← Фикх малики

Фикх малики · id 150969

حاشية الصاوي على الشرح الصغير ط الحلبي

أحمد الصاوي

Полный текст (1 079 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

ولو آية، ما لم يكن حرزاً مستوراً بساتر. ومن الساتر جيبه فوضعه في جيبه مثلاً يمنع الحرمة في المصحف. والكراهة في غيره. وهذا ما لم يخف عليه الضياع، وإلا جاز الدخول به للضرورة. (وتقديم يسراه دخولاً، ويمناه خروجاً؛ عكس المسجد والمنزل؛ يمناه فيهما): من الآداب أن يقدم حال دخوله الكنيف رجله اليسرى ويؤخرها حال خروجه منه؛ بأن يقدم في الخروج رجله اليمنى. وذلك عكس اليسرى في المسجد فإنه يندب له تقديم اليمنى دخولاً وتقديم اليسرى خروجاً لشرفه، كما يندب في تنعله تقديم اليمنى وفي خلع النعال تقديم اليسرى، وأما المنزل فيقدم اليمنى دخولاً وخروجاً. (ومنع بفضاء استقبال قبلة واستدبارها بلا ساتر، كالوطء، وإلا فلا): يحرم على المكلف إذا قضى حاجته في الفضاء أن يستقبل القبلة أو يستدبرها بلا ساتر. فإن استتر بحائط أو صخرة أو ثوب أو غير ذلك فلا حرمة، والأولى الترك مراعاة للخلاف. وكذا يحرم عليه الوطء لحليلته في الفضاء بلا ساتر. وقوله: وإلا، أي وإلا يكن في الفضاء، بأن كان في منزله ولو في ساحة الدار أو رحبتها أو سطحها أو كان في الفضاء ولكن بساتر، فلا حرمة. والمراد بالمنزل: ما عدا الفضاء؛ فيشمل فضاء المدن فلا يحرم استقبال القبلة ولا استدبارها فيها، والكلام كله في غير الأكنفة، وأما هي فلا حرمة اتفاقاً. وكذا لا يحرم استقبال بيت المقدس ولا الشمس والقمر ولو في الفضاء بلا ساتر. (ووجب استبراء بسلت ذكر ونتر خفَّا): يجب على من قضى حاجته أن يستبرئ: أي يستخلص مجرى البول من ذكره بسلته؛ بأن يجعل أصبعه السبابة من يده اليسرى تحت ذكره من أصله والإبهام فوقه ثم يسحبه برفق حتى يخرج ما فيه من البول. والنتر بسكون التاء المثناة: جذبه. وندب أن يكون ــ يعينه، كعليه السلام، لا مجرد الاشتراك. ومحل الكراهة إذا كانت النجاسة لا تصل للخاتم. وإلا منع اتفاقاً. قوله: [ولو آية]: ما ذكره الشارح من منع دخول الكنيف ونحوه بما فيه قرآن ولو آية تبع فيه ابن عبد السلام والتوضيح. وقد رده (ح) والأجهوري وقال: إنه غير ظاهر. واستظهر الأول كراهة الدخول بالقرآن، وأطلق في الكراهة فظاهره كان كاملاً أو لا. واستظهر الثاني التحريم في الكامل وما قاربه والكراهة في غير ذي البال كالآيات. واعتمد هذا الأشياخ واقتصر عليه في المج. اهـ. من حاشية الأصل قوله: [ومن الساتر جيبه]: قال في حاشية الأصل نقلاً عن (ح): والظاهر أن الجيب لا يكفي لأنه ظرف متسع. قوله: [وإلا جاز] إلخ: أي ولا بد له من ساتر إن أمكن. قال في حاشية الأصل جواز الدخول بالمصحف مقيد بأمرين: الخوف والساتر. اهـ. والمراد بالخوف إما على نفسه - بأن جعل حرزاً- أو الضياع. قوله: [حال دخوله الكنيف]: أي وكذا كل دنيء: كحمام وفندق وبيت ظالم. قوله: [وأما المنزل] إلخ: والحاصل أن ما كان من باب التشريف والتكريم قدم فيه اليمنى وعكسه قدم فيه اليسرى، فإن حصلت المعارضة بين المنزل والمسجد -كما لو كان باب بيته داخل المسجد- كان الحكم للمسجد دخولاً وخروجاً. قوله: [ومنع بفضاء] إلخ: حاصل فقه المسألة أن المسائل ست: الأولى: قضاء الحاجة، والوطء في الفضاء مستقبلاً ومستدبراً بدون ساتر وهذه حرام قطعاً. الثانية: قضاء الحاجة في بيت الخلاء الذي في المنزل بساتر، والوطء في المنزل بساتر، وهذه جائزة اتفاقاً مستقبلاً ومستدبراً. الثالثة: قضاء الحاجة فيه، والوطء فيه بدون ساتر، وفيها قولان بالجواز والمنع، والمعتمد الجواز ولو كان بيت الخلاء أو الوطء. بالسطح. الرابعة: قضاء الحاجة والوطء في الفضاء بساتر مستقبلاً أو مستدبراً، وفيها قولان بالجواز والمنع، والمعتمد الجواز. والخامسة والسادسة: قضاء الحاجة والوطء بحوش المنزل بساتر وبدونه وفيهما قولان بالجواز والمنع والمعتمد الجواز فيهما. قوله: [وإلا فلا]: أي إما اتفاقاً أو على الراجح كما تقدم. قوله: [فإن استتر] إلخ: ويكفي أن يكون طوله ثلثي ذراع وقربه منه ثلاثة أذرع فأقل، وعرضه منه مقدار ما يواري عورته. قوله: [مراعاة للخلاف]: أي وهو الذي علمته من الحاصل. قوله: [وأما هي فلا حرمة اتفاقاً]: أي إن كان بساتر وإلا ففيهما قولان، وإن كان المعتمد الجواز كما علمت مما تقدم. قوله: [وكذا لا يحرم] إلخ: أي ولكن الأولى الإنقاء. قوله: [ووجب استبراء]: يحتمل أن السين والتاء زائدتان وأن يكونا للطلب، فعلى أنهما زائدتان تكون الباء في "بسلت" للتصوير وعلى أنهما للطلب، تكون الباء للاستعانة أو السبية. قوله: [أي يستخلص]: يجري في السين والتاء مع الباء في قوله "بسلت" ما تقدم. قوله: [بأن يجعل أصبعه] إلخ: تصوير لما قبله ولذا أفتى الناصر اللقاني بوجوب الاستبراء ولو خرج الوقت، لأن الطهارة لا تصح مع المنافي. لكن وقع في (عب) عن اللخمي ما يوهم أن البقاء في القصبة لا يضر، وأن النقض إذا نزل بالفعل، ومال إليه شيخنا، لكن إذا بقي في القصبة مع الرشح على رأس الذكر فيضر قطعاً اهـ بالمعنى حاشية شيخنا على مجموعه. قوله: [من يده اليسرى] إلخ: كونه من اليد اليسرى وبالإبهام والسبابة أفضل وأولى. ولو فعل ذلك باليمنى أو بغير السبابة والإبهام كفى وخالف الأفضل. وهذا في حق الرجل، وأما المرأة فإنها تضع يدها على عانتها ويقوم ذلك مقام السلت والنتر، وأما الخنثى فيفعل ما يفعله الرجل والمرأة احتياطاً.

стр. 37

كل منهما برفق، وهو معنى قوله: خفا بفتح الخاء حتى يغلب على الظن خلوص المحل. ولا يتبع [١] الأوهام فإنه يورث الوسوسة وهي تضر بالدين. (واستنجاء، وندب بيساره وبلها قبل لقي الأذى، واسترخاؤه قليلاً وغسلها بكتراب بعده وإعداد المزيل، ووتره وتقديم قبله وجمع ماء وحجر ثم ماء) يجب الاستنجاء كما يجب الاستبراء والمراد به: إزالة النجاسة من محل البول أو الغائط بالماء أو بالأحجار. وندب أن يكون بيده اليسرى ويكره باليمنى إلا لضرورة. وندب بلل يده اليسرى بالماء قبل لقي الأذى من بول أو غائط لئلا يقوى تعلق الرائحة بها إذا لاقى بها الأذى جافة. ويندب حال الاستنجاء أن يسترخي قليلاً لأنه أمكن في التنظيف. وندب بعد فراغه من الاستنجاء أن يغسل يده التي لاقى بها الأذى حال الاستنجاء بتراب ونحوه، كأشنان وغاسول وصابون. وندب له عند إرادته قضاء الحاجة أن يعد ما يزيل به النجاسة من ماء أو حجر أو نحو ذلك. ويندب له وتر المزيل إذا كان جامداً كحجر حيث انتقى المحل بالشفع وإلا فالإنقاء متعين. وينتهي ندب الإيتار للسبع، فإن أنقى بثامن فلا يطلب بتاسع. وندب تقديم قبله على دبره في الاستنجاء وندب له أن يجمع بين الحجر والماء، فيقدم إزالة النجاسة بالحجر، ثم يتبع المحل بالماء. فإن أراد الاقتصار على أحدهما فالماء أولى من الحجر ونحوه. (وتعين في مني وحيض ونفاس وبول امرأة ومنتشر عن مخرج كثيراً): الضمير في تعين يعود على الماء. أي أن الماء يتعين - ولا يكفي الحجر ونحوه - في إزالة المني لمن فرضه التيمم أو الوضوء، كخروجه بلا لذة أو لذة غير معتادة. وفي إزالة دم الحيض أو النفاس، وكذا في دم الاستحاضة إن لم يلازم كل يوم ولو مرة، وإلا فهو معفو عنه كسلس البول الملازم لذكر أو أنثى فلا تجب إزالته. ويتعين الماء أيضاً في إزالة ــ وما تقدم في البول، وأما الغائط فيكفي في تفريغ المحل منه الإحساس بأنه لم يبق شيء مما هو بصدد الخروج، وليس عليه غسل ما بطن من المخرج، بل يحرم لشبه ذلك باللواط. فلو توضأ والبول في قصبة الذكر أو الغائط في داخل فم الدبر كان الوضوء باطلاً كما تقدم تحقيقه؛ لأن شرط صحة الوضوء عدم المنافي، فالاستبراء مطلوب لأجل إزالة الحدث فلا يجري فيه الخلاف الذي في إزالة النجاسة. وفي الحقيقة ليس السلت والنتر بالمتعين بل المدار على حصول الظن بانقطاع المادة بسلت أو غيره، كما لو مكث مدة يغلب على الظن خلو المحل. ولا يضر بلولة رأس الذكر بعد ذلك. قوله: [كل منهما برفق]: هو بالنسبة للنتر وصف كاشف لأنه عند أهل اللغة هو التحريك الخفيف. قوله: [ولا يتتبع الأوهام]: أي فإذا غلب على ظنه انقطاع المادة من الذكر ترك السلت والنتر، وما شك في خروجه بعد الاستبراء كنقطة فمعفو عنها، فإن تحققها فحكم الحدث والخبث؛ أي أنها تنقض الوضوء إن لم تلازم نصف الزمان فأكثر. ويجب غسلها إن لم تأته كل يوم ولو مرة. قوله: [وهي تضر بالدين]: ولذلك قال العارفون إن الوسواس سببه خبل في العقل أو شك في الدين. قوله: [بالماء أو بالأحجار]: أي فهو أعم من الاستجمار لأن الاستجمار لا يكون بالماء. قوله: [بيده اليسرى]: أي لأنه ليس من التشريف. قوله: [بتراب ونحوه]: محل طلب الغسل بالتراب ونحوه إن لم يكن بلها أولاً، وإلا فلا يتوقف ندب الغسل على التراب ونحوه لانسداد المسام بالغسل أولاً. والمراد باليد التي تغسل الخنصر والبنصر والوسطى لأنها التي يلاقي بها النجاسة. قوله: [أن يعد]: أي فيندب لمريد قضاء الحاجة إعداد الماء والحجر معاً إن أمكن، وإلا فالماء فقط، وإلا فالأحجار فقط، على حسب الترتيب في المندوب. قوله: [فإن أنقى] إلخ: أي إن أنقى الشفع يوتر بثالث، وأربع يوتر بخامس، وست يوتر بسابع، وبعد ذلك لا إيتار بل المدار على الإنقاء. وقولهم الوتر خير من الشفع في غير الواحد. وإلا فالاثنان خير منه ويكفي في الوترية حجر واحد له ثلاث جهات يمسح المحل بكل جهة. قوله: [تقديم قبله] إلخ: أي خوفاً من تنجس يده من مخرج البول لو قدم دبره، ومحل تقديم القبل إلا أن يقطر فيقدم دبره لأنه لا فائدة في تقديم القبل. قوله: [أن يجمع بين الحجر والماء]: أي لأن الله مدح أهل قباء على ذلك بقوله تعالى: ﴿فيه رجال يحبون أن يتطهروا والله يحب المطهرين﴾ [التوبة: ١٠٨] وطهارتهم هي جمعهم بين الماء والحجر في استنجائهم كما ورد الحديث بذلك. قوله: [فالماء أولى]: أي فلو اقتصر على الحجر ونحوه كفى وخالف الأولى. وهل يكون في هذه الحالة المحل طاهراً لرفع العين والحكم عنه أو نجساً معفواً عنه؟ انظر (ح) انتهى من حاشية الأصل. والحاصل أن المراتب خمس: ماء. وحجر، ماء ومدر. ماء فقط، حجر فقط، مدر فقط. والمراد بالمدر أي طاهر منق مستوفي الشروط غير حجر. فهي مطلوبة ندباً على هذا الترتيب في غير ما يتعين فيه الماء. قوله: [وتعين] إلخ: شروع في مسائل مستثناة من قولهم: الماء أفضل في الاستنجاء. وليس بمتعين. فكأنه قال: إلا في هذه المسائل فيتعين فيها الماء، ولا يكفي فيها الحجر ونحوه. قوله: [لمن فرضه التيمم] إلخ: جواب عن سؤال وارد على المصنف حاصله أن المني والحيض والنفاس يتعين فيها غسل جميع الجسد ولا يتوهم فيها كفاية الاستجمار بالأحجار؟ وحينئذ فلا حاجة للنص على تعين

стр. 38

بول المرأة بكراً أو ثيباً لتعديه المخرج إلى جهة المقعدة عادة. ويتعين أيضاً في حدث بول أو غائط انتشر عن المخرج انتشاراً كثيراً كأن يصل إلى المقعدة أو يعم جل الحشفة. (ومذي بلذة مع غسل كل ذكره بنية، ولا تبطل الصلاة بتركها، وفي اقتصاره على البعض قولان، ووجب غسله لما يستقبل): يعني ويتعين الماء أيضاً في مذي خرج بلذة معتادة بنظر أو ملاعبة لزوجة مثلاً أو لتذكر، مع وجوب غسل جميع الذكر بنية طهارته من الحدث، أو رفع حدثه المترتب عليه بخروج المذي. وهذه النية واجبة غير شرط على المعتمد. فلذا لو تركها وغسل ذكره بلا نية وتوضأ وصلى لم تبطل صلاته على الراجح. وأما غسل جميع الذكر فقيل: واجب شرطاً؛ فلو اقتصر على غسل بعضه - ولو مع نية - وصلى بطلت صلاته. وقيل: واجب غير شرط. فلا تبطل الصلاة بغسل البعض ولو محل النجاسة فقط بنية أولاً [١]. ولم يرجحوا واحداً من القولين، فلذا قلنا: قولان وعلى القول الأول فالأمر ظاهر، وأما على الثاني فيجب غسل جميعه لما يستقبل من الصلاة لأنه أمر واجب. وقولنا: بلذة قيد زدناه على المصنف، إذ لا بد منه لأنه لو خرج بلا لذة لكفى فيه الحجر ما لم يكن سلساً يلازم كل يوم ولو مرة، وإلا عفي عنه ولا يتعين فيه حجر ولا غيره. هذا هو الحق ولا تغتر بما يخالفه من كلام بعض الشراح. وعبر ب مع إشارة إلى أن الباء في قول الشيخ: بغسل، بمعنى مع. وحاصل المسألة أن خروج المذي من الرجل بلذة معتادة يوجب غسل جميع الذكر بنية على ما تقدم. ــ الماء فيها وعدم كفاية الأحجار. وحاصل ما أجاب به الشارح أن الكلام مفروض في حق من فرضه التيمم لكمرض أو لعدم ما يكفي غسله، ومعه من الماء ما يزيل به النجاسة، فيقال لمن خرج منه المني: لا بد من غسل الذكر أو الفرج بالماء، أو لمن فرضه الوضوء لخروج منيه بلا لذة أو لذة غير معتادة، ويقال في المرأة التي انقطع حيضها أو نفاسها مثل ما قيل فيمن فرضه التيمم. قوله: [بول المرأة]: مثلها بول الخصي أي مقطوع الذكر قطعت أنثياه أم لا. ومثله مني الرجل إذا خرج من فرج المرأة بعد غسلها فهو كبولها لا يكفي فيه الحجر، ومثله البول الخارج من الثقبة إذا انسد المخرجان على الظاهر، لأنه منتشر فيتعين فيه الماء، ولا يكفي فيه الحجر. وأفهم قوله [بول] أنها في الغائط كالرجل. وتغسل المرأة سواء كانت ثيباً أو بكراً كل ما ظهر من فرجها حال جلوسها، وأما قول (عب): وتغسل المرأة ما ظهر من فرجها والبكر ما دون العذرة ففيه نظر، إذ التفرقة بين الثيب والبكر إنما هو في الحيض خاصة كما ذكره صاحب الطراز، واختار في البول تساويهما لأن مخرج البول قبل البكارة والثيوبة بخلاف الحيض، انظر (ح)، ولا تدخل المرأة يدها بين شفريها كفعل اللواتي لا دين لهن، وكذا يحرم إدخال أصبع بدبر لرجل أو امرأة إلا أن يتعين لزوال الخبث كما في المج، ولا يقال الحقنة مكروهة لأننا نقول فرق بينهما؛ فإن الحقنة شأنها تفعل للتداوي. انتهى من حاشية الأصل. قوله: [انتشر عن المخرج]: أي فيتعين الماء في هذا الحدث كله لا في المنتشر فقط، فيغسل الكل ولا يقتصر على ما جاوز المعتاد، لأنهم قد يغتفرون الشيء منفرداً دونه مجتمعاً مع غيره. وقالت الحنفية: يغسل المنتشر الزائد على ما جرت العادة بتلويثه، ويعفى عن المعتاد انتهى من حاشية الأصل. قوله: [مع غسل كل ذكره] إلخ: اعلم أن غسل الذكر من المذي وقع فيه خلاف. قيل: إنه معلل بقطع المادة وإزالة النجاسة، وقيل: إنه تعبدي. والمعتمد الثاني، وعلى القولين يتفرع خلاف: هل الواجب غسل بعضه أو كله؟ والمعتمد الثاني. ويتفرع أيضاً: هل تجب النية في غسله أو لا؟ فعلى القول بالتعبد، تجب، وعلى القول بأنه معلل، لا تجب. والمعتمد وجوبها. ثم على القول بوجوب النية إذا غسله كله بلا نية وصلى، هل تبطل صلاته لترك الواجب وهو النية أو لا؟ قولان. والمعتمد الصحة كما سيأتي في الشارح. لأن النية واجبة غير شرط. ومراعاة للقول بعدم وجوبها، وأن الغسل معلل وعلى القول بوجوب غسله كله لو غسل بعضه بنية أو بدونها وصلى، هل تبطل صلاته أو لا تبطل؟ قولان على حد سواء، والقول بعدم البطلان مراعاة لمن قال إنما يجب غسل بعضه. وعلى القول بصحة الصلاة فهل تعاد في الوقت أو لا يطلب بإعادتها؟ قولان. هذا محصل ما في المسألة انتهى من حاشية الأصل. قوله: [رفع حدثه]: أي الذكر. قوله: [وإلا عفي عنه]: أي بالنسبة لإزالة النجاسة، وأما نقض الوضوء فينتقض الوضوء ما لم يلازم نصف الزمان فأكثر. قوله: [من كلام بعض الشراح] إلخ: أراد الخرشي (وعب) فإن الخرشي قال: ثم إن كلام المؤلف في المذي الخارج بلذة معتادة، أما ما خرج بغيرها فينبغي أن يجري على حكم المني الخارج بلا لذة معتادة، فإن لم يوجب الوضوء كفى فيه الحجر، وإن أوجبه تعين الماء فيه انتهى. ويؤخذ من الأصيلي و (عب) نحو هذه العبارة، وقد علمت فسادها من كلام الشارح، وما تقدم لك في مذي الرجل. وأما المرأة فتغسل من مذيها محل الأذى فقط، ولا تحتاج لنية كما قال الأجهوري لأنه ليس فيه شائبة تعبد، خلافاً لما استظهره ابن حبيب من احتياجها لنية.

стр. 39

(وجاز الاستجمار بيابس طاهر منق غير مؤذ ولا محترم لطعمه أو شرفه، أو حق الغير. وإلا فلا، وأجزأ إن أنقى كاليد ودون الثلاث): يجوز الاستجمار: وهو إزالة النجاسة عن أحد المخرجين بكل يابس من حجر - وهو الأصل - أو غيره من خشب أو مدر: وهو ما حرق من الطين - أو خرق أو قطن أو صوف أو نحو ذلك. فلا يجوز بمبتل كطين. ويشترط في الجواز أيضاً أن يكون طاهراً احترازاً من النجس؛ كأرواث الخيل والحمير وعظم الميتة والعذرة. وأن يكون منقياً للنجاسة؛ احترازاً من الأملس كالقصب الفارسي والزجاج. وأن يكون غير مؤذ؛ احترازاً مما يؤذي كالحجر المحدد والسكين. وأن لا يكون محترماً؛ إما لكونه مطعوماً لآدمي كخبز أو غيره ولو من الأدوية كحزنبل ومغاث وزنجبيل. أو لكونه ذا شرف؛ كالمكتوب لحرمة الحروف ولو بخط غير عربي. أو بما دل على باطل؛ كالسحر. أو لكون شرفه ذاتياً؛ كالذهب والفضة والجواهر. وإما لكون حرمته لحق الغير؛ ككون الشيء الذي يستجمر به مملوكاً للغير، ومنه جدار الغير ولو وقفاً. وكره بعظم وروث طاهرين وبجدار مملوك له. فإن وجدت هذه الشروط الخمسة جاز الاستجمار، فإن انتفى شرط منها لم يجز، ولكنه يجزي إن أنقى المحل؛ كالمحترم والنجس اليابس الذي لا يتحلل منه شيء. كما يجزي الإنقاء باليد بدون الثلاث من الأحجار ونحوها. وظاهره أن محل الإجزاء في غير المني وبول المرأة والدم والمنتشر كثيراً أخذاً مما تقدم فهو في الحقيقة مستثنى مما هنا. ولما أنهى الكلام ــ تنبيه: يكره الاستنجاء من الريح وقد نص عليه خليل ولم ينص عليه مصنفنا لوضوحه لقوله ﷺ : «ليس منا من استنجى من ريح» أي ليس على سنتنا. وهو طاهر لا ينجس ثوباً ولا بدناً. قوله: [وجاز الاستجمار]: أي يجوز إن اجتمعت فيه هذه الأوصاف الخمسة. والمراد باليابس: الجاف، سواء كان فيه صلابة كالحجر أو لا كالقطن. قوله: (الاستجمار) وهو إلخ: هو خاص باستعمال الجمرات من الحجر ونحوه. والاستنجاء أعم من أن يكون بالماء وغيره. فكما أن الاستجمار مأخوذ من الجمرات بمعنى الأحجار ونحوها، كذلك الاستنجاء مأخوذ من النجوة وهو المكان المرتفع، كما سموا الفضلة غائطاً باسم المكان المنخفض؛ كانوا إذا أرادوا التبرز عمدوا للمنخفض، فإذا قضوا إربهم انتقلوا للمرتفع وأزالوا فيه الأثر. اهـ والمعنى من حاشية شيخنا على مجموعه. قوله: [فلا يجوز بمبتل]: هذا شروع في محترز الأوصاف الخمسة المشترطة في جواز ما يستجمر به على سبيل اللف والنشر المرتب، أي فيحرم الاستجمار بالمبتل لنشره النجاسة، فإن وقع واستجمر به فلا يجزيه. ولا بد من غسل المحل بعد ذلك بالماء، فإن صلى قبل غسله جرى على حكم من صلى بالنجاسة. وما قيل في المبتل يقال في النجس إن كان يتحلل منه شيء. قوله: [في الجواز]: أي في متعلقه لأن الشروط في الشيء الذي يتعلق به الجواز قوله: [كالقصب الفارسي] إلخ: حيث كان كل سالماً من الكسر وإلا كان من المؤذي. قوله: [لحرمة الحروف]: أي لشرفها. قال الشيخ إبراهيم اللقاني: محل كون الحروف لها حرمة إذا كانت مكتوبة بالعربي، وإلا فلا حرمة لها إلا إذا كان المكتوب بها من أسماء الله وقال الأجهوري: الحروف لها حرمة سواء كتبت بالعربي أو بغيره وهو ما يفيده (ح) وفتوى (ح). قال شيخنا وهو المعتمد اهـ من حاشية الأصل. قوله: [ولو وقفاً]: أي سواء كان ذلك الوقف مسجداً أو غيره، وكان الواقف له هو أو غيره، كان الاستجمار بجدار الوقف من داخل أو خارج. وأما ملك الغير فمحل الحرمة إذا استجمر بغير إذن مالكه، فإن استجمر بإذنه كره فقط. قوله: [طاهرين]: أي لأن العظم طعام الجن فإنه يكسى لحماً. والروث طعام دوابهم يرجع علفاً كما كان عليه، وهل الذي يصير كذلك كل روث أو خصوص روث المباح؟ ينظر في ذلك، وإذا كان العظم طعام الجن والروث طعام دوابهم صار النهي عنهما لحق الغير. إن قلت إذا كان الروث علف دوابهم منهياً عنه يكون علف دواب الإنس من الحشيش ونحوه من كل ما ليس مطعوماً للآدمي كذلك، والجواب أن النهي في الروث ورد بدليل خاص وبقي ما عداه على الأصل اهـ. من حاشية شيخنا على مجموعه. قوله: [مملوك له]: أي واستجمر به من داخل، وأما من خارج فقولان: بالكراهة والحرمة. وإنما قيل بالحرمة لأنه قد ينزل مطر عليه مثلاً ويلتصق هو أو غيره عليه فتصيبه النجاسة. قوله: [لم يجز]: أي إذا أراد الاقتصار على تلك الأشياء، وأما إن قصد أن يتبعها الماء فإنه يجوز. إلا المحترم والمحدد والنجس. فالحرمة مطلقاً. لا يقال الجزم بحرمة النجس مطلقاً مشكل مع ما مر من كراهة التلطخ بالنجاسة على الراجح؛ لأنا نقول الاستجمار بالنجاسة فيه قصد لاستعمال النجس، وهذا ممنوع والتلطيخ المكروه ليس فيه قصد الاستعمال. اهـ. من حاشية الأصل. قوله: [وبدون الثلاث] إلخ: خلافاً لأبي الفرج فإنه أوجب الثلاثة، فإن أنقى من الثلاثة فلا بد منها. قوله: [والدم]: أي دم الحيض والنفاس والاستحاضة. قوله: [ولما أنهى الكلام] إلخ: أي لما انقضى الكلام على وسائل الطهارة الثلاث التي هي بيان الماء الذي تحصل به الطهارة، وبيان الأشياء الطاهرة

стр. 40

على طهارة الخبث وما يتعلق بها شرع في الكلام على طهارة الحدث؛ صغرى وكبرى، وما يتعلق بها. وبدأ بالصغرى فقال: فصل [١]: (فرائض الوضوء: غسل الوجه من منابت شعر الرأس المعتاد إلى منتهى الذقن أو اللحية وما بين وتدي الأذنين): فرائض الوضوء سبعة: أولها: غسل جميع الوجه، وحده طولاً من منابت شعر الرأس المعتاد إلى منتهى الذقن فيمن لا لحية له أو منتهى اللحية فيمن له لحية. والذقن - بفتح الذال المعجمة والقاف مجمع اللحيين - بفتح اللام - تثنية لحي: وهو فك الحنك الأسفل. واللحية - بفتح اللام - هي الشعر النابت على ذلك. وخرج بقوله: المعتاد: الأصلع - بالصاد المهملة - وهو من انحسر شعر رأسه إلى جهة اليافوخ، فلا يجب عليه أن ينتهي في غسله إلى منابت شعره. وخرج الأغم: وهو من نزل شعر رأسه إلى جهة حاجبه؛ فيجب عليه أن يدخل في غسله ما نزل عن المعتاد. ولا بد من إدخال جزء يسير من الرأس؛ لأنه مما لا يتم الواجب إلا به، وحده عرضاً من وتد الأذن إلى الوتد الآخر؛ فلا يدخل الوتدان في الوجه ولا البياض الذي فوقهما ولا شعر الصدغين، ويدخل فيه البياض الذي تحتهما؛ لأنه من الوجه. (فيغسل الوترة وأسارير جبهته ــ والنجسة، وبيان حكم إزالة النجاسة، وكيفية إزالتها من الثوب والبدن والمكان، وما يعفى منها وما لا يعفى أتبع ذلك بالكلام على مقاصد الطهارة وهي: الوضوء ونواقضه، والغسل ونواقضه، وما هو بدل عنهما وهو التيمم، أو عن بعض الأعضاء وهو مسح الخف والجبيرة، فلذلك قال الشارح شرع الكلام إلخ. قوله: [طهارة]: أراد بها التطهير؛ لأن الطهارة كما تطلق على الصفة الحكمية تطلق على التطهير؛ لأنه الذي يتعلق به الوجوب. فصل قوله: (فرائض) إلخ: جمع فريضة: وهو الأمر الذي يثاب على فعله ويترتب العقاب على تركه، ويقال فيه أيضاً: فرض، ويجمع الفرض على فروض. فإن قيل: فرائض جمع كثرة، وهو من العشرة ففوق مع أنها سبعة؟ يقال: استعمال جمع الكثرة في القلة أو بناء على أن مبدأ جمع الكثرة من ثلاثة بناء على أنهما متحدان في المبدأ، وقول (تت): فرائض جمع فرض فيه نظر؛ لأن فعلاً لا يجمع على فعائل بل هو جمع فريضة بمعنى مفروضة. ومراده بالفرض هنا ما تتوقف صحة العبادة عليه. فيشمل وضوء الصبي، والوضوء قبل الوقت. والوضوء بضم الواو: الفعل، وبفتحها: الماء على المعروف في اللغة، وحكي الضم والفتح فيهما. وهل هو اسم للماء المطلق؟ أو له بعد كونه معداً للوضوء، أو بعد كونه مستعملاً في العبادات؟ مشتق من الوضاءة بالمد - وهي النظافة بالظاء المعجمة - والحسن. وشرعاً: طهارة مائية تتعلق بأعضاء مخصوصة على وجه مخصوص وهي الأعضاء الأربعة. وإنما خصت بذلك؛ لأنها محل اكتساب الخطايا، ولأن آدم مشى إلى الشجرة برجليه وتناول منها بيده، وأكل بفمه، ومسح رأسه بورقها. واختص الرأس بالمسح لستره غالباً فاكتفي بأدنى طهارة. واعلم أن الناس اختلفوا في عدد فرائض الوضوء. ومحصل ذلك أن منها فرضاً بإجماع. وهو الأعضاء الأربعة، وعلى مشهور المذهب وهي النية والدلك والفور اهـ. من الخرشي والحاشية. وفرائض مبتدأ خبره محذوف يؤخذ من حل الشارح تقديره سبعة، وقوله: غسل الوجه خبر لمبتدإ محذوف قدره الشارح، ويصح جعله خبراً عن فرائض. وقوله: [من منابت]: متعلق بمحذوف خبر لمبتدأ محذوف قدره الشارح بقوله: (وحده طولاً) إلخ. وقوله: [وما بين وتدي الأذنين]: خبر لمبتدأ محذوف قدره الشارح بقوله: (وحده عرضاً) إلخ. قوله: [غسل جميع الوجه]: أي ولو تعدد لشخص واحد. قوله: [بفتح اللام]: وحكي كسرها في المفرد والمثنى. قوله: [فك الحنك الأسفل]: وهو قطعتان ومحل اجتماعهما هو الذقن، وسمي فكاً؛ لأن كل واحد من الأعلى والأسفل مفكوك عن صاحبه. قوله: [واللحية بفتح اللام]: ويجوز كسرها وجمعها: لحى بالكسر. قوله: [الأصلع] إلخ: الحاصل أن خلو مقدم الرأس من الشعر، يقال له صلع ولصاحبه أصلع. والأنزع: هو الذي له نزعتان -بفتحتين- أي بياضان يكتنفان ناصيته؛ فكما لا تدخل ناصية الأصلع في الوجه لا يدخل البياضان للأنزع. قوله: [ولا بد] إلخ: أي كما لا بد من إدخال جزء من الوجه في مسح الرأس، وليس لنا فرض يغسل ويمسح إلا الحد الذي بين الوجه والرأس. قوله: [لأنه مما لا يتم] إلخ: أي فهو واجب، وهل بوجوب مستقل؟ أو بوجوب الواجب الذي يتم به؟ قولان. قوله: [وحده عرضاً] إلخ: الحاصل أن بعض الصدغ من الوجه وهو العظم الناتئ، فما دونه، وبعضه من الرأس وهو ما فوقه الشعر، فما بين شعر الصدغين من الوجه قطعاً؛ وشعر الصدغين من الرأس قطعا، ً وما فوق الوتدين من البياض كذلك، وما تحت الوتدين من الوجه، فيغسل. ودخل في الوجه الجبينان وهما المحيطان بالجبهة يميناً وشمالاً اهـ. من الحاشية. قوله: [جبهته]: المراد بها هنا ما ارتفع عن الحاجبين إلى مبدإ الرأس، فيشمل الجبينين، كما تقدم، بخلاف الجبهة في السجود فهي مستدير ما بين الحاجبين إلى

стр. 41

وظاهر شفتيه، وما غار من جفن أو غيره، بتخليل شعر تظهر البشرة تحته): هذا مفرع على ما قبله؛ أي إذا علمت وجوب غسل جميع الوجه، فيجب غسل وترة الأنف - بفتح التاء الفوقية والواو - وهي الحاجز بين طاقتي الأنف، وغسل أسارير الجبهة - وهي التكاميش - جمع أسرة كأزقة [١]، واحده سرار كزمام، أو جمع أسرار كأعناب واحده سرر كعنب. فأسارير جمع الجمع على كل حال. وغسل ظاهر الشفتين. وغسل ما غار من جفن أو غيره، كأثر جرح أو ما خلق غائراً، وأما قول الشيخ: " لا جرحاً برئ أو خلق غائراً "، فمحمول على ما إذا لم يمكن غسله. ومعلوم أن كل ما لم يمكن تحصيله لم يخاطب به المكلف، فكان عليه حذف حرف النفي وعطفه على المثبت. مع وجوب تخليل شعر - بفتح الشين المعجمة والعين المهملة - إذا كانت البشرة، بفتح الباء الموحدة والشين المعجمة: الجلدة التي تظهر في مجلس المخاطبة تحت الشعر، وهو الشعر الخفيف سواء كان شعر لحية أو حاجب أو غيرهما. والمراد بالتخليل: إيصال الماء للبشرة بالدلك على ظاهره. وأما الكثيف فلا يجب عليه تخليله أي إيصال الماء للبشرة تحته، فلا ينافي أنه يجب تحريكه ليدخل الماء بين ظاهره وإن لم يصل للبشرة. (وغسل اليدين إلى المرفقين بتخليل أصابعه لا تحريك خاتمه المأذون فيه): الفريضة الثانية: غسل اليدين إلى المرفقين، بإدخالهما في الغسل مع وجوب تخليل أصابعه ومعاهدة تكاميش الأنامل أو غيرها. ولا يجب تحريك الخاتم المأذون فيه لرجل أو امرأة ولو ضيقاً لا يدخل الماء تحته، ولا يعد حائلاً. بخلاف غير المأذون فيه كالذهب للرجل أو المتعدد، فلا بد من نزعه ما لم يكن واسعاً يدخل الماء تحته فيكفي تحريكه؛ لأنه بمنزلة الدلك بالخرقة. ولا فرق بين الحرام كالذهب، أو المكروه كالنحاس، وإن كان المحرم يجب نزعه على كل حال من حيث إنه حرام. وقوله: خاتمه الإضافة فيه للجنس، فيشمل المتعدد للمرأة. (ومسح جميع الرأس مع شعر صدغيه وما استرخى، لا نقض ضفره. وأدخل يده تحته في رد المسح) الفريضة الثالثة: مسح جميع الرأس من منابت الشعر المعتاد من المقدم إلى نقرة القفا مع مسح شعر صدغيه مما فوق العظم الناتئ في الوجه. وأما هو فلا يمسح بل يغسل في الوجه. ويدخل في الرأس البياض الذي فوق وتدي الأذنين كما مر، ومع مسح ما استرخى من الشعر ولو طال جداً. وليس على الماسح - من ذكر أو أنثى - نقض مضفوره ولو اشتد الضفر ما لم يكن بخيوط كثيرة، وإلا نقض؛ لأنها حائل، ــ الناصية. قوله: [وظاهر شفتيه]: هو ما يبدو منهما عند انطباقهما انطباقاً طبيعاً. قوله: [مع وجوب تخليل شعر] إلخ: الحاصل أن اللحية حيث كانت خفيفة -وكل شعر في الوجه خفيف- يجب عليه إيصال الماء للبشرة، لا فرق بين ذكر وأنثى. وإن كان الشعر كثيفاً يكره تخليله في الوضوء، سواء كان لحية أو غيرها لذكر أو أنثى. ولا يطالب على كل حال بغسل أسفل اللحية الذي يلي العنق كانت كثيفة أو خفيفة. قوله: [على ظاهره]: أي لا باطنه الذي يلي العنق، فلا يطالب بغسله وغسله من التعمق في الدين. تنبيه: يجب على المتوضئ عند غسل وجهه إزالة ما بعينيه من القذي، فإن وجد بعينيه شيئاً بعد وضوئه وأمكن حدوثه لطول المدة، حمل على الطريان، حيث أمر يده على محله حين غسل وجهه. قوله: [وغسل اليدين]: أي للسنة والإجماع وإن صدقت الآية بيد واحدة أخذاً من مقابلة الجمع بالجمع. قوله: [بإدخالهما في الغسل]: للسنة والإجماع، وإلا فالأصل في "إلى" عدم الإدخال. كما قال الأجهوري: وفي دخول الغاية الأصح لا ... تدخل مع إلى وحتى دخلا وسميا مرفقين لأن المتكئ يرتفق بهما إذا أخذ براحته رأسه متكئاً على ذراعيه. تنبيه: يلزم الأقطع أجرة من يطهره، فإن لم يجد فعل ما أمكنه، قاله شيخنا في مجموعه ويلزم غسل بقية معصم إن قطع المعصم، وكل عضو سقط بعضه يتعلق الحكم بباقيه غسلاً ومسحاً، كما يلزمه غسل كف خلقت بمنكب ولم يكن له سواها، فإن كان له يد سواها فلا يجب غسل الكف إلا إذا نبتت في محل الفرض أو غيره وكان لها مرفق، فتغسل للمرفق؛ لأن لها حينئذ حكم اليد الأصلية، بل لو كثرت الأيادي التي بالمرافق تغسل كلها، فإن لم يكن لها مرفق فلا غسل ما لم تصل لمحل الفرض، فإن وصلت غسل ما وصل إلى محاذاة المرفق كما استظهره بعضهم. ويقال في الرجل الزائدة ما قيل في اليد، وينزل الكعب منزلة المرفق اهـ من الأصل. قوله: [مع وجوب تخليل أصابعه]: إشارة إلى أن الباء في "بتخليل" بمعنى مع. قوله: [ولو ضيقاً]: لكنه إذا كان ضيقاً فنزعه تدارك ما تحته ومنه أساور المرأة. والظاهر لا يجب تعميم الخاتم نيابة عما تحته بخلاف الشوكة. قوله: [من حيث إنه حرام]: أي لا من حيث توقف صحة الوضوء عليه، فإن الوضوء صحيح حيث كان واسعاً على كل حال. قوله: [ومسح جميع الرأس]: أي على المشهور، ولا يلزم غسله عند كثرة العرق؛ لأن المسح مبني على التخفيف، خلافاً لمن زعم أنه يغسله عند العرق لئلا يضيف الماء، فليس كلامه بشيء، فلو وقع ونزل وغسله أجزأه مع الكراهة. قوله: [بخيوط كثيرة]: حاصلة أنه إن كان بأكثر من خيطين نقض في الوضوء

стр. 42

واغتفر الخيطان. وأما الغسل فلا بد فيه من نقض ما اشتد ضفره ولو بنفسه بحيث لا يظن سريان الماء في خلاله كالمضفور بخيوط كثيرة. وأدخل الماسح يده وجوباً تحت الشعر المستطيل في رد المسح إذ لا يحصل التعميم إلا به. ومحل قولهم: الرد سنة، أي بعد التعميم، ذكره الأجهوري. ورد: بأن جميع نصوص أهل المذهب على أن الرد بعد مسح ظاهر الشعر أولاً سنة، ولا يجب رد أصلاً. (وغسل الرجلين بالكعبين الناتئين بمفصلي الساقين مع تعهد ما تحتهما كأخمصيه، وندب تخليل أصابعهما): الفريضة الرابعة: غسل جميع الرجلين، أي القدمين مع إدخال الكعبين في الغسل؛ وهما العظمان الناتئان أي البارزان أسفل الساق تحتهما مفصل الساق، والمفصل - بفتح الميم وكسر الصاد المهملة - واحد المفاصل. وبالعكس للسان [١]. ويجب تعهد ما تحتهما كالعرقوب والأخمص - وهو باطن القدم - بالغسل، وكذا سائر المغابن. ويندب تخليل أصابع الرجلين، يبدأ ندباً بخنصر اليمنى، ويختم بإبهامها من أسفلها بسبابته، ثم يبدأ بإبهام اليسرى ويختم بخنصرها كذلك، والدلك باليد اليسرى. (ودلك خفيف بيد): الفريضة الخامسة: الدلك: وهو إمرار اليد على العضو ولو بعد صب الماء قبل جفافه، والمراد باليد: باطن الكف كما استظهره بعضهم فلا يكفي دلك الرجل بالأخرى، خلافاً لابن القاسم، ولا الدلك بظاهر اليد. وهذا في الوضوء، وأما في الغسل فيكفي كما سيأتي. ويندب أن يكون خفيفاً مرة واحدة. ويكره التشديد والتكرار لما فيه من التعمق في الدين المؤدي للوسوسة. (وموالاة إن ذكر وقدر): الفريضة السادسة: الموالاة بين أعضاء الوضوء بأن لا يتراخى بينهما. والتعبير بالموالاة أولى من التعبير بالفور، لأنه يوهم العجلة حين غسل الأعضاء، ــ والغسل: اشتد أم لا. وبخيط أو بخيطين إن اشتد فيهما نقض وإلا فلا. وبنفسه لا ينقض في الوضوء مطلقاً، وينقض في الغسل إن اشتد، لا فرق في تلك الصور بين الذكر والأنثى، قال شيخنا الجداوي ﵀: إن في ثلاث الخيط يضفر الشعر ... فنقضه في كل حال قد ظهر وفي أقل إن يكن ذا شده ... فالنقض في الطهرين صار عمده وإن خلا عن الخيوط أبطله ... في الغسل إن شد وإلا أهمله تنبيه: ينفع النساء في الوضوء تقليد الشافعي أو أبي حنيفة، وفي الغسل تقليد أبي حنيفة لأنه يكتفي في الغسل بوصول الماء للبشرة وإن لم يعم المسترخي من الشعر. بل لو كان المسترخي جافاً عنده فلا ضرر، كما ذكره في الدر المختار. قوله: [واغتفر الخيطان]: أي إن لم يشتد كما تقدم. قوله: [ولا يجب رد أصلاً]: وهو المعول عليه كما ذكره الزرقاني وجمهور أهل المذهب، لأن له حكم الباطن، والمسح مبني على التخفيف. ومحل كون الرد سنة ولو في الشعر الطويل - إذا بقي بيده بلل من المسح الواجب، فإن بقي ما يكفي بعد الرد هل يسن بقدر البلل فقط -وهو الظاهر- أو يسقط؟ اهـ من الأصل. فإذا علمت ذلك فالمصنف مشى على كلام الأجهوري، وقد ظهر للشارح ضعفه. قوله: [بالكعبين]: الباء للمصاحبة بمعنى مع، بخلافها في قوله: [بمفصلي الساقين]، فإنها للظرفية بمعنى: في. قوله: [واحد المفاصل]: هو مجمع مفصل الساق من القدم، والعقب تحته. قوله: [كالعرقوب]: هو مؤخر القدم، ومراده بالعرقوب ما يشمل العقب، وإنما نص عليه لقوله في الحديث الشريف: «ويل للأعقاب من النار». قوله: [ويندب تخليل] إلخ: أي على المشهور خلافاً لمن قال بوجوب التخليل في الرجلين كاليدين. فالحاصل أنه قيل بوجوبه فيهما وندبه فيهما. والمشهور الوجوب في اليدين والندب في الرجلين، وإنما وجب في اليدين لعدم شدة التصاقهما بخلاف الرجلين. قوله: [من أسفلها] إلخ: مندوب ثان. تنبيه: قال شيخنا في مجموعه: ولا يعيد مزيل كاللحية على الراجح ولو كثيفة، وحرم على الرجل ووجب على المرأة، وكذا لا يعتبر كشط جلد، وأولى قلم ظفر وحلق رأس. ولا ينبغي تركه الآن لمن عادته الحلق اهـ. قال في حاشيته: لأنه صار علامة على دعوى الولاية، والكذب فيها يخشى منه سوء الخاتمة والعياذ بالله تعالى. قوله: [ودلك] إلخ: هو واجب لنفسه، ولو وصل الماء للبشرة على المشهور بناء على دخوله في مسمى الغسل، وإلا كان مجرد إفاضة أو غمس. إن قلت: حيث كان الدلك داخلاً في مسمى الغسل، ففرضية الغسل مغنية عنه فلا حاجة لذكره؟ قلت: ذكره للرد على المخالف القوي القائل: إنه واجب لإيصال الماء للبشرة، فإن وصل لها بدونه لم يجب بناء على أن إيصال الماء للبشرة من غير دلك يسمى غسلاً اهـ من حاشية الأصل نقلا عن العلامة العدوي. قوله: [ولو بعد صب الماء] إلخ: أي كما قاله ابن أبي زيد وهو المعتمد خلافاً لأبي الحسن القابسي حيث قال: لا بد من مقارنة اليد للصب. قوله: [والمراد باليد] إلخ: هذا مشهور المذهب وعليه الأجهوري ومن تبعه. وفي (بن) نقلاً عن المسناوي: أن الدلك في الوضوء كالغسل سواء بسواء، فيكفي الدلك بأي عضو كان، أو بخرقة أو بحك إحدى الرجلين بالأخرى، كما يؤخذ من حاشية الأصل ومن شيخنا في حاشية مجموعه.

стр. 43

وليس بمراد. ومحل وجوب الموالاة إن كان ذاكراً قادراً عليها. فإذا فرق بين الأعضاء اختياراً مع القدرة عليها بطل ما فعله من الوضوء، وأعاده بالنية. وإن فرق ناسياً كونه في وضوء، أو عاجزاً عنها، ففيه تفصيل أشار له بقوله: (وبنى الناسي مطلقاً بنية الإتمام كالعاجز إن لم يفرط، وإلا بنى ما لم يطل بجفاف عضو وزمن اعتدلا كالعامد): يعني أن من فرق بين الأعضاء ناسياً كونه في وضوء فإنه يبني على ما فعل طال الزمن أو لم يطل، ولو أكثر من نصف النهار، بنية إتمام وضوئه وهو معنى الإطلاق. وأما لو فرق عاجزاً عن إكمال الوضوء فإن لم يكن مفرطاً في أسباب العجز؛ كما لو أعد ماء كافياً لوضوئه فأهريق منه، أو غصب أو أكره على عدم الإتمام فإنه يبني كالناسي مطلقاً طال أو لم يطل - وإن كان مفرطاً - كما لو أعد من الماء ما لا يكفيه ولو ظناً ولم يكفه - فإنه: يبني على ما فعل ما لم يطل الفصل، وصار حكمه حكم العامد المختار؛ كالذي يغسل بعض الأعضاء بمكان، ثم ينتقل لتكميله بمكان آخر، أو استمر في مكانه تاركاً لتكميل وضوئه قصداً بلا رفض. فإن طال ابتدأ وضوءه وجوباً لعدم الموالاة. والطول يقدر بجفاف العضو الأخير في الزمن المعتدل؛ أي الذي لا حرارة به ولا برودة ولا شدة هواء. ويعتبر أيضاً اعتدال العضو، أي توسطه بين الحرارة والبرودة، احترازاً من عضو الشاب والشيخ الكبير السن. ولا بد من اعتبار اعتدال المكان أيضاً بأن لا يكون القطر حاراً ولا بارداً. (وأتى بالمنسي فقط إن طال، وإلا أعاد ما بعده للترتيب): هذه المسألة من تعلقات الترك لبعض الأعضاء نسياناً. وحاصلها: أن من فعل بعض الأعضاء وترك جميع ما بعده، كما لو غسل وجهه وترك الباقي نسياناً منه، بأن ذهل عن كونه يتوضأ، فإنه يفعل ذلك الباقي بنية، طال أو لم يطل كما علم مما تقدم. وأما لو ترك عضواً أو لمعة في أثناء وضوئه نسياناً وتمم بقية الأعضاء معتقداً الكمال، ثم تذكر المتروك، ــ تنبيه: لا يضر إضافة الماء بسبب الدلك حيث عم الماء العضو حالة كونه طهوراً، إلا أن يتجسد الوسخ قاله شيخنا في مجموعه. قوله: [وليس] [١]: أي بل المراد عدم التراخي الذي به الجفاف. قوله: [قادراً عليها]: قيدها المصنف والشارح بالقدرة تبعاً لخليل، وهو المشهور، وإن نازعه (ر) وغيره. وقيل: سنة وعليه إن فرق ناسياً لا شيء عليه. وكذا عامداً على ما لابن عبد الحكم. ومقابله قول ابن القاسم: يعيد الوضوء والصلاة أبداً، كترك سنة من سنتها عمداً على أحد القولين، والثاني لا تبطل اهـ من الأصل. قوله: [وأعاده بالنية]: أي ابتدأه وجوباً إن أراد الصلاة. قوله: [فإنه يبني] إلخ: أي إن شاء، لأنه من جملة العبادة التي لا تلزم بالشروع، فالمتوضئ مخير في إتمام الوضوء وتركه، حصل نسيان أم لا. فيجوز له رفض النية ويبتدئه. قال ابن عرفة: صلاة وصوم ثم حج وعمرة ... طواف عكوف وائتمام تحتما وفي غيرها كالطهر والوقف خيرن ... فمن شاء فليقطع ومن شاء تمما ولابن كمال باشا من الحنفية: من النوافل سبع تلزم الشارع ... أخذاً لذلك مما قاله الشارع صوم صلاة عكوف حجه الرابع ... طوافه عمرة إحرامه السابع فأراد الإحرام مع الجماعة والدخول معهم. وهو الائتمام في كلام ابن عرفة، ويجب فرض الكفاية بالشروع أيضاً، قال المحلي وإنما لم يتعين طلب العلم الكفائي بالشروع؛ لأن كل مسألة منه بمنزلة عبادة مستقلة. قوله: [بنية إتمام] إلخ: أي بتجديد نية. لأن النية الأولى ذهبت بخلاف العاجز فنيته حاضرة حكماً فلا يحتاج لتجديد. قوله: [كما لو أعد ماء كافياً]: أي تحقيقاً. قوله: [أو أكره على عدم الإتمام]: أي أو تبين أنه لا يكفيه أو سرق منه. قوله: [مطلقاً]: بيان لوجه الشبه لكن الناسي بتجديد النية بخلاف هذا لما علمت. فجملة الصور التي يبني فيها مطلقاً خمس غير الناسي. قوله: [ولو ظناً]: ما قبل المبالغة: الجزم بعدم الكفاية. فمن أعد من الماء ما لا يكفيه جزماً أو ظناً يبني ما لم يطل كما قال الشارح. وأولى منهما في الحكم من ظن الكفاية أو شك فيها. ومثل هذه الصور؛ المفرق عمداً بغير نية رفض الوضوء. فتحصل أن الصور التي يبني فيها -ما لم يطل- خمس، والصور التي يبني فيها -ولو طال- ست بالناسي. وكلها تؤخذ من المتن فتؤخذ الست التي يبني فيها مطلقاً من قوله: [وبنى الناسي مطلقاً بنية إتمام الوضوء كالعاجز إن لم يفرط] وتؤخذ الخمس التي يبني فيها ما لم يطل من قوله: [وإلا بنى ما لم يطل]، وقوله: [كالعامد] وقال شيخنا في مجموعه: من علم عدم الكفاية أو ظنها فلا يبني ولو قرب للتلاعب والدخول على الفساد. قوله: [ولا بد من اعتبار اعتدال المكان]: كما عزاه الفاكهاني لابن حبيب. قوله: [هذه المسألة من تعلقات] إلخ: فلذلك قدمها هنا، وإن ذكرها خليل في السنن. قوله: [كما علم مما تقدم]: أي من مسألة البناء نسياناً، فإن كان صلى أعاد الصلاة بعد إتمام الوضوء. قوله: [وأما لو ترك عضواً] إلخ: شروع في معنى المصنف هنا.

стр. 44

كما لو غسل وجهه وترك إحدى اليدين ناسياً وفعل بقية الأعضاء، ثم تذكر أو نبهه أحد، فلا يخلو: إما أن يطول الزمن على ما تقدم أو لا. فإن طال الزمن اقتصر على فعل المنسي ولا يعيد ما بعده من الأعضاء. وإن لم يطل - بأن لم تجف الأعضاء - فعل المنسي وأعاد ما بعده استناناً لأجل تحصيل سنة الترتيب، فهي ملاحظة عند عدم الطول. (ونية رفع الحدث في ابتدائه أو استباحة ما منعه أو أداء الفرض): الفريضة السابعة: النية عند ابتداء الوضوء كغسل الوجه، بأن ينوي بقلبه رفع الحدث الأصغر، أي المنع المترتب على الأعضاء أو استباحة ما منعه الحدث أو يقصد أداء فرض الوضوء. والأولى ترك التلفظ بذلك، لأن حقيقة النية القصد بالقلب لا علاقة للسان بها. (وإن مع نية رفع الخبث، أو إخراج بعض ما يباح): يشير إلى أن النية تكفي ولو صاحبها نية رفع حكم الخبث الكائن على العضو، أو إخراج بعض ما يباح بالوضوء؛ كأن ينوي به استباحة الصلاة لا مس المصحف أو صلاة الظهر لا العصر. وجاز له أن يفعل به ما أخرجه لأن حدثه قد ارتفع باعتبار ما قصده. (بخلاف نية مطلق الطهارة أو إخراج ناقض، أو نية إن كنت أحدثت، فله): يعني إذا نوى مطلق الطهارة الشاملة لطهارة الحدث والخبث، أي من حيث حصولها في واحد منهما غير معين، فإنها لا تكفي لحصول التردد في الحقيقة. وأما لو نوى مطلق الطهارة لا من هذه الحيثية، فالظاهر الإجزاء كما قال سند، لأن فعله دليل على إرادة رفع الحدث. وكذا لا تجزئ نية الوضوء مع إخراج حدث ناقض، كأن يقول: نويت الوضوء من غير البول، أو: إلا من البول، أو: نويته من الغائط لا من البول، وكذا لا تجزئ إذا حصل عنده شك في وضوئه: إن كنت أحدثت فهذا الوضوء لذلك الحدث، لعدم الجزم بالنية، ولا بد من نية جازمة. (ولا يضر عزوبها، بخلاف الرفض في الأثناء، لا بعده، كالصلاة والصوم): أي أن عزوب النية: أي ذهابها بعد أن أتى بها في أوله - بأن لم يستحضرها عند فعل غير الفرض الأول - لا يضر في الوضوء. بخلاف الرفض: أي الإبطال في أثنائه بأن يبطل ما فعله منه، كأن يقول بقلبه: أبطلت وضوئي، فإنه يبطل على الراجح ويجب عليه ابتداؤه إن أراد به صلاة ونحوها. بخلاف رفضه بعد إتمامه، فلا يضر. وجاز له أن يصلي به، إذ ليس من نواقضه إبطاله بعد الفراغ منه. ومثل الوضوء الغسل. ــ قوله: [كما لو غسل وجهه] إلخ: مثال لترك العضو ولم يمثل لترك اللمعة وهي كمن ترك بعض وجهه أو غيره. قوله: [على ما تقدم]: أي من قوله: [بجفاف عضو وزمن اعتدلا]. قوله: [اقتصر على فعل المنسي]: أي أتى به وحده بنية إكمال الوضوء، ويثلثه إن كان مما يثلث. قوله: [استناناً]: وقيل ندباً. ويعيده مرة إن فعله أولاً مرتين، أو ثلاثاً، وإلا فيما يكمل الثلاث، وهذا في ترك العضو أو اللمعة نسياناً كما ذكره المصنف، وإما عمداً أو عجز، فإن لم يطل فإنه يأتي به وجوباً وبما بعده استناناً أو ندباً كما تقدم في النسيان، وإن طال ففي الحقيقة يأتي به وحده، وفي العمد والعجز الحكمي يبتدئ الوضوء لبطلانه. قوله: [في ابتدائه]: هو معنى قول غيره عند أول مغسول. قوله: [أو استباحة] إلخ: بيان لكيفية النية، فكيفيتها على ثلاثة أوجه كما قال المصنف، وهي: نية رفع الحدث، أو استباحة ما منعه، أو أداء الفرض. ويريد به ما تتوقف صحة العبادة عليه ليشمل وضوء الصبي كما تقدم، و"أو" في كلامه مانعة خلو، فتجوز الجمع. بل الأولى الجمع بين الثلاثة في قصده أو لفظه إن لفظ وإن كان اللفظ خلاف الأولى كما قال الشارح. قوله: [أي المنع] إلخ: هو أحد معنيين للحدث هنا، والثاني الصفة الحكمية. والمراد برفع المنع: رفع تعلقه بالشخص، فيرجع لرفع الصفة الحكمية. قوله: [ما منعه الحدث]: أي فعلاً منعه إلخ منع تحريم أو كراهة كما تقدم في تعريف الطهارة. قوله: [القصد]: أي إلى العبادة المعينة، فأفاد الشارح حقيقتها وكيفيتها. وأما زمنها: فيؤخذ من قوله: [عند ابتداء] الوضوء. والمحل: من قوله: [بقلبه]. والمقصود منها وهو تمييز العبادات عن العادات، وبعض العبادات عن بعض: من قوله: [القصد بالقلب]. والحكم: من عدها من الفرائض. والشرط: أن لا يأتي بمناف. وسيأتي في قوله: [أو إخراج ناقض] إلخ، وقد جمع العلامة التتائي هذه الأشياء بقوله: سبع سؤالات أتت في نية ... تلقى لمن حاولها بلا وسن حقيقة حكم محل وزمن ... كيفية شرط ومقصود حسن قوله: [وإن مع نية] إلخ: ومثله نية التبرد أو التدفي أو النظافة. قوله: [غير معين]: أي بحيث صار صادقاً بالحدث والخبث أو بالخبث فقط أو بالحدث فقط، فالضرر في هذه الصور الثلاث كما في حاشية الأصل. قوله: [كما قال سند]: ومثله إذا نوى الطهارة من حيث تحققها في الحدث، فالإجزاء في صورتين. قوله: [من غير البول]: أي مع حصول البول منه، فلا ضرر لأنه الواقع. قوله: [وإلا من البول]: أي وقد حصل منه كغيره أيضاً وإلا فلا ضرر كما علمت. قوله: [لا من البول]: أي وقد خرج منه، فإن الوضوء باطل، حصل منه ما نواه أو لا. قوله: [لعدم الجزم]: أي لأن النية مترددة لكونه علقها على حدث محتمل، وإن كان الشك ناقضاً - إلا أنه لم يعتبر في نيته فليس مبنياً على عدم نقض الشك وفاقاً للحطاب. وأما لو شك في الوضوء، ونوى رفع الحدث مما شك فيه فيرتفع قطعاً. قوله: [ولا يضر عزوبها] إلخ. يقيد بما إذا لم يأت بنية مضادة كنية الفضيلة كما قال ابن عبد السلام. ويقيد بما إذا لم يعتقد

стр. 45

وأما الصلاة والصوم فيرتفضان في الأثناء قطعاً، وعليه القضاء والكفارة في الصوم لا بعد تمامها على أظهر القولين المرجحين. وأما الحج والعمرة فلا يرتفضان مطلقاً ويرتفض التيمم مطلقاً ما لم يصلِّ به، لضعفه. (وسننه: غسل يديه إلى كوعيه قبل إدخالهما في الإناء، إن أمكن الإفراغ، وإلا أدخلهما فيه كالكثير والجاري، وندب تفريقهما) لما أنهى الكلام على فرائض الوضوء، شرع في الكلام على سننه وهي ثمانية: السنة الأولى: غسل يديه أولاً إلى كوعيه قبل إدخالهما في الإناء. فإن أدخلهما فيه وغسلهما فيه لم يكن آتياً بالسنة لتوقفها على الغسل قبل إدخالهما في الإناء على ما صرحوا به، لكن بشرط أن يكون الماء قليلاً كآنية وضوء أو غسل، وأمكن الفراغ [١] منه كالصحفة، وأن يكون غير جار. فإن كان كثيراً أو جارياً أو لم يمكن الإفراغ منه كالحوض الصغير، أدخلهما فيه - إن كانتا نظيفتين أو غير نظيفتين - ولم يتغير الماء بإدخالهما فيه، وإلا تحيل على غسلهما خارجه إن أمكن، وإلا تركه وتيمم إن لم يجد غيره، لأنه كعادم الماء. وهل التثليث والتفريق - بأن يغسل كل يد ثلاثاً على حدتها - من تمام السنة؟ أو يكفي غسلهما مرة والثانية والثالثة مستحبتان ولو مجتمعتين؟ قولان. الأرجح الاكتفاء قياساً على باقي أفعال الوضوء التي يطلب فيها التثليث. ولذا لم نذكر التثليث في المتن، ويؤخذ ندب الثانية والثالثة من قولنا الآتي: والغسلة الثانية والثالثة وبينا هنا أن التفريق مندوب. (ومضمضة واستنشاق، وندب فعل كل بثلاث غرفات، ومبالغة مفطر، واستنثار بوضع أصبعيه من اليسرى على أنفه، ومسح أذنيه ظاهرهما وباطنهما، وتجديد مائهما، ورد مسح الرأس إن بقي بلل): السنة الثانية: المضمضة: وهي إدخال الماء في الفم وخضخضته وطرحه. والثالثة: الاستنشاق: وهو إدخال الماء في الأنف وجذبه بنفسه إلى داخل أنفه. وندب فعل كل من هاتين السنتين بثلاث غرفات؛ بأن يتمضمض بثلاث ثم يستنشق بثلاث. وهذا معنى قول الشيخ: " وفعلهما بست أفضل ": أي أفضل من أن يفعلهما بثلاث غرفات، يتمضمض، ويستنشق بكل غرفة منها، أو بغرفتين أو بغير ذلك كما قال. وجاز أو إحداهما بغرفة. وندب للمفطر أن يبالغ في المضمضة والاستنشاق وإيصال الماء إلى [٢] الحلق وآخر الأنف، وكرهت المبالغة للصائم لئلا يفسد صومه. فإن بالغ ووصل الماء للحلق وجب عليه القضاء. ــ في الأثناء انقضاء الطهارة وكمالها، ويكون قد ترك بعضها، ثم يأتي به من غير نية فلا يجزي: انتهى من حاشية الأصل نقلا عن (بن). قوله: [وأما الصلاة والصوم]: أي ومثلهما الاعتكاف لاحتوائه عليهما. بقي شيء آخر؛ وهو أن رفض الوضوء جائز، كما يجوز القدوم على المس، وإخراج الريح من غير ضرورة، وفي الحج نظر، وأما الصوم والصلاة والاعتكاف فالحرمة، وبعض الشيوخ فرق بين الرفض ونقض الوضوء فمنع الأول دون الثاني لقوله تعالى: ﴿ولا تبطلوا أعمالكم﴾ [محمد: ٣٣] والوضوء عمل، قاله في الحاشية ثم قال: والذي يظهر أن المراد بالأعمال المقاصد لا الوسائل، وحينئذ فرفض الوضوء كنقضه جائز، واستظهره الشبرخيتي. تنبيه: لو تقدمت النية بكثير تضر اتفاقاً، وفي تقدمها بيسير خلاف، وأما تأخرها فيضر مطلقاً لخلو بعضه عن النية، فيكون في الحقيقة أول الوضوء ما نوى عنده. قوله: [غسل يديه]: أي تعبداً، كما قال ابن القاسم، وقال أشهب معقول المعنى واحتج بحديث: «إذا استيقظ أحدكم من نومه فليغسل يده ثلاثاً قبل أن يدخلها في إنائه، فإن أحدكم لا يدري أين باتت يده»، فتعليله دليل على أنه معقول، واحتج ابن القاسم للتعبد بالتحديد بالثلاث، إذ لا معنى له إلا ذلك، وحمله أشهب على المبالغة في النظافة انتهى من حاشية الأصل. قوله: [قبل إدخالهما في الإناء] إلخ: هذا هو المعتمد. وقيل: السنة متوقفة على الغسل خارج الإناء مطلقاً سواء توضأ من نهر أو حوض أو إناء كان الماء قليلاً أو كثيراً. قوله: [لكن بشرط] إلخ: أي فالشروط ثلاثة. قوله: [والتفريق] إلخ: اعلم أن طلب التفريق هو رواية أشهب عن مالك، وقال ابن القاسم: يغسلهما مجموعتين. قوله: [وطرحه]: أي لا إن شربه أو تركه سال من فمه فلا يجزي، ولا إن أدخله ومجه من غير تحريك وهذا هو المشهور. قوله: [كما قال] إلخ: أي الشيخ خليل وضمير الاثنين في كلامه عائد على المضمضة والاستنشاق. والمراد بالجواز خلاف الأولى لأنه مقابل للندب. وقوله: [بغرفة]: راجع لكل من الأمرين قبله، أي جازا معاً بغرفة وجاز أحدهما بغرفة. فالأول: كأن يتمضمض بغرفة واحدة ثلاثاً، ثم يستنشق من تلك الغرفة التي تمضمض منها ثلاثاً على الولاء ويتمضمض واحدة ويستنشق أخرى، وهكذا من غرفة واحدة. والثاني: كأن يتمضمض بغرفة ثلاثاً ويستنشق بأخرى ثلاثاً، وبقي صفة أخرى والظاهر جوازها وهي أن يتمضمض من غرفة مرتين، والثالثة من ثانية ثم يستنشق منها مرة ثم يستنشق اثنتين من غرفة ثالثة انتهى من حاشية الأصل.

стр. 46

ثم لا بد لهذه السنن الثلاثة من نية بأن ينوي بها سنن الوضوء، أو ينوي عند غسل يديه أداء الوضوء احترازاً عما لو فعل ما ذكر لأجل حر أو برد أو إزالة غبار، ثم أراد الوضوء، فلا بد من إعادتها لحصول السنة بالنية. الرابعة: الاستنثار: وهو دفع الماء بنفسه مع وضع أصبعيه - السبابة والإبهام من يده اليسرى - على أنفه كما يفعل في امتخاطه. الخامسة: مسح الأذنين ظاهرهما وباطنهما. السادسة: تجديد الماء لهما. السابعة: رد مسح الرأس بشرط أن يبقى بلل من أثر مسح رأسه، وإلا سقطت سنة الرد. (وترتيب فرائضه؛ فإن نكس أعاد المنكس وحده إن بعد بجفاف، وإلا فمع تابعه): السنة الثامنة: ترتيب الفرائض الأربعة، بأن يقدم الوجه على اليدين، وهما على الرأس ثم الرجلين. وأما تقديم اليد أو الرجل اليمنى على اليسرى فمندوب، كما يأتي. فإن نكس، بأن قدم فرضاً على موضعه المشروع له، كأن غسل اليدين قبل الوجه أو مسح رأسه قبل اليدين أو قبل الوجه، أعاد المنكس استناناً وحده مرة ولا يعيد ما بعده، إن طال ما بين انتهاء وضوئه وتذكره طولاً مقدراً بجفاف العضو الأخير في زمان ومكان اعتدلا. فإن لم يبعد [١] فعله مرة فقط مع تابعه شرعاً فلو بدأ بذراعيه ثم بوجهه فرأسه فرجليه، فإن تذكر بالقرب أعاد الذراعين مرة ومسح الرأس وغسل رجليه مرة، سواء نكس سهواً أو عمداً. وإن تذكر بعد طول أعاد الذراعين فقط مرة إن نكس سهواً، واستأنف وضوءه ندباً إن نكس عمداً ولو جاهلاً. ولو بدأ برأسه ثم غسل يديه فوجهه أعاد اليدين والرأس مطلقاً ثم يغسل رجليه إن قرب، وإلا فلا. ولو بدأ برجليه فرأسه فيديه فوجهه أعاد ما بعد الوجه على الترتيب الشرعي مطلقاً قرب أو بعد، لأن كل فرض من الثلاثة منكس. ولا يعيد الوجه إلا إذا نكس عمداً وطال كما تقدم. ولو قدم الرجلين على الرأس أعاد الرجلين مطلقاً إلا إذا تعمد وطال، فيبتدئ وضوءه ندباً لقوله: وإلا فمع تابعه: أي إن كان له تابع. (وفضائله: موضع طاهر، واستقبال، وتسمية، وتقليل الماء بلا حد كالغسل، وتقديم اليمنى وجعل الإناء المفتوح لجهتها، وبدء بمقدم الأعضاء، والغسلة الثانية والثالثة حتى في الرجل، وترتيب السنن في أنفسها أو مع الفرائض، واستياك وإن [٢] بأصبع): هذا شروع في فضائل الوضوء أي مستحباته بعد أن فرغ من الكلام على سننه. أولها: إيقاعه في محل طاهر بالفعل وشأنه الطهارة - فخرج الكنيف قبل استعماله فيكره الوضوء فيه. ثانيها: استقبال القبلة. ثالثها: التسمية بأن يقول عند غسل يديه إلى كوعيه: بسم الله، ــ قوله: [ثم لا بد لهذه السنن الثلاثة]: المناسب تأخير هذه العبارة عن سنة الاستنثار. ويبدل الثلاثة بالأربعة؛ لأن كلامه يوهم أن الاستنثار لا يتوقف على نية، وليس كذلك. بل حكم الأربعة واحد. قوله: [لحصول السنة بالنية]: اللام للتعليل علة للإعادة، فـ[أل] في "السنة" للجنس، فيشمل السنن الأربعة. قوله: [مع وضع] إلخ: فإن لم يضع أصبعيه على أنفه. ولا أنزل الماء من الأنف بالنفس -وإنما نزل بنفسه- فلا يسمى استنثاراً بناء على أن وضع الأصبعين من تمام السنة، وقيل إن ذلك مستحب. قوله: [من يده اليسرى]: هو مستحب كخصوص السبابة والإبهام. قوله: [ظاهرهما وباطنهما]: الظاهر ما يلي الرأس والباطن ما يلي الوجه، لأنها خلقت كالوردة ثم انفتحت وقيل بالعكس. قوله: [السادسة] إلخ: وبقي لهما سنة أخرى وهي مسح الصماخين وهو الثقب الذي يدخل فيه رأس الأصبع من الأذن كما في المواق نقلاً عن اللخمي وابن يونس، وقد ذكره الأصل. لكن الذي يفيده التوضيح أن مسح الصماخين من جملة مسح الأذنين، لا أنه سنة مستقلة فلذا تركه هنا وعدها ثمانية. قوله: [رد مسح الرأس]: أي إلى حيث بدأ فيرد من المؤخر إلى المقدم أو عكسه أو من أحد الفودين. قوله: [وإلا سقطت] إلخ: أي لأنه يكره التحديد كما سيأتي في المكروهات. وقد علمت أن الرد سنة لا فرق بين الشعر الطويل والقصير خلافاً لمن فصل. قوله: [وترتيب فرائضه]: أي وأما السنن في أنفسها أو مع الفرائض، فسيأتيان في الفضائل. وحاصل ما قاله المصنف والشارح: أن ترتيب الفرائض في أنفسها سنة. فإن خالف ونكس - بأن قدم عضواً عن محله - فلا يخلو: إما أن يكون ذلك عمداً أو جهلاً أو سهواً، وفي كل: إما أن يطول الأمر أم لا. فإن كان الأمر قريباً بحيث لم يحصل جفاف أتى بالمنكس مرة، إن كان غسله أولاً ثلاثاً أو مرتين، وإلا كمل تثليثه وأعاد ما بعده مرة مرة على ما تقدم. لا فرق بين كونه عامداً أو جاهلاً أو ناسياً وإن طال، فإن كان عامداً أو جاهلاً ابتدأ وضوءه ندباً، أو ناسياً فعله فقط مرة واحدة لا فرق بين كون الطول عمداً أو عجزاً أو سهواً؛ فصور الطول تسعة والقرب ثلاثة، تأمل. قوله: [فعله مرة فقط]: على المعتمد كما قال الشيخ سالم والطخيخي وارتضاه، خلافاً للأجهوري في قوله يعاد في حالة القرب ثلاثاً. قوله: [وفضائله]: أي خصاله وأفعاله المستحبة. قوله: [وتقليل] إلخ: أحسن من قول غيره: وقلة لأن الموصوف بكونه مستحباً إنما هو التقليل لا القلة إذ لا تكليف إلا بفعل، ومعناه يستحب أن يكون الماء المستعمل - وهو الذي يجعل على العضو - قليلاً، وإن كان يتوضأ من البحر. قوله: [فخرج الكنيف] إلخ: أي بقوله: شأنه الطهارة. قوله: [استقبال القبلة]: أي إن أمكن بغير مشقة. قوله: [التسمية]: جعلها من فضائل الوضوء هو المشهور من المذهب، خلافاً لمن قال بعدم مشروعيتها فيه وأنها تكره

стр. 47

وفي زيادة الرحمن الرحيم خلاف. رابعها: تقليل الماء الذي يرفعه للأعضاء حال الوضوء، ولا تحديد في التقليل لاختلاف الأعضاء والناس، بل بقدر ما يجري على العضو وإن لم يتقاطر منه، كالغسل يندب فيه الموضع الطاهر وما بعده. خامسها: تقديم اليد أو الرجل اليمنى في الغسل على اليسرى. سادسها: جعل الإناء المفتوح - كالقصعة والطست - لجهة اليد اليمنى، لأنه أعون في التناول. بخلاف الإبريق ونحوه فيجعله في جهة اليسرى فيفرغ بها منه على اليد اليمنى، ثم يرفعه بيديه جميعاً إلى العضو. سابعها: البدء في الغسل أو المسح بمقدم العضو، بأن يبدأ في الوجه من منابت شعر الرأس المعتاد نازلاً إلى ذقنه أو لحيته، ويبدأ في اليدين من أطراف الأصابع إلى المرفقين، وفي الرأس من منابت شعر الرأس المعتاد إلى نقرة القفا، وفي الرجل من الأصابع إلى الكعبين. فقولنا بمقدم الأعضاء أولى من قوله: بمقدم الرأس. ثامنها: الغسلة الثانية في السنن والفرائض. فأراد بالغسلة ما يشمل المضمضة والاستنشاق، وخرج بقوله: الغسلة ما يمسح من رأس وأذن وخفين، فتكره الثانية وغيرها. تاسعها: الغسلة الثالثة فيما ذكر، فكل منهما مندوب على حدته. وعبارتنا أفضل من قوله: " وشفع غسله وتثليثه ". والرجلان كغيرهما، وقيل المطلوب فيهما الإنقاء، وهو ضعيف. ومحل الخلاف في غير النقيتين من الأوساخ، وأما هما فكغيرهما قطعاً. عاشرها: الاستياك بعود لين قبل المضمضة من نخل أو غيره. والأفضل أن يكون من أراك، ويكفي الأصبع عند عدمه، وقيل: يكفي ولو وجد العود. ويستاك ندباً بيده اليمنى مبتدئاً بالجانب الأيمن عرضاً في الأسنان وطولاً في اللسان. ولا يستاك بعود الريحان المسمى في مصر بالمرسين ولا بعود الرمان لتحريكهما عند الأطباء عرق الجذام ولا بعود الحلفاء، ولا قصب الشعير لأنهما يورثان الأكلة أو البرص. ولا ينبغي أن يزيد في طوله على شبر. ــ قوله: [خلاف]: أي قولان رجح كل منهما؛ فابن ناجي رجح القول بعدم زيادتهما، والفاكهاني وابن المنير رجحا القول بزيادتهما. قوله: [ما يجري] إلخ: أي وإلا -بأن لم يجر- كان مسحاً. قوله: [اليمنى]: أي ولو أعسر بخلاف الإناء، وأما جانبا الوجه والفودان فلا ترتيب بينهما. قوله: [لجهة اليد اليمنى]: أي حيث لم يكن أعسر وإلا انعكس الحال. قوله: [أولى]: أي لشموله وعمومه. قوله: [الغسلة الثالثة]: جعل كل من الغسلة الثانية والثالثة مستحباً، هو المشهور كما قال ابن عبد السلام، وقيل: كل منهما سنة، وقيل: الغسلة الثانية سنة والثالثة فضيلة، ونقل الزرقاني عن أشهب فرضية الثانية، وقيل إنهما مستحب واحد، وذكره في التوضيح. قوله: [أفضل]: أي لكونها أصرح في المراد لا تحتمل غيره. ومحل كون الثانية والثالثة مستحباً إذا عمت الأولى، وأحكمت من فرض أو سنة. قوله: [الإنقاء]: أي ولو زاد على الثلاث، ولا يطلب بشفع ولا تثليث بعد الإنقاء على هذا القول، والمراد بالوسخ الذي يطلب إزالته في الوضوء: الوسخ الحائل، وأما الوسخ الغير الحائل فلا يتوقف الوضوء على إزالته. كذا في (بن) نقلاً عن المسناوي. تنبيه: ترك الشارح الكلام على فضيلتين ذكرهما المصنف، وهما: ترتيب السنن في أنفسها أو مع الفرائض. فجملة ما ذكره المصنف فقط ثنتا عشرة فضيلة فكان المناسب أن يقول بعد الكلام على غسل الرجلين: عاشرها، ترتيب السنن في أنفسها، حادية عشرها، ترتيبها مع الفوائض، ثانية عشرها، الاستياك. قوله: الاستياك: هو استعمال السواك من عود أو غيره، فالسواك يطلق مراداً به الفعل، ويطلق ويراد به الآلة، فلما كان لفظ السواك مشتركاً عبر بالفعل لدفع إيهام الآلة، وهو مأخوذ من ساك يسوك بمعنى دلك أو تمايل، من قولهم جاءت الإبل تساوك: أي تتمايل في المشي من ضعفها. وسبب مشروعيته أن العبد إذا قام للصلاة قام معه ملك، ووضع فاه على فيه، فلا تخرج من فيه آية قرآن إلا في جوف الملك. قوله: [بعود لين]: أي لغير الصائم، وأما هو فيكره به. قوله: [الأفضل أن يكون] إلخ: وعند الشافعية الأفضل الأراك، ثم جريد النخل، ثم عود الزيتون، ثم ما له رائحة ذكية، ثم غيره من العيدان مما لم ينه عنه، قال في الحاشية: والظاهر أن مذهبنا موافق لهم، وقال أيضاً: وهو من خصائص هذه الأمة لأنه كان للأنبياء السابقين لا لأممهم انتهى. قال بعض العلماء: أول من استاك سيدنا إبراهيم الخليل ﵊. قوله: [ويكفي الأصبع] إلخ: أي خلافاً للشافعية، فإنه لا يكفي الأصبع عندهم مطلقاً، وإن لم يوجد غيره. قوله: [بيده اليمنى]: أي بأن يجعل الإبهام والخنصر تحته والثلاثة فوقه. قوله: [عرضاً في الأسنان] إلخ: أي باطناً وظاهراً وطولاً في اللسان ظاهراً. ويستحب أيضاً كونه متوسطاً بين الليونة واليبوسة. ويكره للصائم الأخضر لئلا يتحلل منه شيء. تنبيه: ما ذكره المصنف من استحباب السواك هو المشهور، وقال ابن عرفة إنه سنة لحثه ﵊ عليه بقوله: «لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة» «ولمواظبته ﷺ عليه حتى صح أنه فعله وهو في سكرات الموت»، وقال ﵊: «ثلاث كتبهن الله علي وهن لكم سنة، فذكر منها السواك» وأجاب الجمهور بأن المراد بالسنة الطريقة المندوبة.

стр. 48

وفي السواك كلام طويل فراجعه في محله (كصلاة بعدت منه، وقراءة قرآن، وانتباه من نوم، وتغير فم): تشبيه في الندب؛ أي كما يندب الاستياك لصلاة فرض أو نافلة بعدت من الاستياك بالعرف. فمن والى بين صلوات، فلا يندب أن يستاك لكل صلاة منها ما لم يبعد ما بينها عن الاستياك. ويندب الاستياك أيضاً عند إرادة قراءة القرآن لتطييب الفم، وعند الانتباه من النوم، وعند تغير الفم بأكل أو غيره أو بكثرة كلام ولو بذكر أو قراءة أو طول سكوت، وورد: «إن السواك شفاء من كل داء إلا السام» أي الموت. (وكره: موضع نجس، وإكثار الماء، والكلام بغير ذكر الله، والزائد على الثلاث، وبدء بمؤخر الأعضاء، وكشف العورة ومسح الرقبة، وكثرة الزيادة على محل الفرض، وترك سنة): هذا شروع في مكروهات الوضوء، وهو من زياداتي على المصنف. أي أنه يكره فعل الوضوء في مكان نجس؛ لأنه طهارة، فيتنحى عن المكان النجس أو ما شأنه النجاسة ولئلا يتطاير عليه شيء مما يتقاطر من أعضائه ويتعلق به النجاسة. ويكره إكثار الماء على العضو؛ لأنه من السرف والغلو في الدين الموجب للوسوسة. ويكره الكلام حال الوضوء بغير ذكر الله تعالى. وورد أن النبي ﷺ كان يقول حال الوضوء: «اللهم اغفر لي ذنبي، ووسع لي في داري، وبارك لي في رزقي، وقنعني بما رزقتني ولا تفتني بما زويت عني». ويكره الزائد على الثلاث في المغسول، وكذا يكره المسح الثاني في الممسوح، وقيل يمنع الزائد، وهو ضعيف. ويكره البدء بمؤخر الأعضاء، وكشف العورة حال الوضوء ــ قوله: [كلام طويل]: من ذلك فضائله، وهي تنتهي إلى بضع وثلاثين فضيلة، وقد نظمها الحافظ ابن حجر فقال: إن السواك مرضي الرحمن ... وهكذا مبيض الأسنان ومظهر الشعر مذكي الفطنة ... يزيد في فصاحة وحسنه مشدد اللثة أيضاً مذهب ... لبخر وللعدو مرهب كذا مصفي خلقة ويقطع ... رطوبة وللغذاء ينفع ومبطئ للشيب والإهرام ... ومهضم الأكل من الطعام وقد غدا مذكر الشهاده ... مسهل النزع لدى الشهاده ومرغم الشيطان والعدو ... والعقل والجسم كذا يقوي ومورث لسعة مع الغنى ... ومذهب لألم حتى العنا وللصداع وعروق الراس ... مسكن ووجع الأضراس يزيد في مال وينمي الولدا ... مطهر للقلب جال للصدا مبيض الوجه وجال للبصر ... ومذهب لبلغم مع الحفر ميسر موسع للرزق ... مفرح للكاتبين الحق قوله: [كصلاة بعدت منه] إلخ: أي سواء كان متطهراً بماء أو تراب أو غير متطهر، كمن لم يجد ماء ولا تراباً بناء على أنه يصلي. قوله: [تشبيه في الندب] إلخ: وقال القاضي عياض: والسواك مستحب في كل الأوقات ويتأكد استحبابه في خمسة أوقات: عند الوضوء وعند الصلاة وعند قراءة القرآن، وعند انتباهه من النوم وعند تغير الفم بسكوت أو أكل أو شرب أو تركهما أو بكثرة كلام ولو بالقرآن. قوله: [وهو من زياداتي] إلخ: أي لأن للمصنف زيادات زادها على أصله منها المكروهات والشروط هنا، وسيأتي له جملة مواضع يزيدها على أصله. قوله: [أي أنه يكره] إلخ: لما كان لا يلزم من ترك الفضيلة حصول المكروه صرح بالمكروهات. قوله: [لأنه طهارة]: أي لأنه طهارة تعبدنا بها الشارع فينبغي أن تكون في المواضع الطاهرة. قوله: [ولئلا يتطاير] إلخ: هذا التعليل لا يظهر إلا في المكان النجس بالفعل لا فيما شأنه النجاسة، فالتعليل الأول أتم. قوله: [والغلو]: أي التشديد، وفي الحديث: «ولن يشاد أحد الدين إلا غلبه». قوله: [ويكره الكلام إلخ]: أي لأن السكوت لغير ذكر الله حال الوضوء مندوب، فيكره ضده. قوله: [اللهم اغفر لي ذنبي]: يجري في تفسيره ما جرى في قوله تعالى: ﴿ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك﴾. قوله: [ووسع لي في داري]: أي الدنيوية والأخروية، فقد ورد: "سعادة المرء في الدنيا ثلاث: الدار الوسيعة، والدابة السريعة، والزوجة المطيعة" انتهى. وسعة دار الآخرة هي الأهم. قوله: [وبارك لي في رزقي]: أي زدني فيه في الدنيا والآخرة. قوله: [وقنعني]: أي اجعلني قانعاً أي مكتفياً وراضياً بما رزقتني في الدنيا، فلا أمد عيني لما في أيدي الناس، وهذا هو الغنى النفسي وفي الحديث: «خير الغنى غنى النفس». قوله: [ولا تفتني بما زويت عني]: أي ولا تجعلني مفتوناً أي مشغولاً بما زويته أي أبعدته عني، بأن سبق في علمك أنك لا تقدره لي، فإن الشغل به حسرة وندامة، وهذا الحديث تعليم لأمته، وإلا فهو يستحيل عليه تخلف تلك الدعوات. قوله: [على الثلاث]: أي الموعبة، لأنها من السرف. وهو نقل ابن رشد عن أهل المذهب، وهو الراجح. قوله: [وكذا يكره المسح] إلخ: أي يكره تكرار المسح في العضو الممسوح، كان المسح أصلياً أو بدلياً، اختيارياً أو اضطرارياً، لكون المسح مبنياً على التخفيف.

стр. 49

إذا كان بخلوة أو مع زوجته أو أمته وإلا حرم كما هو ظاهر. ويكره مسح الرقبة في الوضوء؛ لأنه من الغلو في الدين، فهو بدعة مكروهة خلافاً لمن قال بندبه. وكذا تكره كثرة الزيادة على محل الفرض لما ذكرنا. وقال الشافعي بندبها وفسر إطالة الغرة في الحديث بذلك، وفسرها الإمام مالك بإدامة الوضوء. وكره للمتوضئ ترك سنة من سنن الوضوء عمداً ولا تبطل الصلاة بتركها، فإن تركها عمداً أو سهواً سن له فعلها لما يستقبل من الصلاة إن أراد أن يصلي بذلك الوضوء. (وندب لزيارة صالح وسلطان، وقراءة قرآن، وحديث، وعلم، وذكر، ونوم ودخول سوق، وإدامته وتجديده إن صلى به أو طاف): يعني أنه يندب لمن أراد زيارة صالح، كعالم وزاهد وعابد - حي أو ميت - أن يتوضأ، وأولى لزيارة نبي لأن حضرتهم حضرة الله تعالى، والوضوء نور فيقوي به نوره الباطني في حضرتهم. وكذا يندب الوضوء لزيارة سلطان أو الدخول عليه لأمر من الأمور لأن حضرة السلطان حضرة قهر أو رضا من الله، والوضوء سلاح المؤمن وحصن من سطوته. وكذا يندب الوضوء لقراءة القرآن وقراءة الحديث وقراءة العلم الشرعي ولذكر الله تعالى مطلقاً. وعند النوم وعند دخول السوق، لأنه محل لهو واشتغال بأمور الدنيا ومحل الأيمان الكاذبة، فللشيطان فيه قوة تسلط على الإنسان، والوضوء سلاح المؤمن ودرعه الحصين من كيده وكيد الإنس والجن. ويندب أيضاً إدامة الوضوء؛ لأنه نور كما ورد. ويندب أيضاً لمن كان على وضوء صلى به فرضاً ونفلاً، أو طاف به وأراد صلاة أو طوافاً أن يجدد وضوءه لذلك، لا إن مس به مصحفاً فلا يندب له تجديده. (وشرط صحته: إسلام، وعدم حائل ومناف) هذا شروع في شروط الوضوء. وهي من زيادتنا على الشيخ كالذي قبله ما عدا الأخير. وشروطه ثلاثة أنواع: شروط صحة فقط، وشروط وجوب فقط، وشروط وجوب وصحة معاً. ومراده بالشرط: ما يتوقف عليه الشيء من صحة أو وجوب أو هما، ــ قوله: [إذا كان بخلوة]: أي ولو في ظلام. قوله: [خلافاً لمن قال بندبه]: أي وهو أبو حنيفة؛ لعدم ورود ذلك في وضوئه ﵊، وإن ورد فيه أنه أمان من الغل. قوله: [كثرة الزيادة] إلخ: أي وأما أصل الزيادة فلا بد منها لأنه من باب ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب. قوله: [لما ذكرنا]: أي وهو الغلو. قوله: [في الحديث]: أي الوارد في الصحيحين أنه ﵊ قال: «من استطاع منكم أن يطيل غرته فليفعل». قوله: [ترك سنة]: أي: أي سنة كانت من السنن الثمانية، فهي أولى في الكراهة من ترك الفضيلة. قوله: [فإن تركها] إلخ: أي تحقيقاً أو ظناً أو شكاً لغير مستنكح غير الترتيب، ولم ينب عنها غيرها، ولم يوقع فعلها في مكروه -وهي: المضمضة والاستنشاق ومسح الأذنين- فإنه يفعلها - كما قال الشارح - إن أراد الصلاة بهذا الوضوء دون ما بعده ولو قريباً، ولا يعيد ما صلى في وقت ولا غيره اتفاقاً في السهو، وعلى المعروف في العمد، لضعف أمر الوضوء لكونه وسيلة عن أمر الصلاة لكونها مقصداً. وأما الترتيب فقد تقدم حكمه. وأما ما ناب عنه غيره، كغسل اليدين إلى الكوعين، أو أوقع فعله في مكروه، كرد مسح الرأس وتجديد الماء للأذنين والاستنثار - إذ لا بد من سبق استنشاق - فلا يفعل شيء منها على ما لابن بشير خلافاً لطريقة ابن الحاجب القائل بالإتيان بالسنة مطلقاً. وظاهر الشارح موافقة ابن الحاجب، لكن الذي ارتضاه الأشياخ كلام ابن بشير ومشى عليه في الأصل. قوله: [وندب] إلخ: شروع في الوضوء المندوب وضابطه: كل وضوء ليس شرطاً في صحة ما يفعل به، بل من كمالات ما يفعل به، ولذلك لا يرتفع به الحدث إلا إذا نوى رفعه أو نوى فعل عبادة تتوقف على رفع الحدث كمس المصحف مثلاً. قوله: [فيقوى به نوره] إلخ: أي فتتصل روحه بأرواحهم ويستمد منهم. قوله: [لزيارة سلطان]: مراده كل ذي بطش. قوله: [حضرة قهر] إلخ: أي فهو مظهر من مظاهر الحق، رحمة ونقمة يرحم الله به وينتقم الله به، والوضوء حصن من النقمة فاتح للرحمة. قوله: [وكذا يندب] إلخ: أي لأن حضرة ما ذكر حضرة الله، فيتعرض فيها العبد للنفحات الربانية، فيتهيأ لتلك النفحات بالوضوء وإخلاص الباطن. قوله: [وعند النوم]: أي لما ورد: «من نام على طهارة سجدت روحه تحت العرش، وإن الشيطان لا يتلاعب به». قوله: [فللشيطان فيه قوة تسلط]: أي لما ورد: «إن أول من يدخل الأسواق الشياطين: براياتها وإنها شر البقاع». قوله: [كما ورد]: من ذلك ما فسر به مالك إطالة الغرة في حديث أبي هريرة من قوله ﷺ : «إن أمتي يدعون يوم القيامة غراً محجلين من آثار الوضوء، فمن استطاع منكم أن يطيل غرته فليفعل». قوله: [لا إن مس به مصحفاً]: إن قلت ما الفرق بينه وبين ما قبله مع أن كلاً فعل به عبادة تتوقف على طهور. والجواب أن غير مس المصحف أقوى من تعلقه بالطهارة؛ لتوقف صحته عليها، فلذلك طلب التجديد بعد تأديتها دون مس المصحف قوله: [ما عدا الأخير]: أي الذي هو تجديد الوضوء قوله: [وشروطه] إلخ: جمع شرط: ومعناه لغة العلامة واصطلاحاً: ما يلزم من عدمه العدم ولا يلزم من وجوده وجود ولا عدم لذاته. قوله: [شروط صحة] إلخ: شرط الصحة ما تبرأ به الذمة ويجب على المكلف تحصيله. قوله: [شروط وجوب]: شرط الوجوب ما تعمر به الذمة، ولا يجب على المكلف تحصيله. قوله: [ومراده بالشرط] إلخ: جواب عن سؤال ورد عليه،

стр. 50

فيشمل السبب كدخول الوقت. فشروط صحته ثلاثة: الإسلام؛ فلا يصح من كافر. ولا يختص بالوضوء بل هو شرط في جميع العبادات من طهارة وصلاة وزكاة وصوم وحج. الثاني: عدم الحائل من وصول الماء للبشرة، كشمع ودهن متجسم على العضو، ومنه عماص العين والمداد بيد الكاتب ونحو ذلك. الثالث: عدم المنافي للوضوء، فلا يصح حال خروج الحدث أو مس الذكر ونحوه. (وشرط وجوبه: دخول وقت، وبلوغ، وقدرة عليه، وحصول ناقض) أي شروط وجوبه فقط أربعة: دخول وقت الصلاة. والبلوغ، فلا يجب على صبي. والقدرة على الوضوء فلا يجب على عاجز كالمريض ولا على فاقد الماء. فالمراد بالقادر هو الواجد الماء الذي لا يضره استعماله. والرابع: حصول ناقض، فلا يجب على محصله، وهو ظاهر. (وشرطهما: عقل، ونقاء من حيض ونفاس، ووجود ما يكفي من المطلق، وعدم نوم وغفلة): أي أن شروط الوجوب والصحة معاً للوضوء أربعة: الأول: العقل، فلا يجب ولا يصح من مجنون حال جنونه، ولا من مصروع حال صرعه. الثاني: النقاء من دم الحيض والنفاس بالنسبة للمرأة فلا يجب ولا يصح من حائض ونفساء. الثالث: وجود ما يكفي من الماء المطلق، فلا يجب ولا يصح من واجد ماء قليل لا يكفيه. فلو غسل بعض الأعضاء بما وجده من الماء فباطل. وما أدخلنا - في شرط القدرة من أنه شرط وجوب فقط هو العادم للماء من أصله، فإنه يصدق عليه أنه ليس بقادر على الوضوء، تأمل. الرابع: عدم النوم والغفلة فلا يجب على نائم وغافل، ولا يصح منهما لعدم النية إذ لا نية لنائم أو غافل حال النوم أو الغفلة. (كالغسل وكالتيمم، بإبدال المطلق بالصعيد، إلا أن الوقت فيه شرط فيهما): أي أن الغسل يجري فيه جميع الشروط المتقدمة بأنواعها الثلاثة سواء بسواء. وكذا التيمم لكن يبدل فيه الماء المطلق بالصعيد الطاهر، فلا يجب التيمم على فاقد الماء إلا إذا وجد صعيداً طاهراً يتيمم عليه، فوجود الصعيد شرط فيهما. وأعاد الكاف في التيمم ليعود الكلام بعده له. ولما كان التشبيه يوهم أن دخول الوقت شرط وجوب فقط في التيمم استدرك عليه بقوله: (إلا أن الوقت فيه) - أي التيمم - (شرط فيهما): أي الوجوب والصحة معاً. ــ وهو أن حقيقة شرط الوجوب تناقض حقيقة شرط الصحة، فكيف يجتمعان؟ إذ شرط الوجوب ما تعمر به الذمة، ولا يجب على المكلف تحصيله، وشرط الصحة ما تبرأ به الذمة ويجب على المكلف تحصيله. فأجاب بقوله: [ومراده] إلخ أي أنهما إذا اجتمعا يعرفان بما ذكر، وإذا انفردا يعرفان بما سبق انتهى تقرير الشارح. قوله: (فيشمل السبب): هو في اللغة الحبل، قال تعالى: ﴿فليمدد بسبب إلى السماء﴾ [الحج: ١٥] أي حبل إلى سقف بيته، ويطلق أيضاً على الموصل لغيره، وفي الاصطلاح: ما يلزم من وجوده الوجود ومن عدمه العدم لذاته. قوله: [الإسلام]: أي بناء على أن الكفار مخاطبون بفروع الشريعة وهو المعتمد، خلافاً لمن جعله شرط وجوب بناء على أنهم غير مخاطبين. ولكن إذا تأملت تجده على القول الضعيف شرط وجوب وصحة معاً كما ذكره محشي الأصل في فصل شرط الصلاة. قوله: [ولا يختص بالوضوء]: اعتراض من الشارح على عدهم له من الشروط، كأنه يقول: لا يعد من شروط الشيء إلا ما كان خاصاً بذلك الشيء. قوله: [متجسم]: يحترز عن نحو السمن والزيت الذي يقطع الماء على العضو، فلا يضر إذا عم الماء وتقطع بعد ذلك. قوله: [ونحو ذلك]: أي كالأوساخ المتجسدة على الأبدان، ومن ذلك القشف الميت. قوله: [ونحوه]: أي كمس الأجنبية بلذة معتادة. قوله: [دخول وقت الصلاة]: إنما عده من الشروط لما تقدم له أن مراده بالشرط ما يشمل السبب. قوله: [والبلوغ]: ستأتي علامته إن شاء الله تعالى في الحنجرة، ومعناه قوة تحدث للصبي ينتقل بها من حالة الطفولية إلى حالة الرجولية. قوله: [على صبي]: مراده به ما يشمل الذكر والأنثى. قوله: [كالمريض]: أدخلت الكاف المكره والمصلوب والأقطع إذا لم يجد من يوضئه ولم يمكنه التحيل. قوله: [ولا على فاقد الماء]: أي حقيقة أو حكماً كمن عنده ماء يحتاج له لنحو شرب. قوله: [حصول ناقض]: أي ثبوته شرعاً ولو بالشك في الحدث، أو الشك في السبب لغير مستنكح. قوله: [فلا يجب على محصله]: أي الوضوء، وأما التجديد فشيء آخر. قوله: [أربعة]: وزاد بعضهم خامساً وهو بلوغ دعوة النبي ﷺ فتكون على هذه خمسة، وإنما تركه المصنف لندور تخلفه. قوله: [من مجنون]: ومثله المغمى عليه والمعتوه الذي لا يدري أين يتوجه. قوله: [العادم للماء من أصله]: أي حساً أو شرعاً كمن عنده ماء مسبل للشرب، أو محتاج له لنحو شرب، كما تقدم التنبيه عليه. قوله: [تأمل]: أمر بالتأمل لصعوبة الفرق. قوله: [لعدم النية]: أي بالنسبة للغافل، وأما النائم فمعدوم النية والعقل. قوله: [كالغسل] إلخ: حاصله أن الشروط الأحد عشر بل الاثنا عشر بما زدناه تجري في الغسل والتيمم أيضاً، فيقال: شروط صحة الغسل ثلاثة: الإسلام، وعدم الحائل على أي عضو من جميع الجسد، وعدم المنافي وهو الجماع وما في معناه. وشروط وجوبه فقط أربعة: البلوغ، ودخول الوقت، والقدرة على الاستعمال، وثبوت الموجب، وستأتي موجباته. وشروط وجوبه وصحته معاً خمسة: العقل، وانقطاع دم الحيض والنفاس بالنسبة للمرأة، ووجود ما يكفي جميع البدن من الماء المطلق، وكون المكلف

стр. 51

فصل [١] (ناقض الوضوء: إما حدث؛ وهو الخارج المعتاد من المخرج المعتاد في الصحة، من ريح وغائط وبول ومذي وودي ومني بغير لذة معتادة وهاد): لما فرغ من الكلام على الوضوء، شرع في بيان نواقضه. والناقض ثلاثة أنواع: حدث، وسبب، وغيرهما. وعرف الحدث بقوله: وهو الخارج المعتاد إلخ. وقوله: في الصحة متعلق بالمعتاد وبين الخارج المذكور بقوله: من ريح إلخ. وحاصله أن الخارج المعتاد سبعة؛ ستة في الذكر والأنثى، وواحد - وهو الهادي - يختص بالأنثى، وكلها من القبل إلا الريح والغائط فمن الدبر. فقوله: الخارج خرج عنه الداخل من أصبع أو عود أو حقنة فلا ينقض. وخرج بقوله: المعتاد الخارج الغير المعتاد كالدم والقيح والحصى والدود، وخرج بقوله: من المخرج المعتاد ما خرج من الفم أو من ثقبة، على ما سيأتي، أو خروج ريح أو غائط من القبل، أو بول من الدبر؛ فلا ينقض. واحترز بقوله: في الصحة من الخارج المعتاد على وجه المرض - وهو السلس - على ما سيأتي. وقوله: ومني بغير لذة معتادة أي بأن كان بغير لذة أصلاً أو لذة غير معتادة كمن حك لجرب أو هزته دابة فأمنى. وأما ما خرج بلذة معتادة من جماع أو لمس أو فكر فموجب للغسل. والهادي: هو الماء الذي يخرج من فرج المرأة عند ولادتها. وبقي من النواقض أمران: دم الاستحاضة، وسيأتي إدخاله في السلس، - وخروج مني الرجل من فرج المرأة بعد أن اغتسلت. (لا حصى ودود ولو مع أذى): بالرفع عطف على "وهو الخارج" وهو محترز "المعتاد" فليس كل منهما بحدث فلا ينقض، ــ غير نائم ولا غافل، وبلوغ الدعوة. وأما التيمم فيقال شروط صحته ثلاثة: الإسلام: وعدم الحائل على الوجه واليدين، وعدم المنافي الذي: يوجب الغسل أو الوضوء. ومن المنافي أيضاً: وجود الماء المباح للقادر على استعماله. وشروط وجوبه فقط ثلاثة: البلوغ، والقدرة على الاستعمال، وثبوت الناقض. وشروط وجوبه وصحته معاً ستة: العقل، وانقطاع دم الحيض والنفاس، ووجود الصعيد الطاهر، ودخول الوقت، وكون المكلف غير نائم ولا غافل، وبلوغ الدعوة. فصل: قوله: [ناقض الوضوء]: أي مبطل حكمه مما كان يباح به من صلاة أو غيرها، ولذلك قال شيخنا في حاشية مجموعه أي ينتهي حكمه، لا أنه بطل من أصله، وإلا لوجب قضاء العبادة التي أديت به انتهى. ويسمى موجب الوضوء أيضاً قال في التوضيح: وتعبير ابن الحاجب "بالنواقض" أولى من تعبير غيره: "بما يوجب الوضوء"؛ لأن الناقض لا يكون إلا متأخراً عن الوضوء بخلاف الموجب، فإنه قد يسبق كالبلوغ مثلاً، وكلامنا فيما كان متأخراً لا ما كان متقدماً، والمؤلف لما أراد ذكر النواقض متأخرة عن الوضوء ناسب أن يعبر عنها بالنواقض وإلا فالتعبير بالموجب أولى؛ لأنه يصدق على السابق، وعلى المتأخر، وأيضاً فالتعبير بالنقض يوهم بطلان العبادة بالوضوء السابق وإن أجيب عنه. قوله: [إما حدث]: هو ما ينقض الوضوء بنفسه. قوله: [وسبب]: هو ما لا ينقض الوضوء بنفسه بل بما يؤدي إلى الحدث. قوله: [وغيرهما]: أي كالشك في الحدث، والردة. على أنه يقال: إن الشك في الحدث داخل في الأحداث، والشك في السبب داخل في الأسباب، بأن يقال إن الحدث ناقض من حيث تحققه، أو الشك فيه. انتهى من الحاشية. قوله: [متعلق بالمعتاد]: أي الذي اعتيد في الصحة خروجه، أي متعلقاً بالخارج؛ وإلا لاقتضى عدم النقض بالمعتاد إذا خرج في المرض، وليس كذلك. كذا قيل: وقد يقال المراد بالصحة ما شأنه أن يخرج فيها، فاندفع الاعتراض. والمراد [بالمعتاد] ما اعتيد جنسه. فإذا خرج البول غير متغير فإنه ينقض الوضوء؛ لأن جنسه معتاد وإن لم يكن هو معتاداً. قوله: [أو حقنة]: هي الدواء الذي يصب في الدبر بآلة، ومن جملة الدواخل ذكر البالغ في قبل أو دبر فإنه يوجب ما هو أعم من الوضوء وهو غسل جميع الجسد، والتعريف إنما هو للحدث الموجب للطهارة الصغرى، فقط. ومن جملة ما ليس داخلاً ولا خارجاً: القرقرة والحقن الشديدان؛ فلا ينقضان الوضوء إذا تمت معهما الأركان. وأما لو منعا من الإتيان بشيء منها حقيقة أو حكماً؛ كما لو كان يقدر على الإتيان بعسر فقد أبطلا الوضوء. فمن حصره بول أو ريح وكان يعلم أنه لا يقدر على شيء من أركان الصلاة أصلاً أو يأتي به مع عسر كان وضوءه باطلاً ليس له أن يفعل به ما يتوقف على طهارة؛ لأن الحدث إن لم يخرج حقيقة فهو خارج حكماً. انتهى من حاشية الأصل تبعاً لتقرير العلامة العدوي. قوله: [بغير لذة أصلاً]: أي ولم يكن على وجه السلس، وإلا فحكمه. قوله: [أو هزته دابة]: أي ما لم يحس بمبادئ اللذة فيستديم حتى ينزل، فإنه يجب عليه الغسل كما سيأتي. قوله: [والهادي]: أي فهو من موجبات الوضوء على خلاف ما مشى عليه ابن رشد لقول خليل ووجب وضوء بهاد والأظهر نفيه. قوله: [دم الاستحاضة]: أي في بعض أحواله لجريانه على صور السلس. قوله: [وخروج مني الرجل] إلخ: حيث دخل بجماع لا بغيره فلا يوجب الوضوء، لقول الخرشي وأما لو دخل فرجها بلا وطء ثم خرج فلا يكون ناقضاً كما يفيده كلام ابن عرفة. قوله: [لا حصى ودود]: أي المتخلقان في البطن. وأما لو ابتلع حصاة أو دودة فنزلت بصفتها

стр. 52

ولو خرج مع كل أذى، أي بول أو غائط؛ لأن خروج الأذى تابع لخروجهما فلا يعتبر. ومثلهما الدم والقيح. كما تقدم، لكن بشرط خروجهما خالصين من الأذى، كما نصوا عليه. والفرق أن الشأن في الحصى والدود عدم خلوصهما. واعترض بأن المشهور عن ابن رشد أنه لا نقض بهما مطلقاً كالحصى والدود. (ولا من ثقبة إلا تحت المعدة وانسدا) هذا محترز قوله: من المخرج المعتاد. فإذا خرج بول أو غائط أو ريح من ثقبة فوق المعدة لم ينقض، انسد المخرجان أو أحدهما أو لا. المراد بالمعدة: الكرش الذي يستقر فيه الطعام عند الأكل، ومستقرها فوق السرة. بخلاف الخارج من ثقبة تحتها فإنه ينقض بشرط انسداد المخرجين، لأن الطعام أو الشراب لما انحدر من المعدة إلى الأمعاء - أي المصارين - صار الخارج من الثقبة التي تحت المعدة عند انسداد المخرجين بمنزلة الخارج من نفس المخرجين. وأما عند انفتاحهما ونزول الخارج منهما على العادة لم يكن الخارج من الثقبة معتاداً فلم ينقض. (ولا سلس لازم نصف الزمن فأكثر، وإلا نقض): هذا محترز في الصحة لأن معناه: خارج معتاد على وجه الصحة، فخرج السلس لأنه لم يكن على وجه الصحة فلا ينقض إن لازم نصف زمن أوقات الصلاة أو أكثر، فأولى في عدم النقض بملازمته كل الزمن. لكن يندب الوضوء إذا لم يعم الزمن وسواء كان السلس وهو ما - يسيل بنفسه لانحراف الطبيعة بولاً أو ريحاً أو غائطاً أو مذياً. وهذا إذا لم ينضبط ولم يقدر على التداوي، فإن انضبط بأن جرت عادته أنه ينقطع آخر الوقت وجب عليه تأخير الصلاة لآخره، أو ينقطع أوله وجب عليه تقديمها، هكذا قيده بعض الفضلاء. وكذا إذا قدر على التداوي وجب عليه التداوي، واغتفر له أيامه. إلا أن هذا خصه بعضهم بالمذي إذا كان لعزوبة بلا تذكر. وأما لتذكر أو نظر - بأن كان كلما تذكر أو نظر أمذى - واستدام عليه التذكر، ــ فالنقض ولو كانا خالصين من الأذى؛ لأنه من قبيل الخارج المعتاد. قوله: [ولو خرج مع كل أذى]: أي ولو كثر الأذى ما لم يتفاحش في الكثرة، وإلا نقض كما قرره العلامة العدوي. تنبيه: يعفى عما خرج من الأذى مع الحصى والدود إن كان مستنكحاً بأن كان يأتي كل يوم مرة فأكثر، وإلا فلا بد من إزالته بماء أو حجر إن كثر، وإلا فلا يلزمه الاستنجاء منه. ولذلك قال شيخنا في مجموعه: قل للفقيه ولا تخجلك هيبته ... شيء من المخرج المعتاد قد عرضا فأوجب القطع واستنجى المصلي له ... لكن به الطهر يا مولاي ما انتقضا قوله: [ولا من ثقبة] إلخ: حاصل الفقه أن الصور تسع؛ لأن الثقبة إما تحت المعدة أو في نفس المعدة، وهي ما فوق السرة إلى منخسف الصدر، فالسرة مما تحت المعدة كما في الحاشية أو فوقها بأن كانت في الصدر. وفي كل إما أن ينسد المخرجان أو ينفتحا، أو ينسد أحدهما وينفتح الآخر. فالنقض في صورة واحدة: وهي ما إذا كانت تحت المعدة وانسدا ولا نقض والباقي. ولكن قال شيخنا في مجموعه: ومقتضى النظر في انسداد أحدهما نقض خارجه منها، وكل هذا ما لم يدم الانسداد وتعتاد الثقبة فتنقض ولو فوق المعدة بالأولى من نقضهم بالفم إذا اعتيد، والفرق بأنه معتاد لبعض الحيوانات كالتمساح واهٍ. اهـ. قوله: [إلا تحت المعدة] إلخ: المستثنى صورة واحدة من التسع. قوله: [ومستقرها فوق السرة]: أي والسرة مما تحت المعدة كما تقدم عن الحاشية. قوله: [وأما عند انفتاحهما] إلخ: وقد علمت ما إذا انسد أحدهما وكان الخارج منها هو الذي يخرج منه أنه يحكم عليه بالنقض أيضاً كما تقدم عن شيخنا في مجموعه وقرره المؤلف أيضاً. قوله: [ولا سلس]: معطوف على قوله: [لا حصى]. وحاصله أن الخارج من أحد المخرجين إذا لم يكن على وجه الصحة صوره أربع: تارة يلازم كل الزمان، وهذه لا نقض فيها ولا يندب فيها وضوء. وتارة يلازم جل الزمان أو نصف الزمان وهاتان لا نقض فيهما ويستحب فيهما الوضوء لكل صلاة. وتارة يلازم أقل الزمان وهذه يجب فيه الوضوء. والثلاثة الأول داخلة تحت قول المصنف: [ولا سلس لازم نصف الزمان فأكثر]. والرابعة هي قوله: [وإلا نقض]. قوله: [أوقات الصلاة]: وهي من الزوال إلى طلوع الشمس من اليوم الثاني وما اقتصر عليه الشارح إحدى طريقتين في خليل خليل وهي طريقة ابن جماعة ومختار ابن هارون وابن فرحون والشيخ عبد الله المنوفي. والطريقة الثانية تقول: المراد جميع أوقات الصلاة وغيرها، وهو قول البرزلي ومختار ابن عبد السلام، وتظهر فائدة الخلاف فيما إذا فرضنا أن أوقات الصلاة مائتان وستون درجة وغير أوقاتها مائة درجة، فأتاه السلس فيها وفي مائة من أوقات الصلاة. فعلى الأولى ينتقض وضوءه لمفارقته أكثر الزمان لا على الثانية لملازمته أكثر الزمان. فإن لازمه وقت صلاة فقط نقض وصلاها قضاء أفتى به الناصر فيمن يطول به الاستبراء حتى يخرج الوقت. قوله: [بعض الفضلاء]: هو سيدي عبد الله المنوفي.

стр. 53

فإنه ينقض مطلقاً ولو لازم كل الزمن. فإن كان لغير عزوبة بل لمرض أو انحراف طبيعة فهو كغيره ولا يجب فيه التداوي. ومن السلس: دم الاستحاضة، فإن لازم أقل الزمن نقض وإلا فلا. (وإما سبب وهو: زوال العقل وإن بنوم ثقيل ولو قصر): هذا شروع في بيان السبب الناقض. وهو ثلاثة أنواع: زوال العقل، ولمس من تشتهى، ومس ذكره المتصل. فقوله: "وإما سبب": عطف على "إما حدث". قوله: وهو زوال العقل إشارة إلى النوع الأول. وزواله يكون بجنون أو إغماء أو سكر أو بنوم ثقيل ولو قصر زمنه، لا إن خف ولو طال. وندب إن طال. والثقيل: ما لا يشعر صاحبه بالأصوات أو بسقوط شيء بيده، أو سيلان ريقه ونحو ذلك، فإن شعر بذلك فخفيف، وإن لم يفسر الكلام عنده. (ولمس بالغ من يلتذ به عادة ولو لظفر أو شعر أو بحائل إن قصد اللذة أو وجدها، وإلا فلا): هذا إشارة للنوع الثاني من أنواع السبب. فلمس معطوف على زوال عقل أي إن لمس المتوضئ البالغ لشخص يلتذ بمثله عادة - من ذكر أو أنثى - ينقض الوضوء، ولو كان الملموس غير بالغ، أو كان اللمس لظفر أو شعر أو من فوق حائل كشرب [١] وظاهرها: كان الحائل خفيفاً يحس اللامس معه بطراوة البدن، ــ قوله: [فإنه ينقض مطلقاً]: قال شيخنا في مجموعه: وليس منه مذي من كلما نظر أمذى بلذة خلافاً لما في الخرشي، بل هذا ينقض. إنما السلس مذي مسترسل، نظر أم لا؛ لطول عزوبة مثلاً أو اختلال مزاج. قوله: [ولا يجب فيه التداوي]: أي لو قدر على رفعه بالتداوي لا يجب عليه التداوي. غاية الأمر أن فيه الصور الأربع المتقدمة، فهو مخصص لقولهم حيث قدر على دفعه لا يغتفر له إلا مدة التداوي، ولذلك قال في حاشية الأصل: اعلم أن عندنا صوراً ثلاثاً: الأولى: ما إذا كان سلس المذي لبرودة أو علة كاختلال مزاج، فهذه لا يجب فيها الوضوء قدر على رفعه أم لا إلا إذا فارق أكثر الزمان. الثانية: ما إذا كان لعزوبة مع تذكر بأن استنكحه، وصار مهما نظر أو سمع أو تفكر أمذى بلذة. الثالثة: ما إذا كان لطول، عزوبة من غير تذكر وتفكر بل صار المذي من أجل طول العزوبة نازلاً مسترسلاً نظر أو لا، تفكر أو لا، والأولى من هاتين الصورتين يجب فيها الوضوء مطلقاً قدر على رفعه أم لا من غير خلاف كما قال أبو الحسن، والثانية منهما: يجب فيها الوضوء على إحدى روايتي المدونة وقال ابن الجلاب إن قدر على رفعه بزواج أو تسر وجب الوضوء وإلا فلا. انتهى. فإذا علمت ذلك، فجميع صور السلس من استحاضة أو بول أو ريح أو غائط متى قدر فيها على التداوي يغتفر له مدة التداوي فقط، إلا سلس المذي إذا كان لبرودة وعلة فيغتفر له، ولو قدر على التداوي، كما هو مفاد شارحنا وحاشية الأصل نقلاً عن (بن). قوله: [وإما سبب]: أي سبب للحدث أي موصل إليه، كالنوم فإنه يؤدي إلى خروج الريح مثلاً، وغيبة العقل تؤدي لذلك أيضاً، واللمس والمس يؤديان لخروج المذي. قوله: [زوال العقل]: ظاهره أن زوال العقل بغير النوم كالإغماء والسكر والجنون لا يفصل فيه بين طويله وقصيره كما يفصل في النوم، وهو ظاهر المدونة والرسالة فهو ناقض مطلقاً. قال ابن عبد السلام: وهو الحق خلافاً لبعضهم. وقال ابن بشير: والقليل في ذلك كالكثير. اهـ. من حاشية الأصل. والمراد بزواله؛ استتاره إذ لو زال حقيقة لم يعد حتى يقال انتقض وضوءه أو لا. قوله: [وإن بنوم ثقيل] إلخ: ظاهره أن المعتبر صفة النوم ولا عبرة بهيئة النائم من اضطجاع أو قيام أو غيرهما. فمتى كان النوم ثقيلاً نقض كان النائم مضطجعاً أو ساجداً أو جالساً أو قائماً. وإن كان غير ثقيل فلا ينقض على أي حال، وهي طريقة اللخمي. واعتبر بعضهم صفة النوم مع الثقل وصفة النائم مع غيره، فقال: وأما النوم الثقيل فيجب منه الوضوء على أي حال، وأما غير الثقيل فيجب الوضوء في الاضطجاع والسجود، ولا يجب في القيام والجلوس. وعزا في التوضيح هذه الطريقة لعبد الحق وغيره، ولكن الطريقة الأولى هي الأشهر وهي طريقة ابن مرزوق. قوله: [ولو قصر]: رد ب "لو" على من قال بعدم النقض في القصير ولو ثقل. قوله: [أو سكر]: ولو بحلال إلا من سكر في محبة الله فلا ينتقض وضوءه؛ لأن قلبه حاضر مستيقظ. قوله: [ولمس]: اللمس. هو ملاقاة جسم لجسم لطلب معنى فيه كحرارة أو برودة أو صلابة أو رخاوة. فقول المصنف: [إن قصد لذة] تخصيص لعموم المعنى. وأما المس: فهو ملاقاة جسم لآخر على أي وجه ولذا عبر به في [الذكر] لكونه لا يشترط في النقض به قصد. قوله: [بالغ]: أي ولو من امرأة لمثلها، قياساً على الغلامين؛ لأن كلاً يلتذ بالآخر. قوله: [بالغ]: أي لا صبي ولو راهق؛ لأن اللمس إنما نقض لكونه يؤدي إلى خروج المذي، ولا مذي لغير البالغ. قوله: [يلتذ بمثله] إلخ: الحاصل أن النقض باللمس مشروط بشروط ثلاثة: أن يكون اللامس بالغاً، وأن يكون الملموس ممن يشتهى عادة، وأن يقصد اللامس اللذة أو يجدها والمراد بالعادة: عادة الناس، لا عادة الملتذ وحده، وإلا لاختلف الحكم باختلاف الأشخاص. قوله: [لظفر]: أي أو به. وقوله: [أو شعر]:

стр. 54

أو كان كثيفاً وتأولها بعضهم بالخفيف. وأما اللمس من فوق حائل كثيف فلا ينقض. ومحل النقض إن قصد التلذذ بلمسه، وإن لم تحصل له لذة حال لمسه أو وجدها حال اللمس وإن لم يكن قاصداً لها ابتداء. فإن لم يقصد ولم يحصل له لذة فلا نقض. ولو وجدها بعد اللمس، والملموس - إن بلغ ووجد أو قصد - بأن مالت نفسه لأن يلمسه غيره فلمسه، انتقض وضوؤه؛ لأنه صار في الحقيقة لامساً وملموساً. فإن لم يكن بالغاً فلا نقض، ولو قصد ووجد، وخرج بقوله: يلتذ به عادة من لا يشتهى عادة كما سينبه عليه. (إلا القبلة بفم، فمطلقاً): مستثنى من قوله: إن قصد اللذة إلخ. - أي أن القبلة في الفم تنقض الوضوء مطلقاً قصد اللذة أو وجدها أو لا، لأنها مظنة اللذة بخلافها في غير الفم. فمن أقسام مطلق اللمس - وسواء في النقض - المقبل والمقبل، ولو وقعت بإكراه أو استغفال، وينتقض وضوؤهما إن كانا بالغين أو البالغ منهما إن قبل من يشتهى كما هو الموضوع، وإلا فلا، كما يأتي. (لا بلذة من نظر أو فكر ولو أنعظ، ولا بلمس صغيرة لا تشتهى أو بهيمة): هذا محترز ما قبله أي أن مجرد اللذة بدون لمس لا ينقض الوضوء، إن كانت بسبب نظر لصورة جميلة أو بسبب فكر ولو حصل له إنعاظ: وهو قيام الذكر. وكذا لمس من لا تشتهى عادة كصغيرة، أو صغير ليس الشأن التلذذ بمثلهما، ولو قصد ووجد. وكذا بلمس البهيمة أو الرجل الملتحي، إذ الشأن عدم التلذذ به عادة إذا كملت لحيته إذا كان اللامس [١] له رجلاً. وأما المرأة فعلى ما تقدم تفصيله لو لمست شيخاً فانياً. (ومس ذكره المتصل مطلقاً ببطن كفه أو جنبه أو أصبع كذلك ولو زائداً إن أحس وتصرف): هذا إشارة للنوع الثالث من أنواع السبب؛ وهو مس المتوضئ ذكره المتصل لا المقطوع، وسواء مسه من أعلاه أو من أسفله أو وسطه عمداً أو سهواً، التذ أم لا - وهو معنى الإطلاق - إذا مسه من غير حائل ببطن أو جنب كفه وبأصبع ببطنه وبجنبه لا بظهره، ولو كان الأصبع زائداً على الخمسة إن كان يتصرف كإخوته وكان له إحساس، وإلا لم ينقض، لأنه كالعدم. وهذا إذا كان بالغاً، فمس الصبي ذكره لا ينقض كلمسه، وكذا مس البالغ ذكره من فوق حائل ولو كان خفيفاً، إلا أن يكون خفيفاً جداً كالعدم. (لا بمس دبر أو أنثيين ولا بمس امرأة فرجها ولو ألطفت): هذا محترز قوله: ذكره أي المتوضئ، لا ينقض وضوؤه بمس دبره أي حلقة الدبر، ولا بمسه أنثييه. ولا ينتقض وضوء المرأة بمسها لفرجها ولو ألطفت: أي أدخلت أصبعاً أو أكثر من أصابعها في فرجها. (وأما غيرهما وهو الردة: ــ أي لا به على الظاهر، ومثل شعر العود. ولا يقاس على الأصبع الزائدة التي لا إحساس لها. والحاصل أن الشرط في النقض أن يكون اللمس بعضو، سواء كان أصلياً أو زائداً، وهل يشترط الإحساس في الزائد أو لا؟ خلاف، والمعتمد الثاني للتقوي بالقصد والوجدان، بخلاف ما يأتي في مس الذكر. قوله: [أو كان كثيفاً]: هما قولان راجحان، ومحل الخلاف ما لم يقبض، فإن قبض على شيء من الجسم نقض اتفاقاً. قوله: [فلا ينقض]: أي إلا أن يقبض. قوله: [إن قصد التلذذ]: ومنه أن يختبر هل يحصل له لذة أم لا. قوله: [إلا القبلة بفم] إلخ: الباء بمعنى على؛ لأن من المعلوم أن القبلة لا تكون إلا بالفم، وبذلك لو لم تكن على الفم تجري على أحكام الملامسة. قوله: [أي أن القبلة] إلخ: أي وظاهر كلامهم عدم اشتراط الصوت في تحقق التقبيل كما يأتي في الحجر الأسود. قوله: [لأنها مظنة] إلخ: أي بالنظر الواقع وإن كانت تنتفي في الظاهر. قوله: [بخلافها في غير الفم] إلخ: أي ولو كان التقبيل في الفرج فيجري على أحكام الملامسة وفاقاً للأجهوري رداً على ابن فجلة في قياسه على الفم بالأحرى. والفرق أن تقبيله لا يشتهى. قوله: [ولو وقعت بإكراه] إلخ: أي لا لوداع أو رحمة. قوله: [ولو أنعظ إلخ]: أي فلا ينتقض مطلقاً كانت عادته الإمذاء بالإنعاظ أو لا، وهذا هو المعتمد ما لم يمذ بالفعل. قوله: [صغيرة لا تشتهى] إلخ: اختلف في مس فرجها فقيل لا نقض ولو قصد اللذة ما لم يلتذ بالفعل عند بعضهم. واستظهر شيخنا عدم النقض مطلقاً. انتهى من الأصل. قوله: [وكذا بلمس البهيمة] إلخ: أي بخلاف مس فرجها فيجري على حكم الملامسة. قوله: [إذا كملت لحيته] إلخ: أي وأما لو كان حديث النبات فهو ممن يشتهى عادة. قوله: [ولو لمست شيخاً] إلخ: أي على المعتمد ومثلها لو لمس البالغ امرأة فانية. تنبيه: لمس المحرم ينقض إن وجدت اللذة كأن قصد فقط وكان فاسقاً شأنه اللذة بمحرمه كما في الحاشية. والعبرة في المحرمية وغيرها بما يظنه حالة اللمس. قوله: [ومس ذكره]: أي ولو تعدد. قال شيخنا في مجموعه: وينبغي أن يقيد بمقاربة الأصلي. ولا يشترط إحساس الذكر إذا كان أصلياً بخلاف الزائد. قوله: [إن أحس وتصرف]: أي فلا بد في الزائد من هذين الأمرين. بخلاف الأصلي، فيشترط فيه حس الإحساس فقط. وقول المصنف: [أحس] بالهمزة أولى من قول خليل: بغيره، لأنه من الإحساس لا من الحس. قوله: [لا بمس دبر] إلخ: أي ولو التذ ولو أدخل أصبعه في دبره. قوله: [ولو ألطفت] إلخ: هذا هو المذهب وقيل: إن ألطفت فعليها الوضوء. قوله: [وهو الردة]: أي ولو من

стр. 55

والشك في الناقض بعد طهر علم وعكسه، أو في السابق منهما): هذا هو النوع الثالث من الناقض، فهو عطف على قوله: إما حدث أي أن الناقض للوضوء: إما حدث، وإما سبب وإما غيرهما. وهو أمران: الردة والشك. وكل منهما ليس بحدث ولا سبب، وبعضهم جعلهما من أقسام السبب. أما الردة فهي محبطة للعمل؛ ومنه الوضوء والغسل على الأرجح من قولين رجح كل منهما. وأما الشك فهو ناقض؛ لأن الذمة لا تبرأ مما طلب منها إلا بيقين، ولا تعين عند الشاك. والمراد باليقين: ما يشمل الظن. والشك الموجب للوضوء ثلاث صور: الأولى: أن يشك بعد علمه بتقدم طهره، هل حصل منه ناقض - من - حدث أو سبب - أم لا. الثانية: عكسها، وهو أن يشك بعد علم حدثه، هل حصل منه وضوء أم لا. الثالثة: علم كلاً من الطهر والحدث وشك في السابق منهما. (ولو طرأ الشك في الصلاة استمر، ثم إن بان الطهر لم يعد): هذا الحكم يتعلق بالصورة الأولى، يعني أن الشخص إذا دخل في الصلاة بتكبيرة الإحرام معتقداً أنه متوضئ، ثم طرأ عليه الشك فيها - هل حصل منه ناقض أم لا - فإنه يستمر على صلاته وجوباً. ــ صغير كما في كبير الخرشي لاعتبارها منه، وتسقط الفوائت والزكاة إن لم يرتد لذلك وتبطل الحج. قوله: [والشك في الناقض]: هذا هو المشهور من المذهب. وقيل لا ينتقض الوضوء بذلك، غاية الأمر أنه يستحب الوضوء فقط مراعاة لمن يقول بوجوبه. والأول نظر إلى أن الذمة عامرة فلا تبرأ إلا بيقين، والثاني نظر إلى استصحاب ما كان فلا يرتفع إلا بيقين. قال ابن عرفة: من تأمل علم أن الشك في الحدث شك في المانع لا شك في الشرط، والمعروف إلغاء الشك في المانع، فكان الواجب طرح ذلك الشك وإلغاؤه، لأن الأصل بقاء ما كان على حاله، وعدم طرو المانع والشك في الشرط يؤثر البطلان باتفاق كالعكس في كلام المصنف، وهو: ما إذا تحقق الحدث وشك هل توضأ أم لا؛ لأن الذمة العامرة لا تبرأ إلا بيقين. إن قلت: حيث كان شكاً في المانع فلم جعلوه ناقضاً على المذهب؟ مع أن الشك في المانع يلغي كالشك في الطلاق والعتاق والظهار والرضاع. قلت: كأنهم راعوا سهولة الوضوء وكثرة نواقضه فاحتاطوا لأجل الصلاة. انتهى من حاشية الأصل بتصرف. مسألة: لو تخيل أن شيئاً حصل منه بالفعل لا يدري ما هو هل حدث أو غيره؟ فظاهر كلام أهل المذهب أنه لا شيء عليه لأن هذا من الوهم، وكلام المصنف صادق بالشك في الأحداث والأسباب ما عدا الردة، فلا نقض بالشك فيها. قوله: [وبعضهم جعلهما] إلخ: قال شيخنا في حاشية مجموعه: لا ينبغي أن تعد الردة في نواقض الوضوء، لأنها تحبط جميع الأعمال لا خصوص الوضوء. كما قالوا: لا ينبغي أن يعد من شروط الشيء إلا ما كان خاصاً به فكذا ما هنا. وأما الشك في الحدث فالظاهر رجوعه للقسمين بأن يراد بالحدث ما يشمل المحقق والمشكوك، وكذا السبب. قوله: [ومنه الوضوء] إلخ: في البناني قول باستحباب الوضوء من الردة وهو ضعيف. قوله: [على الأرجح] إلخ: هذا راجع للغسل فقط فالقول بالبطلان لابن العربي ورجحه بهرام في صغيرة، والثاني: لابن جماعة. ويظهر من كلام (ح) ترجيحه وتبعه الأجهوري وعلى هذا فمعنى إحباطها العمل من حيث الثواب ولا يلزم من بطلان ثوابه إعادته، فلذا لا يطالب بعدها بقضاء ما قدمه من صلاة وصيام، وإنما وجب الوضوء على القول المعتمد لأنه صار بعد توبته بمنزلة من بلغ حينئذ. فوجب عليه الوضوء لموجبه، وهو إرادة القيام للصلاة. بخلاف الغسل فإنه لا يجب إلا بوقوع سبب من أسبابه. ووجهه الأول بأن الردة تبطل نفس الأعمال، فإذا ارتد وبطل عمله رجع الأمر لكونه متلبساً بالحدث الذي كان عليه قبل ذلك العمل، سواء كان ذلك الحدث أصغر أو أكبر. قوله: [والشك الموجب] إلخ: الشك مبتدأ وثلاث خبر. قوله: [الأولى أن يشك] إلخ: هذه الصورة هي التي وقع فيها النزاع، هل هي شك في المانع أو في الشرط؟ والحق أنها شك في المانع وإنما حكم بالنقض لغير المستنكح احتياطاً للصلاة ولخفة أمر الوضوء. قوله: [الثانية عكسها] إلخ: هذه الصورة شك في الشرط جزماً وفيها الوضوء اتفاقاً ولو للمستنكح. قوله: [الثالثة علم كلاً] إلخ: هذه الصورة من الشك في الشرط أيضاً، وفيها النقض ولو مستنكحاً، ومن باب أولى إذا شك فيهما وشك في السابق أو تحقق أحدهما وشك في السابق. فتحصل أن جملة الصور اثنتا عشرة صورة: وهي تحقق الطهارة والشك في الحدث وعكسه، وفي كل إما أن يكون مستنكحاً أو غيره، فهذه أربع. وبقي ما إذا شك في السابق مع تحقق الحدث والطهارة، أو الشك فيهما، أو الشك في الحدث وتحقق الطهارة، أو عكسه. فهذه أربع، وفي كل إما أن يكون مستنكحاً أو غيره. فتلك ثمان وجميع الاثني عشر يجب فيها الوضوء لا فرق بين مستنكح وغيره، إلا الصورة الأولى فيفرق فيها بين المستنكح وغيره. قوله: [ثم طرأ عليه الشك فيها]: المراد بالشك هنا: ما قابل الجزم فيشمل الظن ولو كان قوياً فمن ظن النقض

стр. 56

ثم إن بان له أنه متطهر ولو بعد الفراغ منها فلا يعيدها. وإن استمر على شكه توضأ وأعادها. - (فلو شك: هل توضأ؟ قطع): يعني لو أحرم بالصلاة معتقداً أنه متوضئ ثم طرأ عليه الشك فيها هل حصل منه وضوء بعد أن أحدث أم لا؟ فإنه يجب عليه قطع الصلاة ويستأنف الوضوء. وهذا حكم الصورة الثانية، وأما طرو الصورة الثالثة في الصلاة؛ وهي الشك في السابق منهما، فهل حكمه كالأولى؟ أو كالثانية فيقطع؟ وهو الظاهر. لأن الشك فيها أقوى من الأولى كما هو ظاهر. (ومنع الحدث صلاة وطوافاً ومس مصحف أو جزئه وكتبه وحمله وإن بعلاقة أو ثوب): يعني أن الحدث الأصغر - وأولى الأكبر - يمنع التلبس بالصلاة والطواف. إذ من شرط صحتهما الطهارة فلا ينعقدان بدونها. ويمنع أيضاً مس المصحف الكامل أو جزء منه - وإن آية - ولو مس ذلك من فوق حائل أو بعود. وكذا يحرم على المحدث كتبه، فلا يجوز للمحدث أن يكتب القرآن أو آية منه، ولا أن يحمله - ولو مع أمتعة غير مقصودة بالحمل، ولو بعلاقة أو ثوب أو وسادة. (إلا لمعلم ومتعلم وإن حائضاً لا جنباً): أي يحرم على المكلف مس المصحف وحمله، إلا إذا كان معلماً أو متعلماً، فيجوز لهما مس الجزء واللوح والمصحف الكامل، وإن كان كل منهما حائضاً أو نفساء لعدم قدرتهما على إزالة المانع. بخلاف الجنب لقدرته على إزالته بالغسل أو التيمم. والمتعلم يشمل من ثقل عليه القرآن فصار يكرره في المصحف. (وإلا حرزاً بساتر وإن لجنب، كبأمتعة قصدت): هذا معطوف على الاستثناء قبله. أي: إلا لمعلم، وإلا إذا كان القرآن حرزاً بساتر: يقيه من وصول قذارة إليه، فإنه يجوز حمله خوفاً من ارتياع أو مرض أو رمد ولو للجنب، وأولى الحائض. وظاهره ولو مصحفاً كاملاً وهو [١] كذلك على أحد القولين. ومثل ذلك حمله بأمتعة قصدت بالحمل، كصندوق ونحوه فيه مصحف أو جزء وقصد [٢] حمله في سفر أو غيره. فإن قصد المصحف فقط أو قصدا معاً، منع إذا كان قصد المصحف ذاتياً لا بالتبع للأمتعة، وإلا جاز كما هو ظاهر. وكذا حمل التفسير ومسه لا يحرم لأنه لا يسمى مصحفاً عرفاً. فقوله: كبأمتعة تشبيه في الجواز المستفاد من الاستثناء. ويجوز حمل الأمتعة المقصود حملها ولو لكافر. ــ وهو في صلاته، فإن حكمه حكم من تردد فيه على حد سواء في وجوب التمادي كما في الخرشي، وإنما يجعل ظن الحدث كشكه لحرمة الصلاة حيث دخلها بيقين. وأما الوهم فلا أثر له بالأولى إذ لا يضر قبل الدخول في الصلاة. قوله: [ثم إن بان] إلخ: أي جزماً أو ظناً. قوله: [وإن استمر على شكه]: وأولى إذا تبين حدثه. قوله: [وأعادها]: أي كالإمام إذا صلى محدثاً ناسياً للحدث فإنه لا إعادة على مأمومه، للقاعدة المقررة أن كل صلاة بطلت على الإمام بطلت على المأموم إلا في سبق الحدث ونسيانه، فهذه المسألة من قبيل نسيان الحدث. قوله: [ويستأنف الوضوء] إلخ: أي لأنه شاك في الشرط، وتقدم أنه يضر اتفاقاً. قوله: [وهو الظاهر]: أي لأنه شك في الشرط أيضاً، وأما لو شك قبل الدخول في الصلاة هل أحدث أم لا؟ فالوضوء باطل كما تقدم، ولا يجوز له الدخول في الصلاة جزماً. والفرق بين الشك قبلها والشك فيها، أن الشك فيها ضعيف لكونه دخل الصلاة بيقين فلا يقطعها إلا بيقين. وأما من شك خارجها فواجب عليه أن لا يدخلها إلا بطهارة متيقنة، وأما إذا حصل الشك بعد الفراغ من الصلاة فلا يضر إلا إذا تحقق الحدث. قوله: [التلبس بالصلاة] إلخ: سواء كان كل منهما فرضاً أو نفلاً. ومن الصلاة: سجود التلاوة والصلاة على الجنازة. قوله: [مس المصحف] إلخ: ويدخل في ذلك جلده قبل انفصاله منه. وأحرى طرف المكتوب وما بين الأسطر. قوله: [كتبه]: أي بالعربي ومنه الكوفي، لا بالعجمي فيجوز للمحدث مسه؛ لأنه ليس بقرآن بل هو تفسير له. قال بعضهم: والأقرب منع كتبه بغير القلم العربي كما تحرم قراءته بغير لسان العرب لقولهم: القلم أحد اللسانين، والعرب لا تعرف قلماً غير العربي، وقد قال الله تعالى: ﴿بلسان عربي مبين﴾ [الشعراء: ١٩٥]. وما يقع من التمائم والأوفاق بقصد مجرد التبرك بالأعداد الهندية الموافقة للحروف فلا بأس بها. ومحل امتناع مس المحدث للقرآن ما لم يخف عليه؛ كالغرق أو استيلاء كافر عليه وإلا مسه ولو جنباً. والظاهر كما قاله شيخنا جواز كتبه للسخونة وتبخير من هي به وإن لم يتعين طريقاً للدواء انتهى من حاشية الأصل. قوله: [ولو بعلاقة]: خلافاً للحنفية، فعندهم لا يحرم إلا مس النقوش. قوله: [أو وسادة]: ومنها الكرسي الذي وضع المصحف فوقه، وقد حرم الشافعية مس كرسيه وهو عليه، ومذهبنا يمنع حمله بالكرسي لا مس الكرسي. قوله: [إلا لمعلم] إلخ: أي على المعتمد كما هو رواية ابن القاسم عن مالك، خلافاً لابن حبيب قائلاً: لأن حاجة المعلم صناعة وتكسب لا حفظ كحاجة المتعلم. قوله: [بخلاف الجنب]: ومثله الحائض والنفساء قبل الغسل وبعد انقطاع العذر لقدرتهما على إزالة المانع. قوله: [فصار يكرره]: أي بنية الحفظ لا لمجرد التعبد بالتلاوة فيتوضأ. انتهى من حاشية شيخنا على مجموعه. قوله: [وإن لجنب]: أي أو بهيمة لا كافر. قوله: [ولو مصحفاً كاملاً] إلخ: ظاهره ولو لم يغير عن هيئة المصحفية، وقيل: يشترط تغييره عن هيئة المصحفية. قوله: [وكذا حمل التفسير] إلخ: أي فيجوز مسه وحمله والمطالعة فيه للمحدث ولو كان جنباً؛ لأن المقصود من التفسير معاني القرآن لا تلاوته، وظاهره ولو كتبت فيه آيات كثيرة متوالية وقصدها بالمس وهو كذلك، كما قال ابن مرزوق خلافاً لابن عرفة.

стр. 57

فصل [١]: (جاز بدلاً عن غسل الرجلين بحضر وسفر - ولو سفر معصية - مسح خف أو جورب بلا حد): ذكر في هذا الفصل حكم المسح على الخفين وشروطه وصفته - وما يتعلق بذلك. فحكمه الجواز؛ فهو رخصة جائزة بدلاً عن غسل الرجلين في الوضوء في الحضر والسفر، ولو كان السفر سفر معصية؛ كالسفر لقطع طريق أو إباق. لأن كل رخصة جازت بالحضر جازت بالسفر مطلقاً. وأما الرخصة التي لا تجوز في الحضر - كالفطر في رمضان - فلا تجوز إلا في السفر المباح. وما مشى عليه المصنف من التقييد بالمباح ضعيف. ومثل الخف الجورب، بفتح الجيم وسكون الواو - وهو ما كان من قطن أو كتان أو صوف جلد ظاهره، أي كسي بالجلد بشرطه الآتي. فإن لم يجلد فلا يصح المسح عليه. ولا حد في مدة المسح فلا يتقيد بيوم وليلة، ولا بأكثر ولا أقل خلافاً لمن ذهب إلى التحديد. ولجوازه شروط أحد عشر؛ ستة في الممسوح وخمسة في الماسح ذكرها بقوله: (بشرط جلد طاهر، خرز، وستر محل الفرض، وأمكن المشي فيه عاد [٢] بلا حائل): أي أن الشرط. الأول في الممسوح: كونه جلداً، فلا يصح المسح على غيره. الثاني: أن يكون طاهراً احترازاً من جلد الميتة ولو مدبوغاً. الثالث: أن يكون مخروزاً ــ لطيفة: قوله تعالى: ﴿لا يمسه إلا المطهرون﴾ [الواقعة: ٧٩] إن كان الضمير للقرآن فلا ناهية. وقد قال ابن مالك: ......... وفي ... جزم وشبه الجزم تخيير قفى وعلى بقاء الإدغام يجوز الضم إتباعاً لضم الهاء. أو أنه نهي بصورة النفي. ولا يصح بقاء النفي على ظاهره للزوم الكذب لكثرة من مس القرآن بلا طهارة من صبيان وغيرهم، نعم إن رجع الضمير للوح المحفوظ المعبر عنه بالكتاب المكنون أو صحف الملائكة، وأل للجنس صح النفي؛ لأنه لا يمس ذلك إلا الملائكة المطهرون من الرذائل. انتهى من حاشية شيخنا على مجموعه. فصل: قوله: [جاز]: أي على المشهور كما قال ابن عرفة. ومقابله ثلاثة أقوال: الوجوب والندب وعدم الجواز. ومعنى الوجوب أنه إن اتفق كونه لابساً وجب عليه المسح عليه، لا أنه يجب عليه أن يلبسه ويمسح عليه. فإن قيل: كيف يكون جائزاً مع أنه ينوي به الفرض؟ وذلك يقتضي الوجوب؟ فالجواب: أن الجواز من حيث العدول عن الغسل الأصلي، وإن قام مقام الواجب، حتى قيل الواجب أحد الأمرين. لكن الاصطلاح أن الواجب المخير ما ورد فيه التخيير ابتداء ككفارة الصيد، وهذا الجواب ذكره شيخنا في حاشية مجموعه. وسواء كان الماسح ذكراً أو أنثى، ولكن الغسل أفضل. قوله: [بحضر أو سفر]: هذا التعميم رواية ابن وهب والأخوين عن مالك، وروى ابن القاسم عنه: لا يمسح الحاضرون. وروى عنه أيضاً: لا يمسح الحاضرون ولا المسافرون. قال ابن مرزوق: والمذهب، الأول، وبه قال في الموطأ. قوله: [مسح خف] إلخ: مراده به الجنس الصادق بالمتعدد، بدليل ما يأتي في قوله: (فإن نزعهما أو أعلييه). وإنما قدم مسح الخف على الغسل لكونه من خواص الطهارة الصغرى. قوله: [بلا حد]: أي واجب بحيث لو زاد عليه بطل المسح، فلا ينافي ندب نزعه كل جمعة، كما يأتي. قوله: [وشروطه]: أي الإحدى عشرة الآتية. قوله: [وصفته]: أي كيفية مسحه. قوله: [وما يتعلق بذلك]: أي من محترزات الشروط ومخالفة الكيفية. قوله: [رخصة]: هي في اللغة: السهولة. وشرعاً حكم شرعي سهل انتقل إليه من حكم شرعي صعب لعذر مع قيام السبب للحكم الأصلي. فالحكم الصعب هنا وجوب غسل الرجلين أو حرمة المسح، والحكم السهل جواز المسح لعذر، وهو مشقة النزع واللبس، والسبب للحكم الأصلي كون المحل قابلاً للغسل. انتهى من الحاشية. قوله: [جائزة]: أي بمعنى خلاف الأولى. قوله: [في الوضوء]: أي لا في الغسل. فلذلك لو حصلت له جنابة وجب عليه نزعه كما يأتي. قوله: [كالسفر] إلخ: أي بخلاف المعصية في السفر فلا تمنع اتفاقاً كالسفر لتجارة ثم تعرض له معاص. قوله: [وما مشى عليه المصنف]: مراده به الشيخ خليل. وقد خالف اصطلاحه فيه هنا من تعبيره عنه بالشيخ. قوله: [بشرطه الآتي]: مراده الجنس الصادق بالمتعدد، أو أن شرط مفرد مضاف يعم. قوله: [خلافاً لمن ذهب] إلخ: أي كابن حنبل فإنه أوجب نزعه في كل أسبوع، والشافعي فإنه جعله للمقيم يوماً وليلة وللمسافر ثلاثة أيام. قوله: [جلد طاهر]: قال: (بن) هذان الشرطان غير محتاج إليهما. أما الأول فلأن الخف لا يكون إلا من جلد، والجورب قد تقدم اشتراطه فيه. وقد يجاب بأن لفظ جلد هنا إنما ذكره توطئة لما بعده. وأما الثاني فقد اعترضه الرماصي بأنه يؤخذ من فصل إزالة النجاسة، ولا يذكر هنا إلا ما هو خاص بالباب، وبأن ذكره هنا يوهم بطلان المسح عليه عمداً أو سهواً أو عجزاً كما أن باقي الشروط كذلك، وليس كذلك. لأنه إذا كان غير طاهر له حكم إزالة النجاسة. انتهى من حاشية الأصل. إذا علمت ذلك فالمصنف قد تبع خليلاً في عده شرطاً، ولكن قد علمت ما فيه. قوله: [ولو مدبوغاً]: أي ما لم يكن من كيمخت كما تقدم من أنه يطهر بالدبغ.

стр. 58

لا إن لزق بنحو رسراس. - الرابع: أن يكون له ساق ساتر لمحل الفرض [١] بأن يستر الكعبين احترازاً من غير الساتر لهما. الخامس: أن يمكن المشي فيه عادة احترازاً من الواسع الذي ينسلت من الرجل عند المشي فيه وهو الذي لا يمكن تتابع المشي فيه. السادس: أن لا يكون عليه حائل من شمع أو خرقة أو نحو ذلك. (ولبس بطهارة ماء كملت، بلا ترفه ولا عصيان بلبسه): هذا إشارة لشروط الماسح الخمسة: الأول: أن يلبسه على طهارة احترازاً من أن يلبسه محدثاً، فلا يصح المسح عليه. الثاني: أن تكون الطهارة مائية لا ترابية. الثالث: أن تكون تلك الطهارة كاملة بأن يلبسه بعد تمام الوضوء أو الغسل الذي لم ينتقض فيه وضؤوه، فلو غسل رجليه قبل مسح رأسه ولبس خفه ثم - مسح رأسه لم يجز له المسح عليه، وكذا لو غسل إحدى الرجلين ولبس فيها الخف ثم غسل الثانية ولبس الأخرى، لم يجز له مسح حتى ينزع الأولى ثم يلبسها وهو متطهر. والرابع [٢]: أن لا يكون مترفهاً بلبسه كمن لبسه لخوف على حناء برجليه أو لمجرد النوم به أو لكونه [٣] حاكماً أو لقصد [٤] مجرد المسح أو لخوف برغوث فلا يجوز له المسح عليه. بخلاف من لبسه لحر أو برد أو وعر [٥] أو خوف عقرب ونحو ذلك فإنه يمسح. الخامس: أن لا يكون عاصياً بلبسه كمحرم بحج أو عمرة لم يضطر للبسه فلا يجوز له المسح، بخلاف المضطر والمرأة فيجوز. (وكره غسله وتتبع غضونه): أي يكره لمن استوفى الشروط المتقدمة أن يغسل خفه. وأجزأه إن نوى به أنه بدل المسح أو رفع الحدث، لا إن نوى به مجرد إزالة نجاسة أو قذر. وكذا يكره تتبع غضونه بالمسح أي تكاميشه؛ لأن المسح مبني على التخفيف. كما يكره تكرار المسح. (وبطل بموجب غسل، وبخرقه قدر ثلث القدم وإن التصق كدونه إن انفتح - إلا اليسير جداً): هذا شروع في بيان مبطلات مسح الخفين. فيبطل بموجب الغسل من الجنابة؛ من مغيب حشفة أو نزول مني بلذة معتادة أو نفاس. ومعنى بطلانه انتهاء المسح إلى حصول الموجب، ويجب نزعه ليغسل. ويبطل المسح أيضاً أي ينتهي حكمه بخرقه ثلث القدم - سواء كان منفتحاً أو ملتصقاً بعضه ببعض - كالشق وفتق خياطته مع التصاق الجلد بعضه ببعض. فإن كان الخرق دون الثلث ضر أيضاً إن انفتح بأن ظهرت الرجل منه لا إن التصق، إلا أن يكون المنفتح يسيراً جداً بحيث لا يصل بلل اليد حال المسح لما تحته من الرجل فلا يضر. (وبنزع أكثر الرجل لساقه): أي وبطل المسح على الخف إذا أخرجت الرجل منه لساقه أي ساق الخف وهو ما فوق الكعبين فأولى لو خرجت كلها، ــ قوله: [لا إن لزق] إلخ: أي ولا ما نسج أو سلخ كذلك، قصراً للرخصة على الوارد، كما في المجموع. قوله: [احترازاً من غير الساتر]: أي فلا بد من ستره المحل بذاته ولو بمعونة أزرار، لا ما نقص عنه ولا ما كان واسعاً ينزل عن محل الفرض. قوله: [عادة]: أي لذوي المروءة. وذكر في الحاشية عن الصغير: أن الضيق من أمكن لبسه مسح عليه، لكنه خالفه في قراءة (عب) وهو الظاهر. انتهى من شيخنا في مجموعه. قوله: [من شمع أو خرقة]: أي إذا كان على أعلاه لا إن كان أسفله، فلا يبطل المسح لما سيأتي أنه يستحب مسح الأسفل، وإنما يندب إزالته ليباشره المسح. ولا تضر اللفائف التي توضع على القدم ويلبس الخف فوقها. واستثنى العلماء المهماز الذي يكون في أعلى الخف، فإنه حائل ولا يمتنع المسح لمن شأنه ركوب الدواب في السفر. قال العلامة العدوي في حاشية شرح العزية: ولا بد أن يكون صغيراً وأن يكون زمن ركوبه غالباً فيمسح عليه ركب بالفعل أم لا. ومن زمن ركوبه نادر فيمسح عليه إن ركب لا إن لم يركب. انتهى. ولا بد أن لا يكون من أحد النقدين. قوله: [لم يجز له المسح عليه] إلخ: أي إلا إذا نزعهما بعد تمام طهارته وأعادهما قبل حدثه. قوله: [فلا يجوز له المسح] إلخ: ومثله مشقة غسل الرجلين وأما لمن عادته المسح وأولى للسنة فيمسح عليه. قوله: [كمحرم بحج]: والحال أنه ذكر، وأما الأنثى فتلبسه وتمسح عليه ولو محرمة، لأن إحرامها في وجهها وكفيها كما يأتي. تنبيه: الأظهر إجزاء مسح المغصوب وذلك لأن التحريم في الغصب لم يرد على خصوص لبسه، بل من أصل مطلق الاستيلاء عليه. وأما نهي المحرم فورد على خصوص لبس المخيط، والوارد على الخصوص أشد تأثيراً. انتهى من حاشية شيخنا على مجموعه. قوله: [غسله]: أي ولو كان مخرقاً خرقاً يجوز معه المسح. قوله: [إن نوى به] إلخ: ولو نوى أنه ينزعه بعد الصلاة. قوله: [وبطل بموجب غسل]: أي وحيث بطل فلا يمسح على الخف لوضوء النوم وهو جنب. وهذه حكمة عدوله عن عبارة خليل. قوله: [ومعنى بطلانه] إلخ: أي وليس المراد أن المسح نفسه بطل، وإلا لزم بطلان ما فعل به من الصلاة. ولا قائل بذلك. قوله: [ثلث القدم]: أي على ما لابن بشير، أو قدر جل القدم على ما في المدونة. أو المراد بالكثير: ما يتعذر معه مداومة المشي، كما للعراقيين. قوله: [أي وبطل المسح] إلخ: أي فإذا وصل جل القدم لساق الخف فإنه يبادر إلى نزعه ويغسل رجليه ولا يعيد الوضوء ما لم يتراخ عمداً ويطول. وقول الأجهوري: إذا نزع أكثر الرجل لساق الخف فإنه يبادر لردها ويمسح بالفور، غير

стр. 59

وظاهر المدونة أنه لا يبطله إلا خروج جميع القدم إلى الساق فلا يضر نزع أكثره ورجح (فإن نزعهما أو أعلييه أو أحدهما، - وكان على طهر، بادر للأسفل كالموالاة): أي إذا نزع المتوضئ خفيه بعد المسح عليهما، أو نزع الأعليين بعد المسح عليهما، وكان قد لبسهما على طهارة فوق الأسفلين، أو نزع أحد الخفين الأعليين أو أحد المنفردين؛ فإنه يجب عليه أن يبادر إلى الأسفل في كل من المسائل الأربعة. فيبادر لغسل الرجلين في الأولى، ولمسح الأسفلين في الثانية، ولمسح الأسفل في الثالثة، ولنزع الآخر وغسل الرجلين في الرابعة. وإنما وجب نزع الثاني لأنه لا يجمع بين غسل ومسح. والمبادرة هنا كالمبادرة التي تقدمت في الموالاة، فإن طال الزمن عمداً بطل وضؤوه واستأنفه وبنى بنية إن نسي مطلقاً. ويعتبر [١] الطول بجفاف أعضاء بزمن اعتدل. (وندب نزعه كل جمعة أو أسبوع): يعني أنه: يندب نزعه في كل يوم جمعة وإن لم يحضرها كالمرأة. ولو لبسه يوم الخميس فإن لم ينزعه يوم الجمعة نزعه ندباً في مثل اليوم الذي لبسه فيه وهو المراد بيوم الأسبوع. - (ووضع يمناه على أطراف أصابع رجله ويسراه تحتها ويمرهما لكعبيه): هذه صفة المسح المندوبة، وهي: أن يضع باطن كف يده اليمنى على أطراف أصابع رجله اليمنى أو اليسرى، ويضع باطن كف اليسرى تحتها أي تحت أصابع رجله ويمرهما - أي اليدين - لمنتهى كعبي رجله. وقيل هذه الكيفية في الرجل اليمنى، وأما اليسرى فيعكس الحال بأن يجعل اليد اليمنى تحت الخف واليسرى فوقها لأنه أمكن. (ومسح أعلاه مع أسفله): أي يندب الجمع بينهما على الصفة المتقدمة. فلا ينافي أن مسح الأعلى واجب تبطل بتركه الصلاة، بخلاف مسح الأسفل فلا يجب. فإن تركه أعاد صلاته في الوقت المختار. ولذا قال: (وبطلت بترك الأعلى لا الأسفل، فيعيد بوقت): فالضمير في بطلت عائد على الصلاة المعلومة من المقام. وترك البعض من الأعلى والأسفل كترك الكل. ولما فرغ من الطهارة الصغرى ونواقضها وما يتعلق بذلك، شرع في بيان الكبرى وموجباتها فقال: فصل [٢]: (يجب على المكلف غسل جميع الجسد بخروج مني بنوم مطلقاً): ــ ظاهر. إذ بمجرد نزع أكثر الرجل تحتم الغسل وبطل المسح كما في الرماصي. قوله: [وظاهر المدونة]: حاصله أن المدونة قالت: وبطل المسح بنزع كل القدم لساق الخف. قال الجلاب: والأكثر كالكل. قال الأجهوري: والأظهر أنه مقابل للمدونة. وقال (ح): إنه تفسير لها. قوله: [فإن نزعهما] إلخ: أي إن لم يكن تحتهما غيرهما. وقوله: [أو أعلييه]: أي إن كان تحتهما غيرهما. وقوله: [أو أحدهما]: صادق بصورتين؛ بأن كانت المنزوعة مفردة أو تحتها غيرها. فلذلك كانت الصور أربعاً. قوله: [وكان على طهر]: الجملة حالية؛ لأنه إن لم يكن على طهر بطل المسح مطلقاً. ويجب غسل الرجلين في جميع الصور مع الوضوء. قوله: [وبنى بنية إن نسى]: ومثل النسيان العجز الحقيقي. قوله: [يعني أنه يندب] إلخ: اعلم أنه يطالب بنزعه كل من يخاطب بالجمعة ولو ندباً كما قال الجزولي. ثم ظاهر تعليلهم قصر الندب على من أراد الغسل بالفعل. ويحتمل ندب نزعه مطلقاً، وهو المتبادر من الشارح إذ لا أقل من أن يكون وضوؤه للجمعة عارياً عن الرخصة كما قاله زروق. فإن قلت: لم لم يسن نزعه كل جمعة لمن يسن له غسلها؛ لأن الوسيلة تعطى حكم المقصد؟ والجواب: الأتم حمل الندب على مطلق الطلب فيشمل السنية لمن يريد غسل الجمعة وكان في حقه سنة. قوله: [في مثل اليوم] إلخ: أي مراعاة للإمام أحمد. تنبيه: لا يشترط نقل الماء لمسح الخف لأنه ربما أفسده. فائدة: إن نزع الماسح رجلاً من الخف وعسرت عليه الأخرى وضاق الوقت، فقيل: يتيمم ويترك المسح والغسل إعطاء لسائر الأعضاء حكم ما تحت الخف: وتعذر بعض الأعضاء كتعذر الجميع، ولا يمزقه مطلقاً كثرت قيمته أو قلت، وهو الراجح من أقوال ثلاثة ذكرها خليل. قوله: [ووضع يمناه] إلخ: فلو خالف تلك الكيفية ومسح كيفما اتفق كفاه. قوله: [وقيل هذه الكيفية] إلخ: وهو الأرجح. قوله: [أي يندب الجمع] إلخ: جواب عن سؤال: كيف يندب مسح الأعلى مع أنه واجب؟ فأجاب بما ذكر. قوله: [في الوقت المختار]: أي مراعاة لمن يقول بالوجوب. فإن (ح) صدر بالقول بأن مسح كل من الأعلى والأسفل واجب، واستدل له بقول المدونة: لا يجوز مسح أعلاه دون أسفله، ولا أسفله دون أعلاه، إلا أنه لو مسح أعلاه وصلى فأحب إلي أن يعيد في الوقت؛ لأن عروة بن الزبير كان لا يمسح بطونهما. انتهى من حاشية الأصل. قوله: [ترك البعض] إلخ: أي فيعيد لترك بعض الأعلى أبداً ولبعض الأسفل في الوقت. قوله: [في بيان الكبرى]: أي من جهة فرائضها وسننها ومندوباتها وما يتعلق بذلك. فصل: يجب على المكلف إلخ قوله: [جميع الجسد]: أي ظاهره وليس منه الفم والأنف وصماخ الأذنين والعينين، بل التكاميش بدبر أو غيره فيسترخي قليلاً، والسرة وكل ما غار من جسده. قوله: [بخروج مني]: الباء للسببية.

стр. 60

اعلم أن موجبات الغسل أربعة: خروج المني. ومغيب الحشفة. والحيض والنفاس. والمراد بالمكلف: البالغ العاقل ذكراً أو أنثى. فخروج المني من الذكر أو الأنثى في حالة النوم يوجب الغسل مطلقاً بلذة معتادة أم لا، بل إذا انتبه من نومه فوجد المني ولم يشعر بخروجه، أو خرج بنفسه، وجب عليه الغسل على ما استظهره الشيخ الأجهوري، ونوزع فيه. (أو يقظة إن كان بلذة معتادة، من نظر أو فكر فأعلى، ولو بعد ذهابها): أي أو بخروجه في يقظة بشرط أن يكون الخروج بلذة معتادة من أجل نظر أو فكر في جماع فأعلى كمباشرة. وإن حصل الخروج بعد ذهاب اللذة، فإنه يجب الغسل. (وإلا أوجب الوضوء فقط): أي - وألا يكن بلذة معتادة - بأن خرج بنفسه لمرض أو طربة، أو كان بلذة غير معتادة - كمن حك لجرب أو هزته دابة فخرج منه المني - فعليه الوضوء فقط. لكن قال ابن مرزوق: الراجح في اللذة غير المعتادة وجوب الغسل كما اختاره اللخمي وظاهر ابن بشير. إلا أن ظاهر كلامهم تضعيفه. (كمن جامع فاغتسل ثم أمنى): تشبيه في وجوب الوضوء فقط. أي أن من جامع بأن غيب الحشفة في الفرج فاغتسل لذلك، ثم خرج منه مني بعد غسله، فإنه يجب عليه الوضوء فقط؛ لأن غسله للجنابة قد حصل. (ولو شك أمني أم مذي وجب. فإن لم يدر وقته أعاد من آخر نومة): هذه المسألة متعلقة بخروجه في النوم. أي أن من انتبه من نومه فوجد بللاً في ثوبه أو بدنه فشك هل هو مني أو مذي وجب عليه الغسل لأن الشك مؤثر في إيجاب الطهارة، بخلاف الوهم؛ فمن ظن أنه مذي وتوهم في المني فلا يجب عليه الغسل. ــ وقوله: [بنوم]: الباء بمعنى في. قوله: [اعلم أن موجبات] إلخ: أي أسبابه التي توجبه. والغسل بالضم: الفعل. وبالفتح: اسم للماء على الأشهر. وبالكسر اسم لما يغتسل به من أشنان ونحوه. وعرفه بعضهم بقوله: إيصال الماء لجميع الجسد بنية استباحة الصلاة مع الدلك. قوله: [فخروج المني] إلخ: أي بروزه من الفرج أو الذكر كما صرح به الأبي في شرح مسلم ونقله عنه الحطاب، ومثله في العارضة لابن العربي. فالرجل كالمرأة لا يجب الغسل عليهما إلا بالبروز خارجاً، فإذا وصل مني الرجل لأصل الذكر أو لوسطه فلا يجب الغسل. وظاهره؛ ولو كان لربط أو حصى. وما ذكره الأصل من وجوب الغسل على الرجل بانفصاله عن مقره؛ لأن الشهوة قد حصلت بانتقاله - فهو قول ضعيف كما في (بن).اهـ. من حاشية الأصل. قوله: [على ما استظهره] إلخ: أي معترضاً به على (ح) والتتائي القائلين: إذا رأى في منامه أن عقرباً لدغته فأمنى أو حك لجرب فالتذ فأمنى فوجد المني لم يجب الغسل. وقبل الرماصي ما للأجهوري من أن الأحوط وجوب الغسل وقال (بن): ما تمسك به الأجهوري في رده على الحطاب و (تت) واهٍ جداً. اهـ. من حاشية الأصل. قوله: [ولو بعد ذهابها]: أي هذا إذا كان خروج المني مقارناً للذة، بل إن خرج بعد ذهابها وسكون إنعاظه حال كون ذلك الخروج بلا جماع. ويلفق حالة النوم لحالة اليقظة، فإذا التذ في نومه ثم خرج منه المني في اليقظة بعد انتباهه من غير لذة اغتسل، وسواء اغتسل قبل خروج المني جهلاً منه، أو لم يغتسل. بخلاف ما إذا كانت اللذة ناشئة عن جماع بأن غيب الحشفة ولم ينزل، ثم أنزل بعد ذهاب لذته وسكون إنعاظه؛ فإنه يجب عليه الغسل، ما لم يكن اغتسل قبل الإنزال، وإلا فلا لوجود موجب الغسل وهو مغيب الحشفة، كما صرح به بعد. وكذا إذا خرج بعض المني بغير جماع ثم خرج البعض الباقي؛ فإن اغتسل للبعض الأول فلا يعيد الغسل وإنما يتوضأ للثاني. قوله: [في جماع]: متعلق بتفكر. وقوله: [كمباشرة]: مثال للأعلى. قوله: [لكن قال ابن مرزوق] إلخ: ظاهر استدام أم لا. والحاصل أنهم مثلوا اللذة غير المعتادة: بالنزول في الماء الحار وحك الجرب وهز الدابة. قال في الأصل: أما نزوله بالماء الحار فلا يوجب الغسل ولو استدام فيما يظهر، وحك الجرب إن كان بذكره، وهز الدابة إن أحس بمبادئ اللذة فيهما واستدام وجب الغسل وإلا فلا. وأما إن كان بغير ذكره فإنه كالماء الحار. بقي شيء؛ وهو أنه في هز الدابة إذا أحس بمبادئ اللذة واستدام حتى أنزل، فهل يجب الغسل ولو كانت الاستدامة لعدم القدرة على النزول كمن أكره على الجماع؟ أو لا غسل حينئذ؟ تردد في ذلك الأجهوري. قوله: [تضعيفه]: قال في حاشية الأصل نقلاً عن (بن): اعترض ابن مرزوق على المصنف بأن الراجح وجوب الغسل بخروجه بلذة غير معتادة، كما اختاره اللخمي وظاهر ابن بشير. قال شيخنا: عدم تعرض الشراح لنقل كلام ابن مرزوق وإعراضهم عنه يقتضي عدم تسليمه، وحينئذ فيكون الراجح ما قاله المصنف اهـ. وقد تبع مصنفنا ما قاله خليل. قوله: [بأن غيب الحشفة] إلخ: مثل الرجل المذكور؛ المرأة إذا خرج من فرجها المني بعد غسلها من الجماع. قوله: [فقط]: أي ولا يعيد الصلاة التي كان صلاها. قوله: [ولو شك] إلخ: سكت المصنف والشارح عما إذا رأت المرأة حيضاً في ثوبها ولم تدر وقت حصوله، وحكمها أنها تغتسل وتعيد الصلاة من يوم لبسه اللبسة الأخيرة لاحتمال طهرها وقت أول صلاة، كالصوم؛ لانقطاع التتابع. إلا أن تبيت النية كل ليلة فتعيد عادتها إن أمكن استغراقه لها لكثرته، ولو كل يوم نقطة، وإلا فبحسبه. فإن لم يتصور زيادته على يومين

стр. 61

فلذا لو شك بين ثلاثة أمور كمني ومذي وودي، لم يجب الغسل؛ لأن تعلق التردد: بين ثلاثة أشياء، يصير كل فرد عن [١] أفرادها وهماً. ومن وجد منياً محققاً أو مشكوكاً، ولم يدر الوقت الذي خرج فيه، فإنه يغتسل ويعيد صلاته من آخر نومة سواء كانت بليل أو نهار، ولا يعيد ما صلاه قبلها. (وبمغيب الحشفة أو قدرها في فرج مطيق، وإن بهيمة أو ميتاً): الموجب الثاني للغسل: تغييب المكلف - جميع حشفته - أي رأس ذكره - أو تغييب قدرها من مقطوعها في فرج شخص مطيق للجماع قبلاً أو دبراً من ذكر أو أنثى ولو غير بالغ، أو كان المطيق بهيمة أو ميتاً. (وعلى ذي الفرج إن بلغ): أي ويجب الغسل على صاحب الفرج المغيب فيه إن كان بالغاً. وهذا القيد معلوم من قوله: المكلف. ذكره لزيادة الإيضاح فلا يجب الغسل على غير المكلف، ولا بتغييب الحشفة في غير فرج كالأليتين والفخذين، ولا في فرج غير مطيق. (وندب لمأمور الصلاة؛ كصغيرة وطئها بالغ): أي ويندب الغسل لذكر مأمور بالصلاة ــ في ظن العادة قضتهما فقط، وهكذا. ومن هنا فرع الوجيزي: الذي في (عب): ثلاث جوار لبست كل الثوب عشرة في رمضان، فوجد فيه نقطة دم؛ فتصوم كل واحدة منهن يوماً مع التبييت، وتقضي الأولى صلاة الشهر، والثانية، عشرين، والثالثة، عشرة. وظاهر كلامهم إلغاء الاستظهار هنا. اهـ من شيخنا في مجموعه قوله: [لم يجب الغسل]: أي ولكن يجب غسل الذكر كما استظهره بعضهم، وقال في الحاشية: لا يجب غسل الجسد ولا الذكر، وأما إذا شك أمذي أم بول أو أمذي أم ودي، وجب غسل الذكر اتفاقاً. قوله: [فإنه يغتسل ويعيد] إلخ: محل وجوب الإعادة بعد الغسل في مسألة الشك أو التحقق إذا لم يلبسه غيره ممن يمني، وإلا لم يجب غسل بل يندب فقط، كما ذكره الأصل تبعاً لابن العربي. وهو مخالف لما قالوه من وجوب الغسل على كل من شخصين لبسا ثوباً ونام فيه كل واحد منهما ولم يحتمل لبس غيرهما لذلك الثوب، ووجد فيه مني. ولقول البرزلي: لو نام شخصان تحت لحاف ثم وجدا منياً عزاه كل واحد منهما لصاحبه، فإن كانا غير زوجين اغتسلا وصليا من أول ما ناما فيه لتطرق الشك إليهما معاً فلا يبرآن إلا بيقين، وإن كانا زوجين اغتسل الزوج فقط؛ لأن الغالب أن الزوجة لا يخرج منها ذلك. قال (بن): فهما قولان واستظهر بعضهم الثاني لا ما قاله ابن العربي. اهـ. من حاشية الأصل. قوله: [المكلف]: أي ولو خنثى مشكلاً، إذا غيبها في فرج غيره أو في دبر نفسه، وإلا - بأن غيبها في فرج نفسه - فلا، ما لم ينزل. واشتراط البلوغ خاص بالآدمي، فإذا غيبت المرأة ذكر بهيمة في فرجها وجب الغسل، ولا يشترط في البهيمة البلوغ. ويدخل في المكلف الجن؛ فلو غيب ذكره في إنسية، أو إنسي غيب ذكره في جنية، وجب الغسل على كل، قال في الحاشية: وهو التحقيق. قوله: [جميع حشفته]: أي ما يلف عليها خرقة كثيفة. وليست الجلدة التي على الحشفة بمثابة الخرقة الكثيفة. قوله: [قدرها من مقطوعها]: ومثل القطع ما لو قلناه وهل يعتبر قدر طولها لو انفرد واستظهر؟ أو مثنياً؟ وانظر لو خلق ذكره كله بصفة الحشفة، هل يراعى قدرها من المعتاد؟ أو لا بد في إيجاب الغسل من تغييبه كله؟ والظاهر - كما في الحاشية - الأول. قوله: [قبلاً أو دبراً] إلخ: ظاهره: غيب الحشفة في القبل في محل الافتضاض أو في محل البول، وهو كذلك خلافاً لمن شرط محل الافتضاض. بقي لو دخل شخص بتمامه في الفرج؛ فلا نص عندنا. وقالت الشافعية: إن بدأ في الدخول بذكره اغتسل، وإلا فلا كأنهم رأوه كالتغييب في الهوي. ويفرض ذلك في الفيلة ودواب البحر الهائلة. وما ذكره من أن تغييب الحشفة في الدبر يوجب الغسل هو المشهور من المذهب، وفي (ح) قول شاذ لمالك: إن التغييب في الدبر لا يوجب غسلاً حيث لا إنزال، وللشافعية: أنه لا ينقض الوضوء وإن أوجب الغسل، فإذا كان متوضئاً وغيب الحشفة في الدبر ولم ينزل وغسل ما عدا أعضاء الوضوء أجزأه. انتهى من حاشية الأصل. ومحل كونه لا ينقض الوضوء عندهم حيث كان المغيب في دبره ذكراً أو أنثى محرماً. قوله: [أو ميتاً]: أي ولا يعاد غسل الميت المغيب فيه لعدم التكليف. قوله: [غير مطيق]: أي سواء كان آدمياً أو غيره. قوله: [لمأمور الصلاة]: أي وإن لم يراهق. فلا مفهوم لقول خليل: مراهق. ففي المواق عن ابن بشير: إذا عدم البلوغ في الواطئ أو الموطوءة، فمقتضى المذهب لا غسل. ويؤمران به على جهة الندب انتهى. وقال أشهب وابن سحنون: يجب عليها وعليه. فلو صليا بدونه فقال أشهب: يعيدان. وقال ابن سحنون: يعيدان بقرب ذلك لا أبدًا. قال سند: وهو حسن، وعليه يحمل قول أشهب. والمراد بالقرب: كاليوم، كما في (ر). والمراد بوجوب الغسل عليهما: عدم صحة الصلاة بدونه لتوقفها عليه كالوضوء، لا ترتب الإثم على الترك. انتهى من حاشية الأصل. فعلى الندب الذي هو مشهور المذهب

стр. 62

وطئ مطيقاً كما يندب لمطيقة وطئها بالغ وإلا فلا. (وبحيض ونفاس ولو بلا دم، لا باستحاضة. وندب لانقطاعه): الموجب الثالث والرابع للغسل: الحيض ولو دفعة. والنفاس ولو خرج الولد بلا دم أصلاً. ولا يجب بخروج دم الاستحاضة، لكن يندب إذا انقطع. (وفرائضه: نية فرض الغسل، أو رفع الحدث، أو استباحة ممنوع، بأول مفعول): فرائض الغسل خمسة: الأولى: النية عند أول مفعول سواء [١] ابتدأ بفرجه أو غيره بأن ينوي بقلبه أداء فرض الغسل، أو ينوي رفع الحدث الأكبر أو رفع الجنابة، أو ينوي استباحة ما منعه الحدث الأكبر أو استباحة الصلاة مثلاً. (وموالاة كالوضوء وتعميم ظاهر الجسد بالماء): الفريضة الثانية: الموالاة إن ذكر وقدر، كالموالاة في الوضوء. فإن فرق عامداً بطل إن طال، - وإلا بنى على ما فعل بنية. الفريضة الثالثة: تعميم ظاهر الجسد بالماء، بأن ينغمس فيه أو يصبه على جسده بيده أو غيرها. (ودلك ولو بعد صبه وإن بخرقة، فإن تعذر سقط، ولا استنابة): الفريضة الرابعة: الدلك وهو هنا إمرار العضو على ظاهر الجسد، يداً أو رجلاً فيكفي دلك الرجل بالأخرى. ويكفي الدلك بظاهر الكف وبالساعد والعضد، بل ويكفي [٢] بالخرقة عند - القدرة - باليد على الراجح - بأن يمسك طرفيها بيديه، ويدلك بوسطها أو بحبل كذلك. ويكفي ولو بعد صب الماء وانفصاله عن الجسد ــ لو جامع وهو متوضئ وصلى بغير غسل فصلاته صحيحة، غاية ما فيه الكراهة. ولذلك يقولون: جماع الصبي لا ينقض وضوءه. قوله: [وطئ مطيقًا]: كان الموطوء بالغاً أو غير بالغ. قوله: [وإلا فلا]: هذا هو المعتمد. والحاصل أن الصور أربع: لأن الواطئ والموطوء بالغان أو بالغ وصغيرة أو صغير وبالغة أو صغيران. فالأولى: يجب فيها الغسل عليهما اتفاقاً. وفي الثانية: يجب الغسل على الواطئ ويندب للموطوءة حيث كانت مأمورة بالصلاة. وفي الثالثة: يندب للواطئ دون موطوءته ما لم تنزل. وكذا في الرابعة. قوله: [وبحيض]: أي بوجود حيض، فالموجب للغسل وجوده لا انقطاعه، وإنما هو شرط في صحته كما قال الأصل. وما قيل في الحيض يقال في النفاس. قوله: [ولو بلا دم]: هذا هو المستحسن عند ابن عبد السلام وخليل من روايتين عن مالك وهو الأقوى ذكره شيخنا في مجموعه. قوله: [لكن يندب إذا انقطع]: أي لأجل النظافة وتطييب النفس، كما يندب غسل المعفوات إذا تفاحشت لذلك، والاستحاضة من جملتها. وأما قول بعضهم: لاحتمال أن يكون خالط الاستحاضة حيض وهي لا تشعر، ففيه نظر؛ لأنه يقتضي وجوب الغسل لا ندبه لوجود الشك في الجنابة. قوله: [بأن ينوي إلخ]: ولا يضر إخراج بعض المستباح، بأن يقول: نويت استباحة الصلاة لا الطواف مثلاً. ولا نسيان موجب، بخلاف إخراجه الحدث، كأن يقول: نويت الغسل من الجماع لا من خروج المني، والحال أن ما أخرجه قد حصل منه وإلا فلا شيء عليه. أو ينوي مطلق الطهارة المتحققة في الواجبة والمندوبة أو في المندوبة فقط، فإنه يضر. قوله: [كالوضوء] إلخ: التشبيه في الصفة والحكم معاً. قوله: [عامداً]: أي مختاراً. قوله: [وإلا بنى بنية]: أي حيث فرق ناسياً وأما لو فرق عاجزاً فيبني ولا يفتقر لنية لاستصحابها. وما تقدم في الوضوء يأتي هنا. والحاصل أن قوله: [فإن فرق عامداً] إلى آخره: ما قيل إلا منطوقه صورة واحدة. ومفهومه بعدها خمس صور: وهي ما إذا فرق ناسياً، أو عاجزاً، أطال أم لا، أو عامداً مختاراً ولم يطل. والكل يبني فيها بغير تجديد نية، إلا إذا فرق ناسياً وطال. فقول الشارح: (بنى بنية) كلام مجمل وقد علمت أنه محمول على الناسي في حالة الطول. قوله: [أو غيرها]: كتلقيه من المطر وتمريغه في الزرع وعليه ندى كثير حتى عمه الماء. قوله: [ودلك]: هو داخل في مفهوم الغسل؛ لأنه صب الماء على العضو مع دلك كما تقدم في الوضوء؛ وحينئذ فيغني عنه اسم الغسل لكنه ذكره للرد على من يقول: إنه واجب لإيصال الماء للبشرة، فنص على أنه واجب لنفسه فيعيد تاركه أبداً ولو تحقق وصول الماء للبشرة. وهذا هو المشهور في المذهب. واختار الأجهوري القول الثاني لقوة مدركه. ولكن الحق أنه، وإن كان قوي المدرك، فهو ضعيف في المذهب. قوله: [ولو بعد صبه]: خلافاً للقابسي في اشتراط المقارنة لصب الماء. فإذا انغمس في الماء ثم خرج منه فصار الماء منفصلاً عن جسده إلا أنه مبتل، فيكفي الدلك في هذه الحالة على الأول لا على الثاني. قوله: [وهو هنا]: يحترز عن الوضوء. فإنه على مشهور المذهب المراد منها باطن الكف، وتقدم نقل (بن) عن المسناوي أنه كالغسل يكفي فيه أي عضو فلا فرق بينهما على هذا القول. قوله: [على الراجح]: أي خلافاً لما نقله بهرام عن سحنون من عدم الكفاية بخرقة مع القدرة باليد، وعليه اقتصر (عب) ورد شيخنا ذلك. واعتمد الكفاية تبعاً لشيخه الصغير. انتهى من حاشية الأصل. قوله: [ويكفي ولو بعد صب الماء] إلخ: إنما قدر الشارح ذلك - قبل المبالغة - لأن ظاهر كلام المصنف غير مستقيم؛ لأن ظاهره الدلك، والدلك واجب. هذا إذا كان مقارناً لصب الماء، بل ولو بعد صبه خلافاً لمن يقول بعد الصب ليس بواجب. ونفي الوجوب يجامع الآخر،

стр. 63

ما لم يجف. فإن تعذر الدلك سقط ويكفي تعميم الجسد بالماء كما في سائر الفرائض. إذ لا يكلف الله نفساً إلا وسعها، خلافاً لمن يقول: يجب استنابة من يدلكه من زوجة أو أمة، أو يتدلك بحائط إن كانت ملكاً له، أو أذن له مالكها في ذلك وكان الدلك بها لا يؤذيه. فإنه ضعيف، وإن مشى عليه الشيخ. (وتخليل شعر وأصابع رجليه) الفريضة الخامسة: تخليل شعره ولو كثيفاً سواء كان شعر رأس أو غيره. ومعنى تخليله: أن يضمه ويعركه عند صب الماء حتى يصل إلى البشرة، فلا يجب إدخال أصابعه تحته ويعرك بها البشرة. وكذا يجب تخليل أصابع الرجلين هنا فأولى اليدين. وتقدم في الوضوء أنه يندب تخليل أصابع رجليه ويجب تخليل أصابع اليدين. (لا نقض مضفوره، إلا إذا اشتد، أو بخيوط كثيرة) أي لا يجب على المغتسل نقض مضفور شعره ما لم يشتد الضفر حتى يمنع وصول الماء إلى البشرة، أو يضفر بخيوط كثيرة تمنع وصول الماء إلى البشرة أو إلى باطن الشعر. (وإن شك غير مستنكح في محل غسله) إذا شك غير المستنكح في محل من بدنه هل أصابه الماء، وجب عليه غسله بصب الماء عليه ودلكه. وأما المستنكح - وهو الذي يعتريه الشك كثيراً - فالواجب عليه الإعراض عنه، إذ تتبع الوسواس يفسد الدين من أصله، نعوذ بالله منه. (ووجب تعاهد [١] المغابن من شقوق وأسرة وسرة ورفغ وإبط): يجب على المغتسل أن يتعهد مغابنه أي المحلات التي ينبو عنها الماء كالشقوق التي في البدن والأسرة أي التكاميش والسرة والرفغين، والإبطين وكل ما غار من البدن، بأن يصب عليه الماء ويدلكه إن أمكن، وإلا اكتفى بصب الماء. (وسننه: غسل يديه أولاً، ومضمضة، واستنشاق، واستنثار، ومسح صماخ): أي سننه خمسة: غسل يديه أولاً إلى كوعيه، والمضمضة، والاستنشاق، والاستنثار كما تقدم في الوضوء، ــ مع أن المردود عليه يقول بعدمه. قوله: [ما لم يجف]: وإلا فلا يجزئ اتفاقاً. قوله: [فإن تعذر الدلك] إلخ: أي إذا تعذر الدلك بما ذكر من اليد والخرقة سقط، ويكفي تعميم جسده بالماء. بل قال ابن حبيب: متى تعذر باليد سقط، ولا يجب بالخرقة ولا الاستنابة. ورجحه ابن رشد فيكون هو المعتمد انتهى من الأصل. قوله: [خلافاً لمن يقول] إلخ: أي وهو سحنون وتبعه خليل، وذكر ابن القصار ما يفيد ضعفه. قوله: [ولو كثيفاً]: أي هذا إن كان خفيفاً، بل إن كان كثيفاً على الأشهر. وقيل: يندب تخليل الكثيف فقط. وقيل: تخليله مباح وهذا الخلاف في اللحية فقط. وأما غيرها فتخليله واجب اتفاقاً، خفيفاً أو كثيفاً. قاله في حاشية الأصل تبعاً ل (بن). قوله: [وأصابع رجليه]: أي أنه لا يتم تعميم الجسد إلا بذلك، كالتكاميش التي تكون في الجسد؛ فلا بد من إيصال الماء إليها. قوله: [حتى يصل إلى البشرة]: وهذا واجب وإن كانت عروساً تزين شعرها، وفي (بن): وغيره أن العروس التي تزين شعرها ليس عليها غسل رأسها لما في ذلك من إتلاف المال ويكفيها المسح عليه. وفي (ح) عند قول خليل في الوضوء "ولا ينقض ضفره أي رجل أو امرأة": أنها تتيمم إذا كان الطيب في جسدها كله؛ لأن إزالته من إضاعة المال. قوله: [ويجب تخليل إلخ]: وتقدم الفرق بينهما. قوله: [لا نقض مضفوره إلخ]: تقدم تفصيله في الوضوء نظماً ونثراً قوله: [مضفور شعره]: والرجل والمرأة في ذلك - وفي جواز الضفر - سواء، إن لم يكن على طريقة ضفر النساء في الزينة والتشبه بهن، فلا أظن أحداً يقول بجوازه، قاله في الأصل، وقال أيضاً: وكذا لا يجب عليه نقض الخاتم ولا تحريكه ولو ضيقاً على المعتمد اهـ. والمراد به الخاتم المأذون في لبسه وإلا وجب نزعه إن كان ضيقاً كما تقدم في الوضوء. قوله: [أو إلى باطن الشعر]: هذا التفصيل الذي قاله الشارح هو مشهور المذهب، وتقدم لنا - في مبحث الوضوء أنه ينفع النساء كثيرات الضفائر في الغسل - مذهب السادة الحنفية؛ لأن الشرط عندهم وصول الماء لأصول الشعر ولا يلزم تعميمه ولا إدخال الماء في باطنه بالنسبة للنساء. وأما الرجال فلا بد من تعميم ظاهره وباطنه لأن لهم مندوحة عن ذلك بحلقه هذا هو المأخوذ من الدر المختار. قوله: [وإن شك] إلخ: أي فلا بد من تعميم الجسد تحقيقاً. ويكفي غلبة الظن على المعتمد لغير المستنكح. قوله: [وجب عليه]: أي ولا يبرأ إلا بيقين أو غلبة ظن. قوله: [أولاً]: أي قبل إدخالهما في الإناء بشرط أن يكون الماء قليلاً وأمكن الإفراغ، وأن يكون غير جار، فإن كان كثيراً أو جارياً أو لم يمكن الإفراغ منه، كالحوض الصغير أدخلهما فيه إن كانتا نظيفتين، أو غير نظيفتين ولم يتغير الماء بإدخالهما، وإلا تحيل على غسلهما خارجه إن أمكن، وإلا تركه وتيمم إن لم يجد غيره؛ لأنه كعادم الماء. قوله: [كما تقدم في الوضوء]: ويأتي هنا الخلاف: هل التثليث من تمام السنة؟ أو الثانية والثالثة مستحب؟ وهو الراجح. ويأتي هنا توقف السنة على غسل اليدين قبل إدخالهما في الإناء، إن أمكن الإفراغ إلى آخر الشروط التي ذكرت. وقيل: الأولية قبل إزالة الأذى، وإن كان المعتمد الأول. واعلم أن جعل المضمضة والاستنشاق والاستنثار ومسح صماخ الأذنين من سنن الغسل، إنما هو حيث لم يفعل قبله الوضوء المستحب، فإن فعله قبله كانت هذه الأشياء

стр. 64

ومسح صماخ الأذنين - بضم الصاد المهملة- أي ثقبيهما، ولا يبالغ فإنه يضر السمع، وأما ظاهرهما وباطنهما فمن ظاهر الجسد يجب غسله كما سيأتي. (وفضائله: ما مر في الوضوء. وبدء بإزالة الأذى، فمذاكيره، ثم أعضاء وضوئه مرة، وتخليل أصول شعر رأسه، وتثليثه يعمه بكل غرفة، وأعلاه، وميامنه) أي أن فضائل الغسل - أي مستحباته- ما تقدم في الوضوء؛ من قوله: موضع طاهر، واستقبال وتسمية، وتقليل ماء بلا حد كالغسل. ويندب في الغسل بدء بإزالة الأذى: أي النجاسة، سواء كانت في فرجه أو في غيره. ثم يشرع في الغسل، فيبدأ - بعد غسل يديه إلى كوعيه وإزالة ما عليه من النجاسة إن كانت - بغسل مذاكيره أي الفرج والأنثيين والدبر. وعبر عنها بالمذاكير تبركاً بالحديث الوارد في صفة غسله ﷺ . وحاصل كيفية الغسل المندوبة: أن يبدأ بغسل يديه إلى كوعيه ثلاثاً كالوضوء بنية السنية، ثم يغسل ما بجسمه من أذى، وينوي فرض الغسل أو رفع الحدث الأكبر، فيبدأ بغسل فرجه وأنثييه ورفغيه ودبره وما بين أليتيه مرة فقط، ثم يتمضمض ويستنشق ويستنثر، ثم يغسل وجهه إلى تمام الوضوء مرة مرة، ثم يخلل أصول شعر رأسه لتنسد المسام خوفاً من أذية الماء إذا صب على الرأس، ثم يغسل رأسه ثلاثاً يعم رأسه في كل مرة، ثم يغسل رقبته ثم منكبيه إلى المرفق ثم يفيض الماء على شقه الأيمن إلى الكعب ثم الأيسر كذلك. ولا يلزم تقديم الأسافل على الأعالي؛ لأن الشق كله بمنزلة عضو واحد، خلافاً لمن قال: يغسل الشق الأيمن إلى الركبة ثم الأيسر كذلك، ثم يغسل من ركبته اليمنى إلى كعبها ثم اليسرى كذلك، قال: لئلا يلزم تقديم الأسافل على الأعالي، ولم يدر أن الشق كله بمنزلة عضو واحد، ولم تنقل هذه الصفة في اغتسال النبي ﷺ ثم إذا غسل الشق الأيمن أو الأيسر، يغسله بطناً وظهراً. فإن شك في محل ولم يكن مستنكحاً وجب غسله وإلا فلا. (ويجزئ عن الوضوء وإن تبين عدم جنابته، ما لم يحصل ناقض بعده وقبل تمام الغسل) يعني أن الغسل على الصفة المتقدمة أو على غيرها، يجزئ عن الوضوء ولو لم يستحضر رفع الحدث الأصغر؛ ــ من سنن الوضوء لا الغسل كما يفيده كلام الشيخ أحمد الزرقاني. ولكن الحق أن هذا الوضوء الذي يأتي به وضوء صورة، وفي المعنى قطعة من الغسل. وحينئذ فيصح إضافة السنن لكل منهما عند إتيانه بالوضوء، وعند عدم الإتيان به تكون مضافة للغسل. اهـ. من حاشية الأصل. قوله: [أي ثقبيهما]: أي فالسنة هنا مغايرة للسنة في الوضوء؛ لأنها مسح ظاهرهما وباطنهما وصماخهما، والسنة هنا مسح الثقب الذي هو الصماخ. قوله: [بإزالة الأذى] إلخ: أي ولا يكون مس فرجه لإزالة الأذى ناقضاً لغسل يديه أولاً لما تقدم من أن المعتمد غسلهما قبل إدخالهما في الإناء، فلا يعيد غسلهما بعد إزالة الأذى. خلافاً لمن يقول بإعادة الغسل. قوله: [وإزالة ما عليه]: إشارة إلى أن إزالة الأذى متأخرة عن غسل اليدين. قوله: [تبركاً بالحديث]: أي لكون هذه العبارة وقعت في لفظ الحديث. قوله: [المندوبة]: أي الكاملة التي جمعت الفرائض والسنن والفضائل. قوله: [بنية السنية]: أي للوضوء الصوري أو للغسل. قوله: [ما بجسمه]: فرجاً أو غيره بدليل تعريفه. قوله: [وينوي]: أي عند البدء بغسل فرجه. قوله: [إلى تمام الوضوء مرة مرة]: تبع الشارح خليلاً موافقة لما ذكره عياض عن بعض شيوخه من أنه لا فضيلة في تكراره، واقتصر عليه في التوضيح أيضاً قال (ر): ويرد عليه ما ذكره الحافظ ابن حجر في فتح الباري، من أنه قد ورد من طرق صحيحة أخرجها النسائي والبيهقي من رواية أبي سلمة «عن عائشة أنها وصفت غسل رسول الله ﷺ من الجنابة وفيه: ثم تمضمض ثلاثاً واستنشق ثلاثاً وغسل وجهه ثلاثاً ويديه ثلاثاً ثم أفاض الماء على رأسه ثلاثاً» اهـ. فإذا علمت ذلك فلأهل المذهب طريقتان في كيفية الغسل بينهما الشارح، ولهم في الوضوء طريقتان أيضاً: التثليث وعدمه، وتقديم الرجلين قبل غسل الرأس أو تأخيرهما بعد تمام الغسل. فاختار شارحنا تبعاً لخليل التقديم وكون الغسل مرة مرة. قوله: [لتنسد المسام]: أي ففي التخليل فائدة طيبة؛ وهي سد المسام؛ لمنع الضرر عن الرأس، وفائدة شرعية وهي عدم الإسراف في الماء. قوله: [ثم يغسل رأسه ثلاثاً]: أي فالتثليث في الرأس وغسل اليدين للكوعين مندوب باتفاق أهل المذهب، بخلاف باقي أعضاء الوضوء، ففيها الخلاف. قوله: [إلى الكعب]: ما ذكره هو الذي اختاره الشيخ أحمد الزرقاني وزروق. وفي (ح): ظواهر النصوص تقتضي أن الأعلى يقدم بميامنه ومياسره على الأسفل بميامنه ومياسره، لا أن ميامن كل من الأعلى والأسفل مقدمة على مياسر كل. بل هذا صريح عبارة ابن جماعة وبه قرر ابن عاشر. وهذه هي الطريقة الثانية التي رد عليها الشارح. قوله: [فإن شك] إلخ: هذا مكرر مع قوله سابقاً: [وإن شك غير مستنكح في محل غسله]، وإنما كرره لأجل تمام الكيفية. قوله: [ويجزئ] إلخ: ظاهر هذه العبارة أن غسل الجنابة يجزئ عن الوضوء. والأولى الوضوء بعد الغسل؛ لأن أكثر ما يستعمل العلماء هذه العبارة - أعني الإجزاء - في الإجزاء المجرد عن الكمال، وفيه نظر. فقد قال ابن عبد السلام: لا خلاف

стр. 65

لأنه يلزم من رفع الأكبر رفع الأصغر - كعكسه في محل الوضوء كما يأتي، ولو تبين له أنه لم يكن عليه جنابة. فيصلي بذلك الغسل ما لم يحصل ناقض للوضوء من حدث كريح، أو سبب كمس ذكر بعده - أي بعد تمام الوضوء - أو بعضه وقبل تمام الغسل. فإن حصل ناقض أعاد ما فعله من الوضوء مرة مرة بنية الوضوء، وهو معنى قوله: (وإلا أعاده مرة بنيته): أي الوضوء. وأما حصوله بعد تمام الغسل فإنه يعيده بنيته اتفاقاً مع التثليث على ما تقدم. (والوضوء عن محله ولو ناسياً لجنابته): أي ويجزئ الوضوء عن محل الوضوء؛ يعني أن من توضأ بنية رفع الحدث الأصغر ثم تمم الغسل بنية رفع الأكبر أو بنية الغسل، فإنه يجزئه غسل محل الوضوء عن غسله في الغسل، فلا يعيد غسل أعضاء الوضوء في غسله، ولو كان ناسياً أن عليه جنابة حال وضوئه. فإذا تذكر -ولو بعد طول- فإنه يبني بنية على ما غسله من أعضاء الوضوء إذا لم يطل ما بين تذكره وبين الشروع في الإتمام. (ولو نوى الجنابة ونفلاً أو نيابة عن النفل، حصلا) يعني أن من كان عليه جنابة فاغتسل بنية رفع الجنابة وغسل الجمعة أو غسل العيد، حصلا معاً. وكذا إذا نوى نيابة غسل الجنابة عن غسل النفل. بخلاف ما لو نوى نيابة النفل عن الجنابة فلا تكفي عن واحد منهما. وقولنا: ونفلاً أشمل من قوله: "والجمعة" لأنه يشمل الاغتسالات المسنونة: كالجمعة وغسل الإحرام، والمندوبة: كالعيدين والغسل لدخول مكة. (وندب لجنب وضوء لنوم لا تيمم ولا ينتقض إلا بجماع): أي يندب للجنب - إذا أراد النوم ليلاً أو نهاراً أن يتوضأ وضوءاً كاملاً كوضوء الصلاة. كما يندب لغيره. لكن وضوء الجنب لا يبطله إلا الجماع، بخلاف وضوء غيره فإنه ينقضه كل ناقض مما تقدم. ــ في المذهب فيما علمت أنه لا فضل في الوضوء بعد الغسل. وأجيب: بأن المراد بالإجزاء بالنظر للأولوية؛ أي أنه يجزئه ذلك الغسل إذا ترك الوضوء ابتداء مع مخالفة الأولى، وليس المراد أنه يطلب بالوضوء بعد الغسل كما فهم المعترض، وهذا الاعتراض والجواب واردان على خليل، وقد تبعه المصنف. قوله: [لأنه يلزم من رفع الأكبر] إلخ: يؤخذ من هذا أن الغسل واجب أصلي لكونه عليه جنابة ولو بحسب اعتقاده، وأما لو كان غير واجب كغسل الجمعة والعيدين -ولو نذرهما- لا يجزئ عن الوضوء. ولا بد من الوضوء إذا أراد الصلاة، مثال رفع الأكبر الذي يجزئ عن الأصغر، كما لو انغمس في الماء ونوى بذلك رفع الأكبر، ولم يستحضر الأصغر؛ جاز له أن يصلي به. ونص ابن بشير: والغسل يجزئ عن الوضوء؛ فلو اغتسل ولم يبدأ بالوضوء ولا ختم به لأجزأه غسله عن الوضوء لاشتماله عليه. هذا إن لم يحدث بعد غسل شيء من أعضاء الوضوء بأن لم يحدث أصلاً أو أحدث قبل غسل شيء من أعضاء الوضوء. وأما إن أحدث بعد غسل شيء منه، فإن أحدث بعد تمام وضوئه وغسله فهو كمحدث يلزمه أن يجدد وضوءه بنية اتفاقاً. وإن أحدث في أثناء غسله - فهذا إن لم يرجع فيغسل ما غسل من أعضاء وضوئه قبل حدثه - فإنه لا تجزئه صلاته. وهل يفتقر هذا في غسل ما تقدم من أعضاء وضوئه لنية، أو تجزئه نية الغسل عن ذلك؟ فيه قولان للمتأخرين. فقال ابن أبي زيد: يفتقر إلى نية، وقال القابسي: لا يفتقر إلى نية. قوله: [بنيته أي الوضوء]: أي على طريقة ابن أبي زيد وأما على قول القابسي فلا يفتقر لها. قوله: [اتفاقاً]: أي من ابن أبي زيد والقابسي وغيرهما من أهل المذهب. قوله: [والوضوء عن محله]: هذه المسألة عكس المسألة المتقدمة، وهي التي وعد بها. لأن المتقدمة أجزأ فيها غسل الجنابة عن الوضوء، وهذه أجزأ فيها غسل الوضوء على بعض غسل الجنابة. قوله: [ولو كان ناسياً] إلخ: دفع به ما يتوهم أن نية الأصغر لا تنوب عن الأكبر. قوله: [إذا لم يطل] إلخ: أي وأما طوله قبل التذكر فلا يضر ما دام لم تنتقض طهارته. قوله: [ولو نوى الجنابة] إلخ: ترك المصنف ما إذا جمع بين واجبين في نية واحدة لعلمه مما تقدم، ولأن الأسباب إذا تعدد موجبها ناب موجب أحدهما عن الآخر. قوله: [حصلا معاً]: أي حصل المقصود من الواجب والنفل. ويؤخذ من هذه المسألة صحة صوم عاشوراء للفضيلة والقضاء، ومال إليه ابن عرفة ويؤخذ منه أيضاً أن من كبر تكبيرة واحدة ناوياً بها الإحرام والركوع، فإنها تجزئه. وأن من سلم تسليمة واحدة ناوياً بها الفرض والرد فإنها تجزئه، وبه قال ابن رشد. .اهـ. من حاشية الأصل. قوله: [وضوء لنوم]: في (عب): مثله الحائض بعد انقطاع الدم لا قبله وهذا على أن العلة رجاء نشاطه للغسل. قوله: [لا تيمم]: أي بناء على أن العلة النشاط، وقيل يتيمم عند عدم الماء بناء على أن العلة الطهارة، وأما وضوء الجنب للأكل فلم يستمر عليه عمل عند المالكية، وإن قال به بعض من أهل العلم كما في الموطأ. اهـ. من حاشية شيخنا على مجموعه. قوله: [كوضوء الصلاة]: أي فلا بد فيه من الاستبراء من المني وغيره خلافاً لما يتوهم من قولهم: لا ينتقض إلا بجماع، أنه لا يتوقف على استبراء. وعدم نقضه بذلك لا ينافي وجوب الاستبراء ابتداء؛ لأنه من شروط

стр. 66

ولك أن تقول ملغزاً: ما وضوء لا ينقضه بول ولا غائط؟ فإذا لم يجد الجنب ماء عند إرادة النوم فلا يندب له التيمم. (وتمنع موانع الأصغر وقراءة إلا اليسير لتعوذ أو رقيا أو استدلال، ودخول مسجد ولو مجتازاً): أي أن الجنابة من جماع أو حيض أو نفاس تمنع موانع الحدث الأصغر، من صلاة وطواف ومس مصحف أو جزئه على ما تقدم. وتمنع أيضاً قراءة القرآن، إلا الحائض والنفساء كما يأتي في الحيض. ويستثنى من منع القراءة اليسير لأجل تعوذ عند نوم أو خوف من إنس أو جن، فيجوز. والمراد باليسير: ما الشأن أن يتعوذ به كآية الكرسي والإخلاص، أو لأجل رقيا للنفس أو للغير من ألم أو عين، أو لأجل استدلال على حكم نحو: ﴿وأحل الله البيع وحرم الربا﴾ [البقرة: ٢٧٥]. وتمنع أيضاً دخول المسجد سواء كان جامعاً أم لا، ولو كان الداخل مجتازاً أي ماراً فيه من باب لباب آخر فيحرم عليه. (ولمن فرضه التيمم دخوله به): أي يجوز للجنب الذي فرضه التيمم -لمرض أو لسفر وعدم الماء- أن يدخله بالتيمم للصلاة ويبيت فيه إن اضطر لذلك. وكذا صحيح حاضر اضطر للدخول فيه ولم يجد خارجه ماء. ولما فرغ من الكلام على الطهارة المائية وما يتعلق بها انتقل يتكلم على الترابية وهي التيمم وما يتعلق به من الأحكام فقال: - فصل [١]: (إنما يتيمم لفقد ماء كاف بسفر أو حضر، أو قدرة على استعماله) اعلم أن التيمم لا يجوز ولا يصح إلا لأحد أشخاص سبعة: الأول: فاقد الماء الكافي للوضوء أو للغسل بأن لم يجد ماء أصلاً أو وجد ماء لا يكفيه. الثاني: فاقد القدرة على استعماله، أي من لا قدرة له عليه، وهو شامل للمكره والمربوط بقرب الماء والخائف على نفسه من سبع أو لص، فيتيمم كل منهما في الحضر والسفر، ولو سفر معصية، خلافاً لما مشى عليه الشيخ من - تقييده بالمباح ــ كل وضوء شرعي. قوله: [ملغزاً]: أنشد الخرشي في كبيره نقلاً عن التتائي: وإن سألت وضوءاً ليس يبطله ... إلا الجماع وضوء النوم للجنب تنبيه: يندب للجنب أيضاً غسل فرجه إذا أراد العود للجماع، كانت التي جامعها أو غيرها لما فيه من إزالة النجاسة، وتقوية العضو. وقيل إن كانت الموطوءة أخرى وجب الغسل؛ لئلا يؤذيها بنجاسة غيرها، ويندب للأنثى الغسل كما ذكره ابن فجلة، ورده (عب) بأنه يرخي محلها، قال شيخنا في حاشية مجموعه: ولعل الأظهر كلام ابن فجلة خصوصاً بفور الجماع وتنشفه. قوله: [وقراءة]: أي ويزاد في المنع القراءة ولو بغير مصحف ولو لمعلم ومتعلم. قوله: [كآية الكرسي] إلخ: بل ظاهر كلامهم أن له قراءة: ﴿قل أوحي﴾، وفي (ح) عن الذخيرة لا يتعوذ بنحو: ﴿كذبت قوم لوط﴾ [الشعراء: ١٦٠] وتبعه الأجهوري وغيره، ونوقش، بأن القرآن كله حصن وشفاء وليس من القراءة مرور القلب بل حركة اللسان. قوله: [ولو كان الداخل مجتازاً]: رداً على الشافعية القائلين بجواز الدخول للمجتاز. قوله: [ولم يجد خارجه ماء]: أي وكان الماء داخله أو الدراهم التي يحصله بها داخله. ولو احتلم فيه هل يتيمم لخروجه منه أو لا؟ وهو الأقوى كما في (ح) لما فيه من طول المكث، والإسراع بالخروج أولى، ولأنه ﷺ لم يتيمم لما دخله ناسياً وخرج اغتسل وعاد للصلاة ورأسه يقطر، وقد يقال من خصوصياته ﷺ إباحة مكثه في المسجد جنباً إلا أن يلتفت للتشريع. وبالجملة: الأحسن التيمم وهو مار حيث لم يعقه. اهـ. من شيخنا في مجموعه. تنبيه: يمنع دخول الكافر المسجد أيضاً وإن أذن له مسلم إلا لضرورة عمل، ومنها قلة أجرته عن المسلم وإتقانه على الظاهر. قوله: [الطهارة المائية]: أي صغرى وكبرى. قوله: [وما يتعلق بها]: أي من الأحكام التي تقدمت من أول باب الطهارة إلى هنا. قوله: [الترابية]: أي على الطهارة الترابية وأخرها لنيابتها عن الصغرى والكبرى. قوله: [وما يتعلق به من الأحكام]: أي التي احتوى عليها هذا الفصل. فصل في التيمم قوله: [إنما يتيمم] إلخ: التيمم لغة القصد، وشرعاً: طهارة ترابية تشتمل على مسح الوجه واليدين بنية. والمراد بالتراب: جنس الأرض، فيشمل جميع أجزائها إلا ما استثني، كما سيأتي تفصيله، وهو من خصائص هذه الأمة اتفاقاً، بل إجماعاً. وهل هو عزيمة أو رخصة؟ أو لعدم الماء عزيمة وللمرض ونحوه رخصة؟ خلاف. قوله: [لفقد ماء]: شروع منه في أسباب التيمم، وتسمى موجباته، وعدها الشارح هنا سبعة. وإن كان يأتي يقول: بل إذا تحققت تجد الأقسام ترجع إلى قسمين: الأول فاقد الماء حقيقة أو حكماً، الثاني فاقد القدرة كذلك. قوله: [فاقد الماء]: أي المباح، وأما وجود غير المباح فهو كالعدم. والمراد غير كاف لأعضاء الوضوء القرآنية بالنسبة للوضوء ولجميع بدنه بالنسبة لغسل الجنابة ولو كفى وضوءه. قوله: [أي من لا قدرة] إلخ: تفسير مراد لقوله [أو قدرة على استعماله] والمعنى انتفت قدرته مع وجود الماء الكافي فتغاير مع ما قبله. قوله: [ولو سفر معصية]: أي هذا إذا كان سفر طاعة كالحج والغزو، أو مباحاً كالتجر، بل ولو سفر معصية، وإذا كان المسافر يجوز له التيمم تعلم أنه لا يلزمه

стр. 67

لما تقدم من القاعدة في مسح الخفين. وكذا بقية السبعة يتيمم الواحد منهم حضراً أو سفراً ولو سفر معصية. فقوله: بسفر أو حضر ليس خاصاً بالأول، بل هو جار في الجميع كما هو ظاهر، وقوله: أو قدرة عطف على ماء. (أو خوف حدوث مرض أو زيادته أو تأخر برء): هذا هو الثالث: وهو الواجد للماء القادر على استعماله، ولكن خاف باستعماله حدوث مرض من نزلة أو حمى أو نحو ذلك، أو كان القادر على استعماله مريضاً وخاف من استعماله زيادة مرضه، أو تأخر برئه منه. ويعرف ذلك بالعادة، أو بإخبار طبيب عارف، فقوله: أو خوف عطف على فقد ماء. (أو عطش محترم ولو كلباً): هذا هو الرابع وهو الخائف عطش حيوان محترم - شرعاً من آدمي أو غيره ولو كلباً لصيد أو لحراسة، بخلاف الحربي والكلب الغير المأذون فيه والمرتد. فقوله: أو عطش عطف على حدوث. والمراد بالخوف: الاعتقاد أو الظن -أي ظن التلبس بالعطش- ولو في المستقبل، أي العطش المؤدي إلى هلاك أو شدة أذى، لا مجرد عطش. (أو تلف مال له بال بطلبه): هذا هو الخامس، وهو الخائف بطلب الماء تلف مال بسرقة أو نهب. والمراد بما له بال: ما زاد على ما يلزمه شراء الماء به لو اشتراه، وسواء كان الماء له أو لغيره. وهذا إذا تحقق وجود الماء المطلوب أو ظنه، فإن شك في وجوده تيمم ولو قل المال. (أو خروج وقت باستعماله): هذا هو النوع السادس: وهو الخائف باستعمال الماء خروج وقت الصلاة وأولى [١] بطلبه. فإنه يتيمم ولا يطلبه ولا يستعمله إن كان موجوداً محافظة على أداء الصلاة في وقتها، ولو الاختياري فإن ظن أنه يدرك منها ركعة في وقتها إن توضأ أو اغتسل فلا يتيمم ويتعين عليه أن يقتصر على الفرائض مرة ويترك السنن والمندوبات ــ استصحاب الماء. هذا هو المشهور، ونفي اللزوم لا ينافي الندب لمراعاة الخلاف اهـ. من حاشية شيخنا على مجموعه. قوله: [لما تقدم من القاعدة]: أي التي هي كل رخصة لا تختص بالسفر فتفعل وإن من عاص بالسفر، وكل رخصة تختص بالسفر فلا تفعل من عاص بالسفر. قال شيخنا في مجموعه: قد يقال العاصي بالسفر لا يتيمم لغير ما يتيمم له الحاضر الصحيح؛ لأن رخصته تخصيص بالسفر، لكن في (ح): يتيمم المسافر للنوافل مطلقاً ولو غير قصر على الصحيح. قوله: [زيادة مرضه]: أي في الشدة. قوله: [بالعادة]: أي بالقرائن العادية، كخوفه انقطاع عرق العافية باستعماله الماء. وليس من العاجز عن استعمال الماء للمرض المبطون الذي كلما قام للماء واستعمله انطلق بطنه، بل يؤمر باستعمال الماء وما خرج غير ناقض كما سبق في السلس وفاقاً للحطاب. أما مبطون يضر به الماء وأعجزه الإعياء أو عظم البطن عن تناول الماء، فيتيمم اهـ. من شيخنا في حاشية مجموعه. قوله: [أو عطش محترم]: مثل العطش ضرورة العجن والطبخ، قالوا: فإن أمكنه الجمع بقضاء الوطر بماء الوضوء، فعل حيث لم تعفه النفس حتى يتولد منه شدة الضرر، وإلا فيتركه لحاجة العجن والطبخ ويتيمم. قوله: [أو غيره]: من كل حيوان معصوم. قوله: [بخلاف الحربي] إلخ: أي فإن ما ذكر غير معصوم، فلا يتيمم ويدفع الماء لما ذكر، بل يعجل القتل إن أمكن. فإن عجز عن القتل لعدم حاكم يقتل المرتد، ولعدم قدرته على قتل الكلب - ومثله الخنزير - سقى الماء من ذكر وتيمم. وأما الحربي فلا يسقيه مطلقاً. ومثل المرتد: الجاني إذا ثبتت عند حاكم جنايته وحكم بقتله قصاصاً؛ فلا يدفع الماء إليه بل يعجل بقتله، فإن عجز عنه دفع الماء له ولا يعذبه بالعطش. وليس كجهاد الحربيين، فإنهم جوزوه بقطع الماء عليهم ليغرقوا أو عنهم ليهلكوا بالعطش. والدب والقرد من قبيل المحترم وإن كان في القرد قول بحرمة أكله. فإن كان في الرفقة زان محصن فإذا وجد صاحب الماء حاكماً لا يجوز له التيمم؛ وإلا أعطاه الماء وتيمم. قوله: [والمراد بالخوف الاعتقاد] إلخ: حاصله أن الحيوان المحترم الذي خيف عليه العطش: إما متلبس بالعطش بالفعل، أو غير متلبس. وفي كل إما أن يخاف عليه من العطش، هلاكاً، أو شدة أذى، أو مرضاً خفيفاً، أو مجرد جهد ومشقة. فهذه ثمان. وفي كل: إما أن يكون الخوف تحقيقاً، أو ظناً، أو شكاً، أو وهماً، فهذه ثنتان وثلاثون صورة. أما قبل التلبس أو بعده فإن تحقق أو ظن هلاكاً أو شدة أذى وجب التيمم، وإن تحقق أو ظن مرضاً خفيفاً جاز التيمم، فهذه ست من ست عشرة. والباقي عشرة لا يجوز فيها التيمم. وأما لو تلبس بالعطش فالخوف مطلقاً - علماً أو ظناً أو شكاً أو وهماً- يوجبه في صورتين: الهلاك وشدة الأذى. ويجوزه في صورة: مجرد المرض لا في مجرد الجهد. فهذه ست عشرة أيضاً، ثمانية منها يجب التيمم. وأربعة يجوز وأربعة لا يجوز. وما أبديته لك من تلك الصور هو ما مشى عليه الأصل تبعاً للأجهوري وهو ما في التوضيح. ونازع (ح) في ذلك وقال: بل المراد بالخوف الجزم والظن فقط في حال التلبس كغيره، وتبعه شارحنا. هنا ونظر فيه (بن) نقلاً عن المسناوي. وقال الصواب ما ذكره الأجهوري من التفصيل، كما يؤخذ من حاشية الأصل. قوله: [لا مجرد عطش]: أي لا مجرد جهد من عطش من غير ضرر زائد، فلا يتيمم لأجله. قوله: [أو تلف مال] إلخ: ومن ذلك الذين يحرسون زروعهم والأجراء الذين يحصدون الزرع. قوله: [أو خروج وقت] إلخ: هذا القول هو الذي رواه الأبهري، واختاره التونسي، وصوبه ابن يونس، وشهره ابن الحاجب، وأقامه اللخمي وعياض من المدونة. ومقابله: يستعمل الماء ولو خرج الوقت. وهو

стр. 68

إن خشي فوات الوقت بفعلها. (أو فقد مناول أو آلة): عطف على فقد ماء. وهذا هو السابع، أي أن من كان له قدرة على استعمال الماء ولكن لم يجد من يناوله إياه أو لم يجد آلة من حبل أو دلو، فإنه يتيمم. ولك أن تدخل هذا القسم في فاقد القدرة على استعماله بإرادة فقد القدرة حقيقة أو حكماً، بل إذا تحققت تجد الأقسام ترجع إلى قسمين؛ الأول: فاقد الماء حقيقة أو حكماً؛ فيدخل فيه خوف عطش المحترم، وتلف الماء وخروج الوقت بالطلب أو الاستعمال. الثاني: فاقد القدرة كذلك، فيشمل الباقي. وفاقد القدرة مقيس على فاقد الماء المنصوص في الآية. واعلم أن كل من طلب منه التيمم فإنه يتيمم للفرض والنفل استقلالاً وتبعاً، وللجمعة والجنازة ولو لم تتعين. إلا الصحيح الحاضر العادم للماء، فإنه لا يتيمم لجمعة ولا لجنازة إلا إذا تعينت، ولا لنفل استقلالاً ولو وتراً وإلى ذلك أشار بقوله: (ولا يتيمم صحيح حاضر لجمعة، ولا تجزئ والأظهر خلافه، ولا لجنازة، إلا إذا تعينت ولا لنفل) استقلالاً (ولو وتراً إلا تبعاً لفرض إن اتصل به) أما الجمعة فلا يتيمم لها صحيح حاضر عند فقد الماء، لأن لها بدلاً، وهو الظهر، فأشبهت بهذا الاعتبار النفل وهو لا يتيمم لنفل. وأما الجنازة فلأنها فرض كفاية متى وجد متوضئ غيره تعينت عليه فأشبهت النفل في حق غير المتوضئ. والحاضر الصحيح لا يتيمم لنفل فلو تيمم وصلى به الجمعة لم تجزه، ولا بد من صلاة الظهر ولو بتيمم. هذا هو المشهور وخلاف المشهور نظر إلى أنها واجبة متعينة عليه، ولو قلنا إن لها بدلاً، فقال بوجوب التيمم لها كغيرها، وهو أظهر مدركاً من المشهور. فلذا قلنا: والأظهر خلافه أي خلاف المشهور، هذا وظاهر كثير من النقول أن الخلاف في عادم الماء وقت أدائها فقط مع علمه بوجوده بعدها، أو فيمن خاف باستعماله فواتها. وأما العادم له في جميع الوقت فإنه يتيمم لها - جزماً. والوجه أنهما مسألتان - أي طريقتان - لا ترد إحداهما على الأخرى، فتأمل. وكذا لا يتيمم الحاضر الصحيح لجنازة إلا إذا تعينت عليه بأن لم يوجد غيره من متوضئ أو مريض أو مسافر، ولا لنفل استقلالاً ولو وتراً إلا تبعاً لفرض كأن يتيمم لصلاة الظهر ثم يتبعه بنفل أو للعشاء ثم يصلي الشفع والوتر بتيمم العشاء، ــ الذي حكى عبد الحق عن بعض الشيوخ - الاتفاق عليه، ولكن المعول عليه الأول؛ فلذا اقتصر عليه المصنف. قوله: [إن خشي فوات الوقت بفعلها]: أي بفعل تلك السنن والمندوبات. فلو خشي فوات الوقت بالفرائض وجب عليه التيمم، كما هو الموضوع. فإن تيمم ودخل في الصلاة وتبين له أن الوقت باق متسع أو أنه قد خرج، فإنه لا يقطع؛ لأنه دخلها بوجه جائز، ولا إعادة عليه. وأولى إذا تبين ذلك بعد الفراغ منها أو لم يتبين شيء وأما لو تبين له قبل الإحرام أن الوقت باق متسع أو أنه قد خرج الوقت فلا بد من الوضوء. ويؤخذ من حاشية شيخنا على مجموعه: أن محل كونه يتيمم ويترك الماء لضيق الوقت ما لم يقصده استثقالاً للمائية فيعامل بنقيض مقصوده اهـ. قوله: [أو لم يجد آلة]: أي مباحة؛ فوجود الآلة المحرمة كإناء أو سلسة من ذهب يخرج به الماء من البئر بمنزلة العدم، كما يؤخذ من الأصل تبعاً ل (عب). قال (بن): وفيه نظر، بل الظاهر أنه يستعملها ولا يتيمم. لأن الضرورات تبيح المحظورات، ألا ترى من لم يجد ما يستر به عورته إلا ثوب حرير فإنه يجب عليه سترها به؟ وقد يقوي ما قاله (عب) أن الطهارة المائية لها بدل، وهو التيمم فلا يسوغ له ارتكاب المحظور وهو استعمال الآلة المحرمة. فإذا علمت ذلك فالتقيد بالإباحة ظاهر لا غبار عليه. قوله: [ولا يتيمم] إلخ: أي بناء على أنها بدل عن الطهر، وهو ضعيف. فعدم إجزاء تيممه للجمعة مشهور مبني على ضعيف. قوله: [والأظهر خلافه]: أي بناء على أنها فرض يومها، وهذا مبني على مشهور. ولذلك سيأتي يقول: [وهو أظهر] مدركاً من المشهور. قوله: [إلا إذا تعينت]: أي بناء على أنها فرض كفاية، وأما على أنها سنة كفاية فلا يتيمم لها الحاضر الصحيح ولو تعينت. قوله: [ولو وتراً]: أي ولو منذوراً فلا يتيمم له الحاضر الصحيح نظراً لأصله، وليس كجنازة تعينت؛ لأن ما أوجبه الشارع على المكلف أقوى مما أوجبه هو على نفسه، فتدبر اهـ. من حاشية شيخنا على مجموعه. قوله: [هذا]: مفعول لفعل محذوف، أي افهم هذا. قوله: [وظاهر كثير] إلخ: قال شيخنا في حاشية مجموعه: رجح بعض أن محل عدم التيمم لها إذا خشي بطلب الماء فواتها فيطلبه لظهر، أما إن كان فرضه التيمم مطلقاً لعدم الماء بالمرة فيصليها بالتيمم كالظهر، ولكن في توضيح الأصل منع إطلاق التيمم، انتهى. فإذا علمت ذلك فصدق الشارح في قوله: [والوجه أنهما مسألتان]: أي مسألة مختلف فيها؛ وهي ما إذا خشي بطلب الماء فواتها، ومسألة متفق عليها وهي ما إذا كان فرضه التيمم لعدم الماء بالمرة فيصليها بالتيمم ولا يدعها ويصلي الظهر، وهو ظاهر نقل (ح) عن ابن يونس. قوله: [بأن لم يوجد غيره]: وهذا التقييد للأجهوري ومن تبعه. فوجود المريض والمسافر يمنع من تيمم الحاضر الصحيح، وفي (ح) و (ر) خلافه وإن تعدد

стр. 69

بشرط أن يتصل النفل بالفرض حقيقة أو حكماً، فلا يضر يسير فصل. والحاصل: أن المريض والمسافر يتيممان للجنازة تعينت أم لا، وللنفل استقلالاً، وأولى تبعاً، كما يأتي قريباً. وأما الحاضر الصحيح فلا يتيمم لنفل ولو سنة استقلالاً، ولا لجنازة إلا إذا تعينت، وقوله إلا تبعاً: استثناء منقطع، أي لكن إن صلى نفلاً بتيمم لفرض جاز بالتبعية لذلك الفرض، إن اتصل بالفرض، وكذا إن تقدم عليه. ولكن لا يصح الفرض بعده بذلك التيمم، كما سينص عليه فيما بعده. (وجاز نفل، ومس مصحف، وقراءة، وطواف وركعتاه بتيمم فرض أو نفل وإن تقدمت، وصح الفرض إن تأخرت) يعني أن من تيمم لفرض -سواء كان حاضراً صحيحاً أو لا- أو لنفل استقلالاً، بأن كان مريضاً أو مسافراً، فإنه يجوز له أن يصلي بذلك التيمم نفلاً وجنازة، وأن يمس به المصحف، ويقرأ القرآن إن كان جنباً، وأن يطوف ويصلي ركعتيه، وسواء قدم هذه الأشياء على الفرض أو النفل الذي قصده بذلك التيمم أو أخرها عنه بشرط الاتصال كما تقدم. لكن إن قدم عليها ما قصده بالتيمم فظاهر، وإن قدمها على ما قصده به فإن كان المقصود به نفلاً كأن تيمم مريض أو مسافر لصلاة الضحى مثلاً جاز له أن يصلي به ذلك النفل المقصود بعدها. وإن كان المقصود به فرضاً لم يصح أن يصليه بعد أن فعل شيئاً منها. فقوله: وصح الفرض إن تأخرت أي صح الفرض الذي قصد له التيمم من حاضر صحيح أو مسافر أو مريض إن قدمه عليها، لا إن قدمها أو شيئاً منها عليه. وإنما صرحنا بهذا -وإن علم مما قبله- لأن كلام الشيخ يوهم خلاف المراد، لأن قوله: "إن تأخرت" ظاهره أنه شرط في قوله: "وجاز جنازة" إلخ، وهو غير صحيح إذ هذه الأشياء تجوز مطلقاً تقدمت أو تأخرت كما علمت. فلذا قال الشراح: هو شرط في مقدر؛ أي وشرط صحة الفرض المنوي له التيمم إن تأخرت عنه ولكن لا دليل على هذا المقدر. وحاصل المسألة أن من يتيمم لشيء من هذه الأشياء يجوز له أن يفعل به غير ما نواه منها متقدماً ومتأخراً لا الفرض إذا نوى له التيمم فإنه لا يجوز إلا إذا تقدم. (لا فرض آخر وإن قصد [١] به، وبطل الثاني، وإن مشتركة ولو من مريض): أي لا يصح فرض آخر بتيمم واحد، وإن قُصدا معاً بتيمم. فالثاني باطل وإن كانت - الصلاة الثانية مشتركة في الوقت مع الأولى، كالعصر مع الظهر ولو كان التيمم من مريض يشق عليه إعادته. (ولزم شراء الماء بثمن اعتيد وإن بذمته إن لم يحتج له): أي يجب على المكلف الذي لم يجد ماء لطهارته أن يشتريه بالثمن المعتاد في ذلك المحل، وإن كان الثمن في ذمته؛ بأن يشتريه بثمن إلى أجل معلوم، إن كان غنياً ببلده أو يترجى الوفاء ببيع شيء أو اقتضاء دين أو نحو ذلك. ومحل وجوب شرائه إذا لم يحتج لذلك الثمن في مصارفه، وإلا جاز له التيمم ــ الحاضرون الأصحاء صحت لهم معاً، ويجري من لحق في الأثناء على سقوط فرض الكفاية لتعينه بالشروع. وعدم تعينه؛ لأن المصلحة إنما تحصل بالتمام. وفائدة التعين حرمة القطع لا السقوط عن غير الشارع فيه، كما يؤخذ من حاشية شيخنا على مجموعه. قوله: [بشرط أن يتصل] إلخ: ولا يشترط نية النوافل كما أفاده (ح) قال شيخنا في حاشية (عب): إن شرط نيتها ضعيف اهـ. من حاشية شيخنا على مجموعه. قوله: [فلا يضر يسير فصل]: أي بين النوافل والفرض وبين النوافل بعضها مع بعض قال في الأصل: لا إن طال أو خرج من المسجد. ويسير الفصل عفو، ومنه آية الكرسي والمعقبات، وأن لا يكثر في نفسه جداً بالعرف اهـ. وقال في تكريره: الكثرة جداً كالزيادة على التراويح مع الشفع والوتر، فيجوز فعلها بتيمم واحد لعدم الكثرة جداً اهـ. قوله: [استثناء منقطع]: أي في قوة الاستدراك، فلذلك قال: [أي لكن] إلخ. قوله: [وكذا إن تقدم عليه]: ظاهره أن تقديمه عليه جائز لكن لا يصح الفرض إلا إذا تأخر عنه، والذي جزم به (ح): أن القدوم على فعل هذه المذكورات بتيمم الفرض قبله لا يجوز. اهـ. من حاشية الأصل وعلى ما قاله (ح) فلا يرد اعتراض على خليل. قوله: [وإن تقدمت]: ظاهره أنه مبالغة في الجواز، ومقتضى ما قاله (ح) أنه مبالغة في محذوف تقديره وتجزئ وإن تقدمت. والحاصل أن المأخوذ من المتن والشرح، جواز فعل ما ذكر بتيمم الفرض أو النفل تقدم عن المنوي أو تأخر. وشرط صحة الفرض إن تأخرت هذه الأشياء عنه لا إن تقدمت أو شيء منها، فلا يصح. وظاهره ولو كان المتقدم مس مصحف أو قراءة لا تخل بالموالاة. وليس كذلك. بل تقدم مس المصحف والقراءة التي لا تخل بالموالاة، لا يضر، كما ذكره شيخنا في مجموعه. وانظر لو تيمم للفرض أو النفل وأخرج بعض هذه الأشياء فهل له أن يفعل بذلك التيمم ما أخرجه جرياً على إخراج بعض المستباح من نية الوضوء؟ وهو ما استظهره في الحاشية، أو لا يفعل ذلك المخرج لضعف التيمم؟ واستظهره في حاشيته على (عب).اهـ. من حاشية الأصل والأظهر الأول. قوله: [إذ هذه الأشياء] إلخ: هذا على غير ما قاله (ح) كما علمت. قوله: [فإنه لا يجوز]: أي ولا يصح اتفاقاً. قوله: [وإن مشتركة]: رد بالمبالغة على أصبغ حيث قال: إذا صلى فرضين مشتركين بتيمم فإنه يعيد ثانية المشتركتين في الوقت، وأما ثانية غيرهما فيعيدها أبداً، وتصح الأولى على كل حال. اهـ. من حاشية الأصل.

стр. 70

كما لو زاد الثمن على المعتاد ولو غنياً. (وقبول هبته واقتراضه): أي ويجب عليه قبول هبته إذا وهب له لأجل التطهر به، لأن المنة فيه ضعيفة، بخلاف غيره. ويلزمه أيضاً أن يقترضه إن رجا الوفاء. (وطلبه لكل صلاة طلباً لا يشق عليه دون الميلين، إلا إذا ظن عدمه): يعني - أن من لم يظن عدم الماء في مكان - بأن كان متردداً في وجوده أو ظاناً لوجوده فإنه يلزمه طلبه والتفتيش عليه لكل صلاة طلباً لا يشق على مثله فيما دون الميلين. فإن كان يعلم أو يظن أنه لا يجده إلا بعد مسافة ميلين فلا يلزمه طلبه ولو كان لا يشق عليه، لأن الشأن في مثل ذلك المشقة. كما لا يلزمه الطلب فيما دون الميلين إذا شق عليه، أو خاف فوات رفقة، وكذا إذا ظن عدمه، وأولى اليائس منه. (فاليائس أول المختار، والمتردد في لحوقه أو وجوده وسطه، والراجي آخره): يعني إذا علمت من فرضه التيمم لعدم الماء أو القدرة على استعماله حقيقة أو حكماً، فاعلم أنه لا يخلو حاله من أحد أمور ثلاثة: إما أن يكون آيساً، أو متردداً، أو راجياً. فاليائس من وجوده أو لحوقه أو من زوال المانع - وهو الجازم أو الغالب على ظنه عدم ما ذكر في المختار، يتيمم ندباً أول المختار. والمتردد في ذلك - وهو الشاك ومثله الظان ظناً قريباً من الشك - يتيمم ندباً وسطه. والراجي - وهو الظان الوجود أو اللحوق أو زوال المانع يتيمم - آخره ندباً. ولا يجوز لواحد منهم تأخير الصلاة للضروري، فالتفصيل في غير المغرب؛ إذ لا امتداد لاختياريها. (ولا إعادة إلا لمقصر، ففي الوقت): يعني أن كل من أمر بالتيمم - إذا تيمم وصلى - فلا إعادة عليه لأنه فعل ما أمر به. إلا أن يكون مقصراً، أي عنده نوع من التقصير، ــ تنبيه: كما لا تصح النافلة بالوضوء المستحب، كالوضوء لزيارة الأولياء، لا تصح بالتيمم لذلك، وهو معنى قول خليل: "لا بتيمم لمستحب"، فإن اللام في كلامه مقحمة، وقال شيخنا في مجموعه لا بتيمم ما لا يتوقف على طهارة كقراءة غير الجنب اهـ. قوله: [كما لو زاد الثمن على المعتاد]: ظاهره ولو كانت الزيادة تافهة، وقال عبد الحق: يلزمه شراؤه وإن زيد في المعتاد مثل ثلثه، فإن زيد عليه أكثر من الثلث لا يلزمه، قال اللخمي: محل الخلاف إذا كان الثمن له بال، أما لو كان بمحل لا بال لثمن ماء يتوضأ به فيه فإنه يلزمه شراؤه ولو زيد عليه في الثمن مثل ثلثيه اتفاقاً. قوله: [وقبول هبته] إلخ: مراده ما يشمل الصدقة حيث لا منة، وكما يلزمه قبول الهبة والصدقة بالشرط المذكور يلزمه طلب ذلك. قوله: [إن رجا الوفاء]: قال في حاشية الأصل: يلزمه اقتراض الماء، ويلزمه قبول قرضه، وإن لم يظن الوفاء، ففرق بين اقتراض الماء واقتراض ثمنه. ويؤخذ من مجموع شيخنا مثله. قوله: [وطلبه لكل صلاة] إلخ: حاصل ما أفاده المتن والشارح: أن صور المسألة عشرون. لأنه لا يخلو: إما أن يكون الماء محقق الوجود، أو مظنونه، أو مشكوكاً فيه، أو محقق العدم، أو مظنونه، فهذه خمس. وفي كل: إما أن يكون على ميلين أو أقل، فهذه عشر. وفي كل: إما أن يشق عليه الطلب، أو لا. أما إذا كان محقق العدم أو مظنونه فلا يلزمه طلب مطلقاً. وأما إذا كان محقق الوجود أو مظنونه أو مشكوكه فيلزمه الطلب فيما دون الميلين إن لم يشق وإلا فلا. تنبيه: كما يلزمه طلب الماء على دون الميلين يلزمه طلبه من رفقة قلت - كالأربعة - كانت حوله أم لا، أو ممن حوله من رفقة كثيرة إن جهل بخلهم به بأن اعتقد الإعطاء أو ظنه أو شك أو توهم. فإن لم يطلبه وتيمم وصلى أعاد أبداً إن اعتقد أو ظن الإعطاء. وفي الوقت، إن شك. ولم يعد، إن توهم. وهذا كله إن تبين وجود الماء أو لم يتبين شيء. فإن تبين عدمه فلا إعادة مطلقاً. ومفهوم قولنا: جهل بخلهم به، أنه لو تحقق بخلهم لم يلزمه طلب: اهـ. من الأصل. فرع: إذا شح العبد بمائه على سيده هل يجب عليه نزعه؟ واستظهروا جواز التيمم. قال شيخنا في مجموعه: ولعل الأظهر الانتزاع حيث لا ضرر. قوله: [يتيمم ندباً أول المختار]: فإن تيمم وصلى كما أمر، ثم وجد ماء في الوقت بعد صلاته، فلا إعادة عليه مطلقاً، سواء وجد ما أيس منه أو غيره، كما هو مقتضى نقل (ح) والمواق ونص المدونة. وقال ابن يونس: إن وجد ما أيس منه أعاد لخطئه، وإن وجد غيره فلا إعادة. وضعفه ابن عرفة. اهـ. من حاشية الأصل. قوله: [وسطه]: قال في الأصل: ومثله مريض عدم مناولاً وخائف لص أو سبع أو مسجون، فيندب لهم التيمم وسطه، وظاهره ولو آيساً أو راجياً اهـ. قال محشيه: وأصل العبارة للطراز. ولكن الموافق لكلام ابن عرفة حمله على المتردد، وهو ظاهر إطلاق المصنف هنا. قوله: [آخره ندباً]: قال في الأصل: وإنما لم يجب لأنه حين خوطب بالصلاة لم يكن واجداً للماء فدخل في قوله تعالى: ﴿فلم تجدوا ماء فتيمموا﴾ [النساء: ٤٣]. قوله: [في غير المغرب] إلخ: وأما قول خليل وفيها تأخيره المغرب للشفق، فضعيف مبني على ضعيف، وهو أن وقتها الاختياري يمتد للشفق، وأفهم قوله: [أول المختار] أنه لو كان في الضروري لتيمم من غير تفصيل بين آيس وغيره. قوله: [ولا إعادة]: في (عب) وغيره حرمة الإعادة. قال شيخنا: ليس في النقل تصريح

стр. 71

فيعيد في الوقت. ثم شرع في بيان المقصر بقوله: (كواجده بعد طلبه بقربه أو رحله، وخائف لص أو سبع، فتبين عدمه، ومريض عدم مناولاً، وراج قدم، ومتردد في لحوقه [١] فلحقه، كناس - ذكر بعدها): أي أن من وجد الماء الذي فتش عليه فيما دون الميلين: بعينه بقربه - أي فيما دون الميلين - فإنه يعيد صلاته في الوقت ندباً لتفريطه، إذ لو أمعن النظر لوجده، فلذا لو وجد غيره أو وجده بعد بعد لم يعد. وكذا يعيد في الوقت من فتش عليه في رحله فلم يصادفه فتيمم وصلى ثم وجده فيه بعينه. وكذا الخائف من لص أو سبع على الماء فتيمم وصلى، ثم تبين له عدم ما خاف منه لا إن استمر على خوفه، وأولى إن تحقق ما خاف منه، ولا إن وجد ماء غير ما حال بينه وبين اللصوص. والمراد بالخوف: الظن. وكذا يعيد في الوقت مريض يقدر على استعمال الماء، ولكنه لم يجد من يناوله إياه فتيمم وصلى، ثم وجد مناولاً. وهذا في مريض شأنه أن لا يتردد عليه الناس، وأما من شأنه التردد عليه فلا تفريط عنده لجزمه أو ظنه مناولاً، فليتأمل. وكذا يعيد الراجي وجود الماء آخر الوقت؛ فقدم الصلاة بالتيمم ثم وجد في الوقت ما كان يرجوه. وكذا المتردد في لحوقه إذا صلى وسط الوقت ثم لحق - في الوقت ما كان متردداً فيه. بخلاف المتردد في الوجود، فلا إعادة عليه إن وجده؛ لأن الأصل عدم الوجود. وكذا يعيد في الوقت من نسي الماء الذي معه ثم تذكره بعد أن صلى: بالتيمم لتفريطه إذ الناسي عنده نوع تفريط فإن تذكره في صلاته بطلت كما يأتي، والمراد بالوقت هنا الوقت الاختياري. (وفرائضه: نية استباحة الصلاة أو فرض التيمم عند الضربة الأولى، ــ بالحرمة. اهـ. من شيخنا في مجموعه. قال في حاشيته: لكن لها وجه إن كانت الإعادة من حيث ذات الطهارة الترابية استضعافاً لها على المائية لما فيه من الاستظهار على الشارع فيما شرع. اهـ. قوله: [فيعيد في الوقت]: أل فيه للعهد الذكري أي المتقدم ذكره في قوله: [فالآيس أول المختار] بدليل ما يأتي. قوله: [بعد طلبه]: أما إن ترك الطلب وتيمم وصلى ثم وجد ما كان ظاناً له أو متردداً فيه فيما دون الميلين، أو في الرحل فإنه يعيد أبداً حيث لا مشقة عليه في الطلب، وكذا إن طلبه فلم يجده فتيمم ثم وجد الماء قبل صلاته. فإن التيمم يبطل، فإن صلى به أعاد أبداً، كما سيأتي. قوله: [بعد بعد]: بأن كان على ميلين. قوله: [وصلى]: أي وأما لو وجده قبل الصلاة فيعيد أبداً، كما تقدم. قوله: [وكذا الخائف من لص]: أي فيعيد في الوقت بقيود أربعة: أن يتبين عدم ما خافه بأن ظهر أنه شجر مثلاً، وأن يتحقق الماء الممنوع منه، وأن يكون خوفه جزماً أو ظناً، وأن يجد الماء بعينه. فإن تبين حقيقة ما خافه، أو لم يتبين شيء، أو لم يتحقق الماء، أو وجد غير الماء المخوف، فلا إعادة. وأما لو كان خوفه شكاً أو وهماً فالإعادة أبداً اهـ. من الأصل. قوله: [فليتأمل]: إنما أمر بالتأمل لبعد التقصير عن المريض. ولذلك قال ابن ناجي: الأقرب أنه لا إعادة مطلقاً على المريض الذي عدم مناولاً سواء كان لا يتكرر عليه الداخلون أو يتكرر، لأنه إذا لم يجد من يناوله إياه إنما ترك الاستعداد للماء قبل دخول الوقت، وهو مندوب على ظاهر المذهب، وذلك لا يضر فلا إعادة مطلقاً اهـ. من حاشية الأصل نقلاً عن (بن). قوله: [فلا إعادة عليه إن وجده] إلخ: أي سواء تيمم في وسط الوقت أو قدم أوله، كما نص عليه في التوضيح. قوله: [والمراد بالوقت] إلخ: قال في الأصل: واعلم أن كل من أمر بالإعادة فإنه يعيد بالماء إلا المقتصر على كوعيه، والمتيمم على مصاب بول، ومن وجد بثوبه أو بدنه أو مكانه نجاسة، ومن تذكر إحدى الحاضرتين: بعد ما صلى الثانية منهما. ومن يعيد في جماعة، ومن يقدم الحاضرة على يسير المنسي؛ فإن هؤلاء يعيدون ولو بالتيمم. وأن المراد بالوقت الوقت الاختياري إلا في حق هؤلاء فإنه الضروري ما عدا المقتصر على كوعيه، فإنه الاختياري اهـ. وقوله: [وفرائضه] إلخ: هو مبتدأ خبره محذوف تقديره خمسة، كما يشير إليه الشارح بقوله: وهي خمسة. وقوله: [نية استباحة] إلخ: خبر لمحذوف تقديره الأولى، كما قدره الشارح أيضاً، ويصح جعل نية وما عطف عليه خبراً عن فرائض، كما هو معلوم. قوله: [استباحة الصلاة] إلخ: شروع في بيان الكيفية، وهي قسمان، كما قاله المصنف: استباحة الصلاة، أو فرض التيمم. ولا ينوي رفع الحدث لما فيه من الخلاف الآتي. قوله: [عند الضربة الأولى]: أي كما هو ظاهر كلام صاحب اللمع. وصرح به غيره. وقال زروق: إنها تكون عند مسح الوجه. واستظهره البدر القرافي كما في الحاشية قياساً على الوضوء. قال شيخنا في مجموعه: والأوجه الأول، إذ يبعد أن يضع الإنسان يده على حجر مثلاً من غير نية تيمم بقصد الاتكاء، أو مجرد اللمس مثلاً ثم يرفعها فيبدو له بعد الرفع أن يمسح بها وجهه ويديه بنية التيمم، فيقال: صح تيممه. وفرق بينه وبين الوضوء، إذ الواجب في الوضوء غسل الوجه كما قال الله تعالى: ﴿فاغسلوا وجوهكم﴾ [المائدة: ٦] ولا مدخل لنقل الماء في الغسل، وقال في التيمم: ﴿فتيمموا صعيدا طيبا فامسحوا بوجوهكم وأيديكم﴾ [المائدة: ٦]، فأوجب قصد الصعيد قبل المسح. وقد عدوا الضربة الأولى من الفرائض فلا يصح تقدمها عن النية اهـ. ويؤيده قول ابن عاشر:

стр. 72

ولزم نية أكبر إن كان): هذا شروع في فرائض التيمم وهي خمسة: الأولى: النية عند الضربة الأولى، أن ينوي به استباحة الصلاة أو فرض التيمم، ووجب عليه ملاحظة الحدث الأكبر إن كان عليه أكبر بأن ينوي استباحة الصلاة من الحدث الأكبر، فإن لم يلاحظه بأن نسيه أو لم يعتقد أنه عليه لم يجزه، وأعاد أبداً. ولا يصلى فرض بتيمم نواه لغيره، قال في المقدمات ولا صلاة بتيمم نواه لغيرها. (والضربة الأولى، وتعميم مسح وجهه ويديه لكوعيه، مع تخليل أصابعه، ونزع خاتمه): الفريضة الثانية: الضربة الأولى؛ أي وضع الكفين على الصعيد، وأما الضربة الثانية فسنة، كما سيأتي. الفريضة الثالثة: تعميم الوجه واليدين إلى الكوعين بالمسح. وأما من الكوعين إلى المرفقين فسنة، كما سيأتي. ولم يعدوا الوجه فريضة على حدتها واليدين فريضة أخرى كما فعلوا في الوضوء لعله للاختصار. ويجب عليه تخليل الأصابع ونزع الخاتم ليمسح ما تحته. وتخليل الأصابع يكون بباطن الكف أو الأصابع لا بجنبها إذ لم يمسها تراب. (وصعيد طاهر كتراب، وهو أفضل): الفريضة الرابعة: الصعيد الطاهر؛ أي استعماله. إذ لا تكليف إلا بفعل، فخرج استعمال غيره مما ليس بصعيد أو ما كان نجساً وأفضل أنواع الصعيد: ــ فروضه مسحك وجهاً واليدين ... للكوع وللنية أولى الضربتين فإذا علمت ذلك فرد البناني لذلك القول غير مسلم. قوله: [أكبر إن كان]: أي إن وجد حدث أكبر من جنابة أو غيرها. قوله: [ووجب عليه ملاحظة] إلخ: قال الشارح في تقريره: ومحل لزوم نية الأكبر إن نوى استباحة الصلاة أو ما منعه الحدث، وأما إن نوى فرض التيمم فيجزيه عن الأصغر والأكبر وإن لم يلاحظه. وذكر شيخنا في مجموعه مثله. قوله: [أو لم يعتقد] إلخ: فإن نواه معتقداً أنه عليه فتبين خلافه أجزأه. قوله: [وأعاد أبداً]: أي عند ترك نية الأكبر، وأما نية الأصغر مع الأكبر فمندوبة، فلو اقتصر على الأكبر أجزأه عن الأصغر. قوله: [ولا يصلى فرض] إلخ: قال في الأصل: ويندب تعيين الصلاة من فرض أو نفل أو هما، فإن لم يعينها فإن نوى الصلاة صلى به ما عليه من فرض، لا إن ذكر فائتة بعدها. وإن نوى مطلق الصلاة الصالحة للفرض أو النفل صح في نفسه. ويفعل به النفل دون الفرض؛ لأن الفرض يحتاج لنية تخصه اهـ. وحاصل الفقه أن تعيين شخص الصلاة مندوب، فإن عين به شخص فرض فلا يفعل به فرضاً غيره، وإن عين نوع الفرض أو سكت - كمجرد صلاة صرف للفرض الذي عليه، ويفعل غيره تبعاً، على ما سبق، فإن لاحظ الإطلاق أي الصلاة الدائرة بين الفرض والنفل ملاحظاً الشيوع لم يجز به الفرض، وصلى من النفل ما شاء. تنبيه: قال خليل: ولا يرفع الحدث، قال: الأصل على المشهور؛ وإنما يبيح العبادة، وهو مشكل جداً. إذ كيف تجامع الإباحة المنع؟ ولهذا ذهب القرافي وغيره إلى أن الخلف لفظي، فمن قال: لا يرفعه، أي مطلقاً، بل إلى غاية الصلاة لئلا يجتمع النقيضان، إذ الحدث المنع والإباحة حاصلة إجماعاً اهـ. قال شيخنا في مجموعه: وفي (ح) و (ر) تقوية أنه حقيقي لابتناء الأحكام على كل. قلنا: إن فسر الحدث بالمنع تعين أنه لفظي، أو بالصفة الحكمية كما هو الظاهر فلا اهـ. ومعنى كلامه أن المنع لا يجامع الإباحة فتعين كونه لفظياً حيث فسر بالمنع، وحقيقياً إن فسر بالصفة الحكمية، لأن الإباحة تجامع الصفة «لقوله ﷺ لعمرو بن العاص وقد احتلم في ليلة باردة فتيمم وصلى بأصحابه: صليت بالناس وأنت جنب؟ »، أي قائم بك الصفة الحكمية لا المنع، وإلا لأمره بإعادة الصلاة، تأمل. قوله: [وضع الكفين]: إنما قال ذلك دفعاً لما يتوهم من لفظ الضرب أنه يكون بشدة، فأفاد أنه وضع الكفين على الصعيد، ومثل الكفين أحدهما أو بعضهما، ولو بباطن واحد، وأما لو تيمم بظاهر كفه فلا يجزئ. قوله: [تعميم الوجه] إلخ: ولا يتعمق في نحو أسارير الجبهة، ولا يخلل لحيته ولو خفيفة، لأن المسح مبني على التخفيف. قوله: [إلى الكوعين]: قال (ح): الكوع طرف الزند الذي يلي الإبهام وفي الذخيرة: آخر الساعد وأول الكف. ويقال: كاع. قوله: [لعله للاختصار]: ترجى في الجواب تحرياً للصدق لعدم الاطلاع على النص في ذلك. قوله: [ونزع الخاتم]: أي إزالته عن موضعه ليمسح ما تحته، وإن مأذوناً فيه واسعاً لضيق ما هنا عن الوضوء. قوله: [طاهر]: هو معنى الطيب في الآية. قوله: [أي استعماله] إلخ: هو معنى الضربة الأولى، لأن معناها وضع اليدين على الصعيد. وفي الحقيقة الصعيد بمنزلة الماء في الطهارة المائية، فلذلك قال شيخنا في تقريره: عدهم الصعيد فرضاً من فروض التيمم لا يظهر، وإن كانت الفرضية الوضع المذكور. فلا يكفي تراب أثاره الريح على يديه، واستظهر الإجزاء إذا عمد بيديه لتراب متكاثف في الهواء. قوله: [مما ليس بصعيد]: أي ولا ملحقاً به كالثلج، كما سيأتي. قوله: [أو ما كان نجساً]: فلا يصح التيمم عليه على مشهور المذهب، وذكر خليل تبعاً للمدونة: أن المتيمم على مصاب بول يعيد في الوقت، واستشكل

стр. 73

التراب. والمراد بالصعيد. كل ما صعد على وجه الأرض من أجزائها، فالكاف في: كتراب للتمثيل. (ورمل وحجر وجص لم يطبخ) أي يجوز التيمم على كل مما ذكر. والجص نوع من الحجر يحرق بالنار ويسحق ويبنى به القناطر والمساجد والبيوت العظيمة، فإذا [١] أحرق - وهو المراد بالطبخ - لم يجز التيمم عليه، لأنه خرج بالصنعة عن كونه صعيداً. (ومعدن غير نقد وجوهر ومنقول): أي أنه يجوز التيمم على المعدن إذا لم يكن أحد النقدين. ولا جوهراً ولا منقولاً من محله بحيث يصير مالاً من أموال الناس؛ فلا يتيمم على الذهب والفضة ولو بمعدنهما، ولا على الجوهر كالياقوت والزبرجد واللؤلؤ ولو بمحلها، ولا على الشب والملح والحديد والرصاص والقصدير والكحل، إن نقلت من محلاتها وصارت أموالاً في أيدي الناس. وأما ما دامت في مواضعها فيجوز. فقوله: (كشب وملح وحديد ورخام): مثال للمعدن الغير ما ذكر (كثلج لا خشب وحشيش): تشبيه في جواز التيمم، أي أن الثلج - وهو ما جمد من الماء على وجه الأرض أو البحر - يجوز التيمم عليه لأنه أشبه - بجموده - الحجر، فالتحق بأجزاء الأرض. بخلاف الخشب والحشيش فلا يتيمم عليهما ولو لم يوجد غيرهما. وقيل: إن لم يوجد غيرهما ولم يمكن قلعهما وضاق الوقت جاز التيمم عليهما، وهو ضعيف، لأنه ليس بصعيد ولا يشبه الصعيد. - (والموالاة): الفريضة الخامسة الموالاة بين أجزائه وبينه وبين ما فعل له من صلاة ونحوها، وابتدأه إن فرق وطال. ولا يبني وإن نسي. (وسننه: ترتيب وضربة ليديه وإلى المرفقين، ونقل ما تعلق بهما من غبار): أي إن سننه أربعة: الترتيب بأن يمسح اليدين بعد الوجه فإن نكس أعاد اليدين إن قرب ولم يصل به، والضربة الثانية ليديه والمسح إلى المرفقين، ونقل أثر الضرب من الغبار إلى الممسوح بأن لا يمسح على شيء قبل مسح الوجه واليدين، فإن مسحهما بشيء قبل ما ذكر كره وأجزأ، وهذا لا ينافي ما قال في الرسالة فإن تعلق بهما شيء نفضهما نفضاً خفيفاً كما هو ظاهر. ــ فأولت بتآويل، منها: أن الريح سترته بتراب طاهر، أو مراعاة للقائل بطهارة الأرض بالجفاف كمحمد بن الحنفية والحسن البصري. قوله: [التراب]: أي للاتفاق عليه في جميع المذاهب. قوله: [لأنه خرج بالصنعة] إلخ: أي التي هي الطبخ بالنار، ولا يضر مجرد النشر، ولو صنع رحى أو أعمدة. قوله: [غير نقد وجوهر]: أي لأنهما لا يظهر فيهما ذل العبادة فتنافي التواضع. قوله: [وأما ما دامت] إلخ: ومثله لو نقلت ولم تضر كالعقاقير كالطفل والأحجار والرخام الذي يجعل أعمدة في المساجد مثلاً، والملح الذي يجرن قريباً من أرضه فهذا كله يجوز التيمم عليه. قوله: [ورخام]: قيل إنه لا يجوز التيمم عليه لأنه من المعادن النفيسة المتمولة الغالية الثمن واستظهره بعضهم، ولكنه ضعيف. قوله: [للمعدن الغير ما ذكر]: أي النقد والجوهر والمنقول، أي الذي صار في أيدي الناس كالعقاقير. قوله: [كثلج]: أي يجوز التيمم عليه حيث عجز عن تحليله، وتصييره ماء ولو وجد غيره بخلاف الخضخاض فلا يتيمم عليه إلا إذا لم يجد غيره. والفرق أن الأول لجموده صار كالحجر فالتحق بأجزاء الأرض، والثاني لرقته بعد عن أجزاء الأرض. قوله: [وقيل] إلخ: قائله اللخمي قال (بن): وكلام (ح) يقتضي أنه الراجح، واعتمده (ر) في الحاشية. قوله: [ولا يبني وإن نسي]: أي أو عجز لضعفه عن الوضوء والغسل. ولذلك جعل دخول الوقت شرط وجوب وصحة فيه، فلا يتيمم لفريضة إلا بعد دخول وقتها. ووقت الفائتة تذكرها، فمن تيمم للصبح فتذكر أن عليه العشاء فلا يجزيه هذا التيمم. لها بخلاف وقت وقت المشتركتين لو تيمم لإحداهما فتذكر أن عليه الأخرى صلاها به ما لم يكن خص إحداهما بعينها كما تقدم. ووقت الجنازة الفراغ من غسل الميت، فإن كان التيمم فرض الميت، والمصلي عليه يمم الميت بعد التكفين، ولا يتيمم المصلي عليه إلا بعد تيمم الميت، وتيممه لا يحتاج لنية لأنه كغسله، وقد ألغز شيخنا في حاشية مجموعه بقوله: يا من بلحظ يفهم ... أحسن جواب تفهم لم لا يصح تيمم ... إلا بسبق تيمم من غير فعل عبادة ... بالسابق المتقدم ومتى يصح تيمم ... من غير نيته نمي قال: واحترزت بقولي: من غير إلخ عن التيمم لثانية المشتركين، فإنه إنما يصح بعد أن يتيمم للأولى ويصليها اهـ. وقد أجبت عن ذلك بقولي: هذا الذي يتيمم ... لصلاة ميت يمموا ولحظنا من يمكم ... يا من إليكم يمموا قوله: [إن قرب] إلخ: أي وأما لو بعد أو صلى به فيفوت. قوله: [والضربة الثانية]: إن قلت كيف تكون سنة مع أنها للفرض. والجواب أن الفرض بآثار الأولى. قوله: [كره وأجزأ] إلخ: قيده عب

стр. 74

(وندب: تسمية، وصمت، واستقبال، وتقديم اليد اليمنى، وجعل ظاهرها من طرف الأصابع بباطن يسراه، فيمرها إلى المرفق، ثم باطنها لآخر الأصابع، ثم يسراه كذلك): هذا شروع في مندوباته وهو ظاهر. وقوله: وجعل إلخ: معناه أنه يندب أن يجعل ظاهر اليمنى من طرف أصابعها بباطن كف يده اليسرى، ثم يمر اليسرى إلى مرفق اليمنى. ثم يجعل باطنها بحيث يجعل باطن اليمنى من طي المرفق بباطن اليسرى فيمرها لآخر أصابع اليمنى. ثم يفعل بيسراه كما فعل باليمنى بأن يجعل ظاهرها من - طرف الأصابع بباطن كف اليمنى فيمرها لآخر طرف مرفق اليسرى. ثم يجعل باطنها من طي مرفقها بباطن كف اليمنى لآخر أصابع اليسرى. ثم يخلل الأصابع. فقوله: ثم باطنها عطفاً على ظاهرها، أي ثم جعل باطنها. (ويبطله مبطل الوضوء؛ ووجود ماء قبل الصلاة، لا فيها، إلا ناسيه): أي إن كل ما أبطل الوضوء من الأحداث والأسباب وغيرهما أبطل التيمم. ويبطله أيضاً وجود ماء كاف قبل الدخول في الصلاة إن اتسع الوقت لاستعماله مع إدراك الصلاة، بخلاف وجود الماء في الصلاة فلا يبطلها إلا إذا كان ناسياً للماء الذي معه فتيمم وأحرم بصلاة ثم تذكر فيها، فتبطل إن اتسع الوقت كما تقدم، ومما يبطله أيضاً طول الفصل بينه وبين الصلاة كما علم من الموالاة. (وكره لفاقده إبطال وضوء أو غسل إلا لضرر): هذا الذي ذكرناه [١]، هو المعول عليه مع الإيضاح والاختصار خلافاً لما يوهمه المصنف والرسالة، يعني أن من كان متوضئاً أو مغتسلاً وهو عادم الماء يكره له إبطال وضوئه بحدث أو سبب أو إبطال غسله - وإن كان غير متوضئ - بجماع، لانتقاله من التيمم للأصغر إلى التيمم للأكبر. ومحل الكراهة ما لم يحصل للمتوضئ ضرر من حقن أو غيره وما لم يحصل للمغتسل ضرر بترك الجماع وإلا لم يكره (ولصحيح تيمم بحائط لبن أو حجر كمريض): الصحيح أنه يجوز للصحيح العادم للماء أن يتيمم بحائط مبني بالطوب النيء، وهو المراد باللبن، وبالحائط المبني بالحجر. كما أنه يجوز للمريض الذي لم يقدر على استعمال الماء ذلك. (وتسقط الصلاة بفقد الطهورين، أو القدرة على استعمالهما): المذهب أن فاقد - الطهورين - وهما الماء والتراب - أو فاقد القدرة على استعمالهما -كالمكره والمصلوب- تسقط عنه الصلاة أداء وقضاء، كالحائض. ــ بأن لا يقوى المسح، ونوقش بصحته على حجر لا يخرج منه شيء، قال شيخنا في مجموعه: وقد يفرق بشائبة التلاعب. قوله: [وندب تسمية]: واختلف في تكميلها كما تقدم في الوضوء على قولين، أرجحهما: يكملها، بل يكمل في جميع المواضع إلا في الذكاة. قوله: [وصمت]: أي إلا عن ذكر الله. قوله: [ثم يسراه كذلك]: ظاهره لا يبقي غبار الكف للأخرى، وهي طريقة، والطريقة الثانية: يبقي غبار الكف اليمنى لليسرى. قوله: [ثم يخلل الأصابع]: أي بباطن الأصابع الأخرى، كما تقدم له. تنبيه: لا يندب هنا الموضع الطاهر لأمن التطاير. وقيل: يندب نظراً لتشريف العبادة، ولا يندب ذكره بعده لاتصاله بما فعل له، كما ذكره شيخنا في مجموعه. قوله: [وغيرهما]: أي كالردة، وإن كان التيمم لأكبر. فتنظير الأجهوري وتلامذته في الرد بالنسبة لتيمم الأكبر لا محل له، لأنه إذا بطل بالبول مثلاً وعاد جنباً على المشهور فأولى الردة. اهـ. من شيخنا في مجموعه. قوله: [وجود ماء كاف]: أي أو القدرة على استعماله في الوقت بحيث يدرك باستعماله الوقت المختار. قال في الحاشية يؤخذ منه أن من انتبه في الضروري وكان متسعاً وجب عليه المبادرة إذ لا يجوز التأخير في الضروري، وفي (عب) عن بعضهم: أن الضروري كالمختار، وهو وجيه. والعبرة في الوجود بظنه، فإن رأى مانعاً بعد رؤية الماء أعاد التيمم لا إن رآه معه أو قبله، وإن ظهر عليه ركب احتمل معهم ماء بطل لأنه لما وجب الطلب لم يصح التيمم إلا بعده. اهـ. بالمعنى من شيخنا في مجموعه. قوله: [فلا يبطلها]: أي ويحرم عليه القطع ولو بمجرد الإحرام. قوله: [خلافاً لما يوهمه المصنف] إلخ: أي من الحرمة لتعبيرهما بالمنع. قوله: [الصحيح أنه يجوز] إلخ: فيه تعريض للشيخ خليل حيث خصه بالمريض. قوله: [بالطوب النيء]: أي الذي لم يحرق ولم يخلط بنجس أصلاً، أو طاهر كثير بأن زاد على الثلث وإلا لم يتيمم عليه كما لا يتيمم على رماد. تنبيهان: الأول: من نسي صلاة من الخمس لم يدر عينها صلى الخمس، كل واحدة بتيمم. وإن نسي إحدى النهاريات صلى ثلاثاً، كل واحدة بتيمم، وإن نسي إحدى الليليتين صلاهما كل واحدة بتيمم. الثاني: إذا مات صاحب الماء ومعه شخص جنب فصاحب الماء أولى يغسل به، إلا لخوف عطش على الحي، فيقدم الحي ويضمن قيمته لورثة الميت بمحل أخذه، وإن كان الماء مثلياً للمشقة في قضاء المثل في محل الأخذ. وكذلك لو كان الماء لهما معاً ويكفي واحداً فقط فيتطهر به الحي، ويضمن حصة الميت لورثته. قال شيخنا في مجموعه: فإن كان موقوفاً عليهما فالظاهر تقديم الحي أيضاً لشركة الاستحقاق، وملك الغير لمن خصه، فإن أشركهما فكالأول. اهـ. قوله: [وتسقط الصلاة] إلخ: أي فهو من جملة

стр. 75

وقيل: يؤديها بلا طهارة ولا يقضي كالعريان. وقيل: يقضي ولا يؤدي. وقيل: يؤدي ويقضي عكس الأول. فصل [١]: في بيان حكم المسح على الجبيرة وما يتعلق به. (إن خيف غسل محل، بنحو جرح كالتيمم، مسح): أي إذا كان به جرح بضم الجيم أو دمل أو جرب أو حرق ونحو ذلك، وخيف بغسله في الوضوء أو الغسل حدوث مرض أو زيادته أو تأخر برء -كما تقدم في التيمم- فإنه يمسح إن خيف وجوباً هلاك أو شدة ضرر، كتعطيل منفعة، وجوازاً إن خيف شدة الألم أو تأخره بلا شين، فقوله: كالتيمم أي خوفاً كالخوف المتقدم في التيمم ومتى - أمكن المسح على المحل لم يجز له أن يمسح على الجبيرة، ولا يجزئه إن مسح عليها. (فإن لم يستطع فعلى الجبيرة): أي إذا لم يستطع المسح على المحل بدون جبيرة مسح على الجبيرة: وهي اللزقة فيها الدواء توضع على الجرح ونحوه. أو على العين الرمداء (ثم على العصابة): أي ثم إن لم يستطع المسح على الجبيرة بأن خاف ما تقدم، مسح على العصابة التي تربط فوق الجبيرة، فإن لم يستطع فعلى عصابة أخرى فوقها، والأرمد الذي لا يستطيع المسح على عينه أو جبهته -بأن خاف ما مر- يضع خرقة على العين أو الجبهة ويمسح عليها. (كقرطاس صدغ أو عمامة خيف بنزعها): أي كما يمسح على قرطاس يوضع على صدغ لصداع ونحوه أو على عمامة خيف بنزعها، إذا لم يقدر على مسح ما تحتها- من عرقية ونحوها، فإن قدر على مسح بعض الرأس أتى به وكمل على العمامة. (وإن بغسل أو بلا طهر أو انتشرت): أي لا فرق في المسح المذكور بين أن يكون في وضوء أو غسل، وسواء وضعها وهو متطهر أو بلا طهر، وسواء كانت قدر المحل المألوم أو انتشرت: ــ المسقطات للأداء والقضاء كالإغماء والجنون، وقد جمع بعضهم هذا الحاصل بقوله: ومن لم يجد ماء ولا متيمما ... فأربعة الأقوال يحكين مذهبا يصلي ويقضي عكس ما قال مالك ... وأصبغ يقضي والأداء لأشهبا وقال التتائي: وللقابسي ذو الربط يومي لأرضه ... بوجه وأيد للتيمم مطلبا قال شيخنا في مجموعه: وفي (ر) التيمم على الشجرة على ما سبق في الزرع وفي (ح) قول بالإيماء للماء أيضاً. اهـ. قوله: [وقيل يؤديها] إلخ: أي نظراً إلى أن الشخص مطلوب بما يمكنه والأداء ممكن له. وعلى هذا فحدثه في صلاته لا يبطلها، ولكن قال شيخنا الأمير في تقريره: الظاهر ما لم يتعمد إخراجه وإلا كان متلاعباً. قوله: [وقيل يؤدي ويقضي]: أي احتياطاً، وترك الشارح قول القابسي الذي في النظم وهو أن محل سقوطهما أداء وقضاء إذا كان لا يمكنه الإيماء للتيمم، كالمحبوس بمكان مبني: بالآجر ومفروش به. فإن أمكنه الإيماء كالمربوط ومن فوق شجرة وتحته سبع مثلاً فإنه يومئ للتيمم إلى الأرض بوجهه ويديه ويؤديها ولا قضاء عليه. اهـ. من حاشية الأصل. فصل في حكم المسح إلخ قوله: [في بيان المسح] إلخ: لما كان المسح عليها رخصة في الطهارة المائية والترابية، ناسب تأخير هذا الفصل عنهما، وليكون إحالة على معلوم في قوله: [كالتيمم]. وحكم المسح الوجوب إن خاف هلاكاً أو شدة، كما سيأتي. قوله: [وما يتعلق به]: أي من الأحكام التي حواها الفصل. قوله: [بضم الجيم]: وبالفتح المصدر، والمراد هنا الأول، لأن المصدر لا يمسح. والمراد بالجرح: المجروح بآلة كحربة، بدليل ما بعده. قوله: [في الوضوء والغسل]: أي في أعضاء الوضوء إن كان محدثاً حدثاً أصغر، أو في جسده إن كان محدثاً حدثاً أكبر ولو من زنا. قوله: [إن خيف]: المراد بالخوف هنا العلم أو الظن. قوله: [كتعطيل منفعة]: أي كضياع حاسة من الحواس أو نقصها. قوله: [شدة الألم] إلخ: مراده المرض الذي لا يعطل منفعة، وهو الذي عبر عنه غيره: بالمرض الخفيف. والشين: نقص المنفعة، وأما إن خاف بغسله مجرد المشقة، فلا يجوز المسح عليه. قوله: [فعلى الجبيرة] أي ويعمها بالمسح. قوله: [العصابة]: بكسر العين؛ لأن القاعدة إذا صيغ اسم على وزن فعالة لما يشتمل على الشيء -نحو العمامة- فهو بالكسر، كما نقله الشهاب الخفاجي في حواشي البيضاوي عن الزجاج. اهـ. من حاشية الأصل. قوله: [فإن لم يستطع] إلخ: وكذا إن تعذر حلها فيمسح عليها، وإن كان لا يضره المسح على ما دونها. قوله: [يضع خرقة] إلخ: أي ولا يرفعها عن الجرح أو العين بعد المسح عليها حتى يصلي. قوله: [خيف بنزعها]: أي أو بفكها لكونه من أرباب المناصب الذين لهم زي في العمامة. قوله: [ونحوه]: أي كفصده، فيمسح عليه فإن لم يقدر فعلى الجبيرة، وهكذا. قوله: [وكمل على العمامة]: أي كما أفاده القرطبي، وهو الصواب، وقيل: يمسح بعض الرأس فقط ولا يستحب له التكميل، وقيل: باستحبابه. قوله: [وإن بغسل]: سواء كان من حلال أو حرام، كما تقدم؛ لأن معصية الزنا قد انقطعت، فوق الغسل المرخص فيه المسح، وهو غير متلبس بالمعصية، فلا تقاس على مسألة
следующие страницы →