

فإنك لن تلقى أخاك مهذبًا ... وأي امرئ ينجو من العيب صاحبه أخوك الذي لا ينقض النأي عهده ... ولاعند صرف الدهر يزور حاجبه وليس الذي يلقاك بالبشر والرضى ... وإن غبت عنه لسعتك عقاربه وفي هذا المعنى أشعار كثيرة, وأصلها قول النابغة الذبياني, وهو شاعر جاهلي وهو: ولست بمستبق أخًا لا تلمه ... على شعثٍ أي الرجال المهذب وقوله: ومن ذا الذي, استفهام إنكاري, كقول النابغة: أي الرجال المهذب؟ وكقول الحريري في «مقاماته»: سامح أخاك إذا خلط منه الإصابة بالغلط من ذا الذي ما ساء قط ومن له الحسنى فقط وترضى بالبناء للمجهول, وسجاياه: نائب الفاعل, جمع سجية, وهي الغريزة والطبيعة, وكفى هنا بمعنى أجزأ وأغنى, فهو متعد لواحد كقوله: قليل منك يكفيني ولكن قليلك لا يقال له قليل ويجئ كفى بمعنى وقى فيتعدى إلى اثنين, كقوله تعالى: (وكفى الله المؤمنين القتال) [سورة الأحزاب /٢٥]. والمرء بالنصب: مفعول كفى, وأن تعد معايبه: في تأويل مصدر مرفوع فاعل كفى, والنبل بضم النون: الشرف والفضل, وروي بدله «فضلًا» بمعناه,

стр. 5

وهو تمييز محول عن الفاعل, أي: أجزأ المرء فضل عد معايبه, أي الفضل الذي هو عد معايبه, جعل ذلك فضلًا من جهة أنه ملزوم لكثرة المحاسن, وذلك لأن عد المعايب يقتضي بحسب العرف قلتها, إذ القليل هو الذي يتعرض لعده وإحصائه, وقلتها تستلزم كثرة المحاسن, وما أحسن قول مهيار الديامي: يعدد أقوام ذنوب زمانهم ... ومن لي بأيام تعد ذنوبها فإن قلت: ما مقوع جملة: «كفى المرء»؟ قلت: هي استئناف بياني, وقعت جوابًا لسؤال نأمن المصراع الأول, وهو: لا فضل لأحد لعدم سلامته من جميع العيوب, فأجيب بأن الإنسان يكفيه فضلًا قلة عيوبه. وقال الدماميني في «المزج»: ويحتمل أن يضبط «المرء» بالرفع فاعل «كفى» و «أن تعد معايبه» بدل اشتمال منه, والمعنى: أجزأ فضل عد معايب المرء, والمفعول محذوف, و «نبلًا» يحتمل الحالية, والتنوين فيه للتفخيم, أي: كفى ذلك حال كونه فضلًا عظيمًا, هذا كلامه, وفيه تكلف مستغنى عنه. فإن قلت: تقدير المفعول يؤدي إلى اتحاد الفاعل والمفعول, قلت: اعتبار البدلية سهله, لأنه في تأويل: كفاه فضل عد معايبه.

стр. 6

وزعم ابن الملا في «شرحه» أن «كفى» فعل لازم بتقدير رفع المرء, قال: وكفى: أغنى, وهو إما متعدٍ مفعوله «المرء» , «وأن تعد» فاعله, أو قاصر فاعله «المرء» , «وأن تعد» بدل اشتمال منه, أي: كفى معايب المرء للمرء, هذا كلامه فانظره, مع قوله: إن كفى بمعنى أغنى, مع أنه لم يقل أحد من أهل اللغة إن كفى يأتي لازمًا. والمعايب: جمع المعيب على غير القياس, قاله ابن وحي في شرح هذا الكتاب, ولا أدري لم حكم عليه بغير القياس, فإن كان من جهة المفرد, فإن مثله يجمع على «مفاعل» نحو: معيش ومعايش, وميل ومايل, ومكيل ومكايل, وإن كان من جهة همز الياء في الجمع, فلم أر من نص عليه, بل الياء غير مهموزة, لأنها عين الفعل, فإن حرف المد الثالث في المفرد إن كان أصليًا لم يهمز, نحو: مقاوم ومعايش ومبايع, ولم يسمع من العرب الهمز في مثل هذا إلا في معائش, قرأ بها نافع, ومصائب ومنائر ومزائد, ومسائل فيمن جعله من السيل, جمع مصيبة ومنارة ومزادة وميل, وأما «معايش» فيجوز أن

стр. 7

يكون مفردها معيشة ومعيشًا ومعاشًا, كما أن معايب يجوز أن يكون جمع معيب ومعاب ومعابة, وإن كان ذلك المد زائدًا أبدل في الجمع همزة, نحو: قلائد جمع قلادة, وصحائف جمع صحيفة, ومدائن جمع مدينة عند من يجعلها من مدن, وأما من يجعلها من دان يدين فلا يهمز, والله تعالى أعلم. وقال الإمام المطرزي في شرح أول المقدمة الأولى: المسايح: جمع مساح, أو مساحة, وهي مفعلة من السياحة, وباء مسايح كياء معايش في وجوب التصريح بها ونقطها, وكذا كل «مفاعل» ومن المعتل العين إلا مصائب, فإنه صح بالهمز سماعًا, وقياسه مصاوب بالواو, وأما نحو: صحائف ورسائل وروائح وأوائل وبائع وقاتل, فحقها أن لا تنقط, ولكن ترقم بهمزة فوق الياء أو نحتها, ونقطها خطًا قبيح عند المتقنين من علماء الكتابة, والتصريح بها في اللفظ كذلك, لا تخرج إلا بين بين, أو همزة صريحة, انتهى كلامه. وبزيد هذا هو: يزيد بن محمد بن المهلب بن المغيرة بن حرب بن محمد بن المهلب بن أبي صفرة, أبو خالد الأزدي, وهو أخو المغيرة بن محمد, بصري, قدم بغداد ونادم جعفرًا المتوكل, وكان أديبًا شاعرًا, وقد أسند الحديث عن عبيد الله بن عبد المجيد [الحنفي] وغيره, وحدث عنه أبو بكر بن أبي داود السجستاني, ومحمد بن عبد الملك التاريخي, كذا في «تاريخ بغداد» للخطيب البغدادي, وقال الصفدي في تاريخه «الوافي بالوفيات»: يزيد بن محمد بن المهلب الشاعر نديم المتوكل, توفي في حدود الستين والمائتين. انتهى. ولم يزد على هذا شيئًا.

стр. 8

وأنشد فيها بعده, وهو الانشاد الثاني: أشارت كليب بالأكف الأصابع يريد: أشارت إلى كليب, فحذف حرف الجر, وبقي عمله شذوذًا, وعده ابن عصفور في الضرائر. وكذا أورده المصنف ثانيًا في حذف نون التثنية والجمع من آخر الباب الخامس وكذا أورده الرضي, وشراح «الألفية» وكان القياس أن ينصب بعد حذف الجار, وهي رواية, وأنا قد رأيته منصوبًا في «ديوان الفرزدق» وروي بالرفع أيضا في «شرح المناقضات» و «التذكرة الفارسية» على تقدير: هذه كليب. وهذه عجز وصدره: إذا قيل أي الناس شر قبيلة والبيت من قصيدة طويلة للفرزدق هجا بها جريرًا. وأي: مبتدأ «وشر» بالتنوين: خبره و «قبيلة» بالنصب: تمييز, والجملة نائب الفاعل لقيل, والناس يكون من الإنس ومن الجن, «وشر»: أفعل تفضيل حذفت منه الهمزة, وإنما بني «قيل» للمفعول لأنه أراد تعميم القائل

стр. 9

ومن يصلح للسؤال, وروي: «أشرث» بدل: «أشارث» قال الفارسي: يريد: أشارت إليها, وإنما قال: أشارت للإيماء إلى أن حال هذه القبيلة في الشر قد صار أمرًا محسوسًا يشار إليه, والأصابع: فاعل أشارت, وإنما جمع الاصبع للتنبيه على كثرة المثيرين, كل منهم يثير بأصبع واحدة, وبالأكف: حال من الأصابع, والباء للمصلحة وقيل: فيه قلب, والأصل: أشارت الأكف بالأصابع, وكليب بالتصغير: أبو قبيلة جرير, وهو كليب بن يربوع بن حنظلة. والمصراع الأول في الأصل لجرير من قصيدة هجا بها الفرزدق, وهو: إذا قيل أي الناس شر قبيلة ... وأعظم عارًا قيل تلك مجاشع فلما ناقضه الفرزدق أخذه منه, وزاده ما ذكرنا من المبالغات, وقد أوردنا بعض هذه القصيدة وشرحنا ما يحتاج إلى الشرح في الشاهد السادس بعد السبعمائة من شواهد شرح الكافية للرضي. ولجرير أيضًا يمدح عبد العزيز بن الوليد بن عبد الملك وهو بيت واحد: إذا قيل أي الناس خير خليفة ... أشارت إلى عبد العزيز الأصابع والفرزدق شاعر إسلامي اسمه همام بن غالب, وكنيته أبو فراس, وروى عن جماعة من الصحابة, وعمر حتى قارب المائة, وتوفي في سنة عشرة ومائة, رحمه الله تعالى, وقد ترجمناه وذكرنا جملة من أخباره, وشرحنا وجه تلقيبه بالفرزدق في شرح الشاهد الثلاثين من شواهد «شرح الكافية» ومن أراد الاطلاع عليه فلينظر هناك فإنه ممتع.

стр. 10

وأورد بعده وهو الانشاد الثالث: كما عسل الطريق الثعلب هو عجز وصدره: لدن بهز الكف يعسل متنه ... فيه كما عسل الطريق الثعلب أراد كما عسل في الطريق, فحذف في ونصب بعسل شذوذًا, وقال ابن عصفور في كتاب «الضرائر»: هو ضرورة, قال: حذف حرف الخفض من المعمول, ووصول العامل إليه بنفسه للضرورة تشبيهًا له بالعامل الذي يصل بنفسه. انتهى. وإنما امتنع نصبه على الظرفية لفقد شرطه, وهو كونه مبهمًا, وهو ما لا حد له يحصره سواء كان نكرة أم معرفة, و «الطريق»: ظرف مختص لا مبهم. وأورده المصنف في الأمور التي يتعدى بها الفعل القاصر من الباب الرابع, وقال: وقول ابن الطراوة: إنه ظرف, مردود بأنه غير مبهم, وقوله: انه اسم لكل ما يقبل الاستطراق, فهو مبهم لصلاحيته لكل موضع, منازع فيه, بل هو اسم لكل ما هو مستطرق. انتهى. وأورده أيضًا في النوع الثالث من الجهة السادسة من الباب الخامس, وقال شيخنا الشهاب الخفاجي فيما كتبه على هذا الكتاب:

стр. 11

كلام المصنف على أن نصب «الطريق» على الظرفية شاذ, لأنه غير مبهم كالدار وفيه خلاف, فذهب بعضهم إلى أنه مبهم, وإليه ذهب بعض شراح الكتاب, وجزم به ابن أبى الربيع وبعض نحاة المغرب, وقال: إنه مذهب سيبويه, إلا أنهم لم يفهموا كلامه, ووجهه أن معناه: إن كان كل ما يطرق بالأقدام فهو مبهم, وإن كان أزقة الأسواق والطريق العام, فهو محدد لا ينصب البتة إلا شذوذًا, وإليه أشار أبو حيان في «تذكرته» انتهى كلامه. أقول: نقله أبو حيان في «تذكرته» من «النهاية» قال: ذهب قوم إلى أن الطريق ليس بظرف, لأنه اسم لمكان معروف وهو ما تطؤه المارة في الأسواق وغيرها فلا يقع على كل موضع, وذهب قوم إلى أنه يكون ظرفًا كالفرسخ لأمرين أحدهما: أنه فعيل بمعنى مفعول أي مطروق, وكل مكان يصلح أن يكون مطروقًا للرجل. والآخر: الاستعمال, فإذا جلست في محل إنسان في أي موضع كان, صح أن يقال: تنح من الطريق, فدل على أنه يقع على كل موضع, فعلى الأول تقول: جلست في الطريق, وعلى الثاني: جلست الطريق, انتهى. والبيت من قصيدة طويلة لساعدة بن جؤية الهذلي, وقبله: فتعاوروا ضبرًا وأشرع بينهم ... أسلات ما صاغ القيون وركبوا من كل أسحم ذا بلٍ لا ضره ... قصر ولا راش الكعوب معلب لدن بهز الكف ... البيت. التعاور: التداول بالطعن وغيره, والضبر بفتح المعجمة وسكون الموحدة: مصدر ضبر إذا وثب, والضبر: الجماعة أيضًا, وأشرعت: أميلت, والأسلات: الرماح, والقيون: جمع قين وهو الحداد, وأراد بما ضاع القيون: الأسنة,

стр. 12

وأسحم: أسود وأراد به الرمح, وذابل: قد جف وفيه لين, ورمح راش, أي: خوار, وناقة راشة, أي: ضعيفة, وهو من الريش أي: ولا هو راش الكعوب, ومعلب: خبر بعد خبر, والمعلب: اسم مفعول من علبت الشيء تعليبًا إذا شددته وحزمته بعلباء البعير, والعلباء بالكسر والمد: عصب العتق. يقول: ليس فيه قصر فيضره, ولا به ضعف فيشد بالعلباء. وقوله: لدن بالجر: صفة أخرى لأسحم ذابل, ويجوز رفغه على الخبرية لمبتدأ محذوف, أي: هو لدن, واللدن: اللين الناعم, ويعسل: يشتد اهتزازه, بفتح السين في الماضي وكسرها في المستقبل, والمصدر: عسلًا وعسلانًا بفتحهما, والباء في قوله: بهز, بمعنى عند, متعلقة بيعسل, والهز: مصدر مضاف إلى الفاعل, والمفعول محذوف, أي: بهز الكف إياه, قال أبو علي: قوله يعسل متنه, أي: يعسل هو, يريد أنه لا كزازة فيه إذا هززته, ولا جسوء, وذكر المتن وأراد الجمهور, والهاء في «فيه» ضمير الهز, وقيل: ضمير «لدن» و «في» متعلقة بيعسل أيضًا, ولا مانع فإن قوله: بهز الكف, ظرف زمان, وهذا ظرف مكان. وجملة: يعسل متنه, مفسرة لقوله: لدن, قال ابن السيد فيما كتبه على «كامل» المبرد: شبه أطراف الرمح عند اهتزازه باضطراب الذئب إذا قرب الماء, أي: طلبه. قال عبد الرحمن: إذا عدا الذئب اضطرب في مشيه, وإذا لم يطلب الماء لم يعسل. انتهى. وروى السكري: «لذ» بدل لدن, واللذ بالفتح: اللذيذ, يقول: هذا الرمح إذا هز بالكف فهو لذيذ, أي: تلتذه الكف, والالتذاذ في الحقيقة لصاحب الكف, وقال السكري: يضطرب نصله كما يضطرب الثعلب في الطريق إذا عدا, والنصل: السنان, فيكون على هذا الأسلات بمعنى الأسنة, وقد شرحناه مع أبيات أخر بأكثر مما هنا في الشاهد التاسع والستين بعد المائة من شواهد الرضي.

стр. 13

وساعدة بن جؤية الهذلي شاعر محسن, وشعره محشو بالغريب والمعاني الغامضة, وهو مخضرم أدرك الجاهلية والإسلام, وأسلم وليست له صحبة, وجؤية: بضم الجيم وفتح الهمزة بعدها ياء مشددة, وقيل: هو ساعدة بن جوين, بضم الجيم وفتح الواو وسكون المثناة التحتية بعدها نون, والله تعالى أعلم.

стр. 14

الباب الأول أنشد في الهمزة, وهو الانشاد الرابع: (٤) أفاطم مهلًا بعض هذا التدلل وهو صدر وعجزه: وإن كنت قد أزمعت صرمي فأجملي وهو من معلقة امرئ القيس, وقبله: ويوم دخلت الخدر خدر عنيزة ... فقالت لك الويلات إنك مرجلي تقول وقد مال الغبيط بنا معًا ... عقرت بعيري يا امرأ القيس فانزل فقلت لها سيري وأرخي زمامه ... ولا تبعديني من جناك المعلل فمثلك حبلى قد طرقت ومرضعا ... فألهيتها عن ذي تمائم محول إذا ما بكى من خلفها انصرفت له ... بشق وتحتي شقها لم يحول ويومًا على ظهر الكثيب تعذرت ... علي وآلت حلفةً لم تحلل أفاطم مهلًا ... البيت فإن تك قد ساءتك مني خليقة ... فسلي ثيابي من ثيابك تنسل

стр. 15

أغرك مني أن حبك قاتلي ... وأنك مهما تأمري القلب يفعل وما ذرفت عيناك إلا لتضر بي ... بسهميك في أعشار قلب مقتل قوله: ويوم دخلت الخدر ... الخ: هو معطوف على «يوم» في قوله: ولا سيما يوم بدارة جلجل, من بيت قبله, لكنه بني على الفتحة لإضافته إلى مبني, والخدر بكسر الخاء المعجمة: الهودج هنا, وخدر عنيزة: بدل منه, وعنيزة بوزن مصغر عنزة: لقب ابنة عمه فاطمة, وفيه رد على من زعم أنه لم يسمع تلقب الإناث, وقيل: عنيزة امرأة أخرى غير فاطمة, ونون عنيزة للضرورة, والوبلة والوبل: شدة العذاب, وهذا دعاء عليه منها, وزعم بعضهم أنه دعاء له منها في معرض الدعاء عليه, والعرب تفعل ذلك صرفًا لعين الكمال عن المدعو عليه, كقولهم: قاتله الله ما أشعره وأرجله, إذا أحوجه أن يمشي راجلًا, ورجل الرجل يرجل, كعلم يعلم: إذا صار راجلًا. يريد أنه لما حملته على بعيرها ومال معها في شقها, كرهت أن يعقر البعير, والغبيط بفتح الغين المعجمة وآخره طاء مهملة: هو القنب, وقيل: نوع من الرحال, وقيل: نوع من الهوادج, والباء للتعدية, أي: أمالنا الغبيط فقالت: أدبرت ظهر بعيري فانزل من البعير. وقوله: فقلت لها سيري, هو أمر من سار يسير, وأرخي: من أرخيت الستر ونحوه إذا أرسلته, وجناها: ما اجتني منها من القبل, والمعلل بكسر اللام: اسم فاعل من علله تعليلًا إذا ألهاه وشفاه, وحقيقته: أزال علته أو خففها, وروي بفتح اللام: اسم مفعول من علله تعليلا, مبالغة عله إذا سقاه ثانيًا, يريد: جناك الذي قد علل بالطيب, أي: طيب مرة بعد مرة. ومعنى البيت: أنه تهاون بأمر البعير في حاجته, فأمرها أن تخلي زمامه ولا تبالي ما أصابه من ذلك. وقد شرحت هذين البيتين مع أبيات قبلهما بأكثر مما هنا في شرح الشاهد الرابع والأربعين بعد المائتين من شرح شواهد الرضي.

стр. 16

وقوله: فمثلك حبلى ... الخ, مثلك: مجرور «برب» المقدرة بعد الفاء, وطرقتها: أتيتها ليلًا. وقوله: عن ذي تمائم, أي: عن صبي ذي تمائم, جمع تميمة, وهي: العوذة تعلق على الولد لترد العين عنه, ومحول: اسم فاعل من أحول الصبي إذا تم له حول, ويأتي إن شاء الله تعالى شرحه مع البيت الذي يليه في «رب». وقوله: ويومأ على ظهر الكثيب ... الخ, يومأ: نصب على الظروف «بتعذرت» قال الزوزني: هذا يحتمل أن يكون صفة حال اتفقت له مع عنيزة, ويحتمل أنها اتفقت له مع المرضع التي وصفها, هذا كلامه, والسياق يقتضي الأول, والكثيب: الرمل المجتمع المرتفع على غيره, وعلى متعلقة بتعذرت أيضًا, وتعذرت, أي: جاءت بالمعاذير من غير عذر, وآلت: حلفت, يقال: آلى إيلاء, أي: حلف, ونصب «حلفة» بفتح الحاء على المصدر من غير لفظه, ولم تحلل: من التحلل في اليمين, وهو الاستثناء, روي بفتح اللام على أن الجملة صفة لحلفة, وروي بكسرها على أن الجملة حال من ضير آلت. قال الإمام الباقلاني: يتعجب من ذلك اليوم, وإنما تشددت وتعسرت وحلفت عليه, فهو كلام رديء النسج, لا فائدة لذكره لنا أن حبيبته تمنعت عليه [يومًا] بموضع يسميه ويصفه, وأنت تجد في شعر المحدثين من هذا الجنس في التغزل ما يذوب معه اللب, وتطرب عليه النفس, وهذا مما يشمئز منه القلب,

стр. 17

وليس فيه شيء من الإحسان والحسن, انتهى. وقوله: أفاطم مهلًا, الهمزة لنداء القريب, والقرب يعلم من القرينة, وهو الأبيات, وفاطم بالفتح: منادى مرخم على لغة من ينتظر, وفاطمة: اسم عنيزة السابقة, ونقل التبريزي في شرحه عن ابن الكلبي أنها فاطمة بنت عبيد بن ثعلبة ابن عامر, ولها يقول: لا وأبيك ابنة العامري ... لا يدعي القوم أني أفر انتهى. وعامر: هو ابن عوف بن كنانة بن عوف بن عذرة, ومهلًا: رفقًا, وهو مفعول مطلق, وأصله: أمهلي إمهالًا, فحذف عامله وحذف زائده, وجعل نائبًا عن فعله, فبعض منصوب به لا بفعله, أي: أخريه عن هذا الوقت, وقال الزوزني: نصب به «بعض» لأن «مهلًا» ينوب مناب «دع» , والتدلل والإدلال: أن يثق الإنسان بحب غيره, فيؤذيه على حسب ثقته به, والاسم: الدل والدلال والدالة, وأزمعت الشيء: جزمته وصمت على فعله, قال الفراء: ويقال أيضًا: أزمعت عليه, والصرم بالفتح: الهجر, يقال: صرمت الرجل صرمًا إذا قطعت كلامه, والاسم: الصرم بالضمو وروي بهما, والإجمال: الإحسان, يقول لها: إن كان هذا منك تدللا فأقصري, وإن كان عن بغضة فأجملي, ويقال: أجملي في اللفظ. أخرج ابن عساكر عن الإصبع بن عبد العزيز قال: سألت نصيبًا, أي

стр. 18

بينت قالته العرب أنسب؟ فقال: قول امرئ القيس: أفاطم ميلا بعض هذا التدلل ... البيت. وقد تحامل عليه الإمام الباقلاني في كتاب «إعجاز القرآن» بقوله: فيه ركاكة جدًا وتأنيث ورقة, ولكن فيها تخنيث, ولعل قائلا أن يقول: كلام النساء بما يلائمهن من الطبع أوقع وأغزل, وليس كذلك, لأنك تجد الشعراء في الشعر المؤنث لم يعدلوا عن رصانة قولهم, والمصراع الثاني منقطع عن الأول لا يلائمه ولا يوافقه, وهذا يبين لك إذا عرضت معه البيت الذي تقدمه, وكيف ينكر عليها تدللها, والمتغزل يطرب على دلال الحبيب وتدلله! هذا كلامه, وفيه أنه لم ينكر دلالها رأسًا, وإنما طلب تخفيف دلالها المفرط وتأخيره إلى وقت آخر. وهذا البيت مقفى, والتفقيه: أن يتساوى العروض والضرب من البيت في الوزن والروي من غير نقص ولا زيادة, وأكثر ما تكون التقفية في مطلع القصيدة, كما في قوله: قفا نبك من ذكر حبيب ومنزل ... البيت ... وقد يأتي في أثنائها كما وقع له هنا. وقوله: وإن تك قد ساءتك, أي: آذتك, والخليقة والخلق واحد, وتنسل: تسقط, يقال: نسل ريش الطائر إذا سقط, وأنسل إذا نبت, والنسول: سقوط الريش والوبر والشعر, وفعله من باب نصر, وقوله: فسلي ثيابي من ثيابك, أي: انزعي قلبي من قلبك, وهذا تمثيل كما في قوله تعالى: ﴿وثيابك فطهر﴾ [سورة المدثر /٤] , وقال عنترة:

стр. 19

فشككت بالرمح الأصم ثيابه ... ليس الكريم على القنا بمحرم ومنهم من حمل الثياب على حقيقتها, وقال: كنى بتباين الثياب عن تباعدهما, وقال: إن ساءك شيء من أخلاقي فاستخرجي ثيابي من ثيابك, أي: ففارقيني كما تحبين, فإني لا أوثر إلا ما آثرت لانقيادي, وإن كان فراقي سبب هلا كي, هذا كلام الزوزني. وقال الإمام الباقلاني: ذكر الثوب وأراد البدن, مثل قوله تعالى: ﴿وثيابك فطهر﴾ وقال أبو عبيدة: هذا مثل الهجر. وهو بيت ركيك المعنى, وكل ما أضاف إلى نفسه ووصف به نفسه سقوط وسقه وسخف يوجب قطعه, فلم لم يحكم على نفسه بذلك! ولكن يورده [مورد] أن ليست له خليقة توجب هجرانه, وأنه مذب الأخلاق, فذلك يوجب أن لا تنفك من وصاله. والاستعسارة في المصراع الثاني فيها تواضع وتقارب وإن كانت غريبة, انتهى كلامه. وقوله: أغرك مني ... الخ, الهمزة للاستفهام, وغره: خدعه وأطمعه بالباطل, وقال الزوزني: أغرك: أحملك على الغيرة, وهو فعل من لم يجرب الأمور, يقول: أغرك مني كون حبك قاتلي, وكون قلبي مطيعًا لك بحيث مهما أمرته بشيء فعله؟ فألف الاستفهام للتقرير, وقيل: معناه: قد غرك مني أنك علمت أن حبك مذللي – والقتل: التذليل – وأنك تملكين فؤادك مهما أمرت قلبك بشيء أسرع إلى مرادك, فتحسبين إني أملك عنان قلبي كما ملكت عنان قلبك حتى يسهل علي فراقك كما سهل عليك فراقي! وقال الإمام الباقلاني: قد عيب هذا عليه, لأنه قد أخبر أن من سبيلها أن

стр. 20

لا تغتر بما يدلها من أن حبها يقتله, وإنما تملك قلبه, فما أمرته فعله, والمحب إذا أخبر عن مثل هذا صدق, وإن كان المعنى غير هذا الذي عيب عليه, وإنما ذهب مذهبا آخر, وهو أنه أراد أن يظهر التجلد, فهذا خلاف ما أظهره من نفسه فيما تقدم من الأبيات من الحب والبكاء على الأحبة, وقد دخل في وجه آخر من المناقضة, ثم قوله: تأمري القلب يفعل, [معناه]: تأمريني, والقلب لا يؤمر, والاستعارة في ذلك غير واقعة ولا حسنة. انتهى. وقوله: وما ذرلفت عيناك .. الخ, ذرفت: دمعت, ومعنى قوله: إلا لتضربي .. الخ, أي: لتجرحي قلبًا معشرًا, أي: مكسرًا, من قولهم: برمة أعشار إذا تكسرت, وقال الزوزني: استعار للحظ عينيها ودمعها اسم السهم لتأثيرهما في القلوب, وجرحهما إباها, كما أن السهام تجرح الأجسام وتؤثر فيها, والمقتل: المذلل غاية التذليل, وقيل: أراد بالسهمين: المعلى والرقيب من سهام الميسر, والجزور يقسم على عشرة أجزاء, للمعلى سبعة أجزاء, وللرقيب ثلاثة, فمن فاز بهذين فقد فاز بجميع الأجزاء وظفر بالجزور. وتلخيص المعنى على هذا القول: وما بكيت إلا لتملكي قلبي كلهو وتفوزي بجميع أعشاره, والأعشار على هذا جمع عشر, لأن أجزاء الجزور عشرة. انتهى. وقال الإمام الباقلاني: هذا البيت معدود من محاسن القصيدة وبدائعها, ومعناه: ما بكيت إلا لتجرحي قلبًا معشرًا, أي: مكسرًا من قولهم: برمة أعشار إذا كانت قطعًا, هذا تأويل ذكره الأصمعي, وهو أشبه عند أكثرهم, وقال غيره: هذا مثل للأعشار التي تقسم الجزور عليا, ويعني بسهميك: المعلى, وله سبعة أنصباء, والرقيب, وله ثلاثة أنصباء, فأراد: أنك ذهبت بقلبي أجمع. ويعني بقوله مقتل: مذلل, وأنت تعلم أنه على ما يعني به فهو غير موافق للأبيات المتقدمة

стр. 21

لما فيها من التناقض, ويشبه أن يكون من قال بالتأويل الثاني فزع إليه, لأنه رأى اللفظ مستكرهًا على المعنى الأول, لأن القاتل إذا قال: ضرب فلان بسهمه في الهدف بمعنى أصابه, كان كلامًا ساقطًا مرذولًا, وهو يرى أن معنى الكلمة أن عينيها كالسهمين النافذين في إصابة قلبه المجروح, فلما بكتا وذرفتا بالدموع كانتا ضاربتين في قلبه, ولكن من حمل على التأويل الثاني سلم من الخلل الواقع في اللفظ, ولكنه إذا حمل على الثاني فسد المعنى واختل, لأنه إن كان محبًا على ما وصف به نفسه من الصبابة, فقلبه كله لها, فكيف يكون بكاؤها هو الذي يخلص قلبه لها! واعلم أن هذا البيت غير ملائم للبيت الذي قبله, ولا متصل به في المعنى, وهو منقطع عنه, لأنه لم يسبق كلام يقتضي بكاءها, ولا سبب يوجب ذلك, فتركيبه هذا الكلام على ما قبله فيه اختلال, ثم لو سلم له بيت من عشرين بيتًا, وكان بديعًا لا عيب فيه, فليس بعجيب, لأنه لا يدعى على مثله أن كلامه كله متناقض, ونظمه كله متبلين, وإنما يكفي أن نبين أن ما سبق من كلامه إلى هذا البيت, مما لا يمكن أن يقال: إنه يتقدم فيه أحدًا من المتأخرين فضلًا عن المتقدمين, وإنما قدم في شعره لأبيات قد برع فيها, وبان حذقه فيها, وإنما أنكرما أن يكون شعره متناسبًا في الجودة, ومتشابهًا في صحة المعنى واللفظ, وقلنا: إنه يتصرف بين وحشي غريب مستنكر, وعربية كالمهمل مستكرهة, وبين كلام سليم متوسط, وبين عامي سوفي في اللفظ والمعنى, وبين حكمة حسنة, وبين سخف مستشنع, ولهذا قال الله تعالى: ﴿ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافًا كثيرا﴾ [النساء/٨٢]. انتهى كلام الباقلاني. وفيه تحامل شديد عليه كما لا يخفى. وامرؤ القيس: شاعر جاهلي ترجمناه ترجمة مبسوطة في شرح الشاهد التاسع والأربعين من أبيات شرح الكافية للرضي.

стр. 22

ومعنى المعلقمة أن العرب كانت في الجاهلية يقول الرجل منهم الشعر في أقصى الأرض, فلا يعبأ به ولا ينشده أحد حتى يأتي مكة في موسم الحج, فيعرضه على أندبة قريش فإن استحسنوه روي, وكان فخرًا لقائله, وعلق على ركن من أركان الكعبة حتى ينظر إليه, وإن لم يستحسنوه طرح ولم يغبأ به. وأول من علق شعره في الكعبة امرؤ القيس, وبعده علقت الشعراء, وعدد من علق شعره سبعة, ثانيهم طرفة بن العبد, ثالثهم زهير بن أبي سلمى, رابعهم لبيد ابن ربيعة, خامسهم عنترة بن شداد, سادسهم الحرث بن حلزة, سابعهم عمرو ابن كلثوم التغلبي, هذا هو المشهور. وفي «العمدة» لابن رسيق: وقال محمد بن أبي الخطاب في كتابه الموسم بـ «جمهرة أشعار العرب»: إن أبا عبيدة قال: أصحاب السبع التي تسمى السمط: امرؤ القيس, وزهير, والنابغة, والأعشى, ولبيد, وعمرو, وطرقه. قال: وقال المفضل: من زعم أن في السبع التي تسمى السمط لأحد غير هؤلاء فقد أبطل, فأسقطا من أصحاب المعلقات عنترة والحارث بن حلزة, وأثبتا الأعشى والنابغة. وكانت المعلقات تسمى المذهبات, وذلك أنها اختيرت من سائر الشعر فكتبت في القباطي بماء الذهب, وعلقت على الكعبة, فلذلك يقال: مذهبة فلان, إذا كانت أجود شعره, وذكر ذلك غير واحد من العلماء, وقيل: بل كان الملك إذا استجيدت قصيدة يقول: علقوا لنا هذه, لتكون في خزانته. وأنشد بعده وهو الإنشاد الخامس: (٥) دعاني إليها القلب إني لأمره ... سميع فما أدري أرشد طلابها

стр. 23

على أن المعادل للهمزة محذوف تقديره: أم غي, وأورده المصنف في بحث «أم, أيضا وقال: وفيه بحث, وبين شراحه وجيه بما قاله هنا من أنه لا حاجة إلى تقدير معادل في البيت, لصحة قولك: لا أدري هل طلابها رشد؟ وهذا مما اتفق عليه شراحه تبعًا له, ولا وجه له, لأن لا أدري ولا أبالي لا يوجدان بلا معادل, لما فيهما من معنى التسوية, وقد اتفق شراح شعر هذيل على تقديره في البيت, وكذا نقل المرزباني في «الموشح» عن أبي الحسن محمد بن أحمد بن طباطبا العلوي في التشبيهات البديعة التي لم يلطف أصحابها فيها, ولم يخرج كلامهم في العبارة عنها سلسًا سهلًا, ثم أورد هذا البيت من جملة أبيات عليا, وقال: كان ينبغي أن يقول: أغي أم رشد, فنقص العبارة. انتهى. والبيت من قصيدة لأبي ذؤيب الهذلي, وقبله: وقد طفت من أحوالها وأردتها ... سنين فأخشى بعلها وأهابها ثلاثة أحوال فلما تجرمت ... علينا بهون واستحار شبابها دعاني إليها القلب إني لأمره ... البيت. فقلت لقلبي يا لك الخير إنما ... يدليك للموت الجديد حبابها

стр. 24

الضمير المؤنث لأسماء في أول القصيدة, قال الإمام المرزوقي في «شرح أشعار الهذليين»: أخذ في هذه الأبيات يقص كيف توصل إليها, ويعد أنواع ما قاساه فيها, وكل هذا تحزن وتحسر. ودخول «من» في أحوالها لبيان ابتداء الطواف, وأنه لم يجسر على الدنو منها, فأخذ يطوف حواليها, وإنما قال: من أحوالها, ولم يقل: من حولها, لاختلاف مواقع المطاف, وأراد أن ينبه على أنها عفيفة عزيزة محتشمة, وأن بعلها عظيم الموقع في النفوس, يخاف فيما لا يعلمه, وأن ينبه على أنه يهوى المنيع الشاق الذي يطلب دهرًا فلا ينال. وقوله: ثلاثة أحوال: انتصب على البدل من سنين, والهون بالضم: الذل, واستحار بالحاء المهملة, يقال: استحار الشباب إذا تم وانتهىو وأصله من التحير, ومثله: استحار المسافر إذا أقام أيامًا في موضع. والمعنى: لما كملت السنون التي هبتها أن أواجهها بما في نفسي, وانقضت بهوان علينا لازم لما كنت أتولاه فيها, وأبذل من نفسي في سببها وألتزمه من التصاغر والتذلل لمن حولها وتخير ماء الشيبة في مجاريه منها, فبرعت محاسنها, وبلغت النهاية, عيل صبري. وقوله: دعاني إليها, هذا جواب «لما» في البيت قبله, وهو رواية أبي عمرو, وروى غيره «عصاني إليها القلب ... الخ» قال المرزوقي: أي عصاني القلب مائلا إليها وذاهبًا نحوها, فانقدت لهواه وآثرت العدول إلى رضاه إذ كان الغلبة له, وقوله: فما أدري .. الخ, أراد: التبس الأمر علي, فلم أدر أطلابها رشد أم غي؟ وهذا بيان حاله حين عصاه القلب وركبه الهوى, فتمكن منه, وذلك لأنه فارقه الجلد والحزم, فاستوى لذيه الحسن والقبيح.

стр. 25

وإنما ساغ حذف: أم غي, لأن المراد مفهوم, وهذه الألف ألف التسوية, ومثله: فما أدري أسكلهم سكلي؟ انتهى كلامه. وقد أعاد المصنف هذا البيت ثالثًا في حذف أم المعادلة من الباب الخامس. وجملة: إني لأمره سميع – أي: مجيب – استئناف بياني, كأنه قيل: أأنت سميع لأمره؟ والتأكيد للشك, ويجوز أن تكون اعتراضيه, ويجوز أيضًا أن تكون حالًا من الياء في «دعاني» , وقال الدماميني: من «القلب» , واللام في لأمره للتعدية, وتقديم المعمول للحصر, وجملة: فما أدري .. الخ: معطوفة على دعاني, وطلابها: مبتدأ, ورشد خبره, والجملة منصوبة المحل بفعل الدراية المعلق عنها بالاستفهام, وطلابها: مصدر طالبه بمعنى طلبه مضاف إلى مفعوله, وفاعله محذوف أي: طلابه إياها, وقوله: يا لك الخير, المنادى به محذوف, أي: يا قلب لك الخير, على الدعاء له, وهذا استسلام منه للقلب فيما دعاه إليه, وإنما قالك للموت الجديد, لأنه يريد الموت الذي يكون جديدًا إذا وقع, وقال بعضهم: لأنه لا يعود إليه مرة أخرى, يريد أنه يكون مجدودًا, أي: مقطوعًا, وهذا لأن الذي كان فيه من هواها كأنه كان موتًا متصلًا, فقال: يدليك للموت المنقطع, ومعنى يدليك: يسوقك, والدلو: السوق, قال: لا تقلواها وادلياها دلوا وحبابها بكسر أوله: أراد به الحبو وقيل: هو جمعه, وقيل: هو مصدر حاببته, وروى الباهلي «حبابها» بضم الحاء, أي: حبيبها. وأبو ذؤيب - بالتصغير -: اسمه خويلد بن خالد, وينتهي نسبه إلى هذيل بن مدركة, وهو شاعر مجيد مخضرم, أسلم ورحل إلى المدينة, والنبي صلى الله تعالى عليه وسلم في مرضه, فتوفاه الله تعالى قبل قدومه بليلة, وأدركه وهو مسجى, وصلى عليه وشهد دفنه, وعاش إلى زمن عثمان ﵁, وليس معدودًا من الصحابة.

стр. 26

وأورد بعده, وهو الانشاد السادس: (٦) بدا لي منها معصم حين جمرت ... وكف خضيب زينت ببنان فوالله ما أدري وإن كنت داريًا ... بسبع رمين الجمر أم بثمان أراد الشاعر: أبيع, فحذف همزة الاستفهام لدلالة أم عليها, وظاهر كلام المصنف أن حذفها سائغ في الكلام غير مختص بالشعر, سواء أمن اللبس كما هنا أم لا, كالبيت الذي بعده, وكلاهما ضرورة عند سيبويه, وتبعه ابن عصفور في كتاب «الضرائر» في بحث «أم» المنقطعة, زعم الخليل أن قول الأخطل: كذبتك عينك أم رأيت بواسط ... غلس الظلام من الرباب خيالا كقولك: إنها لإبل أم ساء, ويجوز في الشعر أن تريد بـ «كذبتك» , الاستفهام, وتحذف الألف, قال عمر بن أبي ربيعة: لعمرك ما أدري وإن كنت داريًا .. البيت. انتهى. وقال شارح أبياته الأعلم الشنتمري: الشاهد فيه حذف ألف الاستفهام ضرورة, لدلالة «أم» عليها. انتهى. وذهب الأخفش إلى جواز حذفها في الاختيار, وإن لم يكن بعدها «أم» وتبعه

стр. 27

ابن مالك وقال: وأقوى الاحتجاج عليه قوله صلى الله تعالى عليه وسلم لجبريل ﵇: «وإن زنى وإن سرق؟ قال: وإن زنى وإن سرق» أراد: أو إن. زنى؟ قال المرادي في «الجنى الداني»: والمختار أن حذفها مطرد إذا كان بعدها «أم» المتصلة, لكثرته نظمًا ونثرًا, فمن النظم قول الشاعر: لعمرك ما أدري وإن كنت داريًا ... البيت. ومن النثر قراءة ابن محيصن: ﴿سواء عليهم أنذرتهم أم لم تنذرهم﴾ [البقرة/٦] بهمزة واحدة. انتهى. وهذا مذهب ابن النحاس, وجماعة منهم الزمخشري, نص عليه في «مفصله» وقال في «الكشاف»: إنها قد حذفت مع مدخولها في قوله تعالى: ﴿ما لي لا أرى الهدهد أم كان من الغائبين﴾ [النمل/٢٠] تقديره: أهو حاضر استتر عني أم كان من الغائبين؟ وأجاب ابن عصفور عما ورد في الكلام بأنه شاذ. والبيتان من قصيدة لعمر ابن أبي ربيعة, وقبلهما: ولما التقينا بالثنية سلمت ... ونازعني البغل اللعين عناني الثنية: كل فج في جبل يخرج إلى فضاء, ونازعني: جاذبني, ووصف البغل باللعين للذم, لأنه أراد أن يصرفه عن جهة حبيبته, واللعين: من يلعنه كل أحد والمشتوم, والتلاعن: التشاتم. وقوله: بدا لي .. الخ بدا: ظهر, والمعصم بكسر الميم: موضع السوار من اليد, وجمرت: رمت جمرات النسك في منى, والكف مؤنثة, قال صاحب «المصباح»: الكف من الإنسان وغيره أنثى, قال ابن الأنباري: وزعم من لا يوثق به أن الكف مذكر, ولا يعرف تذكريها من يوثق بعلمه, وأما قولهم: كف مخضب, فعلى معنى: ساعد مخضب, قال الأزهري: الكف: الراحة مع الأصابع, سميت بذلك لأنها تكف

стр. 28

الأذى عن البدن. انتهى. ولم تلحق التاء في خضيب, لأن فعيلًا إذا كان بمعنى مفعول وذكر موصوفه تمتنع التاء منه غالبًا, وروي: «وكف لها مخضوبة ببنان» فلا إشكال. والبنان: العقدة الأخيرة من كل إصبع, وقيل: الأصابع, الواحدة بنانه, قيل: سميت بنانًا لأن بها صلاح الأحوال التي يستقر بها الإنسان, لأنه يقال: ابن بالمكان إذا استقر, كذا في «المصباح». ومعنى تزيين الكف بالبنان إشارة إلى ما خص الله تعالى به النوع الإنساني من الأعضاء المتناسبة بالنسبة إلى سائر الحيوان, أو زينت بلطافة البنان, أو بمغايرة خضاب البنان في اللون خضاب الكف. وقوله: وإن كنت داريًا, الدراية: المعرفة المدركة بضرب من الحيل, ولهذا لا يقال في الله تعالى دار. وجملة ما أدري: جواب القسم, وكذا على رواية سيبويه, فإن اللام في «لعمرك» لام الابتداء للتأكيد, وعمرك: مبتدأ خبره محذوف تقديره: قسمي, وجملة ما أدري: جواب القسم, والفاء لمحض السببية, يعني: ذهلت عن عند الحصيات بسبب رؤيتي تلك المحاسن, وليس عاطفة, إذ لا تشريك, وجملة: «وإن كنت داريًا» معترضة بين ما أدري, وبين معموله المعلق بالاستفهام المقدر في بسبع, والمتبادر إلى الذهن أن إن وصلية لا جواب لها. يقول: ما أدري من الذهول عد الحصيات, وإن كنت من أهل الدراية بسائر الأمور. ووقع في رواية العيني: «ولو كنت داريًا» بـ «لو» بدل «إن» , وهو بمعنى ما تقدم. ومع ظهور كون إن للوصلية لم يذكره السيوطي, وإنما قال: يحتمل أن تكون إن نافية, فيكون تأكيدًا للجملة قبلها, ويحتمل أن تكون مخففة من الثقلية, أي: وإني كنت قبل ذلك من أهل الدراية, حتى بدا لي ما ذكر فسليتها, وهذا الاحتمال عندي أظهر, هذا كلامه.

стр. 29

وفي كلا الاحتمالين نظر: أما الأول, فلأنه لا وجه للحلف على شيء لم يعرفه في الزمن الحالي, ولا الزمن الماضوي في هذا المقام, وإنما المراد أني مع كوني من أهل المعرفة, ذهلت عن عد الحصيات, بسبب اشتغال حواسي بتلك المحاسن. وأما الثاني, فلأن «إن» المخففة تلزم اللام الفارقة, فكان يلزمه أن يقول: وإن كنت لدرايا. وقوله: بسبع رمين ... الخ, الجمر كالتمر: اسم جنس يطلق على القليل والكثير, والواحد جمرة, وهي ثلاث الأولى: الجمرة التي تلي مسجد الخيف, والثانية: الجمرة الوسطى, والثالثة: جمرة العقبة, وكل واحدة ترمى بسبع حصيات, وإنما يحصل الاشتباه في الرمي بسبع أو بثمان عند الجمرة الأولى والوسطى, قال صاحب «المصباح»: وكل شيء جمعته فقد جمرته, ومنه الجمرة, وهي مجتمع الحصى بمنى, فكل كومة من الحصى جمرة والجمع جمرات, وجمرات منى ثلاث, بين كل جمرتين [نحو] غلوة سهم. انتهى. والنون في «رمين» ضمير النسوة, أراد محبوبته وصواحبها, وقال الدماميني: الضمير عائد على البنان, أو إلى المرأة وصواحبها, وقال ابن الملا الحلبي في شرحه: أتى بضمير الوجه للتعظيم, وفيه أن المعهود عند قصد التعظيم الواو, كما قال تعالى: ﴿وقال لأهله امكثوا﴾ [طه /١٠] وقال كعب بن زهير: وما سعاد غداة البين إذ رحلوا على أن في تعظيم الغائب منعًا من الرضي والتفتازاني وغيرهما بيناه مفصلًا في «حاشية شرح بانت سعاد» عند الكلام على المصراع المذكور. وروى الزبير بن بكار في أنساب قريش» البيت هكذا:

стр. 30

فوالله ما أدري وإني لحاسب ... بسبع رميت الجمر أم بثمان بضمير المتكلم في «رميت» , قال السيوطي: وهذا الوجه أوجه بلا شك, فإن الإخبار بذهوله عن فعله لشغل قلبه بما رأى, أبلغ من الإخبار بذهوله عن فعل الغير, وفيه سلامة من التأويل المذكور, وقال ابن الملا في شرحه: هذا في حيز المنع, إذا ليس في ذهول الإنسان عن فعل نفسه, وإن كان ذا خطر كثير أمر, كيف وإن وقوعه أكثر من أن يحصى! بخلاف ذهول الإنسان عن فعل الغير المتصدي لمراقبته شهودًا أو غيبة, فإن العادة تقضي, والمذهب الغرامي يوجب, أن من تصدى لمراقبة فعل الأحباب كان أبعد من أن يذهل عنه, فإذا ذهل عنه كان في حيز التعجب, هذا كلامه. أقول: كان الشاعر وحبيبته في موقف عبادة, وهي رمى الجمرات, ولم نجر عادة في عد حصيات الغير لا من عاشق ولا من غيره, وإنما محل التعجب أن يكون الإنسان في ذلك المقام متوجهًا إلى الله تعالى بالعبادة وترك ما سواه, فلشدة اشتغال باله بها ذهل عن عد الحصيات, والله تعالى أعلم. وعمر ابن أبي ربيعة هو عمر بن عبد الله بن أبي ربيعة, واسمه: حذيفة القرشي المخزومي, وهو من طبقة جرير والفرزدق وعبد الله بن قيس الرقيات, لم يكن في قريش أشعر منه, وهو كثير الغزل والنوادر, ولد ليلة الأربعاء لأربع بقين من ذي الحجة سنة ثلاث وعشرين, ومات سنة ثلاث وتسعين وترجمته في «الأغاني» طويلة. وأورد بعده, وهو الانشاد السابع: (٧) طر بت وما شوقًا إلى البيض أطرب ... ولا لعبًا مني وذو الشيب يلعب

стр. 31

وقال: أراد: أو ذو الشيب يلعب؟ وعده ابن عصفور من قبيل الضرورة كما تقدم, وقال الدماميني: هو استئناف على تقدير سؤال, كأنه قيل: ولم لا نلعب؟ فقال: أو ذو الشيب يلعب! على جهة الإنكار, فأشار إلى علة عدم اللعب, وهو كونه ذا شيب. والقائل أن يقول: لا يتعين هذا شاهدًا, على حذف الهمزة, لجواز أن يكون مما حذف فيه حرف النفي للقرينة, أي: وذو الشيب لا يلعب. انتهى. أقول: حذف لا النافية إنما يجوز في جواب القسم, وأما في غيره فإنما سمع في بيت نادر, وأما حذف «ما» النافية وأختها «إن» فلم يسمع, قال ابن الخباز: ما رأيت في كتب النحو إلا حذف لا, وقال لي شيخنا يعني ابن إياز: لا يجوز حذف ما, لأن التصرف في «لا» أكثر من التصرف في «ما» انتهى. ومع الندرة فلا ينبغي أن يخرج عليها شيء, قال ابن وحيي, ونعم ما قال: هذا احتمال بعيد, والإثبات والنفي ضدان, فإذا اعتبر مثل هذه الاحتمالات ارتفع الأمان عن اللسان, ولا يصلح الأخذ بما صدر من المكلفين من العبارات, ولا يمكن أخذ الأحكام الشرعية من الأحاديث النبوية والآيات القرآنية! وحذف حرف النفي مع وجود القرينة الظاهرة, وإن كان واردًا لكنه ليس مثل حذف حرف الاستفهام, لندور الأول وكثرة الثاني, حتى قيل: تقدير همزة الاستفهام مما يجري فيه القياس, انتهى كلامه. وأجاب الشمني بأن المصنف لم يستشهد بالبيت [على حذف

стр. 32

الهمزة] وإنما مثل به له, والمثال لا يقتضى عدم احتماله غير الممثل له, بخلاف الشاهد فإنه يقتضي ذلك والفرق بينهما أن المثال جزئي ذكر لإيضاح قاعدة, والشاهد جزئي ذكر لإثباتها, انتهى. وهذا الجواب فيه نظر فإن صريح كلام المصنف أنه شاهد كالذي قبله, فإنه في صدد الاستدلال لا التمثيل, وما أبداه من الفرق بين الشاهد والمثال صحيح في نفسه, ولا فائدة فيها هنا, إذ ما أورد على الأول وارد عليه, فيقال: إنه لا يتعين مثالًا, لاحتماله غير الممثل له, والفرق الأول إنما يصحح المثالية ولا يعنيها, والكلام في تعيين المثالية حيث انتفى تعين الشاهدية. ونقل السيوطي عن شارح «السبع الهاشميات» أنه قال: هذا خير وليس باستفهام, والمعنى: ولم أطرب شوقًا إلى البيض, ولا طربت لعبًا مني وأنا ذو الشيب, وقد يلعب ذو الشيب ويطرب, وإن كان قبيحًا به, ولكن طربي إلى أهل الفضائل والنهى, وهذا كما قال الكميت في موضع آخرك قد تفتن الكاعب الربحلة ذا الشيب ويغتر صيده اليلب يقول: فالشيخ يغتر صيده, وإن كان لا ينبغي له, انتهىز والبيت مطلع قصيدة للكميت بن زيد, مدح بها آل النبي صلى الله تعالى عليه وسلم, وهذه أبيات منها. قال الزجاجي في كتاب «الأخبار والفوائد والأشعار»: أخبرنا أبو الفضل الضرير النحوي قال: أخبرنا السياري عن الرباشي قال: قال أبو يحيى محمد بن كناسة الأسدي: قدم الفرزدق الكوفة, فاستقبله الكميت عند مسجد ابن أقيصر الأسدي, والفرزدق راكب بغلة, فقبض الكميت على عنانها وقال: يا أبا فراس, قد قلت قصيدة أحببت أن تسمعها مني, قال: هات, فأنشأ يقول:

стр. 33

طر بت وما شوقا إلى البيض أطرب ... ولا لعبًا مني وذو الشيب يلعب فقال الفرزدق: فإلى أي شيء طربت؟ فقال الكميت: ولم تلهني دار ولا رسم منزل ... ولم يتطربني بنان مخضب فقال: ويحك! فأي شيء ألهاك وأي شيء أطربك؟ فقال الكميت: ولا أنا ممن يزجر الطير همه ... أصاح غراب أم تعرض ثعلب ولا السانحات البارحات عشية ... أمر سليم القرن أم مر أعضب فنزل الفرزدق عن بغلته, واخترط سيفه ثم قال: والله لئن لم تأت بعذر لاملأنه منك! وكان يدل عليه للقرابة التي بينهما, فقال الكميت: ولكن إلى أهل الفضائل والتقى ... وخير بني حواء والخير يطلب إلى النفر البيض الذين بحبهم ... إلى الله فيما نابني أتقرب بني هاشم رهط النبي محمد ... بهم ولهم أرضى مرارًا وأغضب فأغمد الفرزدق سيفه وقال: يا ابن أخي! لقد ذهبت مذهبًا عظيمًا, وطربت إلى مطرب ما نطرب نحن إليه, وإنما نطرب إلى هذه الدراهم, فقل بملء فيك فإنك أشعر العرب! هذا آخر ما أورده الزجاجي. والطرب: خفة تصيب الإنسان لشدة حزن أو سرور, وكلاهما جائز هنا, وشوقًا: مفعول له قدم على عامله وهو أطرب, وبه رد أبو حيان على من منع تقمه, والبيض: النساء الحسان, ورسم المنزل: ما بقي من آثاره لاصقًا بالأرض, وتطر به بمعنى أطربه, والزجر: العياقة, وهو ضرب من التكهن, تقول: زجرت أنه يكون كذا, وهمه: فاعل يزجر, والطير: مفعوله, والسانح: ما مر من اليسار إلى اليمين من طير أو ظبي, والبارح عكسه, والعرب تتيمن بالسانح وتتشاءم بالبارح. والأعضب بمهملة فمعجمة: المكسور القرن.

стр. 34

وقد استشهد الرضي بعدة أبيات من هذه القصيدة, وأول موضع أورد فيه منها باب الإضافة, وهو الشاهد الثاني بعد الثلاثمائة, وقد بسطنا الكلام هناك, وذكرنا ترجمته. وولد الكميت في سنة ستين, وتوفي رحمه الله تعالى في سنة ست وعشرين ومائة. وأورد بعده, وهو الانشاد الثامن: (٨) ثم قالوا تحبها قلت بهرا ... عدد الرمل والحصا والتراب وقال: اختلفوا فيه فقيل: أراد أنحبها؟ وقيل: إنه خبر, أي: أنت تحبها, ومعنى: قلت بهرًا, قلت: أحبها حبًا بهرني بهرًا, أي: غلبني, وقيل: معناه عجبًا, ومثله كلام ابن الشجري في المجلس الرابع والثلاثين من «أماليه» , وقال المبرد في «الكامل»: قال قوم: أراد بقوله: تحبها, الاستفهام, كما قال امرؤ القيس: أحار ترى برقًا أريك وميضه فحذف ألف الاستفهام, وهو يريد: أترى برقًا؟ قالوا: أراد: أنحبها؟ وهذا القول خطأ فاحش, إنما يجوز حذف الألف إذا كان في الكلام دليل عليها, وسنفسر هذا ونذكر الصواب منه, إن شاء الله تعالى. قوله: تحبها, إيجاب عليه غير استفهام, إنما قالوا: أنت تحبها, أي: قد علمنا ذاك, فهذا معنى صحيح

стр. 35

لا ضرورة فيه, وأما قول امرئ القيس فإنما جاز, لأنه جعل الألف التي تكون في الاستفهام للنداء تنبيهًا, واستغنى بها, ودلت على أن بعدها ألفًا منوية, فحذفت ضرورة, لدلالة هذه عليها, كما قال التميمي, وهو اللعين المنقري: لعمرك ما أدري وإن كنت داريًا ... شعيث بن سهم أم شعيث بن منقر يريد: أشعيت, فدلت «أم» على ألف الاستفهام. وقال عمر ابن أبي ربيعة: لعمرك ما أدري وإن كنت داريا ... بسبع رمين الجمر أم بثمان مثل ذلك, وبيت الأخطل فيه قولان, وهو: كذبتك عينك أم رأيت بواسط ... غلس الظلام من الرباب خيالا قال: أراد أكذبتك عينك, كما قيل فيما قبله, وليس هذا بالأجود, ولكنه ابدأ متيقنًا ثم شك, فأدخل أم كقولك: إنها لإبل, ثم تشك فتقول: أم شاء يا قوم, انتهى كلام المبرد. وكتب عليه في هامشه أبو الوليد أبو علي الوقشي: قوله: وقالوا أراد: أتحبها؟ وهذا القول خطأ, بل قوله هذا هو الخطأ, وما حكوه من حذف الألف دون دليل في اللفظ عليها إلا بما يعطيه معنى الكلام معروف لهم, قال حضرمي بن عامر الأسدي يرد على من غيره أنه فرح بموت أخيه وميراثه:

стр. 36

أفرح أن أرزا الكرام وأن ... أورث ذودا شصائصا نبلا وكتب أيضًا على هامش نسخته ابن السيد البطليوسي: أكثر ما تحذف ألف الاستفهام إذا كان بعدها أم, لأن أم تدل عليها, فإذا لم تكن في الكلام لم يجز عند أكثر النحويين, وهذا هو الذي أراد أبو العباس المبرد, وقد جاء حذفها في الشعر دون ذكر أم, قال الشاعر: أفرح أن أرزأ الكرام ... البيت, انتهى. ثم قال المبرد: وقوله: بهرًا, يكون على وجهين, أحدهما: حبًا بهرني بهرًا, أي: ملأني, ويقال للقمر ليلة البدر: باهر, أي: يبهر النجوم, أي: يلمؤها, كما قال ذو الرمة: كما يبهر البدر النجوم السواريا وقال الأعشى: حكمتموه فقضى بينكم ... أبلج مثل القمر الباهر والوجه الآخر: أن يكون أراد بهرًا لكم, أي: تبًا لكم حيث تلومونني على هذا, كما قال ابن ميادة: تفاقد قومي إذ يبيعون مهجتي ... بجارية بهرًا لهم بعدها بهرا

стр. 37

انتهى. وكتب أبو الوليد في هامش نسخته: قوله بهرًا, يكون على وجهين, قال ابن دريد: يقال: بهرًا لك, كأنه يدعو عليه بالغلبة, قال الشاعر: ثم قالوا تحبها قلت بهرًا ... البيت. وقال الأصمعى: كنت أحسب قوله بهرًا من الدعاء عليه, فسمعت رجلًا من أهل مكة يقول: معناه جهرًا لا أكاتم, وقوله: يملؤها في النجوم ليس بشيء, ولا يصح له معنى معقول, وإنما هو بمعنى غلب نوره نورها, فمحا ضوؤه صغارها وخفياتها أو كاد, وبهذا فسره ابن دريد فقال: بهره الأمر يبهره بهرًا: غلبه, ومنه قيل: بهر القمر النجوم, إذا غلبها بنوره. وكتب ابن السيد البطليوسي: قال ابن الأعرابي: بهرًا بمعنى عجبًا, انتهى. وكتب الإمام مغلطاي الحافظ في هامش إحدى نسختيه: قال أبو بكر ابن السراج في «الاشتقاق»: وقالوا: «بهر» في الليالي البيض, لأن القمر يبهر فيهن ظلمة الليل, ويقال: بهرًا له, أي: عجبًا له, قال أبو بكر: هذا يقال أحسبه عن الشيء يغلب على الإنسان الجهالة به, فلا يدري ما سببه, انتهى. وأنشد الجوهري هذا البيت في «الصحاح» وفسر بهرًا بـ «عجبا» , وجزم به ابن مالك في «شرح التسهيل» وجعله مصدرًا لا فعل له, وأورد البيت شاهدًا على نصبه

стр. 38

بعامل لازم الإضمار, لأنه بدل من اللفظ بفعل مهمل لم يوضع. تتمة: أبو عمرو بن العلاء أيضًا ممن يمنع حذف همزة الاستفهام, قال المرزباني في كتاب «الموشح»: حدثني عبد الله بن محمد قال: أخبرنا إسحاق النخعي قال: حدثني ابن أخي الأصمعي عن عمه قال: قال أبو عمرو بن العلاء: عمر ابن أبي ربيعة حجة في العربية, وما تعلق عليه إلا بحرف واحد, قوله: ثم قالوا تحبها ... البيت, وكان ينبغي أن يقول: أتحبها؟ لأنه استفهام, قال: وقوله: بهرًا, أي: تعسًا. وحدثني أحمد بن عبد الله, وعبد الله بن يحيى العسكريان قال: حدثنا الحسن بن عليل قال: حدثنا علي بن إسماعيل العدوي قال: حدثنا إسحاق بن إبراهيم الموصلي عن الأصمعي قال: كان أبو عمرو بن العلاء يقول: عمر ابن أبي ربيعة حجة في العربية, وما تعلق عليه بشيء غير حرف واحد, قال أبو عمرو: وله وجه إن أراد الخبر, ولم يرد الاستفهام, وهو قوله: ثم قالوا: تحبها, ولم يقل: أتحبها, وقد روى الرواة أنه إنما قال: «قيل لي هل تحبها قلت بهرًا». وحدثني أبو عبد الله الحكيمي قال: حدثنا ثعلب قال: قال الأصمعي: قال أبو عمرو بن العلاء: عمر ابن أبي ربيعة حجة في العربية, وما تعلق عليه بشيء غير حرف واحد, وله وجه, قوله في الاستفهام: ثم قالوا تحبها, ولم يقل: أتحبها؟ قال ثعلب: وقال ابن الأعرابي: قوله بهرًا, بهركم الله! أتظنون أني ليس كذا. قال: وقال غيره: عجبًا لكم كيف تظنون بي غير هذا! وأخبرني الصولي قال: حدثنا القاسم بن إسماعيل قال: حدثنا التوزي عن أبي عمر الأسدي قال: سمعت أبا عمرو بن العلاء يقول: عمر ابن أبي ربيعة حجة في العربية, ما أخذ عليه شيء إلا قوله: ثم قالوا: تحبها, وله فيه عذر إن أراد الخبر لا الاستفهام [كأنه قال]: أنت تحبها, على وجه الإخبار, فوكد هو إخبارها بقوله, فهذا حسن.

стр. 39

وبهرًا يجوز أن يكون أراد: نعم حبًا بهرني بهرًا, ويكون بمعنى عقرًا وتعسًا, دعاء عليهم إذ جهلوا من حبه لها ما لا يجهل مثله, وأنشد أبو عمرو: لحا الله قومي إذ يبيعون مهجتي ... بجارية بهرًا لهم بعدها بهرًا قال أبو عمرو: ويكون بهرًا بمعنى حبًا ظاهرًا, من قولهم: قمر باهو. وحدثني علي بن عبد الرحمن قال: أخبرني يحيى بن علي بن المنجم عن أبيه عن الأصمعي قال: قال أبو عمرو بن العلاء: عمر ابن أبي ربيعة حجة في العربية, وما تعلق عليه إلا بهذا الحرف الواحد, قال أبو عمرو: وله وجه إن كان أراد الخبر, ولم يرد الاستفهام, لأنه إن كان أراد الاستفهام فكان ينبغي أن يقول: أتحبها؟ قال علي بن يحيى, وقال إسحاق الموصلي: بهرًا, أي: عقرًا وتعسًا, دعاء عليهم. وقال الأصمعي: بهرًا, أي: ظاهرًا, من قولهم: القمر الباهر, وأخبرني محمد بن يحيى قال: سئل ثعلب عن بهرًا فقال: بهرًا, أي: عجبًا, وقال غيره: بهركم الله, وقال بعضهم: هو من الانبهار, والانبهار أن تقول: فعلت بفلانة, ولم تفعل. هذا كلام المرزباني, ونقله برمته الشريف المرتضى في «أماليه». والبيت من قصيدة عدتها خمسة عشر بيتًا, نقلها جماعة منهم محمد بن المبارك بن محمد بن ميمون, أوردها في كتابه «منتهى الطلب من أشعار العرب» عندما أورد المختار من شعره, ومنهم الزبير بن بكار أنشدها في كتابه «أناب قريش»

стр. 40

وقال: كتب بها إلى الثريا بنت عبد الله بن الحارث العبشمية لما صرمته, ومنهم صاحب «الأغاني»: ومنهم السيد المرتضى ذكرها في «أماليه»: وأورد منها المبرد, في «الكامل» أحد عشر بيتًا, وهي: قال لي صاحبي ليعلم ما بي ... أتحب القتول أخت الرباب قلت وجدي بها كوجدك بالما ... إذا ما منعت برد الشراب من رسولي إلى الثريا فإني ... ضقت ذرعًا بهجرها والكتاب سلبتني مجاجة المسك عقلي ... فسلوها بما يحل اغتصابي أزهقت أم نوفل إذ دعتها ... مهجتي ما لقاتلي من متاب حين قالت لها أجيبي فقالت ... من دعاني قالت أبو الخطاب فاستجابت عند الدعاء كما لبى ... رجال يرجون حسن الثواب أبرزوها مثل المهاة تهادى ... بين خمس كواعب أتراب وهي ممكورة تحير منها ... في أديم الخدين ماء الشباب ثم قالوا تحبها قلت بهرًا ... عدد النجم والحصى والتراب دمية عند راهب ذي اجتهاد ... صوروها فيب جانب المحراب قوله: أتحب القتول: هي صفة مشبهة, أي: التي شأنها قتل العشاق, وزعم السيوطي أن قتول علم امرأة منقول من الوصف, يقال: امرأة قتول,
следующие страницы →