Полный текст (1 720 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
[١٥] وذكر أن الحكم بن أيوب كتب في نفر يستعملهم على القضاء، فقال أبو الشعثاء جابر بن زيد بن عمرو: أن الحكم بن أيوب قد كتب يذكرني في هؤلاء، وما أملك من الدنيا إلا حماري هذا، ولو أرسل إلي لركبته وهربت في الأرض.
وفائدة الحديث ما قلنا.
[١٦] ذكر عن شريح أنه قال:
إنما القضاء جمر فادفع الجمر عنك بعودين.
стр. 37
يعني بشاهدين.
وتأويله: أنه لما جثا الخصمان بين يدي القاضي فقد توجه الاحتراق على القاضي، فعليه أن يدفع الاحتراق عن نفسه بشهادة شاهدين فإن قضى بشهادة شاهدين فقد دفع الاحتراق عن نفسه، وأن خالف احترق في نفسه.
[١٧] ذكر عن سليمان بن جنيد المدني قال:
حدثني من سمع أبا هريرة ﵁ -يقول:
والله ليرمين الله تعالى القضاة يوم القيامة بشرر أعظم من هضاب حسمى.
الشرر هي النار. قال الله تعالى:
﴿إنها ترمى بشرر كالقصر﴾.
والمراد به النار والهضاب: تلال، وحسمى: اسم موضع، والهضبة وحدان الهضاب، وهي اسم جبال صغار في حسمى.
وقيل حسمى على وزن كسرى أصح، وهو اسم جبل عظيم.
وهذا الحديث وإن قيل في تأويله: أن المراد منه الجائر، ولكن ظاهرة يتناول القضاة العادل والجائر جميعا.
стр. 38
وفائدة الحديث ما قلنا.
[١٨] وذكر عن عبد الرحمن بن غنم الأشعري قال:
ويل لديان أهل الأرض من ديان أهل السماء يوم يلقونه، إلا من أم بالعدل وقضى بالحق، ولم يقض بهوى، ولا لقرابة، ولا لرغبة، ولا لرهبة، وجعل كتاب الله مرآة بين عينيه.
فالمراد من ديان أهل الأرض الحاكم، ومن ديان أهل السماء هو الله تعالى، وفي صفات الله تعالى الديان.
يعنى: ويل للحاكم الذي يحكم بغير حق من الله تعالى يوم القيامة.
وقوله: إلا من أم بالعدل، أي قصد العدل والإنصاف، وجعل كتاب الله تعالى مرآة بين عينيه.
[١٩] وذكر عن عمران بن الحصين أنه قضى على رجل بقضية فقال: والله لقد قضيت علي بالجور وما ألوت.
стр. 39
يعنى: وما قصرت قال الله تعالى:
﴿لا يألونكم خبالاً﴾.
يعنى لا يقصرون في إفساد أمور دينكم.
فقال: وكيف ذلك؟
قال: شهد علي بزور.
فقال: ما قضيت فهو من مالي، والله لا أجلس مجلسي هذا أبدا.
فقوله: ما قضيت فهو من مالي ضمان على طريق التبرع، أما لا يجب عليه الضمان بذلك.
وقوله: [والله] لا أجلس مجلسي هذا، يعني القاضي إنما
стр. 40
يخرج عن الوبال بأن يعتمد شاهدين، ويتأمل، وبعد الاعتماد والتأمل فقد تقع مثل هذه الحادثة، فالصواب هو الامتناع.
والله اعلم
* * *
стр. 41
الباب الثاني في الإكراه على القضاء
[٢٠] ذكر عن أنس بن مالك ﵁ -قال:
قال رسول الله ﷺ :
"من سأل القضاء وكل إلى نفسه، ومن اجبر عليه نزل عليه ملك يسدده".
[٢١] وذكر بعد هذا عن أنس ﵁ -قال:
قال [رسول الله] ﷺ :
"من طلب القضاء وطلب عليه الشفعاء وكل إليه ومن اكره على القضاء وكل به ملك يسدده".
стр. 42
وإنما كان [كذلك] لأن من سأل القضاء اعتمد فقهه وورعه وذكاءه فصار معجبا، فلا يلهم الرشد، ويحرم التوفيق، فمحال أن يشتغل المرء بالتماس ما لو ناله وكل إلى نفسه.
وأما من أكره على القضاء فقد اعتصم بحبل الله تعالى، وتوكل على الله تعالى، وقد قال الله تعالى:
"ومن يتوكل على الله فهو حسبه".
فيلهم الرشد ويوفق للصواب.
وقوله: نزل عليه ملك يسدده، يعني يلهمه الرشد، ويوفقه
стр. 43
للصواب، كما روي عن رسول الله ﷺ -أنه قال:
"أن الملك لينطق على لسان عمر".
يعنى يوفقه للصواب.
والله أعلم
* * *
стр. 44
الباب الثالث في الرخصة في القضاء
[٢٢] ذكر عن الحسن [﵀] أنه قال:
كان يقال: لأجر حكم عدل يوما واحدًا أفضل من أجر رجل يصلى في بيته سبعين سنة، أو قال ستين سنة.
وكان الحسن إذا روى حديثا عن واحد سمى ذلك الواحد، فإذا روى عن غير واحد قال: كان يقال.
والحسن كان [قد] ابتلى بالقضاء، ومن ابتلى بشيء يروي في ذلك الباب ما يرجع في محاسن ذلك الشيء.
стр. 45
ثم قوله: لأجر حكم عدل … الحديث إشارة إلى ما ذكرناه من قبل أن في نبي إسرائيل كان إذا فرغ الرجل نفسه لعبادة [ربه] ستين سنة ترجى له النبوة، ويصير عظيم الشأن في ما بينهم، ولا نبي في شريعتنا بعد نبينا ﵊، فيكون ثواب القضاء بحق موازيا ثواب من فرغ نفسه لعبادة ستين سنة، ويكون هذا أفضل بهذا الحديث.
ولأنا قد ذكرنا من قبل أن القضاء بحق أفضل من الجهاد في سبيل الله، والجهاد في سبيل الله أفضل من التخلي لنفل العبادة، فلأن يكون القضاء بحق أفضل من التخلي لنفل العبادة أولى.
ثم قال الحسن: نعم أنه يدخل من عدله في ذلك اليوم على كل أهل بيت من المسلمين خيرًا، وإنما يكون كذلك لأن بالعدل يمطرون، وبالجور يقحطون، فكان نفع القضاء بحق راجعا إلى كل المسلمين.
[٢٣] ذكر عن أبي عبيدة قال:
إن الحكم العدل يسكن الأصوات عن الله تعالى، وأن الحكم الجائر تكثر منه الشكاية إلى الله تعالى.
стр. 46
وإنما كان [كذلك]، لأن القضاء متى كان بحق، لا يرجع كل واحد منهما شاكيا:
أما المحكوم له: فلا شك؛ لأنه يرجع شاكرا لا شاكيا.
وأما المحكوم عليه: فكذلك؛ لأنه يعلم أن الشكاية لا تنفعه.
وإذا كان الفضاء بجور يرجع كل واحد منهما شاكيا:
أما المحكوم عليه فلا شك.
وأما المحكوم له فلأنه وقع في الحرام، ولا يأمن أن يبتليه الله تعالى بقاض يحكم عليه بالجور.
[٢٤] ذكر عن الحسن [﵀] أنه قال:
إن الله -أخذ على الحكام ثلاثًا …
وهذا ليس إلى الحسن علمه، والظاهر أنه سمع فيه حديثا، أو حفظه من الكتب؛ فإنه كان ينظر في كتب المتقدمين، ويحفظ، ويروى، ثم قال:
لا تتبعوا الهوى …
стр. 47
فيه دليل على أن المنهى [عنه إنما هو] إتباع الهوى، لا نفس الهوى. وهذا لأن الإنسان إنما يخاطب بالامتناع عما في وسعه، ونفس الهوى ليس في وسعه الامتناع عنه، فإنه إذا جثا الخصمان بين يديه لابد له أن يقع في قلبه أنه ينبغي أن يكون المال لهذا أو لهذا، لكن هذا لا يمكن التحرز عنه، فلا يخاطب بالامتناع عنه، إنما يخاطب بما في وسعه، وهو الامتناع عن إتباع الهوى، قال الله تعالى:
﴿يا داود إنا جعلناك في الأرض خليفة فاحكم بين الناس بالحق ولا تتبع الهوى﴾ الآية.
ثم قال:
وأن تخشوه، ولا تخشوا الناس.
لقوله تعالى: ﴿فلا تخشوا الناس واخشوني﴾.
ولقوله ﵊:
"من خاف الله تعالى خافه كل شيء، ومن خاف الناس أخافه
стр. 48
الله من كل شيء".
وهذا لأنه متى خاف الناس لا يمكنه أن يطلب رضا الله تعالى، ومتى خاف الله تعالى يحصل رضا الله تعالى ورضا الناس.
ثم قال:
ولا تشتروا بآياته ثمناً قليلاً.
إنما أراد به النهي عن أخذ الرشوة؛ لقوله تعالى:
﴿سماعون للكذب أكالون للسحت﴾.
стр. 49
وأراد به والله أعلم الرشوة.
وهذا لأنه لا يخلو: أما أن يأخذ الرشوة ليقضى بالجور، وهذا حرام، أو يأخذ الرشوة ليكف عن الظلم، والكف عن الظلم واجب بدون الرشوة.
[٢٥] قال صاحب الكتاب:
وقد جاء في كراهية القضاء، وفي الدخول فيه من الأحاديث غير هذا.
[٢٦] قال: وقد دخل في القضاء قوم صالحون واجتنبه قوم صالحون، وترك الدخول فيه [أمثل، و] أصلح في الدين والدنيا لما ذكرنا من الفقه في صدر الكتاب.
وهذا إذا كان في البلدة قوم يصلحون، فإذا امتنع واحد منهم لا يأثم، وإذا لم يكن فامتنع يأثم.
وإذا كان في البلدة قوم يصلحون، فامتنعوا جميعهم، فإن كان السلطان بحيث لا يفصل الخصومات بنفسه [فإنهم] يأثمون؛ لأنه تضييع لأحكام الله تعالى.
فأما إذا كان السلطان بحيث يفصل بنفسه لا يأثمون؛ لأنه
стр. 50
لا تضييع لأحكام الله تعالى.
ولو امتنع الكل حتى ولوا جاهلا يشتركون في الآثم؛ لأنه يؤدى إلى تضييع أحكام الله تعالى فلا يحل لهم السكوت.
والله أعلم بالصواب
* * *
стр. 51
الباب الرابع في اجتهاد الرأي في القضاء
[٢٧] ذكر عن ابن بريدة عن أبيه قال:
قال رسول الله ﷺ :
"القضاة ثلاثة: اثنان في النار وواحد في الجنة؛ رجل علم فقضى بما علم فهو في الجنة .... ".
لأنه أظهر الحق بعلمه، وأنصف المظلوم ن خصمه فهو في الجنة.
ثم تكلم العلماء [في] أنه هل يجوز إطلاق اسم خليفة الله تعالى عليه؟
وأكثرهم على أنه يقال: خليفة رسول الله [ ﷺ ] ووارثه، ولا [يجوز أن] يقال خليفة الله تعالى؛ لأن هذا الاسم خاص للأنبياء.
قال:
" … ورجل جهل فقضى بجهله فهو في النار … "
стр. 52
لأنه جازف، وتخبط في ما صنع.
قال:
" … ورجل علم فقضى بغير علمه فهو في النار" لأنه كابر الحق، وأقدم على النار عن بصيرة.
стр. 53
[٢٨] ذكر عن ابن بريدة [أيضا] عن أبيه عن رسول الله ﷺ -أنه قال:
"القضاة ثلاثة … " على ما بينا في الحديث الأول وزاد فيه: " … وقاض قضى بغير علم فاستحيى أن يسأل فهو في النار".
فينبغي للقاضي أنه إذا لم يعلم جواب الحادثة أن لا يستحيى من السؤال، ولا يستحيى أن يقول لا أدري متى لم يدر؛ فإنه روي عن عبد الله بن عمر ﵄ -أنه سئل عن مسألة فقال: لا أدري، ثم قال في نفسه: بخ بخ لابن عمر لم يدر فقال لا أدري.
стр. 54
وهذا لأنه متى لم يدر يفترض عليه السؤال؛ فإذا ترك فقد ترك ما هو فرض عليه، فهو في النار.
[٢٩] ذكر عن علي بن أبي طالب ﵁ -أنه قال:
"الحكام ثلاثة: اثنان في النار وواحد في الجنة: رجل ترك الحق
стр. 55
عيانا وهو يراه فهو في النار، ورجل حكم فاجتهد فأصاب فهو في الجنة، ورجل حكم فاجتهد فاخطأ فهو في النار".
وهذا الحديث أفاد مثل ما أفاد الحديث الأول، إلا أن فيه زيادة شيء، فإنه قال: "ورجل حكم فاجتهد فاخطأ فهو في النار".
وقد صح في الحديث المرفوع إلى رسول الله ﷺ -أنه قال:
"إذا اجتهد فأصاب فله أجران، وإن اجتهد فاخطأ فله اجر واحد".
стр. 56
فلابد من التوفيق بين هذا الحديث المرفوع وبين حديث علي كرم الله وجهه.
ووجه التوفيق من وجهين:
أحدهما: أن تأويل ما ذكر في الحديث المرفوع، أنه اجتهد فكان من أهل الاجتهاد.
وتأويل ما ذكر في حديث علي ﵁ -أنه اجتهد ولم يكن من أهل الاجتهاد، وإذا لم يكن من أهل الاجتهاد لم يحل له الاجتهاد، فإذا اجتهد فهو في النار.
وإلى هذا أشار علي ﵁ -على ما ذكر، وقال: هو الحروري اجتهد فاخطأ فهو في النار.
стр. 57
والحروريون قوم من الخوارج لا يأخذون بسنة رسول الله ﷺ ، ويقولون: ما وجدنا في كتاب الله تعالى نعمل به، وما لم نجد في كتاب الله تعالى لا نعمل به، ولهذا لا يرون الرجم ونصاب السرقة.
والثاني: أن تأويل ما ذكر في الحديث المرفوع أنه اجتهد في محل الاجتهاد،
وتأويل ما ذكر في حديث علي ﵁: أنه اجتهد بذلك في غير محل الاجتهاد؛ بأن اجتهد في موضع النص.
الدليل عليه ما روي عن الحسن البصري ﵀ -أنه دخل على إياس بن معاوية بعد ما قلد القضاء، فوجده باكيا حزينا، فقال له
стр. 58
الحسن: ما أصابك؟ فقال له: أتفكر في قول النبي علي ﵁: أنه من اجتهد فاخطأ فهو في النار.
فتلا عليه الحسن قوله تعالى:
﴿وداود وسليمان إذ يحكمان في الحرث … ﴾ الآية.
لأن داود ﵇ -كان مجتهدا، وسليمان اجتهد وأصاب، وقد مدحهما الله تعالى بقوله:
﴿وكلا آتينا حكم وعلما﴾.
فبين له الحسن بهذا أنه أنما قال علي ﵁ -في من لم يكن
стр. 59
من أهل الاجتهاد، أو اجتهد في غير محل الاجتهاد.
فهذا هو التوفيق بين الحديثين.
[٣٠] ذكر عن قتادة عن أبي موسى الأشعري ﵀ -أنه قال:
"لا ينبغي للقاضي أن يقضى حتى يتبين له الحق كما يتبين الليل من النهار" فبلغ ذلك عمر بن الخطاب ﵁ -فقال: "صدق".
стр. 60
وهذا لأن النبي -عليه [الصلاة و] السلام -قد أخذ على الشاهد هذا، فقال:
"إذا رأيت مثل الشمس فاشهد وإلا فدع".
وولاية القضاء فوق ولاية الشهادة؛ لأن القضاء ملزم بنفسه والشهادة غير ملزمة بنفسها، حتى ينضم إليها القضاء.
فإذا أخذ هذا على الشاهد كان على القاضي بطريق الأولى.
وهذا إنما يكون في موضع النص؛ فإن النص مقطوع به
стр. 61
فيتبين له به الحق كما يتبين الليل من النهار، فإما في غير موضع النص فلا؛ لأن في غير موضع النص يقضى بالاجتهاد، والاجتهاد ليس بدليل مقطوع به، فلا يتبين له به الحق كما يتبين الليل من النهار.
[٣١] ذكر عن الشعبي أنه قال له رجل: اقض بيننا بما أراك الله تعالى، فقال [له] الشعبي: لسن تراني قاضيا.
قوله: بما أراك الله تعالى: أي بما علمك الله تعالى وهداك وأمرك، والله تعالى أمره بالقضاء بالحق.
وقول الشعبي: لست تراني قاضيا تكلموا فيه على ثلاثة أوجه:
منهم من قال: [معناه] لست من المجتهدين الذين يصيبون الحق باجتهادهم، وهم الأنبياء -عليهم الصلاة والسلام -؛ فأنا قاض، ولست بنبي، وأنت بهذا القول تعتقد أني نبي ولست بقاض؛ فيكون هذا دليلا على [أن] المجتهد يخطئ ويصيب.
ومنهم من قال: معناه: لست تراني قاضيا؛ لأنك تطلب مني ما لا
стр. 62
طريق إلى التوصل إليه، وهو الوصول إلى الحق لا محالة.
ومنهم من قال: معناه: لست تراني قاضيا بعد هذا؛ فإني لا اجلس مجلس القضاء؛ فإني ما علمت أن الخصوم يطلبون الصواب لا محالة من القاضي، فإذ علمت الآن، فلا أجلس مجلس القضاء بعد هذا.
وفائدة الحديث أن المجتهد يخطئ ويصيب.
[٣٢] ذكر عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵁ -أنه سمع رسول الله ﷺ -يقول:
"إذا حكم الحاكم فاجتهد فأصاب فله أجران وإذا حكم واجتهد فاخطأ فله أجر واحد".
لأنه إذا أصاب فله أجر الاجتهاد وأجر إظهار الحق، وإذا اخطأ
стр. 63
فله أجر الاجتهاد لا غير؛ لأنه ما أظهر الحق.
وهذا إذا اجتهد في محل الاجتهاد.
أما إذا اخطأ في غير محل الاجتهاد فلا يثاب؛ لأنه مقصر كما في التحري في باب القبلة إذا تحرى وصل فاخطأ؛ إن تحرى في موضع التحري بأن تحرى عن عدم الأدلة والعلامات أجزأه، وإن اخطأ لا في محل التحري بأن تحرى عند وجود العلامات من المحاريب وغيرها لم يجز لما قلنا.
وفائدة الحديث أن المجتهد قد يخطي وقد يصيب.
[٣٣] ذكر بعد هذا حديث أبي هريرة ﵁.
[٣٤] ذكر عن عمر ﵁ -أنه قضى بقضاء فقال رجل:
стр. 64
هذا والله الحق، فسكت عمر ﵁، ثم عاد إلى القضاء، وقضى، فعاد الرجل إلى ذلك ثانيا، ثم عاد عمر إلى القضاء، فعاد الرجل إلى ذلك ثالثا، فقال عمر ﵁ -ما يدريك؟ فوالله ما يدري عمر أصاب الحق أم اخطأ ولكنه لا يألو.
فيه دليل على أن الإنسان إذا سمع من الإنسان كلاما لا يكون موضعا له لا يرد عليه في المرة الأولى؛ لأن في المرة الأولى يجوز أن يجري على لسانه غلط، فإذا تأكد بالتكرار يستدل به على أنه إنما قال عن قصد فحينئذ يرد عليه.
стр. 65
وقول عمر ﵁: لا يألو يعني: لا يقصر.
وفائدة الحديث أن المجتهد يخطى ويصيب.
[٣٥] وعن شريح أنه قضى بقضية فقال له رجل: والله لقد قضيت على بغير حق، فقال شريح: والله ما أنا بشاق الشعرة شعرتين.
يعنى: لست من المجتهدين الذين يصيبون الحق باجتهادهم، كما أني لست بقادر على أن اجعل الشعرة شعرتين، وإنما علي أن اعتمد البينة وأقضى بها، وقد أتيت بما أمرت به، فبعد ذلك لا يضرني قولك
стр. 66
أخطأت.
وفيه دليل على أنه ينبغي للقاضي أن يحلم عن الخصوم، ولا يضجر إذا سمع بمثل هذا الكلام، ألا ترى أن شريحا قال: ما أنا بشاق الشعرة شعرتين.
وهكذا ينبغي للمفتي أن يحلم عن المستفتى في مثل هذا، ولا يضجر.
[٣٦] ذكر عن ابن سيرين قال:
قال عمر ﵁:
أني قضيت في الجد قضايا مختلفة كل ذلك لا آلو فيه عن الخير.
стр. 67
يعنى: لا أقصر في طلب الحق.
في الحديث دليل على أن المجتهد يخطئ ويصيب.
وفيه دليل أيضا أن كل حكم امضي بالاجتهاد لا ينقض باجتهاد مثله.
[بم يقضى القاضي]:
[٣٧] قال أحمد بن عمر صاحب الكتاب ﵀:
وينبغي للقاضي أن يقضى بما في كتاب الله تعالى من الأحكام التي لم تنسخ؛ لأن الكتاب أمام المتقين وأمام كل حجة.
فإن ورد عليه شيء لم يعرفه في كتاب الله تعالى قضى في ذلك بما جاء فيه عن رسول الله ﷺ . لأنا أمرنا بإتباع الرسول ﵊ -قال تعالى:
﴿وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا … ﴾ الآية.
فإن لم يجد نصا جاء عن رسول إلى ﷺ ، قضى فيه بما اجتمع عليه أصحاب رسول الله ﷺ .
стр. 68
قال النبي ﷺ :
"عليكم بسنتي وسنة الخلفاء من بعدي عضوا عليها بالنواجذ". هذا إذا كان بينهم اجتماع.
فإن كان بينهم اختلاف، فإن كان القاضي من أهل التمييز والنظر ميز بين أقاويلهم، ورجح قول البعض على البعض، ونظر إلى أشبهها بالحق، وأقربها إلى الصواب، وأحسنها عنده، وقضى به؛ لما روى عن رسول الله -صلى والله عليه وسلم -أنه قال:
стр. 69
"أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم".
فإن كان شيء لم يأت فيه عن الصحابة شيء وكان فيه إجماع التابعين، يقض به؛ لأن إجماع أهل كل عصر حجة، فإذا اجتمعوا صار ذلك سبيل المؤمنين، فلا يسعه أن يخالفهم.
стр. 70
فإن كان فيه اختلاف بينهم صار إلى النظر والاجتهاد والتمييز، فيرجح قول البعض ويقضى به.
وإن ورد عليه شيء لم يجد فيه أيضا شيئا من التابعين، فإن كان من أهل الاجتهاد قاسه على ما يشبهه من الأحكام واجتهد رأيه، وتحرى الصواب ثم يقضي به.
فإن لم يكن من أهل الاجتهاد يستفت في ذلك، فيأخذ بفتوى المفتى، ولا يقضى بغير علم، ولا يستحيى من السؤال؛ كي لا يلحقهم الوعيد المذكور في ما رويناه من الحديث.
[٣٨] ثم نقول:
لابد من معرفة المذهب في ثلاثة فصول:
أحدها: في تقليد الصحابة ﵃ -وأقوالهم.
والثاني: في تقليد التابعين وأقوالهم.
والثالث: في اجتهاد الرأي والنظر.
стр. 71
[الفصل الأول]
[في تقليد الصحابة]
[٣٩] أما الأول: فحاصل ما روي عن أبي حنيفة ﵀ -فيه ثلاث روايات:
[٤٠] أما الأولى: [فقد] قال: اقلد من كان من القضاة والمفتين من الصحابة ﵃ -لقوله ﵊:
"اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر".
وقد اجتمع في حقهما القضاء والفتيا، فمن كان بمثابتهما مثل عثمان وعلي والعبادلة الثلاثة، وزيد بن ثابت، ومعاذ بن جبل، وغيرهم،
стр. 72
ممن كان في معناهم فأقلدهم، ولا استجيز خلافهم برأي.
وخرج عن هذا جماعة منهم أبو أمامة، وسهل بن سعد الساعدي، وأبو حميد الساعدي، والبراء بن عازب وغيرهم.
[٤١] والثانية:
قال: أقلد جميع الصحابة، ولا استجيز خلافهم برأي إلا ثلاثة نفر [هم] أنس بن مالك، وأبو هريرة، وسمرة بن جندب.
فقيل له في ذلك، فقال:
أما أنس: فقد بلغني أنه اختلط عقله في آخر عمره، فكان يستفتى من علقمة، وأنا لا أقلد علقمة، فكيف أقلد من يستفتى من
стр. 73
علقمة.
وأما أبو هريرة فكان يروى كل ما بلغه وسمعه من غير أن يتأمل في المعنى ومن غير أن يعرف الناسخ والمنسوخ.
وأما سمرة بن جندب، فقد بلغني عنه أمر ساءني، والذي بلغه عنه أنه كان يتوسع في الأشربة المسكرة سوى الخمر فلم يقلدهم في فتواهم.
أما في ما رووا عن رسول الله ﷺ ، فيأخذ بروايتهم؛ لأن كل واحد منهم موثوق به في ما يروى.
[٤٢] والثالثة:
قال: ما بلغني عن صحابي أنه أفتى به فأقلده ولا استجيز خلافه.
стр. 74
يعنى أقلد جميع الصحابة.
وهو الظاهر من المذهب.
وهذا لأنه لا يخلو: أما أن قالوا ذلك جزافا أو سماعا أو اجتهادا.
ولا يظن بهم أنهم قالوا جزافا.
فإذا كان سماعا لزم كل واحد منهم الانقياد له.
وأن كان اجتهادا فاجتهادهم أولى من اجتهاد غيرهم؛ لأنهم يوفقون للصواب ما لا يوفق غيرهم لذلك.
[الفصل الثاني]
[في تقليد التابعين]
[٤٣] وأما الكلام في الثاني فعن أبي حنيفة ﵀ -روايتان في ذلك:
في رواية قال: لا أقلدهم؛ هم رجال اجتهدوا ونحن رجال نجتهد، وهو الظاهر من المذهب.
والثاني ذكر في النوادر قال: من كان من أئمة التابعين وأفتى في زمن الصحابة وزاحمهم في الفتوى وسوغوا له الاجتهاد، فأنا أقلده
стр. 75
مثل شريح، والحسن، ومروق بن الأجذع، وعلقمة.
وهذا لأنهم لما بلغوا درجة الفتوى في زمن الصحابة،
следующие страницы →