← Нахв и сарф

Нахв и сарф · id 150966

شرح أبيات مغني اللبيب

عبد القادر البغدادي

Полный текст (2 797 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

أفرح أن أرزا الكرام وأن ... أورث ذودا شصائصا نبلا وكتب أيضًا على هامش نسخته ابن السيد البطليوسي: أكثر ما تحذف ألف الاستفهام إذا كان بعدها أم, لأن أم تدل عليها, فإذا لم تكن في الكلام لم يجز عند أكثر النحويين, وهذا هو الذي أراد أبو العباس المبرد, وقد جاء حذفها في الشعر دون ذكر أم, قال الشاعر: أفرح أن أرزأ الكرام ... البيت, انتهى. ثم قال المبرد: وقوله: بهرًا, يكون على وجهين, أحدهما: حبًا بهرني بهرًا, أي: ملأني, ويقال للقمر ليلة البدر: باهر, أي: يبهر النجوم, أي: يلمؤها, كما قال ذو الرمة: كما يبهر البدر النجوم السواريا وقال الأعشى: حكمتموه فقضى بينكم ... أبلج مثل القمر الباهر والوجه الآخر: أن يكون أراد بهرًا لكم, أي: تبًا لكم حيث تلومونني على هذا, كما قال ابن ميادة: تفاقد قومي إذ يبيعون مهجتي ... بجارية بهرًا لهم بعدها بهرا

стр. 37

انتهى. وكتب أبو الوليد في هامش نسخته: قوله بهرًا, يكون على وجهين, قال ابن دريد: يقال: بهرًا لك, كأنه يدعو عليه بالغلبة, قال الشاعر: ثم قالوا تحبها قلت بهرًا ... البيت. وقال الأصمعى: كنت أحسب قوله بهرًا من الدعاء عليه, فسمعت رجلًا من أهل مكة يقول: معناه جهرًا لا أكاتم, وقوله: يملؤها في النجوم ليس بشيء, ولا يصح له معنى معقول, وإنما هو بمعنى غلب نوره نورها, فمحا ضوؤه صغارها وخفياتها أو كاد, وبهذا فسره ابن دريد فقال: بهره الأمر يبهره بهرًا: غلبه, ومنه قيل: بهر القمر النجوم, إذا غلبها بنوره. وكتب ابن السيد البطليوسي: قال ابن الأعرابي: بهرًا بمعنى عجبًا, انتهى. وكتب الإمام مغلطاي الحافظ في هامش إحدى نسختيه: قال أبو بكر ابن السراج في «الاشتقاق»: وقالوا: «بهر» في الليالي البيض, لأن القمر يبهر فيهن ظلمة الليل, ويقال: بهرًا له, أي: عجبًا له, قال أبو بكر: هذا يقال أحسبه عن الشيء يغلب على الإنسان الجهالة به, فلا يدري ما سببه, انتهى. وأنشد الجوهري هذا البيت في «الصحاح» وفسر بهرًا بـ «عجبا» , وجزم به ابن مالك في «شرح التسهيل» وجعله مصدرًا لا فعل له, وأورد البيت شاهدًا على نصبه

стр. 38

بعامل لازم الإضمار, لأنه بدل من اللفظ بفعل مهمل لم يوضع. تتمة: أبو عمرو بن العلاء أيضًا ممن يمنع حذف همزة الاستفهام, قال المرزباني في كتاب «الموشح»: حدثني عبد الله بن محمد قال: أخبرنا إسحاق النخعي قال: حدثني ابن أخي الأصمعي عن عمه قال: قال أبو عمرو بن العلاء: عمر ابن أبي ربيعة حجة في العربية, وما تعلق عليه إلا بحرف واحد, قوله: ثم قالوا تحبها ... البيت, وكان ينبغي أن يقول: أتحبها؟ لأنه استفهام, قال: وقوله: بهرًا, أي: تعسًا. وحدثني أحمد بن عبد الله, وعبد الله بن يحيى العسكريان قال: حدثنا الحسن بن عليل قال: حدثنا علي بن إسماعيل العدوي قال: حدثنا إسحاق بن إبراهيم الموصلي عن الأصمعي قال: كان أبو عمرو بن العلاء يقول: عمر ابن أبي ربيعة حجة في العربية, وما تعلق عليه بشيء غير حرف واحد, قال أبو عمرو: وله وجه إن أراد الخبر, ولم يرد الاستفهام, وهو قوله: ثم قالوا: تحبها, ولم يقل: أتحبها, وقد روى الرواة أنه إنما قال: «قيل لي هل تحبها قلت بهرًا». وحدثني أبو عبد الله الحكيمي قال: حدثنا ثعلب قال: قال الأصمعي: قال أبو عمرو بن العلاء: عمر ابن أبي ربيعة حجة في العربية, وما تعلق عليه بشيء غير حرف واحد, وله وجه, قوله في الاستفهام: ثم قالوا تحبها, ولم يقل: أتحبها؟ قال ثعلب: وقال ابن الأعرابي: قوله بهرًا, بهركم الله! أتظنون أني ليس كذا. قال: وقال غيره: عجبًا لكم كيف تظنون بي غير هذا! وأخبرني الصولي قال: حدثنا القاسم بن إسماعيل قال: حدثنا التوزي عن أبي عمر الأسدي قال: سمعت أبا عمرو بن العلاء يقول: عمر ابن أبي ربيعة حجة في العربية, ما أخذ عليه شيء إلا قوله: ثم قالوا: تحبها, وله فيه عذر إن أراد الخبر لا الاستفهام [كأنه قال]: أنت تحبها, على وجه الإخبار, فوكد هو إخبارها بقوله, فهذا حسن.

стр. 39

وبهرًا يجوز أن يكون أراد: نعم حبًا بهرني بهرًا, ويكون بمعنى عقرًا وتعسًا, دعاء عليهم إذ جهلوا من حبه لها ما لا يجهل مثله, وأنشد أبو عمرو: لحا الله قومي إذ يبيعون مهجتي ... بجارية بهرًا لهم بعدها بهرًا قال أبو عمرو: ويكون بهرًا بمعنى حبًا ظاهرًا, من قولهم: قمر باهو. وحدثني علي بن عبد الرحمن قال: أخبرني يحيى بن علي بن المنجم عن أبيه عن الأصمعي قال: قال أبو عمرو بن العلاء: عمر ابن أبي ربيعة حجة في العربية, وما تعلق عليه إلا بهذا الحرف الواحد, قال أبو عمرو: وله وجه إن كان أراد الخبر, ولم يرد الاستفهام, لأنه إن كان أراد الاستفهام فكان ينبغي أن يقول: أتحبها؟ قال علي بن يحيى, وقال إسحاق الموصلي: بهرًا, أي: عقرًا وتعسًا, دعاء عليهم. وقال الأصمعي: بهرًا, أي: ظاهرًا, من قولهم: القمر الباهر, وأخبرني محمد بن يحيى قال: سئل ثعلب عن بهرًا فقال: بهرًا, أي: عجبًا, وقال غيره: بهركم الله, وقال بعضهم: هو من الانبهار, والانبهار أن تقول: فعلت بفلانة, ولم تفعل. هذا كلام المرزباني, ونقله برمته الشريف المرتضى في «أماليه». والبيت من قصيدة عدتها خمسة عشر بيتًا, نقلها جماعة منهم محمد بن المبارك بن محمد بن ميمون, أوردها في كتابه «منتهى الطلب من أشعار العرب» عندما أورد المختار من شعره, ومنهم الزبير بن بكار أنشدها في كتابه «أناب قريش»

стр. 40

وقال: كتب بها إلى الثريا بنت عبد الله بن الحارث العبشمية لما صرمته, ومنهم صاحب «الأغاني»: ومنهم السيد المرتضى ذكرها في «أماليه»: وأورد منها المبرد, في «الكامل» أحد عشر بيتًا, وهي: قال لي صاحبي ليعلم ما بي ... أتحب القتول أخت الرباب قلت وجدي بها كوجدك بالما ... إذا ما منعت برد الشراب من رسولي إلى الثريا فإني ... ضقت ذرعًا بهجرها والكتاب سلبتني مجاجة المسك عقلي ... فسلوها بما يحل اغتصابي أزهقت أم نوفل إذ دعتها ... مهجتي ما لقاتلي من متاب حين قالت لها أجيبي فقالت ... من دعاني قالت أبو الخطاب فاستجابت عند الدعاء كما لبى ... رجال يرجون حسن الثواب أبرزوها مثل المهاة تهادى ... بين خمس كواعب أتراب وهي ممكورة تحير منها ... في أديم الخدين ماء الشباب ثم قالوا تحبها قلت بهرًا ... عدد النجم والحصى والتراب دمية عند راهب ذي اجتهاد ... صوروها فيب جانب المحراب قوله: أتحب القتول: هي صفة مشبهة, أي: التي شأنها قتل العشاق, وزعم السيوطي أن قتول علم امرأة منقول من الوصف, يقال: امرأة قتول,

стр. 41

أي: قاتلة, قال شارح «المغني» ابن الملا: وهذا إنما يتم ها إذا ثبت أن لها علمين: الثريا والقتول, و «أل» على هذا للمح الوصف, قال المبرد: قوله: قلت وجدي بها ... البيت معنى صحيحو وقد اعتوره الحكماء وكلهم أجاد فيه, وقوله: إذا منعت برد الشراب, يريد: عند وقت الحاجة إليه, وبذلك صح المعنى. ويروى عن علي بن أبي طا لب رضي الله تعالى عنه أن سائلا سأله فقال: كيف كان حبكم لرسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم؟ فقال: كان والله أحب إلينا من أموالنا وأولادنا وآبائنا وأمهاتنا, ومن الماء البارد على الظمأ. وقال آخر: لئن كان برد الماء حران صاديًا ... إلي حبيبًا إنها لحبيب وقال القطامي: فهن ينبذن من قولٍ يصبن به ... مواقع الماء من ذي الغلة الصادي وقوله: ضقت ذرعًا .. الخ, أي: صبرًا وطاقة, وأصل الذرع بسط اليد, وهو تمييز محول عن الفاعل, وقوله: والكتاب, الواو: للقسم, والكتاب: القرآن الكريم, وقوله: سلبتني مجاجة المسك: فاعل سلبتني, وعقلي مفعوله, وروي بدله «لبي» لمعناه, وقوله: بما يحل, ما: استفهامية, وثبت ألفها, والكثير حذفه, وقوله: أزهقت .. الخ, أي: أبطلت وأذهبت, ومهجتي: تنازعه أزهقت الطالب للمفعول, ودعتها الطالب للفاعل, والمتاب: التوبة, والمصدر إذا كان بزيادة الميم من فعل يفعل من باب نصر, فهو على مفعل, قال تعالى: ﴿فإنه يتوب إلى الله متابا﴾ [الفرقان/٧١].

стр. 42

وأبو الخطاب: كنية عمر ابن أبي ربيعة, وقوله: أبرزوها مثل المهاة, هي البقرة في هذا الموضع, وتشبه بالبقرة الوحشية لحسن عينيها ولمشيها, وتكون المهاة البلورة في غير هذا الموضع, قاله المبرد. وتهادى: أصله تتهادى بتاءين من التهادي, وهو التمايل في المشية, وقال المبرد: قوله تهادى: يهدي بعضها بعضًا في مشيتها, ومشية البقرة تستحسن, وقوله: بين خمس, صوابه: بين ست, لأن بعده: بين أسماء والخلوب وريا ... وسليمى وزينب والرباب وقوله: الكواعب جمع كاعب, وهي التي قد كعب ثديها للنهود, والأتراب: المستويات في السن والولادة, جمع ترب, بكسر أوله, وقوله: وهي ممكورة, قال المبرد: هي المكتنزة, وروى بعضهم: «وهي مكنونة» أي: مستترة في الخباء ونحوه, وتحير: اجتمع مترددًا, وأديم الخدين: جلدهما, والمراد بماء الشباب: نضارته ورونقه, وقوله: عدد النجم: منصوب بـ «أحبها» المقدر, أو صفة لبهرًا على أنه مصدر مؤكد لبهوني, قال المبرد: فيه قولان, أحدهما: أنه أراد بالنجم النجوم, فوضع الواحد في موضع الجمع, لأنه للجنس, كما تقول: أهلك الناس الدرهم والدينار, والوجه الآخر: أن يكون النجم ما نجم من النبتو وهو ما لم يقم على ساق, واليقطين: ما انتشر على وجه الأرض, قال الله تعالى: ﴿والنجم والشجر يسجدان﴾ [الرحمن /٦] وقوله: دمية, أي: هي كدمية – بضم الدال – الصورة من العاج, وقوله: في جانب المحراب, هو صدر المجلس, وأشرف موضع فيه, وروى الجاحظ في كتاب «المحاسن والأضداد»: في «مذبح المحراب». والمذبح, بالذال المعجمة بعدها باء موحدة فحاء مهملة كجعفر, قال صاحب «الصحاح»: المذابح: المحاريب,

стр. 43

سميت بذلك للقرابين, قال السيوطي: فإضافته بيانية, وفي «القاموس»: المذابح: المحاريب والمقاصير وبيوت كتب النصارى. قال السيد المرتضى في «أماليه»: الثويا هذه التي عناها عمر أموية, وقد اختلف في نسبها فقيل: إنها الثريا بنت عبد الله بن الحارث بن أمية الأصغر ابن عبد شمس, وقيل: إنها بنت علي بن عبد الله بن الحارث بن أمية الأصغر, وذكر الزبير بن بكار أنها بنت عبد الله بن محمد بن عبد الله بن الحارث بن أمية الأصغر, وأنها أخت محمد بن عبد الله المعروف بأبي جراب العبلي. وأخبرنا أبو عبيد الله المرزباني بسنده إلى مؤمن بن عمر بن أفلح قال: أخبرني بلال بن أبي عتيق في حديث طويل لعمر ابن أبي ربيعة مع الثريا, اختصرناه وأوردنا بعضه قال: لما سمع ابن أبي عتيق قول عمر: «من رسولي إلى الثريا» قال: إياي أراد وبي نوه, لا جرم, والله لا أذوق أكالًا حتى أشخص إليه لأصلح بينهما, فاكترى راحلتين من بني الديل وأغلى لهم, فقلت له: استوضعهم شيئا أو دعني أماكسهم, فقد اشتطوا! فقال لي: ويحك! أما علمت أن المكاس ليس من خلق الكرام, وركب إحداهما, وركبت الأخرى, فسار سيرًا شديدًا فقلت له: ارفق على نفسك فإن ما تريد لا يفوتك, فقال: ويحك «أبادر حبل الود أن يتقضبا» وما ملح الدنيا إلا أن يتم الصدع بين عمر والثريا, فأتينا مكة ليلًا غير محرمين, فدق على عمر بابه, فخرج إليه فسلم عليه, فما نزل ابن أبي عتيق عن راحلته, وقال لعمر: اركب أصلح بينك وبين الثريا, فأنا رسولك الذي سألت عنه. فركب معه فقدمنا الطائف, فقال ابن أبي عتيق للثريا: هذا عمر قد جشمني السفر من المدينة, فجئتك به معترفًا بذنب لم يجنه, معتذرًا من إساءتك إليه, فدعيني من التعداد والترداد, فإنه من الشعراء الذين يقولون

стр. 44

ما لا يفعلون, فصالحته أحسن صلح, وكررنا راجعين إلى المدينة, ولم يقم ابن أبي عتيق بمكة ساعة واحدة. وفي الثريا يقول عمر أيضًا لما تزوجها سهيل بن عبد الرحمن المكتني بأبي الأبيض, وقيل: بل تزوجها سهيل بن عبد العزيز بن مروان: أيها المنكح الثريا سهيلًا ... عمرك الله كيف يلتقيان هي شامية إذا ما استقلت ... وسهيل إذا استقل يمان انتهى كلام الشريف المرتضى, قدس الله تعالى روحهز وقد أورد الجاحظ هذه الحكاية في كتاب «المحاسن والأضداد» وصاحب كتاب «الأغاني» على غير هذا الأسلوب, والله تعالى أعلم بحقيقة الحال, وترجمة عمر ابن أبي ربيعة تقدمت في الإنشاد السادس. وأورد بعده, وهو الإنشاد التاسع: (٩) أحياو أيسر ما قاسيت ما قتلا ... والبين جار على ضعفي وما عدلا وقال أحيا: فعل مضارع, والأصل: أأحيا, فحذف همزة الاستفهام, والواو للحال. تقدير الهمزة في هذا البيت لم يذهب إليه أحد غير ابن الحاجب قال في «أماليه»: يجوز أن يكون أحيا فعلًا مضارعًا حذف منه همزة الاستفهام للإنكار, وتقديره: أأحيا وأيسر ما قاسيت ما قتل؟ ! أي: كيف أحيا وهذه حالي! فيكون قوله: وأيسر ما قاسيت, جملة في موضع الحال, أو جملة معطوفة

стр. 45

قرر بها الجهة التي من أجلها أنكر الحياة ونفاها, لأنه إذا كان أيسر ما لاقاه قائلا كان غير حي. انتهى. والمصنف وإن وافقه في تقدير همزة الاستفهام, لكنه خالفه في جعل الاستفهام للتعجب, ولهذا قال: والمعنى التعجب من حياته مع تحمله لأعباء الهوى, وصبره على النوى مع شدة جوره عليه, ولم يجعله للإنكار, لأن الاستفهام الإنكاري في معنى النفي, ومع نفي الحياة لا يلتئم قوله: «والبين جار على ضعفي وما عدلا». ولا جوز ابن الحاجب تقدير الهمزة في «أحيا» , وجوز أن يكون «أحيا» أفعل التفضيل, ورأى أن المصراع الثاني لا يناسب الإنكار قال: قوله والبين جار على ضعفي يقوي الوجه الثاني, لأن الوجه الأول الذي أنكر فيه كونه حيًا لا يحسن أن يذكر بعده أن البين جار على ضعفه, وبالتقدير الثاني لا يلزم ذلك, لأنه لم يتعرض إلا لشدة ما قاساه, وأن غيره يهلك بأقله, لا أنه هلك, وإنما أشار فيه إلى صبره وقوته على ما لقيه. انتهى. وغالب شراح شعر المتنبي حملوا أحيا على أنه خبر لا إنشاء, وهو الأجود, قال الواحدي: أخبر عن نفسه بالحياة مع أن أقل ما يقاسيه من شدائد الهوى قاتل, يقول: أقل وأهون ما قاسيت قاتل, وأنا مع ذلك أحيا! والفراق جار على ضعفي حين فرق بيني وبين أحبتي, وكنت ضعيفًا بمقاساة الهوى, ولم يعدل حين ابتلاني ببعدهم. انتهى كلامه. وقال ابن الشجري في «أماليه» أحيا: فعل متكلم, والجملة التي هي أيسر وخبره في موضع نصب على الحال من المضر في «أحيا» , أي: أعيش, وأقل ما قاسيت, وأهون ما قاسيت ما قتل غيري, أخبر بحياته في هذه الحال كالمتعجب, وحقيقة المعنى: كيف أعيش وأهون الأشياء التي قاسيتها في الهوى الشيء الذي قتل المحبين؟ ! انتهى كلامه, فأفاد رحمه الله تعالى أن المراد من الجملة الخبرية هنا التعجب, فإن الجمل الخبرية قد وردت كثيرًا لأغراض سوى

стр. 46

الإخبار, كإظهار التحزن وإظهار التحسر, قال الصفوي في «شرح الفوائد الغيائية»: وقال الأبهري: وقد يكون للتعجب والتعجيب والاستعطاف, أو للمجازاة بالسوء, إلى أن قال: وحيث لم يرد به الإخبار, فصرح العلامة بأنه مجاز, وسنحققه إن شاء الله تعالى. وأراد بالعلامة: سعد الدين التفتازاني. وجوز ابن الحاجب أن يكون أحيا أفعل التفضيل, قال: ويجوز أن يكون أحيا من باب أفعل التفضيل, حذف المضاف إليه استغناء عنه بما عطف عليه مما شرك بينه وبينه فيه, كأنه قال: أحيا ما قاسيت وأيسر ما قاسيت, فحذف المضاف إليه من الأول استغناء عنه بالثاني, أو حذف المضاف إليه من الثاني استغناء عنه بالأول, ثم أخر ليعتمد الثاني عليه من حيث اللفظ, كما في قولك: نصف وربع درهم, ويكون مبتدأ خبره «ما قتل» إن كانت «ما» في: ما قاسيت, بمعنى الذي, على القول بأن أفعل التفضيل يكتسب تعريفًا بالإضافة, وعلى القول بأن المعرفة تتعين بتقدمها للابتداء وإن كانت مشتقة, أو يكون خبرًا مقدمًا على القول بأن المشتق يتعين للخبر وإن كان معرفة ومقدمًا, فإن كانت ما بمعنى شيء, فخبر مبتدأ باتفاق. وأما أحيا باعتبار المعنى, فيجوز أن يكون مأخوذًا من حي الشيء: إذا كانت فيه حياة, كأنه قال: أظهر شيء فيه حياة مما قاسيته يقتل, ويجوز أن يكون مبنيًا من: أحييته إذا جعلته حيًا, كأنه قال: أظهر شيء يحيا قاسيته يقتل, والمقصود يحصل من المعنيين جميعًا, هذا كلامه برمته, وتكلفه ظاهر, ولهذا قال شيخنا الشهاب الخفاجي: وأما كونه اسمًا تفضيليًا فركيك. ونقل ابن الملا في شرحه عن ابن الحاجب ما لم يقله قال: وعن ابن الحاجب في «أماليه» وجهان آخران, أحدهما: أن يكون الكلام خبرًا, أي: أعيش والحال أن أيسر ما قاسيت أمات غيري, كأنه يشير بذلك إلى تجلده وصبره على شدائد الحب بالنسبة إلى غيره, وثانيهما: أن يكون أحيا أفعل التفضيل, وفي الكلام تقديم وتأخير وحذف مضاف إليه, والأصل: ما قتل أحيا ما قاسيت وأيسر ما قاسيت, ولا يخفى ما في هذا الثاني من التكلف, والتزام أن يوجه قوله:

стр. 47

ما قتل غيره أحيا ما قاساه, أي: أشد حياة, كما أنه أيسره وأسهله يجعل الحياة مجازًا عن لازمها الذي هو كون صاحبها مألوفًا لا ينفر عنه, فيرجع أحيا ما قاساه وأيسره إلى ما هو المألوف منه جدًا له, وما هو السهل منه جدًا عليه, نعم, إن جعل أحيا أفعل تفضيل من الإحياء على الشذوذ, حتى يكون المعنى: ما قتل غيري من الهوى أشدما قاسيته إحياء لي وأيسره علي, هان الخطب. انتهى كلامه, ومن خطه نقلت, أما الأول فلم يذكره ابن الحاجب, وأما الثاني فلم يقف على كلامه حتى يفهم مراده. تتمة: قال ابن الشجري: إن قيل: كيف كرر المعنى في قوله: والبين جار على ضعفي وما عدلا, لأنه أثبت للبين الجور, وفى عنه العدل, والمعنى فيهما واحد؟ فالجواب: إن الجائر في وقت قد يعدل في وقت آخر, فيوصف بالجور إذا جار, وبالعدل إذا عدل, وشبيه بذلك في التنزيل قوله تعالى في وصف الأوثان: ﴿أموات غير أحياء﴾ [النحل/٢١] فوصفها بأموات قد دل على أنها غير أحياء, والمعنى: أنها أموات لا تحيى في مستقبل الأزمان, كما يحيى الناس عند قيام الساعة, انتهى. أقول: يحتمل أنه من العدول, أي: جار علي ولم يفارقني. وهذا البيت مطلع قصيدة للمتبني قالها أول صباه, وهو من الشعراء المحدثين الذين لا يصح الاستشهاد بكلامهم, وإنما أورده المصنف لزيادة إفادة, ولأن العلماء قد بحثوا فيه فاقتدى بهم, وبحث معهم, وكذا الحال في سائر ما أورده في هذا الكتاب من شعره. والمتبني هو: أبو الطيب أحمد بن الحسين الكوفي الكندي, ولد بالكوفة في سنة ثلاث وثلاثمائة إلى محلة تعرف بكندة, فيها ثلاثة آلاف بيت من بين رواء ونساج, واختلف إلى كتاب فيه أولاد أشراف الكوفة, فكان يتعلم دروس العاوية شعرًا ولغة وإعرابًا, وقال الشعر في صباه, واشتهر صيته في الآفاق,

стр. 48

ورزق السعادة في شعره, ومات مقتولًا في الطريق في سنة أربع وخمسين وثلاثمائة. وأنشد بعده, وهو الانشاد العاشر: ألا اصطبار لسلمى أم لها جلد هذا صدر بيت وعجزه: إذا ألاقي الذي لاقاه أمثالي على أن همزة الاستفهام دخلت على لا النافية للجنس, والاصطبار: افتعال من الصبر, وقوله لسلمى: خبر لا النافية, وروي بدله «لليلى» والجلد بفتحتين: الجلادة, وهو التثبت عند المصيبة. وأم هنا: متصلة, وكان الظاهر أن يقول: أم لا, لكنه تفنن, وإذا: ظرف لجلد, لا لاصطبار, لأنه كان ينون, وأراد بالذي لاقاه أمثاله: الموت, وأراد بأمثاله: العشاق, يقول: أتحزن علي سلمى إذا مت أم لا؟ وكنى عن الموت ولم يصرح به حذرًا من تألمها. وهذا البيت استشهد به جميع شراح الألفية وغيرهم, وقد أعاده المصنف في بحث «ألا» بالفتح والتخفيف. وأنشد بعده, وهو الانشاد الحادي عشر: (١١) ألستم خير من ركب المطايا ... وأندى العالمين بطون راح على أن الهمزة فيه للإنكار الإبطالي, فإن كان ما بعدها نفيًا كما هنا لزم ثبوته, لأن نفي النفي إثبات, وبهذا صار البيت مدحًا. قال ابن الشجري في المجلس الرابع والثلاثين في «أماليه»: معناه: أنتم خير من ركب المطايا, فذلك قال عبد الملك حين أنشده هذا البيت: نحن كذلك. ولو قال: جرير عرى جهة

стр. 49

الاستخبار لم يكن مدحًا, وكيف يكون هذا استفهامًا وقد جعل الرواة لهذا البيت مكانًا عليًا, حتى قال بعضهم: هو أمدح بيت! انتهى. وهو من قصيدة مدح بها عبد الملك بن مروان مطلعها: أتصحو بل فؤادك غير صاح ... عشية هم صحبك بالرواح إلى أن قال بعد ستة أبيات: تعزت أم حزرة ثم قالت ... رأيت الموردين ذوي لقاح تعلل وهي ساغبة بنيها ... بأنفاس من الشبم القراح سأمتاح البحور فجنبيني ... أذاة اللوم وانتظري امتياحي ثقي بالله ليس له شريك ... ومن عند الخليفة بالنجاح أغثني يا فداك أبي وأمي ... بسيب منك إنك ذو ارتياح فإني قد رأيت علي حقًا ... زيارتي الخليفة وامتداحي سأشكر إن رددت على ريشي ... وأثبت القوادم في جناحي ألستم خير من ركب المطايا ... وأندى العالمين بطون راح وقوم قد سموت لهم فدانوا ... بدهم في ململمة رداح أبحت حمى تهامة بعد نجدٍ ... وما شيء حميت بمستباح وبقي بعد هذا ستة أبيات, قال جامع شعر جرير محمد بن حبيب عن محمد ابن زياد الأعرابي عن عمارة بن بلال بن جرير: كان جرير عند الحجاج بالعراق,

стр. 50

وكان قد آمنه بعدما أخافه, فأوجهه الحجاج, وملأ بمدحه الأرض, وبلغ أهل الشام وأمير المؤمنين ورواة الناس, ثم إن الحجاج أوفده مع ابنه محمد عاشر عشرة من وجوه أهل العراق, وذلك بعدما أجازه بعشرة من الرقيق وأموال كثيرة, قال: فقدمنا على عبد الملك, فلما حضرنا الباب دخل محمد على عبد الملك, فخطب بين يديه, ثم أجله على سرير عند رجليه, ثم دعانا رجلًا رجلًا, وكلنا له خطبة, فجعل كلما تكلم رجل قطع خطبته, وتكلم جرير فقطع خطبته, وقال: من هذا يا محمد؟ فقال: هو جرير بن الخطفى, قال أمادح الحجاج؟ قلت: نعم, ومادحك يا أمير المؤمنين, فأذن لي أنشدك, أبقاك الله تعالى, وقال: بل هات بالحجاج, فاندفعت في قولي: إذا سعر الخليفة نار حربٍ ... رأى الحجاج أثقبها شهابا قال صدقت, هو كذا. قال: ووراني الأخطل جالسًا في الحلقة لا أراه, ثم قال: هات للحجاج, فأنشدته: طر بت لعهدٍ هيجته المنازل ... وكيف تصا بي المرء والشيب شامل قال: فما نزعت عنيا حتى خيل لي في وجه الخليفة الغضب, ثم قال: هات للحجاج فأنشدته: من سد مطلع النفاق عليهم ... أم من يصول كصولة الحجاج

стр. 51

أم من يغار على النساء حفيظة ... إذ لا يثقن بغيرة الأزواج قال: فتكلم الأخطل, وقال: فأين أمير المؤمنين يا ابن المراعة؟ ! قال: فعرفت أنه الأخطل, فقلت له: اخسأ, ومضيت فيها حتى أنشدته كلها, فقال عبد الملك: اجلس, فجلست, وقال: قم يا أخطل هات مديح أمير المؤمنين, فقام حذائي فأنشد, فقال: أجدت, أنت مادحنًا وأنت شاعرنا! اركبه, قال: فرمى بردائه وكشف قميصه عن منكبيه, ووضع يده على عنقي, فقلت: يا أمير المؤمنين النصراني الكافر لا يظهر على المسلم ولا يركبه! فقال أهل المجلس: صدق يا أمير المؤمنين, فقال: دعه. وانتفض المجلس وخرجنا, فدخل الوفد عليه ثمانية أيام مع محمد, وفي كلهن أحجب ولا أدخل, ثم دخلوا في اليوم التاسع فأخذوا جوائزهم, ثم تهيؤوا اليوم العاشر للدخول, وتجهزوا للرحيل, فقال محمد: يا أبا حزرة! مالي لا أراك تجهز؟ قلت: كيف والخليقة علي ساخط؟ ما أنا ببارح أو يرضى عني! قال: فلما دخل بودعه قال: يا أمير المؤمنين إن ابن الخطفى مادحك وشاعرك, ومادح الحجاج سيفك ويمينك, وقد لزمتنا منه ذمام, فإن رأيت, وقد أبى أن يخرج معنا وأنت عليه ساخط - أن تأذن له أن يودعك ويخرج معنا فعلت, فأن له, فلما سلمت عليه ودعوت له قال: إنما أنت للحجاج قال: قلت: ولك يا أمير المؤمنين, وإنما الحجاج سيفك ويمينك, فأذن, فسكت ولم يأذن, فاندفعت فقلت: أتصحو بل فؤادك غير صاح حتى فرغت منها, وعرفت أني إن لم أخرج بجائزة منه كان إسقاطي أبدًا, قال: فقال: بل فؤادك! قال: ومضيت فيها حتى بلغت للشكوى لأم حزرة وبينها, وأتيت على قولي:

стр. 52

ألستم خير من ركب المطايا ... وأندى العالمين بطون راح قال: فضحك وجعل يقول: كذاك نحن, قال: فردها علي, فرددتها عليه, فقال: ويحك أتراها ترويها مائة من الإبل؟ قال: قلت: نعم إن كانت نم نعم كلب, قال: وقد رأيت خمسمائة فريضة من نعم كلب مخضبة ذراها ثنيًا وجذعًا تهيأ للخول, فقال: أخرجوها من الفرائض التي جاءت من نعم كلب مائة من عرض ولا ترذلوها, قال: فشكرت له وفديته, وتشكر له أصحابي ومن شهدني من العرب, ثم قلت: يا أمير المؤمنين إنما نحن أسياخ من أهل العراق, وليس في واحد منا فضل عن راحلته, وإنما الإبل أباق, قال: فنجعل لك أثمانها؟ قال: قلت: لا, ولكن الرعاء يا أمير المؤمنين, قال: فنظر إلى جنبتيه, وقال لجلسائه: كم يجزئ لمائة من الإبل؟ فتكلموا على قدر الركاب والظهر, فقالوا: ثمانية, فأمر لي بها, أربعة صقالبة, وأربعة نوبة. قال: وإذا بعض الدهاقين قد أهدى إليه ثلاث صحفات فضة, فهن بين يديه يقرعهن بخيزرانة, قال: قلت: المحلب يا أمير المؤمنين, جعلني الله فداك! قال: فدفع إلي إحداهن فقال: خذها, لا نفعتك, قلت: بلى, كل ما نلت منك نافع أبقاك الله, ونصرفنا وودعنا. وقد كتب محمد يوم ودعنا, وأبرد إلى أبيه بالحديث كله, فلما قدمنا على الحجاج قال: أما والله يا ابن الخطفى, لولا أن يبلغ أمير المؤمنين فيجد علي في نفسه لأعطيتك مثلها, ولكن هذه خمسون وأعمالها حنطة تأتي بها أهلك وتميرهم ما عليها, فشكرت له ودعوت, وأمر بأقتابها وأحبالها وأحلاسها وجواليقها من العباء القطواني, وهو مما ينتفع به أهل البادية, قال: فخرجت من الغد محملة كما أمر بها إلى الحي, فإلى هذا يشير قوله: أعطوا هنيدة يحدوها ثمانية ... ما في عطائهم من ولا سرف

стр. 53

انتهى. وقوله: أتصحو ... الخ, هذا تجريد خاطب به نفسه بالاستفهام, ثم أضرب عن الاستفهام فقال: بل فؤادك غير قابل للصحو, وأراد بالعشية هنا, مطلق الزمان, وهو ظرف لصاح, وقوله: تعزت أم حزرة, أي: تصبرت على قلة اللقاح, وأم حزرة, بفتح الحاء المهملة وسكون الزاء المعجمة بعدها راء مهملة: امرأة جرير, وافقت كنيتها كنيته, واللقاح: جمع لقحه, بكسر لامهما, وهي الناقة ذات اللبن, وقال ثعلب: اللقاح جمع لقحة, وإن شئت لقوح, وهي التي نسجت, فهي لقوح سهرين أو ثلاثة, ثم هي لبون بعد ذلك, والموردون: الذين يوردون إبلهم الماء, وتعلل: تلهى, وساغبة: جائعة, والأنفاس: جمع نفس بفتحتين, وهو من الماء ما كان مرويًا كافيًا, والشم بكسر الموحدة: البارد, يقال: شم الماء, من باب فرح, إذا برد, والقراح بالفتح: الماء الخالص الذي لم يخلط به لبن ولا غيره. وقوله: سأمتاح البحور, أي سأستسقي, وهو مثل, والبحور كناية عن الملوك, وقال ابن حبيب: الميح: العطاء, يقال: ماحه يميحه ميحًا, وامتحت فلانًا واستمحته بمعنى واحد, وقوله: يا فداك أبي, المنادى محذوف, أي: يا أمير المؤمنين, وجملة: فداك أبي, دعاء له, والسيب: العطاء, والارتياح: الخفة للعطاء. وقوله: فإني قد رأيت علي حقًا أي: رأيت من الحق علي أن أزور الخليفة, وأمتدحه, والقوادم: العشر الريشات في الجناح, وما فوق ذلك الحوافي, شبه نفسه مجردة من الأموال بطائر تساقط ريشه, فهو يعجز عن بلوغ مراده, وشبه الإنعام عليه بالمال بإراشة ذلك الطائر, وقد كنى بذلك عن إصلاح حاله, والمطايا: جمع مطية, وهي الناقة السريعة من مطا يمطو, إذا جد في السير وأسرع, والراح جمع راحة: الكف, وأندى:

стр. 54

أجود, أفعل تفضيل من الندى, قال صاحب «المفتاح»: الندى أصل المطر, وهو مقصور يطلق لمعان, ويقال: أصابه ندى من طل, ومن عرق, وندى الخير, وندى الشر, وندى الصوت .. إلى أن قال: وفلان أندى من فلان, أي: أكثر فضلا وخيرًا, وبطون راح: تمييز من فاعل أندى محول عن الفاعلية, ونسبة الندى إلى البطون, لأن العطاء كثيرًا ما يكون بها, والخطاب في قوله: ألستم, لعبد الملك وآبائه, ويجوز أن يكون الجمع لتعظيم المخاطب الواحد, خلافًا للرضي والتفتازاني في منعهما ذلك. وقوله: وقوم قد سموت .. الخ, أي: ورب قوم, وسموت: علوت, ودانوا: أطاعوا من الدين وهو الإطاعة, والدهم بفتح الدال: الجيش الكثير, والململمة: الكثيرة المجتمعة, والرداح بالفتح: الضخمة, وقوله: أبحت حمى تهامة, يريد: عبد الله بن الزبير وقتله إياه, وغلبته على ما في يديه, ويأتي, إن شاء الله تعالى, شرحه في الباب الرابع. وجرير من الطبقة الأولى من شعراء الإسلام, وهو جرير بن عطية بن الخطفى – بفتحات – سمي الخطفى بشعر قاله, واسمه حذيفة بن بدر بن سلمة بن عوف بن كليب بن يربوع بن مالك بن زيد مناة بن تميم, وإليه المنتهى وإلى الفرزدق في حسن النظم, قال محمد بن سلام: ذاكرت مروان بن أبي حفصة فيهما فقال: ذهب الفرزدق بالفخار وإنما ... حلو القريض ومره لجرير ومات جرير بعد الفرزدق بشهر من السنة العاشرة بعد المائة, وقد بسطت ترجمته في أول شرح شواهد الرضي.

стр. 55

وأنشد بعده, وهو الانشاد الثاني عشر, وهو من شواهد سيبويه: (١٢) أطربا وأنت قنسري ... والدهر بالإنسان دواري استشهد به سيبويه, قال ابن خلف في «شرح شواهد سيبويه»: الشاهد فيه انتصاب قوله: أطربًا, بفعل مضمر دل عليه الاستفهام. لأنه بالفعل أولى, والتقدير: أتطرب طربًا؟ وإنما ذكر المصدر دون الفعل لأنه أعم وأبلغ في المراد, قال أبو .. : همزة الاستفهام فيه للإثبات والتقرير والتوبيخ, ومن ههنا عودل بها أم, لأن أم يثبت بها الشيء مبهمًا, فلما تشابها من باب الإثبات وقعا معًا موقع أي, قال: لا يعادل أم سوى الألف, فيكون معه بمنزلة أيهما, وإنما جاز ذلك في الألف, ولم يجز في هل, لأن الألف قد تقع حيث يراد الإثبات والتقرير, ولا يراد التفهم والاستعلام, كمال قال تعالى: ﴿أليس الله بكافٍ عبده﴾ [الزمر /٣٦] يريد التقرير, فلما كانت في الاستفهام بالألف وأم مدعيًا لأحد الشيئين أو الأشياء مثبتًا له, لم يجز أني قع بما سوى الألف لذا المعنى, بخلاف هل, لأنك لا تقرر بها إنما تستقبل بالاستفهام, فلو قلت: هل طوبًا, لم يجز, فأما قوله تعالى: لآهل يسمعونكم إذ تدعون﴾ [الشعراء /٧٢] فإنما هو إرشاد لا تقرير, ليكون ذلك داعية إلى النظر, ولو كان بالألف لجاز أن يظن بهم السماع والمتابعة على ذلك, وإن مخرج الكلام على التقرير والإنكار فقط, ومثل الآية قوله تعالى: ﴿هل في ذلك قسم لذي حجر﴾ [الفجر/٥]. وزعم الفراء أن هل استعملت في الإثبات, واحتج بقول الله تعالى: ﴿هل في ذلك قسم﴾ و ﴿هل أتى على الإنسان

стр. 56

حين﴾ [الإنسان /١] وهذا إرشاد وتنبيه, لينظروا. وكذلك إظهار التشكك في قصة إبراهيم ﵇, وإنما هو تنبيه وإرشاد, لا تقرير, ليكون ذلك داعية إلى النظر, قال سيبويه: إنما أراد أتطرب, أي: أنت في حال طرب, ولم يرد أن يخبر عما مضى, ولا عما يستقبل. والطرب: خفة تصيب الإنسان عند الفرح أو الجزع, وهو هنا في الجزع, لأن قبله: بكيت والمحتزن البكي ... وإنما يأتي الصبا الصبي قال أبو الحسن: يقال للسن: فنسري, ولم يسمع به إلا في شعر العجاج, وقوله: دواري أراد به: دوار, وأدخل عليه ياء النسب, والدوار: الذي يدور بالناس من حالة إلى حالة, انتهى كلام ابن خلف. وقوله: إنما أراد أتطرب ... الخ, أشار إلى أن الفعل المقدر زمنه حالي, وقوله: أي أنت في حال طرب, أشار إلى أنه متلبس بالطرب, وهذا مما يوبخ عليه إذ حقه أن لا يستفزه الحزن, لأن من حنكته التجارب ينبغي أن يكون متثبتًا لدى الشدائد. واستشهد به ابن مالك على وجوب حذف عامل المصدر الواقع في توبيخ, وقال الدماميني: طربا إما مصدر مؤكد لفعل محذوف, أي: أتطرب؟ أو مفعول به, أي: أتأتي, انتهى. وهذا كما يقال: أتيت معصية, أي: أحدثتها وفعلتها, ونقل السيوطي عن أبي حيان أنه حكى عن بعضهم أنه قال: طربًا حال مؤكدة, أي: أتطرب في حال طرب, وفيه نظر, فإن مجيء المصدر حالًا سماعي لا يذهب إليه إلا عند عدم صحة غير الحال من الوجوه, وحينئذ يؤول باسم الفاعل أو اسم المفعول بحسب المراد, وينظر ما معنى ذلك التقدير, وجملة:

стр. 57

وأنت قنسري: حال من ضمير تطرب المحذوف, والقنسري: المشهور أنه بكسر القاف وتشديد النون, وجوز فيها الفتح والكسر, قال الدماميني: ويحتمل أن يكون بقاف مفتوحة ومثناة تحتية ساكنة والسين مفتوحة, وقد حكاه صاحب «القاموس» قال: القيسر كجعفر وجعفري, وجردل: الكبير المن أو القديم, وقول ابن خلف: وأدخل عليه ياء النسب, أي: لتأكيد النسبة كقولهم: أحمري وخارجي وأعجمي, والمحتزن: من الحزن, وهو الهم, والبكي: فعيل من البكاء, وهو الكثير البكاء, والصبا: التصابي والميل إلى الجهل, والصبي: فعيل من الصبورة, وهي الميل. وهذا من أرجوزة العجاج. والأرجوزة: أفعولة من الرجز, وهو أحد بحور الشعر الخمسة عشر, وقد تطلق على ما شبهه من مشطور السريع, بيانه أن بحر الرجز من مستفعلن ست مرات فإذا شطر خف, ومعناه: حذف شطره, بقي «مستفعلن» ثلاث مرات, وبحر السريع من ستة أجزاء وهي: «مستفعلن مستفعلن مفعولات» مرتين, فإذا شطر بقي «مستفعلن مستفعلن مفعولات» مرة واحدة, وأما مشابهة السريع للرجز فمن وجهين, أحدهما: أن كل واحد منهما يشطر, ولا يقع الشطر في غيرهما من البحور, وثانيهما: أن مشطور كل واحد منهما قريب جدًا من مشطور الآخر, وإنما اختلفنا في الجزء الثالث, ثم إن أحدهما قريب من الآخر, فإن مستفعلن سببان خفيفان فوتد مجموع, ومفعولات سببان خفيفان فوتد مفروق, وهذا أشد ما يكون من المشابهة بين هذين البحرين, إذا لم يختلفا إلا في شيء يسير من بعض الأجزاء, ولذلك لا يكاد يفرق بينهما إلا الماهر بالعروض. قال ابن رشيق في «العمدة»: ومن المقصد ما ليس برجز, وهم يسمونه رجز التصريع,

стр. 58

وذلك مشطور السريع, انتهى. وإنما لم نحمل شعر العجاج على أنه من مشطور السريع لأنه قد اشتهر هو وابنه في الرجز, ويقال لكل منهما راجز. والعجاج اسمه: عبد الله, ولقب بالعجاج ببيت قاله, وهو: حتى يعج عندها من عجعجا وينتهي نسبه إلى زيد مناة بن تميم, وهو راجز مجيد عده الجمحي في الطبقة التاسعة من الشعراء الإسلاميين, وقال المرزباني: ولد في الجاهلية, ومات في أيام الوليد ابن عبد الملك, وقد أفلج وأقعد, وهو أول من رفع الرجز وشبهه بالقصد وجعل له أوائل, قال ابن رشيق: تسمى الأرجوزة قصيدة, طالت أبيانها أو قصرت, ولا تسمى القصيدة أرجوزة إلا أن تكون من أنواع الرجز, ولو كانت مصرعة الشطور, فالقصيدة تطلق على كل الرجز لا العكس. وأنشد بعده, وهو الانشاد الثالث عشر . (١٣) إن هند المليحة الحسناء ... وأي من أضمرت لخل وفاء قد تكفل شرح هذا البيت ابن الشجري في «أماليه» وابن السيد البطليوسي في «شرح أبيات المعاياة» وقد لخص المصنف شرحه من «أمالي ابن الشجري» في المجلس الثامن والثلاثين منها, وزاد عليه في توجيه نصب الحسناء قوله: وإما بتقدير أمدح, وإما نعت لمفعول به محذوف, أي: عدي يا هند

стр. 59

الخلة الحسناء, والخلة كالخصلة وزنًا ومعنى. وأما ابن السيد فقد اقتصر على هذا الأخير, لكنه قدر الموصوف غير ما قدره المصنف, ولم يذكر ضم النعت الأول على التبعية للفظ هند, وإنما ذكر النعتين بالنصب, وروى «الجميلة» بدل المليحة, قال: والجميلة الحسناء على اختلاف وجهين, إن شئت جعلت الجميلة وصفًا لهند على الموضع, والحسناء نصب بـ «عدي» , أي: عدي يا هند المرأة الحسناء, فيكون قد حذف الموصوف وأقام الصفة مقامه, وإن شئت أن تجعل الجميلة صفة لمحذوف هو المفعول به, كان التقدير: عدي يا هند المرأة الجميلة, فتكون الجملة صفة للمرأة على هذا لا لهند, والحسناء صفة للجميلة, صفة بعد صفة, ولو جعلت الجميلة الحسناء صفتين لهند على الموضع, ولم توقع الوعد على شيء, وجعلته مطلقًا, كان ذلك جائزًا, كما تقول: اضربي يا هند الكريمة الجليلة, فلا تذكر مضروبًا بعينه, وليس هذا في جودة الوجهين الأولين, انتهى كلامه. وكذا قال أبو الحسن ابن راشد في كتاب «الإفصاح عن الأبيات المشكلة في الإيضاح» وهي ألغاز نحوية, ورده الدماميني في «المزج» قال: وفي بعض نسخ «المغني»: المرأة الحسناء, يعني بدل: الخلة الحسناء. وليست بشئ, لأنه ليس المقصود أمرها بأن تعد المرأة, إذ لا يتعلق بذلك غرض للشاعر, وإنما غرضه أن تعد خلة حسنة وأمرًا جميلًا من مواصلة وملاطفة ونحو ذلك, انتهى. أقول: يشهد لهذا قوله في البيت الثاني, وهو: فعسى أن يكون يحسن من قد ... كان من قبل ذا لنا قد أساء قال ابن القطاع: وهذا البيتان لأبي يعقوب بن يوسف الدباغ الصقلي, من كبار نحاة المغرب, ولم يعز البيت أحد غيره إلى قائله غير ابن القطاع, وإنما قال ابن الشجري: هذا البيت من الأبيات المصنوعة لرياضة المبتدئين, لا يزال يتداولها ألن الممتحنين.

стр. 60

قال السيوطي في «معجم النحويين»: يوسف بن الدباغ النحوي الصقلي أبو يعقوب, قال ابن القطاع: حافظ لكتب المتقدمين, ومنه لأسرار المؤلفين, تقدم في زمانه على أشكاله وأقرانه, وله مع ذلك شعر صالح أكثره في مسائل النحو, فمنه قوله: «إن هند المليحة .. » إلى آخر البيتين. وأنشد بعده, وهو الانشاد الرابع عشر: (١٤) لتقر عن علي السن ذا ندم ... إذا تذكرت يومًا بعض أخلاقي وأورده ابن السيد في شرح اللغز المذكور كما هنا, وهو آخر بيت من قصيدة في «المفضليات» قال ابن الأنباري في شرحه: ويروى: إذا تذكرت مني بعض أخلاقي أي: تجدين فقدي وتذكرين جميل معاشرتي, وإنما يقرع سنه الحزين على شيء قد فاته, لا يمكنه استدراكه, انتهى. واللام في لتقرعن جواب قسم محذوف, وهذا خطاب لعاذلته على إتلاف ماله, وقبله: عاذلتي إن بعض اللوم معنفة ... وهل متاع وإن أبقيته باق إني زعيم لئن لم تتركوا عذلي ... أن يسأل الحي عني أهل آفاق أن يسأل القوم عني أهل معرفة ... فلا يخبرهم عن ثابت لاقي يقول: ملامتك إياي عنف منك بي, والزعيم: الكفيل, يقول: لئن لم

стр. 61

تتركوا عذلي لأفارقنكم, حتى تسألوا عن أهل الآفاق, فلا يعطيكم أحد خبري. وقوله: أن يسأل القوم عني .. البيت, بدل من قوله: أن يسأل الحي عني, وثابت: اسمه. ويعجبني قوله من هذه القصيدة: سدد خلالك من مال تجمعه ... حتى تلاقي ما كل امرئ لاقي يقول: سد بمالك ثم فقوك وفرجه حتى تلاقي الموت. وتأبط شرًا: شاعر جاهلي أحد لصوص العرب, كان يسبق الخيل بعدوه, واسمه ثابت بن جابر, وينتهي نسبه إلى قيس عيلان بن مضر, ولقب بتأبط شرًا لأنه تأبط سيفًا وخرج, فقيل لأمه: أين هو؟ قالت: لا أدري, تأبط شرًا وخرج, وقيل غير هذا, وقد رجمناه بأبسط من هذا في شرح الشاهد الخامس عشر من شواهد شرح الكافية للرضي. وأنشد بعده, وهو الانشاد الخامس عشر: (١٥) يا حكم الوارث عند عبد الملك أورده ابن السيد في شرح اللغز المتقدم لما ذكره هنا, وبعده: ميراث أحساب وجود منسفك وهما من أرجوزة لرؤبة قال الأصمعي في شرح ديوانه: يمدح بها الحكم بن عبد الملك بن بشر بن مروان, ونقل السيوطي عن «تاريخ ابن عساكر» أن حكمًا هذا هو ابن عبد الملك ابن مروان ولا عقب له, انتهى. وأخذه ابن الملا الحلبي وابن وحي, وكتبه كل منهما في شرحه, ولعل ابن بشر قد سقط من الناسخ, أو اشتباه, فإن عبد الملك بن مروان ليس له ولد اسمه الحكم, وإنما هو ابن ابن أخيه بشر بشر بن مروان,

стр. 62

فبشر أخو عبد الملك بن مروان, وله ابن سماه عبد الملك باسم أخيه, والحكم إنما هو ابن عبد الملك بن بشر بن مروان, نعم في ذرية عبد الملك بن مروان من اسمه الحكم, لكنه غير مقصود هنا, قال ابن قتيبة في كتاب «المعارف»: ولد الوليد بن يزيد بن عبد الملك بن مروان: الحكم وعثمان, ويقال لهما الجملان, وكان أبوهما بايع لهما, فقتلا مع أبيهما, انتهى. وقوله: يا حكم الوارث, قال الأصمعي: يريد بحكم: حكم بن عبد الملك ابن بشير بن مروان, وقوله: ميراث: منصوب بالوارث مفعوله, وبه يسقط ما قدره ابن الملا الحلبي, أي: نحو المجد والسؤود, قال: فحذف المفعول لئلا يتوهم قصره على ما يستفاد من المذكور, انتهى. وعذره أنه لم يقف على ما بعده, وقوله: مشفك, قال الأصمعي: أي: منصب واسع. وقد وصفه بعد هذا بأبيات ستة, ثم ذكر المقصود بالنداء فقال: إليك أشكو عض دهر منتهك ... بالمنكبين والجران مبترك من السنين والهلاك المهتلك ... منجرد الحارك محصوص الورك وقد علمنا ذاك علما غير شك ... أنك بعد الله إن لم تترك مفتاح حاجات أنخناهن بك ... فالذخر منها عندنا والشكر لك قال الأصمعي: قوله: منتهك, من النهك في العقوبة, أي: بالغ في عقوبته. وقوله: بالمنكبين والجران, يعني أنه طحنه بمنكبيه وجرانه طحنًا شديدًا, والجران: الصدر, وقوله: مبترك, أي: ابترك عليه بكلكله, أي: اعتمد عليه, والسنة: القحط وعدم النبات, والمهتلك: المتساقط, وذو هلاك يتهالك

стр. 63

على الناس, أي: يتساقط عليهم, ومعنى قوله: منجرد الحارك .. الخ, يقول: زمان أبتر قد ذهب شعر «وانجاب, وهذا مثل ضربه, ويقال: زمن أحص وسنه حصاء, أي: لا خير فيها. وقوله: وقد علمنا .. الخ, يقول: قد علمنا علمًا يقينًا غير شك إن لم تترك أنك مفتاح حاجتنا, وأنخناهن: أنزلناهن, وقوله: فالذخر منها .. الخ, أي: فالشكر عندنا نمدحك عليها وأنت مأجور في فعلك. والأبيات التي أوردها السيوطي عن ابن عساكر ليست على ترتيب الأرجوزة, وإنما هي ملفقة من مواضع منها. ورؤبة بن العجاج عده الجمحي في الطبقة التاسعة من شعراء الإسلام, وكنيته: أبو الجحاف, بفتح الجيم وتشديد الحاء المهملة, وشعره كله رجز كأبيه, وليس له من غير الرجز غير هذين البيتين: أيها الشامت المعير بالشـ ... ـب أقلن بالشباب افتخارا قد لبست الشباب غضا طريا ... فوجدت الشباب ثوبًا معارًا ولما ظير بنو العباس خاف الفتنة, فرب إلى البادية, فمات بها في سنة خمس وأربعين ومائة. قال ابن عساكر هو مخضرم سمع أباه وأبا هريرة ودغفل بن حنظلة, وروى عنه ابنه عبد الله وأبو عبيدة معمر بن المثنى, ويحيى بن سعيد القطان, والنضر ابن شميل, وأبو عمرو بن العلاء, وخلف الأحمر, وعثمان بن الهيثم, ووفد على الوليد, وسليمان ابني عبد الملك بن مروان.

стр. 64

وأنشد بعده, وهو الانشاد السادس عشر: (١٦) يعود الفضل منك على قريش ... وتفرج عنهم الكرب الشدادا فما كعب بن مامة وابن سعدى ... بأجود منك يا عمر الجوادا أوردهما ابن الشجري في شرح اللغز المتقدم لما ذكره المصنف هنا, والبيت الأول بعد الثاني, وهما من قصيدة لجرير يمدح بها عمر بن عبد العزيز المرواني, وهذه أبيات منها: إلى الفاروق ينتسب ابن ليلى ... ومروان الذي رفع العمادا تزود مثل زاد أبيك فينا ... فنعم الزاد زاد أبيك زادا فما كعب بن مامة وابن سعدى ... بأجود منك يا عمر الجوادا هنيئًا للمدينة إذ أهلت ... بأهل الملك أبدأ ثم عادا يعود الحلم منك على قريش ... وتفرج عنهم الكرب الشدادا وقد لينت وحشهم برفقٍ ... وتعي الناس وحشك أن تصادا وتبني المجد يا عمر ابن ليلى ... وتكفي الممحل السنة الجمادا وتدعوا الله مجتهدًا ليرضى ... وتذكر في رعيتك المعادا وتدعو الله مجتهدًا ليرضى ... وتذكر في رعيتك المعادا ليلى: جدة عمر أم أبيه عبد العزيز بنت الأصيغ بن زبان الكلبي, وأم عمر أم عاصم بنت عاصم بن عمر بن الخطاب, رضي الله تعالى عنه, كذا قال جامع

стр. 65

«ديوان جرير» محمد بن زياد الأعرابي, وقال السيوطي: ويقال: إن أمه أيضًا اسمها ليلى, وهي أم عاصم. وقوله: تزود مثل زاد أبيك .. البيت, يأتي شرحه, إن شاء الله تعالى, في الباب الرابع. وقوله: فما كعب بن مامة .. البيت, نفي أفعل التفضيل يقتضي بحسب العرف نفي الأفضل والمساوي, كقولهم: ليس في البلد أعلم من فلان, ***: هو أبو كعب, قال صاحب «جمهرة النسب» وتبعه ياقوت الحموي في اختصارها: كعب بن مامة بن عمرو بن ثعلبة بن سلول بن كنانة بن شبابة الإيادي: الجواد الذي يضرب به المثل, وأبوه مامة كان ملك إباد, انتهى. وإباد: هو ابن نزار بن معد بن عدنان. وكان من حديث جود ك عب بن مامة ما رواه الإمام الواحدي في كتاب «الوسيط في الأمثال» حكى أنه خرج في ركب. وفيهم رجل من النمر بن قاسط, في شهر ناجر – والنجر بالنون والجيم: العطش – فضلوا, فتصافنوا الماء بالمقلة, فقد أصحاب كعب لشرب الماء, فلما دار القعب إلى كعب أبصر النمري يجرد النظر إليه, فأثره كعب وقال للساقي: اسق أخاك النمري يصطبح, فذهبت مثلًا, فشرب النمري نصيب كعب, ثم نزلوا من الغد منزلًا آخر, فتصافنوا بقية مائهم, فنظر النمري إلى كعب كنظره بالأمس, فأثره كعب بالماء, وارتحل القوم وقالوا: يا كعب كنظره بالأمس, فآثره كعب بالماء, وارتحل القوم وقالوا: يا كعب ارتحل, فلم يكن به قوة النهوض, وكانوا قد قربوا من الماء فقالوا: رد كعب إنك وراد, فعجز عن الإجابة, فلما أيسوا منه خيلوا عليه بثوب يمنعه من السباع, وتركوه مكانه فمات, فقال أبوه مامة يرثيه: أوفى على الماء كعب ثم قيل له ... رد كعب إنك وراد فما وردا

стр. 66

ما كان من سوقة أسقى على ظمأٍ ... خمرًا بماء إذا ناجودها بردا من ابن مامة كعب ثم عي به ... زو الحوادث إلا حرة وقدى الناجوه: الإناء, وروي «زو المنية» أي: قدرها, أي: عيت به الأحداث إلا أن تقتله عطشًا. وقد أنشد المبرد في «الكامل» البيت الأول لأبي دؤاد الإيادي, وتبعه الأعلم وابن هشام اللخمي في «شرح أبيات الجمل» ولم يصيبوا في ذلك, وكتب مغلطاي في هامش «الكامل» ومن خطه نقلت: هذا البيت لم أره في «ديوان أبي دؤاد»: بنسختي التي بخط ابن أبي طاهر وأنشده المرزباني عن ابن حبيب عن ابن الأعرابي لأبيه مامة بن عمرو, كما أنشده يعقوب. واختلف في اسم الرجل من النمر بن قلسط, فقيل: اسمه شمر بن مالك النمري, ذكره يعقوب في أمثاله قال: وكان ذلك بالدهناء, وحكى ابن السيد في «شرح سقط الزند» عن كراع أنه حنيف, وقيل: هنب بن قاسط. والتصافن: أن يطرح في الإناء حجر ثم يصب فيه من الماء ما يغمره, لئلا يتغابنوا, وكذلك كل شيء وقف على كيله أو وزنه, واسم ذلك الحجر المقلة, بفتح الميم وسكون القاف. وكان من جوده أيضًا أنه إذا مات جار له أدى ديته إلى أهله, وإن هلك لجاره بعير أو شاة أخلقه عليه, فجاوره أبو دؤاد الإيادي فعامله بذلك, فصارت العرب إذا حمدت مستجارًا به لحسن جواره قالوا: كجار أبي دؤاد, ومنه قول قيس بن زهير العبسي:

стр. 67

سأفعل ما بدا لي ثم آوي ... إلى جار كجار أبي دؤاد وأما ابن سعدى, وسعدى أمه, فهو كما قال المبرد في «الكامل»: أوس بن حارثة بن لأم الطائي, وكان سيدًا مقدمًا, فوفد هو وحاتم بن عبد الله الطائي على عمرو ابن هند وأبوه المنذر بن المنذر بن ماء السماء, فدعا أوسًا فقال: أأنت أفضل أم حاتم؟ فقال: أبيت اللعن, لو ملكني حاتم وولدي ولحمتي, لوهبنا في غداة واحدة! ثم دعا حاتمًا فقال: أأنت أفضل أم أوس؟ فقال: أبيت اللعن, إنما ذكرت بأوس, ولأحد ولده أفضل مني! وكان النعمان ابن المنذر دعا مجلة وعنده وفود العرب من كل حي, فقال: احضروا في غد, فإني ملبس هذه الحلة أكرمكم. فحضر القوم جميعًا إلا أوسًا, فقيل له: لم تتخلف؟ فقال: إن كا ن المراد غيري فأجمل الأشياء أن لا أكون حاضرًا, وإن كنت المراد فأطلب ويعرف مكاني. فلما جلس النعمان لم ير أوسًا, فقال: اذهبوا إلى أوس فقولوا له: احضر آمنًا مما خفت, فحضر فألبس الحلة, فحسده قوم من أهله, فقالوا للحطيئة: اهجه ولك ثلاثمائة ناقة, فقال الحطيئة: كيف أهججو رجلًا لا أرى في بيتي أثاثًا ولا مالًا إلا من عنده؟ ! ثم قال: كيف الهجاء وما تنفك صالحة ... من آل لأم بظهر الغيب تأتيني فقال لهم بشر بن أبي خازم أحد بني أسد بن خزيمة: أنا أهجوه لكم, فأخذ الإبل وفعل, فأغار أوس عليها فاكنسحها,’ فجعل لا يستحير حيًا إلا قال: قد أجرتك إلا من أوس, وكان في هجائه قد ذكر أمه, فأتي به, فدخل أوس على أمه فقال: قد أتينا ببشر الهاجي لك ولي, قالت: أو تطيعني؟ قال:

стр. 68

نعم, قالت: أرى أن ترد عليه ماله وتعفو عنه, وتحبوه, وأفعل مثل ذلك, فإنه لا يغسل هجاءه إلا مدحه, فخرج فقال: إن أمي سعدى التي كنت تهجوها قد أمرت فيك بكذا وكذا, فقال: لا جرم! والله لا مدحت حتى أموت أحدًا غيرك! ففيه يقول: إلى أوس بن حارثة بن لام ... ليقضي حاجتي في من قضاها فما وطئ الثرى مثل ابن سعدى ... ولا لبس النعال ولا احتذاها انتهى كلام المبرد. وقوله: هنيئًا للمدينة إذ أهلت .. قال جامع ديوانه: أهلت أظهرت ذلك, يقال: أهل الهلال إذا بدا وأبدأ, وتفرج: بالبناء للمفعول, والخطاب, والراء مضمومة, والممحل: الذي أصابه المحل والجدب, يقال: أمحل القوم, أي: أجدبوا, وسنة جماد: لا مطر فيها, وأرض جماد: لم يصبها المطر. وأنشد في «أيا» وهو الانشاد السابع عشر: (١٧) أيا جبلي نعمان بالله خليا ... نسيم الصبا يخلص إلى نسيمها قال الدماميني: إن قصد المصنف بإنشاد هذا البيت الاستشهاد به على أن «أيا» ترد لنداء البعيد, فقريب, وإن قصد به الرد على الجوهري, وهو الذي يعطيه *** كلامه, فلا وجه له, لأن نداء البعيد في هذا البيت بأيا - على

стр. 69

أنها لا تكون لنداء القريب - لا يدل بوجه من الدلالات, انتهى. وصاحب «القاموس» أيضًا ممن رد على الجوهري قال: أيا حرف لنداء البعيد لا القريب, ووهم الجوهري. وأقول: الجوهري فيما قاله تابع لسيبويه في «الكتاب» قال في باب «الحروف التي تنبه بها المدعو»: [فأما الاسم غير المندوب] فينبه بخمسة أشياء: بيا وأيا وهيا وأي وبالألف, إلا أن الأربعة غير الألف قد يستعملونها إذا أرادوا أن يمدوا أصواتهم للشيء المتراخي عنهم, والإنسان المعرض عنهم الذي يرون أنه لا يقبل عليهم إلا بالاجتهاد والنائم المستثقل, وقد يستعملون هذه التي للمد في موضع الألف ولا يستعملون [الألف] في هذه المواضع التي يمدون فيها, وقد يجوز لك أن تستعمل هذه الخمسة إذا كان صاحبك قريبًا منك مقبلًا عليك توكيدًا. هذا كلامه برمته, ونقله ابن السراج في أصوله بتمامه, ولم يتكلم السيرافي على هذا شيئًا. وقال أبو علي الفارسي في تعليقته على «كتاب سيبويه»: قوله: وقد يستعملون هذه التي للمد في في موضع الألف, قال أبو علي: إذا ناديت المقبل عليك بما تنادي به المتراخي البعيد نحو: يا, وهيا, كان بمنزلة قولك: يا أبا فلان للمقبل عليك توكيدًا في استعطافه, وإن كنت قد استغنيت عن دعائه بإقباله عليك, انتهى. وقال ابن وحيي في شرحه: ونقل الأندلسي في «شرح المفصل» عن سيبويه

стр. 70

جواز استعمال أيا للقريب, فلا يتوجه المنع على الجوهري, انتهى. وقال ابن عصفور في «المقرب»: الهمزة لا تكون إلا في نداء القريب, وما عدا ذلك من الحروف يكون في نداء القريب والبعيد, انتهى. ونقل ابن مالك وأبو حيان وغيرهما أن سيبويه أخبر رواية عن العرب, أن الهمزة للقريب, وما سواه للبعيد, ولا أدري من أي باب نقلوه, ثم أن المصنف إنما أتى بالبيت شاهدًا لنداء البعيد لا للرد على الجوهري. وأما البيت فهو من شعر اختلف في قائله, قال الشريف ضياء الدين هبة الله علي ابن محمد بن حمزة الحسيني في «حماسته»: روى المرزبان بإسناده أن المجنون خرج في أصحاب له ليتماروا من وادي القرى, فمروا بجبلي نعمان, فقالوا له: هذان جبلا نعمان, وقد كانت ليلى تنزلهما, قال: فأي ريح تجري من نحو أرضها إلى هذا المكان؟ قالوا: الصبا, فقال: والله لا أبرح حتى تهب الصبا, فأقام في ناحية من الجبلين, ومضى أصحابه فامتاروا لهم وله, ثم أتوه فحبسهم ثلاثًا, حتى إذا هبت الصبا ترحل معهم, وفي ذلك يقول: أيا جبلي نعمان بالله خليا ... نسيم الصبا يخلص إلى نسيمها أجد بردها أو تشف مني حرارة ... على كبد لم يبق إلا صميمها فإن الصبا ريح إذا ما تنسمت ... على نفس مهموم تجلت همومها ويا ريح مري بالديار فخبري ... أباقية أم قد تعفت رسومها ألا إن أدوائي بليلى قديمة ... وأقتل أدواء الرجال قديمها وكذا قال الأصفهاني في كتاب «الأغاني» وأنشد الأبيات الثلاثة الأول

стр. 71

فقط. وقال القالي في أواخر «أماليه»: حدثني أبو يعقوب وراق أبي بكر ابن دريد, وكان من أهل العلم قال: أخبرني مسيح بن حاتم قال: أخبرنا سليمان بن أبي شيخ, قال: حدثنا يحيى بن سعيد الأموي قال: تزوج رجل من أهل تهامة امرأة من أهل نجد, فأخرجها إلى تهامة, فلما أصلبها حرها قالت: ما فعلت ريح كانت تأتينا ونحن بنجد يقال لها: الصبا؟ فقال لها: يحجبها عنك هذان الجبلان فقالت: أيا جبلي نعمان بالله خليا ... نسيم الصبا يخلص إلي نسيمها أجد بردها أو تشف مني حرارة ... على كبد لم يبق إلا صميمها فإن الصبا ريح إذا ما تنسمت ... على نفس مهموم تجلت همومها انتهى. والظاهر عندي أنها تمثلت بهذا الشعر وليس لها. ونعمان بفتح النون: فعلان, من نعمة العيش وهو غضارته وحسنه, وهو نعمان الأراك, وهو واد ينتبه ويصب إلى ودان, بلد غزاه النبي صلى الله تعالى عليه وسلم, وهي بين مكة والطائف, وقيل: واد لهذيل على ليلتين من عرفات, وقال الأصمعي: نعمان: واد يسكنه بنو عمرو بن الحارث بن تميم بن سعد بن هذيل, بين أدناه ومكة نصف ليلة, به جبل يقال له المدراء, وبنعمان [من] بلاد هذيل وأجبالها الأصدار, وهي صدور الوادي يجيء منها العسل إلى مكة, وقول بعض الأعراب فيه دليل على أنه واد: ألا أيها الركب اليمانون عرجوا ... علينا فقد أضحى هوانا يمانيا

стр. 72

نسائلكم هل سال نعمان بعدكم ... وحب إلينا بطن نعمان واديًا عهدنا به صيدًا كثيرًا ومشربًا ... به ينقع القلب الذي كان صاديا هذا ما قاله ياقوت الحموي في «معجم البلدان» وقال أبو عبيد البكري في «معجم ما استعجم»: نعمان وادي عرفة دونها إلى منى, وهو كثير الأراك, انتهى. قال الدماميني: إن قلت: على ماذا يعود الضمير في قوله: نسيمها؟ قلت: يحتمل أن يعود على النسيم الأول, وهو المضاف إلى الصبا, ويختلف حينئذ المراد بها, فيراد بالنسيم الأول ريح الصبا والإضافة للبيان, ويراد بالنسيم الثاني نفس الريح الضعيف, قال في «المحكم»: والنسيم نفس الريح إذا كان ضعيفا, ويحتمل أن يعود الضمير على محبوبته, سواء جرى ذكرها [قبل] أو لم يجر, أما إن جرى فواضح, وأما أن لم يجر لها ذكر, فلتنزيلها منزلة المذكور المعلوم, لأنها حاضرة عنده لا تغيب عنه ولا يفتر عن ذكرها بحسب الادعاء. انتهى. أقول: إن لم يجر ذكرها في هذا الشعر فقد جرى ذكرها في منشئه. وقال السيوطي: ويحتمل أن يكون النسيم الثاني عين الأول, من إقامة الظاهر مقام الضمير, والضمير للصبا, انتهى. فيكون نكتته التلذذ بذكر لفظ النسيم كما يتلذذ بهبوبها, ويجوز أن يكون

стр. 73

الثاني مصدرا, وهو أوفق بقوله: فإن الصبا ريح إذا ما تنسمت. قال صاحب «القاموس»: النسيم: الريح إذا كان ضعيفًا, والنسيم أيضًا: مصدر نسمت الريح تنسم نسمًا ونسيمًا ونسمانًا, وبه فسر قول امرئ القيس: نسيم الصبا جاءت بريًا القرنفل وروى العيني في «شواهده» تبعًا لغيره: «طريق الصبا» وهو واضح لا إشكال فيه, والصبا كما قال الجوهري: ريح ومهبها المستوي: أن تهب من موضع مطلع الشمس إذا استوى الليل والنهار, وقام الإمام الواحدي في «تفسير الوسيط» عند قوله تعالى: ﴿إني لأحد ريح يوسف﴾ [سورة يوسف/ ٩٤] إن ريح الصبا استأذنت ربها أن تأتي يعقوب بريح يوسف ﵉ قبل أن يأتيه البشير بالقميص, فأذن لها فأتته بذلك, فلهذا يستروح كل محزون بريح الصبا, وهي من المشرق, إذا هبت على الأبدان نعمتها, وهيجت الأسواق إلى الأوطان والأحباب, وأنشد البيتين من شعر المجنون المتقدم. قال الصفدي في «تاريخه» بعد نقل هذا: الظاهر أن نسيم الصبا يختلف مزاجه وتأثيره باختلاف الأرض والبقاع التي تمر عليها, والفصول أيضًا, فهي في الربيع تكون ألطف منها في غيره, لأنا نشاهد بالحس أن الريح التي تهب بدمشق وغيرها مما يقاربها ريح يابسة المزاج تجفف الرطوبات وتقحل الأجسام وتحرق الثمار والزروع, وهي في الديار المصرية أشد منها في الشام, وهي التي يسمونها المريسي, على أن أشعار العرب ملأى من الاسترواح بها, ووصفها باللطف

стр. 74

وتنفيس الكرب, ولعلها في بلاد الحجاز وما أشبهها تكون بهذه الصفة, انتهى كلامه. أقول: إن الريح التي تسمى بمصر: المريسي, بفتح الميم, نسبة إلى مربس, وهو جنس من السودان من بلاد النوبة يسمونها المريس, لإتيانها من تلك الجهة, قاله ابن خلكان في «تاريخه» وهي تهب في الشتاء باردة وفي الصيف حارة, لكنها تبرد الماء, والنوبة في جهة الجنوب, فكيف تكون ريح الصبا! فتأمل. وقوله: يخلص, أي: يصل, من الخلوص, وهو الوصول على وجه الكمال, جزم في جواب الأمر. وقوله: أجد بردها, بدل من يخلص, وعطف تشف بأو على منع الخلو لا الجمع. وصميم الشيء: خالصه. وقوله: فإن الصبا, الفاء: تعليلية, وجمع الأدواء جمع داء, وهو المرض, باعتبار الأنواع, وقوله: وأقتل: أي, أسدها قتلًا. وقائل الشعر: مجنون بني عامر, واسمه قيس بن الملوح بن مزاحم العامري, وصاحبته ليلى بنت مهدي العامرية وشعره كثير في الطبقة العليا في الحسن والرقة, وله حكايات وأحوال أوردها الأصبهاني في «الأغاني» وترجمة ترجمة طويلة وهام بحبها في الفلوات وأنس الوحوش, فكان لا يأكل إلا مما تنبت الأرض من البقول, ولا يشرب إلا مع الظباء, وطال شعره وألفته الوحوش, وكان يهيم حتى يبلغ حدود الشام, فإذا ثاب عقله سأل عن نجد فيقال: وأين نجد, أنت في موضع كذا! فيدلونه على الطريق فيتوجه نحوه, وكان أهله يأتونه بالطعام والشراب, فربما أكل منه, ففي بعض الأيام أتوه بالطعام فلم يجدوه, فانطلق أهله يفتشون البراري, فرأوه ملقى بين الأحجار ميتًا, فاحتملوه إلى الحي, فغلوه وكفنوه ودفنوه, وكثر بكاء النساء والثياب عليه. وكان معاصرًا

стр. 75

لقيس بن ذريح صاحب لبتى, وكأنا في إمرة الزبير. كذا في «تاريخ الإسلام» للذهبي, أورد ترجمته في سنة سبعين للهجرة. وأنشد بعده, وهو الانشاد الثامن عشر: (١٨) فأصاخ يرجو أن يكون حيًا ... ويقول من فرح هيا ربا قال القالي في «أماليه»: قرأت في «نوادر ابن الأعرابي» على أبي عمر المطرز الأعرابي: وحديثها كالقطر يسمعه ... راعي السنين تتابعت جدبا فأصاخ يرجو أن يكون حيًا ... ويقول من طمع هيا ربا وكذا أنشدها الجاحظ في كتاب «البيان» لبعضهم, والقطر: قطر المطر, وجملة يسمعه: صفة لقطر, لأن اللام فيه للجنس, والهاء ضميره, وفيه مضاف محذوف, أي: يسمع صوت نزوله, وراعي: فاعل يسمع, وهو مضاف للسنين بتقدير في, وكان الظاهر أن يقول: سمعه, لكنه أتى بالمضارع لحكاية الحال, قال السيوطي: وأورده ثعلب في «أماليه» بلفظ: «وحديثها كالقطر مر
следующие страницы →