(بسم الله الرحمن الرحيم) [١]
ــ
«من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين» [٢]
" بسم الله الرحمن الرحيم [٣]
يقول العبد الفقير أحمد بن محمد الصاوي المالكي: الحمد لله الذي استخلص العلماء بعنايته وجميل لطفه من غياهب الجهالات، وجعلهم أمناء على خلقه يقومون بحفظ شريعته حتى يؤدوا إلى الخلق تلك الأمانات، فهم مصابيح الأرض وخلفاء الأنبياء، يستغفر لهم كل شيء حتى الحيتان في البحر، ويحبهم أهل السماء. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادة أستفتح بمددها أبواب العنايات. وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله سيد السادات، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وشيعته وحزبه في كل الأوقات، صلاة وسلاماً دائمين متلازمين نستمطر بهما غيوث السعادات.
أما بعد: فإنه لما كان الاشتغال بالعلم من أفضل الطاعات، وأولى ما أنفقت فيه نفائس الأوقات، خصوصاً علم الفقه العذب الزلال، المتكفل ببيان الحرام من الحلال، وقد كان مذهب مالك أهلاً وحقيقاً بذلك، كان أحسن ما ألف فيه من المختصرات متناً وشرحاً مختصر شيخنا وشيخ مشايخنا شيخ الوقت والطريقة، ومعدن الشريعة والحقيقة، أبي البركات أحمد بن محمد بن أحمد الدردير العدوي مالك الصغير - الذي سماه أقرب المسالك إلى مذهب الإمام مالك "؛ أمرني من لا تسعني مخالفته خليفته ووارث حاله أخونا في الله الشيخ صالح السباعي: أن أكتب عليه كتابة تناسبه في السهولة؛ فأجبته لذلك راجياً الفتح من القادر المالك، وسميتها:
بلغة السالك لأقرب المسالك "
لينتفع بها إن شاء الله تعالى أمثالي من القاصرين، مشيراً بحاشية الأصل لحاشية شيخنا وقدوتنا الشيخ محمد الدسوقي على شرح شيخنا المؤلف على مختصر العلامة أبي الضياء الشيخ خليل، وبالأصل لشرح المؤلف المذكور وشيخنا في مجموعه لمجموع شيخنا وقدوتنا أبي محمد محمد بن محمد الأمير، وبالحاشية لحاشية شيخ المشايخ على الإطلاق أبي الحسن علي بن أحمد الصعيدي العدوي على الخرشي. وأشير لباقي أهل المذهب كما أشارت أسلافنا للشيخ البناني بصورة (بن)، وللشيخ مصطفى الرماصي محشي التتائي بصورة (ر)، وللعلامة سيدي محمد الحطاب بصورة (ح)، وللشيخ عبد الباقي بصورة (عب)، وللعلامة الشيخ إبراهيم الشبرخيتي بصورة (شب)، وإن أسندت لغير هؤلاء صرحت به.
وأسال الله التوفيق لكمالها والنفع بها كما نفع بأصلها وهو حسبي ونعم الوكيل.
قوله: [بسم الله الرحمن الرحيم]: افتتح كتابه بالبسملة اقتداء بالكتاب العزيز والآثار النبوية والإجماع، لافتتاح الكتاب بها وقوله ﵊: «كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه ببسم الله الرحمن الرحيم - كما في رواية - فهو أبتر
стр. 2
الحمد لله على إفضاله، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وصحبه وآله (أما بعد) فهذا شرح لطيف على كتابنا المسمى بأقرب المسالك لمذهب الإمام مالك، اقتصرت فيه على بيان معاني ألفاظه، ليسهل فهمه على المبتدئين،
ــ
أو أقطع أو أجذم» أي ناقص وقليل البركة.
والباء: للاستعانة أو المصاحبة التبركية متعلقة بمحذوف تقديره أؤلف ونحوه، وهو يعم جميع أجزاء التأليف فيكون أولى من أفتتح ونحوه، لإيهام قصر التبرك على الافتتاح فقط. والله: علم على الذات الواجب الوجود فيعم الصفات.
والرحمن: المنعم بجلائل النعم كمية أو كيفية. والرحيم: المنعم بدقائقها كذلك.
وقدم الأول وهو الله لدلالته على الذات، ثم الثاني لاختصاصه به ولأنه أبلغ من الثالث، فقدم عليه ليكون له كالتتمة والرديف.
إذا علمت ذلك فينبغي تتميم الكلام عليها من الفن المشروع فيه فنقول: إن موضوع هذا الفن أفعال المكلفين لأنه يبحث فيه عنها من جهة ما يعرض لها من وجوب وندب وحرمة وكراهة وإباحة، ولا شك أن هذه الجملة فعل من الأفعال، وحينئذ فيقال إن حكم البسملة الأصلي الندب لأنها ذكر من الأذكار؛ والأصل في الأذكار أن تكون مندوبة، ويتأكد الندب في الإتيان بها في أوائل ذوات البال ولو شعراً، كما انحط عليه كلام ح، وقولهم: الشعر لا يبتدأ بالبسملة، محله إذا اشتمل على مدح من لا يجوز مدحه أو ذم من لا يجوز ذمه، وقد تعرض لها الكراهة وذلك في صلاة الفريضة على المشهور من المذهب، وعند الأمور المكروهة كاستعمال ذي الروائح الكريهة، وتحرم إذا أتى بها الجنب على أنها من القرآن لا بقصد التحصن، وكذا تحرم عند الإتيان بالحرام على الأظهر، وقيل: بكراهتها في تلك الحالة، وارتضاه في الحاشية، وتحرم في ابتداء براءة عند ابن حجر، وقال الرملي: بالكراهة، وأما في أثنائها فتكره عند الأول وتندب عند الثاني. قال ح: ولم أر لأهل مذهبنا شيئاً في ذلك وليس لها حالة وجوب إلا بالنذر، فلا يقال: إن البسملة واجبة عند الذكاة مع الذكر والقدرة؛ لأننا نقول الواجب مطلق ذكر الله لا خصوص البسملة كما عليه المحققون.
بقي شيء آخر وهو أنه هل تجب بالنذر ولو في صلاة الفريضة بمنزلة من نذر صوم رابع النحر، أو لا تجب؟ واستظهر اللزوم خصوصاً، وبعض العلماء من أهل المذهب يقول بوجوبها في الفريضة، وهذا إذا كان غير ملاحظ بالنذر الخروج من الخلاف، وإلا كانت واجبة قولاً واحداً، والظاهر أنها لا تكون مباحة لأن أقل مراتبها أنها ذكر، وأقل أحكامه أنه مندوب، وقول الشيخ خليل: وجازت كمتعوذ بنفل يوهم ذلك وكذا قول الشاطبي:
ولا بد منها في ابتدائك سورة ... سواها وفي الأجزاء خير من تلا
فحملوا كلاً من الجواز والتخيير على عدم تأكد الطلب ونفي الكراهة، فلا ينافي أصل الندب، وأن الإنسان إذا قالها حصل له الثواب، وكون الإنسان يذكر الله ولا ثواب له بعيد جداً. اهـ بتصرف من حاشية الأصل وشيخنا في مجموعه.
قوله: [على أفضاله]: أي إحسانه لعباده في الدنيا والآخرة، وفيه رد على من يقول بوجوب الصلاح والأصلح.
قوله: [شرح]: في الأصل مصدر إما بمعنى شارح أو ذو شرح، أو أطلق عليه بالمعنى المصدري مبالغة على حد ما قيل في زيد عدل، ومعناه موضح ومبين والإسناد له مجاز عقلي من الإسناد للسبب.
قوله لطيف: يطلق اللطيف على صغير الحجم، وعلى رقيق القوام، وعلى الذي لا يحجب ما وراءه، والمراد منه هنا السهولة، فأطلق الملزوم وهو أحد المعاني الثلاثة وأراد لازمه وهو سهولة المأخذ.
قوله: [على بيان معاني ألفاظه]: البيان: الإظهار، والمعاني جمع معنى: وهو ما يعنى ويقصد من اللفظ، وإضافة معاني للألفاظ من إضافة المدلول للدال، وإضافة الألفاظ للضمير من إضافة الجزء للكل، بناء على أن الكتاب اسم للألفاظ المخصوصة الدالة على المعاني المخصوصة.
قوله: [ليسهل فهمه]: اللام للتعليل علة لقوله اقتصرت، والفعل منصوب بأن مضمرة بعدها والفهم، الإدراك.
قوله: [على المبتدئين]: جمع مبتدئ وهو الشارع في العلم الذي لم يقف على أصوله، فإن وقف على الأصول وعجز عن الأدلة يقال له: متوسط، فإن عرف الأصول والأدلة يقال: له منته،
стр. 3
وشرحه وقراءته لمن شاء بمشيئة رب العالمين، فأقول وبه أستعين: (يقول العبد الفقير المنكسر الفؤاد من التقصير أحمد بن محمد بن أحمد الدردير): القول اللفظ الدال على معنى وضع له ذلك اللفظ ولو في ثاني حال، فيشمل المجاز كأسد للرجل الشجاع، والعبد المراد به المملوك لله تعالى، والفقير: المحتاج إليه تعالى في جميع أحواله، والمنكسر: الحزين، والفؤاد: القلب، وإسناد الانكسار بمعنى الحزن إليه مجاز، وقوله: من التقصير علة لانكسار فؤاده، والمراد به: قلة العمل والتقوى؛ فهو كقول الشيخ - رضي الله تعالى عنه - المنكسر خاطره لقلة العمل والتقوى، وأحمد: بيان للعبد، والدردير: لقب اشتهر به كأبيه وجده بين الناس.
وكان الوالد - رحمه الله تعالى - رجلاً صالحاً عالماً متقناً للقرآن، فقد بصره في آخرة [١] عمره، فاشتغل بتعليم الأطفال كتاب الله تعالى، فحفظ القرآن على يده خلق كثير، وكان يعلم الفقراء حسبة لله تعالى لا يأخذ منهم صرافة ولا غيرها، بل ربما واساهم من عنده، وكان كثير السكوت لا يتكلم إلا نادراً، وورده - في غالب أوقاته صلاة سيدي عبد السلام بن مشيش -رضي الله تعالى عنه-، وكان يبشرني في صغري بأن أكون عالماً.
مات ﵀ شهيداً بالطاعون سنة ثمان وثلاثين بعد الألف ومائة،
ــ
وإنما خص المبتدئين لأن غيرهم لا يتوقف فهمه عليه، بل يتعاطى أي كتاب شاء.
قوله: [وشرحه]: بالرفع عطف على فهمه، ومتعلقه محذوف تقديره علي.
قوله: [وقراءته]: بالرفع معطوف على فهمه أيضاً.
وقوله: [لمن شاء] [٢]: متعلق بقراءته، وبمشيئته إلخ راجع للجميع، والمعنى اقتصرت في هذا الشرح على إظهار معاني ألفاظه لأجل سهولة فهمه على المبتدئين القاصرين، ولسهولة شرحه علي، ولسهولة قراءته لمن شاء أن يقرأه، وهذه السهولة تحصل بمشيئة رب العالمين.
قوله: [فأقول]: جواب أما. قوله: [وبه أستعين] السين والتاء للطلب، وقدم المجرور ليفيد الحصر.
قوله: [يقول]: أصله يقول استثقلت الضمة على الواو فنقلت إلى ما قبلها.
قوله: [العبد]: يطلق على معان مشهورة اقتصر الشارح فيما سيأتي على أحدها. قوله: [اللفظ الدال]: احترز به عن اللفظ المهمل كديز مثلاً فلا يقال له قول، ويطلق القول على الرأي والاعتقاد، كما يقال قال أبو حنيفة: كذا أي رأى واعتقد.
قوله: [وضع له ذلك اللفظ]: دخل المعنى المطابقي والتضمني، وخرج المعنى الالتزامي، كعلمنا بحياة المتكلم من وراء جدار، فليس موضوعاً له اللفظ.
قوله: [فيشمل المجاز]: مفرع على قوله ولو في ثاني حال، ووجه ذلك: أن الحقيقة موضوعة وضعاً أولياً، أي كلمة استعملت فيما وضعت له من أول الأمر، والمجاز موضوع وضعاً ثانوياً لأنه كلمة استعملت في غير ما وضعت له، لعلاقة مع قرينة مانعة من إرادة المعنى الأصلي: كأسد فإنه في الأصل موضوع للحيوان المفترس، ثم تستعمله في الرجل الشجاع، فتقول: رأيت أسداً في الحمام مثلاً، فكل من المجاز والحقيقة موضوع وضعاً لغوياً، لكن الحقيقة وضعها أصلي لا يحتاج لقرينة ولا لعلاقة، والمجاز وضعه عرضي يحتاج لعلاقة وقرينة.
قوله: [المراد به المملوك لله تعالى]: إنما اقتصر على ذلك المعنى لشموله وعمومه قال تعالى: ﴿إن كل من في السماوات والأرض إلا آتي الرحمن عبدا﴾ [مريم: ٩٣]، أي مملوكاً وهو المسمى بعبد الإيجاد.
قوله [٣]: [المحتاج إليه تعالى إلخ]: هذا التفسير يصلح لكون الفقير صفة مشبهة أو صيغة مبالغة، ولا يخلو عبد منهما دنيا ولا أخرى، ولو وكلنا مولانا طرفة عين لأنفسنا لهلكنا.
قوله: [المنكسر الحزين]: يشير بذلك إلى أن في كلام المصنف استعارة تبعية، حيث شبه حزن القلب بالانكسار الذي هو تفرق أجزاء الشيء الصلب بجامع التلف والتشتت في كل، واستعار اسم المشبه به للمشبه، واشتق منه منكسر بمعنى حزين، والقرينة إضافته للفؤاد.
قوله: [مجاز]: أي عقلي من إسناد ما للكل للبعض الذي هو الفؤاد، وإنما خص الفؤاد دون سائر الأعضاء لأنه محله، ولذلك قال علماء البيان: إذا أسند ما للكل للجزء لا بد أن يكون لذلك الجزء مزية تميزه، إذا علمت ما تقدم من الاستعارة، وما هنا من المجاز العقلي، ففي كلامه مجاز على مجاز.
قوله: (علة لانكسار فؤاده): أي حزنه إنما جاء من رؤية التقصير في حقوق الله، وهذا سنة العارفين بربهم لا يرون لأنفسهم عملاً، كما قال السيد البكري: إلهي إني أخاف أن تعذبني بأفضل أعمالي.
قوله: [كقول الشيخ إلخ]: المراد به الشيخ خليل.
قوله: [بيان] أي عطف بيان، ويصح أن يكون بدلاً لأن نعت المعرفة إذا تقدم عليها يعرب بحسب العوامل، وتعرب منه بدلاً أو عطف بيان، بخلاف نعت النكرة إذا تقدم عليها فيعرب حالاً، وتعرب هي على ما كانت عليه كقول الشاعر:
لمية موحشاً طلل
قوله: [في غالب أوقاته]: وهي الأوقات التي لم يكن مشغولاً فيها بالقرآن.
قوله: [عبد السلام إلخ]: هو شيخ أبي الحسن الشاذلي، وناهيك بشيخ، الشاذلي تلميذه، ومشيش -بشينين معجمتين وأوله ميم أو باء موحدة - وأخبرنا الأستاذ الشارح عن والده المذكور، أن زوجته كانت تدخل عليه فتجد عنده شموعاً موقدة في أوقات الظلام، فتسأله عن ذلك فيقول: إنها أنوار الصلاة على النبي ﷺ ، وأخبرنا أيضاً أنهم كانوا في ضيق عيش فتوضع الصحفة فيها الطعام القليل بين يديه، فيقرأ عليها سورة قريش، فيبارك فيها ويأكل منها الناس الكثيرون. قال الشيخ فصرت أقرأ
стр. 4
وعمري نحو عشر سنين، وشوهدت له كرامات.
(الحمد لله مُولي النعم والشكر له على ما خص منها وعم) الحمد هو الوصف بالجميل اختياريّاً أم لا فعلاً أم لا على فعل جميل اختياري، والشكر ما دل على تعظيم المنعم لإنعامه من قول أو فعل أو اعتقاد، وشكر المنعم واجب بالشرع،
ــ
تلك السورة على الأبواب المغلقة فتفتح [١] بغير مفتاح، فشاع عني - وأنا صغير - أني أفتح الأبواب بغير مفتاح.
قوله: [وعمري نحو عشر سنين]: فيكون مولد الشيخ سنة ثمان وعشرين ومائة، وكانت وفاته ليلة الجمعة لثمان خلون من ربيع الأول سنة مائتين وواحد بعد الألف؛ فسنه ثلاث وسبعون سنة، ودفن بمشهده المشهور بالكعكيين، وكراماته في الحياة وبعد الممات أظهر من الشمس في رابعة النهار. وأقول كما قال بعض العارفين:
لي سادة من عزهم ... أقدامهم فوق الجباه
إن لم أكن منهم فلي ... في حبهم عز وجاه
قوله: [وشوهدت له كرامات]: قد تقدم لك بعضها.
قوله: [الحمد لله]: لما افتتح بالبسملة افتتاحاً حقيقياً افتتح بالحمد له افتتاحاً إضافياً، وهو ما تقدم على الشروع في المقصود بالذات جمعاً بين حديثي البسملة والحمدلة، وحمل البسملة على الابتداء الحقيقي، والحمدلة على الابتداء الإضافي لموافقة القرآن العزيز، ولقوة حديث البسملة على حديث الحمدلة، وهو قوله ﷺ : «كل كلام لا يبدأ فيه بالحمد لله فهو أجذم»، وهناك أوجه أخر مشهورة لدفع التعارض.
وجملة الحمد لله إلى آخر الكتاب مقول القول في محل نصب لأن القول لا ينصب إلا الجمل أو المفرد الذي في معنى الجملة، أو المفرد الذي قصد لفظه ما لم يجر مجرى الظن، فينصب المفردات كما هو معلوم من قول ابن مالك:
وكتظن اجعل تقول إن ولي ... مستفهماً به ولم ينفصل
إلى أن قال:
وأجري القول كظن مطلقا ... عند سليم نحو قل ذا مشفقا
وأل فيه قيل للجنس وقيل للاستغراق وقيل للعهد وهو حمد المولى نفسه بنفسه أزلاً، لأنه لما علم عجز خلقه عن أداء كنه حمده حمد نفسه بنفسه أزلاً، ثم أمرهم أن يحمدوه بذلك الحمد، واللام في لله قيل للملك أو للاستحقاق أو للتعليل، فعلى الأول معناه جميع المحامد مملوكة لله، وعلى الثاني مستحقة لله، وعلى الثالث ثابتة لأجله، وجملة الحمد خبرية لفظاً إنشائية معنى، وكانت اسمية للدلالة على الثبوت والدوام واقتداء بالكتاب العزيز، وأصل الحمد لله أحمد حمد الله فحذف الفعل لدلالة المصدر عليه فبقي حمد الله، ثم عدل من النصب إلى الرفع لدلالة الثبوت والدوام، فصار حمد لله، ثم أدخلت الألف واللام لقصد الاستغراق أو الجنس أو العهد كما تقدم.
قال الفاكهاني في شرح الرسالة: ويستحب الابتداء بها لكل مصنف ومدرس وخطيب وخاطب ومتزوج ومزوج، وبين يدي سائر الأمور المهمة، وكذا الصلاة على رسول الله ﷺ اهـ باختصار.
قوله: [هو الوصف إلخ]: شروع في معنى الحمد والشكر اللغويين، ولم يتعرض لمعناهما الاصطلاحيين، ومعلوم أن الحمد الاصطلاحي هو الشكر اللغوي، والشكر الاصطلاحي هو صرف العبد جميع ما أنعم الله به عليه إلى ما خلق لأجله، وإنما اقتصر الشارح على المعنى اللغوي في كل لأنه الذي يحمل عليه الشرع إذ لم يكن له اصطلاح خاص، وأما قولهم الحمد اصطلاحاً والشكر اصطلاحاً، فالمراد اصطلاح الناس لا اصطلاح الشرع، فإنه موافق للمعنى اللغوي في كل، ومعنى الوصف الذكر وهذا التعريف سالم من جميع ما يرد على التعريف المشهور، لأن قوله الوصف بالجميل يشمل أقسام الحمد الأربعة المشهورة، وظهر من هذا التعريف أن مورد الحمد خاص ومتعلقه عام، ومورد الشكر عام، ومتعلقه خاص لتقييده بقوله لإنعامه، والنسب بين المعاني الأربعة معلومة.
قوله: [اختيارياً أم لا إلخ]: تعميم في المحمود به إشارة إلى أنه لا يشترط أن يكون اختيارياً، وقوله على فعل جميل اختياري هو المحمود عليه، وفيه إشارة إلى أنه يشترط أن يكون اختيارياً اهـ من تقرير الشارح.
قوله: [واجب بالشرع]: أي لا بالعقل خلافاً للمعتزلة الذين حكموا العقل في الحسن والقبح، بل الحسن ما حسنه الشرع، والقبيح ما قبحه الشرع، ومعنى كونه واجباً أنه يتحتم على كل مكلف اعتقاد أن كل نعمة ظهرت في الدنيا والآخرة فهي منه تعالى، بل هذا
стр. 5
والمولي بكسر اللام: المعطي، والنعم جمع نعمة بكسر النون بمعنى العطية الملائمة، وقوله منها بيان لما والضمير عائد على النعم، فالمعنى على نعم خصها بنا أي قصرها علينا معاشر الأمة المحمدية من الإيمان بمحمد ﷺ ، ومعرفة كثير من الأحكام التي جاء بها، وكذا النعم المخصوصة بالشخص في ذاته كشكله ولونه وصورته التي يتميز بها عن غيره في جميع أحواله، فإنها من أعظم النعم.
وقوله وعم أي النعم التي تشملنا وغيرنا كنعمة الوجود الشاملة لكل موجود، ونعمة العقل والعلم والسمع والبصر، وغير ذلك.
ويشمل ذلك كله قول الشيخ والشكر له على ما أولانا من الفضل والكرم، وإنما جعلنا المعنى على النعم التي خصها بنا ولم نجعله على النعم التي خصنا بها ليكون العائد المحذوف ضمير نصب متصلاً، وهو شائع لا شذوذ فيه بخلاف التقدير الثاني.
(والصلاة والسلام على النبي الأعظم وعلى آله وأصحابه وأمته أشرف الأمم) هذه جملة خبرية لفظاً إنشائية معنى قصد بها طلب الصلاة والسلام على أعظم الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام -، وهو سيدنا محمد بن عبد الله بن عبد المطلب ﷺ ، فإنه أفضل الأنبياء إجماعاً، وأمته جماعته وهم من آمن به إلى يوم القيامة وكانوا أشرف الأمم لأنهم أتباعه.
والتابع يشرف بشرف المتبوع (وصل اللهم على جميع الأنبياء والمرسلين وعلى آلهم وصحبهم أجمعين) يجوز عطف الفعلية الإنشائية على الاسمية كذلك، وهذه الجملة أعم متعلقاً مما قبلها لشمولها النبي وآله وأصحابه؛
ــ
من عقائد الإيمان، ومن اعتقد خلاف ذلك فهو كافر، وأما شكر الأعضاء الظاهرية فتارة تكون واجبة وتارة تكون مندوبة على حسب ما أمر الشارع كما هو معلوم من الشرع.
قوله: [بكسر اللام]: أي مع ضم الميم اسم فاعل، وأما بفتحهما فهو المالك أو المعتق أو الصاحب أو القريب، وأما بضم الميم وفتح اللام فهو المعطى اسم مفعول.
قوله: [بكسر النون]: وأما بضمها فالفرح والسرور وبفتحها التنعم. قال تعالى: ﴿ونعمة كانوا فيها فاكهين﴾ [الدخان: ٢٧].
قوله: [الملائمة]: أي الموافقة لتمني النفس، ولم يقل تحمد عاقبتها شرعاً لأجل شموله نعم الكفار الدنيوية، فإن الكفار منعم عليهم في الدنيا. والحاصل أنهم اختلفوا في تعريف النعمة، فقال بعضهم هي كل ملائم تحمد عاقبته شرعاً، ومن ثم لا نعمة لله على كافر، وقال بعضهم: كل ملائم، فالكافر منعم عليه في الدنيا وإن لم تحمد عواقب تلك النعم، واقتصار الشارح يؤيد الثاني.
قوله: [خصها بنا]: الباء داخلة على المقصور عليه، وهذا خلاف الغالب كما قال الأجهوري:
وباء الاختصاص فيه يكثر ... دخولها على الذي قد قصروا
وعكسه مستعمل وجيد ... قد قاله الحبر الهمام السيد
قوله: [أي قصرها علينا]: أي ولسنا مقصورين عليها.
قوله: [كشكله ولونه إلخ]: قال تعالى: ﴿ومن آياته خلق السماوات والأرض واختلاف ألسنتكم وألوانكم إن في ذلك لآيات للعالمين﴾ [الروم: ٢٢].
قوله: [ليكون العائد إلخ]: أي لقول ابن مالك:
والحذف عندهم كثير منجلي ... في عائد متصل إن انتصب
إلخ قوله: [بخلاف التقدير]: أي ففي حذف العائد شذوذ لعدم استيفائه الشروط التي قال فيها ابن مالك:
كذاك حذف ما بوصف خفضا
إلخ إذا علمت ذلك فظاهر كلام الشارح أن المعنى واحد، وإنما التخالف في شذوذ حذف العائد وعدمه وهو كذلك، غير أن الباء على الوجه الذي تركه الشارح تكون داخلة على المقصور على مقتضى الكثير فيها، وإنما تركه لما قاله تأمل.
قوله: [والصلاة إلخ]: لما أثنى على الله وشكره على نعمه أداء لبعض ما يجب إجمالاً، وكان ﷺ هو الواسطة بين الله وبين العباد، وجميع النعم الواصلة إليهم التي أعظمها الهداية للإسلام إنما هي ببركته وعلى يديه، أتبع ذلك بالصلاة والسلام عليه ﷺ أداء لبعض ما يجب له ﷺ ، وامتثالاً لقوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما﴾ [الأحزاب: ٥٦]، وعملاً بقوله ﵊: «كل كلام لا يذكر الله فيه فيبدأ به وبالصلاة علي فهو أقطع ممحوق من كل بركة»، والصلاة من الله رحمته المقرونة بالتعظيم، ومن العبيد طلبهم ذلك، والسلام من الله الأمان أو التحية، بأن يحيي الله نبيه بكلامه القديم، كما يحيي أحدنا ضيفه، ومن العبيد طلب ذلك.
قوله: [على النبي الأعظم]: أي من كل عظيم.
قوله: [إنشائية معنى]: أي ولا يصح أن تكون خبرية لفظاً أو معنى خلافاً لما مشى عليه يس.
قوله: [والتابع يشرف بشرف المتبوع]: لما ذكروه في الخصائص عند قول البوصيري:
ولك الأمة التي غبطتها ... بك لما أتيتها الأنبياء
إن الله جمع في نبينا جميع ما تفرق في الأنبياء من الكمالات، وجمع في أمته جميع ما تفرق في الأمم
стр. 6
والكلام في الآل والصحب مشهور.
(وبعد فهذا كتاب جليل اقتطفته من ثمار مختصر الإمام خليل) الكلام في بعد واسم الإشارة مشهور،
ــ
منها، وكفاهم قوله تعالى: ﴿كنتم خير أمة أخرجت للناس﴾ [آل عمران: ١١٠] الآية.
قوله: [مشهور]: أما الآل في مقام الزكاة فهم عندنا بنو هاشم لا المطلب، وأما في مقام الدعاء فكل مؤمن ولو عاصياً، وأما في مقام المدح فكل تقي لما في الحديث الشريف: «آل محمد كل تقي»، وأصحابه كل من اجتمع به في حياته بعد البعثة وهو مؤمن وتفصيل ذلك يطول.
قوله: [الكلام في بعد واسم الإشارة مشهور]: أي فلم يتكلم عليه لشهرته، ولنذكر لك زبدة ذلك ليطمئن بها الخاطر؛ فبعد يتعلق بها تسعة مباحث: الأول في واوها، الثاني: في موضعها، الثالث: في معناها، الرابع: في إعرابها، الخامس: في العامل فيها، السادس: في أصلها، السابع: في حكم الإتيان بها، الثامن: في أول من تكلم بها، التاسع: في الفاء بعدها. فأما الواو فإما أن تكون لعطف ما بعدها على ما قبلها عطف قصة على قصة، وإما أن تكون نائبة عن أما التي هي لمجرد التأكيد، وقد تكون للتأكيد مع التفصيل في غير ما هنا. وأما موضعها فيؤخذ من قولهم هي كلمة يؤتى بها للانتقال من أسلوب إلى آخر، أي من غرض إلى آخر، فلا تقع بين كلامين متحدين، ولا أول الكلام ولا آخره، فإن وقعت بين كلامين متغايرين بينهما عدم مناسبة سمي اقتضاباً محضاً، وإن كان بينهما مناسبة كلية سمي تخلصاً، وإن كان بينهما نوع مناسبة كما هنا، سمي اقتضاباً مشوباً بتخلص، فمثال الاقتضاب المحض قول الشاعر:
لو رأى الله أن في الشيب خيرا ... جاورته الأبرار في الخلد شيبا
كل يوم تبدي صروف الليالي ... خلقاً من أبي سعيد غريبا
ومثال التخلص قول الشاعر أيضاً:
أمطلع الشمس تبغي أن تؤم بنا ... فقلت كلا ولكن مطلع الجود
وأما معناها فهو نقيض قبل، وتكون ظرف زمان كثيراً ومكان قليلاً، وهي هنا للزمان لا غير، وقولهم إنها للمكان باعتبار الرقم بعيد كما حققه الشارح ﵁.
وأما إعرابها فلها أربعة أحوال: تعرب في ثلاثة وتبنى في حالة كما هو مشهور. وأما العامل فيها فهو على أن الواو عاطفة مقدر ب أقول ونحوه، وعلى أنها نائبة عن أما، فإن قلنا: إنها من متعلقات الشرط فالعامل فيها فعل الشرط، والتقدير مهما يكن من شيء بعدما تقدم، أو العامل فيها الواو النائبة عن أما النائبة عن مهما، وإن قلنا: إنها من متعلقات الجزاء كانت معمولة للجزاء، والتقدير مهما يكن من شيء فأقول بعدما تقدم، وجعلها من متعلقات الجزاء أولى لأنه يكون وجود المؤلف معلقاً على وجود شيء مطلق. وأما أصلها فهو أما، وأصل أما مهما يكن من شيء، كما تقدم، وهذا الأصل على أن الواو نائبة، وأما على أنها عاطفة فالأصل، وأقول بعد إلخ. وأما حكم الإتيان بها فالاستحباب اقتداء بالنبي ﷺ لأنه كان يأتي بأصلها وهو أما بعد في خطبه ومكاتباته.
وأما أول من تكلم بها فقد نظم الخلاف فيه بعضهم بقوله:
جرى الخلف أما بعد من كان بادئا ... بها خمس أقوال وداود أقرب
وكانت له فصل الخطاب وبعده ... فقس فسحبان فكعب فيعرب
وأما الفاء بعدها فإن قلنا إن الواو عاطفة فالفاء زائدة على توهم وجود أما، وإن قلنا إنها نائبة عن أما فالفاء رابطة للجواب. وفي هذا القدر كفاية. وأما اسم الإشارة ففيه احتمالات سبعة أبداها السيد الجرجاني: وهي إما أن يكون عائداً على الألفاظ أوالنقوش أو المعاني أو الألفاظ والمعاني، أو المعاني والنقوش أو الألفاظ والنقوش، أو الثلاثة. اختار السيد الجرجاني منها أنه عائد على الألفاظ
стр. 7
والكتاب اسم للنقوش الدالة على الألفاظ الموضوعة لمعانيها، وجليل نعت له، ومعناه عظيم الشأن، لما اشتمل على الأحكام النفيسة مع سهولة الألفاظ وعذوبتها واختصارها اختصاراً لا يخل بالمعاني. ومعنى اقتطفته إلخ أخذته وجمعته من معاني مختصر الإمام الجليل أبي الضياء خليل بن إسحاق، كان مع وفور علمه من الأولياء العارفين بالله تعالى كشيخه الإمام سيدي عبد الله المنوفي - رضي الله تعالى عنهم - وعنا بهم، وقد شبه المختصر المذكور بروضة مثمرة.
وذكر الثمار تخييل للمكنية (في مذهب إمام أئمة دار التنزيل) في مذهب نعت للمختصر المذكور أي الكائن ذلك المختصر في مذهب إمام أئمة دار التنزيل، وهي المدينة المنورة، والتنزيل: القرآن العظيم، والمراد به مالك بن أنس،
ــ
الخارجية الدالة على المعاني المخصوصة فبحث فيه بأنها أعراض تنقضي بمجرد النطق بها، والحق أنه عائد على ما في الذهن، واسم الإشارة في كلام المصنف مبتدأ وكتاب خبر. وإن قلت ما في الذهن مجمل والكتاب اسم للمفصل فلا يصح الإخبار. أجيب بأن في الكلام حذف مضاف أي مفصل هذا كتاب. فإن قلت: ما في ذهن المؤلف جزئي والكتاب اسم لما في ذهن المؤلف وغيره فيلزم عليه الإخبار بالكلي عن الجزئي. أجيب بأن في العبارة حذف مضاف ثان. أي مفصل نوع هذا كتاب. والإشكال الأول لا يرد إلا على تسليم أن الذهن لا يقوم به المفصل، وعلى تسليم أن الكتاب لا يكون اسماً للمجمل، وعلى تسليم عدم صحة الإخبار بالمفصل عن المجمل، وإلا فلا يحتاج لتقدير المضاف الأول، والإشكال الثاني مبني على ما اشتهر من أن أسماء الكتب من قبيل علم الجنس، وأسماء العلوم من قبيل علم الشخص، والحق أن يقال إن كان الشيء لا يتعدد بتعدد محله فالكل من قبيل علم الشخص، وإن كان الشيء يتعدد بتعدد محله فالكل من قبيل علم الجنس، والفرق تحكم وكون الشيء يتعدد بتعدد محله أوهام فلسفية لا يعتد بها، فإذا علمت ذلك فلا حاجة لتقدير المضاف الثاني أيضاً.
قوله: [اسم للنقوش إلخ]: فعلى هذا يكون الشارح اختار أن اسم الإشارة عائد على الثلاثة وهو أحد الاحتمالات السبعة المتقدمة.
قوله: [ابن إسحاق]: بن موسى وهذا هو الصواب كما في الحطاب وغيره، وقد وهم ابن غازي في إبدال موسى بيعقوب.
قوله: [من الأولياء العارفين]: أي لكونه كان مجاهداً لنفسه في طاعة الله مكث عشرين سنة بمصر لم ير النيل لاشتغاله بربه، وكان يلبس لبس الجند المتقشفين، وله ولشيخه كرامات ذكر الأصل بعضها.
قوله: [بروضة مثمرة]: أي وطوى ذكر المشبه به وذكر الثمار تخييل كما قال الشارح، والاقتطاف ترشيح والجامع بين المعنيين الانتفاع التام في كل، فإن الروضة بها انتفاع الأجساد وبالمختصر انتفاع الأرواح.
قوله: [في مذهب]: هو في الأصل محل الذهاب كالطريق المحسوسة، والمراد منه هنا ما ذهب إليه مالك من الأحكام الاجتهادية، فقد شبه الأحكام التي ذهب إليها واعتقدها بطريق يوصل إلى المقصود، واستعار اسم المشبه به للمشبه على طريق الاستعارة التصريحية الأصلية، والجامع بينهما التوصل للمقصود في كل، على حد قوله تعالى: ﴿اهدنا الصراط المستقيم﴾ [الفاتحة: ٦].
قوله: [أئمة]: جمع إمام وهو في اللغة المقدم على غيره، وفي الاصطلاح من بلغ رتبة أهل الفضل ولو صغيراً، وأصل أئمة: أأممة نقلت كسرة الميم الأولى إلى الهمزة الثانية، ثم أدغمت الميم في الميم فصار أئمة بتحقيق الهمزتين أو بتسهيل الثانية.
قوله: (دار التنزيل): أي القرآن لنزول غالبه بها.
قوله: [وهي المدينة المنورة]: أي بأنوار المصطفى لأنه أنارها حساً ومعنى، ولها أسماء كثيرة أنهاها بعض العلماء إلى تسعين، منها ما ذكره المتن والشرح، منها قبة الإسلام، ومدينة الرسول، وطيبة، وطابة، والراحمة، والمرحومة، والهادية، والمهدية، وأما تسميتها بيثرب فمكروه وما في الآية حكاية عن المنافقين.
قوله: [مالك بن أنس]: هو أبو عبد الله مالك بن أنس بن مالك بن أبي عامر بن عمرو بن الحارث بن غيمان بفتح الغين المعجمة أوله بعدها مثناة تحتية ساكنة ابن خثيل - بالمثلثة مصغر أوله خاء معجمة ويقال بالجيم كما في القاموس - من ذي أصبح بطن من حمير فهو من بيوت الملوك وعادة ملوكهم يزيدون في العلم ذا تعظيماً: أي صاحب هذا الاسم. وأم الإمام اسمها العالية بنت شريك الأزدية، وقيل طليحة مولاة عامر بنت معمر، وكان أبو الإمام وجده من فقهاء التابعين، وجده مالك أحد الأربعة الذين حملوا عثمان ﵁ إلى قبره ليلاً ودفنوه بالبقيع، وأبوه أبو عامر صحابي شهد المغازي كلها مع رسول الله ﷺ خلا بدراً، والإمام تابع التابعين وقيل تابعي لأنه
стр. 8
وإذا كان إمام أئمة المدينة - مع عظم شأنهم - كان إماماً لغيرهم بالأولى. فهو إمام الأئمة لا بمجرد الدعوى، بل بشهادة العقل والنقل. يحكم بذلك كل من كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد (اقتصرت فيه على أرجح الأقاويل) هذا نعت لكتاب؛ أي كتاب اقتصرت فيه عند الاختلاف في حكم على القول الراجح عند الأشياخ. فلم يقع فيه ذكر القولين إلا قليلاً حيث لم يظهر ترجيح لأحدهما.
(مبدلاً غير المعتمد منه به،
ــ
أدرك عائشة بنت سعد بن أبي وقاص - وقيل بصحبتها - ولكن الصحيح أنها ليست صحابية. وهو عالم المدينة. لم تشد الرحال لعالم بها كما شدت له حتى يحمل عليه. وناهيك ما اشتهر: لا يفتى ومالك بالمدينة. روى الحاكم وغيره بروايات متعددة: «يخرج ناس من المشرق والمغرب في طلب العلم فلا يجدون أعلم من عالم المدينة» وخرجه الترمذي بلفظ: «يوشك أن يضرب الناس أكباد الإبل». ويروى: «آباط الإبل يطلبون العلم فلا يجدون عالماً أفقه من عالم المدينة» قال سفيان: كانوا يرونه مالكاً. قال ابن مهدي: يعني سفيان بقوله كانوا يرونه: التابعين الذين هم من خير القرون. ويروى: «لا تنقضي الساعة حتى يضرب الناس أكباد الإبل»، إلخ انظر (ح). وبالجملة متى قيل: هذا قول عالم المدينة، فهو المراد. وفي (ح) أيضاً: ما أفتى مالك حتى أجازه أربعون محنكاً. والتحنيك في العمامة شأن الأئمة. وعن مالك: جالست ابن هرمز ست عشرة سنة في علم لم أبثه لأحد، ومذهبه عمري؛ سد الحيل واتقاء الشبهات. ولم يعتزل مالكي قط وعليه أهل الغرب الوارد بقاؤهم على الحق. وألف السيوطي كتاباً يسمى "تزيين الممالك في ترجمة الإمام مالك" أثبت فيه أخذ الإمام أبي حنيفة عنه. قال: وألف الدارقطني جزءاً في الأحاديث التي رواها أبو حنيفة عنه. بل روى عن الإمام من هو أكبر سناً من أبي حنيفة وأقدم وفاة، كالزهري وربيعة، وهما من شيوخ مالك وأخذا عنه، فأولى قرينه. ومن شيوخ مالك من غير التابعين: نافع بن أبي نعيم القارئ؛ قرأ عليه مالك القرآن. وروى هو عن مالك، وهو غير نافع التابعي مولى ابن عمر. وحملت بالإمام أمه ثلاث سنين. وكانت ولادته سنة ثلاث وتسعين من الهجرة على الأشهر بذي المروة؛ موضع من مساجد تبوك على ثمانية برد من المدينة. وكانت وفاته على الصحيح يوم الأحد لتمام اثنتين وعشرين يوماً من ربيع الأول سنة تسع وسبعين ومائة. وصلى عليه عبد الله بن محمد بن إبراهيم بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس، وكان يومئذ والياً على المدينة. ودفن بالبقيع وقبره مشهور وعليه قبة، وبجانبه قبر لنافع؛ قيل: نافع القارئ أو هو مولى ابن عمر. ومناقبه وفضله أظهر من الشمس في رابعة النهار ﵁ وعنا به.
قوله: [قلب]: أي عقل كامل.
وقوله: [أو ألقى السمع] إلخ: أي صغى بسمعه وهو حاضر بقلبه لما يذكر من مناقب الإمام، وفيه اقتباس من الآية الكريمة. قوله: [أرجح الأقاويل]: أي أقواها إن وجد راجح وأرجح، وعلى الراجح إن وجد راجح ومرجوح. فأفعل التفضيل في كلامه ليس على بابه دائماً كما يفيده حل الشارح. والراجح عندهم: ما قوي دليله والمشهور: ما كثر قائله. ولكن مراد المصنف بالأرجح والراجح: القوي والأقوى؛ إما لقوة دليله أو لكثرة قائله، لأنه ليس ملتزماً لاصطلاحات المختصر.
مسألة: للمفتي إذا استفتي في مسألة فيها قولان أن يحمل المستفتي على أيهما.
وقيل: بل يخبره بالقائلين، فيقلد أيهما أحب كما لو كانوا أحياء. وهذا إذا لم يكن فيه أهلية للترجيح، وإلا فليرجح أحد الأقوال - انظر الأجهوري.
مسألة أخرى - في الحطاب: أن من أتلف بفتواه مجتهداً لا يضمن، ومقلداً يضمن إن انتصب أو تولى فعل ما أفتى به، وإلا - فغرور قولي لا ضمان فيه، ويزجر وإن لم يتقدم له اشتغال بالعلم، أدب وتجوز الأجرة على الفتيا إن لم تتعين. وذكر عن ابن عمر تقديم الشاذ في المذهب على مذهب الغير، والأشياخ على عكسه.
مسألة أخرى - في (شب): أنه يمتنع تتبع رخص المذاهب. وفسرها بما ينقض به حكم الحاكم من مخالف النص وجلي القياس. ولغيره: أن معناه رفع مشقة التكليف باتباع كل سهل. وفيه أيضاً منع التلفيق.
والذي قاله شيخنا الأمير عن شيخه العدوي عن شيخه الصغير وغيره: أن الصحيح جوازه، وهو فسحة. لكن لا ينبغي فعلها في النكاح، لأنه يحتاط في الفروج ما لا يحتاط في غيرها.
قوله: [مبدلاً]: أي معوضاً.
قوله: [غير المعتمد]: أي غير القوي.
وقوله: [به]: أي بالمعتمد، بمعنى القوي سواء كانت قوته لرجحانه
стр. 9
مع تقييد ما أطلقه وضده، للتسهيل) مبدلاً، حال من فاعل اقتصرت، أي حال كوني مبدلاً غير المعتمد من المختصر بالمعتمد، مع تقييد الحكم الذي أطلقه الشيخ - وحقه التقييد - ومع إطلاق ما قيده - وحقه الإطلاق. وهو معنى قولي: (وضده). وقوله: للتسهيل: علة لما ذكر من الإبدال وما معه. أي فعلت ذلك لأجل أن يسهل الأمر على الطالب المستفيد؛ لأن ذكر القول الضعيف والتقييد في محل الإطلاق - وعكسه - فيه خفاء وصعوبة على الطالب، لإيجابه اعتقاد خلاف الواقع.
(وسميته: أقرب المسالك لمذهب الإمام مالك) المسالك جمع مسلك: أي محل السلوك أي الذهاب، فالمسلك الطريق المسلوك فيه. والمراد بها هنا الكتب المؤلفة في المذهب. وسماه بذلك ليطابق الاسم المسمى؛ إذ الكتب المؤلفة في المذهب لا تخلو عن صعوبة، وهذا الكتاب سهل منقح.
يقرب الأقصى بلفظ موجز ... ويبسط البذل بوعد منجز
وقوله: (لمذهب): متعلق بالمسالك. (وأسأل الله أن ينفع به كما نفع بأصله إنه علي حكيم، رؤوف رحيم) سأل الله تعالى النفع بهذا الكتاب لأنه لا يُسأل إلا الله وحده. والنفع ضد الضر. وحذف المعمول لإفادة العموم. أي ينفع به كل من قرأه أو كتبه أو حصله، كما نفع بأصله الذي هو مختصر الشيخ. واعلم أني متى أطلقت لفظ الشيخ في هذا الكتاب أو أتيت بضمير الغائب لغير مذكور فالمراد به المصنف صاحب المختصر.
باب في بيان الطهارة
ــ
أو لشهرته -ومعناه أن الأصل- الذي هو الشيخ خليل - إذا مشى على طريقة قال الأشياخ بضعفها، أبدلها مصنفنا بما اعتمدته الأشياخ.
قوله: [مع تقييد ما أطلقه] إلخ: كقول المختصر وسقوطها في صلاة مبطل، فهذا الإطلاق حقه التقييد بشروط تأتي، فقيده مصنفنا ﵁ بتلك الشروط وقوله: [ومع إطلاق ما قيده] إلخ: كقوله في الوضوء: وإن عجز، ما لم يطل، فحقه - حيث كان العجز حقيقياً - الإطلاق، وقد أطلقه المصنف ﵁، وهكذا فلتقس.
قوله: [وسميته] إلخ: أي وضعت ذلك التركيب اسماً له؛ لأن من سنة المؤلفين تسمية أنفسهم وكتبهم لأجل الرغبة والانتفاع بها، لأن المجهول لا يرغب فيه، والضمير البارز في [سميته]: مفعول أول لسمى، و [أقرب]: مفعوله الثاني، ومادة التسمية تارة تتعدى للثاني بنفسها أو بالباء.
قوله: [والمراد بها هنا الكتب]: أي فقد شبه الكتب المؤلفة في المذهب بطرق توصل إلى مدينة مثلاً، واستعار اسم المشبه به للمشبه على طريق الاستعارة التصريحية. وإضافتها للمذهب قرينة مانعة. ولك أن تجعل [في المذهب]: بمعنى الأحكام؛ استعارة بالكناية، بأن يقال: شبه مذهب مالك بمدينة يتوصل إليها بطرق عديدة، وطوى ذكر المشبه به ورمز إليه بشيء من لوازمه - وهو المسالك - على سبيل الاستعارة بالكناية وذكر المسائل تخييل.
قوله: [يقرب الأقصى] إلخ: مقتبس من قول ابن مالك:
تقرب الأقصى بلفظ موجز ... وتبسط البذل بوعد منجز
وإسناد التقريب للكتاب: مجاز عقلي من الإسناد للسبب. والأقصى صفة لموصوف محذوف؛ أي المعنى الأبعد الذي في غاية البعد، ومن باب أولى البعيد. والموجز: المختصر، والبسط: التوسعة. والبذل: العطاء أي المعطى. والوعد: ما كان بخير ضد الوعيد. والمنجز: المبرم. وبالجملة فقد شبه كتابه بشخص كريم ذي عطايا واسعة يعد ولا يخلف. وطوى ذكر المشبه به ورمز له بشيء من لوازمه وهو البسط والبذل والوعد، فالبذل تخييل، والبسط والوعد ترشيحان.
قوله: [كما نفع بأصله]: ما مصدرية تسبك مع ما بعدها بمصدر. والجار والمجرور صفة لموصوف محذوف مفعول مطلق والتقدير: وأسأل الله النفع به نفعاً كائناً كالنفع بأصله. قوله: [إنه علي] إلخ: بكسر الهمزة على الاستئناف المضمن معنى التعليل،
والعلي: المنزه عن كل نقص. والحكيم: ذو الحكمة والصنع الذي يضع كل شيء في محله، والرؤوف: شديد الرحمة، والرحيم: ذو الرحمة. وحكمة توسله بهذه الأسماء: إفادتها أن الله منزه عن الأغراض في الأفعال والأحكام يعطي من غير علة ومن غير تهيؤ العبد للعطايا يعطي الحكم؛ وهي العلوم النافعة لشدة رأفته ورحمته. قوله: [لأنه لا يسأل إلا الله وحده]: هذا الحصر مأخوذ من قوله: [إنه علي حكيم] إلخ.
(باب):
هو في العرف معروف. وفي اللغة: فرجة في ساتر يتوصل بها من خارج إلى داخل وعكسه حقيقة في الأجسام؛ كباب الدار ومجاز في المعاني كما هنا. وفي الاصطلاح: اسم لطائفة من المسائل المشتركة في أمر.
والباب في كلام المؤلف إما مرفوع مبتدأ خبره محذوف، أو خبر لمبتدأ محذوف أو منصوب بفعل محذوف أو موقوف على حد ما قيل في الأعداد المسرودة. واعترض الإعراب الأول: بأنه يلزم عليه الابتداء بالنكرة، ويجاب: بأن المسوغ للابتداء بها هنا وقوع الخبر جاراً ومجروراً. وهو إذا وقع خبراً عن نكرة وجب تقديمه عليها ليسوغ الابتداء بها فيقدر مقدماً عليها.
قوله: [في بيان الطهارة]: بفتح الطاء، وأما بضمها فهو ما يتطهر به، وأما بكسرها فهو ما يضاف إلى الماء من صابون ونحوه.
стр. 10
وأقسامها، وأحكامها، والطاهر، والنجس. وما يتعلق بذلك [١] ويسمى كتاب الطهارة.
وبدأ بالكلام على الطهارة. وما تتحصل به من الماء المطلق، وما يتعلق به الأحكام.
فقال: (الطهارة صفة حكمية يستباح بها ما منعه الحدث أو حكم الخبث).
أقول: الطهارة القائمة بالشيء الطاهر صفة حكمية؛ أي يحكم العقل بثبوتها وحصولها في نفسها
ــ
وابتدأ بالكلام على الطهارة لأنها مفتاح الصلاة التي هي أعظم أركان الإسلام بعد الشهادتين. والكلام في الشرط مقدم على المشروط. وقدم ما يكون به الطهارة وهو - الماء في الغالب - لأنه إن لم: يوجد هو ولا بدله، لا توجد الطهارة؛ فهو كالآلة. واستدعى الكلام فيه الكلام على الأعيان الطاهرة والنجسة لكي يعلم ما ينجس الذي يكون به الطهارة، وما لا ينجسه وما يمنع التلبس به من التقرب بالصلاة وما في حكمها، وما لا يمنع من ذلك وهذه طريقة أكثر أهل المذهب. واعلم أنه قد جرت عادتهم في هذا الباب أن يتعرضوا لبيان حقائق سبعة، وهي: الطهارة والنجاسة والطاهر والنجس والطهورية والتطهير والتنجيس، واقتصر المصنف على تعريف الطهارة. ولنذكر لك الباقي على طبق تعريف المصنف الآتي.
فتعريف النجاسة: صفة حكمية يمتنع بها ما استبيح بطهارة الخبث. والطاهر الموصوف بصفة حكمية يستباح بها ما منه [٢] الحدث أو حكم الخبث. والنجس -بكسر الجيم- المتنجس: هو الموصوف بصفة حكمية يمتنع بها ما أبيح بطهارة الخبث. وأما بفتحها: فهو عين النجاسة، وتقدم تعريفها. والطهورية بفتح الطاء: صفة حكمية يزال بما قامت به الحدث وحكم الخبث. وهذا الوصف لا يطرد إلا في الماء المطلق.
والتطهير: إزالة النجاسة أو رفع الحدث.
والتنجيس: تصيير الطاهر نجساً.
وقوله: [وأقسامها]: قال الأصل الطهارة قسمان: حدثية وخبثية، والأولى مائية وترابية، والمائية لغسل [٣] ومسح أصلي أو بدلي. والبدلي اختياري أو اضطراري.
والترابية بمسح فقط، والخبثية أيضاً مائية وغير مائية، والمائية بغسل ونضح، وغير المائية بدابغ في كيمخت فقط، ونار على الراجح فيهما. إذا علمت ذلك فقولهم: الرافع هو المطلق لا غيره، فيه نظر بناء على الراجح. وعلى التحقيق من أن التيمم يرفع الحدث رفعاً مقيداً، والقول بأنه لا يرفعه وإنما يبيح الصلاة لا وجه له، إذ كيف تجتمع الإباحة مع المنع أو الوصف المانع؟ نعم الأمران معاً - أي الحدث وحكم الخبث - لا يرفعهما إلا الماء المطلق، وأما غيره فلا يرفعهما معاً لأن التراب إنما يرفع الحدث فقط والدباغ والنار إنما يرفعان حكم الخبث فقط.
قوله: (وأحكامها): وهي الوجوب إذا توقفت صحة العبادة عليها أو الندب أو السنية إن لم تتوقف.
قوله: [والطاهر]: سيأتي في قوله: الطاهر ميتة ما لا دم له والحي ودمعه إلخ.
وقوله: [النجس]: بينه أيضاً في باب الطاهر وفي باب إزالة النجاسة.
قوله: [وما يتعلق بذلك]: اسم الإشارة عائد على الطهارة وما بعدها، وأفرد باعتبار ما ذكر.
قوله: [ويسمى كتاب الطهارة]: أي كما يسمى بباب الطهارة وهي تسمية قديمة.
قال في الحاشية: قال ابن محمود شارح أبي داود: قد استعملت هذه اللفظة زمن التابعين، يعني لفظة باب، قال في الحاشية أيضاً وانظر لفظة كتاب، قال شيخنا في مجموعه وانظر لفظة فصل.
قوله: [الطهارة]: هذا شروع في معناها اصطلاحاً. وأما معناها لغة فهي النظافة من الأوساخ الحسية والمعنوية كالمعاصي الظاهرة والباطنة. قال في حاشية الأصل: والحاصل أن الطهارة من التحقيق كما اختاره ابن راشد، وتبعه العلامة الرصاع والتتائي على الجلاب والشبرخيتي وشيخنا في حاشيته، موضوعة للقدر المشترك وهو الخلوص من الأوساخ أعم من كونها حسية أو معنوية خلافاً لما قاله (ح) من أنها موضوعة للنظافة من الأوساخ، بقيد كونها حسية، وأن استعمالها في النظافة من الأوساخ المعنوية مجاز، ويدل للأول قوله تعالى: ﴿ويطهركم تطهيرا﴾ [الأحزاب: ٣٣]، والمجاز لا يؤكد إلا شذوذاً كما صرح به العلامة السنوسي في شرح الكبرى وغيره عند قوله تعالى: ﴿وكلم الله موسى تكليما﴾ [النساء: ١٦٤].
قوله: [صفة]: دخل تحتها أقسام الصفات الثلاثة: المعاني والمعنوية والسلبية، فلذلك أخرج المعاني والسلبية بقوله حكمية.
قوله: [بالشيء الطاهر]: أي حيواناً أو جماداً كان الحيوان عاقلاً أو لا.
قوله: [يحكم العقل]
стр. 11
فهي من صفات الأحوال عند من يقول بالحال، أو من الصفات الاعتبارية عند من لا يقول بالحال؛ كالوجود والظهور والشرف والخسة؛ فإنها صفات حكمية، أي اعتبارية يعتبرها العقل. أو أنها أحوال: أي لها ثبوت في نفسها، وليست وجودية كصفات المعاني، ولا سلبية بأن يكون مدلولها سلب شيء كالقدم والبقاء.
وقوله: (يستباح): أي يباح فالسين والتاء للتوكيد. وقوله: (ما): كناية عن فعل أي يباح بها فعل؛ كصلاة وطواف ومس مصحف. (منعه): أي منع منه الحدث الأصغر أو الأكبر، أو منع منه حكم الخبث، والخبث: عين النجاسة.
والمانع من التلبس بالفعل المطلوب: حكمها المترتب عليها عند إصابتها الشيء الطاهر؛ وهو أثرها الحكمي الذي حكم الشرع بأنه مانع. فالطهارة قسمان: طهارة من حدث، وطهارة من خبث، فأو في قوله: (أو حكم الخبث) للتنويع: لا للتشكيك أو الشك فلا يضر ذكرها في الحد.
واعلم أن الحدث لا يقوم إلا بالمكلف.
وهو قسمان: أصغر وأكبر.
فالأصغر يمنع الصلاة والطواف ومس المصحف. ويزيد الأكبر منع الحلول بالمسجد، فإن كان جنابة منع القراءة أيضاً، وإن كان عن حيض أو نفاس منع الوطء.
وأما حكم الخبث فيقوم بكل طاهر من بدن أو ثوب أو مكان أو غيرها. وهو يمنع الصلاة والطواف والمكث في المسجد. ثم إن أريد بالمانع ما يشمل التحريم والكراهة، شمل التعريف الأرضية، والاغتسالات المندوبة والمسنونة. كما يشمل طهارة الذمية ليطأها زوجها المسلم. ولا يرد الوضوء المجدد لأنه ليس فيه تحصيل طهارة، وإنما فيه تقوية الطهارة الحاصلة، فقد علمت أن تعريفنا الطهارة أخصر وأوضح وأشمل من تعريف ابن عرفة المشهور.
(ويرفع: بالمطلق): ضمير يرفع يعود على الحدث وحكم الخبث، وأفرده لأن العطف بأو. والحدث وصف تقديري قائم بالبدن أو بأعضاء الوضوء.
وقوله: (يرفع): أي يرتفع ويزول برفع الله له بسبب استعمال الماء المطلق على الوجه المعروف شرعاً الآتي بيانه من غسل أو مسح أو رش.
ــ
تبعاً للشرع، لأن المدار عليه.
قوله: [فهي من صفات الأحوال] إلخ: وهي على هذا القول صفة ثبوتية لا توصف بالوجود بحيث يصح أن ترى، ولا بالعدم بحيث لا تدرك إلا في التعقل، بل هي واسطة بين الوصف الوجودي والاعتباري.
قوله: [أو من الصفات الاعتبارية] إلخ: هذا هو الحق. لأن الحق أن لا حال. والحال محال، كما هو مبين في علم الكلام.
قوله: [كالوجود] إلخ: هذه الأمثلة لما فيه الخلاف.
قوله: [فإنها صفات حكمية] إلخ: توضيح للخلاف الذي ذكره أولاً.
قوله: [للتوكيد]: أي زائدتان للتوكيد وليستا للطلب.
قوله: [فعل كصلاة]: يصح قراءته بالإضافة والتنوين.
قوله: [أي منع منه]: إشارة إلى أن في كلام المصنف حذفاً وإيصالاً، أي حذف الجار، وإيصال الضمير.
قوله: [عين النجاسة]: أي وهو يزال بكل قلاع فلا تحصل بإزالته الطهارة الشرعية إلا في مسائل، كالاستجمار ونحوه.
قوله: [فلا يضر ذكرها في الحد]: أي التعريف، لأن المضر أو التي للشك أو التشكيك وهي التي قال فيها صاحب السلم:
ولا يجوز في الحدود ذكر أو ... وجائز في الرسم فادر ما رووا
قوله: [واعلم] إلخ: إنما قال ذلك لأن التعريف للماهية وهي مجملة، فلم يكتف به وذكر هذا الحاصل للإيضاح.
قوله: [إلا بالمكلف]: هذا الحصر مشكل، لأن المكلف هو البالغ العاقل إلخ. فيقتضي أن الصبي المميز لا يقوم به الحدث، وليس كذلك. ويجاب بأن المراد بالمكلف: ما يشمل المكلف بالمندوب والمكروه فقط فيدخل المميز. وأورد أيضاً أنه يقتضي أن المجنون والنائم لا يقوم بهما الحدث، مع أنه ليس كذلك. وأجيب بأن المراد بالحدث هو الذي يتأتى رفعه. لأن المجنون حال جنونه، والنائم حال نومه لا يخاطبان برفعه، وإنما الذي يخاطب به المكلف.
قوله: [وإن كان عن حيض] إلخ: أي وإن كان الأكبر ناشئاً عن حيض أو نفاس منع الوطء، أي لا القراءة مدة سيلان الدم، وأما بعد انقطاعه وقبل الغسل فتمنع القراءة لقدرتها على إزالة مانعها. انتهى تقرير الشارح.
قوله: [الأرضية والاغتسالات] إلخ: كالوضوء لزيارة الأولياء، وللدخول على السلطان، ووضوء الجنب للنوم، وغسل الحائض والنفساء للإحرام والوقوف. فإن هذه الأمور منعها الحدث منع كراهة والوضوء والغسل أباحها. وأما غسل الجمعة والعيدين للمتوضئ فلم يستبح بهما ما منعه الحدث، بل هما خارجان من التعريف كالوضوء المجدد.
قوله: [ويرفع بالمطلق]: أي لا غيره لأن التراب وإن رفع الحدث لا يرفع الخبث، والنار والدباغ وإن رفعا الخبث لا يرفعان الحدث كما تقدم.
قوله: [والحدث وصف تقديري] إلخ: وقد يطلق على نفس المنع سواء تعلق بجميع الأعضاء كالجنابة، أو ببعضها كحدث الوضوء، لكن تسمية المنع حدثاً فيه بشاعة لأنه حكم الله فلا يليق أن يسمى بذلك، ورفعه بهذا المعنى باعتبار تعلقه بالأشخاص فيرجع لمعنى الصفة الحكمية؛ وأما باعتبار قيامه بالله فهو واجب الوجود فلا يتصور ارتفاعه، ويطلق في مبحث الوضوء على الخارج المعتاد من المخرج المعتاد، وفي مبحث قضاء الحاجة على خروج الخارج فله إطلاقات أربع كما علمت.
قوله: [أي يرتفع ويزول برفع الله]: أي يحكم الله بالرفع.
قوله: [من غسل]: أي في طهارة حدث أو خبث.
قوله: [أو مسح]: أي في حدث.
قوله: [أو رش]: أي في إزالة النجاسة
стр. 12
(وهو ما صدق عليه اسم ماء بلا قيد): يعني أن الماء المطلق الذي يرفع الحدث وحكم الخبث هو ما صدق عليه اسم ماء من غير قيد؛ أي ما صح إطلاق لفظ الماء عليه من غير ذكر قيد؛ بأن يقال فيه: هذا ماء. فخرج ما لم يصدق عليه اسم الماء أصلاً من المائعات؛ كالخل والسمن. وما لا يصدق عليه اسمه إلا بالقيد كماء الورد وماء الزهر وماء البطيخ ونحوها. فهذه الأشياء ليست من الماء المطلق، فلا يصح التطهير بها، بخلاف ماء البحر والمطر والآبار، فإنه يصح إطلاق الماء عليها من غير قيد فيصح التطهير بها.
(وإن جمع من ندى أو ذاب بعد جموده): هذا مبالغة في قوله يرفع إلخ.
أي أن الحدث وحكم الخبث يرتفعان بالماء المطلق، ولو جمع المطلق من الندى الساقط على أوراق الأشجار أو الزرع، أو كان جامداً كالبرد والجليد، ثم ذاب بعد جموده.
(ما لم يتغير [١] لوناً أو طعماً أو ريحاً بما يفارقه غالباً من طاهر، أو نجس مخالط أو ملاصق، لا مجاور): يعني أن الماء المطلق يرفع الحدث وحكم الخبث مدة كونه لم يتغير لونه أو طعمه أو ريحه بشيء شأنه مفارقة الماء غالباً من طاهر - كلبن وسمن وعسل وحشيش وورق شجر ونحوها - أو نجس - كدم وجيفة وخمر ونحوها. فإن تغير بشيء من ذلك سُلب الطهورية فلم يرفع ما ذكر. ومحل سلبه الطهورية إن خالط شيء مما ذُكر الماء، بأن امتزج به أو لاصقه، كالرياحين المطروحة على سطح الماء، والدهن الملاصق له، فنشأ من ذلك تغير أحد أوصاف الماء، لا إن جاوره، فتكيف الماء بكيفية المجاور، فلا يضر. ومن المجاور: جيفة مطروحة خارج الماء فتغير ريح الماء منها، أو بخرت الآنية ببخور وصب فيها الماء بعد ذهاب الدخان، أو وضع ريحان فوق شباك قلة بحيث لم يصل الماء فتكيف الماء بريح ذلك، فإنه لا يضر. بخلاف ما لو صب الماء
ــ
كما سيأتي في قوله وإن شك في إصابتها لثوب وجب نضحه.
قوله: (وهو ما صدق عليه إلخ): الصدق معناه الحمل؛ أي ما حمل عليه اسم ماء إلخ.
قوله: [بلا قيد]: أي لازم غير منفك عنه أصلاً، فكلامه شامل لما إذا صدق عليه اسم ماء بلا قيد أصلاً أو مقيداً بقيد غير لازم كماء البئر مثلاً كما يفيده الشارح في الحل.
قوله: [يعني أن الماء المطلق] إلخ: أي ففرق بين قولهم الماء المطلق ومطلق ماء، فالأول ما علمت.
والثاني صادق بكل ماء ولو مضافاً، وهذا اصطلاح للفقهاء ولا مشاحة فيه.
قوله: [أي ما صح إطلاق] إلخ: أي الحمل عليه والإخبار عنه.
قوله: [والآبار] إلخ: أي ولو آبار ثمود، فماؤها طهور على الحق وإن كان التطهير به غير جائز. فلو وقع ونزل وتطهر بها وصلى فهل تصح الصلاة أو لا؟ استظهر الأجهوري الصحة وفي الرصاع على الحدود عدمها، واعتمدوه كما ذكره في الحاشية. وعدم الصحة تعبدي لا لنجاسة الماء لما علمت أنه طهور. وكما يمنع التطهير بمائها يمنع الانتفاع به في طبخ وعجن لكونه ماء عذاب، ويستثنى منها البئر التي كانت تردها الناقة فإنه يجوز التطهير والانتفاع بمائها، وكما يمنع التطهير بمائها يمنع التيمم بأرضها أي يحرم، وقيل بجوازه وصححه التتائي. وما قيل في آبار ثمود يقال في غيرها من الآبار التي في أرض نزل بها العذاب كديار لوط وعاد انتهى من حاشية الأصل.
قوله: [وإن جمع من ندى]: أي ولو تغيرت أوصافه لأنه كالقرار، ولا يخص بتغير الريح ولا بما جمع من فوقه خلافاً للأصل والخرشي.
قوله: (أو ذاب إلخ): أي تميع سواء كان بنفسه أو بفعل فاعل.
قوله: (كالبرد): هو النازل من السماء جامداً كالملح قال تعالى: ﴿وينزل من السماء من جبال فيها من برد﴾ [النور: ٤٣].
قوله: والجليد: هو ما ينزل متصلاً بعضه ببعض كالخيوط. وأدخلت الكاف الثلج وهو ما ينزل مائعاً ثم يجمد على الأرض.
قوله: [ما لم يتغير لوناً] إلخ: ما مصدرية ظرفية، أي مدة عدم تغيره. و"لونا" و"ما" عطف عليه منصوب على التمييز المحول على الفاعل، كما يفيده الشارح في الحل. ولون الماء الأصلي البياض. وأما قولهم في تعريفه: الماء جوهر سيال لا لون له يتلون بلون إنائه، فإن ذلك في مرأى العين لشفافيته. وقول السيدة عائشة ﵂: «ما هو إلا الأسودان الماء والتمر» تغليب للتمر أو للون إنائه، وأما قوله: [أو ريحاً] قال ابن كمال باشا من الحنفية: لا بد من التجوز في قولهم تغير ريح الماء؛ إذ الماء لا ريح له أصالة أي فالمراد طرو ريح عليه. (انتهى بالمعنى من شيخنا في مجموعه).
وحاصل الفقه في المتغير أحد أوصافه بالمفارق غالباً -إن كان مخالطاً أو ملاصقاً- أن يقال: إما أن يتحقق التغير أو يظن أو يشك أو يتوهم، فهذه أربع صور مضروبة في الأوصاف الثلاثة باثني عشر، وهي مضروبة في المخالط والملاصق؛ فالحاصل أربع وعشرون صورة. فإن كان التغير محققاً أو مظنوناً ضر فالخارج اثنا عشر. فإن كان مشكوكاً أو متوهماً فلا يضر، فهذه اثنا عشر أيضاً. وأما المجاور فلا يضر التغير به مطلقاً في اثني عشر وهي تغير أحد أوصافه تحقيقاً أو ظناً أو شكاً أو توهماً، فالجملة ست وثلاثون صورة، وقد علمتها. وخلاف هذا لا يعول عليه، انتهى بالمعنى من حاشية الأصل.
قوله: [من طاهر]: أي وحكمه كمغيره، وكذلك قوله أو نجس.
قوله: [فتغير ريح الماء منها]: بل ولو فرض تغير الثلاثة لا يضر، وإنما اقتصر الشارح على الريح لكونه الشأن.
قوله: [وصب فيها الماء] إلخ: ما قاله الشارح في هذا
стр. 13
قبل ذهاب دخان البخور أو وصل الريحان للماء فإنه يضر.
(لا إن تغير بمقر أو ممر من أجزاء الأرض؛ كمغرة وملح، أو بما طرح منها ولو قصداً): هذا معطوف بلا النافية على مفهوم قوله ما لم يتغير إلخ. كأنه قيل: فإن تغير بما يفارقه غالباً ضر تغيره، لا إن تغير الماء بمقر الماء أو تغير بممره أي بما مر عليه حال كون المغير من أجزاء الأرض، كالمغرة بفتح الميم والملح والكبريت والتراب، فإنه لا يضر. وكذا لا يضر التغير بما طرح فيه من أجزاء الأرض كالملح أو الطفل ونحو ذلك ولو قصداً. وقول الشيخ: والأرجح: السلب بالملح ضعيف.
(أو بمتولد منه أو بطول مكث): لا يضر تغير الماء بشيء تولد منه، كالسمك والدود والطحلب بفتح اللام وضمها، وكذا إذا تغير الماء بطول مكثه من غير شيء ألقي فيه، فإنه لا يضر.
(أو بدابغ طاهر كقطران، أو بما يعسر الاحتراز منه؛ كتبن أو ورق شجر): يعني أن الجلود التي أعدت لحمل الماء كالقرب والدلاء التي يستقى بها، إذا دبغت بدابغ طاهر كالقطران والشب والقرظ، ثم وضع فيها الماء لسفر أو غيره فتغير من أثر ذلك الدابغ، فإنه لا يضر؛ لأنه كالمتغير بقراره. وكذا إذا تغير بما يعسر الاحتراز منه، كالتبن وورق الشجر الذي يتساقط في الآبار والبرك من الريح، وسواء كانت الآبار أو الغدران في البادية أو الحاضرة؛ إذ المدار على عسر الاحتراز.
وما في كلام الشيخ مما يخالف ذلك ضعيف. بخلاف ما لو تغير بالتبن أو ورق الشجر في الأواني أو بما ألقي منهما في الآبار بفعل فاعل، فإنه يضر لعدم عسر الاحتراز منه.
(ولا إن خف التغير بآلة سقي من حبل أو وعاء أو تغير بأثر بخور أو قطران كجرمه إن رسب): هذا معطوف على قوله: لا إن تغير. أي: وكذا لا يضر تغير الماء إذا كان التغير خفيفاً بآلة سقي؛ من حبل ربط به قواديس السانية، أو علقت به الدلاء أو تغير بنفس الوعاء، كالدلاء والقواديس وكذا. إذا تغير بأثر بخور بخر به الإناء ثم زال دخانه وبقي الأثر، فوضع فيه الماء، أو بأثر قطران دهن به الإناء من غير دبغ به. وكذا إذا رُمي القطران في الماء فرسب في قراره فتغير الماء به، فإنه لا يضر على الأصح. لأن القطران كانت تستعمله العرب كثيراً في الماء عند الاستقاء وغيره، فتسومح فيه؛ لأنه صار كالتغير بالمقر، وليس غير المتغير بآلة.
ــ
المثال مثله في الحاشية تبعا للأجهوري، وبحث فيه شيخنا في مجموعه بقوله قد يقال إن الإناء اكتسب الريح وهو ملاصق.
قوله: [قبل ذهاب دخان] إلخ: أي ولو بكبريت ونحوه من أجزاء الأرض كما قال (عب) واعتمده في الحاشية.
قوله: [لا إن تغير بمقر]: أي قرار أقام عليه الماء. وقوله: أو [ممر]: أي موضع مر عليه الماء ومثل ذلك أواني الفخار المحروق والنحاس إذا سخن الماء فيها وتغير.
قوله: [وقول الشيخ] إلخ: حاصله أن المتأخرين اختلفوا في الملح المطروح قصداً.
فقال ابن أبي زيد: لا ينقل حكم الماء كالتراب وهذا هو المذهب. وقال القابسي: إنه كالطعام فينقله واختاره ابن يونس وهو المشار له بقوله والأرجح إلخ.
وقال الباجي: المعدني كالتراب والمصنوع كالطعام. فهذه ثلاث طرق للمتأخرين. ثم اختلف من بعدهم: هل ترجع هذه الطرق إلى قول واحد؟ فيكون من جعله كالتراب أراد المعدني ومن جعله كالطعام أراد المصنوع؟ وحينئذ، فقد اتفقت الطرق على أن المصنوع يضر، وهذا هو الشق الأول من التردد في كلام الشيخ خليل، وهو قوله: "وفي الاتفاق على السلب به إن صنع تردد". وأما إن كان غير مصنوع، ففيه الخلاف المشار له بقوله: [ولو قصداً] أو ترجع [١] هذه الطرق إلى ثلاثة أقوال متباينة: فمن قال: لا يضر، مراده: ولو مصنوعاً، ومن قال: يضر، مراده: ولو معدنياً. فالمصنوع فيه خلاف كغيره. وهذا هو الشق الثاني من التردد، وهو المحذوف في كلام خليل تقديره: وعدم الاتفاق، وهو صادق بالأقوال الثلاثة (انتهى من حاشية الأصل). فإذا علمت ذلك، فما قاله شارحنا هو المعول عليه. فلا ضرر بالملح ولو مطروحاً قصداً أو مصنوعاً -ما لم يكن من النبات- كما ذكره شيخنا في مجموعه.
قوله: [كالسمك] إلخ: أي حيث كان حياً فلا يضر التغير به ولو تغيرت أوصافه الثلاثة. ولو طرح قصدًا، وأما إن مات فيضر اتفاقاً، وأما خرؤه فنظر فيه الأجهوري واستظهر بعض تلامذته الضرر وبعضهم عدمه.
قوله: [والطحلب]: أي ما لم يطبخ.
قوله: [يعني أن الجلود] إلخ: لا مفهوم لها بل كل ما فيه مصلحة لأواني الماء حكمه كالدباغ لا يضر التغير به مطلقاً لوناً أو طعماً أو ريحاً [٢] فاحشاً أو لا.
قوله: [على عسر الاحتراز]: وكل هذا ما لم يكن التغير بروث المواشي والدواب وبولها وإلا ضر كما ذكره خليل وشراحه.
قوله: [ولا إن خف التغير]: لم يفرق بين البين وغيره إلا في هذه المسألة؛ وهي تغير الماء بالآلة التي يخرج بها. وفي (ابن [٣]): اعلم أن التغير إما بملازم غالباً، فيغتفر. أو بمفارق غالباً ودعت إليه الضرورة - كحبل الاستقاء؛ ففيه ثلاثة أقوال ذكرها ابن عرفة: قيل: إنه طهور وهو لابن زرقون. وقيل، ليس بطهور، وهو لابن الحاج.
والثالث لابن رشد: التفصيل بين التغير الفاحش وغيره وهو الراجح. ولذا اقتصر عليه خليل وتبعه المصنف.
قوله: [بآلة سقي]: هذا أشمل من قول المختصر حبل السانية فإنهم قالوا لا مفهوم لحبل ولا لسانية، بل متى تغير الماء بآلته ولم تكن من أجزاء الأرض يفصل فيها بين الفاحش وغيره.
قوله: [فتغير الماء به]: أي ريحه، أو ما لونه أو طعمه فيضر حيث لم يكن دباغاً كذا في الأصل.
стр. 14
(أو شك في مغيره: هل يضر؟ ): يعني إذا [١] كان الماء متغيرا، وشك في مغيره، هل هو من جنس ما يضر؟ كالعسل والدم، أو هو من جنس ما لا يضر؟ كالمغرة والكبريت وطول المكث؟ فإنه لا يسلب الطهورية ويجوز التطهير به.
(أو في ماء جعل في الفم، هل تغير؟ أو فيما خلط بموافق، هل يغير لو خالف؟ ): يعني إذا جعل الماء في الفم، وحصل شك فيه هل تغير بالريق أو لا، فإنه يجوز التطهير به. وأولى إذا ظن عدم التغير. بخلاف ما إذا ظن التغير، فإنه لا يجوز التطهير به. وكذا إذا شك في الماء المخلوط بشيء موافق لأوصافه؛ كما لو خلط بمياه الرياحين المنقطعة الرائحة، هل تغيره لو كانت غير منقطعة الرائحة أو لا تغيره لقلتها وكثرة الماء؟ فإنه لا يضر، فقوله: أو في ماء جعل، عطف على قوله: في مغيره، أي أو شك في الماء الذي جعل في الفم، وقوله هل تغير؟ تفسير للشك. وكذا يقال فيما بعده.
(كتحققه على الأرجح): هذا تشبيه في عدم الضرر. يعني أن الماء المخلوط بموافق لا يضر التطهير به، ولو جزمنا بأنه لو كان ما خالط مخالفاً له لغيره على الأرجح. وجميع ما في كلام الشيخ مما يخالف هذا ضعيف عند الأشياخ.
(وحكمه كمغيره): يعني أن الماء المتغير بما يفارقه غالباً حكمه في الاستعمال وعدمه كحكم مغيره، فإن تغير بطاهر فالماء طاهر غير طهور يستعمل في غير الطهارة. وإن تغير بجنس [٢] فالماء متنجس لا يستعمل في طهارة ولا غيرها إلا في نحو سقي بهيمة أو زرع كما سيأتي.
(وكره ماء يسير استعمل في حدث،
ــ
قوله: [أو شك] إلخ: هو بالبناء للمفعول أي وقع التردد على حد سواء في هذا المغير. ومفهوم شك أنه لو ظن أو تحقق أن مغيره يضر أنه يعمل على ذلك. والوهم أولى من الشك في عدم الضرر.
فقوله: [هل يضر] تصوير لقوله: [أو شك].
قوله: [أو في ماء جعل في الفم] إلخ: حاصل ما قاله المصنف والشارح في الماء المطلق المجعول في الفم إذا حصل فيه شك، هل تغير بالريق أم لا؟ أنه لا يضر وأولى إذا ظن عدم التغير أو تحقق، بخلاف ما إذا ظن التغير فإنه لا يجوز التطهير به، وأولى إذا تحقق التغير، وهذا حمل منه للخلاف بين ابن القاسم وأشهب على اللفظي، وهو المعتمد فقول أشهب بالضرر محمول على ما إذا تحقق التغير أو ظن، وقول ابن القاسم بعدم الضرر محمول على ما إذا شك في التغير أو ظن عدمه أو تحقق.
قوله: [أو فيما خلط بموافق] إلخ: حاصل ما قاله المصنف والشارح فيما إذا خالط الماء المطلق - شيء أجنبي موافق لأوصافه كماء الرياحين المنقطعة الرائحة وماء الزرجون -بفتح الزاي- أي حطب العنب أنه لو قدر مخالفاً ولم يغيره تحقيقاً أو ظناً أو شكاً لا يضر من غير خلاف، ولو كان يغيره تحقيقاً أو ظناً لم يضر على الراجح. وأصل المسألة خمس وأربعون صورة لأن الماء المطلق إما قدر آنية الوضوء، أو أقل منها أو أكثر، وفي كل إما أن يخلط بمساو له أو أقل أو أكثر، فهذه تسع وفي كل لو قدر مخالفاً - إما أن يتحقق عدم التغير، أو يظن عدمه، أو يشك، أو يتوهم، أو يتحقق التغير. فهذه خمس مضروبة في التسع بخمس وأربعين صورة منها سبع وعشرون لا ضرر فيها قطعاً؛ وهي ما إذا تحقق عدم التغير. أو ظن عدمه، أو شك. فهذه ثلاث صور مضروبة في التسع وهي داخلة في قول المصنف، وفيما خلط بموافق، هل يغير لو خالف؟ لأن موضوعه الشك في التغير على تقدير المخالفة، فمن باب أولى تحقق العدم وظنه. والثمانية عشر الباقية حاصلة من ضرب تحقق التغير أو ظنه في التسع، داخلة في قول المصنف: [كتحققه على الأرجح]. وهذا الترجيح من المصنف اعتمده في الحاشية وذكره (شب) أيضاً تبعاً لابن عبد السلام بناء على تقدير الموافق غير مخالف. والمخالفة لا تضبط، والشريعة السمحاء تقتضي طرح ذلك. ومقابل الأرجح يقول بتقدير الموافق مخالفاً، ويحكم بالضرر عند تحقق التغير أو ظنه. وقد ارتضاه الشيخ في قراءة (عب) وتبعه شيخنا في مجموعه. وعن الشيخ أبي علي ناصر الدين: أن المخالط إذا كان نجساً فالماء نجس مطلقاً. اهـ.
قال (بن) نقلاً عن بعض الشيوخ: وهذا هو الظاهر اهـ. ولك أن تقول كلام أبي علي ظاهر حيث كان عند المخالفة يحصل التغير تحقيقاً أو ظناً. وأما لو شك في التغير فلا وجه لظهوره. وهذا الحاصل زبدة ما قالوه في هذه المسألة فليحفظ.
قوله: [وحكمه كمغيره]: جملة مستأنفة جواب عما يقال إذا كان التغير بالمفارق يسلب الطهورية فهل يجوز تناوله في العادات أو لا يجوز تناوله فيها؟ قوله: [كما سيأتي]: أي في آخر فصل الطاهر، في قوله: وجاز انتفاع بمتنجس في غير مسجد وآدمي.
قوله: [وكره ماء] إلخ: الكلام على حذف مضاف أي استعماله، وقوله: [استعمل]: صفته.
وقوله: [في حدث]: تنازعه كل من استعمال المقدر واستعمال المذكور، فكأنه قال: " وكره استعمال ماء في حدث استعمل في حدث ". وحاصل ما قاله المصنف والشارح أن الماء اليسير الذي هو قدر آنية الغسل فأقل، المستعمل في حدث، يكره استعماله في حدث بشروط ثلاثة: أن يكون يسيراً، وأن يكون استعمل في رفع حدث لا حكم خبث، وأن يكون الاستعمال الثاني في رفع حدث. فصار المأخوذ من المتن والشرح أن الماء المستعمل في حكم خبث لا يكره له استعماله، وأن الماء المستعمل في حدث لا يكره استعماله في حكم خبث. وهذا ما نقله زروق عن ابن رشد وهو خلاف ما ذكره شيخنا في مجموعه. وحاصل ما ذكره: أن الماء اليسير المستعمل في [٣] متوقف على طهور، ولو
стр. 15
أو حلت به نجاسة لم تغيره، أو ولغ فيه كلب، ومشمس بقطر حار): هذا شروع في المياه المكروهة الاستعمال.
ولا تكون الكراهة إلا في الماء اليسير فيما قبل المشمس.
ــ
غسل ذمية من الحيض ليطأها زوجها - فإنه رفع حدثاً في الجملة - أو غسلة ثانية أو ثالثة، لأنهما من توابع رفع الحدث، حتى قال القرافي ينوي أن الفرض ما أسبغ من الجميع والفضيلة الزائدة، فبالجملة الكل طهارة واحدة، والخبث كالحدث لا نحو رابعة، وغسل ثوب طاهر مما لا يتوقف على طهور يكره استعمال ما ذكر في مثله. اهـ. بالمعنى أي يكره استعماله في حدث ولو غسل ذمية أو غسلة ثانية أو ثالثة أو حكم خبث، وهذا هو المعول عليه. وحاصل الفقه أن صور استعمال الماء المستعمل خمس وعشرون صورة، لأن استعماله أولاً إما في حدث أو حكم خبث، وإما في طهارة مسنونة أو مستحبة، وإما في غسل إناء. وكل من هذه إذا استعمل ثانياً فلا بد أن يستعمل في أحدها؛ فالمستعمل في حدث أو في حكم خبث يكره استعماله في مثلهما فهذه أربع. وكذا يكره استعماله في الطهارة المسنونة والمستحبة، فهذه أربع أيضاً ولا يكره استعماله في غسل كالإناء، وهاتان صورتان. والمستعمل في الطهارة المسنونة والمستحبة يكره استعماله في رفع الحدث وحكم الخبث. وفي الطهارة المسنونة والمستحبة على أحد الترددين، فهذه ثمانية، لا في غسل كالإناء. فهاتان اثنتان والمستعمل في غسل كالإناء لا يكره استعماله في شيء فهذه خمس اهـ من حاشية الأصل بتصرف.
تنبيه: عللت كراهة الاستعمال بعلل ست.
أولها: لأنه أديت به عبادة.
ثانيها: لأنه رفع به مانع.
ثالثها: لأنه ماء ذنوب.
رابعها: للخلاف في طهوريته.
خامسها: لعدم أمن الأوساخ.
سادسها: لعدم عمل السلف. وأوجه تلك العلل مراعاة الخلاف وهو علة كراهة استعمال الماء القليل الذي حلته نجاسة، وعلة كراهة استعمال الماء الذي ولغ فيه كلب.
مسألة: لو جمعت مياه قليلة مستعملة أو حلتها نجاسة ولم تغيرها فكثرت هل تستمر الكراهة لأن ما ثبت للأجزاء يثبت للكل؟ وهو ما للحطاب. واستظهر ابن عبد السلام نفيها. قيل: وعليه فالظاهر لا تعود الكراهة إن فرق لأنها زالت ولا موجب لعودها، وقد يقال: له موجب وهو القلة، والحكم يدور مع العلة. ويجزم بزوال الكراهة إذا كانت الكثرة بغير مستعمل.
مسألة أخرى: الاستعمال عند أصحابنا بالدلك لا بمجرد إدخال العضو، والظاهر الكراهة في استعماله، وإن لم يتم الوضوء سواء قلنا إن كل عضو يطهر بانفراده أو لا يرتفع الحدث إلا بكمال الأعضاء، خلافاً لما في (عب) من التفصيل. اهـ. بالمعنى من شيخنا في مجموعه. قوله [١]: [أو حلت به] إلخ: حاصل فقه المسألة أن الماء اليسير وهو ما كان قدر آنية الغسل فأقل إذا حلت فيه نجاسة يكره استعماله بقيود ستة:
الأول: أن يكون يسيراً كما تقدم.
الثاني: أن تكون النجاسة كالقطرة. أي نقطة المطر المتوسطة ففوق.
الثالث: عدم التغيير.
الرابع: أن يوجد غيره.
الخامس: أن يستعمل فيما يتوقف على طهور.
السادس: أن لا يكون له مادة. فإن تغير منع استعماله في العادات والعبادات. وإن اختل [٢] شرط من باقي الشروط فلا كراهة.
قوله: [أو ولغ] إلخ: معطوف على [حلت] وهو بفتح اللام في الماضي والمضارع وحكي كسرها في الماضي؛ أي أدخل لسانه فيه وحركه. فإنه يكره استعماله حيث كان يسيراً ولم يتغير ووجد غيره، ولو تحققت سلامة فيه من النجاسة، لا إن لم يحرك لسانه، ولا إن سقط منه لعاب في الماء من غير إدخال فلا كراهة. والحاصل أن حكمه حكم الماء الذي حلته نجاسة يكره استعماله فيما يتوقف على طهوره ولا يكره استعماله في العادات.
قوله: [ومشمس]: معطوف على ماء بقطع النظر عن وصفه باليسير، وهو صفة لموصوف محذوف على حذف مضاف تقديره: وكره استعمال ماء مشمس إلخ.
وهذه الكراهة طبية لا شرعية لأنها لا تمنع من إكمال الوضوء أو الغسل، بخلاف ما لو كانت كراهته لشدة حرارته، والفرق بين الكراهتين أن الشرعية يثاب تاركها بخلاف الطبية؛
стр. 16
واليسير: ما كان كآنية المغتسل كالصاع والصاعين والكثير ما زاد على ذلك، أي وكره استعمال ماء يسير [١] في رفع حدث قد كان استعمل أولاً [٢] في رفع حدث.
فالقيود ثلاثة: أن يكون يسيراً، وأن يكون استعمل في رفع حدث لا حكم خبث، وأن يكون الاستعمال الثاني في رفع حدث. والمراد بالمستعمل في حدث: ما تقاطر من الأعضاء أو غسلت فيه. وأما لو اغترف منه وغسلت الأعضاء خارجه فليس بمستعمل. وعلم أن استعماله في تطهير حكم الخبث غير مكروه، كالذي رفع به حكمه، لم يكره في الحدث إذا لم يتغير. وكذا يكره اليسير الذي حلت فيه نجاسة ولم تغيره لقلتها ولو من خبث.
وقول الرسالة: وقليل الماء ينجسه قليل النجاسة وإن لم تغيره، ضعيف، وإن كان هو قول ابن القاسم. وكذا اليسير الذي ولغ فيه كلب؛ فإنه يكره استعماله، وسيأتي أنه يندب إراقته، وغسل الإناء سبعاً، وهذا ظاهر في كراهة استعماله في الحدث والخبث.
وكذا يكره الماء المشمس أي المسخن بالشمس في الأقطار الحارة كأرض الحجاز، لا في نحو مصر والروم، وقيد بعضهم الكراهة أيضاً بالمشمس في الأواني النحاس ونحوها لا الفخار، وقيل لا يكره مطلقاً.
(كاغتسال براكد): هذا تشبيه في الكراهة؛ أي أنه يكره الاغتسال من الجنابة ونحوها في ماء راكد أي غير جارٍ؛ كحوض ولو كان كثيراً ما لم يستبحر كبركة وغدير. وما لم تكن له مادة، وإلا لم يكره إلا أن يكون الذي له مادة قليلاً في نفسه فيكره أيضاً.
(وراكد مات فيه بري ذو نفس سائلة ولو كان له مادة. وندب نزح لظن زوال الفضلات، لا إن أخرج حياً أو وقع ميتاً): قوله: راكد بالرفع عطف على "ما": أي وكره ماء راكد - أي استعماله في حدث أو خبث - إذا مات فيه حيوان بري بفتح الباء نسبة للبر ضد البحر - بقيوده الآتية قبل النزح منه، لأنه ماء تعافه النفوس، ولو كثر أو كانت له مادة كالبئر. وإذا مات الحيوان البري في الماء القليل أو الكثير - له مادة أو لا - كالصهاريج، وكان له نفس سائلة - أي دم يجري منه إذا جرح - فإنه يندب النزح منه بقدر الحيوان من كبر أو صغر وبقدر الماء من قلة وكثرة إلى ظن زوال الفضلات، خرجت من فيه حال خروج روحه في الماء. وينقص النازح الدلو لئلا تطفو الدهنية فتعود للماء ثانياً. والمدار على ظن زوال الفضلات، ولهذا حذفنا من المتن قول الشيخ: "بقدرهما"، فلو أخرج الحيوان من الماء قبل موته أو وقع فيه ميتاً أو كان الماء جارياً أو مستبحراً كغدير عظم جداً، أو كان الحيوان بحرياً كحوت، أو برياً ليس له نفس سائلة كعقرب وذباب، لم يندب النزح فلا يكره استعماله كما لا يكره بعد النزح. وهذا ما لم يتغير الماء بالحيوان المذكور. فإن تغير لوناً أو طعماً أو ريحاً تنجس لأن ميتته نجسة.
(ولو زال تغير متنجس بغير إلقاء طاهر فيه، لم يطهر): يعني إذا تغير الماء بحلول نجاسة فيه ثم زال تغيره لا بصب شيء طاهر فيه بل بنفسه - فإنه يكون باقياً على تنجيسه. ولا يستعمل في عبادة أو عادة،
ــ
وما قلناه من أنها طبية، هو ما قاله ابن فرحون والذي ارتضاه الحطاب أنها شرعية.
قوله: [كآنية المغتسل]: أي ولو للمتوضئ والمزيل لحكم الخبث.
قوله: [لا حكم خبث]: قد علمت ما فيه.
قوله: [في رفع حدث]: أي أو حكم خبث.
قوله: [فليس بمستعمل]: أي ولم ينو الاغتراف خلافاً للشافعية.
قوله: [غير مكروه]: قد علمت ما فيه أيضاً.
قوله: [لقلتها]: لا مفهوم له بل المدار على عدم التغير.
قوله: [وإن كان هو قول ابن القاسم]: أي فلا غرابة في ضعفه وإن كان.
قوله: [ونحوها]: كالرصاص والقصدير لأنها تورث البرص، فتحصل أن الكراهة بقيود ثلاثة: أن يكون الماء مسخناً بالشمس في أواني [٣] نحو النحاس من كل ما يمد تحت المطرقة غير النقدين، وغير المغشى بما يمنع اتصال الزهومة بالبلاد الحارة كما يؤخذ من الأصل.
قوله: [كاغتسال براكد] إلخ: حاصل ما فيه أن مالكاً يقول بكراهة الاغتسال في الماء الراكد كان يسيراً أو كثيراً، والحال أنه لم يستبحر ولم تكن له مادة سواء كان جسد المغتسل نقياً من الأذى أو لا، ولكن لا يسلب الطهورية. فإن كان يسلبها منع الاغتسال فيه. فليس عند مالك حالة جواز للاغتسال فيه، بل إما المنع أو الكراهة. وهي عنده تعبدية. وقال ابن القاسم: يحرم الاغتسال فيه إن كان يسيراً وبالجسد أوساخ؛ وإلا جاز بلا كراهة، فقول المصنف: [كاغتسال براكد] لا يصح حمله على قول ابن القاسم، وإنما يحمل على كلام مالك.
قوله: [مات فيه] إلخ: سيأتي محترز هذا وهو شيئان خروجه حياً ووقوعه ميتاً أما الأول فمتفق عليه وأما الثاني فقال (بن) عن ابن مرزوق الوقوع ميتاً كالموت فيه، ولكن ما مشى عليه المصنف ظاهر التعليل الآتي وهو زوال الرطوبات التي تخرج عند الموت.
قوله: [في حدث أو خبث]: المراد كل ما توقف على طهور.
قوله: [بقيوده]: متعلق باستعماله، وقبل النزح ظرف له. والقيود الآتية ستة، وهي: مات الحيوان البري في الماء القليل أو الكثير إلخ، وكان له نفس سائلة، ولم يغير كما يأتي في آخر عبارة الشارح.
قوله: [لأن ميتته نجسة]: أي لكونه: برياً ذا نفس سائلة، وأما لو كان بحرياً أو برياً لا نفس له سائلة وتغير الماء به، فهو طاهر غير طهور ومفهوم قول الشارح [وكره ماء] أنه لو وقع في طعام ومات فيه أو وقع ميتاً أنه يجري على حكم الطعام الذي حلته نجاسة الآتي. وإن وقع حياً وخرج كذلك، فإن كان يغلب على جسده النجاسة عمل عليه وإلا فلا ضرر لأن الطعام لا يطرح بالشك
قوله: [لم يطهر]: هذا قول ابن القاسم وقال (بن) الأرجح أنه
стр. 17
خلافاً لمن قال إنه إذا زال تغيره بنفسه طهر لأن علة تنجيسه تغيره وقد زالت. وأما لو زال تغيره بصب ماء مطلق فيه ولو قل لعادت له الطهورية. وكذا إذا زال بسقوط شيء طاهر فيه كتراب أو طين فإنه يكون طهوراً إذا زال أثر ما سقط فيه. ومفهوم متنجس: أنه لو زال تغير الطاهر بنفسه لكان طهوراً.
فصل: في بيان الأعيان الطاهرة والنجسة
(الطاهر: الحي، وعرقه، ودمعه ومخاطه، ولعابه، وبيضه، إلا المذر وما خرج بعد موته): الأصل في الأشياء الطهارة. فجميع أجزاء الأرض وما تولد منها طاهر، والنجاسة عارضة. فكل حي - ولو كلباً وخنزيراً - طاهر، وكذا عرقه وما عطف عليه، إلا البيض المذر، بفتح الميم وكسر الذال المعجمة، وهو ما تغير بعفونة أو زرقة، أو صار دماً؛ فإنه نجس بخلاف الممروق: وهو ما اختلط بياضه بصفاره من غير نتونة وإلا ما خرج من الحيوان من بيض أو مخاط أو دمع أو لعاب بعد موته بلا ذكاة شرعية؛ فإنه يكون نجساً. فهذا في الحيوان الذي ميتته نجسة.
(وبلغم، وصفراء، وميت الآدمي، وما لا دم له، والبحري، وما ذكي من غير محرم الأكل، والشعر، وزغب الريش): البلغم: وهو ما يخرج من الصدر منعقداً كالمخاط، وكذا ما يسقط من الدماغ من آدمي أو غيره، طاهر. وكذا الصفراء: وهي ماء أصفر ملتحم يخرج من المعدة يشبه الصبغ الزعفراني؛ لأن المعدة عندنا طاهرة فما خرج منها طاهر، ما لم يستحل إلى فساد كالقيء المتغير. ومن الطاهر: ميتة الآدمي ولو كافراً على الصحيح.
وميتة ما لا دم له من جميع خشاش الأرض؛ كعقرب،
ــ
يطهر وهو قول ابن وهب عن [١] مالك، واعتمد الأجهوري و (عب) أنه لا يطهر. ورجح ابن رشد ما لابن وهب وفيه نظر. اهـ تقرير الشارح
قوله: [لعادت له الطهورية]: أي اتفاقاً.
قوله: [فإنه يكون طهوراً]: قال شيخنا في مجموعه: حاصل ما أفاده الأجهوري وتلامذته والزرقاني وابن الإمام التلمساني: إذا زال تغير النجس بنحو تراب، فإن ظن زوال أوصاف النجاسة طهر، وإن احتمل بقاؤها، غاية الأمر أنها خفيت بالمخالط فنجس. وبعد، فالقياس في غير صب المطلق تخريج الفرع من أصله على ما سبق في المخالط الموافق. وقد سبق أن الأظهر فيه الضرر، فلذا اعتمدنا هنا بقاء النجاسة تبعاً للأجهوري و (عب) و (شب) و (خش) وإن اعتمد (بن) الطهورية. اهـ.
قوله: [لكان طهوراً]: أي اتفاقاً ومفهومه أيضاً أنه لو زال تغير نفس النجاسة كالبول فنجس جزماً؛ لأن نجاسته لبوليته لا لتغيره، ولا وجه لما حكي عن ابن دقيق العيد من الخلاف فيه كما في (شب) اهـ. شيخنا في مجموعه.
فصل:
هو لغة الحاجز بين الشيئين، واصطلاحاً اسم لطائفة من مسائل الفن مندرجة تحت باب أو كتاب غالباً.
ولما قدم أن المتغير بالطاهر طاهر. وبالنجس نجس ناسب أن يبين الأعيان الطاهرة والنجسة في هذا الفصل.
قوله: [الطاهر]: بينه وبين المباح عموم وخصوص من وجه، فيجتمعان في الخبز مثلاً، وينفرد الطاهر في السم، وينفرد المباح في الميتة للمضطر. كذا في الحاشية. ويعلم من هذا أن بين النجس والممنوع عموم وخصوص وجهي أيضاً؛ فيجتمعان في الخمر مثلاً، وينفرد الممنوع في السم والنجس في الميتة للمضطر.
قوله: [الحي]: أي من قامت به الحياة وهي ضد الموت، فهي صفة تصحح لمن قامت به الحركة الإرادية.
قوله: [وبيضه]: أي ولو من حشرات.
قوله: [فجميع أجزاء الأرض]: أي لأنها من جملة الجماد. وسيأتي ذكره.
قوله: [وما تولد منها]: أي كالنباتات لأنها من الجماد أيضاً، وجميع الحيوانات لأنها من المني، وهو ناشئ من الغذاء، وهو مما يخرج من الأرض فلذلك فرع عليه قوله "فكل حي" إلخ.
قوله: [فكل حي]: أي ولو كافراً أو شيطاناً ونجاستهما معنوية. قوله: [وكذا عرقه]: ولو شارب خمر.
قوله: [وما عطف عليه]: الذي هو دمعه ومخاطه ولعابه وبيضه. وهي طاهرة ولو أكل نجساً، ومحل كون اللعاب طاهراً إن خرج من غير المعدة. وأما الخارج من المعدة فنجس وعلامته أن يكون أصفر منتناً.
قوله: [أو صار دماً]: وأولى ما صار مضغة أو فرخاً ميتاً، وأما وجود نقطة دم غير مسفوح فيه فلا تضر.
قوله: [من بيض]: أي ولو يابساً.
قوله: [فهذا في الحيوان الذي ميتته نجسة]: وأما الخارج مما ميتته طاهرة -كالسمك والجراد- والخارج بعد الموت بذكاة شرعية، فجميعه طاهر.
قوله: [وميت الآدمي]: بسكون الياء والمشدد للحي قال تعالى: ﴿إنك ميت﴾ [الزمر: ٣٠] قال بعض الأدباء [٢]:
أيا سائلي تفسير ميت وميت ... فدونك قد فسرت ما عنه تسأل
فما كان ذا روح فذلك ميت ... وما الميت إلا من إلى القبر يحمل
هذا هو الأصل الغالب في الاستعمال ولا يكادون يستعملون "ميتة" بالتاء إلا مخففاً اهـ شيخنا في مجموعه.
قوله: [الآدمي]: إنما كان طاهراً لتكريمه قال تعالى: ﴿ولقد كرمنا بني آدم﴾ [الإسراء: ٧٠].
قوله: [كالقيء المتغير]: ومثله الصفراء المنتنة. قوله: [ما لا دم له]: هو معنى قول غيره: لا نفس له سائلة أي لا دم ذاتي له، بل إن وجد فيه دم يكون منقولاً ويحكم. بنجاسة الدم فقط، فلذلك قال: "لا دم له" ولم يقل: لا دم فيه.
قوله: [خشاش الأرض]: أي وليس منه ما هو كالوزغ والسحالي من كل ما له لحم ودم. واعلم أنه لا يلزم من الحكم بطهارة ميتة ما لا نفس له سائلة، أنه يؤكل بغير ذكاة؛ لقول الشيخ خليل: وافتقر نحو الجراد لها بما
стр. 18
وجندب وخنفس. ومنه البرغوث، بخلاف القمل، وكذا ميتة البحري من السمك وغيره ولو طالت حياته بالبر. وجميع ما ذُكي بذبح أو نحر أو عقر من غير محرم الأكل، بخلاف محرمه؛ كالحمير والبغال والخيل، فإن الذكاة لا تعمل فيه وكذا الكلب والخنزير لا تعمل فيهما الذكاة. فميتة ما ذكر نجسة ولو ذكي. ومن الطاهر: الشعر ولو من خنزير. وكذا زغب الريش وهو ما اكتنف القصبة من الجانبين، وأراد بالشعر ما يعم الوبر والصوف.
(والجماد إلا المسكر، ولبن آدمي، وغير المحرم، وفضلة المباح، إن لم يستعمل النجاسة، ومرارته، والقلس، والقيء إن لم يتغير عن حالة الطعام، ومسك، وفأرته، وخمر خُلل أو حُجر، ورماد نجس ودخانه، ودم لم يسفح من مذكَّى) أي من الأعيان الطاهرة الجماد وهو جسم ليس بحي أي لم تحله الحياة، ولا منفصل عن حي. فشمل النبات بأنواعه وجميع أجزاء الأرض وجميع المائعات؛ كالماء والزيت لا اللبن والسمن وعسل النحل؛ فإنها ليست بجماد لانفصالها عن الحيوان كالبيض، ويستثنى من الجماد: المسكر. ولا يكون إلا مائعاً، كالمتخذ من عصير العنب وهو الخمر. أو من نقيع الزبيب أو التمر أو غير ذلك، فإنه نجس، ويحد شاربه بخلاف نحو الحشيشة والأفيون والسيكران فطاهرة لأنها من الجماد. ويحرم تعاطيها لتغييبها العقل، ولا يحرم التداوي بها في ظاهر الجسد. ومن الطاهر لبن الآدمي ولو كافراً. ولبن غير محرم الأكل ولو مكروهاً كالهر والسبع. بخلاف محرم الأكل، كالخيل والحمير فلبنه نجس. ومن الطاهر: فضلة المباح، من روث وبعر وبول وزبل دجاج وحمام وجميع الطيور، ما لم يستعمل النجاسة. فإن استعملها أكلاً أو شرباً ففضلته نجسة. والفأرة من المباح؛ ففضلتها طاهرة إن لم تصل للنجاسة ولو شكاً لأن شأنها استعمال النجاسة كالدجاج. بخلاف نحو الحمام فلا يحكم بنجاسة فضلته إلا إذا تحقق أو ظن استعمالها للنجاسة. ومن الطاهر مرارة غير محرم الأكل من مباح أو مكروه، والمراد بها الماء الأصفر الكائن في الجلدة المعلومة للحيوان.
ــ
يموت به. والحاصل أن الخشاش المتولد من الطعام، كدود الفاكهة والمش يؤكل مطلقاً. وغير المتولد إذا كان حياً وجب نية ذكاته بما يموت به. وإن كان ميتاً فإن تميز أخرج ولو واحدة، وإلا أكل إن غلب الطعام لا إن قل أو ساوى على الراجح. فإن شك هل غلب الطعام أو لا فلا يطرح بالشك. وليس كضفدعة شك أبرية أم بحرية؛ فلا تؤكل كما في (عب) لعدم الجزم بإباحتها. اهـ شيخنا في مجموعه بالمعنى.
قوله: [بخلاف القمل]: أي فميتتها نجسة. خلافاً لسحنون من أنها لا نفس لها سائلة. فهي كالبرغوث عنده.
قوله: [وكذا ميتة البحري] إلخ: وفي الحديث «أحلت لنا ميتتان السمك والجراد» فعلى المذهب فيه تغليب السمك على الجراد لكون ذكاته بما يموت به مطلقاً اهـ من شيخنا في مجموعه.
قوله: [ولو طالت حياته بالبر]: أي ولو مات به على أظهر الأقوال، ولو على صورة الخنزير والآدمي، ولا يجوز وطؤه لأنه بمنزلة البهائم، ويعزر واطئه.
قوله: [وجميع ما ذكي] إلخ: لم يقل وجزؤه كما قال خليل لأن حكمه كالكل في مثل هذا.
قوله: [من غير محرم الأكل]: أي فيشمل مكروهه كسبع وهر، فإن ذكي لأكل لحمه طهر جلده تبعاً له، لأنه يؤكل كاللحم، وإن ذكي بقصد أخذ جلده فقط جاز أيضاً أكل لحمه بناء على أن الذكاة لا تتبعض وهو الأرجح.
قوله: [لا تعمل فيه]: أي على مشهور المذهب عندنا في الثلاثة، ومقابله ما نقل عن مالك من كراهة البغال والحمير والكراهة والإباحة في الخيل.
قوله: [وكذا الكلب]: أي على القول بحرمة أكله، وأما على القول بكراهته فتعمل فيه وسيأتي القولان في باب المباح. وأما الخنزير فلا تعمل الذكاة فيه إجماعاً.
قوله [ولو من خنزير]: أي لا تحله الحياة وأما أصول الشعر فكالجلد.
قوله: [والجماد]: معطوف على الحي.
قوله: [ولبن آدمي]: ذكراً أو أنثى ولو كافراً ميتاً سكران. لاستحالته إلى صلاح.
قوله: [وغير المحرم]: أي فلبنه طاهر.
قوله: [فشمل النبات]: من ذلك البن والدخان، فالقهوة في ذاتها مباحة ويعرض لها حكم ما يترتب عليها. هذا زبدة ما في (ح) هنا ومثلها الدخان على الأظهر. وكثرته لهو اهـ من شيخنا في مجموعه.
قوله: [وهو الخمر]: أي فهو عندهم المتخذ من عصير العنب.
قوله: [أو من نقيع الزبيب أو التمر أو غير ذلك]: أي كالمستخرج من دقيق الشعير ويسمى بالنبيذ.
قوله: [فإنه نجس ويحد شاربه]: أي فحقيقة المسكر هو ما كان مائعاً مغيباً للعقل مع شدة وفرح - سواء كان من ماء العنب وهو الخمر، أو من غيره وهو النبيذ - فموجب للحد والحرمة في قليله ككثيره وإن لم يغب عقله بالفعل.
قوله: [بخلاف نحو الحشيشة والأفيون]: أي فليست من المسكر ولا من النجس ولا توجب حداً، وإنما فيها الأدب إن تعاطى منها ما يغيب العقل.
والحاصل أن المسكر هو ما غيب العقل دون الحواس مع نشوة وطرب. والمخدر - ويقال له المفسد - ما غيب العقل دون الحواس لا مع نشوة وطرب، والمرقد ما غيبهما معاً كالداتورة. فالأول نجس والآخران طاهران ولا يحرم منهما إلا ما أثر في العقل.
قوله: [ولو شكا]: على ما للأجهوري و (عب) وجعله الشيخ في الحاشية: شكاً في المانع، أي فلا يضر، فإن تولد الحيوان من مباح وغيره فكذات الرحم، ما لم يكن على صورة محرم الأكل كخنزيرة من شاة فهي نجسة كفضلتها على كل حال.
стр. 19
ومن الطاهر القلس بفتح القاف واللام، وهو ما تقذفه المعدة من الماء عند امتلائها. وكذا القيء طاهر ما لم يتغير عن حالة الطعام بحموضة أو غيرها، فإن تغير فنجس. ومن الطاهر المسك وفأرته وهو الجلدة المتكون فيها. وكذا الزباد [١] وكذا الخمر، إذا خلل بفعل فاعل أو حجر، أي صار كالحجر في اليبس بفعل فاعل، فإنه يصير طاهراً. وأولى لو تخلل بنفسه أو تحجر بنفسه. ومن الطاهر رماد النجس، كالزبل والروث النجسين. وأولى؛ الوقود المتنجس فإنه يطهر بالنار. وكذا دخان النجس فإنه طاهر. وما مشى عليه الشيخ ضعيف. نعم. قيد بعضهم طهارة رماد النجس بما إذا أكلته النار وانمحق معه أجزاء النجاسة، بخلاف ما إذا كان رماده له نوع صلابة فباقٍ على نجاسته، وهو ظاهر. ومن الطاهر: الدم غير المسفوح، أي الجاري من المذكى، وهو الباقي بالعروق، أو في قلب الحيوان أو ما يرشح من اللحم لأنه كجزء المذكى. وكل مذكى وجزؤه طاهر، بخلاف ما بقي على محل الذبح فإنه من باقي المسفوح فنجس. وكذا ما يوجد في بطنها بعد السلخ فإنه نجس لأنه جرى من محل الذبح إلى البطن، فهو من المسفوح. وقولي: من مذكى: قيد معتبر أهمله الشيخ.
(والنجس: ميت غير ما ذكر، وما خرج منه، وما انفصل منه أو من حي مما تحله الحياة، كقرن وظفر، وظلف [٢]، وسن، وقصب ريش، وجلد، ولو دُبغ): يعني أن النجس بفتح الجيم، أي الأعيان النجسة الذات: ميت غير الآدمي وما عطف عليه وغيره: كل بري له نفس سائلة، من غنم وبقر وحمار ولو قملة. وقيل، بطهارة ميتتها؛ لأن دمها مكتسب لا ذاتي، وهو ضعيف. نعم يعفى عما قل للمشقة. وكذا كل ما خرج من ذلك الميت بعد موته من بول ودمع ومخاط وبيض وغير ذلك نجس.
ــ
تنبيه:
يستحب غسل الثوب والبدن من فضلات المباح وإن كانت طاهرة، إما لاستقذاره أو مراعاة للخلاف؛ لأن الشافعية يقولون بنجاستها. وذكر شيخنا في مجموعه: ليس من التلفيق الذي قيل بجوازه مراعاة الشافعي في إباحة الخيل، ومالك في طهارة رجيعها، لأن مالكاً عين للإباحة أشياء فتأمل اهـ، وذكر في مجموعه أيضاً: أن فضلات الأنبياء طاهرة حتى بالنسبة لهم لأن الطهارة متى ثبتت لذات فهي مطلقة. واستنجاؤهم تنزيه وتشريع ولو قبل النبوة، وإن كان لا حكم إذ ذاك كالعصمة لاصطفائهم من أصل الخلقة.
وأن المني الذي خلقت منه الأنبياء طاهر بلا خلاف، بل جميع ما تكون منه أصول المصطفى طاهر أيضاً اهـ.
قوله: (ومن الطاهر القلس): أي ما لم يشابه في التغير أحد أوصاف العذرة. فلا تضر حموضته لخفته وتكرره. اهـ. من شيخنا في مجموعه.
قوله: [بحموضة أو غيرها] إلخ: وقيل ما لم يشابه أحد أوصاف العذرة. والمعول عليه ما قاله الشارح. وفي الحاشية: طهارة القيء تقتضي طهارة ما وصل للمعدة من خيط أو درهم. وقالوا بنجاسته كما في كبير الخرشي. وأما الذي أدخل في الدبر فنجس قطعاً كما في (ح).
قوله: [ومن الطاهر المسك] إلخ: أي ولو بعد الموت لشدة الاستحالة إلى صلاح. بخلاف البيض فاندفع ما في الحاشية اهـ من شيخنا في مجموعه.
قوله: [إذا خلل] إلخ: أي إلا لنجاسة به قبل. قوله: [أو حجر]: قيده (ح) بما إذا لم يعد إسكاره بالبل، ورده الأجهوري. وفي (عب): يطهر بالتحجير والتخليل ولو على ثوب، تابعاً في ذلك للأجهوري. واستظهره في الحاشية. وقيل: لا بد من غسله لأنه أصاب حال نجاسته، وهو ما في (شب). وحيث طهر الخمر بالتخليل والتحجير طهر إناؤه، فيستثنى مما يأتي في قوله: [وفخار بغواص]. واختلفوا في تخليلها بالحرمة لوجوب إراقتها والكراهة والإباحة. قوله: [وهو ظاهر]: ولكن المعتمد الطهارة مطلقاً، وهذا ضعيف كما قرره الشارح وغيره من أشياخنا.
قوله: [والنجس: ميت] إلخ: عطف على الطاهر إلخ لأنه لما ذكر الأعيان الطاهرة واستشعر أضدادها، فشرع يتمم الكلام عليها صراحة، وإن تقدم له بعضها صراحة وضمناً كقوله: [إلا المذر وما خرج بعد الموت]. ومفهوم قوله [من غير محرم] و [إلا المسكر]، ومفهوم قوله إن لم يستعمل النجاسة، ومفهوم قوله إن لم يتغير على حال الطعام، ومفهوم قوله خلل أو حجر ومفهوم لم يسفح.
قوله: [غير الآدمي]: وأما هو فميتته طاهرة على المعتمد كما تقدم خلافاً لابن القاسم وابن شعبان وابن عبد الحكم، والقائل بالطهارة ابن رشد نقلاً عن سحنون.
تنبيه: قد علمت أن في ميتة الآدمي الخلاف. وأما ميتة الجن فنجسة لأنه لا يلحق الآدمي في الشرف وإن اقتضى عموم «المؤمن لا ينجس» أن له ما للآدمي. ولو قيل بطهارة المسلم منهم لكان له وجه وليس الفرع نصاً قديماً اهـ شيخنا في مجموعه. قال عياض الأمر بغسل الميت وإكرامه بالصلاة عليه يأبى تنجيسه. إذ لا معنى لغسل الميتة التي هي مثل العذرة وصلاته ﵊ على سهل ابن بيضاء في المسجد، وتقبيله عثمان بن مظعون بعد الموت ولو كان نجساً ما فعل النبي ذلك.
قوله: [ولو قملة]: مبالغة في قوله له نفس سائلة.
قوله: [وقيل إلخ]: هو قول سحنون.
قوله: [نعم يعفى إلخ]: فيستخف منها ثلاث في الصلاة قتلاً وحملاً بعده. ونقل ابن مرزوق عن بعض الصالحين إن احتاج لقتلها
стр. 20
وكذا كل ما انفصل منه مما تحله الحياة أو انفصل من حي مما تحله الحياة، كاللحم والعظم والعصب والقرن والظلف وهو للبقر والشاة والحافر، وهو للفرس والبغل والحمار. فأراد بالظلف ما يعم الحافر مجازاً، وهو داخل تحت الكاف. والظفر وهو للبعير والنعام والإوز والدجاج. والسن من جميع الحيوانات. ومنه ناب الفيل المسمى بالعاج، ورجح بعضهم كراهته تنزيهاً. وكذا قصب الريش من حي أو ميت وهو الذي يكتنفه الزغب. وتقدم أن الزغب طاهر كالشعر لأنه لا تحله الحياة. والجلد من حي أو ميت كذلك نجس ولو دبغ، فلا يصلى به أو عليه لنجاسته. وما ورد من نحو قوله ﵊: «أيما إهاب -أي جلد- دبغ فقد طهر» فمحمول على الطهارة اللغوية لا الشرعية في مشهور المذهب؛ وبعض أهل المذهب حمله على الطهارة الشرعية حملاً لألفاظ الشارع على الحقائق الشرعية، وعليه أكثر الأئمة لكنه ضعيف عندنا. وتوقف الإمام في الكيمخت، وهو جلد الحمار أو الفرس أو البغل المدبوغ. ورجح بعض المتأخرين طهارته فيستعمل في المائعات كالسمن والعسل، وتجوز الصلاة به وهو مشكل لعدم الفرق بينه وبين غيره، ثم على القول المشهور من نجاسة الجلد المدبوغ يجوز استعماله في غير المائعات كالحبوب والدقيق والخبز الغير المبلول
ــ
في المسجد ينوي ذكاتها قال (ح): كأنه بناه على قول ابن شاس من عملها في المحرم؛ فإن في "حياة الحيوان" تحريم أكلها إجماعاً. وإن بنى على قول سحنون إن القملة لا نفس لها سائلة لم يحتج لتذكية إلا زيادة احتياط.
تنبيه: إذا صارت القملة عقرباً، فالظاهر النظر لتلك العقرب. فإن كان لا نفس لها سائلة طهرت لاستحالة الحال كدود العذرة والحكم يتبع العلة اهـ شيخنا في مجموعه.
قوله: [وكذا كل ما انفصل]: أي أو تعلق بيسير جلد مثلاً.
قوله: [والعظم]: أي فتحله الحياة لظاهر قوله تعالى: ﴿قال من يحيي العظام﴾ [يس: ٧٨].
قوله: [والدجاج]: وما يأتي من أن الدجاج ليس من ذي الظفر فالمراد به الجلدة بين الأصابع والظفر هنا ما يقص.
قوله: [ورجح بعضهم] إلخ: أي والفرض أن الفيل غير مذكى، وإلا فلا كراهة اتفاقاً. وسبب هذه الكراهة أن العاج - وإن كان من ميتة لكنه ألحق بالجواهر النفسية في التزين، فأعطي حكماً وسطاً وهو كراهة التنزيه.
قوله: [كالشعر]: خلافاً للشافعية القائلين بنجاسة شعر الميتة ولو دبغ جلدها.
قوله: [والجلد] إلخ: من ذلك ثوب الثعبان إذا ذكي بعد تمام ما تحته لا يطهر على الأظهر، وكذا إذا سلته وهو حي ومنه أيضاً ما ينحت من الرجل بالحجر بخلاف ما نزل من الرأس عند حلقه فوسخ منعقد، فعلى القول بنجاسة ميتة الآدمي يكون نجساً، وعلى المعتمد يكون طاهراً.
قوله: [ولو دبغ]: أي بما يزيل الريح والرطوبة ويحفظه من الاستحالة. ولا يفتقر الدبغ إلى فعل فاعل، بل إن وقع في مدبغة طهر لغة. ولا يشترط إزالة الشعر عندنا وإنما يلزم إزالته عند الشافعية القائلين أنه نجس. وإن طهارة الجلد بالدبغ لا تتعدى إلى طهارة الشعر، لأنه تحله الحياة، وأما عندنا فالشعر طاهر لذاته لا تحله الحياة. فالفرو إن كان مذكى مجوسي أو مصيد كافر، قلد في لبسه في الصلاة أبو حنيفة، لأن جلد الميتة عنده يطهر بالدباغ والشعر عنده طاهر. والشافعي - وإن قال بطهارة الجلد بالدباغ - فالشعر باق على تنجيسه ومالك. وإن [١] قال بطهارة الشعر فالجلد باق على تنجيسه. فإن أراد تقليد مذهب مالك والشافعي لفق.
قوله: [اللغوية]: أي وهي النظافة.
قوله: [وتوقف الإمام في الكيمخت] إلخ: أي في الجواب عن حكم الكيمخت هل هو الطهارة أو النجاسة لقوله في المدونة: لا أدري؟ واختلف في توقفه هل يعد قولاً أو لا؟ والراجح الثاني. واعلم أن في استعماله ثلاثة أقوال: الجواز مطلقاً في السيوف وغيرها وهو لمالك في العتبية، والجواز في السيوف فقط وهو لابن المواز وابن حبيب، وكراهة استعماله مطلقاً؛ قيل هذا هو الراجح الذي رجع إليه مالك، ولكن ذكر بعضهم أن الحق أنه طاهر وأن استعماله جائز إما مطلقاً أو في السيوف لا مكروه.
قال في الأصل: وجه التوقف أن القياس يقتضي نجاسته لا سيما من جلد حمار ميت، وعمل السلف في صلاتهم بسيوفهم وجفيرها منه يقتضي طهارته. والمعتمد - كما قالوا - إنه طاهر للعمل لا نجس معفو عنه، فهو مستثنى من قولهم: جلد الميتة نجس ولو دبغ. وانظر ما علة طهارته، فإن قالوا: الدبغ، قلنا: يلزم طهارة كل مدبوغ، وإن قالوا: الضرورة، قلنا: إن سلم فهي لا تقتضي الطهارة بل العفو. وحمل الطهارة في كلام الشارع على اللغوية في غير الكيمخت وعلى الحقيقة في الكيمخت تحكم، وعمل الصحابة عليهم الرضا في جزئي يحقق العمل في الباقي. اهـ.
قوله: [وهو مشكل] إلخ: تقدم لك تقرير الإشكال عن الأصل.
قوله: [من نجاسة الجلد]: أي غير الكيمخت.
قوله: [في غير المائعات]: من ذلك لبسها في غير الصلاة والجلوس عليها في غير المسجد لا فيه، لأنه يمنع دخول النجس فيه ولو معفواً عنه.
قوله: [والدقيق]: أي من غير أن توضع الرحا عليه.
стр. 21
في الماء المطلق بأن يوضع الماء فيه سفراً وحضراً، لأن الماء طهور لا يضره إلا ما غير لونه أو طعمه أو ريحه. وأما المائعات كالسمن والعسل والزيت وسائر الأدهان، والماء الغير المطلق - كماء الورد - ومن ذلك الخبز المبلول قبل جفافه، والجبن فإنه لا يجوز وضعه فيه، ويتنجس بوضعه فيه.
وهذا معنى قوله: وجاز استعماله بعد الدبغ في يابس ومائع: أي وأما قبل الدبغ فلا يجوز واستثنوا من ذلك جلد الخنزير فلا يجوز استعماله مطلقاً دبغ أو لا في مائع أو غيره. وكذا جلد الآدمي لشرفه وكرامته كما يعلم من وجوب دفنه.
(والدم المسفوح والسوداء، وفضلة الآدمي وغير المباح ومستعمل النجاسة): أي أن الدم المسفوح - وهو الذي يسيل عند موجبه من ذبح أو فصد أو جرح - نجس. وكذا السوداء وهو ما يخرج من المعدة كالدم الخالص بخلاف الصفراء كما تقدم. ومن النجس: فضلة الآدمي من بول وعذرة، وفضلة غير مباح الأكل وهو محرم الأكل كالحمار، أو مكروهه كالهر والسبع، وفضلة مستعمل النجاسة من الطيور كالدجاج وغيره أكلاً أو شرباً. فإذا شربت البهائم من الماء المتنجس أو أكلت نجاسة ففضلتها من بول أو روث نجسة. وهذا إذا تحقق أو ظن. وأما لو شك في استعمالها فإن كان شأنها استعمال النجاسة كالدجاج والفأرة والبقرة الجلالة حملت فضلتها على النجاسة. وإن كان شأنها عدم استعمالها كالحمام والغنم حملت على الطهارة. والتعبير بفضلة أولى وأخصر من تعبيره ببول وعذرة
(والقيء المتغير، والمني، والمذي، والودي ولو من مباح) القيء ما تقذفه المعدة من الطعام عند تغير المزاج، فهو نجس إن تغير عن حال الطعام طعماً أو لوناً أو ريحاً، وإلا فطاهر كما تقدم. ومن النجس: المني وهو ما يخرج عند اللذة الكبرى عند الجماع ونحوه. والمذي: وهو الماء الرقيق الخارج من الذكر أو فرج الأنثى عند تذكر الجماع. والودي: وهو ماء خاثر يخرج من الذكر بلا لذة بل لنحو مرض أو يبس طبيعة وغالباً يكون خروجه عقب البول؛ ولو كانت هذه الثلاثة من مباح الأكل. ولا تقاس على بوله.
(والقيح، والصديد، وما يسيل من الجسد من نحو جرب): من النجس القيح بفتح القاف: وهو المدة الخاثرة تخرج من الدمل. والصديد وهو الماء الرقيق من المدة قد يخالطه دم.
ومن النجس: كل ما سال من الجسد من نفط نار أو جرب أو حكة ونحو ذلك.
(فإن حلت في مائع تنجس ولو كثر، كجامد
ــ
قوله: [في الماء المطلق] إلخ: وليس منه لبس الرجل المبلولة له وفاقاً للحطاب ذكره شيخنا في مجموعه.
قوله: [فلا يجوز] إلخ: ومقابله ما شهره الإمام أبو عبد المنعم بن الفرس -بالفاء والراء المفتوحتين- من أنه كغيره في جواز استعماله في اليابسات والماء بعد دبغه.
قوله: [جلد الآدمي] إلخ: أي إجماعاً.
قوله: [المسفوح]: أي الجاري ولو من سمك وذباب وقراد وحلم وبق وبراغيث خلافاً لمن قال بطهارته منها. ونظر بعضهم في الدم المسفوح من السمك، هل هو الخارج عند التقطيع الأول لا ما خرج عند التقطيع الثاني؟ أو الجاري عند جميع التقطيعات؟ واستظهر الأول. وبعضهم قال بطهارة دم السمك مطلقاً، وهو ابن العربي، ويترتب على الخلاف جواز أكل السمك الذي يرضخ بعضه على بعض ويسيل دمه من بعضه إلى بعض، وعدم جواز ذلك. فعلى القول بنجاسته لا يؤكل منه إلا الصف الأول. وعلى كلام ابن العربي يؤكل كله. وقد كان الشارح ﵁ يقول الذي أدين الله به أن الفسيخ طاهر لأنه لا يملح ولا يرضخ إلا بعد الموت، والدم المسفوح لا يحكم بنجاسته إلا بعد خروجه وبعد موت السمك إن وجد فيه دم يكون كالباقي في العروق بعد الذكاة الشرعية؛ فالرطوبات الخارجة منه بعد ذلك طاهرة لا شك في ذلك. اهـ. ومذهب الحنفية أن الخارج من السمك ليس بدم لأنه لا دم له عندهم، وحينئذ فهو طاهر على كل حال. وعلى القول بنجاسة الدم المسفوح فيه إذا شك هل هذا السمك من الصف الأعلى أو من غيره، أكل لأن الطعام لا يطرح بالشك.
قوله: وكذا السوداء: أي التي هي أحد الأخلاط الأربعة: الصفراء والدم والسوداء والبلغم، ولا بد في كل إنسان من وجود الأخلاط، فالسوداء والدم نجسان، والصفراء والبلغم طاهران.
قوله: [الخالص]: أي الذي لا خلط فيه. ومن السوداء أيضاً الدم الكدر أو الأحمر الغير القاني، أي شديد الحمرة.
قوله: [فضلة الآدمي]: أي غير الأنبياء، وأما الأنبياء فجميع ما ينفصل منهم طاهر كما تقدم.
قوله: [كالهر]: أدخلت الكاف نحو الوطواط من كل مكروه الأكل، فمكروه الأكل ومحرمه فضلته نجسة وإن لم يستعمل النجاسة.
قوله: [وفضلة مستعمل النجاسة] إلخ: أي وإن لم يكن محرم الأكل ولا مكروهه.
قوله: [حملت على الطهارة]: أي استصحاباً للأصل، ومن قواعدنا استصحاب الأصل إن لم يغب العارض.
قوله: [أولى وأخصر]: وجه الأولوية أن اسم العذرة لا يكون إلا لما خرج من الآدمي خاصة، بخلاف الفضلة فإنه شامل له ولغيره والأخصرية ظاهرة.
قوله: [عن حال الطعام]: وإن لم يشابه أحد أوصاف العذرة كما تقدم من المعتمد. بخلاف القلس فلا تضر فيه الحموضة لتكرره.
قوله: [المني]: هو ومذي وودي بوزن ظبي وصبي.
قوله: [من مباح الأكل]: أي وإنما حكم بنجاستها للاستقذار والاستحالة إلى فساد، ولأن أصلها دم ولا يلزم من العفو عن أصلها العفو عنها.
قوله: [في مائع تنجس] إلخ: أي من طعام أو ماء
стр. 22
إن ظن سريانها فيه وإلا فقدر ما ظن): إذا حلت النجاسة في مائع - كزيت وعسل ولبن وماء ورد ونحوه - تنجس. ولو كثر المائع وقلت النجاسة، كنقطة من بول في قناطير مما ذكر. كما يتنجس الجامد - كسمن جامد أو ثريد أو عسل جامد - وقعت فيه نجاسة أو ماتت فيه فأرة إن ظل سريانها في جميعه بأن طال مكثها فيه. وإلا، بأن لم يظن سريانها في جميعه، فيتنجس منه بقدر ما ظن سريان النجاسة فيه. وهو يختلف باختلاف الأحوال من ميعان النجاسة وجمودها، وطول الزمن وقصره؛ فيرفع منه بقدر ما ظن سريانها فيه، ويستعمل الباقي - ولو شك في سريانها فيه - لأن الطعام لا يطرح بالشك. والكلام في نجاسة مائعة أو جامدة يتحلل منها شيء بخلاف نجاسة لا يتحلل منها شيء، كعظم وسن، فلا يتنجس ما ذكر من سقوطها فيه؛ لأن الحكم عندنا لا ينتقل. وهذه العبارة أشمل وأوضح من عبارة الشيخ - رضي الله تعالى عنه -.
(ولا يقبل التطهير؛ كلحم طبخ، وزيتون ملح وبيض صلق بها وفخار بغواص): يعني أن المائعات - كالزيت واللبن والسمن ونحوها - إذا حلت فيها نجاسة فإنها تنجس كما تقدم، ولا تقبل التطهير بحال. كما لا يقبله لحم طبخ بالنجاسة، وزيتون ملح - بضم الميم وكسر اللام مخففا - بالنجاسة، ولا بيض صلق بها. وألحق بذلك فخار تنجس بشيء غواص: أي كثير الغوص، أي النفوذ في أجزاء الفخار، بأن كان النجس مائعاً كالبول والماء المتنجس والدم، إذا مكث مدة يظن سريان ما ذكر في أجزائه. وخرج بالفخار: النحاس والزجاج
ــ
مضاف حلت فيه النجاسة بعدما صار مضافاً. وأما لو حلت فيه نجاسة قبل الإضافة ولم تغيره، ثم أضيف بطاهر كلبن، فإنه طاهر. وقد ألغز في هذا شيخنا في مجموعه بقوله:
قل للفقيه إمام العصر قد مزجت ... ثلاثة بإناء واحد نسبوا
لها الطهارة حيث البعض قدم أو ... إن قدم البعض فالتنجيس ما السبب
وفيه أيضاً: هل القملة تنجس العجين الكثير؟ وهو الأقوى حيث لم تحصر في محل، أو يقاس على محرم جهل عينها ببادية؟ ولو قيل بالعفو كما [١] يعسر، لحسن كما أفتى به ابن عرفة في روث فأرة ابن القاسم؛ من فرغ عشر قلال سمن في زقاق ثم وجد في قلة فأرة ولا يدري في أي زقاق فرغها تنجس الجميع، وليس من باب الطعام لا يطرح بالشك، لأن ذاك في طرو النجاسة، وهي هنا محققة ولما لم تتعين تعلق حكمها بالكل وهو المشهور. ولو أدخل يده في أواني زيت ثم وجد في الأولى فأرة فالثلاثة نجسة - ابن عبد الحكم، وكذا الباقي ولو مائة وهو وجيه، وقال أصبغ: ما بعد الثلاثة طاهر. قال (ح): والظاهر الطهارة إن ظن زوال النجاسة لقول المصنف: وإن زال عين النجاسة بغير المطلق لم يتنجس ملاقي محلها. وفي الحاشية: الطعام إذا وقعت فيه قملة يؤكل لقلتها وكثرته، نص عليه ابن يونس. قال شيخنا في مجموعه: والظاهر أن الفرع مبني على مذهب سحنون من أنها لا نفس لها سائلة. اهـ.
قوله: [إن ظن سريانها فيه]: إما بسبب كونها مائعة، أو بطول مكثها، وكان يتحلل منها شيء كما يأتي للشارح.
قوله: [كنقطة من بول]: هذا هو المشهور، ومقابله يقول: إن قليل النجاسة لا يضر كثير الطعام.
قوله: [أو ماتت فيه فأرة]: أي مثلاً من كل حيوان ميتته نجسة.
قوله: [ولو شك في سريانها] إلخ: مبالغة في الاستعمال.
وقوله: [لأن الطعام] إلخ: علة المبالغة.
قوله: [والكلام]: أي المتقدم من التفصيل بين السريان في جميعه أو بقدره.
قوله: [كعظم وسن]: ومنه العاج الذي تلبسه النساء ويباشرن به نحو العجين.
قوله: [أشمل]: أي لشمولها الماء المضاف.
قوله: [كلحم طبخ]: احترز به عن صلق نحو الدجاج لأخذ ريشه، وفي باطنه النجاسة فلا يضر.
قوله: [وزيتون] إلخ: ومن ذلك اختلاط النجاسة بالزيت نفسه فلا يقبل التطهير خلافاً لابن اللباد، فإنه قال يمكن تطهيره بصب الماء عليه وخضخضته وثقب الإناء من أسفله، وصب الماء منه ويكرر ذلك حتى يغلب على الظن زوال النجاسة.
قوله: [وبيض صلق]: ومنه إذا وجدت فيه واحدة مذرة فرشحت في الماء وشرب منه غيرها حيث لم يبق الماء مطلقاً. وشمل بيض النعام، وغلظ قشره لا ينافي أن يكون له مسام يسري منها الماء.
وقوله: [وفخار بغواص]: قال (بن): أطلق في الفخار والظاهر أن الفخار البالي إذا حلت فيه نجاسة غواصة يقبل التطهير، فيحمل كلام المصنف على فخار لم يستعمل قبل حلول النجاسة فيه، أو استعمل قليلاً. وهذا خلاف ما في الحاشية حيث قال وفخار بغواص ولو بعد الاستعمال، لأن الفخار يقبل الغوص دائماً كما في كبير الخرشي نقلاً عن اللقاني. والأول أوجه. ثم إن عدم قبول الإناء للتطهير إنما هو باعتبار أنه لا يصلى به مثلاً. وأما الطعام يوضع فيه بعد غسله فإنه لا ينجس به لأنه لم يبق فيه أجزاء للنجاسة كما قاله أبو علي المسناوي نقلاً عن (بن). ومثل الفخار أواني الخشب التي يمكن سريان النجاسة إلى داخلها اهـ من حاشية الأصل.
قوله: [يعني أن المائعات] إلخ: التعميم هذا أدخلته الكاف.
قوله: [ونحوها]: من كل طعام مائع وماء زهر وورد.
قوله: [بحال]: خلافاً لابن اللباد.
قوله: [بشيء غواص]: محله في غير الخمر
стр. 23
ونحوهما. وبالغواص النجاسة الجامدة إذا حلت بالفخار فإنه يقبل التطهير.
(وجاز انتفاع بمتنجس في غير مسجد وآدمي): يجوز الانتفاع بالشيء المتنجس من الطعام وغيره بأن يسقى به الدواب والزرع ويدهن به نحو عجلة. ويعمل من الزيت المتنجس صابون وغير ذلك. ولا يجوز بيعه لعدم إمكان تطهيره - بخلاف نحو الثوب - لكن إذا بيع لا بد من البيان إلا الآدمي فلا يجوز له الانتفاع به أكلاً أو شرباً، ولا يدهن به بناء على أن التلطيخ بالمتنجس حرام، والراجح أنه مكروه ويجب إزالته للصلاة والطواف ودخول المسجد، وإلا المسجد فلا ينتفع به فيه، فلا يستصبح فيه بالزيت المتنجس، نعم إذا كان المصباح خارجه والضوء فيه جاز، وأما نجس الذات فلا يجوز الانتفاع به بحال إلا جلد الميتة المدبوغ على ما مر، وإلا لحم الميتة لمضطر، وإلا الخمر لإساغة غصة، إذ الضرورات تبيح المحظورات، ويجوز طرح الميتة للكلاب وأن يوقد بعظمها على طوب أو حجارة.
(وحرم على الذكر المكلف استعمال حرير، ومحلى بأحد النقدين ولو آلة حرب، إلا السيف والمصحف والسن والأنف وخاتم الفضة إن كان درهمين واتحد): لما كان محرم الاستعمال من الطاهرات يشبه استعمال المتنجس في المنع، ذكروه هنا، والمعنى: أنه يحرم على الذكر البالغ العاقل استعمال الحرير الخالص لبساً وفرشاً وغطاء. وأما الخز وهو ما كان سداه من حرير ولحمته من قطن أو كتان فقيل بحرمته، وقيل بجوازه، وقيل بكراهته؛ وهو الأرجح. وجاز ستارة من حرير إذا لم يستند المكلف إليها، وكذا بشخانة؛ أي ناموسية. وحرم عليه أيضاً استعمال المحلى بأحد النقدين: الذهب والفضة نسجاً أو طرازاً أو زراً. وأولى في الحرمة الحلي نفسه - كأساور وحزام - ولو آلة حرب كخنجر وسكين وحربة. إلا السيف؛ فإنه يجوز تحليته بأحد النقدين سواء كان في قبضته أو جفيره وإلا المصحف؛ فيجوز تحليته بهما للتشريف. إلا أن كتابته أو كتابة أعشاره أو أحزابه بذلك مكروهة، لأنها تشغل القارئ عن التدبر. وأما كتب العلم والحديث فلا يجوز تحليتها بأحد النقدين. وإلا السن؛ ومراده به؛ ما يشمل الضرس إذا تخلخل، فيجوز ربطه بشريط منهما.
ــ
إذا تحجر أو تخلل، فإن إناءه يطهر كما تقدم. ومحله أيضاً ما لم يحرق الفخار بالنار، فإنه يطهر لكونها مطهرة على المعتمد.
قوله: [ونحوهما]: كالحديد يحمى ويطفأ في النجاسة، فلا غوص لها فيه لدفعها الحرارة. وأما المصبوغ بنجس فيطهر بإزالة الطعم، ولا يضر اللون والريح إذا عسرا كما يأتي.
قوله: [وجاز انتفاع بمتنجس]: أي وهو ما كان طاهراً في الأصل، وطرأت عليه نجاسة والنجس ما كانت ذاته نجسة كالبول والعذرة.
قوله: [ولا يجوز بيعه] إلخ: خلافاً لابن وهب.
قوله: [إلا الآدمي]: ولو غير مكلف، ويتعلق الخطاب بوليه.
قوله: [والراجح أنه مكروه]: أي في غير الخمر، وأما هو فيحرم التلطخ به اتفاقاً.
قوله: [فلا ينتفع به فيه] إلخ: فإن بني بالمتنجس مسجد فليس بطاهر، ولا يهدم وأما لو كتب المصحف بنجس فإنه يبل.
قوله: [لإساغة غصة]: أي فقط، فلا يجوز الدواء به ولو تعين. وفي غيره من النجاسات خلاف إن تعين. ولا شربه لدفع العطش لأنه يزيده. وأجاز له الحنفية والشافعية لدفع الهلاك بعدم الرطوبة لا للعطش نفسه. والظاهر أن الخلاف لفظي. اهـ. شيخنا في مجموعه.
قوله: [ويجوز طرح الميتة] إلخ: ويجوز أيضاً وضع النجاسة في الزرع لنفعه، كإطعام البطيخ به لكن يجب عليه البيان عند البيع.
قوله: [على الذكر المكلف]: خرج الأنثى والصبي. فيجوز للأنثى استعمال الحرير بأي وجه، ولبس النقدين كما يأتي في قوله: [وجاز للمرأة الملبوس] إلخ، وأما الصبي فيجوز للولي إلباسه الفضة ويكره له الحرير والذهب كما يفيده (ح) وغيره.
قوله: [بأحد النقدين]: وأولى بهما معاً.
قوله: [وفرشاً]: ولو مع كثيف حائل كما قال المازري. وأجاز الحنفية فرشه وتوسده ووافقهم ابن الماجشون، وأجازه ابن العربي تبعاً لامرأته. وأجازه ابن حبيب للحكة وأجازه ابن الماجشون للجهاد. والمعتمد الحرمة في الجميع، إلا العلم إذا كان أربعة أصابع متصلاً بالثوب كشريط الحبكة، وأما قلم من حرير في أثناء الثوب فمما نسج بحرير وغيره، ومنه ما شغل بحرير على الطارة مثلاً، فكالخز، ويجوز القيطان والزر لثوب أو سبحة، والخياطة به. اهـ شيخنا في مجموعه بالمعنى.
قوله: [وهو الأرجح]: ولكن الورع تركه لأنه من الشبهات، «ومن ترك الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه».
قوله: [وكذا بشخانة]: ومثلها الراية لخصوص الجهاد لأولي [١]. والسجاف اللائق باللابس وفاقاً للشافعية. اهـ. شيخنا في مجموعه.
قوله: [إلا السيف]: قال في حاشية الأصل نقلاً عن العلامة العدوي: إذا كان اتخاذه لأجل الجهاد في سبيل الله. وأما إذا كان لحمله في بلاد الإسلام فلا يجوز تحليته.
قوله: [بأحد النقدين]: أي أو بهما.
قوله: [وأما كتب العلم] إلخ: أجاز البرزلي تحلية الدواة لكتابة المصحف وتحلية الإجازة.
قوله: [قوله فيجوز ربطه]: أي وله اتخاذ الأنف وربط السن معاً: والمراد بالسن: الجنس الصادق بالواحد والمتعدد. ومثل الربط عند التخلخل ردها إذا سقطت وربطها بما ذكر. وإنما جاز ردها لأن ميتة الآدمي طاهرة. وكذا يجوز بدلها من طاهر. وأما من ميتة فقولان بالجواز والمنع. وعلى الثاني، فيجب عليه قلعها عند كل صلاة
стр. 24
وكذا يجوز اتخاذ أنف من أحدهما إذا قطع الأنف. وكذا يجوز اتخاذ خاتم - بل يندب - من الفضة فقط إذا كان درهمين شرعيين فأقل لا أكثر من درهمين. وكان متحداً لا إن تعدد.
ولو كان المتعدد درهمين فأقل فيحرم كما لو كان ذهباً أو بعضه ذهباً، إلا أن يقل الذهب عن الفضة فلا يحرم بل يكره ولو تميز عن الفضة. وكذا لو طلي بالذهب فيما يظهر لأنه تابع. ويكره التختم بالحديد والنحاس ونحوهما، وقولنا: إن كان إلخ زيادة على كلام الشيخ لا بد منها.
(وعلى المكلف مطلقاً اتخاذ إناء منهما ولو للقنية أو غُشِّي، وتضبيبه، وفي المموه قولان): يعني أنه يحرم على المكلف ذكراً كان أو أنثى اتخاذ إناء من ذهب أو فضة ولو لم يستعمله بالفعل، لأنه ذريعة للاستعمال. ومن المعلوم أن سد الذرائع واجب عند الإمام، فلا يجوز اتخاذه للادخار أو لعاقبة الدهر، ولا التزين به على رف ونحوه. بخلاف الحلي يتخذه الرجل لعاقبة الدهر فجائز وهو ظاهر، إذ الحلي يجوز استعماله للنساء والإناء لا يجوز استعماله لرجال ولا نساء. فقوله: ولو للقنية: رد على من يقول بجواز اتخاذه للقنية. وقوله: أو غشي: في حيز المبالغة؛ أي يحرم الإناء من الذهب أو الفضة ولو غشي ظاهره بنحاس أو رصاص أو قزدير [١] نظرًا لباطنه. خلافاً لمن يقول بجوازه نظراً لظاهره.
وقوله: (وتضبيبه) عطف على اتخاذ، والضمير عائد على الإناء لا بقيد كونه منهما. أي يحرم على المكلف الذكر أو الأنثى أن يضبب الإناء الخشب أو الفخار - كالصيني - بأحد النقدين؛ أي ربط كسره أو شقه بهما.
وأما الإناء إذا كان من نحاس أو حديد - كالقدور والصحون والمباخر والقماقم من [٢] ذلك - وموهت؛ أي طليت بأحد النقدين. ومن ذلك الركاب يطلى بأحدهما، ففيه قولان: بالجواز والمنع. واستظهر بعضهم القول بالجواز نظراً لباطنه والطلي تبع.
وقد علمت ما في كلام الشيخ ﵀ من إطلاقه القولين في الجميع بلا ترجيح (لا جوهر. وجاز للمرأة الملبوس ونحوه، ولو نعلاً لا كمرود وسرير) جوهر بالرفع عطف على استعمال أو اتخاذ. أي لا يحرم جوهر -أي استعماله أو اتخاذه- فهو على حذف المضاف. ويجوز جره عطفاً على حرير أو إناء فلا حذف في الكلام. والمعنى: أن الجوهر - كالياقوت والزبرجد واللؤلؤ - والبلور لا يحرم اتخاذه ولا استعمال أوانيه، خلافاً لمن قال لا يجوز استعمال أوانيه فإنه ضعيف جداً، ما كان ينبغي للشيخ -رحمه الله تعالى- أن يذكر فيه القولين. ولا يلزم من نفاسته حرمة استعماله. وكذا يجوز للمرأة الملبوس من الحرير والذهب والفضة والمحلى [٣] بهما ولو نعلاً أو قبقاباً؛ لأنهما من الملبوس ويلحق بالملبوس ما شابهه من فرش ومساند وزر، وما علق بشعر. ولا يجوز لها ما لم يكن ملبوساً ولا ملحقاً به كالمرود - بكسر الميم - وكالسرير والأواني من أحد النقدين كما تقدم، والمشط والمكحلة والمدية. وكذا لا يجوز تحلية ما ذكر بهما ولا تحلية سيفها إن كان لها سيف بذلك. وظاهره: ولو كانت تقاتل به.
ولما أنهى الكلام على الماء المطلق وعلى ما يعرض له من تغير بنجس أو طاهر وعلى الأعيان الطاهرة والنجسة، شرع في بيان شروط الصلاة من طهارة خبث وحدث واستقبال وستر عورة. وبدأ بطهارة الخبث لقلة الكلام عليه فقال:
ــ
ما لم يتعذر ذلك.
قوله: [اتخاذ أنف]: وانظر هل يجوز تعويض عضو سقط من أحد النقدين قياساً على الأنف؟ قوله: [بل يندب] إلخ: وكذا يندب كونه باليسرى لأنه آخر فعله ﷺ ، وللتيامن في تناوله فيحوله عند الاستنجاء. ويندب جعل فصه للكف لأنه أبعد من العجب.
قوله: [إلا أن يقل] إلخ: أي بأن كان الثلث فأقل.
فرع: يجوز نقش الخواتم ونقش أصحابها وأسماء الله تعالى فيها. وهو قول مالك «وكان نقش خاتمه ﵇ محمد رسول الله في ثلاثة أسطر».
قوله: [ويكره التختم] إلخ: أي على الأصح إلا لتحفظ كمنع النحاس الأصفر والرصاص والحديد الجن. ولا يتقيد بدرهمين فيما يظهر، وجاز التختم بجلد وخشب كعقيق.
قوله: [فلا يجوز اتخاذه] إلخ: أي ولو للصبيان والنهي يتعلق بالأولياء.
قوله: [لعاقبة الدهر] إلخ: أي أو للكراء ونحوه.
قوله: [رد على من يقول] إلخ: أي فإن بعضهم يجوز ذلك. والحاصل أن اقتناءه إن كان بقصد الاستعمال فهو حرام باتفاق، وإن كان لقصد العاقبة أو التجمل به أو لا لقصد شيء، ففي كل قولان. والمعتمد المنع. وأما إن اقتناه لأجل كسره أو لفك أسير به فجائز. هذا محصل ما ذكره أبو الحسن على المدونة، وارتضاه (بن) راداً [٤] لغيره. وكذلك يحرم الاستئجار على صياغته ولا ضمان على من كسره وأتلف تلك الصياغة. ويجوز بيعها لأن عينها تملك إجماعاً اهـ من حاشية الأصل.
قوله: [لا بقيد كونه منهما]: أي ففيه استخدام.
قوله: [في الجميع]: أي جميع المسائل الخمسة. والحاصل أن كل مسألة فيها أحد القولين مرجح على الآخر. فالمرجح في المغشى والمضبب وذي الحلقة المنع. والمرجح في المموه وإناء الجوهر الجواز.
تنبيه: قال في حاشية الأصل: تزويق الحيطان والسقف والخشب والساتر بالذهب والفضة جائز في البيوت، وفي المساجد مكروه إذا كان يشغل المصلي، وإلا فلا.
قوله: [ولا يلزم من نفاسته] إلخ: أي لأن علة حرمة النقدين تضييق المعاملة على العباد، فلا يقاس عليهما الجواهر.
قوله: [ولو نعلاً]: في (ح) أنه لرد الخلاف الواقع في المذهب القائل بالمنع.
قوله: [ولا يجوز لها] إلخ: فكل ما كان خارجاً عن جسدها لا يجوز لها اتخاذه من أحد النقدين ولا من المحلى به، وإنما حرم
стр. 25
فصل: في إزالة النجاسة
(تجب إزالة النجاسة عن محمول المصلي وبدنه ومكانه إن ذكر وقدر، وإلا أعاد بوقت): يجب شرطاً إزالة حكم النجاسة بالماء المطلق عن كل محمول المصلي؛ من ثوب أو عمامة أو نعل أو حزام أو منديل أو غير ذلك عن بدنه وعن مكانه، وهو ما تمسه أعضاؤه من قدميه وركبتيه ويديه وجبهته. فلا يضر نجاسة ما تحت صدره وما بين ركبتيه ونحو ذلك ولو تحرك بحركته. ولا ما تحت حصيره ولو اتصل بها كفروة ميتة صلى على صوفها. بخلاف طرف عمامته الملقى بالأرض أو طرف ردائه الملقى وبه نجاسة، فإنه يضر لأنه في حكم المحمول للمصلي. ومحل كونها شرط صحة للصلاة إن ذكر وقدر على إزالتها.
فإن صلى بالنجاسة ناسياً لها حتى فرغ من صلاته، أو لم يعلم بها حتى فرغ منها فصلاته صحيحة، ويندب له إعادتها في الوقت.
وكذا من عجز عن إزالتها لعدم ماء طهور أو لعدم قدرته على إزالتها به، ولم يجد ثوباً غير المتنجس، فإنه يصلي بالنجاسة وصلاته صحيحة. ويحرم عليه تأخيرها حتى يخرج الوقت. ويصلي أول الوقت إن علم أو ظن أنه لا يجد ماء ولا ثوباً آخر في الوقت. وإن ظن القدرة على إزالتها آخر الوقت، أخر لآخره قياساً على ما سيأتي في التيمم، ثم إنه إن وجد ما يزيلها به في الوقت، أو ثوباً آخر ندب له الإعادة ما دام الوقت. فإن خرج الوقت فلا إعادة، والوقت في الظهرين للاصفرار، وفي العشاءين لطلوع الفجر، وفي الصبح لطلوع الشمس.
وما مشينا عليه من أن إزالة النجاسة واجبة إن ذكر وقدر هو أحد المشهورين في المذهب. وعليه فإن صلى بها عامداً قادراً على إزالتها أعاد صلاته أبداً وجوباً لبطلانها. والمشهور الثاني أن إزالتها سنة
ــ
عليها تحلية السيف لأنه من زينة الرجال وجاز لها اتخاذ شريط السرير من حرير، لأنه توسع في الحرير أكثر من النقدين.
فصل:
قوله: [تجب إزالة] إلخ: أي وجوب شرط كما يأتي، وكذا يجب تقليلها كتطهير أحد كميه حيث لم يكفهما الماء. بخلاف ما إذا كانت النجاسة في محل واحد فلا يلزم غسل البعض إن لم يقدر [١] على الكل، لأنه يزيدها انتشاراً كما في (شب) و (ح).
قوله: [المصلي]: المراد به مريد الصلاة، وأما إن لم يردها فلا تجب إزالتها بل تندب إذا لم تكن خمراً، وأراد بالمصلي ما يشمل الصبي، والخطاب بالنسبة لوليه خطاب تكليف، وبالنسبة له خطاب وضع.
تنبيه: تعمد صلاة النافلة بالنجاسة ممنوع مانع من صحتها، ولا تقضى لأنها لم تجب فأشبه من افتتحها محدثاً كما في الحاشية.
قوله: [وبدنه]: أي ظاهره. ومن ذلك داخل أنفه وأذنه وعينه فهي من الظاهر في طهارة الخبث، ومن الباطن في طهارة الحدث. ولم يجعلوها من الظاهر في طهارة الحدث لمشقة التكرر.
قوله: [إن ذكر وقدر] وهذا هو المشهور من أقوال أربعة الذي انبنت عليه فروع المذهب. والمشهور الثاني: السنية إن ذكر وقدر، وسيأتي في الشارح وهو وإن كان معتمداً إلا أن فروع المذهب بنيت على الأول. والثالث: الوجوب مطلقاً كطهارة الحدث وهو كمذهب الشافعية والجمهور. والرابع: الندب، لكن هذان القولان ضعيفان في المذهب.
قوله: [عن كل محمول المصلي] إلخ: من ذلك لو وضع حبل سفينة في وسطه وكان بها نجاسة وكان يمكن أن تتحرك بحركته لصغرها. بخلاف مقود الدابة حيث كان طاهراً فلا يضر حملها للنجاسة، أو ثوب شخص جاء على كتف المصلي مثلاً ما لم يصر محمولاً له.
قوله: [ونحو ذلك]: كموضع السجود للمومئ فلا يشترط طهارته كما في (شب) و (عب). بخلاف حسر عمامته عن جبهته فيشترط للإجماع على ركنية السجود. والاختلاف في إزالة النجاسة، وقال شيخنا في مجموعه: والظاهر اعتبار المس بزائد لا يحس. وقال في الحاشية: الشعر كطرف الثوب، أي لا يضر مسه للنجاسة.
قوله: [ولا ما تحت حصيره]: لما سيأتي في الفوائت في قول خليل: ولمريض ستره نجس بطاهر. قالوا: لا مفهوم لمريض، إنما يشترط انفصال الساتر عن محمول المصلي. فلا يكفي ستر نجاسة المكان ببعض ثوبه اللابس له ولو طال جداً.
قوله: [لأنه في حكم المحمول]: ومن ذلك إذا كان الوسط على الأرض نجساً وأخذ كل طرفاً طاهراً، بطلت عليهما.
قوله: [أو لم يعلم بها]: أي من أول الأمر. فمراده بالناسي من سبق له علم بها، ثم دخل الصلاة ناسياً ففرق بينهما.
قوله: [في الوقت]: أي إن كان لها وقت تعاد فيه، وإلا فلا تعاد كالفائتة والنفل المطلق إلا ما سيأتي من ركعتي الطواف.
قوله: [على ما سيأتي في التيمم]: في قوله فالآيس أول المختار والمتردد وسطه والراجي آخره، فالمراد بالوقت يؤخر فيه الاختياري وأما الضروري فلا تفصيل فيه بل يقدم ولو كان راجياً.
قوله: [ما دام الوقت]: أي الآتي في الشارح.
قوله: [للاصفرار]: بإخراج الغاية فيه وفيما بعده وهذا على مذهب المدونة، وبحث فيه بأن القياس أن الظهرين للغروب، والعشاءين للثلث والصبح للإسفار. وفرق بأن الإعادة كالتنفل، فكما لا يتنفل في الاصفرار لا يعاد فيه ويتنفل في الليل كله، والنافلة وإن كرهت بعد الإسفار لمن نام عن ورده إلا أن القول بأنه لا ضروري للصبح قوي اهـ
стр. 26
إن ذكر وقدر أيضاً، فإن لم يذكرها أو لم يقدر على إزالتها أعاد بوقت كالقول الأول. وأما العامد القادر فيعيد أبداً، لكن ندباً. فعلم أنهما يتفقان على الإعادة في الوقت ندباً في الناسي وغير العالم، وفي العاجز، ويتفقان على الإعادة أبداً في العامد الذاكر لكن وجوباً على القول الأول، وندباً على الثاني. وقولنا عن محمول المصلي أعم من قوله: ثوب لأنه يشمل الثوب أي الملبوس وغيره، ويشمل ما استقر ببطنه من النجاسة؛ كأن شرب خمراً فيجب عليه أن يتقايأها إن أمكن، وإلا كان عاجزاً.
(فسقوطها عليه فيها أو ذكرها مبطل إن اتسع الوقت ووجد ما تزال به): الفاء فاء التفريع [١] فذكرها أولى من ذكر الواو. يعني إذا علمت أن إزالة النجاسة واجبة فسقوطها على المصلي مبطل لصلاته ولو قبل تمام التلفظ بالسلام،
ــ
من الأصل.
قوله: [إن ذكر وقدر أيضاً]: أي فهو قيد في الوجوب والسنية معاً، وقد تبع شارحنا (عب) والأجهوري. وفي ابن مرزوق و (ح) أنه قيد في الوجوب فقط، وأما السنية فهو مطلق، سواء كان ذاكراً قادراً أم لا. فإن قلت: جعل القول بالسنية مطلقاً يرد عليه أن العاجز والناسي مطالبان بالإزالة على سبيل السنية، مع أنه قد تقرر في الأصول امتناع تكليفهما، قلت: من قال بالسنية حال [٢] العجز والنسيان أراد ثمرتها من ندب الإعادة في الوقت بعد زوال العذر، وليس مراده طلب الإزالة لعدم إمكانها. وقد يقال: إن الأجهوري نظر إلى رفع الطلب عنهما حالة العذر فقال: إنه قيد فيهما، وغيره نظر إلى طلب الإعادة منهما في الوقت، فقال: إنه قيد في الوجوب فقط، وكلاهما صحيح، وعاد الأمر في ذلك لكون الخلاف لفظياً. انظر (بن) اهـ من حاشية الأصل.
قوله: [وندباً على الثاني]: أي ولا غرابة في الندبية والأبدية، فقد قالوه في الصلاة بمعطن الإبل. وهذا على أن الخلاف حقيقي وهو ما يقتضيه التشهير والاستدلال واختلاف التفاريع. ورجحه الأجهوري ومن تبعه ك (عب) وعليه، فما ورد من التعذيب في البول لهذه الأمة محمول على إبقائه بالقصبة بحيث يبطل الوضوء، فإن الاستبراء واجب اتفاقاً ومال (ح) و (ر) إلى أنه لفظي. قالا: وعهدت الإعادة أبداً وجوباً لترك السنة على أحد القولين. وبحث فيه شيخنا في مجموعه بأن هذا اعتراف بأنه حقيقي له ثمرة؛ فإن الواجب يبطل تركه اتفاقاً أي لا على أحد القولين. ثم قال: نعم سمعنا أن السنة إذ شهرت [٣] فرضيتها أبطل تركها قطعاً، لكنه يجعل كل خلاف على هذا الوجه لفظياً، وهو بعيد مضيع لثمرة التشهير أو لصحته. ومما يبعد كونه لفظياً ما ارتضاه (ر) نفسه من عدم تقييد السنية بالذكر والقدرة، والوجوب مقيد. وقال في الأصل عند قول المصنف "خلاف لفظي"، لاتفاقهما على إعادة الذاكر القادر أبداً، والعاجز والناسي في الوقت. قاله (ح). ورد بوجوب الإعادة على الوجوب وندبها على السنية، وبأن القائل بأحدهما يرد ما تمسك به الآخر فالخلاف معنوي.
قوله: [وغيره] أي من سائر ما نبه الشارح عليه.
قوله: [فيجب عليه] إلخ: هذا رواية محمد بن المواز. وقال التونسي: ذلك الأكل والشرب لغو فلا يؤمر بتقايؤ ولا بإعادة، وهو ضعيف. إن قلت: حينئذ صارت المعدة نجسة بمجرد الشرب. قلت: إنه عاجز عن تطهير نفس المعدة، فأمرناه بما يقدر عليه من التقيؤ، والظاهر أنه إذا قدر على البعض وجب، لأن تقليل النجاسة واجب اهـ من حاشية الأصل. ومحل وجوب التقايؤ المذكور مدة ما يرى بقاء النجاسة في بطنه يقيناً أو ظناً لا شكاً؛ فإذا كانت خمراً وجبت الإعادة مدة ما يظن بقاؤها خمراً، فإن تحولت للعذرة فهي بمثابتها.
قوله: [قوله فسقوطها عليه] إلخ: أي على المصلي ولو صبياً أو بالغاً في نفل -مأموماً أو إماماً أو فذاً- مبطل لها بالشروط الآتية. ولو جمعة على أحد القولين. وقد تبع المصنف في البطلان خليلاً التابع لابن رشد في المقدمات وفي المدونة. وإن سقطت عليه وهو في صلاة قطعها، والقطع يؤذن بالانعقاد. واختلفوا هل القطع وجوباً أو استحباباً؟ انظر (بن).
تنبيه: موت الدابة وحبلها بوسطه كسقوط النجاسة على الظاهر اهـ من حاشية الأصل. وقولنا أو إماماً: أي ويستخلف؛ فهي من جملة مسائل الاستخلاف. وإن علمها مأموم بإمامه أراه إياها، ولا يمسها. فإن بعد فوق الثلاث صفوف كلمه، ويستخلف الإمام ولا تبطل على المأمومين.
قوله: [أو ذكرها]: أي علم بها فيها، سواء كان ناسياً لها ابتداء أم لا، لا إن ذكرها قبلها ثم نسيها عند الدخول فيها، واستمر حتى فرغ منها فلا تبطل. ولو تكرر الذكر والنسيان قبلها وإنما يعيد في الوقت اهـ. من الأصل.
قوله: [أولى من ذكر الواو]: أي التي مشى عليها خليل.
قوله: [واجبة]:
стр. 27
إن استقرت عليه بأن كانت رطبة أو يابسة ولم تنحدر حال سقوطها. وإلا لم تبطل واتسع الوقت لإزالتها وإدراك الصلاة فيه، ووجد ما تزال به من الماء المطلق أو ثوباً غير المتنجس.
وكذا تبطل إذا ذكر النجاسة وهو في الصلاة أو علمها وهو فيها، فإنها تبطل إذا اتسع الوقت ووجد ثوباً أو ما يزيلها به. وهذان القيدان زدناهما على الشيخ. وبقي أنه لا بد أن تكون النجاسة مما لا يعفى عنها كالبول، فإن كانت مما يعفى عنها كدرهم دم لم تبطل. فالقيود أربعة بالنسبة لسقوطها، وثلاثة بالنسبة لذكرها. وقولنا: واتسع الوقت، أي لإدراك ركعة بسجدتيها فأكثر لا أقل. وسواء كان الوقت اختيارياً أو ضرورياً. فإذا لم يسع الوقت ركعة كملها. ثم إن كان الوقت ضرورياً فلا إعادة، وإن كان اختيارياً أعادها في الضروري ندباً على ما تقدم.
(لا إن تعلقت بأسفل نعل فسل رجله إلا أن يرفعها بها): لا تبطل الصلاة إذا كانت النجاسة متعلقة بأسفل النعل ثم سل رجله من نعله أي: أخرجها بلطف من غير أن يرفع رجله بالنعل المتنجسة. فإن رفع رجله بها بطلت؛ لأنه صار حاملاً للنجاسة كما تبطل لو كانت النجاسة [١] فوق حمله، وكان ذاكراً لها ولو لم يرفعها؛ لأنه حامل لها. فقول الشيخ: أو كانت أسفل نعل يعني: وهي متعلقة بالنعل، وليس المراد أنه واقف عليها بالنعل الطاهر، إذ لو كان الأمر كذلك لم تبطل إذا رفع نعله عند التذكر، أو العلم ووضعها على أرض طاهرة ولا يحتاج لخلعها.
فعلم أن الكلام في النعل المتنجس أسفله لا الواقف به على نجاسة جافة، فعبارتنا أحسن من عبارته إذ عبارته توهم خلاف المراد. والتعبير بسل أولى من التعبير بخلع؛ لأن السل يفيد الخفة والخلع يصدق ولو مع الرفع بها. ومفهوم سل رجله أنه لو لم يخرج رجله من نعله لبطلت، لكن حيث يصدق عليه أنه حامل للنجاسة وذلك حال السجود أو حال رفعه لرجله بالنعل، وعلم أن من صلى على جنازة وهو لابس لنعله المتنجس أسفله فصلاته صحيحة.
(ولا يصلي بما غلبت عليه كثوب كافر وسكير وكناف وغير مصل، وما ينام فيه غيره،
ــ
وأما على أنها سنة فلا تبطل بالسقوط أو الذكر فيها، وكلام ابن مرزوق يدل على أنه الراجح.
قوله: [إن استقرت عليه]: أي كلها أو بعضها.
قوله: [أربعة] إلخ: وهي: إن استقرت عليه، واتسع الوقت، ووجد ما تزال به، ولم تكن معفواً عنها، وقوله وثلاث إلخ: أي بإسقاط الأول لأنه الموضوع.
قوله: [على ما تقدم]: أي من أن الظهرين للاصفرار، والعشاءين للفجر، والصبح للطلوع.
قوله: [بأسفل نعل]: وأما لو تعلقت بأسفل خف فتذكرها فتبطل بها الصلاة بالشروط المتقدمة لكونه كثوب العضو في شدة الالتصاق بالرجل، بخلاف النعل فهو كالحصير. هكذا فرق شيخنا في مجموعه.
قوله: [لا تبطل الصلاة] إلخ: أي ولو تحرك النعل بحركته حين سل رجله لأنها كالحصير. خلافاً لمن قال إذا تحرك بحركته تبطل.
قوله: [أن من صلى على جنازة] إلخ: أي أو إيماء من قيام أو كان يخلع رجله منها عند السجود. قال ابن ناجي: والفرق بين النعل ينزعه فلا تبطل صلاته والثوب تبطل ولو طرحه، أن الثوب حامل له والنعل واقف عليه والنجاسة في أسفله، فهو كما لو بسط على النجاسة حائلاً كثيفاً.
قوله: [ولا يصلى]: بالبناء للمفعول أي يحرم صلاة الفرض والنفل.
قوله: [كثوب كافر]: المراد بالثوب محموله، كان الكافر ذكراً أو أنثى، كتابياً أو غيره باشر جلده أو لا، كان مما يستعمل النجاسة أو لا. ثم محل الحرمة إذا جزم بعدم الطهارة أو ظن عدمها أو شك. أما لو تحققت الطهارة أو ظنت، فتجوز الصلاة به. وهذا في الكافر بخلاف ثياب شارب الخمر من المسلمين؛ فإنه في حالة الشك يحمل على الطهارة تقديماً للأصل على الغالب اهـ من حاشية الأصل. وفيه نظر بل في هذه المسائل كلها متى حصل شك قدم الغالب، لأن ثمرة تقديم الغالب لا تظهر إلا عند الشك في الجميع. فالتفرقة في بعض المسائل لا وجه لها ولا مستند له في التفرقة.
قوله: [وكناف]: ويجري فيه ما جرى فيه السكير.
قوله: [وما ينام فيه غيره]: أي تحرم الصلاة بثوب ينام فيه غير المصلي إذا تحققت نجاستها أو ظنت أو شك فيها. وأما لو علم أنه يحتاط في طهارتها، أو ظن ذلك. جازت الصلاة فيها. وليس من هذا القبيل ما يفرش في المضايف فتجوز الصلاة عليه لأن الغالب أن النائم عليها يلتف في شيء آخر غير ذلك الفرش هكذا في حاشية الأصل. ولكن كان شيخنا المؤلف يفصل ويقول: أما مضايف الريف فشأنها النجاسة. وأما مقاعد مصر وقيعانها فتجوز الصلاة على فراشها لأن الغالب التحفظ. وهو وجيه معلوم بالمشاهدة.
تنبيه: عمم المصنف هنا في ثياب النوم وغير المصلي وجعلها كثياب السكير والكافر لا فرق بين ثياب الرأس وغيرها، موافقة في ذلك لابن مرزوق وقد أيده (بن) وهو خلاف ما مشى عليه
стр. 28
وما حاذى فرج غير عالم) هذه الأحكام هي التي أشار لها الشيخ ﵀ في الفصل السابق بقوله: " ولا يصلى بلباس كافر إلخ "، أخرتها هنا؛ لأنه محلها وتقديمها في الفصل السابق ذكر لها في غير محلها. وهي مبنية على أنه إذا تعارض الأصل والغالب قدم الغالب، فإن الأصل - فيما ذكر - الطهارة، والغالب النجاسة، وقولي: ولا يصلي بما غلبت أي: النجاسة عليه إشارة لقاعدة هي: كل ما غلبت النجاسة عليه فلا يصلى به. وقوله: كثوب كافر إلخ أمثلة لبعض ما صدقت عليه هذه القاعدة. والشيخ إنما ذكر بعض الأمثلة دون القاعدة فلباس الكافر لا يصلى به؛ لأن شأن الكافر عدم توقي النجاسة بخلاف نسجه، فإن الشأن فيه توقي النجاسة. والسكير - أي: كثير السكر - كالكافر. والكناف: الذي شأنه نزح الأكنفة. وغير المصلي: يشمل الصبيان والنساء والرجال الذين لا اعتناء لهم بالصلاة؛ لأن شأنهم عدم التحرز من النجاسة " والثوب الذي ينام فيه غير مريد الصلاة لا تجوز به الصلاة؛ لأن شأنه ما ذكر. وأما ما ينام فيه هو فهو أعلم بحاله. وكذا ما حاذى فرج غير العالم بأحكام الطهارة كالإزار والسراويل لا يصلى به، بخلاف نحو عمامته وردائه، وبخلاف محاذي فرج العالم بالاستبراء وأحكام الطهارة.
ولما كان بعض النجاسة يعفى عنه للمشقة نبه عليه بقوله: (وعفي عما يعسر كسلس لازم) يعفى عن كل ما يعسر التحرز عنه من النجاسات بالنسبة للصلاة ودخول المسجد لا بالنسبة للطعام والشراب؛ لأن ما يعفى عنه إذا حل بطعام أو شراب نجسه، ولا يجوز أكله وشربه، وهذه قاعدة. ولما كان أخذ الجزئيات من القواعد الكلية قد يخفى على بعض الأذهان، صرح ببعض جزئيات للإيضاح بقوله: كسلس إلخ. والمراد بالسلس: ما خرج بنفسه من غير اختيار من الأحداث كالبول والمذي والمني والغائط يسيل من المخرج بنفسه، فيعفى عنه ولا يجب غسله للضرورة إذا لازم كل يوم ولو مرة. وليس المراد بالملازمة هنا ما يأتي في نواقض الوضوء.
(وبلل باسور وثوب كمرضع تجتهد) أي: يعفى عن بلل الباسور يصيب البدن أو الثوب كل يوم ولو مرة. وأما اليد فلا يعفى عن غسلها إلا إذا كثر الرد بها،
ــ
الشيخ خليل من استثنائه ثياب الرأس وما قاربها.
قوله: [وما حاذى فرج غير عالم]: من ذلك فوط الحمام إذا كان يدخله عموم الناس، ولكن لا يجب غسل الجسد منها للحرج نعم هو الأولى والأحوط، ذكره شيخنا في مجموعه، فإن كان لا يدخله إلا المسلمون المتحفظون فمحمولة على الطهارة.
قوله: [بخلاف نسجه]: وكذا سائر صنائعه فيحملون فيها على الطهارة عند الشك، ولو صنعها ببيت نفسه ولا فرق بين ما صنعه لنفسه وغيره كما يفيده البرزلي.
قوله: [كالكافر] إلخ: هذا مما يؤيد الرد على محشي الأصل.
قوله: [غير مريد الصلاة]: أي في ذلك الثوب، بأن أراد شخص الصلاة في فراش نوم غيره.
قوله [يعفى عن كل ما يعسر]: أخذ الكلية من لفظ "ما" لأنها من صيغ العموم. ومعنى يعسر: يشق.
قوله: [إذا حل بطعام] إلخ: أي كما تقدم أن الطعام المائع وما في حكمه ينجس إذا حلته نجاسة؛ أي نجاسة كانت.
قوله: [ولا يجوز أكله] إلخ: أي ما لم يتعين للدواء على أحد القولين.
قوله: [وهذه قاعدة]: اسم الإشارة عائد على قول المصنف: [وعفي عما يعسر] ومعنى القاعدة الضابط الكلي الذي اندرج تحته الجزئيات، وقالوا في تعريفها: قضية كلية يتعرف منها أحكام جزئيات موضوعها، فالقضية الكلية هنا هي: "كل ما يعسر يعفى عنه". فيندرج تحت "كل" جميع الجزئيات الآتية وغيرها. وضابط استخراجها أن يؤتى بقياس من الشكل الأول يجعل موضوع صغراه جزئياً من جزئيات القاعدة، ومحمولها موضوع تلك القاعدة وتجعله الحد المكرر، وتجعل محمول كبراه محمول تلك القاعدة، وتحذف الحد المكرر ينتج المقصود ومساقه هكذا: السلس يعسر الاحتراز منه، وكل ما يعسر الاحتراز منه معفو عنه، فينتج: السلس معفو عنه. ولذلك يقولون: من قواعد الشرع "إذا ضاق الأمر اتسع"، "وعند الضرورات تباح المحظورات". قال تعالى: ﴿ما جعل عليكم في الدين من حرج﴾ [الحج: ٧٨].
فرع: قال في الذخيرة: إذا عفي عن الأحداث في حق صاحبها عفي عنها في حق غيره لسقوط اعتبارها شرعاً، وقيل: يعفى عنها في حق غيره لأن سبب العفو الضرورة ولم توجد في غيره، وثمرة الخلاف تظهر في جواز صلاة صاحبها إماماً بغيره، وعدم الجواز فعلى الأول تجوز، وعلى الثاني تكره، وإنما لم يقل بالبطلان على الثاني لأن صاحب السلس صلاته صحيحة للعفو عن النجاسة في حقه، وصحت صلاة من ائتم به لأن صلاته مرتبطة بصلاته اهـ من حاشية الأصل.
قوله: [ولا يجب غسله]: أي ولا يسن. مما أصاب الثوب والبدن والمكان حيث لم يمكن التحول عنه.
قوله: [وليس المراد] إلخ: أي لأن ما هنا من باب الأخباث وذاك من باب الأحداث. والأخباث أسهل من الأحداث فلذلك شدد في الأحداث فيما يأتي، فقالوا: لا يعفى عنه إلا إذا لازم كل الزمان أو جله أو نصفه فلا ينقض الوضوء في هذه الثلاث ولا يوجب غسلاً للنجاسة، وإن لازم أقل الزمان نقض مع العفو عن النجاسة إن لازم كل يوم ولو مرة.
قوله: [وبلل باسور]: جمعه بواسير والمراد به النابت داخل مخرج الغائط بحيث
стр. 29
بأن يزيد على المرتين كل يوم وإلا وجب غسلها؛ لأن اليد لا يشق غسلها كالثوب والبدن. ويعفى عن ثوب المرضعة أو جسدها يصيبه بول أو غائط من الطفل سواء كانت أماً أو غيرها، إذا كانت تجتهد في درء النجاسة عنها حال نزولها، بخلاف المفرطة. ودخل الجزار والكناف والطبيب الذي يزاول الجروح تحت الكاف. وندب لها ولمن ألحق بها استعداد ثوب للصلاة.
(وقدر درهم من دم وقيح وصديد): أي: يعفى عن قدر الدرهم البغلي وهو الدائرة السوداء الكائنة في ذراع البغل فدون. وقول الشيخ: و"دون درهم " المفيد أن ما كان قدر الدرهم لا يعفى عنه، ضعيف. وسواء كان ما ذكر من الدم وما بعده أصابه من نفسه أو من غيره من آدمي أو من غيره - ولو من خنزير - بثوب أو بدن أو مكان، كما يفيده إطلاق عبارته. وصرح الشيخ بالإطلاق لكن قدمه على القيح والصديد والأولى له تأخيره عنهما.
(وفضلة دواب لمن يزاولها) أي: أن فضلة الدواب من بول أو روث - سواء كانت الدواب خيلاً أو حميراً أو بغالاً - إذا أصابت ثوب أو بدن من شأنه أن يزاولها بالرعي أو العلف أو الربط ونحو ذلك - يعفى عنها؛ لأن المدار على المشقة وهي حاصلة لمن شأنه مزاولتها. لو أمر بالغسل كلما أصابته فلا مفهوم للقيود التي ذكرها الشيخ بقوله: " وبول فرس لغاز بأرض حرب ".
(وأثر ذباب من نجاسة ودم حجامة مسح حتى يبرأ) أي: يعفى عن أثر الذباب يقع على العذرة أو البول أو الدم بأرجله أو فمه، ثم يطير ويحط على ثوب أو بدن. فقولنا: من نجاسة بيان لأثر وهو أعم من قوله " من عذرة " إذ لا مفهوم لها.
ــ
يخرج منه وعليه بلولة النجاسة، وفي (عب) الظاهر أن خروج الصرم كالباسور.
قوله: [بأن يزيد على المرتين] إلخ: وقيل بل على المرة الواحدة ومثل اليد الخرقة التي يرد بها.
قوله: [كالثوب]: أي الملبوس لا التي يرد بها فإنها كاليد كما علمت.
قوله: [عن ثوب المرضعة] إلخ: أي لإمكانها فلا يعفى عما أصابه إن أمكنها التحول عنه. قوله: [أو غيرها]: أي إن احتاجت للإرضاع لفقرها أو لم يقبل الولد غيرها، وإلا فلا يعفى عما أصابها خلافاً للمشذالي في جعلها كالأم مطلقاً. قوله: [تجتهد] قيد في المرضعة مطلقاً أماً أو غيرها، فإذا اجتهدت وأصابها شيء عفي عنه، غاية الأمر أنه يندب لها غسله إن تفاحش، ولا يجب عليها غسل ما أصابها من بوله أو عذرته ولو رأته، خلافاً لابن فرحون القائل بأن ما رأته لا بد من غسله.
قوله: [ودخل الجزار] إلخ: أي فيعفى عنهم إن اجتهدوا كالمرضعة.
قوله: [ولمن ألحق بها]: أي ممن دخل تحت الكاف. وأما صاحب السلس فلا يندب له إعداد ثوب لعدم ضبطه.
قوله: [وقدر درهم]: أي ولو كان مخلوطاً بماء حيث كان طاهراً. نعم إن خالطه نجس غير معفو عنه انتفى العفو. وخالفت الشافعية؛ فعندهم نصف درهم مثلاً من دم إذا طرأ عليه قدر نصفه ماء طهوراً لا يعفى عنه لأن الدم نجس الماء، وإذا طرأ عليه ذلك من نفس عين الدم النجس ما زال معفواً عنه وهذا مما يستغرب. وقد يلغز به، وقد قلت في ذلك:
حي الفقيه الشافعي وقل له ... ما ذلك الحكم الذي يستغرب
نجس عفوا عنه فلو خالطه ... نجس طرا فالعفو باق يصحب
وإذا طرا بدل النجاسة طاهر ... لا عفو يا أهل الذكاء تعجبوا
اه من حاشية شيخنا على مجموعه. وأما لو صار بسبب المائع زائداً على درهم فلا عفو. والعفو عن يسير الدم والقيح والصديد في الصلاة وخارجها في جميع الحالات. وقيل اغتفاره مقصور على الصلاة؛ فلا تقطع لأجله إذا ذكره فيها، ولا يعيد. وأما إذا رآه خارجها فإنه يؤمر بغسله. هكذا حكي عن المدونة. واختلفوا في الأمر بالغسل، فقيل: ندباً، وقيل: وجوباً والمعول عليه ما مشى عليه المصنف من الإطلاق وهو مذهب العراقيين.
قوله: [وهو الدائرة]: أشار الشارح إلى أن المعتبر المساحة لا الكمية، أي فالعبرة بقدره في المساحة ولو كان أكثر في الكمية كنقطة من الدم ثخينة. اهـ من حاشية الأصل.
قوله: [ضعيف] إلخ: اعلم أن المسألة فيها ثلاثة [١] طرق، الأولى: أن ما دون الدرهم يعفى عنه اتفاقاً، وما فوقه لا يعفى عنه اتفاقاً، وفي الدرهم روايتان: والمشهور عدم العفو. والثانية: ما دون الدرهم يعفى عنه على المشهور، والدرهم وما فوقه لا يعفى عنه اتفاقاً. والثالثة: أن الدرهم من حيز اليسير وهذا هو الراجح، فلذلك اقتصر عليه مصنفنا تبعاً لابن عبد الحكم وصاحب الإرشاد.
تنبيه: إنما اختص العفو بالدم وما معه لأن الإنسان لا يخلو عنه، فهو كالقربة المملوءة بالدم والقيح والصديد، فالاحتراز عن يسيره عسر، دون غيره من النجاسات كالبول والغائط والمني والمذي. وما نقل عن مالك من اغتفار مثل رؤوس الإبر من البول ضعيف. نعم ألحق بعضهم بالمعفوات المذكورة ما يغلب على الظن من بول الطرقات إذا لم يتبين، فلا يجب غسله من ثوب أو جسد، أو خف مثل أن تزل الرجل من النعل وهي مبلولة فيصيبها من الغبار ما يغلب على الظن مخالطة البول له إذ لا يمكن التحرز منه. انتهى بالمعنى من حاشية الأصل.
قوله: [فلا مفهوم للقيود]: أي الأربعة وهي: بول وفرث وغاز وأرض الحرب. لأن المدار على مشقة الاحتراز. وحاصل الفقه أن كل من عانى الدواب يعفى عما
стр. 30
ومثل الذباب الناموس، أو أراد به ما يشمل الناموس. والعامة تقلب الباء الأخيرة نونا ويشددون الأولى، وكذلك يعفى عن أثر الحجامة إذا مسح بخرقة ونحوها إلى أن يبرأ المحال لمشقة غسله قبل برء الجرح. فإذا برأ غسل كما قال الشيخ، أي وجوباً أو استناناً على ما قدمه من الخلاف.
(وطين كمطر ومائه مختلطاً بنجاسة ما دام طرياً في الطرق ولو بعد انقطاع نزوله، إلا أن تغلب عليه أو تصيب عينها): يعفى عن طين المطر ونحوه كطين الرش ومستنقع الطرق. وكذا يعفى عن ماء المطر وما ذكر معه حال كون ما ذكر من الطين أو الماء مختلطاً بنجاسة، وإلا فلا محل للعفو وسواء كانت النجاسة عذرة أو غيرها ما دام الطين طرياً في الطرق يخشى منه الإصابة ثانياً، ولو بعد انقطاع نزول المطر. ومحل العفو ما لم تغلب النجاسة على الطين بأن تكون أكثر منه يقيناً أو ظناً كنزول المطر على مطرح النجاسات، أو ما لم تصب الإنسان عين النجاسة الغير المختلطة بغيرها، وإلا فلا عفو ويجب الغسل. كما لا عفو بعد جفاف الطرق، فيجب غسل ما أصاب أيام النزول، وطراوة الطين لزوال المشقة. ولا يخفى عليك أن عبارتنا أوضح وأشمل من عبارته وقولنا: عينها فاعل تصيب، ومفعوله محذوف أي تصيبه عينها.
(وأثر دمل سال بنفسه أو احتاج لعصره أو كثرت): يعفى عن أثر الدمل من المدة السائلة بنفسها من غير عصره، فإن عصره لم يعف عما زاد على الدرهم إلا أن يضطر لعصره. فإن اضطر عفي عما زاد على الدرهم لأنه بمنزلة ما سال بنفسه. وكذا إن كثرت الدمامل فإنه يعفى عن أثرها، ولو عصرها لأن كثرتها مظنة الاضطرار كالحكة والجرب.
(وذيل امرأة أطيل لستر، ورجل بلت مراً بنجس يابس): يعفى عن ذيل ثوب المرأة يجر على الأرض المتنجسة فيتعلق به الغبار بشرط أن تكون إطالته للستر لا للخيلاء ويعفى عما تعلق برجل مبلولة مر بها صاحبها بنجاسة يابسة فيجوز للمرأة وذي الرجل الصلاة بذلك ولا يجب عليهما الغسل ولا حاجة لقوله: " يطهران بما بعده ".
(وخف ونعل من روث دواب وبولها إن دلكا وألحقت بهما رجل الفقير):
ــ
أصابه من بولها وأرواثها، كان في الحضر أو في السفر بأرض حرب أو غيرها. غاية ما هناك أنه إذا وجدت القيود الأربعة فلا يعتبر اجتهاده، بل العفو مطلق لتحقق الضرورة بخلاف ما إذا اختل قيد من الأربعة فلا بد من اجتهاده كما ذكره في الأصل. قوله: [ومثل الذباب] إلخ: أي فهو مستعمل في حقيقته ويقاس عليه الناموس.
قوله: [أو أراد به ما يشمل] إلخ: أي ففيه مجاز من إطلاق الخاص وإرادة العام، ويقاس عليه النمل الصغير. وأما الكبير فلا يعفى عنه لأن وقوعه على الإنسان نادر.
قوله: [إلى أن يبرأ]: فيه إشارة إلى أن "حتى" في المتن بمعنى إلى.
قوله: [أي وجوباً] إلخ: محل ذلك إذا كان أثر الدم أكثر من درهم، وإلا فلا محل لوجوب الغسل ولا لاستنانه. ومثل أثر الحجامة أثر الفصد فإذا برأ أمر بالغسل على ما تقدم وصلى متعمداً ولم يغسل، أعاد في الوقت على الراجح مما في خليل ليسارة الدم، لكونه أثراً لا عيناً. ومراعاة لمن لا يأمره بغسله. قوله: [ونحوه] وقوله فيما يأتي [وكذا] إلخ إشارة لما أدخلته الكاف.
قوله: [سواء كانت النجاسة] إلخ: أي وكان الطين أكثر منها تحقيقاً أو ظناً أو تساوياً بدليل ما يأتي.
قوله: [بأن تكون] إلخ: أي فلا عفو على غير ظاهر المدونة، وهو معفو عنه على ظاهرها.
قوله: [كنزول المطر] إلخ: مثال لما اختلفت فيه المدونة مع غيرها.
قوله: [أو ما لم تصب الإنسان] إلخ: أي فلا يعفى عنه اتفاقاً.
والحاصل أن الأحوال أربعة: الأولى والثانية: كون الطين أكثر من النجاسة أو مساوياً لها تحقيقاً أو ظناً ولا إشكال في العفو فيهما، والثالثة: غلبة النجاسة على الطين تحقيقاً أو ظناً وهو معفو عنه على ظاهر المدونة ويجب غسله على ما مشى عليه شارحنا تبعاً لابن أبي زيد. والرابعة: أن تكون عينها قائمة وهي لا عفو فيها اتفاقاً.
تنبيه: قيد بعضهم العفو عن طين المطر بما إذا لم يدخله على نفسه، وإلا فلا عفو؛ وذلك كأن يعدل عن الطريق السالمة للتي فيها طين بلا عذر.
قوله: [أو احتاج لعصره]: أشار بهذا إلى ما في أبي الحسن على المدونة من أن الدمل الواحدة إن اضطر إلى إنكائها وشق عليه تركها فإنه يعفى عما سال منها. قال شيخنا في مجموعه: والظاهر أن من الاضطرار إلى إنكائها وضع الدواء عليها فتسيل.
قوله: [فإن عصره] إلخ: محله ما لم يسل منه شيء بنفسه بعد العصر الأول، خرج منه شيء عند العصر أو لا؛ لأنه صدق عليه أنه سال بنفسه ومحل العفو إن دام سيلانه أو لم ينضبط، أو يأتي كل يوم ولو مرة. فإن انضبط وفارق يوماً وأتى آخر فلا عفو عما زاد على الدرهم، ولو مصل بنفسه. كذا يؤخذ من الأصل.
قوله: [وكذا إن كثرت]: أي بأن زادت على الواحدة.
قوله: [وذيل المرأة]: أي غير مبتل كما قيده في الأصل، وظاهره عدم الفرق بين الحرة والأمة. وهو كذلك خلافاً لابن عبد السلام حيث خصه بالحرة لكون الساق في حقها عورة وغيره راعى جواز الستر فعمم.
قوله: [أطيل لستر]: من المعلوم أنها لا تطيله للستر إلا إذا كانت غير لابسة الخف. فعلى هذا لو كانت لابسة الخف فلا عفو، سواء كان من زيها أم لا كما نقله (ح) عن الباجي اهـ ما في حاشية الأصل.
قوله: [يابس]: اسم فاعل وهو معنى قول خليل: يبس بفتح الباء فإنه مصدر بمعنى اسم الفاعل وبكسرها على أنه صفة مشبهة.
стр. 31
يعفى عما أصاب الخف والنعل من أرواث الدواب وأبوالها في الطرق والأماكن التي تطرقها الدواب كثيراً لعسر الاحتراز من ذلك. بخلاف غير الدواب كالآدمي والكلب والهر ونحوها، فلا يعفى عما أصاب من فضلاتها. وبخلاف ما أصاب غير الخف والنعل كالثوب والبدن فلا عفو، وهو معنى قول الشيخ: " لا غيره ". وألحق اللخمي رجل المكلف الفقير الذي لا قدرة له على تحصيل خف أو نعل في العفو بالخف والنعل. وأما غير الفقير فلا يعفى عما أصاب رجله منهما لعدم عذره. وبعضهم ألحقها بهما أيضاً. وشرط العفو أن [١] دلك كل من الخف أو النعل أو الرجل بخرقة أو تراب أو حجر أو مدر دلكاً لا يبقى معه شيء من العين.
(وما تفاحش ندب غسله كدم البراغيث): أي أن ما تفاحش مما تقدم ذكره من المعفوات بأن خرج عن العادة حتى صار يستقبح النظر إليه، فإنه يندب غسله. كما أنه يندب غسل دم البراغيث إذا تفاحش لا إن لم يتفاحش.
(وما سقط من المسلمين على مار حمل على الطهارة، وإن سأل صدق العدل): الواو استئنافية، وما مبتدأ، وحمل خبره؛ يعني أن الماء الذي يسقط على شخص مار أو جالس في طريق من سقف ونحوه ولم تقم أمارة على طهارته ولا نجاسته فإنه يحمل على الطهارة فلا يطلب غسله إن كان الماء الساقط من قوم مسلمين، لأن شأنهم الطهارة.
وإن شك في إسلامهم أو كفرهم حملوا على الإسلام، وليس عليه أن يسأل عن طهارته أو نجاسته لكنه إن سأل صدق المجيب إن كان عدل رواية بأن كان مسلماً صالحاً ذكراً كان أو أنثى حراً أو عبداً. فإن أخبر بالنجاسة وجب الغسل، أي إن بين وجهها أو اتفقا مذهباً، وإلا ندب. ولا عبرة بإخبار الكافر والفاسق، وينبغي ندب الغسل إن أخبر بالنجاسة. وأما ما سقط من بيوت الكفار فمحمول عند الشك على النجاسة فيجب غسله، إلا أن يخبر عدل حاضر معهم بأنه طاهر. وعبارتنا أحسن من عبارة الشيخ من وجوه كما يعلم بالتأمل.
(وإنما يجب الغسل إن ظن إصابتها فإن علم محلها؛ وإلا فجميع المشكوك): لا يجب غسل المحل المصاب بالنجاسة من بدن أو ثوب أو مكان أو إناء إلا إذا ظن إصابة النجاسة له. وأولى إن علم. فإن علم المحل المصاب اقتصر عليه، وإن لم يعلمه بعينه بأن حصل شك؛ هل أصابت النجاسة المحققة أو المظنونة هذه الناحية أو هذه أو هذا الكم أو الكم الآخر، أو فردة الخف هذه أو الأخرى، تعين غسل جميع ما شك فيه، ولا يكفي الاقتصار على محل واحد،
ــ
[قوله يعفى إلخ] إن قلت إذا كان الذيل يابساً والنجس كذلك، فلا يتعلق بالذيل شيء فلا محل للعفو قلت قد يتعلق به الغبار وهو غير معفو عنه في غير المحل كما في حاشية الأصل.
قوله: [التي تطرقها الدواب كثيراً]: هذا القيد نقله في التوضيح عن سحنون.
وعلى هذا فلا يعفى عما أصاب الخف والنعل من أرواث الدواب وأبوالها بموضع لا يطرقه الدواب كثيراً ولو دلكاً.
قوله: [وألحق اللخمي] إلخ: ومثله غني لم يجد ما ذكر أو لم يقدر على اللبس لمرض. قوله: [لا يبقى معه شيء] إلخ: ولا يعتبر بقاء الريح واللون. قوله: [مما تقدم ذكره] إلخ: يحترز عما لم يذكره كالسيف الصقيل والمرآة فلا يندب غسله للإفساد.
قوله: [من المعفوات]: في الحاشية أن ما دون الدرهم من الدم وما معه يندب غسله، وإن لم يتفاحش وعليه فلا وجه للتقييد بالتفاحش.
قوله: [دم البراغيث] إلخ: فسره في الأصل - تبعاً للخرشي وغيره - بالخرء، قائلاً: وأما دمها الحقيقي فداخل في قول المصنف: ودون درهم. قال شيخنا في مجموعه: وقد يقال هو كدمل زاد على واحدة أي فيعفى عنه ولو زاد على درهم، غاية ما هناك يندب غسله عند التفاحش فتعميم شارحنا صواب.
قوله: [ما سقط من المسلمين] إلخ: حاصل الفقه أن الشخص الساقط عليه شيء، إما أن يكون ماراً أو جالساً تحت سقائف المسلمين أو كفار أو مشكوك فيهم، وفي كل إما أن يتحقق طهارة الواقع، أو يظنها، أو يتحقق النجاسة، أو يظنها أو يشك.
فهذه خمسة عشر؛ فإن تحققت طهارة الواقع أو ظنت أو تحققت نجاستها أو ظنت فالأمر ظاهر، فهذه اثنتا عشر صورة. وأما إذا شك، فإن كان ماراً أو جالساً تحت سقائف مسلمين أو مشكوك فيهم حمل على الطهارة ولا يلزمه سؤال. فإن أخبره عدل رواية بالنجاسة عمل عليها إن بين وجهها أو اتفقا مذهباً، فهاتان صورتان. وإن كانوا كفاراً فإنه يكون نجساً ما لم يخبره عدل رواية بالطهارة، وإن لم يتفق معه في المذهب ولم يبين وجهها.
قوله: [وليس عليه]: أي وجوباً فلا ينافي الندب.
قوله: [لكنه إن سأل]: أي كما هو المندوب.
قوله: [إن أخبر بالنجاسة]: أي ما ذكر من الكافر والفاسق.
قوله: [إلا أن يخبر عدل]: أي فيصدق وإن لم يتفق معه في المذهب ولم يبين وجهها كما تقدم. بخلاف الإخبار فيما يحمل على الطهارة فلا بد مع العدالة من اتفاق المذهب كما تقدم.
قوله: [كما يعلم بالتأمل]: أي فإن من تأمل وجد فيها إجمالاً من وجوه وإيهام خلاف المراد.
قوله: [أو المظنونة]: أي فالمشكوكة والمتوهمة لا تعتبر.
قوله: [ما شك فيه]: أي تردد في محلين أو أكثر مع تحقق الإصابة أو ظنها.
قوله: [على محل واحد]: أي حيث كانا متصلين أو في حكمهما كالخفين، فيجب غسلهما معاً ولا يتحرى واحداً بالغسل فقط على المذهب. وقال ابن العربي إنه يتحرى في الكمين واحداً يغسله كالثوبين. ومحل الخلاف إذا اتسع الوقت لغسل الكمين ووجد
стр. 32
فإن كانا ثوبين كفى غسل أحدهما للصلاة فيه إن اتسع الوقت ووجد ما يزيلها به، وإلا صلى بإحداهما واجتهد.
(ويطهر إن انفصل الماء طاهراً وزال طعمها، بخلاف لون وريح عسُرا كمصبوغ بها، ولا يلزم عصره)؛ يعني أن محل النجاسة من ثوب أو غيره يطهر إن انفصل الماء عنه طاهراً ولو لم ينفصل طهوراً خلافاً لظاهر كلامه. بل المدار على زوال طعم النجاسة ولونها وريحها فمتى بقي في الماء المنفصل شيء من ذلك فالمحل لم يطهر والغسالة نجسة، لكن الطعم لا بد في طهارة المحل من زواله، ولو تعسر.
وأما اللون والريح فإن تيسر زوالهما فلا بد من زوالهما وإن تعسر، كثوب مصبوغ بزعفران متنجس أو نيلة كذلك، كما لو وقع في الدن فأر فمات فيه - كما يتفق كثيراً - أو أصاب الثوب مني انطبع فيه ونحو ذلك، فلا يشترط زوالهما لعسره عادة، إذ لا يرجع عادة لحالته الأولى. ولا يقال الريح يسهل زواله، لأنا نقول بعض الروائح كالمسك والزباد المتنجسين لا يسهل زوال ريحهما. فقوله: كمصبوغ بها؛ أي بالنجاسة مثال للمتعسر، فإذا طهر بانفصال الماء طاهراً لم يلزمه عصره.
(وتطهر الأرض بكثرة إفاضة الماء عليها): الأرض المتنجسة إذا انصب الماء عليها من مطر أو غيره حتى زالت عين النجاسة وأعراضها طهرت؛ «كما وقع للأعرابي الذي بال في مسجد الرسول ﷺ فصاح به بعض الصحابة فأمرهم النبي ﷺ بتركه، ثم أمرهم بأن يصبوا عليها ذنوباً من ماء». والحديث رواه الشيخان.
(وإن شك في إصابتها لبدن غسل، ولثوب أو حصير وجب نضحه بلا نية كالغسل: وهو رش باليد أو غيرها، فإن ترك أعاد الصلاة كالغسل، لا إن شك في نجاسة المصيب): هذا مفهوم قوله سابقاً وإنما يجب الغسل إن ظن إصابتها. وأشار إلى أن في هذا المفهوم تفصيلاً؛ حاصله أنه إن حصل شك في إصابة النجاسة لمحل فلا يخلو إما أن يكون بدناً أو غيره. فإن كان بدناً وجب غسله كمحقق الإصابة. وإن شك في إصابتها لثوب أو حصير وجب نضحه لا غسله، فإن غسله فقد فعل الأحوط. والنضح: رش على المحل المشكوك بالماء المطلق بيده أو غيرها،
ــ
من الماء ما يغسلهما معاً، فإن لم يسع الوقت إلا غسل واحد أو لم يجد من الماء إلا ما يغسل واحداً تحرى واحداً يغسله فقط اتفاقاً، ثم يغسل الثاني بعد الصلاة في الفرع الأول، وبعد وجوده في الفرع الثاني. فإن لم يسع الوقت غسل واحد، صلى بدون غسل لأن المحافظة على الوقت مقدمة على طهارة الخبث.
قوله: [فإن كانا ثوبين]: المراد شيئين منفصلين، بحيث يصلى بأحدهما دون الآخر.
قوله: [إن اتسع الوقت] إلخ: أي والثوب الباقي لم يغسل محكوم بطهارته.
قوله: [واجتهد]: أي تحرى طهارة ثوب وصلى به إن وجد سعة من الوقت لتحريه، وإلا صلى بأيهما. وما قاله الشارح تبعاً للشيخ خليل هو المعول. وقال ابن الماجشون: إذا أصاب أحد الثوبين أو الأثواب نجاسة ولم تعلم عينها صلى بعدد النجس، وزيادة ثوب كالأواني. وفرق للمعتمد بين الأواني والأثواب بخفة الأخباث عن الأحداث.
قوله: [إن انفصل الماء طاهراً]: أي ولا يضر تغيره بالأوساخ، وذلك كثوب البقال واللحام إذا أصابته نجاسة. فلا يشترط في تطهيره إزالة ما فيه من الأوساخ، بل متى انفصل الماء خالياً عن أعراض النجاسة كفى، كما قال الشارح.
قوله: [وزال طعمها]: ويتصور الوصول إلى معرفة ذوق النجاسة -وإن كان لا يجوز ذوقها- بأن تكون في الفم، أو تحقق أو غلب على الظن زوالها، فجاز له ذوق المحل، اختباراً أو ارتكب النهي وذاقها. وحرمة ذواقها مبني على أن التلطخ بها حرام والمعتمد الكراهة كما تقدم اهـ من حاشية الأصل.
قوله: [بخلاف لون وريح] إلخ: أي ولا يجب أشنان ونحوه لإزالتهما، بخلاف الطعم فلا بد من زواله على كل حال.
قوله: [شيء من ذلك]: أي من أعراض النجاسة لوناً أو طعماً أو ريحاً.
قوله: [وأما اللون والريح] إلخ: إن قلت: ما الفرق بين اللون والريح وبين الطعم؟ قلت: الفرق أن طعم جرم النجاسة باق معه بخلاف اللون والريح فهما من الأعراض. قوله: [لم يلزمه عصره]: أي حيث زال الطعم وكذا لا يلزمه تثليث الغسل خلافاً للشافعية، ولا تسبيعه خلافاً للحنابلة انتهى شيخنا في مجموعه.
قوله: (ذنوباً): بفتح الذال: الدلو. وهذا الحديث فيه رد على من يأمر بالتثليث أو التسبيع.
قوله: [وإن شك في إصابتها]: أي مع تحقق النجاسة أو ظنها بدليل آخر العبارة قوله: [ولثوب أو حصير]: والفرق بين البدن وغيره، أن البدن لا يفسد بالغسل، بخلاف غيره فقد يفسد بالغسل، فخفف فيه عند الشك في الإصابة. ولم يتعرض المصنف للأرض التي شك في إصابتها، هل تغسل أو تنضح؟ ولكن الذي حكاه ابن عرفة: أنها تغسل اتفاقاً وقيل: تنضح كما في الحطاب وغيره اهـ من شيخنا في مجموعه. ولكن لا وجه لنضحها بدليل الفرق المتقدم بين البدن وغيره.
قوله: [بلا نية]: قيد في النضح لأنه المتوهم لكونه تعبدياً. وأما توهم كون الغسل بنية فبعيد.
قوله: [فإن ترك أعاد الصلاة] إلخ: ما ذكره المصنف من إعادة من ترك النضح الصلاة كمن ترك غسل النجاسة المحققة، قول ابن حبيب، وهو ضعيف، والمعتمد قول ابن القاسم وسحنون وعيسى من أنه يعيد في الوقت فقط لخفة أمر النضح، ويمكن تمشيته على المعتمد بجعل التشبيه في مطلق الإعادة ليس بتام. بل قال القرينان؛ أشهب وابن نافع وابن الماجشون: لا إعادة عليه أصلاً. ولخفة النضح لم يقل أحد بإعادة الناسي أبداً كما قيل به في ترك غسل النجاسة وذلك لأن
стр. 33
كفم أو تلقي مطر رشة واحدة ولو لم يتحقق تعميمها المحل. ولا يفتقر إلى نية كما أن غسل النجاسة لا يفتقر لها بخلاف طهارة الحدث صغرى أو كبرى فإنها تفتقر لها كما يأتي وأشار بقوله: أو غيرها إلى أنه لا مفهوم لقوله: " باليد ".
وأما لو أصابه شيء تحقيقاً أو ظناً، ثم شك هل ما أصابه نجس أو طاهر، فلا يجب عليه نضحه ولا غسله لحمله على الطهارة، كما علم من الساقط على مار من أمكنة المسلمين كما مر. وأولى إن شك في الإصابة وفي نجاسة المصيب.
(ولو زال عين النجاسة بغير مطلق لم ينجس ملاقي محلها): إذا زالت عين النجاسة بغير ماء مطلق بأن زالت بماء مضاف أو ماء ورد ونحوه، ثم لاقى محل النجاسة وهو مبلول محلاً طاهراً من ثوب أو بدن أو غيرهما، أو جف محل النجاسة ولاقى محلاً مبلولاً، لم ينجس ملاقي محل النجاسة في الصورتين؛ لأنه لم يبق إلا الحكم والحكم لا ينتقل؛ وللقول بأن المضاف كالمطلق لا يتنجس إلا إذا تغير أحد أوصافه، وإن كان ضعيفاً.
(وندب إراقة ماء وغسل إنائه سبعاً بلا نية ولا تتريب عند استعماله بولوغ كلب أو أكثر لإطعام [١] وحوض): إذا ولغ كلب أو أكثر في إناء ماء مرة أو أكثر ندب إراقة ذلك الماء، وندب غسل الإناء سبع مرات تعبداً، إذ الكلب طاهر ولعابه طاهر، ولا يفتقر غسله لنية لأنه تعبد في الغير كغسل الميت. ولا يندب التتريب بأن يجعل في أولاهن أو الأخيرة أو غيرهما تراب، لأن طرق التتريب مضطربة ضعيفة لم يعول عليها الإمام مع كون عمل أهل المدينة على خلافه. ومحل ندب غسله سبعاً عند إرادة استعماله لا قبلها والباء في قوله: بولوغ سببية، والولوغ: إدخال لسانه في الماء وتحريكه أي لعقه، وأما مجرد إدخال لسانه بلا حركة أو سقوط لعابه أو لحسه الإناء فارغاً، فلا يسبع كما لو ولغ في حوض أو طعام ولو لبناً فإنه لا بأس به ولا يراق ولا يغسل سبعاً، وأشار بقوله: كلب أو أكثر إلى أنه لا يتعدد الغسل سبعاً بولوغ كلب مرات أو كلاب متعددة.
فصل: في بيان آداب قضاء حاجة الإنسان
ــ
عندنا قولاً لأبي الفرج يقول بوجوب إزالة النجاسة مطلقاً ولو مع النسيان كما تقدم لك أول الفصل. ولم يقل أحد بوجوب النضح مطلقاً، بل قيل إنه واجب مع الذكر والقدرة. وقيل إنه سنة مطلقاً وقيل باستحبابه وصرح به عبد الوهاب في المعونة، واستحسنه اللخمي كما في المواق. اهـ من حاشية الأصل.
قوله: [كفم]: ويجري فيه الخلاف المتقدم بين ابن القاسم وأشهب.
قوله: [ولا يفتقر إلى نية]: أي خلافاً لمن يقول بالافتقار لكونه تعبدياً. وأجيب بأن محل كون التعبدي يفتقر لنية إن كان في النفس، وأما في الغير كالحصير والثوب هنا وكغسل الميت، فلا يفتقر لها.
قوله: [كما مر]: أي من حمله على الطهارة عند الشك.
قوله: [وأولى إن شك]: أي في عدم لزوم النضح والغسل لضعف الشك فلذلك تركه المصنف.
تنبيه: ذكر شيخنا في مجموعه أنه يجب الغسل على الراجح لا النضح إذا شك في بقاء النجاسة وزوالها، نعم ملاقي ما شك في بقائها به قبل غسله ينضح من الرطوبة على ما استظهره الحطاب اهـ. ومعنى ما ذكره أنه تحقق نجاسة المصيب لثوب مثلاً وشك هل أزالها أم لا، ثم لاقاها ثوب آخر وهي مبتلة، فالثوب الأول المشكوك في بقاء النجاسة به يجب غسله على الراجح، وأما الثاني المشكوك في إصابة النجاسة فيجب نضحه على ما استظهره (ح) واستظهر (بن) أنه لا يجب عليه شيء في الثوب الثاني لأنه مشكوك في نجاسة ما أصابه.
قوله: [لم ينجس] إلخ: أي ولو كانا رطبين.
قوله: [لأنه لم يبق إلا الحكم] إلخ: أي لأنه أمر اعتباري، والأمور الاعتبارية لا وجود لها.
قوله: [وإن كان ضعيفاً]: أي فهو مشهور مبني على ضعيف، قال شيخنا في مجموعه: وليس من الزوال جفاف البول بكثوب. نعم لا يضر الطعام اليابس كما في (عب) خلافاً لما يوهمه (شب) وتبعه شيخنا.
قوله: [إراقة ماء]: أي إذا كان يسيراً.
قوله: [تعبداً]: مفعول لأجله فهو علة لندب الإراقة والغسل، وهو من تعليل العام بالخاص، لأن التعبد طلب الشارع أمراً غير معقول المعنى، والطلب أعم. وكون الغسل تعبداً هو المشهور، وإنما حكم بكونه تعبداً لطهارة الكلب، ولذلك لم يطلب الغسل في الخنزير. وقيل: إن ندب الغسل معلل بقذارة الكلب، وقيل لنجاسته، إلا أن الماء لما لم يتغير قلنا بعدم وجوب الغسل، ولو تغير لوجب. وعلى هذين القولين يلحق الخنزير بالكلب في ندب غسل الإناء من ولوغه. قوله: [لأن طرق التتريب] إلخ: أي لأن التتريب لم يثبت في كل الروايات وإنما ثبت في بعضها وذلك البعض وقع فيه اضطراب.
قوله: [لا قبلها]: هذا هو المشهور وعزاه ابن عرفة للأكثر ولرواية عبد الحق وقيل يؤمر بفور الولوغ.
قوله: [فإنه لا بأس به] إلخ: خلافاً للسادة الشافعية في ذلك كله.
فصل في بيان آداب قضاء حاجة الإنسان
قوله: (آداب): جمع أدب وهو الأمر المطلوب شرعاً عند قضاء الحاجة، أعم من أن يكون الطلب واجباً أو مندوباً؛ لأن بعض ما يأتي واجب.
قوله: [حاجة الإنسان]: المراد بالإنسان المكلف ولو بالمندوبات
стр. 34
من بول أو غائط، وحكم الاستبراء والاستنجاء والاستجمار
وهذه الأحكام من متعلقات طهارة الخبث فوجب تقديمها على طهارة الحدث. والشيخ ﵀ أخرها عن فرائض الوضوء وما يتعلق به، نظراً إلى أنها قد تطرأ على الإنسان بعد الوضوء.
(آداب قضاء الحاجة: جلوس بطاهر، وستر لقربه، واعتماد على رجل يسرى مع رفع عقب اليمنى، وتفريج فخذيه، وتغطية رأسه، وعدم التفاته): المراد بالآداب: الأمور المطلوبة ندباً لمريد قضاء حاجته من بول أو غائط.
فيندب له الجلوس ويتأكد في الغائط. وأن يكون بمحل طاهر إذا كان بالفضاء خوفاً من تلوث ثيابه بالنجاسة. وأن يكون المحل رخواً كالتراب والرمل، لا صلباً كالحجر لئلا يتطاير عليه البول. وأن يديم الستر حال انحطاطه للجلوس لقرب المحل الذي يقضي به حاجته. فلا يرفع ثيابه وهو قائم، وهذا في غير الأكنفة. وأن يعتمد حال جلوسه على رجله اليسرى لأنه أعون على خروج الخارج - ولو بولاً - كما هو مشاهد. وأن يرفع عقب رجله اليمنى لما ذكر. وأن يفرج بين فخذيه لذلك حال جلوسه. وأن يغطي رأسه برداء ونحوه، قالوا: ويكفي ولو بطاقية، فالمراد أن لا يكون رأسه مكشوفاً حال قضاء الحاجة. وأن لا يلتفت حال قضاء الحاجة لئلا يرى ما يخاف أذيته فيقوم قبل تمام حاجته فيتنجس مع عدم تمام فرضه. وأما قبل جلوسه فينبغي أن يلتفت حتى يبعد عما يخافه ويطمئن قلبه.
(وتسمية قبل الدخول بزيادة: " اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث "، وقوله بعد الخروج: " الحمد لله الذي أذهب عني الأذى وعافاني "): أي ومن الآداب التسمية قبل دخول الخلاء أو قبل محل الجلوس في الفضاء. فإن نسي سمى قبل كشف عورته في الفضاء ولا يسمي بعد دخوله الكنيف،
ــ
والمكروهات، فشمل الصبي والصبية المميزين.
قوله: [من بول أو غائط] بيان للحاجة.
قوله: [وحكم الاستبراء]: وهو وجوب استفراغ الأخبثين.
قوله: [والاستنجاء]: معطوف على الاستبراء أي وحكم الاستنجاء وهو يجري على حكم إزالة النجاسة.
قوله: [والاستجمار] معطوف أيضاً على الاستبراء وحكمه كالاستنجاء.
قوله: [وهذه الأحكام] إلخ: جواب على سؤال مقدر وارد على المصنف تقديره: لم لم توافق أصلك؟ فأجاب بما ذكر.
قوله: [جلوس]: هو وما عطف عليه خبر عن آداب.
قوله: [ندباً]: أي بحسب غالبها. فلا ينافي أن بعضها واجب كما تقدم التنبيه عليه.
قوله: [لمريد]: إنما قال الشارح ذلك لأن الآداب لا للحاجة، فإن منها ما يفعل قبلها ومعها وبعدها.
قوله: [قاضي حاجته] إلخ: هكذا نسخة الأصل بصيغة اسم الفاعل. ولو ذكره بالمصدر لكان أولى كما ذكره في المتن، وقد يقال أطلق اسم الفاعل. وأراد المصدر.
قوله: [فيندب له الجلوس] إلخ: قال في التوضيح: قسم بعضهم موضع البول إلى أربعة أقسام. فقال: إن كان طاهراً رخواً جاز فيه القيام، والجلوس أولى لأنه أستر. وإن كان رخواً نجساً: بال قائماً مخافة أن تتنجس ثيابه. وإن كان صلباً نجساً: تنحى عنه إلى غيره، ولا يبول فيه قائماً ولا جالساً. وإن كان صلباً طاهراً: تعين الجلوس لئلا يتطاير عليه شيء من البول. وقد نظم ذلك الوانشريسي بقوله:
بالطاهر الصلب اجلس ... وقم برخو نجس
والنجس الصلب اجتنب ... واجلس وقم إن تعكس
وقول التوضيح: في الصلب الطاهر يتعين الجلوس، ظاهره الوجوب. وهو ظاهر الباجي وابن بشير وابن عرفة. وظاهر المدونة وغيرها: أن القيام مكروه فقط. ولذلك قال الأصل: ومعنى تعين ندب ندباً قوياً أكيداً. اهـ. من حاشية الأصل؛ ففي البول أربعة أقسام قد علمتها. فقول الشارح: [فيندب له الجلوس]: أي في قسمين منها، وهما ما إذا كان المحل طاهراً رخواً أو صلباً. وعلمت أن النجس الصلب يجتنبه مطلقاً لئلا يتنجس. لكنه بحث فيه شيخنا في مجموعه بأنه لا يظهر إذا جلس مع أنه يابس اهـ. وإيضاح بحثه حيث قلتم بطلبه بالجلوس في الصلب الطاهر، فالصلب النجس مثله بجامع اليبس وعدم تلوث الثياب في كل.
قوله: [ويتأكد في الغائط]: قال في الأصل: وأما الغائط فلا يجوز فيه القيام، أي يكره كراهة شديدة فيما يظهر. ومثله بول المرأة والخصي.
قوله: [إذا كان بالفضاء]: أي وأما الأماكن المعدة لقضاء الحاجة في المدن مثلاً فلا يتأتى فيها اشتراط الطهارة.
قوله: [لئلا يتطاير] إلخ: هذا التعليل ينتج اجتناب الصلب قياماً وجلوساً طاهراً أو نجساً.
قوله: [وهذا في غير الأكنفة]: أي وما فيها فيرفع ثيابه وهو قائم لئلا يتنجس
قوله: [على رجله اليسرى] إلخ: قال في المدخل: يرفع عقب رجله، أي اليمنى على صدرها ويتوكأ على ركبة يسراه أعون.
قوله: [وأن يغطي رأسه]: قيل: حياء من الله ومن الملائكة، وقيل: لأنه أحفظ لمسام الشعر من علوق الرائحة بها.
قوله: [قالوا ويكفي] إلخ: أي وهو المعتمد. والخلاف مبني على الخلاف في علة ندب تغطية الرأس، هل هو الحياء من الله أو خوف علوق الرائحة بمسام الشعر؟ قال (بن): والأول هو المنصوص. اهـ. من حاشية الأصل.
قوله: [فإن نسي سمى] إلخ: هذا هو المشهور وقيل لا تفوت إلا بخروج الخارج. فإن قلت إذا فاته الذكر فبأي شيء
стр. 35
ولو لم يصل المحل بأن يقول: " بسم الله اللهم إلخ "، والخُبُث بضم الخاء المعجمة والباء الموحدة؛ جمع خبيث: ذكر الشياطين. وقد تسكن الباء. والخبائث؛ جمع خبيثة: أنثى الشياطين.
ومن الآداب المندوبة أن يقول بعد خروجه من الخلاء أو بعد تحوله من مكانه في الفضاء: " الحمد لله إلخ ". وليس بعد الخروج تسمية كما يفيده النقل خلافاً لبعضهم.
(وسكوت إلا لمهم): أي ويندب له السكوت ما دام في الخلاء - ولو بعد خروج الأذى - إلا لأمر مهم يقتضي كلامه؛ كطلب ما يزيل به الأذى. وقد يجب الكلام كإنقاذ أعمى من سقوط في حفرة أو تخليص مال ونحو ذلك.
(وبالفضاء: تستر، وبعد، واتقاء جحر، وريح، ومورد، وطريق، وظل، ومجلس، ومكان نجس): من الآداب المندوبة إذا أراد قضاء حاجته بالفضاء: أن يستتر عن أعين الناس بشجر أو صخرة أو نحو ذلك بحيث لا يرى جسمه. وأما ستر عورته عنهم فواجب. وأن يبعد عنهم بحيث لا يسمع له صوت ريح يخرج منه، وأن يتقي - أي يتجنب - قضاء حاجته في جحر؛ بضم الجيم وسكون الحاء المهملة: أي ثقب في الأرض مستدير أو مستطيل، لئلا يخرج منه ما يؤذيه من الهوام، ولأنه مسكن الجن، فربما حصل منهم له أذية. وأن يتقي مهب الريح لئلا يعود عليه البول فينجسه وأن يتقي مورد الناس: أي محل ورودهم للماء، لأنه يؤذي الناس فيلعنونه. وأن يتقي الطرق التي يمر فيها الناس، وأن يتقي الظل: أي المحل الذي الشأن أن يستظل فيه الناس. لا مطلق ظل، ومثله الشمس أيام الشتاء، والمكان المقمر الذي شأنهم الجلوس فيه. والمورد وما عطف عليه هي المسماة بالملاعن الثلاث، وعطف المجلس عليها من عطف ما هو أعم. وأن يتقي الأمكنة النجسة لئلا تصيبه نجاستها.
(وتنحية ذكر الله لفظاً وخطاً): من الآداب الأكيدة أن لا يذكر الله تعالى في الخلاء قبل خروج الأذى أو حال خروجه وبعده ما دام في المكان الذي يقضي فيه حاجته، سواء كان كنيفاً أو غيره. وأن لا يدخل الكنيف أو يقضي حاجته بفضاء ومعه مكتوب فيه ذكر الله، أو درهم أو خاتم مكتوب فيه ذلك، وكذا اسم نبي. ولينحه قبل دخوله ندباً أكيداً. إلا القرآن فيحرم قراءته والدخول بمصحف أو بعضه
ــ
يتحصن؟ قلت: تركه الذكر تعظيماً لله هو التحصن.
قوله: [ولو لم يصل المحل]: ومثل الكنيف المواضع القذرة التي بين يديه.
قوله: [بأن يقول] إلخ: هذه رواية من جملة روايات مشهورة أيها يكفي. وحكمته أنه ﵊ قال: «ستر ما بين أعين الجن وعورات بني آدم إذا دخل الكنيف أن يقول بسم الله». وخص هذا الموضع بالاستعاذة لأن للشيطان فيه تسلطاً وقدرة على ابن آدم لم تكن في غيره بسبب غيبة الحفظة عنه.
قوله: [وقد تسكن الباء]: وقيل بالسكون: الكفر.
قوله: [الحمد لله] إلخ: ومنه أيضاً ما ورد أنه يقول: «غفرانك». والحكمة في طلب الغفران أنه لما كان خروج الأخبثين بسبب خطيئة آدم ومخالفة الأمر حيث جعل مكثه في الأرض، وما تنال ذريته فيها عظة للعباد وتذكرة لما تؤول إليه المعاصي، فقد روي «أنه لما وجد من نفسه ريح الغائط فقال: أي رب ما هذا؟ فقال تعالى: هذا ريح خطيئتك، فكان نبينا ﷺ يقول عند خروجه من الخلاء: غفرانك»، التفاتاً إلى هذا الأصل وتذكيراً لأمته بهذه العظة اهـ من الحاشية. وفي رواية: «الحمد لله الذي سوغنيه طيباً وأخرجه عني خبيثاً»، وفي رواية: «الحمد لله الذي رزقني لذته وأذهب عني مشقته وأبقى في جسمي قوته».
قوله: [وسكوت] إلخ: أي لأن الكلام حين قضاء الحاجة يورث الصمم وحينئذ فلا يشمت عاطساً ولا يحمد إن عطس، ولا يجيب مؤذناً ولا يرد على مسلم ولو بعد الفراغ، كالمجامع. بخلاف الملبي والمؤذن فإنهما يردان بعد الفراغ، وأما المصلي فيرد بالإشارة.
قوله: [من الآداب المندوبة] إلخ: جعل هذه من المندوبات باعتبار الغالب، كما ستقف عليه في الحل.
قوله: [وأما ستر عورته] إلخ: حاصله أن ستر العورة عن أعين الناس واجب. ومصب الندب أن يبعد عنهم بحيث لا يرى له جسم ولا يسمع له صوت ولا يشم له ريح. وهذا بالفضاء كما صرح المصنف، وأما في الكنيف فلا يضر سماع صوته ولا شم ريحه للمشقة.
قوله: [أو مستطيل]: أشار بهذا إلى أنه ليس المراد بالجحر خصوص المستدير بالجحر، بل ما يشمل السرب بفتح السين والراء وهو المستطيل، وليس مقصوراً على معناه اللغوي وهو المستدير.
قوله [مهب الريح]: أي جهة هبوبه وإن كان ساكناً.
قوله: [الطرق]: هو أعم مما قبله. لأن الطريق إما موصلة للماء فتكون مورداً، وإما غير موصلة له فلا تكون مورداً. وقد يقال الطريق عرفاً: ما اعتيد للسلوك، والمورد محل الورود فهو مغاير، ولذا جمع بينهما في الحديث.
قوله: [الشأن] إلخ: أي كمقيل ومناخ، أي محل قيلولة الناس أو إناخة الإبل فيها.
قوله: [هي المسماة بالملاعن] إلخ: قال في الحاشية: والظاهر أن قضاء الحاجة في الموارد والطريق والظل وما ألحق به حرام كما يفيده عياض. وقاله الأجهوري وقد تبع شارحنا خليلاً. ولكن مقتضى تسميتها ملاعن تشهد للحرمة. فلذلك قلنا: جعلها مندوبات، باعتبار الغالب.
قوله: [الأمكنة النجسة] إلخ: فيتقي الصلب منها في البول والغائط قياماً وجلوساً، والرخو منها في الغائط قياماً وجلوساً وفي البول جلوساً.
قوله: [وكذا اسم نبي]: أي مقرون بما
стр. 36
ولو آية، ما لم يكن حرزاً مستوراً بساتر.
ومن الساتر جيبه فوضعه في جيبه مثلاً يمنع الحرمة في المصحف. والكراهة في غيره. وهذا ما لم يخف عليه الضياع، وإلا جاز الدخول به للضرورة.
(وتقديم يسراه دخولاً، ويمناه خروجاً؛ عكس المسجد والمنزل؛ يمناه فيهما): من الآداب أن يقدم حال دخوله الكنيف رجله اليسرى ويؤخرها حال خروجه منه؛ بأن يقدم في الخروج رجله اليمنى. وذلك عكس اليسرى في المسجد فإنه يندب له تقديم اليمنى دخولاً وتقديم اليسرى خروجاً لشرفه، كما يندب في تنعله تقديم اليمنى وفي خلع النعال تقديم اليسرى، وأما المنزل فيقدم اليمنى دخولاً وخروجاً.
(ومنع بفضاء استقبال قبلة واستدبارها بلا ساتر، كالوطء، وإلا فلا): يحرم على المكلف إذا قضى حاجته في الفضاء أن يستقبل القبلة أو يستدبرها بلا ساتر. فإن استتر بحائط أو صخرة أو ثوب أو غير ذلك فلا حرمة، والأولى الترك مراعاة للخلاف. وكذا يحرم عليه الوطء لحليلته في الفضاء بلا ساتر. وقوله: وإلا، أي وإلا يكن في الفضاء، بأن كان في منزله ولو في ساحة الدار أو رحبتها أو سطحها أو كان في الفضاء ولكن بساتر، فلا حرمة. والمراد بالمنزل: ما عدا الفضاء؛ فيشمل فضاء المدن فلا يحرم استقبال القبلة ولا استدبارها فيها، والكلام كله في غير الأكنفة، وأما هي فلا حرمة اتفاقاً. وكذا لا يحرم استقبال بيت المقدس ولا الشمس والقمر ولو في الفضاء بلا ساتر.
(ووجب استبراء بسلت ذكر ونتر خفَّا): يجب على من قضى حاجته أن يستبرئ: أي يستخلص مجرى البول من ذكره بسلته؛ بأن يجعل أصبعه السبابة من يده اليسرى تحت ذكره من أصله والإبهام فوقه ثم يسحبه برفق حتى يخرج ما فيه من البول. والنتر بسكون التاء المثناة: جذبه. وندب أن يكون
ــ
يعينه، كعليه السلام، لا مجرد الاشتراك. ومحل الكراهة إذا كانت النجاسة لا تصل للخاتم. وإلا منع اتفاقاً.
قوله: [ولو آية]: ما ذكره الشارح من منع دخول الكنيف ونحوه بما فيه قرآن ولو آية تبع فيه ابن عبد السلام والتوضيح. وقد رده (ح) والأجهوري وقال: إنه غير ظاهر. واستظهر الأول كراهة الدخول بالقرآن، وأطلق في الكراهة فظاهره كان كاملاً أو لا. واستظهر الثاني التحريم في الكامل وما قاربه والكراهة في غير ذي البال كالآيات. واعتمد هذا الأشياخ واقتصر عليه في المج. اهـ. من حاشية الأصل
قوله: [ومن الساتر جيبه]: قال في حاشية الأصل نقلاً عن (ح): والظاهر أن الجيب لا يكفي لأنه ظرف متسع.
قوله: [وإلا جاز] إلخ: أي ولا بد له من ساتر إن أمكن. قال في حاشية الأصل جواز الدخول بالمصحف مقيد بأمرين: الخوف والساتر. اهـ. والمراد بالخوف إما على نفسه - بأن جعل حرزاً- أو الضياع.
قوله: [حال دخوله الكنيف]: أي وكذا كل دنيء: كحمام وفندق وبيت ظالم.
قوله: [وأما المنزل] إلخ: والحاصل أن ما كان من باب التشريف والتكريم قدم فيه اليمنى وعكسه قدم فيه اليسرى، فإن حصلت المعارضة بين المنزل والمسجد -كما لو كان باب بيته داخل المسجد- كان الحكم للمسجد دخولاً وخروجاً.
قوله: [ومنع بفضاء] إلخ: حاصل فقه المسألة أن المسائل ست: الأولى: قضاء الحاجة، والوطء في الفضاء مستقبلاً ومستدبراً بدون ساتر وهذه حرام قطعاً.
الثانية: قضاء الحاجة في بيت الخلاء الذي في المنزل بساتر، والوطء في المنزل بساتر، وهذه جائزة اتفاقاً مستقبلاً ومستدبراً. الثالثة: قضاء الحاجة فيه، والوطء فيه بدون ساتر، وفيها قولان بالجواز والمنع، والمعتمد الجواز ولو كان بيت الخلاء أو الوطء. بالسطح. الرابعة: قضاء الحاجة والوطء في الفضاء بساتر مستقبلاً أو مستدبراً، وفيها قولان بالجواز والمنع، والمعتمد الجواز. والخامسة والسادسة: قضاء الحاجة والوطء بحوش المنزل بساتر وبدونه وفيهما قولان بالجواز والمنع والمعتمد الجواز فيهما.
قوله: [وإلا فلا]: أي إما اتفاقاً أو على الراجح كما تقدم.
قوله: [فإن استتر] إلخ: ويكفي أن يكون طوله ثلثي ذراع وقربه منه ثلاثة أذرع فأقل، وعرضه منه مقدار ما يواري عورته.
قوله: [مراعاة للخلاف]: أي وهو الذي علمته من الحاصل.
قوله: [وأما هي فلا حرمة اتفاقاً]: أي إن كان بساتر وإلا ففيهما قولان، وإن كان المعتمد الجواز كما علمت مما تقدم.
قوله: [وكذا لا يحرم] إلخ: أي ولكن الأولى الإنقاء.
قوله: [ووجب استبراء]: يحتمل أن السين والتاء زائدتان وأن يكونا للطلب، فعلى أنهما زائدتان تكون الباء في "بسلت" للتصوير وعلى أنهما للطلب، تكون الباء للاستعانة أو السبية.
قوله: [أي يستخلص]: يجري في السين والتاء مع الباء في قوله "بسلت" ما تقدم.
قوله: [بأن يجعل أصبعه] إلخ: تصوير لما قبله ولذا أفتى الناصر اللقاني بوجوب الاستبراء ولو خرج الوقت، لأن الطهارة لا تصح مع المنافي. لكن وقع في (عب) عن اللخمي ما يوهم أن البقاء في القصبة لا يضر، وأن النقض إذا نزل بالفعل، ومال إليه شيخنا، لكن إذا بقي في القصبة مع الرشح على رأس الذكر فيضر قطعاً اهـ بالمعنى حاشية شيخنا على مجموعه.
قوله: [من يده اليسرى] إلخ: كونه من اليد اليسرى وبالإبهام والسبابة أفضل وأولى. ولو فعل ذلك باليمنى أو بغير السبابة والإبهام كفى وخالف الأفضل. وهذا في حق الرجل، وأما المرأة فإنها تضع يدها على عانتها ويقوم ذلك مقام السلت والنتر، وأما الخنثى فيفعل ما يفعله الرجل والمرأة احتياطاً.
стр. 37
كل منهما برفق، وهو معنى قوله: خفا بفتح الخاء حتى يغلب على الظن خلوص المحل. ولا يتبع [١] الأوهام فإنه يورث الوسوسة وهي تضر بالدين.
(واستنجاء، وندب بيساره وبلها قبل لقي الأذى، واسترخاؤه قليلاً وغسلها بكتراب بعده وإعداد المزيل، ووتره وتقديم قبله وجمع ماء وحجر ثم ماء) يجب الاستنجاء كما يجب الاستبراء والمراد به: إزالة النجاسة من محل البول أو الغائط بالماء أو بالأحجار. وندب أن يكون بيده اليسرى ويكره باليمنى إلا لضرورة. وندب بلل يده اليسرى بالماء قبل لقي الأذى من بول أو غائط لئلا يقوى تعلق الرائحة بها إذا لاقى بها الأذى جافة. ويندب حال الاستنجاء أن يسترخي قليلاً لأنه أمكن في التنظيف.
وندب بعد فراغه من الاستنجاء أن يغسل يده التي لاقى بها الأذى حال الاستنجاء بتراب ونحوه، كأشنان وغاسول وصابون.
وندب له عند إرادته قضاء الحاجة أن يعد ما يزيل به النجاسة من ماء أو حجر أو نحو ذلك. ويندب له وتر المزيل إذا كان جامداً كحجر حيث انتقى المحل بالشفع وإلا فالإنقاء متعين. وينتهي ندب الإيتار للسبع، فإن أنقى بثامن فلا يطلب بتاسع. وندب تقديم قبله على دبره في الاستنجاء وندب له أن يجمع بين الحجر والماء، فيقدم إزالة النجاسة بالحجر، ثم يتبع المحل بالماء. فإن أراد الاقتصار على أحدهما فالماء أولى من الحجر ونحوه.
(وتعين في مني وحيض ونفاس وبول امرأة ومنتشر عن مخرج كثيراً): الضمير في تعين يعود على الماء. أي أن الماء يتعين - ولا يكفي الحجر ونحوه - في إزالة المني لمن فرضه التيمم أو الوضوء، كخروجه بلا لذة أو لذة غير معتادة. وفي إزالة دم الحيض أو النفاس، وكذا في دم الاستحاضة إن لم يلازم كل يوم ولو مرة، وإلا فهو معفو عنه كسلس البول الملازم لذكر أو أنثى فلا تجب إزالته. ويتعين الماء أيضاً في إزالة
ــ
وما تقدم في البول، وأما الغائط فيكفي في تفريغ المحل منه الإحساس بأنه لم يبق شيء مما هو بصدد الخروج، وليس عليه غسل ما بطن من المخرج، بل يحرم لشبه ذلك باللواط. فلو توضأ والبول في قصبة الذكر أو الغائط في داخل فم الدبر كان الوضوء باطلاً كما تقدم تحقيقه؛ لأن شرط صحة الوضوء عدم المنافي، فالاستبراء مطلوب لأجل إزالة الحدث فلا يجري فيه الخلاف الذي في إزالة النجاسة. وفي الحقيقة ليس السلت والنتر بالمتعين بل المدار على حصول الظن بانقطاع المادة بسلت أو غيره، كما لو مكث مدة يغلب على الظن خلو المحل. ولا يضر بلولة رأس الذكر بعد ذلك.
قوله: [كل منهما برفق]: هو بالنسبة للنتر وصف كاشف لأنه عند أهل اللغة هو التحريك الخفيف.
قوله: [ولا يتتبع الأوهام]: أي فإذا غلب على ظنه انقطاع المادة من الذكر ترك السلت والنتر، وما شك في خروجه بعد الاستبراء كنقطة فمعفو عنها، فإن تحققها فحكم الحدث والخبث؛ أي أنها تنقض الوضوء إن لم تلازم نصف الزمان فأكثر.
ويجب غسلها إن لم تأته كل يوم ولو مرة.
قوله: [وهي تضر بالدين]: ولذلك قال العارفون إن الوسواس سببه خبل في العقل أو شك في الدين.
قوله: [بالماء أو بالأحجار]: أي فهو أعم من الاستجمار لأن الاستجمار لا يكون بالماء.
قوله: [بيده اليسرى]: أي لأنه ليس من التشريف.
قوله: [بتراب ونحوه]: محل طلب الغسل بالتراب ونحوه إن لم يكن بلها أولاً، وإلا فلا يتوقف ندب الغسل على التراب ونحوه لانسداد المسام بالغسل أولاً. والمراد باليد التي تغسل الخنصر والبنصر والوسطى لأنها التي يلاقي بها النجاسة.
قوله: [أن يعد]: أي فيندب لمريد قضاء الحاجة إعداد الماء والحجر معاً إن أمكن، وإلا فالماء فقط، وإلا فالأحجار فقط، على حسب الترتيب في المندوب.
قوله: [فإن أنقى] إلخ: أي إن أنقى الشفع يوتر بثالث، وأربع يوتر بخامس، وست يوتر بسابع، وبعد ذلك لا إيتار بل المدار على الإنقاء. وقولهم الوتر خير من الشفع في غير الواحد. وإلا فالاثنان خير منه ويكفي في الوترية حجر واحد له ثلاث جهات يمسح المحل بكل جهة.
قوله: [تقديم قبله] إلخ: أي خوفاً من تنجس يده من مخرج البول لو قدم دبره، ومحل تقديم القبل إلا أن يقطر فيقدم دبره لأنه لا فائدة في تقديم القبل.
قوله: [أن يجمع بين الحجر والماء]: أي لأن الله مدح أهل قباء على ذلك بقوله تعالى: ﴿فيه رجال يحبون أن يتطهروا والله يحب المطهرين﴾ [التوبة: ١٠٨] وطهارتهم هي جمعهم بين الماء والحجر في استنجائهم كما ورد الحديث بذلك.
قوله: [فالماء أولى]: أي فلو اقتصر على الحجر ونحوه كفى وخالف الأولى.
وهل يكون في هذه الحالة المحل طاهراً لرفع العين والحكم عنه أو نجساً معفواً عنه؟ انظر (ح) انتهى من حاشية الأصل. والحاصل أن المراتب خمس: ماء. وحجر، ماء ومدر. ماء فقط، حجر فقط، مدر فقط. والمراد بالمدر أي طاهر منق مستوفي الشروط غير حجر. فهي مطلوبة ندباً على هذا الترتيب في غير ما يتعين فيه الماء.
قوله: [وتعين] إلخ: شروع في مسائل مستثناة من قولهم: الماء أفضل في الاستنجاء. وليس بمتعين. فكأنه قال: إلا في هذه المسائل فيتعين فيها الماء، ولا يكفي فيها الحجر ونحوه.
قوله: [لمن فرضه التيمم] إلخ: جواب عن سؤال وارد على المصنف حاصله أن المني والحيض والنفاس يتعين فيها غسل جميع الجسد ولا يتوهم فيها كفاية الاستجمار بالأحجار؟ وحينئذ فلا حاجة للنص على تعين
стр. 38
بول المرأة بكراً أو ثيباً لتعديه المخرج إلى جهة المقعدة عادة. ويتعين أيضاً في حدث بول أو غائط انتشر عن المخرج انتشاراً كثيراً كأن يصل إلى المقعدة أو يعم جل الحشفة.
(ومذي بلذة مع غسل كل ذكره بنية، ولا تبطل الصلاة بتركها، وفي اقتصاره على البعض قولان، ووجب غسله لما يستقبل): يعني ويتعين الماء أيضاً في مذي خرج بلذة معتادة بنظر أو ملاعبة لزوجة مثلاً أو لتذكر، مع وجوب غسل جميع الذكر بنية طهارته من الحدث، أو رفع حدثه المترتب عليه بخروج المذي. وهذه النية واجبة غير شرط على المعتمد. فلذا لو تركها وغسل ذكره بلا نية وتوضأ وصلى لم تبطل صلاته على الراجح. وأما غسل جميع الذكر فقيل: واجب شرطاً؛ فلو اقتصر على غسل بعضه - ولو مع نية - وصلى بطلت صلاته. وقيل: واجب غير شرط. فلا تبطل الصلاة بغسل البعض ولو محل النجاسة فقط بنية أولاً [١]. ولم يرجحوا واحداً من القولين، فلذا قلنا: قولان وعلى القول الأول فالأمر ظاهر، وأما على الثاني فيجب غسل جميعه لما يستقبل من الصلاة لأنه أمر واجب. وقولنا: بلذة قيد زدناه على المصنف، إذ لا بد منه لأنه لو خرج بلا لذة لكفى فيه الحجر ما لم يكن سلساً يلازم كل يوم ولو مرة، وإلا عفي عنه ولا يتعين فيه حجر ولا غيره.
هذا هو الحق ولا تغتر بما يخالفه من كلام بعض الشراح. وعبر ب مع إشارة إلى أن الباء في قول الشيخ: بغسل، بمعنى مع.
وحاصل المسألة أن خروج المذي من الرجل بلذة معتادة يوجب غسل جميع الذكر بنية على ما تقدم.
ــ
الماء فيها وعدم كفاية الأحجار.
وحاصل ما أجاب به الشارح أن الكلام مفروض في حق من فرضه التيمم لكمرض أو لعدم ما يكفي غسله، ومعه من الماء ما يزيل به النجاسة، فيقال لمن خرج منه المني: لا بد من غسل الذكر أو الفرج بالماء، أو لمن فرضه الوضوء لخروج منيه بلا لذة أو لذة غير معتادة، ويقال في المرأة التي انقطع حيضها أو نفاسها مثل ما قيل فيمن فرضه التيمم.
قوله: [بول المرأة]: مثلها بول الخصي أي مقطوع الذكر قطعت أنثياه أم لا.
ومثله مني الرجل إذا خرج من فرج المرأة بعد غسلها فهو كبولها لا يكفي فيه الحجر، ومثله البول الخارج من الثقبة إذا انسد المخرجان على الظاهر، لأنه منتشر فيتعين فيه الماء، ولا يكفي فيه الحجر. وأفهم قوله [بول] أنها في الغائط كالرجل. وتغسل المرأة سواء كانت ثيباً أو بكراً كل ما ظهر من فرجها حال جلوسها، وأما قول (عب): وتغسل المرأة ما ظهر من فرجها والبكر ما دون العذرة ففيه نظر، إذ التفرقة بين الثيب والبكر إنما هو في الحيض خاصة كما ذكره صاحب الطراز، واختار في البول تساويهما لأن مخرج البول قبل البكارة والثيوبة بخلاف الحيض، انظر (ح)، ولا تدخل المرأة يدها بين شفريها كفعل اللواتي لا دين لهن، وكذا يحرم إدخال أصبع بدبر لرجل أو امرأة إلا أن يتعين لزوال الخبث كما في المج، ولا يقال الحقنة مكروهة لأننا نقول فرق بينهما؛ فإن الحقنة شأنها تفعل للتداوي. انتهى من حاشية الأصل. قوله: [انتشر عن المخرج]: أي فيتعين الماء في هذا الحدث كله لا في المنتشر فقط، فيغسل الكل ولا يقتصر على ما جاوز المعتاد، لأنهم قد يغتفرون الشيء منفرداً دونه مجتمعاً مع غيره. وقالت الحنفية: يغسل المنتشر الزائد على ما جرت العادة بتلويثه، ويعفى عن المعتاد انتهى من حاشية الأصل.
قوله: [مع غسل كل ذكره] إلخ: اعلم أن غسل الذكر من المذي وقع فيه خلاف. قيل: إنه معلل بقطع المادة وإزالة النجاسة، وقيل: إنه تعبدي. والمعتمد الثاني، وعلى القولين يتفرع خلاف: هل الواجب غسل بعضه أو كله؟ والمعتمد الثاني. ويتفرع أيضاً: هل تجب النية في غسله أو لا؟ فعلى القول بالتعبد، تجب، وعلى القول بأنه معلل، لا تجب. والمعتمد وجوبها. ثم على القول بوجوب النية إذا غسله كله بلا نية وصلى، هل تبطل صلاته لترك الواجب وهو النية أو لا؟ قولان. والمعتمد الصحة كما سيأتي في الشارح. لأن النية واجبة غير شرط. ومراعاة للقول بعدم وجوبها، وأن الغسل معلل وعلى القول بوجوب غسله كله لو غسل بعضه بنية أو بدونها وصلى، هل تبطل صلاته أو لا تبطل؟ قولان على حد سواء، والقول بعدم البطلان مراعاة لمن قال إنما يجب غسل بعضه. وعلى القول بصحة الصلاة فهل تعاد في الوقت أو لا يطلب بإعادتها؟ قولان. هذا محصل ما في المسألة انتهى من حاشية الأصل.
قوله: [رفع حدثه]: أي الذكر.
قوله: [وإلا عفي عنه]: أي بالنسبة لإزالة النجاسة، وأما نقض الوضوء فينتقض الوضوء ما لم يلازم نصف الزمان فأكثر.
قوله: [من كلام بعض الشراح] إلخ: أراد الخرشي (وعب) فإن الخرشي قال: ثم إن كلام المؤلف في المذي الخارج بلذة معتادة، أما ما خرج بغيرها فينبغي أن يجري على حكم المني الخارج بلا لذة معتادة، فإن لم يوجب الوضوء كفى فيه الحجر، وإن أوجبه تعين الماء فيه انتهى. ويؤخذ من الأصيلي و (عب) نحو هذه العبارة، وقد علمت فسادها من كلام الشارح، وما تقدم لك في مذي الرجل. وأما المرأة فتغسل من مذيها محل الأذى فقط، ولا تحتاج لنية كما قال الأجهوري لأنه ليس فيه شائبة تعبد، خلافاً لما استظهره ابن حبيب من احتياجها لنية.
стр. 39
(وجاز الاستجمار بيابس طاهر منق غير مؤذ ولا محترم لطعمه أو شرفه، أو حق الغير. وإلا فلا، وأجزأ إن أنقى كاليد ودون الثلاث): يجوز الاستجمار: وهو إزالة النجاسة عن أحد المخرجين بكل يابس من حجر - وهو الأصل - أو غيره من خشب أو مدر: وهو ما حرق من الطين - أو خرق أو قطن أو صوف أو نحو ذلك. فلا يجوز بمبتل كطين. ويشترط في الجواز أيضاً أن يكون طاهراً احترازاً من النجس؛ كأرواث الخيل والحمير وعظم الميتة والعذرة. وأن يكون منقياً للنجاسة؛ احترازاً من الأملس كالقصب الفارسي والزجاج. وأن يكون غير مؤذ؛ احترازاً مما يؤذي كالحجر المحدد والسكين. وأن لا يكون محترماً؛ إما لكونه مطعوماً لآدمي كخبز أو غيره ولو من الأدوية كحزنبل ومغاث وزنجبيل. أو لكونه ذا شرف؛ كالمكتوب لحرمة الحروف ولو بخط غير عربي. أو بما دل على باطل؛ كالسحر. أو لكون شرفه ذاتياً؛ كالذهب والفضة والجواهر. وإما لكون حرمته لحق الغير؛ ككون الشيء الذي يستجمر به مملوكاً للغير، ومنه جدار الغير ولو وقفاً. وكره بعظم وروث طاهرين وبجدار مملوك له. فإن وجدت هذه الشروط الخمسة جاز الاستجمار، فإن انتفى شرط منها لم يجز، ولكنه يجزي إن أنقى المحل؛ كالمحترم والنجس اليابس الذي لا يتحلل منه شيء. كما يجزي الإنقاء باليد بدون الثلاث من الأحجار ونحوها. وظاهره أن محل الإجزاء في غير المني وبول المرأة والدم والمنتشر كثيراً أخذاً مما تقدم فهو في الحقيقة مستثنى مما هنا.
ولما أنهى الكلام
ــ
تنبيه: يكره الاستنجاء من الريح وقد نص عليه خليل ولم ينص عليه مصنفنا لوضوحه لقوله ﷺ : «ليس منا من استنجى من ريح» أي ليس على سنتنا. وهو طاهر لا ينجس ثوباً ولا بدناً.
قوله: [وجاز الاستجمار]: أي يجوز إن اجتمعت فيه هذه الأوصاف الخمسة. والمراد باليابس: الجاف، سواء كان فيه صلابة كالحجر أو لا كالقطن.
قوله: (الاستجمار) وهو إلخ: هو خاص باستعمال الجمرات من الحجر ونحوه. والاستنجاء أعم من أن يكون بالماء وغيره. فكما أن الاستجمار مأخوذ من الجمرات بمعنى الأحجار ونحوها، كذلك الاستنجاء مأخوذ من النجوة وهو المكان المرتفع، كما سموا الفضلة غائطاً باسم المكان المنخفض؛ كانوا إذا أرادوا التبرز عمدوا للمنخفض، فإذا قضوا إربهم انتقلوا للمرتفع وأزالوا فيه الأثر. اهـ والمعنى من حاشية شيخنا على مجموعه.
قوله: [فلا يجوز بمبتل]: هذا شروع في محترز الأوصاف الخمسة المشترطة في جواز ما يستجمر به على سبيل اللف والنشر المرتب، أي فيحرم الاستجمار بالمبتل لنشره النجاسة، فإن وقع واستجمر به فلا يجزيه. ولا بد من غسل المحل بعد ذلك بالماء، فإن صلى قبل غسله جرى على حكم من صلى بالنجاسة. وما قيل في المبتل يقال في النجس إن كان يتحلل منه شيء.
قوله: [في الجواز]: أي في متعلقه لأن الشروط في الشيء الذي يتعلق به الجواز
قوله: [كالقصب الفارسي] إلخ: حيث كان كل سالماً من الكسر وإلا كان من المؤذي.
قوله: [لحرمة الحروف]: أي لشرفها. قال الشيخ إبراهيم اللقاني: محل كون الحروف لها حرمة إذا كانت مكتوبة بالعربي، وإلا فلا حرمة لها إلا إذا كان المكتوب بها من أسماء الله وقال الأجهوري: الحروف لها حرمة سواء كتبت بالعربي أو بغيره وهو ما يفيده (ح) وفتوى (ح). قال شيخنا وهو المعتمد اهـ من حاشية الأصل.
قوله: [ولو وقفاً]: أي سواء كان ذلك الوقف مسجداً أو غيره، وكان الواقف له هو أو غيره، كان الاستجمار بجدار الوقف من داخل أو خارج. وأما ملك الغير فمحل الحرمة إذا استجمر بغير إذن مالكه، فإن استجمر بإذنه كره فقط.
قوله: [طاهرين]: أي لأن العظم طعام الجن فإنه يكسى لحماً. والروث طعام دوابهم يرجع علفاً كما كان عليه، وهل الذي يصير كذلك كل روث أو خصوص روث المباح؟ ينظر في ذلك، وإذا كان العظم طعام الجن والروث طعام دوابهم صار النهي عنهما لحق الغير. إن قلت إذا كان الروث علف دوابهم منهياً عنه يكون علف دواب الإنس من الحشيش ونحوه من كل ما ليس مطعوماً للآدمي كذلك، والجواب أن النهي في الروث ورد بدليل خاص وبقي ما عداه على الأصل اهـ. من حاشية شيخنا على مجموعه.
قوله: [مملوك له]: أي واستجمر به من داخل، وأما من خارج فقولان: بالكراهة والحرمة. وإنما قيل بالحرمة لأنه قد ينزل مطر عليه مثلاً ويلتصق هو أو غيره عليه فتصيبه النجاسة.
قوله: [لم يجز]: أي إذا أراد الاقتصار على تلك الأشياء، وأما إن قصد أن يتبعها الماء فإنه يجوز. إلا المحترم والمحدد والنجس. فالحرمة مطلقاً. لا يقال الجزم بحرمة النجس مطلقاً مشكل مع ما مر من كراهة التلطخ بالنجاسة على الراجح؛ لأنا نقول الاستجمار بالنجاسة فيه قصد لاستعمال النجس، وهذا ممنوع والتلطيخ المكروه ليس فيه قصد الاستعمال. اهـ. من حاشية الأصل.
قوله: [وبدون الثلاث] إلخ: خلافاً لأبي الفرج فإنه أوجب الثلاثة، فإن أنقى من الثلاثة فلا بد منها.
قوله: [والدم]: أي دم الحيض والنفاس والاستحاضة.
قوله: [ولما أنهى الكلام] إلخ: أي لما انقضى الكلام على وسائل الطهارة الثلاث التي هي بيان الماء الذي تحصل به الطهارة، وبيان الأشياء الطاهرة
стр. 40
على طهارة الخبث وما يتعلق بها شرع في الكلام على طهارة الحدث؛ صغرى وكبرى، وما يتعلق بها. وبدأ بالصغرى فقال:
فصل [١]: (فرائض الوضوء: غسل الوجه من منابت شعر الرأس المعتاد إلى منتهى الذقن أو اللحية وما بين وتدي الأذنين): فرائض الوضوء سبعة: أولها: غسل جميع الوجه، وحده طولاً من منابت شعر الرأس المعتاد إلى منتهى الذقن فيمن لا لحية له أو منتهى اللحية فيمن له لحية. والذقن - بفتح الذال المعجمة والقاف مجمع اللحيين - بفتح اللام - تثنية لحي: وهو فك الحنك الأسفل. واللحية - بفتح اللام - هي الشعر النابت على ذلك. وخرج بقوله: المعتاد: الأصلع - بالصاد المهملة - وهو من انحسر شعر رأسه إلى جهة اليافوخ، فلا يجب عليه أن ينتهي في غسله إلى منابت شعره. وخرج الأغم: وهو من نزل شعر رأسه إلى جهة حاجبه؛ فيجب عليه أن يدخل في غسله ما نزل عن المعتاد. ولا بد من إدخال جزء يسير من الرأس؛ لأنه مما لا يتم الواجب إلا به، وحده عرضاً من وتد الأذن إلى الوتد الآخر؛ فلا يدخل الوتدان في الوجه ولا البياض الذي فوقهما ولا شعر الصدغين، ويدخل فيه البياض الذي تحتهما؛ لأنه من الوجه.
(فيغسل الوترة وأسارير جبهته
ــ
والنجسة، وبيان حكم إزالة النجاسة، وكيفية إزالتها من الثوب والبدن والمكان، وما يعفى منها وما لا يعفى أتبع ذلك بالكلام على مقاصد الطهارة وهي: الوضوء ونواقضه، والغسل ونواقضه، وما هو بدل عنهما وهو التيمم، أو عن بعض الأعضاء وهو مسح الخف والجبيرة، فلذلك قال الشارح شرع الكلام إلخ.
قوله: [طهارة]: أراد بها التطهير؛ لأن الطهارة كما تطلق على الصفة الحكمية تطلق على التطهير؛ لأنه الذي يتعلق به الوجوب.
فصل
قوله: (فرائض) إلخ: جمع فريضة: وهو الأمر الذي يثاب على فعله ويترتب العقاب على تركه، ويقال فيه أيضاً: فرض، ويجمع الفرض على فروض. فإن قيل: فرائض جمع كثرة، وهو من العشرة ففوق مع أنها سبعة؟ يقال: استعمال جمع الكثرة في القلة أو بناء على أن مبدأ جمع الكثرة من ثلاثة بناء على أنهما متحدان في المبدأ، وقول (تت): فرائض جمع فرض فيه نظر؛ لأن فعلاً لا يجمع على فعائل بل هو جمع فريضة بمعنى مفروضة. ومراده بالفرض هنا ما تتوقف صحة العبادة عليه. فيشمل وضوء الصبي، والوضوء قبل الوقت. والوضوء بضم الواو: الفعل، وبفتحها: الماء على المعروف في اللغة، وحكي الضم والفتح فيهما. وهل هو اسم للماء المطلق؟ أو له بعد كونه معداً للوضوء، أو بعد كونه مستعملاً في العبادات؟ مشتق من الوضاءة بالمد - وهي النظافة بالظاء المعجمة - والحسن. وشرعاً: طهارة مائية تتعلق بأعضاء مخصوصة على وجه مخصوص وهي الأعضاء الأربعة. وإنما خصت بذلك؛ لأنها محل اكتساب الخطايا، ولأن آدم مشى إلى الشجرة برجليه وتناول منها بيده، وأكل بفمه، ومسح رأسه بورقها. واختص الرأس بالمسح لستره غالباً فاكتفي بأدنى طهارة. واعلم أن الناس اختلفوا في عدد فرائض الوضوء. ومحصل ذلك أن منها فرضاً بإجماع. وهو الأعضاء الأربعة، وعلى مشهور المذهب وهي النية والدلك والفور اهـ. من الخرشي والحاشية.
وفرائض مبتدأ خبره محذوف يؤخذ من حل الشارح تقديره سبعة، وقوله: غسل الوجه خبر لمبتدإ محذوف قدره الشارح، ويصح جعله خبراً عن فرائض.
وقوله: [من منابت]: متعلق بمحذوف خبر لمبتدأ محذوف قدره الشارح بقوله: (وحده طولاً) إلخ.
وقوله: [وما بين وتدي الأذنين]: خبر لمبتدأ محذوف قدره الشارح بقوله: (وحده عرضاً) إلخ.
قوله: [غسل جميع الوجه]: أي ولو تعدد لشخص واحد.
قوله: [بفتح اللام]: وحكي كسرها في المفرد والمثنى.
قوله: [فك الحنك الأسفل]: وهو قطعتان ومحل اجتماعهما هو الذقن، وسمي فكاً؛ لأن كل واحد من الأعلى والأسفل مفكوك عن صاحبه.
قوله: [واللحية بفتح اللام]: ويجوز كسرها وجمعها: لحى بالكسر.
قوله: [الأصلع] إلخ: الحاصل أن خلو مقدم الرأس من الشعر، يقال له صلع ولصاحبه أصلع. والأنزع: هو الذي له نزعتان -بفتحتين- أي بياضان يكتنفان ناصيته؛ فكما لا تدخل ناصية الأصلع في الوجه لا يدخل البياضان للأنزع.
قوله: [ولا بد] إلخ: أي كما لا بد من إدخال جزء من الوجه في مسح الرأس، وليس لنا فرض يغسل ويمسح إلا الحد الذي بين الوجه والرأس.
قوله: [لأنه مما لا يتم] إلخ: أي فهو واجب، وهل بوجوب مستقل؟ أو بوجوب الواجب الذي يتم به؟ قولان.
قوله: [وحده عرضاً] إلخ: الحاصل أن بعض الصدغ من الوجه وهو العظم الناتئ، فما دونه، وبعضه من الرأس وهو ما فوقه الشعر، فما بين شعر الصدغين من الوجه قطعاً؛ وشعر الصدغين من الرأس قطعا، ً وما فوق الوتدين من البياض كذلك، وما تحت الوتدين من الوجه، فيغسل. ودخل في الوجه الجبينان وهما المحيطان بالجبهة يميناً وشمالاً اهـ. من الحاشية.
قوله: [جبهته]: المراد بها هنا ما ارتفع عن الحاجبين إلى مبدإ الرأس، فيشمل الجبينين، كما تقدم، بخلاف الجبهة في السجود فهي مستدير ما بين الحاجبين إلى