Полный текст (1 720 стр.). Показаны 1–40.
стр. 1
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
رب يسر وأعن يا كريم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسوله محمد وآله [وصحبه]، أجمعين.
قال الشيخ الإمام الأجل، الأستاذ حسام الدين، شمس الإسلام والمسلمين، برهان الأئمة في العالمين، أبو المعالي عمر بن الشيخ الإمام [الأجل برهان الأئمة] عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز [نور الله مضجعهما وحفرتهما].
стр. 2
أما بعد، فقد طلب مني بعض أصحابنا أن أذكر لكل مسألة من مسائل [كتاب] أدب القاضي الذي جمعه القاضي الإمام أبو بكر أحمد بن عمر الخصاف ﵀ -نكتة وجيزة، فيه ما يحتاج الناظر إليها للتفهم. فأجبتهم إلى ذلك مستعينا بالله تعالى، وعددت أبوابه فكانت مائة وعشرين بابا؛ لاندراج بعض الأبواب [في البعض] وفصلته في ابتدائه؛ كيلا يتعذر على من يروم مسألة [وبالله التوفيق].
* * *
стр. 3
[فهرست الأبواب]
الباب الأول: في الدخول في القضاء.
الباب الثاني: في الإكراه على القضاء.
الباب الثالث: في الرخصة في القضاء.
الباب الرابع: في اجتهاد الرأي في القضاء.
الباب الخامس: في ما ابيح للقاضي من الاجتهاد [وما ينبغي له أن يعمل به].
الباب السادس: في قبض المحاضر من ديوان القاضي المعزول.
الباب السابع: في القاضي يقضى في المسجد.
الباب الثامن: في القاضي يجلس معه غيره.
الباب التاسع: في القاضي يشاور.
الباب العاشر: في الحكم وفصل الخطاب.
الباب الحادي عشر: في القضاء وهو غضبان.
الباب الثاني عشر: في القاضي إذا جاع.
الباب الثالث عشر: في القاضي يأخذ الرزق.
стр. 4
الباب الرابع عشر: في الرشوة في الحكم.
الباب الخامس عشر: في القاضي يسلم على الخصوم.
الباب السادس عشر: في القاضي يولي القضاء فيأتيه رجل [فيقر عنده بشيء أو يقول: لي حق في البلد الذي وليته، وقد وكلت هذا الرجل عندك يطلب لي حقي، والقاضي في المصر الذي فيه الخليفة، أو في مصر آخر قبل أن يصل إلى عمله].
الباب السابع عشر: في القاضي ينظر [في] القصص.
الباب الثامن عشر: في القاضي يقوم على رأسه الجلواز.
الباب التاسع عشر: في التسوية بين لخصمين.
الباب العشرون: في القاضي يؤتى في منزله.
الباب الحادي والعشرون: في اليمين.
الباب الثاني والعشرون: في استحلاف أهل الذمة.
الباب الثالث والعشرون: في ما لا تجب فيه اليمين.
الباب الرابع والعشرون: في رد الإيمان.
الباب الخامس والعشرون: في اليمين على العلم.
الباب السادس والعشرون: في من قال تقبل البينة [بعد] اليمين.
الباب السابع والعشرون: في المدعي يقول ليس لي شهود.
стр. 5
الباب الثامن والعشرون: في النكول عن اليمين.
الباب التاسع والعشرون: في أخذ الكفيل.
الباب الثلاثون: في العدوى.
الباب الحادي والثلاثون: في الحبس في الدين وغيره.
الباب الثاني والثلاثون: في الحجر بسبب الدين.
الباب الثالث والثلاثون: في حجر الفساد.
الباب الرابع والثلاثون: في المسألة عن الشهود.
الباب الخامس والثلاثون: في الرجل يسأل عن الشهود.
الباب السادس والثلاثون: في المدعي عليه يعدل الشهود.
الباب السابع والثلاثون: في الملازمة.
الباب الثامن والثلاثون: في ما ينبغي للقاضي أن يعمل [به].
الباب التاسع والثلاثون: في القاضي يقضى بعلمه.
الباب الأربعون: في القاضي يجد في ديوانه شيئا لا يحفظه.
الباب الحادي والأربعون: في القاضي ترفع إليه قضية قاض مما
стр. 6
لا ينفذها.
الباب الثاني والأربعون: في ما لا ينفذها.
الباب الثالث والأربعون: في القاضي يقضى زمانا ثم يعلم أنه ممن لا يجوز قضاؤه.
الباب الرابع والأربعون: في موت الخليفة.
الباب الخامس والأربعون: في الخوارج يولون قاضيا.
الباب السادس والأربعون: في القاضي يستخلف رجلا.
الباب السابع والأربعون: في القاضي يعزل فيطالب بشيء مما كان فعله.
الباب الثامن والأربعون: في القاضي يقضى ثم يرى بعد ذلك خلافه.
الباب التاسع والأربعون: في ما يحله قضاء القاضي وما لا يحله.
الباب الخمسون: في ما ينبغي للقاضي أن يضمه على يدي عدل إذا [هو] خوصم إليه.
الباب الحادي والخمسون: في ما لا يضمه القاضي على يدي عدل إذا هو خوصم إليه.
الباب الثاني: والخمسون: في ما يدعي في يدي رجل من الرقيق وغيره.
الباب الثالث والخمسون: في الرجلين يدعيان الشيء، كل واحد
стр. 7
منهما يدعيه [كله، ويقيم البينة أنه له، وليس هو في يد واحد منهما].
الباب الرابع والخمسون: في الرجلين يدعيان الشيء وهو في أيديهما.
الباب الخامس والخمسون: في الرجل في يده عبد فيدعيه رجل.
الباب السادس والخمسون: في الرجل يدعى الشيء أن أباه مات، وتركه [ميراثا].
الباب السابع والخمسون: في القاضي لمن يجوز قضاؤه.
الباب الثامن والخمسون: في ما يكون الرجل [فيه] خصما.
الباب التاسع والخمسون: في كتاب القاضي إلى القاضي.
الباب الستون: في ما لا ينبغي للقاضي أن يكتب به.
الباب الحادي والستون: في القاضي يرد عليه كتاب من قاض.
الباب الثاني والستون: في الرجل يريد أن يكتب وصية، والشهادة عليها.
الباب الثالث والستون: في ما يجوز من فعل الموصي.
الباب الرابع والستون: في الرجل يوصى إلى رجلين.
стр. 8
الباب الخامس والستون: في الرجل يوصي إلى من لا تجوز إليه الوصية.
الباب السادس والستون: في ما لا يجوز من فعل الموصي في مال اليتيم.
الباب السابع والستون: في ما يكون قبولا للوصية، وما يكون ردا لها.
الباب الثامن والستون: في إثبات الوكالة.
الباب التاسع والستون: في الشهادة على الوكالة.
الباب السبعون: في ما لا تجوز فيه الوكالة.
الباب الحادي والسبعون: في الرجل يريد سفرا وهو مطلوب.
الباب الثاني والسبعون: في إثبات النسب.
الباب الثالث والسبعون: في إثبات الدين والحقوق على الميت.
الباب الرابع والسبعون: في الرد بالعيب.
الباب الخامس والسبعون: في الشفعة.
الباب السادس والسبعون: في الخصمين يحكمان بينهما حكما.
الباب السابع والسبعون [في الإقرار بالمال عند القاضي].
стр. 9
الباب الثامن والسبعون: في الحكومة على أهل الكفر.
الباب التاسع والسبعون: في القسمة.
الباب الثمانون: في دعوى بعض الورثة الغلط في القسمة.
الباب الحادي والثمانون: في نكاح الصغيرة.
الباب الثاني والثمانون: في نكاح الكبيرة.
الباب الثالث والثمانون: في المطالبة بمهر المرأة.
الباب الرابع والثمانون: في العنين والمجبوب.
الباب الخامس والثمانون: في من قال إذا [تم] أجل العنين خيرت المرأة.
الباب السادس والثمانون: في من قال لامرأة العنين الصداق.
الباب السابع والثمانون: في من قال إذا وصل إلى امرأته فلا خيار لها.
الباب الثامن والثمانون: في المجبوب.
الباب التاسع والثمانون: في الرجل بغيب عن امرأته فتطلب النفقة.
الباب التسعون: في نفقة المرأة.
الباب الحادي والتسعون: في نفقة المطلقة.
الباب الثاني والتسعون: في نفقة الصبيان.
الباب الثالث والتسعون: في نفقة الأبوين وعلى ذي الرحم المحرم.
стр. 10
الباب الرابع والتسعون: في الرجل يطلب النفقة عن أبيه.
الباب الخامس والتسعون: في العبد يتزوج وما يلزمه من النفقة.
الباب السادس والتسعون: في امرأة المفقود وولده.
الباب السابع والتسعون: في نفقة المرأة [يشهد الشهود على طلاق زوجها إياها].
الباب الثامن والتسعون: في الولد من أولى به.
الباب التاسع والتسعون: في الرجل يطلق المرأة ولها منه ولد، فيريد أن يخرج بالولد.
الباب المائة: في الغلام والجارية إذا بلغا يخيرهما.
الباب الحادي والمائة: في الرجل يشهد على النسب.
الباب الثاني والمائة: في الرجل يجوز أن يشهد على من لم يدركه.
الباب الثالث والمائة: في الشهادة على النكاح.
الباب الرابع والمائة: في الشهادة على العتق.
الباب الخامس والمائة: في الشهادة على ملك من لم يدركه والظنين ودافع المغرم.
الباب السادس والمائة: في الرجل يرى خطه ولا يذكر الشهادة.
стр. 11
الباب السابع والمائة: في شهادة الأخ وشهادة الولد، وشهادة المختبى وشهادة الوصي و [شهادة] العبد.
الباب الثامن والمائة: في شهادة الخصى والاقلف وولد الزنى.
الباب التاسع والمائة: في شهادة السمع.
الباب العاشر والمائة: في الرجلين يدخلان بين القوم.
الباب الحادي عشر والمائة: في شهادة الأعمى والمقطوع في السرقة والمحدود في القذف.
الباب الثاني عشر والمائة: في النصراني والعبد. [إذا حد] ثم اسلم النصراني أو اعتق العبد.
الباب الثالث عشر والمائة: في شهادة الكفار والعبد والذمي وأهل الكتاب على وصية المسلم، وشاهد ويمين، والشهادة على الشهادة.
الباب الرابع عشر والمائة: في الشهادة على الحدود.
الباب الخامس عشر والمائة: في الرجوع عن الشهادة.
الباب السادس عشر والمائة: في الشهادة على الحقوق والشهادة على الشهادة.
الباب السابع عشر والمائة: في البراءة والشهادة عليها.
стр. 12
الباب الثامن عشر والمائة: في دعوى الرجلين وشهادة الغرماء.
الباب التاسع عشر والمائة: في شهادة الزور وما يصنع فيها.
الباب العشرون والمائة: في المرأة تخاصم زوجها في ولدها.
[تم الفهرست]
* * *
стр. 13
[ما يحتاج إليه لمعرفة أدب القاضي]
[١] قال ﵁:
يحتاج لمعرفة أدب القاضي إلى معرفة تفسير القضاء لغة وشرعا، وإلى معرفة أهل القضاء، وإلى معرفة من يجوز تقليد القضاء منه، ومن لا يجوز، وإلى معرفة جواز الدخول في القضاء.
[معنى القضاء]
[٢] أما تفسير القضاء لغة: فالقضاء لغة: يعبر عن أشياء:
عن اللزوم، ولذلك سمي الحاكم قاضيا؛ لأنه يلزم الناس الأحكام.
وعن التقدير؛ يقال: قضى على فلان بالنفقة، أي قدرها عليه.
وعن الأمر؛ قال الله تعالى:
﴿وقضى ربك أن لا تعبدوا إلا إياه﴾.
стр. 14
أي أمر ربك.
وفي متعارف الشرع يراد بالقضاء: فصل الخصومات، وفصل المنازعات.
[أهلية القضاء]
[٣] وأما أهلية القضاء فأهل القضاء من كان علما بالكتاب والسنة واجتهاد الرأي، حتى لا ينبغي أن يقلد القضاء ما لم يكن عالمًا بالكتاب والسنة واجتهاد الرأي، ثبت ذلك بالنص والمعقول:
[٤] أما النص: فما روى عن النبي ﷺ -أنه [لما] بعث معاذًا ﵁ -إلى
стр. 15
اليمن قال له:
"بم تقضي يا معاذ؟ "
قال: بكتاب الله تعالى
قال: "فإن لم تجد؟ "
قال: فبسنة رسوله.
قال: "فإن لم تجد؟ "
قال: أجتهد في ذلك رأيي.
فقال رسول الله ﷺ : "الحمد لله الذي وفق رسول رسوله لما يرضى به رسوله".
стр. 16
[٥] وأما المعقول:
فإن القاضي مأمور بالقضاء بالحق:
قال الله تعالى:
﴿يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس بالحق﴾.
وإنما يمكنه القضاء بالحق إذا كان عالما بالكتاب والسنة واجتهد الرأي؛ لأن الحوادث ممدة والنصوص معدودة، فلا يجد القاضي في كل حادثة نصا يفصل به الخصومة، فيحتاج إلى استنباط المعنى من النصوص، وإنما يمكنه ذلك إذا كان عالما بالاجتهاد.
ثم الاجتهاد إنما يكون حجة إذا لم يكن مخالفا للكتاب والسنة.
وإنما يمكنه أن يعرف أنه لم يخالف الكتاب والسنة إذا كان عالما بالكتاب والسنة.
فصار العلم بهذه الجملة شرطا.
وذكر الخصاف [﵀] شرطا آخر: وهو أن يكون عدلا،
стр. 17
وهو مذهب الشافعي ﵁ -إلا أن الشافعي شرط العدالة شرطا لازما، حتى لو تقلد القضاء وهو غير عدل لا يصير قاضيا، ولو قضى لا ينفذ قضاؤه.
وجعل الخصاف ﵀ العدالة شرط الأولوية فإن الأولى أن يكون القاضي عدلا، كما أن الأولى أن القاضي لا يقضى بشهادة الفاسق، ومع هذا إذا قضى بشهادة الفاسق ينفذ قضاؤه، كذلك ههنا، الأولى أن لا يتقلد الفاسق القضاء، ومع هذا إذا تقلد يصير قاضيا، ولو قضى ينفذ قضاؤه.
[بيان من يجوز تقلد القضاء منه]
[٦] وأما بيان من يجوز تقلد القضاء منه فيجوز تقلد القضاء من السلطان العادل والجائز جميعا:
أما العادل فإن النبي ﷺ -بعث معاذا إلى اليمن
стр. 18
قاضيا. وولى عتاب بن أسيد أميرا على مكة.
وأما الجائر فإن الصحابة ﵃ -تقلدوا الأعمال عن معاوية بعد ما أظهر الخلاف مع علي ﵁، والحق مع علي ﵁ -في توبته.
стр. 19
لكن أنما يجوز تقلد القضاء من السلطان الجائر إذا كان يمكنه من القضاء بحق.
وأما إذا كان لا يمكنه فلا، لما روي عن الحكم بن عمرو الغفاري أنه أتاه كتاب معاوية، وكان فيه:
أن أمير المؤمنين يأمرك أن تصطفى له الصفراء والبيضاء.
فقال: سبق كتاب الله تعالى كتاب [أمير المؤمنين] معاوية، وتلا قوله تعالى:
﴿واعلموا أن ما غنمتم من شيء [فإن لله خمسة] … ﴾ الآية.
ثم صعد المنبر وقال:
يا أيها الناس: لقد أتاني كتاب أمير المؤمنين، وقد أمرني أن
стр. 20
صفى له الصفراء والبيضاء، وقد سبق كتاب الله [تعالى] كتاب معاوية، وأني قاسم لكم ما أفاء الله عليكم، إلا فليقم كل واحد منكم فليأخذ حقه، ثم قال اللهم اقبضني إليك، فما عاش [بعد ذلك] إلا قليلا.
[جواز الدخول في القضاء مختارا]
[٧] وأما جواز الدخول في القضاء [فقد] اختلفوا فيه:
فمنهم من قال: يجوز الدخول فيه مختارا؛ لأن الأنبياء، والرسل، والخلفاء الراشدين اشتغلوا به [باختيارهم]. ولأن
стр. 21
هذا نيابة عن الخلفاء الراشدين، وإقامة حدود الله تعالى، فيجوز الدخول فيه مختارا.
ومنهم من قال: لا يجوز الدخول فيه إلا مكرها؛ ألا ترى أن ابا حنيفة ﵁ -دعى إلى القضاء ثلاث مرات فأبى، حتى ضرب في كل مرة ثلاثين سوطا، فلما كان في المرة الثالثة قال: حتى استشير أصحابي، فاستشار أبا يوسف ﵀، فقال أبو يوسف ﵀: لو تقلدت نفعت الناس. فنظر إليه نظر المغضب وقال: أرأيت لو أمرت أن اعبر البحر سباحة، أكنت اقدر عليه؟ وكأني بك قاضيا.
стр. 22
وكذا دعي محمد ﵀ -إلى انقضاء، فأبى حتى قيد وحبس فاضطر إليه فتقلد.
والصحيح أن الدخول في القضاء مختارا رخصة والامتناع عزيمة.
أما الدخول رخصة فلما قلنا.
و [أما] الامتناع عزيمة فلوجهين:
أحدهما: أن القاضي مأمور بالحق، وعسى [أن] يظن في الابتداء أنه يقضى بحق، ثم لا يقضي في الانتهاء.
والثاني: أنه لا يمكنه القضاء إلا بمعاونة غيره، وعسى [أن] يعينه غيره، وعسى [أن] لا يعينه [غيره].
* * *
стр. 23
إذا عرفنا هذه المقدمات جئنا إلى ما افتتح صاحب الكتاب به الكتاب والله أعلم بالصواب.
* * *
стр. 24
الباب الأول ما جاء في الدخول في القضاء
[٨] افتتح صاحب الكتاب بحديث عائشة ﵂ -أنها قالت:
"يجاء بالقاضي العدل يوم القيامة، فيلقى من شدة الحساب ما يود أنه لم يكن قضى بين اثنين".
أورد هذا الحديث المحدثون للتخدير عن طلب القضاء والدخول
стр. 25
فيه؛ فإنه ذكر هذا في حق العادل في هذا الحديث؛ فإذا كان هذا حال العادل فما ظنك بالجائر؟
فكأن شدة الحساب والعقاب تعم جميع القضاة، إلا ن العادل ينجيه الله تعالى بعدله، والجائر يبقى في وبال ما فعل.
[٩] ذكر عن صعصعة بن صوحان أنه قال:
خطبنا علي بن أبي طالب ﵁ -بذي قار على ظرب. وذي قار اسم موضع وظرب بالظاء رأس جبل، ويروى بالضاد، وهو تل؛ فإنهم كانوا يخطبون على الجبال والتلال؛ ليكون أبلغ وأشهر في الأسماع، ولهذا جرت العادة باتخاذ المنابر.
قال: وعلى رأسه عمامة سوداء.
وإنما تعمم بعمامة سوداء اقتداء برسول الله ﷺ ، فإن النبي ﵊ كان على رأسه يوم فتح مكة عمامة سوداء، وعصب عليها عصابة حمراء.
стр. 26
نتعمم علي ﵁ -بعمامة سوداء اقتداء به.
ثم قال:
أيها الناس: أني سمعت رسول الله ﷺ -يقول:
"أنه ليس من وال ولا قاض إلا يؤتى به يوم القيامة حتى يوقف بين يدى الله تعالى على الصراط ثم تنشر الملائكة سيرته، أي صحيفة عمله مع رعيته، ومع من تحت يده: أعدل أم جار، فيقراها على رؤوس الخلائق يعني بين الإشهاد كما قال الله تعالى:
﴿ويوم يقوم الإشهاد﴾.
فإن كان عدلا نجاه الله تعالى بعدله، وإن كان غير عدل انتفض به الصراط انتفاضة صار بين كل عضو من أعضائه مسيرة مائة عام.
стр. 27
فتكلموا في معناه على وجهين:
منهم من قال: تعظم أعضاؤه حتى يصير بين كل عضو من أعضائه لعظمه مسيرة مائة سنة قال النبي ﷺ :
"غلظ جلد الكافر في النار أربعون ذراعًا".
стр. 28
وقال ﵊:
"ضرس الكافر في النار مثل جبل أحد".
فكذا ههنا تعظم أعضاؤه بهذه الصفة؛ ليذوق من الحساب بحسابه".
ومنهم من يقول: تتفرق أعضاؤه حتى يصير بين كل عضو من أعضائه مسيرة مائة سنة.
قال:
ثم ينخرق به الصراط، أي ينشق.
وفي رواية: ينحرف الصراط، أي يميل.
стр. 29
والأول أصح.
فما يتلقى قعر جهنم إلا بوجهه وحر جبينه.
وتكلموا في معناه على وجهين:
منهم من قال: [أن] أول ما يعذب في النار الوجه، قال الله تعالى:
﴿يوم يسحبون في النار على وجوههم﴾.
وهذا لأنه إنما قضى بالجور صيانة لوجهه فيكون الوجه هو المعذب أولا في النار.
ومنهم من يقول: يلقى في النار منكوسًا، وأشد ما يكون من العذاب أن يلقى المرء في النار منكوسًا فيكون مع المنافقين في الدرك الأسفل من النار.
وهذا لأنه أظهر من نفسه أنه يقضى بالعدل وقد قضى بالجور، فكان صورته صورة المنافقين، فيكون مع المنافقين في الدرك الأسفل من النار.
стр. 30
وفائدة الحديث التحذير عن طلب القضاء.
[١٠] ذكر عن سفيان بن عيينة عن مجالد بن سعيد عن مسروق قال:
ما من حكم -وفي رواية: ما من حاكم، والأول أصح -[يحكم بين اثنين] إلا جيئ به يوم القيامة وملك آخذ بهذه منه -وأشار سفيان بيده إلى قفاه -ينظر إلى الله تعالى، فإن أمره أن يلقيه القاه في مهواة سبعين خريفًا.
فهذا الحديث كالمرفوع إلى رسول الله ﷺ ؛
стр. 31
لأن الوعيد في الآخرة لا يعرف بالرأي وإنما يعرف بالسماع من رسول الله ﵊ -فصار كالمرفوع إلى رسول الله ﷺ . ففي الحديث دليل على أن الوعيد المذكور للقضاة يتناول الحكم أيضا.
وفائدة الحديث التحذير عن طلب القضاء؛ فإن أشد ما يكون من الاستخفاف أن يكون غيره آخذا بقفاه.
ثم تكلموا في معنى قوله: ينظر إلى الله تعالى من وجهين:
منهم من يقول: لم يرد به حقيقة النظر، وإنما أراد به أن ينظر أمر الله تعالى فيه؛ ليمتثل أمر الله تعالى.
ومنهم من يقول: أراد به حقيقة النظر؛ وهي الرؤية.
ثم تكلموا في الرؤية: أن الرؤية لبني آدم دون الملائكة أم لهما؟ وترك الخوض فيه أحوط.
وقوله: في مهواة سبعين خريفا، ولم يرد به حقيقة السبعين، وإنما أراد به المبالغة، فإن هذه عادة العرب أن من أراد المبالغة في شيء فإنه يذكر السبعين والأربعين.
وفائدة الحديث: التحذير عن طلب القضاء.
[١١] وذكر عن مسروق ﵀ -أنه قال:
стр. 32
لأن أقضى يومًا واحدا بحق وعدل أحب إلي من سنة اغزوها في سبيل الله تعالى.
ذكر مسروق محاسن القضاء؛ لأنه ابتلى به ومن ابتلى بشيء يذكر محاسن ذلك الشيء، هذا هو العادة. وإنما قال ذلك؛ لأن الجهاد فيه أمر بالمعروف، وفي القضاء بحق أمر بالمعروف وإظهار
стр. 33
الحق، ونصرة المظلوم، فيكون نفع القضاء أعم، وما يكون أعم نفعا كان أفضل.
[١٢] ذكر عن أبي هريرة ﵁ -قال:
قال رسول الله ﷺ :
"من جعل على القضاء فكأنما ذبح بغير سكين".
стр. 34
وفي رواية:
"من ولي القضاء فكأنما ذبح بغير سكين".
وهذا لأن السكين تؤثر في الظاهر والباطن جميعا، والذبح بغير سكين ذبح بطريق الخنق والغم ونحو ذلك، وأنه يؤثر في الباطن دون الظاهر فكذا القضاء لا يؤثر في الظاهر؛ فإنه في الظاهر حياة وفي الباطن هلاك.
[١٣] ذكر عن الحارث البصري [﵀] قال:
كانت بنو إسرائيل إذا استقضى الرجل منهم أوين له من النبوة.
وفائدة الحديث: التحذير عن طلب القضاء والدخول فيه؛ لأن
стр. 35
درجة النبوة درجة عظيمة، فمن أوين له من النبوة كان ذلك مسقطة له لا مكرمة، وهذا لأن في نبي إسرائيل من فرغ نفسه للعبادة ستين سنة كان يرجى له النبوة، فإذا اشتغل بالقضاء انقطع طمعه فيها.
[١٤] ذكر حديث أبي قلاية أنه دعي إلى القضاء فهرب حتى أتي الشام، فوافق ذلك عزل صاحبها، حتى أتى اليمامة، فقال: ما وجدت مثل القاضي إلا مثل سايح في بحر، فكم عسى أن يسبح حتى يغرق.
وهذا لأن الغالب من حال السابح في البحر الهلاك، والنجاة نادرة، فكان من الغالب من حال الداخل في القضاء الهلاك والنجاة نادرة. فكأن حديث أبي قلابة بلغ أبا حنيفة ﵀ -حتى قال أبي يوسف: لو أمرت أن اعبر البحر سباحة أكنت أقدر عليه؟!
وفائدة الحديث ما قلنا.
стр. 36
[١٥] وذكر أن الحكم بن أيوب كتب في نفر يستعملهم على القضاء، فقال أبو الشعثاء جابر بن زيد بن عمرو: أن الحكم بن أيوب قد كتب يذكرني في هؤلاء، وما أملك من الدنيا إلا حماري هذا، ولو أرسل إلي لركبته وهربت في الأرض.
وفائدة الحديث ما قلنا.
[١٦] ذكر عن شريح أنه قال:
إنما القضاء جمر فادفع الجمر عنك بعودين.
стр. 37
يعني بشاهدين.
وتأويله: أنه لما جثا الخصمان بين يدي القاضي فقد توجه الاحتراق على القاضي، فعليه أن يدفع الاحتراق عن نفسه بشهادة شاهدين فإن قضى بشهادة شاهدين فقد دفع الاحتراق عن نفسه، وأن خالف احترق في نفسه.
[١٧] ذكر عن سليمان بن جنيد المدني قال:
حدثني من سمع أبا هريرة ﵁ -يقول:
والله ليرمين الله تعالى القضاة يوم القيامة بشرر أعظم من هضاب حسمى.
الشرر هي النار. قال الله تعالى:
﴿إنها ترمى بشرر كالقصر﴾.
والمراد به النار والهضاب: تلال، وحسمى: اسم موضع، والهضبة وحدان الهضاب، وهي اسم جبال صغار في حسمى.
وقيل حسمى على وزن كسرى أصح، وهو اسم جبل عظيم.
وهذا الحديث وإن قيل في تأويله: أن المراد منه الجائر، ولكن ظاهرة يتناول القضاة العادل والجائر جميعا.
стр. 38
وفائدة الحديث ما قلنا.
[١٨] وذكر عن عبد الرحمن بن غنم الأشعري قال:
ويل لديان أهل الأرض من ديان أهل السماء يوم يلقونه، إلا من أم بالعدل وقضى بالحق، ولم يقض بهوى، ولا لقرابة، ولا لرغبة، ولا لرهبة، وجعل كتاب الله مرآة بين عينيه.
فالمراد من ديان أهل الأرض الحاكم، ومن ديان أهل السماء هو الله تعالى، وفي صفات الله تعالى الديان.
يعنى: ويل للحاكم الذي يحكم بغير حق من الله تعالى يوم القيامة.
وقوله: إلا من أم بالعدل، أي قصد العدل والإنصاف، وجعل كتاب الله تعالى مرآة بين عينيه.
[١٩] وذكر عن عمران بن الحصين أنه قضى على رجل بقضية فقال: والله لقد قضيت علي بالجور وما ألوت.
стр. 39
يعنى: وما قصرت قال الله تعالى:
﴿لا يألونكم خبالاً﴾.
يعنى لا يقصرون في إفساد أمور دينكم.
فقال: وكيف ذلك؟
قال: شهد علي بزور.
فقال: ما قضيت فهو من مالي، والله لا أجلس مجلسي هذا أبدا.
فقوله: ما قضيت فهو من مالي ضمان على طريق التبرع، أما لا يجب عليه الضمان بذلك.
وقوله: [والله] لا أجلس مجلسي هذا، يعني القاضي إنما
стр. 40
يخرج عن الوبال بأن يعتمد شاهدين، ويتأمل، وبعد الاعتماد والتأمل فقد تقع مثل هذه الحادثة، فالصواب هو الامتناع.
والله اعلم
* * *
следующие страницы →