Полный текст (1 720 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.
стр. 71
[الفصل الأول]
[في تقليد الصحابة]
[٣٩] أما الأول: فحاصل ما روي عن أبي حنيفة ﵀ -فيه ثلاث روايات:
[٤٠] أما الأولى: [فقد] قال: اقلد من كان من القضاة والمفتين من الصحابة ﵃ -لقوله ﵊:
"اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر".
وقد اجتمع في حقهما القضاء والفتيا، فمن كان بمثابتهما مثل عثمان وعلي والعبادلة الثلاثة، وزيد بن ثابت، ومعاذ بن جبل، وغيرهم،
стр. 72
ممن كان في معناهم فأقلدهم، ولا استجيز خلافهم برأي.
وخرج عن هذا جماعة منهم أبو أمامة، وسهل بن سعد الساعدي، وأبو حميد الساعدي، والبراء بن عازب وغيرهم.
[٤١] والثانية:
قال: أقلد جميع الصحابة، ولا استجيز خلافهم برأي إلا ثلاثة نفر [هم] أنس بن مالك، وأبو هريرة، وسمرة بن جندب.
فقيل له في ذلك، فقال:
أما أنس: فقد بلغني أنه اختلط عقله في آخر عمره، فكان يستفتى من علقمة، وأنا لا أقلد علقمة، فكيف أقلد من يستفتى من
стр. 73
علقمة.
وأما أبو هريرة فكان يروى كل ما بلغه وسمعه من غير أن يتأمل في المعنى ومن غير أن يعرف الناسخ والمنسوخ.
وأما سمرة بن جندب، فقد بلغني عنه أمر ساءني، والذي بلغه عنه أنه كان يتوسع في الأشربة المسكرة سوى الخمر فلم يقلدهم في فتواهم.
أما في ما رووا عن رسول الله ﷺ ، فيأخذ بروايتهم؛ لأن كل واحد منهم موثوق به في ما يروى.
[٤٢] والثالثة:
قال: ما بلغني عن صحابي أنه أفتى به فأقلده ولا استجيز خلافه.
стр. 74
يعنى أقلد جميع الصحابة.
وهو الظاهر من المذهب.
وهذا لأنه لا يخلو: أما أن قالوا ذلك جزافا أو سماعا أو اجتهادا.
ولا يظن بهم أنهم قالوا جزافا.
فإذا كان سماعا لزم كل واحد منهم الانقياد له.
وأن كان اجتهادا فاجتهادهم أولى من اجتهاد غيرهم؛ لأنهم يوفقون للصواب ما لا يوفق غيرهم لذلك.
[الفصل الثاني]
[في تقليد التابعين]
[٤٣] وأما الكلام في الثاني فعن أبي حنيفة ﵀ -روايتان في ذلك:
في رواية قال: لا أقلدهم؛ هم رجال اجتهدوا ونحن رجال نجتهد، وهو الظاهر من المذهب.
والثاني ذكر في النوادر قال: من كان من أئمة التابعين وأفتى في زمن الصحابة وزاحمهم في الفتوى وسوغوا له الاجتهاد، فأنا أقلده
стр. 75
مثل شريح، والحسن، ومروق بن الأجذع، وعلقمة.
وهذا لأنهم لما بلغوا درجة الفتوى في زمن الصحابة،
стр. 76
وسوغ الصحابة لهم الاجتهاد صار قولهم كقول الصحابة ﵃.
فعلى هذه الرواية لا يحتاج إلى الجواب عن قول من يقول: لم ذكر أو حنيفة ﵁ -أقاويلهم في الكتب.
وعلى ظاهر المذهب يحتاج: فنقول: إنما ذكر [ها] لا محتجا بها، بل بيانا أنه لم يستبد بهذا القول، بل سبقه غيره، وقال متبعا، لا مبتدعا.
[الفصل الثالث]
[قي اجتهاد الرأي والنظر]
[٤٤] وأما الكلام في الثالث، فلابد من معرفة تفسير الاجتهاد وأهلية الاجتهاد:
[معنى الاجتهاد]
[٤٥] أما تفسير الاجتهاد: فالاجتهاد بذل المجهود في طلب المقصود.
[أهلية الاجتهاد]
[٤٦] وأما أهلية الاجتهاد [فقد] تكلموا فيها:
стр. 77
قال بعض مشايخنا
ينبغي أن يكون صاحب حديث له معرفة بالمعنى، أو صاحب فقه له معرفة بالحديث.
وقال بعضهم هذا، وأن يكون صاحب قريحة يعرف أحوال الناس وعاداتهم وعرفتهم؛ لأن العرف قد يغلب على القياس؛ ألا ترى أن الاستصناع جوز عرفا بخلاف القياس.
وقال الشيخ الإمام شمس الأئمة أبو بكر محمد [بن أحمد] بن أبي سهل السرخسي ﵀:
стр. 78
إن كان يحفظ المبسوط، ويحفظ مذهب المتقدمين فله آن يجتهد.
[معرفة المذهب حال الاتفاق والاختلاف بين أصحاب أبي حنيفة]
[٤٧] ثم نقول:
لابد من معرفة المذهب في فصلين:
أحدهما: أنه إذا اتفق أصحابنا في شيء: أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد ﵏.
والثاني: إذا اختلفوا في ما بينهم.
[٤٨] أما الأول: فلا يسع القاضي أن يخالفهم برأيه؛ لأن
стр. 79
الحق لا يعدوهم؛ فإن أبا يوسف ﵀ -كان صاحب حديث، حتى روى عنه أنه قال: أحفظ عشرين ألف حديث من المنسوخ، فإذا كان يحفظ من المنسوخ هذا القدر فما ظنك بالناسخ، وكان صاحب فقه ومعنى أيضا.
ومحمد ﵀ -كان صاحب قريحة، وصاحب فقه ومعنى، ولهذا قل رجوعه في المسائل، وكان مهديا، ومقدما في معرفة اللغة والإعراب، وله معرفة بالأحاديث أيضا.
وأبو حنيفة ﵀ -كان مقدما في ذلك كله، إلا أنه قلت روايته في ذلك، لمذهب خاص له في باب الحديث؛ وهو أنه أنما تحل رواية الحديث إذا كان يحفظ الحديث من حين يسمع، إلى حين يروي.
[٤٩] وأما الثاني: فقد اختلفوا فيه:
قال عبد الله بن المبارك:
стр. 80
يؤخذ بقول أبي حنيفة ﵀؛ لأنه كان من التابعين وزاحهم في الفتوى.
وقال المتأخرون من مشايخنا:
إذا اجتمع اثنان [منهم] على شيء، وفيهما أبو حنيفة، يؤخذ بقولهما، وإن كان أبو حنيفة من جانب وهما من جانب، فإن لم يكن من أهل الاجتهاد والنظر يستفت غيره، فيأخذ بقوله بمنزلة العامي.
[المشاورة مع الاجتهاد ومعرفة المذهب]
[٥٠] قال:
стр. 81
فإن كان في المصر قوم من أهل الفقه شاورهم في ذلك.
لأن الله تعالى أمر رسوله بذلك بقوله تعالى:
﴿وشاورهم في الأمر﴾.
والقاضي لا يكون أفضن في نفسه من الرسول ﵇.
ولأن المشورة تفتح العقول.
[٥١] فإذا شاورهم فإن اتفقوا على شيء وكان رأيه كرأيهم فصل الحكم.
وأن اختلفوا: نظر إلى أقرب الأقاويل عندهم من الحق، وأمضى ذلك أن كان من أهل الاجتهاد.
[٥٢] ولا يعتبر كبر السن، ولا كثرة العدد.
أما كبر السن: فلأن الأصغر في السن قد يوفق الصواب في حادثة ما لا يوفق [له] الأكبر]:
ألا ترى أن عمر -رضي الله -[عنه] كان يشاور ابن عباس ﵁.
وكان يقول [له]:
غص يا غواص.
стр. 82
وكان إذا أصاب يقول له:
شنشنة اعرفها من أخزم.
وهذا مثل تذكره العرب لمن يشبه أباه، وكان يأخذ بقوله، وعمر ﵁ كان أكبر منه سنا.
وأما كثرة العدد: فلأن الواحد قد يوفق للصواب ما لا توفق الجماعة: ألا ترى أن شهادة الواحد على رؤية الهلال إذا كانت السماء مغيمة مقبولة؛ لأنه قد يوفق للرؤية [ولا يوفق] غيره.
[٥٣] فإن اجتمع فقهاء البلدة على شيء، وكان رأيه خلاف ذلك، فلا ينبغي [له] أن يعجل بالحكم، حتى يكتب فيه إلى غيرهم،
стр. 83
ويشاورهم ثم ينظر إلى أحسن ذلك فيعمل به؛ لأن المشورة بالكتاب من الغائب بمنزلة المشورة من الحاضر بالخطاب.
ألا ترى أن عمر بن الخطاب ﵁ -كان يكتب إلى أبي موسى الأشعري، وأبو موسى أيضا كان يكتب إليه [ويشاوره] ويستشيره؛ فإن وافق رأيهم رأيه قضى به، وإن خالف رأيه قضى برأي نفسه؛ لأن رأيه صواب عنده، ورأي غيره ليس بصواب عنده، فيقضى بما عنده، لا بما عند غيره.
[٥٤] قال:
وإذا أشكل على القاضي شيء فشاور في ذلك رجلا واحدا فقيها، فهذا على وجهين:
إن لم يكن القاضي من أهل الرأي، فهو في سعة من أن يأخذ بقوله؛
стр. 84
لأنه إذا لم يكن من أهل الرأي كان الواجب عليه أن يستفتى، ويأخذ بقول المفتى.
وإن كان من أهل الرأي، ورأيه خلاف رأي هذا الفقيه يقض برأيه؛ لأن رأيه صواب عنده، إلا أنه أمر بالمشورة في الابتداء رجاء أن ينضم رأيه إلى رأي غيره، فإذا لم ينضم لا يدع رأيه برأي غيره.
فإن قضى برأيه نفذ قضاؤه.
وإن قضى برأي الفقيه نفذ قضاؤه أيضا عند أبي حنيفة ﵀.
وعند أبي يوسف ومحمد -رحمها الله -: لا ينفذ، حتى لو صارت الحادثة معلومة للسلطان، كان له أن ينقض ذلك القضاء الذي أمضى.
هما يقولان: أن رأيه صواب عنه، ورأي غيره خطأ عنده، فإذا قضى برأى غيره فقد قضى بما هو خطأ عنده، فلا ينفذ قضاؤه، كما إذا تحرى إلى جهة ثم ترك تلك الجهة وصلى إلى جهة أخرى بتحري غيره لا يجوز، وأن أصاب الكعبة.
стр. 85
وكذا إذا أودع عند إنسان مالا ونسى المودع المودع، فأراد المودع أن يضع زكاته فيه لا يجوز، لأن عنده أنه غنى.
وكذا إذا كان على الرجل فائتة حديثة، فافتتح الصلاة، ونسى الفائتة، فجاء رجل واقتدى به، وهو يعلم أن عليه فائتة حديثة فصلاة الإمام جائزة، وصلاة المقتدي فاسدة؛ لأن عنده أن أمامه على الخطأ، فكذا ههنا.
أبو حنيفة ﵁ يقول:
القاضي قضى في موضع الاجتهاد، فينفذ قضاؤه، كما لو قضى برأيه.
وهذا لأنه لم يتيقن بخطأ اجتهاد غيره؛ لأن المجتهد لا يقطع القول بأن الصواب في ما قال، بل عنده أن الأمر محتمل، فإذا كان محتملا ترجح ذلك الاجتهاد باتصال القضاء به فينفذ القضاء.
هذا إذا كان للقاضي رأي وقت القضاء وقد قضى برأي غيره.
وأما إذا لم يكن للقاضي رأي وقت القضاء فقضى برأي غيره ثم ظهر للقاضي رأي بخلاف ما قضى فهل ينقض قضاءه؟
стр. 86
اختلف أبو يوسف ومحمد [-رحمهما الله -] فيما بينهما:
قال أبو يوسف: لا ينقض.
وقال محمد: ينقض
محمد ﵀ -يقول:
رايه في حق وجوب القضاء عليه بمنزلة النص، ولو قضى برأيه، ثم تبين النص بخلافه، ينقض قضاؤه، كذا هذا.
وأبو يوسف ﵀ -يقول:
بأن رأي غيره، إذا لم يكن له رأي، بمنزلة رأيه، إلا ترى أنه يجب عليه القضاء برأي نفسه، ثم ظهر له رأي بخلافه، ولو كان كذلك لا ينقض قضاءه كذلك ههنا.
والله أعلم
* * *
стр. 87
الباب الخامس في ما أبيح للقاضي من الاجتهاد وما ينبغي أن يعمل به
[٥٥] بدا الباب بحديث معاذ ﵁.
وهو مشتمل على فوائد منها:
أنه ينبغي للإمام إذا قلد إنسانا عملا، أن يختبره ببعض ما يكون من عمله؛ ليعرف أيصلح لذلك العمل ويهتدي إليه أم لا؟ كما فعل الرسول ﷺ ، فإنه اختبر معاذا حيث قال: "بم تقضى يا معاذ .. ؟ " الحديث.
وفيه دليل على أن جميع الحوادث لا توجد في كتاب الله تعالى، فإنه قال:
"فإن لم تجد في كتاب الله تعالى؟ " قال: بسنة رسوله.
فيكون هذا ردا على أصحاب الظواهر حيث قالوا: الكتاب محيط بكل شيء، واعتمدوا ظاهر قوله تعالى:
﴿ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين﴾.
стр. 88
وتأويل قوله تعالى ﴿في كتاب مبين﴾ عندنا: اللوح المحفوظ.
وفيه دليل أيضا على أن جميع الحوادث لا توجد في سنة رسول الله ﷺ ؛ فإنه قال "فإن لم تجد في سنة رسول الله؟ "
وفيه دليل على فضيلة معاذ ﵁ -فإنه قال: اجتهد رأيي.
وسوغ له رسول الله ﷺ -الاجتهاد، ولم يأمره بالرجوع إليه.
[هل للصحابي أن يجتهد في زمن الرسول]
[ ﷺ -؟]
[٥٦] وهذا فصل اختلف فيه العلماء: أن الصحابي هل له أن يجتهد في زمن رسول الله ﷺ ؟
اختلفوا فيه على ثلاثة أوجه:
منهم من قال: ليس له أن يجتهد؛ لأنه يمكنه الرجوع إلى رسول الله ﷺ -فيكون الاجتهاد في موضع النص وأنه باطل.
стр. 89
ومنهم من قال: إذا كان بعيد عن رسول الله ﷺ -جاز له الاجتهاد، وإن كان بقرب منه فلا يجوز له الاجتهاد.
ومنهم من قال: له أن يجتهد؛ إلا ترى أن معاذا ﵁ -قال: اجتهد رأيي وسوغ [له] رسول الله ﷺ -ذلك.
والدليل عليه ما روي عن رسول الله ﷺ -أنه قال لأبي بكر وعمر ﵄:
"قولا، فإني في ما لم يوح إلي مثلكما".
فدل أن للصحابي أن يجتهد في زمن رسول الله ﷺ .
[اجتهاد الرسول ﷺ ]
[٥٧] وهذا ينبني على أصل آخر اختلفوا فيه وهو أن النبي ﷺ -في ما لم يوح إليه، هل كان يجتهد ويفصل به
стр. 90
الحكم؟
منهم من قال: لا، بل ينتظر الوحي.
ومنهم من قال: كان يرجع فيه إلى شريعة من قبله؛ لأن شريعة من قبله شريعة لنا، ما لم يعرف نسخه.
ومنهم من قال: كان لا يعمل بالاجتهاد إلا أن يقطع طمعه من الوحي، فإذا انقطع فحينئذ يجتهد.
فإذا اجتهد كان شريعة لنا.
فإذا نزل عليه الوحي بخلافه صار ناسخا له، ونسخ السنة بالكتاب جائز عندنا، ولا ينقض ما امضى بالاجتهاد، ويستانف القضاء في المستقبل.
[أحكام أخرى مستفادة من حديث معاذ]
[٥٨] ثم قال النبي ﷺ : "الحمد لله الذي وفق رسول رسوله لما يرضى به رسوله".
فقد عد رسول الله ﷺ -هذا من النعم التي أنعم الله بها عليه؛ ألا ترى أنه بدأ بالحمد؟ فهذا دليل على أن السلطان ينبغي له أن يعد صلاح العامل من نعم الله تعالى.
стр. 91
وكذا ينبغي للزوج أن يعد صلاح الزوجة من نعم الله تعالى، فيشتغل بالشكر على ذلك الصلاح.
وكذا المولى يعد صلاح المملوك، والوالد يعد صلاح الولد من نعم الله تعالى.
[٥٩] ثم أعاد حديث معاذ، وفيه زيادة شيء ليس في الحديث الأول، فإنه قال:
قال رسول الله ﷺ :
"فإن جاءك أمر ليس في كتاب الله تعالى ولم يقض به نبيه، ولم يقض به الصالحون … الحديث.
تكلموا فيه أنه ما المراد بقوله: الصالحون؟
منهم من قال: الأنبياء والرسل.
ومنهم من قال: أبو بكر وعمر ﵄؛ فإنه روي عن عبد الله بن مسعود ﵁[أنه] قال:
стр. 92
إذا ذكر الصالحون فحيهلا بعمر".
[عمر بن الخطاب ﵁ -يضع]
[أصولا للقضاء والقضاة]
[في مكاتباته وعهوده]
[٦٠] ذكر عن عمر بن الخطاب ﵁ -أنه كتب إلى شريح فقال:
إذا جاءك شيء في كتاب الله تعالى ناقض به، ولا يلهينك، وفي بعض النسخ: ولا يلفتنك عنه الرجال، أي لا يمنعك عن القضاء
стр. 93
بحق حشمة محتشم، ولا شيء آخر.
قال:
فإن جاءك شيء ليس في كتاب الله، وليس في سنة رسوله، فانظر إلى ما اجمع عليه الناس.
لأن إجماع الناس حجة.
ثم قال:
فإن جاءك أمر ليس في كتاب الله تعالى ولا في سنة رسوله، ولم يتكلم به أحد قبلك فاختر أي الأمرين شئت: إن شئت أن تجتهد رأيك وتتقدم، فتقدم.
يعنى أن شئت أن تجتهد فاجتهد رجاء أن توفق للصواب، فيكون لك أجران،
وإن شئت أن تتأخر فتأخر.
يعنى أن شئت أن تمتع من الاجتهاد مخافة أن تقصر في طريق الاجتهاد فتخطى فامتنع.
قال:
стр. 94
ولا أرى التأخر إلا خيرًا لك.
يعنى اسلم لدينك؛ فإن المجتهد لا يصيب الحق الذي عند الله تعالى بالاجتهاد لا محالة.
قالوا: وهذا إنما كان في زمانهم؛ فإنه كان في المجتهدين كثيرة، فإذا امتنع عن الاجتهاد واحد لا يضيع حكم الله تعالى.
وأما في زماننا ففي المجتهدين قلة، فإذا امتنع هذا فلا يوجد من يجتهد، فيؤدي إلى ضياع حكم من أحكام الله تعالى.
стр. 95
[٦١] ذكر بعد هذا حديث شريح وفيه زيادة لفظ فإنه قال:
إن لم يستبن لك في كتاب الله تعالى، ولا في سنة رسوله فاجتهد رأيك، ولا تأل.
أي لا تقصر في الاجتهاد وطلب الصواب.
[٦٢] وذكر عن عطاء بن السائب عن أبي البختري عن عمر بن الخطاب ﵁: أنه استقضى رجلا على الشام يقال له حابس بن سعد الطائي على قضاء حمص، فقال له: يا حابس كيف تقضى؟
قال: أقضى بما في كتاب الله تعالى.
قال: فإن لم يكن في كتاب الله تعالى؟
قال: فبسنة رسوله.
стр. 96
قال: فإن لم يكن في سنة رسوله؟
قال: اجتهد رأيي واستشير جلسائي.
فقال عمر ﵁: أصبت وأحسنت.
فمكث الرجل أياما، ثم لقى عمر ذلك الرجل فقال له: ما منعك أن تسير إلى عملك؟
قال: يا أمير المؤمنين، أني رأيت رؤيا هالتني -أي خوفتني.
قال: وما هي؟
قال: رأيت كأن الشمس والقمر يقتتلان.
قال ابن الفضيل، قال حابس: رأيت كأن الشمس أقبلت من المشرق في جمع كثير ورأيت كأن القمر اقبل من المغرب في جمع كثير، حتى التقيا فاقتتلا جميعا.
قال: فمه أيهما كنت أنت؟
قال: مع القمر.
فقرأ عمر ﵁ -قوله تعالى:
﴿وجعلنا الليل والنهار آيتين، فمحونا آية الليل وجعلنا آية النهار مبصرة﴾.
стр. 97
كنت مع القمر في مغرب الشمس، اردد إلينا عهدنا.
قال عطاء: فبلغني أنه قتل بصفين مع معاوية.
أفاد الحديث فوائد:
منها أن الإنسان إذا تقلد عملا من الأعمال ينبغي أن لا يتخلف،
стр. 98
ويسير إلى رأس عمله ألا ترى أن عمر ﵁ -أنكر عليه؟ وهذا لأنه التزم الأمانة، فيجب عليه أداء ولا يمكنه إلا أن يسير إلى رأس عمله؛ لينظر في أمر رعيته.
ومنها: أنه لا بأس بالفأل، ولا يكون هذا من باب الطيرة.
ومنها أن عمر ﵁ -كان يعرف التعبير، وأبو بكر ﵁ -كان مقدما عليه في علم الرؤيا؛ فإن النبي ﷺ -سأله: فقال:
"أني رأيت كأني أسوق غنمًا سودًا تتبعها عفر".
فقال أبو بكر ﵁: يتبعك العرب ثم العجم. فقال النبي -صلى الله عليه ويلم: هكذا عبر لي الملك".
стр. 99
ومنها: أن معاوية كان ذا حظ على اعتبار رؤيا الرجل، فإن الرجل كان مع القمر في مغرب الشمس، والقمر آية من آيات الله تعالى [كما أن الشمس آية من آيات الله تعالى] إلا ن الشمس أضوأ من القمر، فعلى هذا الاعتبار كان معاوية ذا حظ، إلا أن الحق كان مع علي ﵁ -في توبته، وكان حظ معاوية من الملك لا من الخلافة؛ لأن رسول الله ﷺ -قال:
"الخلافة من بعدي ثلاثون سنة ثم من بعده ملك وإمارة".
стр. 100
والخلافة تمت بموت علي ﵁، ومعاوية كان متأولا؛ فإن رسول الله ﷺ -كان قال له يوما:
"إذا ملكت أمتي فأحس إليهم".
لكنه اخطأ في التأويل؛ فإن حظه كان من الملك لا من الخلافة؛ إلا ترى أن رسول الله ﷺ -قال: "إذا ملكت أمتي .. " فثبت أنه كان متأولا فيجب كف اللسان عنه.
стр. 101
[عهد عمر بن الخطاب إلى أبي موسى]
[الأشعري في القضاء]
[أو كتاب سياسة القضاة]
[٦٣] ذكر عن عمر بن الخطاب ﵁ -أنه كتب إلى أبي موسى الأشعري … الحديث.
стр. 102
[٦٤] أورد محمد ﵀ -هذا الحديث في كتاب أدب القاضي وبدأ به الكتاب، وأورده الخصاف [﵀] ههنا، واختلف بعض الألفاظ لكن المعاني غير متفاوتة، وسمي هذا كتاب سياسة القضاة.
[٦٥] فقال:
بسم الله الرحمن الرحيم: أما بعد … وهذه كلمة فصل الخطاب، وأول من تكلم بها داود -صلوا الله [وسلامه] عليه -، قال الله تعالى:
﴿وأتيناه الحكمة وفصل الخطاب﴾.
قيل: أنه أراد به كلمة أما بعد،
стр. 103
وإنما أرد ههنا بقوله أما بعد: يعنى: بعد ما سمعت فرغ قلبك لما أقول لك.
[٦٦] ثم قال:
[فإن] القضاء فريضة محكمة.
يعني الحكم بين الخصمين بحق فريضة محكمة، كان ثابتا في شريعة من قبلنا، وبقى في شريعتنا، لم يرد عليه النسخ والتبديل.
[٦٧] [قال:]
وستة متبعة.
يعني سنة غير مهجورة.
[٦٨] ثم قال:
فافهم، إذا ادلى إليك [الخصمان].
يعني فرغ خاطرك إذا تقدم إليك الخصمان، ورفعا الحادثة إليك؛ لتسمع كلامهما، فتوصل به إلى القضاء بحق.
[٦٩] ثم قال:
стр. 104
فإنه لا ينفع تكلم بحق لا نفاذ له.
يعني المدعى ربما يقر بما يبطل حقه في دعواه، أو المدعى عليه بما يلزمه، فلا نحتاج إلى القضاء، فإذا لم تسمع ذلك لتنفذه، لا ينفع التكلم بذلك الكلام وهو حق.
[٦٩] ثم قال:
آس بين الناس.
يعنى سو بين الخصمين. لكن هذا غير مشتق من التسوية؛ لأنه لو كان مشتقا من التسوية لكان من حق الكلام أن يقول: سو، لكنه مشتق من النأسي، [و] الدليل عليه قول الخنساء:
[من الوافر]
ولولا كثرة الباكين حولي … على إخوانهم لقتلت نفسي
وما يبكون مثل أخي ولكن … اعزي النفس عنه بالتاسي
стр. 105
[يذكرني طلوع الشمس صخرا … واذكره لكل غروب شمس]
وأراد به المساواة.
[٧٠] ثم قال:
في وجهك
وأراد به التسوية بينهما في النظر إليهما؛ لأنه لو فضل أحدهما في النظر ينكسر قلب الآخر، ويضعف، فيذهب، ويترك حقه، فيكون هو المضيع لحقه.
[٧١] ثم قال:
ومجلسك.
أراد به التسوية بينهما في الجلوس.
[٧٢] ثم قال:
وعدلك.
وتفسير العدل ما نقل عن أبي بكر ﵁ -أنه سئل عن العدل على المنبر، فأجاب على البديهة فقال: [من الرجز]
العدل أن تأتي إلى أخيكا
ما مثله من نفسه يرضيكا
стр. 106
وعد هذا من فصاحة أبي بكر ﵁، حيث أجاب بهذه الصفة على البديهة.
[٧٣] ثم قال:
حتى لا يطمع شريف في حيفك.
يعنى: في ميلك؛ قال الله تعالى:
﴿أم يخافون أن يحيف الله عليهم﴾.
[٧٤] ثم قال:
ولا ييأس ضعيف من عدلك.
وذكر محمد ﵀ -في كتاب أدب القاضي: ولا يخاف ضعيف جورك، والمعنى واحد.
[٧٥] ثم قال:
البينة على المدعي واليمين على من أنكر.
وهذا حديث مرفوع إلى رسول الله ﷺ ، وهو من
стр. 107
جملة جوامع الكلم؛ فإنه تكلم بكلمتين، استنبط منهما العلماء ما بلغ دفاتر،
стр. 108
ولكل [واحدة] منهما إشارة في كتاب الله تعالى:
أما قوله: البينة على المدعي، فأشار إليه قوله ﴿قل هاتوا برهانكم … ﴾ الآية.
وقوله: اليمين على من أنكر، أشار إليه قوله تعالى: ﴿والله ربنا
стр. 109
ما كنا مشركين﴾.
[٧٦] ثم قال:
والصلح جائز بين الناس.
وذكر محمد ﵀ -في كتاب أدب القاضي: والصلح جائز بين المسلمين.
وما ذكر الخصاف ﵀ -ههنا أعم؛ لأنه يتناول المسلمين وغير المسلمين.
стр. 110
[٧٧] ثم استثنى صلحًا بوصف فقال:
إلا صلحًا حرم حلالا، أو أحل حرامًا.
وهو حجة الشافعي [﵀] علينا.
وتأويله عندنا: حرم حلالا لعينه، وهو ما إذا صالحت إحدى المرأتين على أن لا يطأ الأخرى، أو أحل حراما لعينه، وهو ما إذا صالح على شرب الخمر، أو أكل الخنزير.
فأما ما سوى ذلك فهو جائز.
[٧٨] ثم قال:
ولا يمنعك من قضاء قضيته بالأمس، وراجعت فيه نفسك، وهديت فيه لرشدك، أن تراجع فيه الحق؛ فإن الحق قديم لا يبطل، ومراجعة الحق خير من التمادي في الباطل.
لأن أبا موسى ﵁ -لا يكون أعظم [شأنا] من عمر ﵁، وهو كان ينقض بعض قضاياه، إذا ظهر فيه نص بخلافه.
وكذا عبد الله بن مسعود ﵁، رجع عن بعض
следующие страницы →