ووقت أداء الرمي (من الزوال للغروب)، وتقدم أن الليل قضاء فإن قدمه على الزوال لم يعتد به. ثم شرع في بيان شروط صحة الرمي بقوله:
(وصحته) أي وشرط [١] صحة الرمي مطلقاً: أن يكون (بحجر)، فلا يصح بطين ولا بمعدن، ولا يشترط طهارته. وأن يكون الحصى (كحصى الخذف) يصح قراءته بالمعجمتين وبالحاء المهملة والذال المعجمة: وهو رمي الحصى بالسبابتين، بأن تكون الحصاة قدر الفولة أو النواة، (ولا يجزئ صغير جداً) كالحمصة، (وكره كبير) وأجزأ. (ورمي) عطف على حجر: أي وصحته برمي؛ أي دفع باليد. فلا يجزئ الوضع أو الطرح (على الجمرة): وهي البناء وما حوله من موضع الحصى، وهو أولى، فإن وقعت الحصاة في شق من البناء أجزأت على التحقيق (لا إن جاوزتها) ووقعت خلفها ببعد، (أو وقعت دونها): أي دون الجمرة التي هي محل الرمي، (ولم تصل) الحصاة إليها، فإن وصلت أجزأت. (و) صحته (بترتبهن): أي الجمرات بأن يبتدئ بالأولى التي تلي مسجد منى، ثم الوسطى، ثم العقبة (لا إن نكس) بأن قدم العقبة أو الوسطى، (أو ترك بعضاً) منها حصاة أو أكثر من الجميع أو من بعضهن (ولو سهواً) لم يجزه. (فلو رمى كلاً) من الجمرات (بخمس) من الحصيات (اعتد بالخمس الأول) من الجمرة الأولى، وكملها بحصاتين وأعاد الثانية والثالثة من أصلهما للترتيب.
(وإن لم يدر موضع حصاة) تركهما [٢] منهن تحقيقاً أو شكّاً أهي من الأولى أو من غيرها (اعتد بست من) الجمرة (الأولى) بناء على اليقين، (وأعاد ما بعدها) من الثانية والثالثة وجوباً للترتيب. ولا هدي إن ذكر في يومه ولو نكس أعاد المنكس، فلو رمى الأولى ابتداء فالعقبة فالوسطى، أعاد العقبة، لأن رميها كان باطلاً لعدم الترتيب، ولا دم إن تذكر في يومه. وتقدم أن الرمي لا يفوت إلا بغروب الرابع.
(وندب رمي) جمرة (العقبة أول يوم) وهو يوم النحر (طلوع الشمس) إلى الزوال، وكره تأخيره للزوال
ــ
فهو من شروط الصحة أيضاً كما يأتي.
قوله: [وقت أداء الرمي] إلخ: أي لجميع الجمار غير جمرة العقبة يوم النحر، فإن وقتها يدخل من طلوع الفجر إلى الغروب، والأفضل أن تكون بعد الشمس كما يأتي. قوله: [أن يكون بحجر]: أي كون الرمي به من جنس ما يسمى حجراً سواء كان زلطاً أو رخاماً أو صواناً أو غير ذلك.
قوله: [ولا يشترط طهارته]: أي بل يندب.
قوله: [وهو رمي الحصى بالسبابتين]: بيان لمعناه اللغوي، وكانت العرب ترمي بها في الصغر على وجه اللعب تجعلها بين السبابة والإبهام من اليسرى، ثم تقذفها بسبابة اليمنى أو تجعلها بين سبابتيها، وليست هذه الهيئة مطلوبة في الرمي، وإنما المطلوب أخذها بسبابته وإبهامه من اليد اليمنى ورميها.
قوله: [وكره كبير]: أي لئلا يؤذي الناس.
قوله: [أي وصحته برمي]: اعترض بأن الشيء لا يكون شرطاً لنفسه. وأجيب بأن الرمي المشروط فيه المراد منه الإيصال للجمرة. والرمي الذي اعتبر شرطاً بمعنى الاندفاع، فالمعنى حينئذ شرط صحة الإيصال للجمرة الاندفاع، فلا يجزئ وضع الحصاة بيده على الجمرة، ولا طرحها عليها من غير اندفاع، وهذا الجواب يؤخذ من الشارح. ولا بد أن يكون الرمي مباشرة لا بقوس أو رجله أو غير ذلك، ولا بد أن تكون كل واحدة بانفرادها، فلو رمى السبعة دفعة واحدة حسبت واحدة.
قوله: [وهي البناء وما حوله]: وقيل إن الجمرة اسم للمكان الذي حول البناء فقط محل اجتماع الحصى، وعليه فلا يجزئ ما وقف في البناء، ولكن التحقيق الإجزاء كما قال الشارح.
قوله: [فإن وصلت أجزأت]: هكذا في التوضيح عن سند.
قوله: [بأن يبدأ بالأولى]: أي وهي الكبرى.
قوله: [ثم بالوسطى]: أي التي في السوق، ويرميان من أعلى من جهة منى كما في التتائي.
وقوله: [ثم بالعقبة]: أي يختم بها ويرميها من أسفل من بطن الوادي. قال في المجموع: فإن تأخر يوم لآخر ففي (ح) تقديم القضاء، ولو ضاق كيسير الفوائت، وظاهر اتحاد الدم قال إلا أن يضيق اليوم الآخر: السنهوري - قياساً على الاختصاص بالأخيرة عند الضيق - الأجهوري: إذا ضاق عن كل القضاء أتى ببعضه لحديث: «إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه بما استطعتم».اهـ.
قوله: [اعتد بالخمس الأول]: أي سواء فعل ذلك عمداً أو نسياناً. والحاصل: أن الترتيب بين الجمار الثلاث شرط صحة كما قال الشارح، وأما تتابع الرميات أو الجمرات فمندوب فقط، فلذلك اعتد بالخمس الأول لعدم وجوب تتابع الرميات، وبطل ما بعدها لاشتراط الترتيب بين الجمرات.
قوله: [وإن لم يدر موضع حصاة] إلخ: حاصله: أنه إذا رمى الجمار الثلاث، ثم تيقن أنه ترك حصاة من واحدة منها، ولم يدر من أيها تركها أو شك في ترك حصاة - ولم يدر من أيها - فإنه يعتد بست من الجمرة الأولى لاحتمال كونها منها فيكملها بحصاة، ثم يرمي الثانية والثالثة بسبع سبع، ولا دم عليه إن كمل الأولى وفعل الثانية والثالثة في يومه، فإن رمى الجمار الثلاث في يومين وحصل الشك في ترك حصاة ولم يدر من أي الجمار. وهل هي من اليوم الأول أو الثاني فإنه يعتد بست من الأولى في كلا اليومين، ويكمل عليها ويعيد ما بعدها، ويلزمه دم لتأخير رمي اليوم الأول لوقت القضاء، ولا مفهوم لقوله: "موضع حصاة"، بل مثله موضع حصاتين مثلاً وهكذا،
стр. 282
لغير عذر، ومحط الندب قوله: "طلوع" إلخ. (و) ندب رمي (غيرها) من باقي الأيام (إثر الزوال قبل) صلاة (الظهر) متوضئاً، وتقدم أن دخول الزوال شرط صحة للرمي في الأيام الثلاثة، فمحط الندب التعجيل قبل صلاة الظهر. (و) ندب (وقوفه): أي مكثه ولو جالساً (إثر) الجمرتين (الأوليين) أي الأولى والوسطى (للدعاء) والثناء على الله حال كونه (مستقبلاً) للبيت (قدر) ظرف للوقوف، أي يقف زمناً قدر (إسراع) قراءة سورة (البقرة و) ندب (تياسره في) الجمرة (الثانية) أي الوسطى؛ بأن يقف على يسارها كما في النقل (متقدماً عليها) جهة البيت، لا أنه يحاذيها جهة يسارها.
(و) ندب حال وقوفه للدعاء بقدر رمي الأولى، (جعل الأولى خلفه) وأما جمرة العقبة فيرميها وينصرف، ولا يقف لضيق محلها، وإذا استقبلها للرمي كانت مكة جهة يساره ومنى جهة يمينه. (و) ندب (نزول غير المتعجل) بعد رمي جمار اليوم الثالث (بالمحصب): اسم لبطحاء خارج مكة. (ليصلي به) أي فيه (أربع صلوات) الظهر والعصر والمغرب والعشاء، كما فعل النبي ﷺ ، وأما المتعجل فلا يندب له ذلك. (و) ندب (طواف الوداع الخارج [١]) أي لكل من خرج من مكة من أهل مكة أو غيرهم من الحجاج أو غيرهم (لكميقات) من المواقيت، أو لما حاذاه، أو للطائف، وأولى لأبعد من ذلك، وسواء خرج لحاجة أم لا أراد العود أم لا، (لا) إن خرج (لكجعرانة) والتنعيم مما دون المواقيت فلا وداع عليه، (إلا) أن يكون الخارج لما دون المواقيت، خرج (لتوطن) به فيندب له الوداع، (وتأدى) طواف الوداع (بالإفاضة، و) طواف (العمرة)، وحصل له ثوابه إن نواه بهما كتحية المسجد تؤدى بالفرض، ويحصل ثوابها إن نواها به.
(وبطل) الوداع أي بطل الاكتفاء به لا الثواب (بإقامته) بمكة (بعض يوم) له بال فيعيده، (لا) يبطل بإقامته (بشغل) أي بسبب شغل (خف) من بيع أو شراء أو قضاء دين ونحو ذلك، فلا يطلب بإعادته. (و) إذا بطل أو لم يأت به من أصله (رجع له) أي لفعله (إن لم يخف) بالرجوع (فوات رفقة) ولا لصاً أو سارقاً أو نحو ذلك، وإلا لم يرجع.
(و) ندب (زيارة النبي ﷺ وهي من أعظم القربات.
ــ
كلما زاد الشك اعتد بغير المشكوك فيه، وهذا أيضاً مبني على ندب تتابع الرميات والجمرات.
قوله: [لغير عذر]: أي وأما إذا كان لمرض أو نسيان فلا كراهة في فعله بعد الزوال.
قوله [فمحط الندب التعجيل] إلخ: أي فلا ينافي أن كونه بعد الزوال شرط صحة فيه.
قوله: [وندب تياسره]: أي وقوفه جهة يسارها فتكون هي عن يمينه، لأنه يلزم من كونه جهة يسارها أن تكون هي جهة يمينه.
قوله: [كما في النقل]: ففي عبارة ابن المواز: يرمي الوسطى وينصرف منها إلى الشمال في بطن المسيل، فيقف أمامها مما يلي يسارها.
قوله: [إلا أن يحاذيها] إلخ: أي بل تكون خلفه كالجمرة الأولى غير أنه في يسارها.
قوله: [لضيق محلها]: أي فلو أمرت الناس بالوقوف لحصل مزيد الضرر.
قوله: [وندب نزول غير المتعجل]: أي إن لم يكن رجوعه يوم جمعة وإلا فلا يندب التحصيب. ومحل ندب صلاة الظهر به إذا وصله قبل ضيق وقتها، أما لو ضاق وقتها عليه، فإنه يصلي الظهر حيث أدركه، ولا يؤخرها للمحصب.
وهذا التحصيب مندوب في حق الراجع من منى بشرطه، سواء كان آفاقياً أو مكياً، ويقصر المكي الصلاة فيه لأنه من تمام المناسك وأولى الآفاقي.
قوله: [اسم لبطحاء خارج مكة]: أي محاذية للمقبرة.
قوله: [كما فعل النبي ﷺ ] إلخ: أي شكراً لله، وذلك لأن المحصب هو الموضع الذي تحالفت فيه قريش على أنهم لا يبايعون بني هاشم، ولا يناكحونهم. ولا يأخذون منهم، ولا يعطونهم إلا أن يسلموا لهم النبي ﷺ ، وكتبوا بذلك صحيفة ووضعوها في جوف الكعبة فخيبهم الله في ذلك، وبلغ رسول الله كل المقاصد فيهم وفي غيرهم.
قوله: [وندب طواف الوداع]: أي لغير المتردد بفاكهة ونحوها. وحاصل المسألة أن الخارج من مكة إذا قصد التردد لها فلا وداع عليه مطلقاً وصل الميقات أم لا، وإن قصد مسكناً أو الإقامة طويلاً فعليه الوداع مطلقاً. وإن خرج لاقتضاء دين أو زيارة أهل نظر؛ فإن خرج لنحو المواقيت طلب بالوداع مطلقاً، وإن خرج لدونها كالتنعيم فلا وداع عليه، هذا محصل كلام الحطاب.
قوله: [وتأدى طواف الوداع] إلخ: أي لأنه ليس مقصوداً لذاته، بل ليكون آخر عهده من البيت الطواف، ولا يكون السعي بعده طولاً حيث لم يقم بعده إقامة تقطع حكم التوديع.
تنبيه: يحبس الكري والولي - من زوج أو محرم - لأجل حيض أو نفاس منع المرأة من طواف الإفاضة حتى يزول المانع، وتطوف بشرط أمن الطريق حال الرجوع بعد طوافها، فإن لم يؤمن - كما في هذه الأزمنة - فسخ الكراء اتفاقاً، ولا يحبس من ذكر معها ومكثت بمكة وحدها إن أمكنها، وإلا رجعت لبلدها وهي على إحرامها، ثم تعود في القابل للإفاضة والأسهل في تلك المسألة تقليد أبي حنيفة وأحمد في صحة طوافها بالحيض والنفاس كذا في المجموع.
قوله: [وهي من أعظم القربات]: قال العلامة السمهودي في كتابه المؤلف في زيارة الرسول ﷺ : ومن خصائصها - أي المدينة المنورة - وجوب زيارتها كما في حديث الطبراني، وحق على كل مسلم زيارتها، فالرحلة إليها مأمور بها واجبة
стр. 283
(و) ندب (الإكثار من الطواف) بالبيت ليلاً ونهاراً ما استطاع، (و) إذا أراد الخروج من المسجد الحرام بعد الوداع أو غيره (لا يرجع القهقرى) بأن يرجع بظهره ووجهه للبيت، أي يكره لأنه من فعل الأعاجم لا من السنة.
ولما فرغ من بيان أركان الحج شرع في بيان أركان العمرة فقال:
(وأركان العمرة ثلاثة) بإسقاط الوقوف بعرفة: (إحرام) منه المواقيت أو من الحل
(وطواف) بالبيت سبعاً. (وسعي) بين الصفا والمروة سبعاً (على ما): أي على الوجه الذي (مر) بيانه في الحج، سواء بسواء. فإن أحرم من الحرم وجب عليه الخروج للحل لما تقدم من أن كل إحرام لا بد فيه من الجمع بين الحل والحرم، ولا يصح طوافه وسعيه إلا بعد خروجه للحل. (ثم) بعد سعيه (يحلق) رأسه وجوباً على ما مر أيضاً، فقد حذفه من الأخير لدلالة الأول عليه.
(وكره) للمكلف (تكرارها) أي العمرة (بالعام) الواحد. وإنما يطلب كثرة الطواف، وأول العام المحرم، فإن اعتمر آخر يوم من ذي الحجة وأول يوم من المحرم لم يكره.
فصل في بيان محرمات الإحرام
ــ
أي متأكدة على المسلم المستطيع له سبيلاً، وعن ابن عمر مرفوعاً: «من حج فزار قبري بعد موتي كان كمن زارني في حياتي»، وأخرج ابن الجوزي: «من حج فزار قبري بعد موتي كان كمن زارني في حياتي»، ولابن عدي والطبراني: «من حج البيت ولم يزرني فقد جفاني»، وعن أنس مرفوعاً: «من زارني ميتاً فكأنما زارني حياً، ومن زار قبري وجبت له شفاعتي يوم القيامة، وما من أحد من أمتي له سعة ثم لم يزرني فليس له عذر»، وعن عطاء عن ابن عباس مرفوعاً: «من زارني في مماتي كمن زارني في حياتي، ومن زارني حتى ينتهي إلى قبري كنت له يوم القيامة شهيداً» أو قال "شفيعاً" اهـ.
قال بعضهم السلام عليه عند قبره ﵊ أفضل من الصلاة عليه عنده للأخبار الكثيرة الواردة في ذلك؛ منها: «ما من أحد يسلم علي عند قبري إلا رد الله علي روحي حتى أرد ﵇».
ومعنى قوله في الحديث: "إلا رد الله علي روحي" أي من حضرة الشهود إلى رد جواب المسلم، ولأن شعار اللقاء التحية، ويدل لذلك قول العلماء: إن الزائر يبدأ بالسلام ويختم بالصلاة عليه ﷺ ، والأفضل في الزيارة القرب من القبر الشريف، بحيث يكون النبي يسمع قوله على حسب العادة، ويلزم في تلك الحضرة الأدب الظاهري والباطني ليظفر بالمنى.
ومما يتأكد عند دخول المدينة المشرفة الغسل والتطيب وتجديد التوبة، وحين يدخل المسجد الشريف يأتي الروضة فيصلي بها ركعتين تحية المسجد، ثم يأتي قبالة القبر الشريف ويقول: " السلام عليك يا سيدي يا رسول الله، السلام عليك يا سيدي يا حبيب الله، السلام عليك يا سيدي يا أشرف رسل الله، السلام عليك يا إمام المتقين، السلام عليك يا رحمة للعالمين، أشهد أنك رسول الله بلغت الرسالة، وأديت الأمانة، ونصحت الأمة، وكشفت الغمة، وجليت الظلمة، ونطقت بالحكمة، صلى الله عليك، وعلى آلك وأصحابك أجمعين ". ثم يتوسل به في جميع مطلوباته. ثم ينتقل قبالة قبر أبي بكر ويقول: " السلام عليك يا خليفة رسول الله، السلام عليك يا صديق رسول الله، أشهد أنك جاهدت في الله حق جهاده، جزاك الله عن أمة محمد خيراً رضي الله عنك وأرضاك، وجعل الجنة متقلبك ومثواك، ورضي الله عن كل الصحابة أجمعين، ثم يتوسل به إلى رسول الله. ثم ينتقل قبالة قبر عمر ويقول: " السلام عليك يا صاحب رسول الله، السلام عليك يا أمير المؤمنين عمر الفاروق، أشهد أنك جاهدت في الله حق جهاده، جزاك الله عن أمة محمد خيراً، رضي الله عنك وأرضاك، وجعل الجنة متقلبك ومثواك، ورضي الله عن كل الصحابة أجمعين ". ثم يتوسل به إلى رسول الله. ثم يخرج إلى البقيع فيسلم على أهله هكذا، ويتوسل بهم إلى رسول الله فلتحفظ تلك الآداب فإن من فعلها مع الشوق وفراغ القلب من الأغيار بلغ كل ما يتمنى إن شاء الله تعالى.
قوله: [وندب الإكثار من الطواف] إلخ: أي لأنه عبادة مفقودة له في غيره
قوله: [وكره للمكلف تكرارها]: أي وما ورد عن السلف من تكرارها، فلم يؤخذ به مالك ولا مفهوم للمكلف، بل الصبي المميز تتعلق به الكراهة أيضاً.
تتمة: لو طاف حامل شخص وقصد بطوافه نفسه وعن محموله لم يجز عن واحد منهما، لأن الطواف صلاة وهي لا تكون عن اثنين، وأجزأ السعي عنهما لخفة أمر السعي، إذ لا يشترط فيه طهارة فليس كالصلاة، وكذلك يجزئ الطواف والسعي عن محمولين له، حيث لم يدخل نفسه معهم كان المحمول معذوراً أم لا. لكن على غير المعذور الدم إن لم يعده - كذا في الأصل
فصل في بيان محرمات الإحرام
لما فرغ المؤلف من الكلام على أركان الحج والعمرة، وما انضاف إلى كل ركن مندوب ومسنون. تكلم على محظورات الإحرام، وأخرها لأنها طارئة على الماهية بعد كمالها.
وهي على قسمين: مفسد
стр. 284
على الذكر والأنثى
(يحرم على الأنثى): حرة أو أمة كبيرة أو صغيرة؛ ويتعلق الخطاب بوليها. (بالإحرام): أي بسبب تلبسها بالإحرام بحج أو عمرة: (لبس محيط) بضم اللام (بكف) لا بدن ورجل؛ كقفاز وكيس تدخله في كفها، (أو أصبع) من أصابع يدها (إلا الخاتم) فيغتفر لها دون الرجل كما يأتي، بخلاف ما لو أدخلت يدها في كمها أو قناعها فلا شيء عليها.
(و) حرم عليها (ستر وجهها) أو بعضه ولو بخمار أو منديل، وهذا معنى قولهم: إحرام المرأة في وجهها وكفيها فقط، وحرمة ستر وجهها. (إلا لفتنة): أي تعلق قلوب الرجال بها، فلا يحرم بل يجب عليها ستره إن ظنت الفتنة بها (بلا غرز) للساتر بإبرة ونحوها، (و) بلا (ربط) له برأسها كالبرقع تربط أطرافه بعقدة، بل المطلوب سدله على رأسها ووجهها، أو تجعله كاللثام وتلقي طرفيه على رأسها بلا غرز ولا ربط.
(وإلا) بأن لبست محيطاً [١] بكفها أو بأصبع غير خاتم أو سترت وجهها بلا عذر، أو لعذر ولكن غرزته بنحو إبرة أو ربطته (ففدية) تلزمها.
(و) يحرم (على الذكر): ولو غير مكلف، ويتعلق الخطاب بوليه: (محيط) بضم الميم وبالمهملة (بأي عضو) من أعضائه؛ كيد ورجل وأصبع مطلقاً، ورأس وأولى جميع البدن إذا كان محيطاً بنسج أو خياطة ونحو ذلك، بل (وإن) كان محيطاً (بعقد أو زر) كأن يعقد طرفي إزاره، أو يجعل له أزراراً أو يربطه بحزام، (أو خلال) بعود ونحوه (كخاتم) وإن بأصبع رجل وحزام بحبل أو غيره.
(وقباء) بفتح القاف ممدوداً وقد يقصر: هو الفرجية من جوخ أو غيره، (وإن لم يدخل يده بكمه) بل ألقاه على كتفيه مخرجاً يديه من تحته وهذا إن جعل أعلاه على منكبيه على العادة، وأما لو نكسه بأن جعل ذيله على كتفيه، أو لف به وسطه، كالمئزر فلا شيء عليه كما لو ألقى قميصاً على كتفيه أو لف به وسطه أو تلفع ببردة مرقعة، أو ذات فلقتين بلا ربط، ولا غرز فلا شيء عليه في ذلك كله.
(و) حرم على الذكر (ستر وجهه ورأسه): بأي شيء يعد ساتراً (وإن بكطين) كعجين وصمغ، فالوجه والرأس يخالفان غيرهما من سائر البدن، لأنه يحرم سترهما بكل ما يعد في العرف ساتراً وغيرهما، وغيرهما إنما يحرم بنوع خاص وهو المحيط. ثم استثنى من حرمة المحيط أمرين: الأول مقيد بقيدين وثانيهما بواحد، فقال: (إلا الخف ونحوه) مما يلبس في الرجل كالجرموق والجورب، فإنه محيط ولا يحرم على الذكر لبسه (لفقد نعل أو غلوه فاحشاً): إن زاد ثمنه على قيمته عادة
ــ
وغير مفسد. ومتعلقهما: أفعال الرجل والمرأة، فبدأ بغير المفسد، وبالمرأة، كما صنع خليل عكس صنيع ابن الحاجب فيهما. قيل: ولعله إنما بدأ بالمرأة - وإن كان الأولى البداءة بالرجل كما ورد بذلك القرآن في آي كثيرة - والسنة لقلة الكلام على ما يختص بها.
قوله: [على الأنثى]: أي والخنثى ويحتاط فيه.
قوله: [حرة أو أمة] إلخ: قال (عب): ومثلها الخنثى، واعترض بأن مقتضى الاحتياط إلحاق الخنثى بالرجل لا بالمرأة، لأن كل ما يحرم على المرأة يحرم على الرجل دون العكس، إلا أن يقال احتمال الأنوثة يقتضي الاحتياط في ستر العورة، وحينئذ فالاحتياط ستره كالمرأة، ويلزمه الفدية لاحتمال ذكورته.
قوله: [أي بسبب تلبسها]: أشار بذلك إلى أن الباء للسببية ويصح جعلها للظرفية، وكل منهما يفيد أن مبدأ الحرمة بمجرد الإحرام، أما إفادة السببية ذلك فظاهر، وأما إفادة الظرفية ذلك فلأن المعنى حرم في حال الإحرام فيفيد أن مبدأها من الإحرام.
قوله: [أو بعضه]: أي على الأرجح من التأويلين ووجه الرجل كالمرأة.
قوله: [بل يجب] إلخ: حاصل المعتمد أنها متى أرادت الستر عن أعين الرجال جاز لها ذلك مطلقاً علمت أو ظنت الفتنة بها أم لا، نعم إذا علمت أو ظنت الفتنة بها وجب كما قال الشارح، قال (عب): وانظر إذا خشي الفتنة من وجه الذكر هل يجب ستره في الإحرام كالمرأة أم لا، قال البناني: ولا وجه لهذا التنظير لما ذكروا في ستر العورة عن ابن القطان وغيره أن الأمرد لا يلزمه ستر وجهه، وإن كان يحرم النظر إليه بقصد اللذة، وإذا لم يجب عليه ستر وجهه في غير الإحرام، ففي الإحرام أولى كما هو ظاهر اهـ.
قوله: [ففدية تلزمها]: أي إن فعلت شيئاً من ذلك، وحصل طول، وأما إن لم يحصل طول بأن أزالته بالقرب فلا فدية، لأن شرطها في اللبس انتفاع من حر أو برد.
قوله: أو (صياغة): أي كالأساور والخاتم.
قوله: [وإن بأصبع رجل]: أي هذا إذا كان الخاتم بأصبع يد، بل وإن كان بأصبع رجل بكسر الراء فلا يغتفر في حق الرجل على كل حال بخلافه في حق المرأة، فيجوز لها الخواتم والأساور كما علم مما تقدم.
قوله: [وأما لو نكسه] إلخ: ظاهره أنه لا شيء عليه ولو أدخل رجليه في كميه، وليس كذلك بل فيه الفدية حينئذ.
قوله: [بأي شيء يعد ساتراً]: إن أريد الساتر لغة كان قوله: "وإن بكطين" تمثيلاً، وإن أريد الساتر عرفاً كان تشبيهاً، ودخل تحت الكاف الدقيق أو الجير يجعله على وجهه أو رأسه، لأن ذلك جسم ينتفع به من الحر والبرد.
قوله: [لفقد نعل]: فلو لم يفقده ولكن احتاج إلى لبس الخفين لضرورة اقتضت ذلك كشقوق برجليه فقطعهما أسفل من الكعبين، ولبسهما فإنه تلزمه الفدية رواه ابن القاسم عن مالك، قال في الحاشية: وقد يقال وجود النعل حينئذ كعدمه
стр. 285
أكثر من الثلث، وهذا إشارة إلى القيد الأول؛ فإن لم يجد نعلاً أو وجده غالياً غلواً فاحشاً جاز له لبس الخف ولا فدية.
وأشار للقيد [١] الثاني بقوله: (إن قطع أسفل من كعب) كما ورد في السنة، سواء كان القاطع له هو أو غيره، أو كان من أصل صنعته كالبابورج بلغة المغاربة، (وإلا الاحتزام) بثوب أو غيره (لعمل) أي لأجله، فلا يحرم ولا فدية عليه، فإن فرغ عمله وجب نزعه.
(وإلا): بأن لبس الخف مع وجود النعل بلا غلو فاحش [٢] أو احتزام لغير عمل (ففدية).
ثم شرع في بيان ما يجوز للمحرم مما قد يتوهم فيه عدم الجواز فقال:
(وجاز) للمحرم (تظلل ببناء) كحائط وسقيفة، (وخباء) خيمة (وشجر ومحارة): أي محمل ومحفة ولو مكث فيها -ساتراً أو نازلاً- لأن ما عليها من الساتر مسمر أو مشدود عليها بحبال فهي كالخباء.
(و) جاز له (اتقاء شمس أو) اتقاء (ريح) عن وجهه أو رأسه (بيد بلا لصوق) لليد على ما ذكر، لأنه لا يعد ساتراً عرفاً، بخلاف لصوق اليد فإنه يعد ساتراً.
(و) جاز اتقاء (مطر) أو برد عن رأسه (بمرتفع) عنه بلا لصوق من ثوب أو غيره، وأولى اليد. وأما الدخول في الخيمة ونحوها فجائز ولو لغير عذر. وأما التظلل المرتفع غير اليد فلا يجوز كثوب يرفع على عصا، ولو نازلاً عند مالك. وفي الفدية قولان: بالوجوب، والندب. ومن ذلك: المسطح يُجعل فيه أعواد ويُسدل عليها ثوب، ونحوه للتظلل.
(و) جاز لمحرم (حمل) لشيء كحشيش وقفة وغرارة (على رأس لحاجة) تتعلق به، أو بدوابه كالعلف، (أو فقر) فيحمل شيئاً لغيره بأجرة لمعاشه (بلا تجر) وإلا منع وافتدى.
(و) جاز (شد منطقة) بوسطه بكسر الميم وفتح الطاء، والمراد بها حزام يجعل كالكيس يوضع فيه الدراهم، يسمى بالنوار بضم النون وتخفيف الواو، وهذا في الحقيقة من المستثنيات من المحيط كالخف بقيوده والاحتزام لعمل، فكان الأولى إدراجه في سلكها. وجواز شدها بوسطه مقيد بقيدين:
أشار للأول بقوله: إن كان (لنفقته) التي ينفقها على نفسه وعياله ودوابه لا لنفقة غيره ولا لتجارة.
وللثاني بقوله: وكان الشد (على جلده) لا على إزاره أو ثوبه. (و) جاز حينئذ (إضافة نفقة غيره لها): أي لنفقته تبعاً (وإلا) بأن شدها لا لنفقته بل للتجارة أو لغيره، أو فارغة أو لا على جلده بل على إزاره (فالفدية).
(و) جاز للمحرم
ــ
ويؤخذ من إضافة الغلو إلى النعل عدم النظر إلى قلة مال المشتري وكثرته، أي أن يكون الغلو في حد ذاته اهـ.
قوله: [أكثر من الثلث]: ظاهره أن الثلث من حيز اليسير وفي (بن) عن أبي الحسن أن الثلث كثير.
قوله: [إن قطع أسفل من كعب]: قال الخرشي: والظاهر أن مثل القطع لو ثنى أسفل الكعب.
قوله [بثوب أو غيره]: هذا هو المذهب، لأن ظاهر قول المدونة والمحرم لا يحتزم بحبل أو خيط إذا لم يرد العمل، فإن فعل افتدى وإن أراد العمل فجائز له أن يحتزم اهـ. فلا فرق بين الثوب وغيره وعلى ذلك حملها أبو الحسن وابن عرفة خلافاً لمن قيد الاحتزام بالثوب فقط، وأما إذا كان بعمامة أو حبل ففيه الفدية، ولو لعمل، وقيد في مختصر الوقار الاحتزام بكونه بلا عقد، واقتصر عليه (ح). وحينئذ فنفي الفدية عن الاحتزام مقيد بقيدين أيضاً: أن يكون لعمل وأن يكون بلا عقد، ومثل الاحتزام الاستثفار: وهو أن يدخل إزاره بين فخذيه ملوياً كما في القاموس.
قوله: [ولو مكث فيها] إلخ: هذا التعميم هو المعول عليه، وما وقع في خليل من التفصيل فهو ضعيف.
قوله: [بخلاف لصوق اليد] إلخ: ظاهره أنه يفتدي في اليد إذا التصقت وفي ابن عاشر يجوز الإنقاء باليد ولا فدية بحال لأنها لا تعد ساتراً.
قوله: [ويسدل عليه ثوب]: أي غير مسمر وأما لو كان مسمراً أو يربط على الدوام فلا شيء فيه.
قوله: [لحاجة]: أي إذا كانت الحاجة لنفسه ولم يجد من يحمله له، أو وجد بأجرة يحتاج لها، أما لو وجد من يحمله مجاناً أو بأجرة لا يحتاج لها فلا يجوز حمله على رأسه، ويفتدي إن حمله عليه، وإن كانت الحاجة لغيره وحملها له على رأسه بلا أجرة أو بأجرة على وجه التجر لا على وجه التمعش افتدى أيضاً.
قوله: [وجاز شد منطقة]: المراد بالشد إدخال سيورها أو خيوطها في أثنائها أو في الكلاب أو الإبزيم مثلاً، وأما لو عقدها على جلده افتدى كما لو شدها فوق الإزار.
قوله: [والمراد بها حزام]: أي سواء كان من جلد أو غيره.
قوله: [إدراجه في سلكها]: أي عده المستثنيات المتقدمة، ولكن أفرد هنا تبعاً لخليل.
قوله: [لا على إزاره أو ثوبه]: أي فيفتدي ولو لم يعقده.
قوله: [وجاز حينئذ إضافة نفقة غيره]: ظاهره جواز إضافة نفقة الغير لنفقته، ولو كانت الإضافة بمواطأة وهو ما استظهره في التوضيح، وظاهر الجلاب واللخمي والطراز كما في (ح)، فتقييد (عب) جواز الإضافة بما إذا كان بغير مواطأة فيه نظر، وأجاب شيخ مشايخنا العدوي عن (عب) بقوله: يمكن أن يقال: إن المواطأة الممنوعة محمولة على ما إذا كان الحامل له في الحقيقة على شد المنطقة نفقة الغير، والجائزة على ما إذا كان الحامل على شدها نفقته، وأما نفقة الغير فبطريق
стр. 286
(إبدال ثوبه) الذي أحرم به بثوب آخر ولو لقمل في الأول.
(و) جاز له (بيعه) ولو لقمل به.
(و) جاز له (غسله لنجاسة بالماء) الطهور (فقط) دون صابون ونحوه، ولا شيء عليه حينئذ لو قتل شيئاً من قملة أو برغوثة. (وإلا) بأن غسله - لا لنجاسة - أو لنجاسة ولكن بنحو صابون (فلا) يجوز، فإن قتل شيئاً أخرج ما فيه (إلا أن يتحقق عدم دوابه) فلا يحرم غسله، بل يجوز مطلقاً ولو ترفهاً أو لوسخ.
(و) جاز له (بط): أي فجر (جرح) ودمل لإخراج ما فيه من نحو قيح.
(و) جاز له (حك ما خفي) من بدنه كرأسه وظهره (برفق) خوفاً من قتل قملة ونحوها، وأما ما ظهر له من بدنه فيجوز حكه مطلقاً إذا لم يكن فيه قملة.
(و) جاز (فصد) لحاجة (إن لم يعصبه): بكسر الصاد من باب ضرب، (وإلا) بأن عصبه بعصابة ولو لضرورة (افتدى)، وإن لم يحرم للضرورة. (كعصب جرحه) أو دمله (أو رأسه) ففيه الفدية، ولو للضرورة وإن جاز للضرورة. (أو لصق خرقة) على شيء مما ذكر (كبرت) أي إن كانت كبيرة، (كدرهم) بغلي فأعلى لا إن صغرت.
(أو لفها) أي الخرقة (على ذكر) لمذي أو بول ففيه الفدية، بخلاف وضعها عليه عند النوم بلا لف.
(أو قطنة) وضعها (بأذنه) ولو أصغر من درهم لأنها لنفع الأذن نزلت منزلة الكبيرة. (أو قرطاس) وضعه (بصدغه) وإن لضرورة فيه الفدية.
ثم شرع في بيان بعض مكروهات ولا فدية فيها فقال: (وكره شد نفقة) أي ربط شيء فيه نفقة (بعضد أو فخذ) وتقدم جوازه بوسطه على الجلد.
(و) كره (كب) أي وضع (وجه على وسادة) ونحوها لا وضع خده عليها.
(و) كره (شم طيب) مذكر: وهو ما خفي أثره،
ــ
التبع وحينئذ فالخلف لفظي.
قوله: [إبدال ثوبه]: أي ملبوسه كان إزاراً أو غيره.
قوله: [ولو لقمل به]: بالغ على ذلك دفعاً لتوهم أن الإبدال فيه يعطي حكم قتل القمل، فأفادك أن المشهور جواز الإبدال ولو لإذاية القمل.
قوله: [وجاز له غسله لنجاسة] إلخ: حاصل فقه المسألة أن الأحوال ثلاثة: إما أن يكون الغسل ترفهاً، أو لوسخ، أو لنجاسة. وفي كل: إما أن يتحقق وجود الدواب أو عدمه أو يشك. وفي كل: إما أن يغسل بالماء فقط، أو مع غيره كصابون، فهذه ثمان عشرة صورة؛ فإن تحقق نفي الدواب جاز مطلقاً كان الغسل ترفهاً أو لوسخ أو لنجاسة بالماء فقط، أو مع غيره، وكذا إذا كان الغسل لنجاسة بالماء فقط، وتحقق وجود القمل أو شك فيه، وأما إذا كان الغسل ترفهاً أو لوسخ وتحقق وجود القمل أو شك فيه فلا يجوز الغسل كان بالماء فقط أو مع غيره، ومثلها إذا كان الغسل لنجاسة وكان بالماء مع غيره مع تحقق وجود القمل أو الشك فيه فتأمل.
قوله: [وجاز له بط] إلخ: أي إن احتاج لذلك لأجل إخراج ما فيه بعصره أو بوضع لزقة عليه، وأما إذا لم يحتج لبطه فإنه يكره قياساً على الفصد بغير حاجة كذا في الحاشية.
قوله: [برفق]: أي وأما بشدة فمكروه.
قوله: [وجاز فصد لحاجة]: أي ولغيرها مكروه كما تقدم.
قوله: [وإن لم يحرم للضرورة]: أي لأنه لا يلزم من الفدية الحرمة كما هنا، كما أنه لا يلزم من الحرمة الفدية كمن تقلد بسيف لغير ضرورة، فإنه يحرم عليه ولا فدية عليه على المعتمد ما لم تكن علاقته عريضة أو متعددة وإلا افتدى.
قوله: [كعصب جرحه]: ظاهره لزوم الفدية بالعصب مطلقاً؛ كانت الخرقة التي عصب بها صغيرة أو كبيرة، وهو ظاهر المدونة خلافاً لابن المواز حيث فرق بين الصغيرة والكبيرة، وجعل الفدية في الثانية دون الأولى.
قوله: [أو لصق خرقة]: قال ابن عاشر: هذا خاص بجراح الوجه والرأس، فلصق الخرقة على الجرح في غيرهما لا شيء فيه، والفرق أن الوجه والرأس هما اللذان يجب كشفهما دون غيرهما من بقية الجسد انظر (بن) فيقيد الشارح بذلك قوله: [كبرت] إلخ: أما لصق الخرقة الصغيرة فلا شيء فيه.
وقوله: [كدرهم بغلي]: يعني بموضع واحد، وأما لو تعددت الصغيرة بمواضع بحيث لو جمعت كانت درهماً، فظاهر التوضيح وابن الحاجب أنه لا شيء عليه، وهو المعول عليه كذا في حاشية الأصل.
قوله: [لمذي أو بول]: أي للتحفظ من إصابتهما، وقوله ففيه الفدية ظاهره كانت الخرقة كبيرة أو صغيرة.
قوله: [أو قرطاس وضعه بصدغه]: يعني أن المحرم إذا جعل على صدغه قرطاساً لضرورة كصداع أو لغيرها فإنه يفتدي، وإن كان لا إثم مع الضرورة، وظاهره لزوم الفدية في لصق القرطاس للصدغ كبيراً كان أو صغيراً فهو كقطنة الأذن، بخلاف الخرقة التي تلصق على الجرح فإن الحكم فيها مقيد بالكبيرة. والفرق أن الشخص لما كان ينتفع بالقرطاس الصغير أشبه الكبير، بخلاف الخرقة فإنه لا ينتفع بالصغيرة عادة.
قوله: [وكره شد نفقة]: أي فلم يوسع مالك إلا في شد النفقة في الوسط تحت المئزر. ومحل الكراهة في الشد على العضد أو الفخذ ما لم يكن ذلك عادة القوم وإلا فلا كراهة اهـ. من حاشية الأصل.
قوله: [وكره كب] إلخ: يعني أنه يكره للشخص المحرم وكذا غيره أن ينام على وجهه، وليست الكراهة خاصة بالمحرم كما ذكره شراح خليل لقول الجزولي: النوم على الوجه نوم الكفار وأهل النار والشياطين.
قوله: [وهو ما خفي أثره]:
стр. 287
(كريحان) وياسمين وورد وسائر أنواع الرياحين، لا مجرد مسه فلا يكره، ولا مكث بمكان فيه ذلك ولا استصحابه.
(و) كره (مكث بمكان به طيب) مؤنث. كمسك وعطر وزعفران
(و) كره (استصحابه): أي المؤنث في خرجه أو صندوقه.
(و) كره: (شمه بلا مس) له وإلا حرم كما يأتي، فأقسام كل أربعة علمت أحكامها.
(و) كره (حجامة بلا عذر إن لم يبن) أي يزل (شعراً) وإلا حرم لغير عذر، وافتدى مطلقاً أبانه لعذر أم لا.
(و) كره (غمس رأس) في ماء خيفة قتل الدواب (لغير غسل طلب) وجوباً أو ندباً أو استناناً.
(و) كره (تجفيفه) أي الرأس (بقوة) خوف قتل الدواب، لا بخفة فيجوز.
(و) كره (نظر بمرآة) أي فيها مخافة أن يرى شعثاً فيزيله.
وعطف على قوله: "يحرم على الأنثى" إلخ قوله:
(وحرم عليهما): أي على الأنثى والذكر بالإحرام (دهن شعر) لرأس أو لحية، (أو) دهن (جسد لغير علة) وإلا جاز، لأن الضرورات تبيح المحظورات، (وإن) كان الادهان (بغير مطيب) أي بدهن غير مطيب فأولى بالمطيب.
(وافتدى في) ادهانه بالدهن (المطيب مطلقاً) ولو لعلة أو ببطن كف أو رجل.
(و) افتدى (في) دهنه لشيء من جسده أو شعره بدهن (غيره) أي غير المطيب (لغير علة)، أي ضرورة ولو ببطن كف أو رجل (لا لها) أي للعلة، فلا فدية عليه (إن كان) الادهان للعلة (ببطن كف أو) بطن (رجل وإلا) يكن ببدنهما، بأن ادهن بغير المطيب فيما عدا باطن كفه وقدمه (فقولان) بوجوب الفدية وعدمه. والحاصل: أن غير المطيب لغير ضرورة فيه الفدية حتى في باطن الكف والقدم، وللضرورة فلا فدية إن كان ببطنها اتفاقاً، وإن كان بجسده ومنه ظهورهما فقولان.
(و) حرم عليهما (إبانة): أي إزالة (ظفر) من يد أو رجل (لغير عذر، أو) إبانة (شعر) من سائر جسده بحلق أو قص أو نتف، (أو) إبانة (وسخ) من سائر بدنه.
ــ
أي تعلقه بالماس له من ثوب أو جسد.
قوله: [كريحان] إلخ: أي ومثلها ما يعصر منها فليست من قبيل المؤنث بل تكره فقط كأصلها، كما نص على ذلك في الطراز. قال (ح): وهو الجاري على القواعد، وقال ابن فرحون: فيه الفدية لأن أثره يقر في البدن، واعتمده (ر) معترضاً على الحطاب وهو غير ظاهر، إذ كلام المدونة صريح في كراهته فقط، وحينئذ فلا فدية فيه، وبذلك تعلم أن اعتراض (ر) على (ح) غير صواب اهـ. (بن) من حاشية الأصل.
قوله: [وكره شمه بلا مس]: هذا هو مذهب المدونة وبه قال ابن القصار، وعزا الباجي للمذهب المنع والمعتمد الأول.
قوله: [فأقسام كل أربعة علمت أحكامها]: حاصله أن المذكر يكره في صورة وهي الشم، ويجوز في ثلاث وهي: المس، والاستصحاب، والمكث بمكان فيه ذلك. ولكن عول (بن) على كراهة مسه أيضاً، والمؤنث يحرم في صورة وهي المس، ويكره في الثلاث الباقية، قال في حاشية الأصل: ويقيد المذكر بغير الحناء، وأما هي فاستعمالها حرام، قال في شرح التوضيح: والمذكر قسمان قسم مكروه ولا فدية فيه كالريحان، وقسم محرم فيه الفدية وهو الحناء اهـ. (بن). والمراد باستعمال الحناء الذي يوجب الفدية الطلاء بها كما يأتي، وأما ثمر الحناء المعروف فهو كسائر الرياحين بلا شك.
قوله: [وكره حجامة بلا عذر] إلخ: تفصيل الشارح أحسن مما قال (ح) ونصه أن الحجامة بلا عذر تكره مطلقاً خشي قتل الدواب أم لا، زال بسببها شعر أم لا، هذا هو المشهور، وأما لعذر فتجوز مطلقاً، وهذا الحكم ابتداء، وأما الفدية فتجب إن أزال شعراً أو قتل قملاً كثيراً. وأما القليل ففيه الإطعام، وسواء احتجم في ذلك لعذر أم لا اهـ. ولذلك عول (بن) على ما قاله شارحنا واعترض على الحطاب.
قوله: [لغير عذر]: أي كما هو الموضوع فالتصريح به غير ضروري.
قوله: [كره غمس رأس]: أي إن لم يتحقق نفي الدواب وإلا فلا كراهة، فإن فعل المكروه أطعم شيئاً من طعام كما هو نص المدونة، واختلف في الإطعام المذكور فقال بعضهم: إنه واجب وحمل كراهة غمس الرأس على التحريم، واستظهره (ر) لعدم ذكر الإطعام في غير ذلك من المكروهات كالحجامة وتجفيف الرأس بشدة، وحملها سند على كراهة التنزيه، وجعل الإطعام مستحباً وهو المعتمد.
قوله: [لغير غسل طلب]: أي وأما للغسل فلا كراهة ولا شيء فيه ولو قتل قملاً، لأن قتل القمل فيه كتساقط الشعر والجميع مغتفر.
قوله: [مخافة أن يرى شعثاً] إلخ: أي والمطلوب إبقاء الشعث ما دام محرماً.
قوله: [دهن شعر لرأس] إلخ: فإن كانت الرأس صلعاء فيحرم أيضاً دهنه لدخولها في الجسد بعد ذلك، فلذلك لم يبالغ عليها كما فعل خليل.
قوله: [وافتدى في ادهانه] إلخ: حاصله أن الصور ثمان تؤخذ أحكامها من المتن والشرح بإيضاح، لأنك تقول الادهان إما لعلة أو لغيرها، وفي كل إما بمطيب أو غيره، وفي كل إما بالجسد أو بباطن الكف والقدم.
قوله: [وحرم عليهما إبانة] إلخ: فإن فعل فسيأتي أن فيه حفنة إن لم يكن لإماطة الأذى، وإلا ففدية إن كان الظفر واحداً، أو إن زاد عليه ففدية مطلقاً وهذا في ظفر نفسه، وأما تقليم ظفر غيره فسيأتي.
قوله: [أو إبانة شعر] إلخ: لكن إن كان يسيراً بأن لم يزد على العشرة ففيه حفنة، وإن كان كثيراً بأن زاد عليها ففدية.
قوله: [أو إبانة وسخ] إلخ: يعني أنه يحرم على المحرم رجلاً
стр. 288
(إلا ما تحت أظفاره، أو) إلا (غسل يديه بمزيله) أي الوسخ كالأشنان فلا يحرم عليهما.
(أو) إلا (تساقط شعر) من لحية أو رأس أو غيرهما (لوضوء) أو غسل.
(أو) لأجل (ركوب) لدابة فلا شيء عليه.
(و) حرم عليهما (مس طيب) مؤنث: كورس أو دهن مطيب بأي عضو من أعضائه، (وإن ذهب ريحه): أي الطيب فذهاب ريحه لا يسقط حرمة مسه، وإن سقطت الفدية.
(أو) كان (في طعام أو) في (كحل) أو مسه و (لم يعلق به) بفتح اللام (إلا إذا) طبخ بطعام و (أماته الطبخ): أي استهلكه بذهاب عينه فيه ولم يبق سوى ريحه أو لونه كزعفران وورس فلا حرمة ولا فدية، ولو صبغ الفم.
(أو كان) الطيب (بقارورة سدت) سداً محكماً فلا شيء فيه إن حملها لأنه من الاستصحاب لا المس. (أو أصابه) الطيب (من إلقاء ريح أو غيره) عليه فلا شيء عليه، ولو كثر إلا أن يتراخى في نزعه. (ووجب نزعه) ولو بإلقاء [١] الثوب الذي هو فيه، أو غسل بدنه بنحو صابون (مطلقاً) قل أو أكثر (فإن تراخى) في نزعه (فالفدية أو أصابه من خلوق) بفتح الخاء المعجمة: أي طيب (الكعبة) الذي يلقى عليها، (وخير في نزع يسيره) ولا يجب للضرورة ووجب نزع كثيره، فإن تراخى في نزعه فالفدية والذي يفيده النقل عدم الفدية، ولا يلزم من وجوب نزعه وجوب الفدية.
(وفي) قلم (الظفر الواحد) لا لإماطة الأذى بل قلمه ترفهاً أو عبثاً حفنة من طعام إلا إذا انكسر، فأزال منه ما به الألم فلا شيء فيه.
(و) في إزالة (الشعرة والشعرات لعشرة) لغير إماطة الأذى حفنة.
(و) في قتل (القملة والقملات كذلك) أي إلى العشرة، (و) في (طرحها) أي القملات بالأرض بلا قتل (لا لإماطة الأذى): راجع للظفر وما بعده كما قدرناه فيما قبله (حفنة) من طعام يعطيها لفقير. وهذا مبتدأ، خبره: الجار والمجرور قبله، أي قوله "وفي الظفر" إلخ.
(وإلا) بأن قلم أكثر من ظفر مطلقاً أو قلم واحداً فقط لإماطة الأذى، أو أزال أكثر من عشر شعرات مطلقاً، أو قتل أو طرح أكثر من عشر قملات مطلقاً لإماطة الأذى أو لا (ففدية) تلزمه. (لا طرح كعلقة وبرغوث) من كل ما يعيش بالأرض كدود ونمل وبعوض وقراد فلا شيء فيه إذا لم يقتله؛
ــ
أو امرأة إزالة الوسخ، لأن المقصود أن يكون شعثاً، فإن أزاله لزمه فدية إلا ما كان تحت الأظافر فلا تحرم إزالته، بل يؤمر بها ولا فدية فيه. وظاهر كلامهم منع إزالة الوسخ وفيه الفدية ولو كان به روائح كريهة، كالذي به داء الصنان في إبطيه، وانظر في ذلك.
قوله: [غسل يديه بمزيله]: أي إن لم يكن مطيباً وإلا حرم غسل اليدين به وفيه الفدية.
قوله: [لوضوء أو غسل]: أي ولو مندوبين بل وإن كانا مباحين كالتبرد نعم لا يغتفر في المباح قتل القمل بل إن قتل فيه قملاً أخرج ما فيه.
قوله: [كورس]: دخل تحت الكاف الزعفران والمسك والعطر والعود، باعتبار دخانه الذي يخرج منه حين وضعه على النار.
قوله: [لا يسقط حرمة مسه]: أي لأن الحرمة ثبتت له في حال وجود ريحه، والأصل استصحابها.
قوله: [وإن سقطت الفدية]: إنما سقطت في تلك الحالة لأنها تكون فيما يترفه به، وعند ذهاب الريح لا ترفه.
قوله: [أو كان في طعام]: أي ففيه الحرمة والفدية ومثل الطعام الشراب إن لم يمته الطبخ كما يأتي.
قوله: [أو في كحل]: أي ففيه الفدية من غير حرمة إن كان لضرورة وإلا ففيه الحرمة أيضاً.
قوله: [أو مسه ولم يعلق به]: أي ففيه الحرمة والفدية.
قوله: [إذا طبخ بطعام] إلخ: هذا التفصيل للبساطي واعتمده (ح) والمذهب خلافه، قال في التوضيح ابن بشير المذهب نفي الفدية في المطبوخ مطلقاً لأنه أطلق في المدونة والموطأ والمختصر الجواز في المطبوخ وأبقاه الأبهري على ظاهره واعتمده (ر) و (بن) ومصنفنا تبع شراح المختصر.
قوله: [أو كان الطيب بقارورة]: أي وكذا حمل فأرة المسك إذا كانت غير مشقوقة على ما قال ابن عبد السلام، واستبعده ابن عرفة قائلاً: إن الفأرة نفسها طيب.
قوله: [لأنه من الاستصحاب]: أي للمكروه كما تقدم.
قوله: [أو أصابه الطيب من إلقاء ريح] إلخ: أي وأما الطيب الباقي في ثوبه أو بدنه مما قبل إحرامه فلا فدية عليه فيه، ولا يلزمه نزعه إن كان يسيراً، وإن كان كثيراً فعليه الفدية وإن لم يتراخ في نزعه.
قوله: [ولا يجب للضرورة]: أي لأننا مأمورون بالقرب من الكعبة وهي لا تخلو من الطيب غالباً، ولذلك نهى مالك عن تخليقها أيام الحج، ويقام العطارون ندباً فيها من المسعى.
قوله: [ولا يلزم من وجوب نزعه] إلخ: قال في الأصل على أن بعض المحققين قال النص في خلوق الكعبة التخيير في نزع يسيره، وأما الكثير فيؤمر بنزعه استحباباً اهـ.
قوله: [وفي قلم الظفر الواحد]: حاصله أن للظفر ثلاثة أحوال: قلم المنكسر لا شيء فيه اتحد أو تعدد، قلمه لا لإماطة الأذى حفنة إن اتحد وإلا ففدية، قلمه لإماطة الأذى ففدية مطلقاً، والموضوع ظفر نفسه، وأما لو قلم ظفر غيره فلا شيء على المحرم في قلم ظفر الحلال، فإن قلم ظفر محرم مثله فإن كان برضا المفعول به فالفدية عليه، وإن كان مكرهاً فعلى المكره بالكسر.
قوله: [راجع للظفر وما بعده]: قال في حاشية الأصل فيه نظر، بل ليس في القملة والقملات إلا حفنة مطلقاً سواء
стр. 289
إلا إزالة القراد، والحلم عن بعيره ففيه الحفنة ولو كثر وهو قول ابن القاسم.
(كدخول حمام) لا شيء فيه ولو طال مكثه فيه حتى عرق خلافاً للخمي (إلا أن ينقي) أي يزيل عن جسده (الوسخ) بدلك ونحوه فالفدية.
ثم بين ضابط ما فيه الفدية فقال: (والفدية) وأنواعها ثلاثة على التخيير كما يأتي بينها جل وعلا بقوله: ﴿من صيام أو صدقة أو نسك﴾ [البقرة: ١٩٦] كائنة ومنحصرة (فيما): أي في كل شيء (يترفه): أي يتنعم (به أو) فيما (يزال به) عن النفس (أذى): أي ضرورة (مما حرم) على المحرم (لغير ضرورة كحناء وكحل) فيحرمان على المحرم إلا لضرورة، وقد يترفه بكل منهما أو يزال بهما ضرر، (و) كجميع (ما مر) ذكره من أول الفصل إلى هنا من ستر المرأة وجهها وكفيها بمحيط إلخ.
(إلا في تقليد سيف، أو) مس (طيب) مؤنث (ذهب ريحه): فلا فدية فيهما، (وإن حرم) كل منهما لغير ضرورة، فإن لم يذهب ريحه ففيه الفدية كما تقدم.
ثم الأصل تعدد الفدية بتعدد موجبها إلا في أربعة مواضع أشار لأولها بقوله:
(واتحدت) الفدية (إن تعدد موجبها) بكسر الجيم، أي سببها (بفور): كأن يمس الطيب، ويلبس ثوبه ويقلم أظفاره ويحلق رأسه في وقت واحد بلا تراخ فعليه فدية واحدة للجميع. ومن ذلك ما يفعله من لا قدرة له على إدامة التجرد فينوي الحج أو العمرة، ثم يلبس قمصانه وعمامته وسراويله بفور، فإن تراخى تعددت.
وأشار لثانيها بقوله: (أو) تراخى ما بين الموجبات، ولكن (نوى) عند فعل الأول (التكرار): كأن ينوي فعل كل ما احتاج له من موجبات الكفارة، أو متعدداً معيناً ففعل في الكل أو البعض فكفارة واحدة.
ولثالثها بقوله: (أو) لم ينو التكرار، ولكن (قدم) في الفعل (ما نفعه أعم كثوب) قدمه في اللبس (على سراويل)، أو غلالة أو حزام فتتحد بخلاف العكس وهذا (ما لم يخرج للأول) كفارته (قبل) فعل (الثاني) وإلا أخرج للثاني أيضاً.
وأشار للرابع بقوله: (أو ظن) الذي ارتكب موجبات متعددة (الإباحة) لها أي ظن أنه يباح له فعلها ففعلها، لكن لا مطلقاً -كما يتبادر من كلام الشيخ- بل (بظن): أي بسبب ظن (خروجه منه) أي من الإحرام؛ كمن طاف للإفاضة أو للعمرة بلا وضوء معتقداً أنه متوضئ، فلما فرغ من حجه أو عمرته بالسعي بعدهما في اعتقاده فعل موجبات الكفارة، ثم تبين له فسادهما وأنه باق على إحرامه؛ فعليه كفارة واحدة. وكذا من رفض حجه أو عمرته أو أفسدهما بوطء فظن خروجه منه وأنه لا يجب عليه إتمام المفسد أو المرفوض
ــ
كان القتل لغير إماطة الأذى أو لإماطته، قال في التوضيح لا يعلم قول في المذهب بوجوب الفدية في قملة أو قملات. اهـ (بن)، ومراده بالقملات ما لم يبلغ الاثني عشر، فلا ينافي وجوب الفدية في الاثني عشر فما فوق مطلقاً فمراد شارحنا بالزائد عن العشرة بأن كان اثني عشر فأكثر، وما ذكره الشارح في الشعر فمسلم لا نزاع فيه.
قوله: [إلا إزالة القراد والحلم] إلخ: قيده البساطي بما إذا لم يقتله وإلا فالفدية إن كثر على أحد القولين، والمعتمد الحفنة مطلقاً كما هو ظاهر الشارح.
قوله: [خلافاً للخمي]: أي فإنه قال: متى دخل الحمام وجلس فيه حتى عرق وجبت الفدية. ولكن مذهب المدونة إنما تجب على داخله إذا دلك وأزال الوسخ.
قوله: [على التخيير]: أي كما تقدم في نظم الأجهوري في قوله: كما خيروا في الصوم والصيد والأذى فأو في الآية الكريمة للتخيير.
قوله: [كائنة ومنحصرة]: أي من حصر المسبب في السبب.
قوله: [وقد يترفه بكل منهما]: أي كفعلهما للزينة، وقوله: أو يزال بهما ضرر أي كالتداوي بكل.
قوله: [إلا في أربعة مواضع]: أي فإن الفدية فيها تتحد وإن تعدد موجبها.
قوله: [بلا تراخ]: أي فالمراد بالفور حقيقته وهذا ما يفيده ظاهر المدونة، وأقره ابن عرفة خلافاً لما اقتضاه كلام ابن الحاجب، واقتصر عليه التتائي من أن اليوم فور وأن التراخي يوم وليلة لا أقل.
قوله: [فكفارة واحدة]: أي لو اختلف الموجب كاللبس مع الطيب والتداوي لقروح مثلاً، ونية التكرار تصدق بثلاث صور: أن ينوي فعل كل ما أوجب الفدية فيفعل الجميع أو بعضاً منه، أو ينوي فعل كل ما احتاج إليه منها، أو ينوي متعدداً معيناً ففدية واحدة كما قال الشارح.
قوله: [ما نفعه أعم]: أي إلا أن يكون للخاص الذي أخره زيادة نفع على العام كما إذا أطال السراويل طولاً له بال يحصل به انتفاع أو دفع حر أو برد فتتعدد.
قوله: [أو غلالة]: والمراد به الصديري المعلوم قال الشاعر:
لا تعجبوا من بلي غلالته ... قد زرر أزراره على القمر
قوله: [هذا ما لم يخرج للأول] إلخ: هذا التقييد راجح لما إذا نوى للتكرار، وتراخى ما بين الفعلين كما قيد به في الأصل، وقيد به في المجموع أيضاً ولا يظهر بالنسبة لتقديم الأعم على الأخص، فإن الأخص لا شيء فيه مطلقاً فالمناسب للمصنف تقديمه عليه.
قوله: [كما يتبادر من كلام الشيخ]: أي فيتبادر من كلام الشيخ خليل أن ظن الإباحة نافع في جميع المسائل، وليس كذلك بل مفروض فيما مثل به شارحنا.
قوله: [فعل موجبات الكفارة]: أي الفدية أي فعل أمور متعددة كل منها يوجب الفدية بنفسه، كلبس محيط ودهن بمطيب، وتقليم أظفار وحلق شعر كثير لكن اعترض تمثيله بطواف
стр. 290
فارتكب موجبات متعددة، فليس عليه إلا كفارة فقط. وأما محرم جاهل ظن إباحة أشياء تحرم بالإحرام ففعلها -إلا في فور- فعليه لكل فدية ولا ينفعه جهله. وكذا من علم الحرمة وظن أن الموجبات تتداخل وأن ليس عليه إلا فدية فقط لموجبات متعددة لم ينفعه ظنه.
(وشرطها): أي الكفارة -أي شرط وجوبها- (في اللبس) لثوب أو خف أو غيرهما:
(الانتفاع) بما لبسه من حر أو برد بأن يلبسه مدة هي مظنة للانتفاع به (لا إن نزعه بقرب) فلا فدية عليه لعدم الانتفاع. والراجح أنه لا فدية على من لبسه في صلاة ولو رباعية إذا لم يطول فيها، وإلا فالفدية.
وأما غير اللبس كالطيب فالفدية بمجرده لأنه لا يقع إلا منتفعاً به.
(وهي) أي الفدية ثلاثة أنواع:
الأول (شاة) من ضأن أو معز (فأعلى) لحماً وفضلاً من بقر وإبل كالهدايا، وقيل: الشاة أفضل، فالبقر، فالإبل كالضحايا، ويشترط فيها من السن وغيره ما يشترط في الهدي والضحية.
والثاني ذكره بقوله: (أو إطعام ستة مساكين): من غالب قوت المحل الذي أخرجها فيه (لكل) أي لكل مسكين (مدان) بمده ﷺ فالجملة ثلاثة آصع.
وذكر الثالث بقوله: (أو صيام ثلاثه أيام) مطلقاً (ولو أيام منى) أي ثاني يوم النحر وتالييه، وقيل: يمنع فيها.
(ولا تختص) الفدية بأنواعها الثلاثة (بمكان أو زمان)، فيجوز تأخيرها لبلده أو غيره في أي وقت شاء، بخلاف الهدي فإن محله منى أو مكة على ما يأتي إن شاء الله تعالى.
(و) حرم عليهما (الجماع) والإنزال (ومقدماته) ولو علم السلامة من مني ومذي.
(وأفسد) الجماع الحج والعمرة (مطلقاً) أنزل أم لا، عامداً أو ناسياً أو مكرهاً، في آدمي أو غيره، بالغاً أم لا.
(كاستدعاء مني) كما يأتي: أي أن إنزال المني مفسد مطلقاً (وإن) استدعاه (بنظر أو فكر) مستديمين
ــ
الإفاضة، فإنه في فساد الإفاضة يرجع حلالاً يفعل كل ما يفعله الحلال إلا النساء والصيد، فإذا فعل غيرهما فلا فدية عليه اتحد أو تعدد. وأجيب بحمل كلام الشارح على ما إذا خالف الواجب وطاف للإفاضة قبل الرمي، وكان طوافه بغير وضوء معتقداً الطهارة، ثم بعد تحلله فعل أموراً كل منها يوجب الفدية.
قول: [فارتكب موجبات] إلخ: أي ظاناً إباحة فعلها، أو معتقداً ذلك. وأما الشك في الإباحة فلا ينفي التعدد، ويتأتى له الشك في غير مسألة طواف الإفاضة بغير وضوء، وأما هو فلا يتأتى له شك في الإباحة بل يعتقدها أو يظنها.
قوله: [الانتفاع]: أي باعتبار العادة العامة لا باعتبار عادة بعض الأشخاص كذا في الحاشية.
قوله: [والراجح أنه لا فدية] إلخ: أي من قولين حكاهما خليل، وفي (ح) عن سند بعد ذكره القولين من رواية ابن القاسم عن مالك، قال: فرأى مرة حصول المنفعة في الصلاة، ونظر مرة إلى الترفه وهو لا يحصل إلا بالطول. قال (ح): وهذا هو التوجيه الظاهر لا ما ذكره في التوضيح من أن الصلاة هل تعد طولاً أو لا، وتبعه التتائي والمواق وغيرهما، إذ ليست الصلاة بطول لما ذكروه من أن الطول كاليوم كما في ابن الحاجب وابن شاس وغيرهما، وبهذا تعلم أن القولين جاريان سواء طول في الصلاة أم لا، خلافاً لما ذكره شارحنا تبعاً لـ (عب) والخرشي انظر (بن).
قوله: [وهي أي الفدية] إلخ: أي الواجبة لإلقاء التفث وطلب الرفاهية.
قوله: [فأعلى لحماً وفضلاً]: هذا هو الذي ارتضاه أبو الحسن في مناسكه كما في (ح) قوله: [وقيل الشاة أفضل] إلخ: هذا الذي جزم به الخرشي وغيره.
قوله: [ويشترط فيها من السن] إلخ: أي ويشترط أيضاً ذبحها بنية الفدية فلا يكفي إخراجها غير مذبوحة أو مذبوحة بغير نية الفدية.
قوله: [فالجملة ثلاثة آصع]: أي وكل صاع أربعة أمداد، وأجزأ غداء وعشاء لكل مسكين حيث بلغ الغداء والعشاء المدين، وإن كان المدان أفضل، ومثل الغداء والعشاء الغداءان والعشاءان.
قوله: [في أي وقت شاء]: أي فيجوز الصوم أو الإطعام أو الذبح في أي مكان أو زمان شاء فلا تختص بزمان كأيام منى، ولا بمكان كمكة أو منى، بخلاف الهدي فإنه يختص بهما، ومحل ذلك إلا أن ينوي بالذبح بكسر الذال بمعنى المذبوح الهدي، بأن يقلده أو يشعره فيما يقلد أو يشعر، بل قال بعضهم المعتمد أن مجرد النية كاف وإن لم يحصل تقليد ولا إشعار، فيختص بمنى إن وقف به بعرفة، وإلا فمكة والجمع فيه بين الحل والحرم، وترتيبه بأن لا ينتقل للصوم أو الإطعام إلا بعد العجز عن الذبح، وأفضلية الأكثر لحماً كذا في الأصل.
قوله: [لو علم السلامة]: الذي استظهره الأجهوري كراهة المقدمات إذا علمت السلامة كالصوم، لكن يقيد بما إذا قلت.
قوله: [مطلقاً]: أي حيث أوجب الغسل. فخرج جماع الصبي أو البالغ في غير مطيقة أو في هوى الفرج، أو مع لف من خرقة كثيفة على الذكر، والحال أنه لم ينزل فلا فساد بشيء من ذلك، وقول الأصل: بالغاً أم لا، تبع فيه (عب) وهو غير صواب، بل لا يفسده إلا الجماع الموجب للغسل كما علمت.
قوله: [كاستدعاء مني]: تشبيه في قوله: (وأفسد): أي كما يفسد الحج بالجماع، يفسد باستدعاء المني إلخ، كان الاستدعاء المذكور عمداً أو جهلاً أو نسياناً للإحرام.
стр. 291
لا بمجردهما، بخلاف الإنزال بغيرهما فلا يشترط فيه الإدامة.
ومحل إفساد الجماع أو الإنزال (إن وقع) ما ذكر بعد إحرامه (قبل يوم النحر) الصادق ذلك بيوم عرفة وليلتها إلى طلوع فجر يوم النحر.
(أو) وقع (فيه): أي في يوم النحر (قبل رمي) جمار (عقبة، و) طواف (إفاضة).
(أو) وقع الجماع أو الإنزال في إحرامه بالعمرة (قبل تمام سعي العمرة وإلا) بأن وقع ما ذكر بعد يوم النحر قبلهما أو بعد أحدهما في يوم النحر، أو بعد تمام سعي العمرة وقبل الحلق، (فهدي) يلزمه ولا فساد.
(كإنزال بمجرد نظر أو) بمجرد (فكر) من غير استدامة فهدي يلزمه ولا فساد.
(وإمذاؤه) بلا إنزال (وقبلة بفم) وإن لم يمذ فالهدي بخلاف مجرد قبلة بخد أو غيره، فلا شيء عليه لأنها من قبيل الملامسة.
(ووجب) بلا خلاف بين الأئمة الأربعة ﵃ (إتمام المفسد) من حج أو عمرة، فيستمر على أفعاله كالصحيح حتى يتمه وعليه القضاء والهدي في قابل، ولا يتحلل في الحج بعمرة ليدرك الحج من عامه.
وهذا (إن لم يفته الوقوف) بعرفة إما لوقوع الفساد بعده في عرفة، أو مزدلفة، أو منى قبل الرمي والطواف، وإما لوقوعه قبله ولا مانع يمنعه من الوقوف فإن منعه منه مانع -من سجن أو مرض أو صد- حتى فاته الوقوف، وجب عليه تحلله منه بفعل عمرة؛ كما أشار له بقوله:
(وإلا): بأن فاته الوقوف (تحلل) من الفاسد (بعمرة)، ولا يجوز له البقاء على إحرامه للعام القابل لما فيه من التمادي على فاسد مع إمكان التخلص منه؛ وقولهم: "من فاته الحج يندب له التحلل بعمرة ويجوز له البقاء لقابل" في غير من فسد حجه.
(فإن لم يتمه) أي المفسد بجماع أو إنزال -سواء ظن إباحة قطعه لفساده أم لا- (فهو باق على إحرامه) أبداً ما عاش.
(فإن أحرم): أي جدد إحراماً بعد حصول الفساد لظنه بطلان ما كان فيه واستأنف غيره (فلغو): أي فإحرامه المجدد عدم وهو باق على إحرامه الأول حتى يتمه فاسداً ولو أحرم في ثاني عام يظن أنه قضاء عن الأول، ويكون فعله في القابل إتماماً للفاسد ولا يقع قضاؤه إلا في ثالث عام.
(و) وجب (قضاؤه): أي المفسد بعد إتمامه فإن كان عمرة ففي أي وقت، وإن كان حجاً ففي العام القابل، وسواء كان المفسد فرضاً أو تطوعاً.
(و) وجب (فوريته) أي القضاء حتى على قول من قال بجواز التراخي في الحج.
(و) وجب (قضاء القضاء) إذا أفسد أيضاً. ولو تسلسل فيأتي بحجتين إحداهما قضاء عن الأولى والثانية قضاء عن الثانية،
ــ
قوله: [لا بمجردهما]: حاصله أنه إذا استدعاه بالفكر أو النظر فحصل ولم يدم الاستدعاء أهدى ولا فساد، وأما إن استدعاه بغيرهما كقبلة وجس وملاعبة فحصل فالفساد، وإن لم يدم الاستدعاء كما يأتي.
قوله: [إن وقع ما ذكر بعد إحرامه]: أي سواء فعل شيئاً من أفعال الحج أو لا، بل لو وقع مقروناً بالإحرام يكون فاسداً، ويلزمه إتمامه كما تقدم أول الباب.
قوله: [وقبل الحلق فهدي يلزمه]: أي ويجب عليه مع الهدي عمرة يأتي بها بعد أيام منى، إن وقع الوطء قبل ركعتي الطواف، وهو صادق بصورتين: وقوعه قبل الطواف أو بعده وقبل الركعتين، وإنما أمر بعمرة ليأتي بطواف لا ثلم فيه، ولذا لو وقع الوطء بعد الركعتين وقبل رمي جمرة العقبة فهدي فقط، لسلامة طوافه. كذا في الأصل.
قوله: [فهدي يلزمه ولا فساد]: أي ولو قصد بهما اللذة.
قوله: [وإمذائه بلا إنزال]: أي فليس في المذي إلا الهدي، سواء خرج ابتداء أو مع استدامة ولو بقبلة أو مباشرة. ولا فساد بوجه في المذي، لا فرق بين كونه محرماً بحج أو عمرة، كما قال الشيخ سالم، ويشهد له عموم كلام الباجي الذي نقله (ح) خلافاً لقول بهرام: إن ما يوجب الهدي في الحج لا يوجب في العمرة شيئاً؛ لأن أمرها أخف من حيث إنها ليست فرضاً قال في الحاشية: وينبغي التعويل على الأول، وإن كان ظاهر النقل خلافه.
قوله: [وقبلة بفم]: أي إن لم تكن لوداع أو رحمة وإلا فلا شيء فيها.
قوله: [فلا شيء عليه]: أي ما لم يمذ أو تكثر كما في المجموع.
قوله: [بلا خلاف بين الأئمة الأربعة]: أي خلافاً لداود الظاهري.
قوله: [إما لوقوع الفساد]: بكسر الهمزة تنويع في عدم فوات الوقوف.
قوله: [ولا يقع قضاؤه إلا في ثالث عام]: أي أنه إذا لم يتمه ظناً منه أنه أخرج منه بفساده، ثم أحرم بالقضاء في سنة أخرى، وقلنا إنه باق على الأول فلا يكون ما أحرم به قضاء، بل ما فعله في السنة الثانية تتميماً له ولا يتأتى له القضاء إلا في سنة ثالثة، كما قال الشارح: إن كان الفاسد حجاً أو في مرة ثالثة إن كان عمرة.
واعلم أن حجة القضاء تنوب عن حجة الإسلام إذا كان المفسد حجة الإسلام كما قال الشيخ سالم، وذكر الأجهوري أن من أفسد حجة الإسلام يجب عليه إتمامها وقضاؤها، ويجب عليه حجة الإسلام بعد ذلك، بخلاف الحج الفائت الذي تحلل منه بفعل عمرة، فقضاؤه كاف عن حجة الإسلام، قال في الحاشية: واعتمد بعض شيوخنا ما قاله الشيخ سالم.
قوله: [وسواء كان المفسد فرضاً أو تطوعاً]: تعميم في وجوب الإتمام والقضاء.
قوله: [ووجب فوريته] إلخ: أي بعد إتمام المفسد إن كان أدرك الوقوف عام الفساد أو بعد التحلل من الفاسد إن لم يدرك الوقوف عامه.
قوله: [ووجب قضاء القضاء]: أي على المشهور وهو قول ابن القاسم: أن من
стр. 292
وعليه هديان.
(و) وجب (هدي له) أي الفساد.
(و) وجب (تأخيره للقضاء) ولا يقدمه في عام للفساد [١].
(وأجزأ إن قدم في عام الفساد واتحد) هدي الفساد (وإن تكرر موجبه) من الجماع أو الاستمناء (بنساء)، ولا يكون تعدد الجماع أو النساء موجباً لتعدده.
(وأجزأ تمتع) قضاء (عن إفراد) فسد، (وعكسه) وهو إفراد عن تمتع: أي عن الحج الذي قدم عليه في أشهره عمرة (لا قران) فلا يجزئ (عن إفراد أو تمتع ولا) يجزئ (عكسه) وهو إفراد وتمتع عن قران.
(وحرم به): أي بالإحرام بحج أو عمرة وإن لم يكن بالحرم (و) حرم (بالحرم) وإن لم يكن محرماً (تعرض لحيوان بري) بفتح الباء نسبة للبر ضد البحر،
ــ
أحرم قضاء عما أفسده، ثم أفسد القضاء أيضاً فإنه يلزمه أن يحج حجتين، إحداهما عن الأصل، والأخرى عن القضاء الذي أفسده، لأنه أفسد حجه أولاً وثانياً، بخلاف قضاء القضاء في الصوم فالمشهور أنه لا يجب، قال خليل في توضيحه: الفرق بين الحج والصوم أن الحج كلفته شديدة فشدد فيه بقضاء القضاء، سداً للذريعة لئلا يتهاون فيه، وأما من أفسد قضاء صلاة فليس عليه إلا صلاة واحدة قولاً واحداً، وهل له تقديم القضاء الثاني على الأول أم لا؟ وكذا في الحاشية.
قوله: [وعليه هديان]: أي لكل فاسد هدي، ولكن يجب تأخير كل للقضاء وأجزأ له إن قدم عام الفساد كما قال المصنف.
قوله: [ولا يكون تعدد الجماع] إلخ: أي بخلاف الصيد والفدية في غير مسائل اتحادها، فيتعدد كل بتعدد موجبه.
تنبيه: يجب عليه ثلاثة هدايا إن أفسد إحرامه قارناً ثم فاته، وأولى إن فاته ثم أفسده، وعلى كل قضاه قارناً: هدي للفساد، وهدي للفوات، وهدي للقران القضاء. ويسقط هدي القران الفاسد لأنه لم يتم.
مسألة: يجب عليه إحجاج مكرهته وإن طلقها وتزوجت غيره ويجبر الزوج الثاني على الإذن لها ووجب عليها أن تحج إن عدم، ورجعت عليه إن أيسر بالأقل من كراء المثل، ومما اكترت به إن اكترت، أو بالأقل مما أنفقته على نفسها، ومن نفقة مثلها في السفر على غير وجه السرف إن لم تكتر، وفي الفدية بالأقل من النسك، وكيل الطعام أو ثمنه وفي الهدي بالأقل من قيمته، أو ثمنه إن اشترته، وإن صامت لم ترجع بشيء، ويجب عليه مفارقة من أفسد معها من حين إحرامه بالقضاء لتحلله خوفاً من عوده لمثل ما مضى، ولا يراعي في القضاء زمن إحرامه بالمفسد، فلمن أحرم في المفسد من شوال أن يحرم بالقضاء من ذي الحجة، بخلاف الميقات المكاني، إن شرع فإنه يراعى فمن أحرم بالمفسد من الجحفة مثلا تعين إحرامه بالقضاء منها. بخلاف ما إذا لم يشرع بأن أحرم في العام الأول قبل المواقيت فلا يجب الإحرام في القضاء إلا منها، فإن تعدى الميقات المشروع الذي أحرم منه أو لا فدم، ولو تعداه بوجه جائز كما لو استمر بعد الفساد بمكة إلى قابل، وأحرم بالقضاء منها، وأما لو تعداه في عام الفساد فلا يتعداه في عام القضاء. اهـ من الأصل.
قول: [وعكسه]: مثله في التوضيح عن النوادر والعتبية خلافاً لابن الحاجب القائل بعدم الإجزاء.
قوله: [وهو إفراد عن تمتع] أي بأن يقع الإفساد في الحج الذي أحرم به بعد أن فرغت العمرة، فإذا قضاه مفرداً فإنه يجزيه، ففي الحقيقة أجزأ إفراد عن إفراد، وعليه هديان هدي للتمتع يعجله وهدي للفساد يؤخره عام القضاء.
قوله: [لا قران] إلخ: قد علم مما ذكره ست صور: اثنتان مجزئتان، وأربع غير مجزئة، وأصل الصور تسع أسقط المصنف منهما ثلاثة وهي قضاء الشيء بمثله لظهوره.
تنبيه: لا ينوب قضاء التطوع عن واجب، بخلاف قضاء الواجب فيجزئ عنه وفاقاً للشيخ سالم، وخلافاً لتلميذه الأجهوري، كما أفاده بعض المحققين كذا في المجموع وتقدم ذلك.
قوله: [وحرم به] إلخ: الباء للسببية وفي قوله و"بالحرم" للظرفية.
فائدة: الحرم من جهة المدينة أربعة أميال أو خمسة مبدؤها من الكعبة منتهية للتنعيم، ومن جهة العراق ثمانية من المقطع بفتح الميم مخففاً وضمها مثقلاً مكان في الطريق، ومن جهة عرفة تسعة وينتهي لعرفة، ومن جهة الجعرانة تسعة أيضاً وينتهي إلى موضع يسمى بشعب آل عبد الله بن خالد، ومن جهة جدة -بضم الجيم- لآخر الحديبية عشرة من جهة اليمن إلى مكان يسمى أضاة على وزن نواة وعلامته وقوف سيل الحل دونه إذا جرى لجهته، ولا يدخله لعلوه عن الحل. اهـ من المجموع.
قوله: [تعرض لحيوان بري]: أي والحال أنه متوحش الأصل فلا يجوز اصطياده ولا التسبب في اصطياده
стр. 293
ويباح البحري، ويدخل في البري: الضفدع والسلحفاة البريان، والجراد وطير الماء لا الكلب الإنسي.
(و) تعرض (لبيضه) ما دام وحشياً بل (وإن تأنس) كالغزال والطيور التي تألف البيوت والناس، (أو لم يؤكل) كالخنزير والقرد على القول بحرمته، وإن كان مملوكاً لأحد ويقوم على تقدير جواز بيعه.
(وزال به) أي بالإحرام أو بالحرم (ملكه عنه): أي عن الحيوان البري إن كان يملكه قبل إحرامه، وإذا كان كذلك (فيرسله) وجوباً. ومحل زوال ملكه عنه ووجوب إرساله: (إن كان معه) حين الإحرام أو دخوله الحرم؛ أي مصاحباً له في قفص أو بيد غلامه ونحو ذلك، (لا) إن كان حين الإحرام (ببيت [١]) فلا يزول ملكه عنه ولا يرسله (ولو أحرم منه) أي من بيته.
وقوله: (فلا يستجد ملكه): مفرع على قول: "فيرسله" إلخ، وعلى قوله: "وحرم به وبالحرم تعرض" إلخ أي أنه إذا حرم تعرض المحرم للبري، فلا يجوز له ما دام محرماً أن يستجد ملك بري بشراء أو صدقة أو هبة أو إقالة، وإذا أرسله حيث كان معه فلحقه إنسان، ولو قبل لحوقه بالوحش وأخذه لم يكن لربه عليه كلام، ولا يجوز له قبوله منه بهبة أو غيرها ثم استثنى من حرمة التعرض للبري قوله:
(إلا الفأرة) بالهمزة وتاؤه للوحدة لا التأنيث، ويلحق بها ابن عرس وكل ما يقرض الثياب من الدواب (و) إلا (الحية والعقرب)، ويلحق بها الزنبور أي ذكر النحل، ولا فرق بين صغيرها وكبيرها.
(و) إلا (الحدأة) بكسر ففتح بوزن عنبة، (والغراب) فلا يحرم التعرض لما ذكر.
(كعادي سبع): من أسد وذئب ونمر وفهد، وهو المراد بالكلب العقور فيجوز التعرض له (إن كبر) بكسر الباء بحيث بلغ حد الإيذاء، لا إن صغر.
(وطير) غير حدأة وغراب (خيف منه) على نفس أو مال، ولا يندفع (إلا بقتله)
ــ
وخرج بذلك الإوز والدجاج، ولم يقل: " وجزئه " كما قال خليل لأنه استغنى عن ذكره بالكل؛ لأنه إن فرض متصلاً فالتعرض له تعرض للكل، وإن فرض منفصلاً فإما ميتة بأن كان ذكاه محرم أو حلال في حرم، أو كان بلا ذكاة فهذا يأتي، وأما أن لا يكون ميتة بأن ذكاه حلال في الحل فلا يحرم التعرض له بنحو الأكل فتأمل.
قوله: [ويباح البحري]: أي لقوله تعالى: ﴿أحل لكم صيد البحر وطعامه متاعا لكم وللسيارة﴾ [المائدة: ٩٦].
قوله: [ويدخل في البري الضفدع] إلخ: أي فيحرم التعرض لما ذكر.
قوله: [لا الكلب الإنسي]: أي لأنه -وإن كان حيواناً برياً- لكن ليس مما يحرم التعرض له لا على المحرم لا في الحرم، لأن قتله جائز بل يندب على المشهور، ولأنه ليس وحشي الأصل.
قوله: [أو لم يؤكل]: فيه رد على الشافعي القائل إنما يحرم التعرض للمأكول.
قوله: [فيرسله وجوباً]: جعله الشارح جواباً لسؤال مقدر.
قوله: [ولو أحرم منه]: أي على المعتمد، والفرق بين البيت والقفص أن القفص حامل له وينتقل بانتقاله والبيت مرتحل عنه وغير مصاحب له.
قوله: [مفرع على قوله فيرسله] إلخ: أي لأنه يلزم من الأمر بإرسال ومن حرمة التعرض عدم جواز تجدد الملك.
قوله: [أن يستجد ملك بري بشراء]: أي وأما دخوله في ملكه جبراً كالميراث والمردود بعيب، فإنه يدخل في قوله: (فيرسله إن كان معه)، وهل إذا جدد ملكه بشراء يكون شراؤه صحيحاً حيث اشتراه من حلال، ويؤمر بإرساله ويضمن ثمنه للبائع، وهو الأظهر فلو رده لصاحبه لزمه جزاؤه، أو فاسداً ويلزمه رده للبائع، ولا جزاء عليه قولان.
تنبيه: لا يجوز له أن يقبله وديعة من الغير. فإن قبله رده لصاحبه إن كان حاضراً وإلا أودعه عند غيره إن أمكن، وإلا أرسله وضمن قيمته هذا إذا قبل الوديعة وهو محرم. وأما إن كان مودعاً عنده وهو حلال وطرأ له الإحرام، فإنه يلزمه رده لربه إن وجده، فإن لم يجده أودعه عند حلال، فإن لم يجده بقي بيده ولا يرسله لأنه قبله في وقت يجوز له، فإن أرسله ضمن قيمته. اهـ من الأصل.
قوله: [إلا الفأرة] إلخ: أي فإنه يجوز قتل هذه الأشياء في الحرم، وللمحرم إن قتل بقصد دفع الإذاية، أما لو قتل بقصد الذكاة فلا يجوز ولا يؤكل والظاهر أن عليه الجزاء كذا في الخرشي، قال في الحاشية نقلاً عن بعضهم وهو بين فإنه إذا لم يحرم أكلها فهي صيد يؤثر؛ فيها الذكاة ويطهر جلدها، والمحرم ممنوع من ذكاة الصيد ومن قتله. اهـ. واستثناها المصنف تبعاً للحديث الوارد فيها.
قوله: [بالهمزة]: أي وقد تسهل.
قوله: [والغراب]: ولا فرق بين الأبقع وغيره لقول ابن عبد السلام: هل لفظ الغراب عام؟ يعني في الحديث؛ فالأبقع فرد لا يخصص أو مطلق، فالأبقع مبين له والأول أقرب وعليه غالب أهل المذهب. اهـ. والأبقع: هو الذي فيه بياض وسواد. قول: [وهو المراد بالكلب العقور]: أي لقوله ﵊ في عتيبة بن أبي لهب: «اللهم سلط عليه كلباً من كلابك»، فعدا عليه السبع فقتله.
قوله: [إن كبر]: شرط في كل عاد.
قوله: [لا إن صغر]: أي فيكره قتله ولا جزاء على المشهور.
стр. 294
فيجوز قتله.
(ووزغ) يجوز قتله (لحل بحرم) لا لمحرم به أو بغيره.
(ولا شيء في الجراد) بقيدين: (إن عم) أي كثر، (واجتهد) المحرم في التحفظ من قتله، فأصاب منه شيئاً لا عن قصد، (وإلا) بأن لم يعم أو عم ولم يجتهد في التحفظ منه (فقيمته طعاماً بالاجتهاد) بما يقول أهل المعرفة، هذا (إن كثر) بأن زاد على عشرة، (وفي) قتل (الواحدة لعشرة حفنة) من الطعام ملء اليد الواحدة.
(كتقريد البعير) ففيه حفنة بيد واحدة.
(وفي) قتل (الدود والنمل ونحوهما) كالذباب والذر (قبضة) من طعام من غير تفصيل بين قليله وكثيره.
(والجزاء) واجب (بقتله) أي الحيوان البري (مطلقاً) قتله عمداً أو خطأ أو ناسياً كونه محرماً أو بالحرم، أو لمجاعة تبيح أكل الميتة، أو لجهل الحكم أو كونه صيداً.
(ولو) قتله (برمي) بحجر أو سهم (من الحرم) فأصابه في الحل.
(أو) رمي من الحل (له) أي للحرم، (أو) قتله بسبب (مرور سهم) مثلاً (بالحرم): أي فيه رماه من بالحل على صيد بالحل.
(أو) مرور (كلب) أرسله حل بحل على صيد بحل (تعين) الحرم (طريقه) أي طريقاً للكلب فقتله، فالجزاء فإن لم يتعين الحرم طريقاً للكلب، ولكن الكلب عدل إلى الحرم فلا شيء فيه إذا لم يظن الصائد سلوك الكلب فيه.
(أو) قتله بسبب (إرساله): أي الكلب (بقربه) أي الحرم، (فأدخله) في الحرم وأخرجه منه، (وقتله خارجه) فالجزاء ولا يؤكل في الجميع، فلو قتله خارج الحرم قبل إدخاله فيه فلا جزاء وأكل، وأما لو أرسله عليه ببعد من الحرم بحيث يظن أخذه خارجه فأدخله فيه وقتله فيه، أو بعد أن أخرجه فلا جزاء، ولكنه ميتة لا يؤكل.
(أو) بسبب إرسال الكلب ونحوه (على كسبع) مما يجوز قتله فأخذ ما لا يجوز قتله كحمار وحش فالجزاء وكذا إن أرسله على سبع في ظنه، فإذا هو حمار وحش مثلاً.
(أو) قتله بسبب (نصب شرك) بفتحتين (له) أي للسبع ونحوه؛ أي نصبه للسبع فوقع فيه ما لا يجوز صيده فالجزاء.
(وبتعريضه) عطف على "بقتله": أي والجزاء بقتله وبتعريضه.
(للتلف)، كنتف ريشه وجرحه وتعطيله، (ولم تتحقق سلامته) فإن تحققت أي غلبت على الظن سلامته ولو على نقص فلا جزاء.
(و) الجزاء (بقتل غلام) لصيد (أمر)
ــ
قوله: [فيجوز قتله]: أي إذا كان لدفع شره لا بقصد ذكاته فلا يجوز وفيه الجزاء.
قوله: [لا لمحرم به]: أي فلا يجوز له قتله أي يحرم كما صرح به الجزولي في شرح الرسالة، وقيل مكروه فعلى الأول إذا قتلها أطعم وجوباً كسائر الهوام، وعلى الثاني أطعم استحباباً.
قوله: [فقيمته طعاماً] إلخ: قال الباجي: لو شاء الصيام لحكم عليه بصوم يوم كذا في (ر). اهـ (بن).
قوله: [قبضة]: بضاد معجمة وهي دون الحفنة كما أفاده (ر) كذا في الحاشية.
قوله: [والجزاء واجب بقتله]: جملة مستأنفة استئنافاً بيانياً جواباً لسؤال مقدر تقديره وإن تعرض للحيوان البري ماذا يلزمه.
وحاصل الجواب أنه تارة يقتله وتارة لا يقتله، فإن قتله فالجزاء بقتله.
قوله: [أو الجهل لحكم] إلخ: أي خلافاً لابن عبد الحكم حيث قال: لا شيء عليه في غير العمد، ولا فيما تكرر. اهـ. ولا يلزم من لزوم الجزاء في غير العمد لزوم الإثم، فإنه لا إثم عليه في الجهل والنسيان والمجاعة، ويتكرر الجزاء بتكرر قتل الصيد، فإن أرسل سهمه أو بازه فقتل صيوداً كثيرة لزمه جزاء الجميع على المعتمد، خلافاً لابن عبد الحكم كما علمت.
قول: [بسبب مرور سهم]: هذا قول ابن القاسم وهو المعتمد خلافاً لأشهب وعبد الملك، فأشهب يقول: يؤكل ولا جزاء عليه مطلقاً، وعبد الملك يوافق أشهب على الأكل وعدم الجزاء بشرط البعد، والمراد بالبعد: أن يكون بين الرمي والحرم مسافة لا يقطعها السهم غالبا فتخلف الغالب وقطعها.
قوله: [فإن لم يتعين الحرم طريقاً]: أي لأن للكلب فعلاً اختيارياً، فعدوله للحرم من نفسه بخلاف السهم فمن الرامي على كل حال، فلذلك جعل القيد مخصوصاً بالكلب، وهذا التقييد لخليل وابن شاس وابن الحاجب أيضاً.
قوله: [أو قتله بسبب إرساله] إلخ: اعلم أنه اختلف في الاصطياد قرب الحرم، فقال مالك: إنه مباح إذا سلم من قتله في الحرم، وقال في التوضيح: المشهور أنه منهي عنه، إما منعاً أو كراهة بحسب فهم قوله ﷺ : «كالراتع يرتع حول الحمى يوشك أن يقع فيه»، قال (ح) والظاهر الكراهة.
قوله: [فالجزاء ولا يؤكل في الجميع]: راجع لجميع ما تقدم من قوله ولو قتله برمي بحجر إلى هنا، وما قال شارحنا طريقة ابن القاسم.
قول: [فوقع فيه ما لا يجوز صيده]: أي ففيه الجزاء على القول المشهور، وقال سحنون: لا جزاء فيه. وقال أشهب: إن كان المحل يتخوف فيه على الصيد من الوقوع في الشرك وداه: أي أخرج جزاءه وإلا فلا شيء عليه كذا في الحاشية.
قوله: [وبتعريضه]: أي تعريض ما يحرم صيده.
قوله: [كنتف ريشه]: أي الذي لا يقدر معه على الطيران وإلا فلا جزاء، كما أن لو نتف ريشه الذي لا يقدر معه على الطيران إلا به وأمسكه عنده حتى نبت بدله وأطلقه فلا جزاء.
قوله: [ولو على نقص]: مبالغة في المفهوم أي فلا جزاء عليه حيث غلب على الظن سلامته ولو بنقص، خلافاً لمحمد القائل
стр. 295
أي أمره سيده (بإفلاته فظن) الغلام (القتل): أي ظن أنه أمر بقتله فقتله والجزاء على السيد ولو لم يتسبب في اصطياده على أرجح التأويلين، وأما العبد فإن كان محرماً أو بالحرم فعليه جزاء أيضاً وإلا فلا، فإن أمره السيد بالقتل فقتله فعليه جزاءان إن كانا محرمين وواحداً إن كان المحرم أحدهما.
(و) الجزاء (بسببه) أي بسبب الإتلاف (كحفر بئر له) أي للصيد، فوقع فيها فهلك، أو نصب شرك له بالأولى مما تقدم أنه نصب شركاً أو حفر بئراً لسبع فوقع فيه صيد، فلو اقتصر على ما تقدم لفهم منه هذا بالأولى، وقد يقال: هذا أعم، لأن المراد السبب بأي وجه بدليل ما بعده (أو طرده فسقط) فمات (أو فزعه) مصدر مجرور بالكاف المقدرة كالذي قبله (منه)، أي من المحرم فسقط الصيد (فمات) قاله ابن القاسم. وقال أشهب: لا جزاء في هذا وإن كان لا يؤكل، واستظهر وهو معنى قول الشيخ "والأظهر والأصح خلافه" (لا) جزاء بسبب (حفر بئر لكماء) أي لإخراج ماء ونحوه، فتردى فيه صيد فمات.
(أو دلالة) من محرم على صيد بحل أو حرم، فلا جزاء على الدال.
(أو رمي) من حلال (له) أي للصيد وهو (على فرع) أي غصن في الحل (أصله) أي أصل ذلك الفرع (بالحرم) فلا جزاء، ويؤكل نظراً لمحله، ولذا لو كان الفرع في الحرم وأصله في الحل لكان عليه الجزاء بلا نزاع.
(أو) رمي من حلال (بحل) أي فيه فأصابه فيه، (فتحامل) الصيد بعد الإصابة ودخل الحرم (ومات فيه) فلا جزاء، ويؤكل نظراً لوقت الإصابة لا لوقت الموت، ولو لم ينفذ مقتله في الحل عند اللخمي.
(وتعدد) الجزاء (بتعدده) أي الصيد ولو في رمية واحدة.
(أو) بسبب (تعدد الشركاء فيه) أي في قتله، فعلى كل واحد منهم جزاء.
(ولو أخرج) الجزاء (لشك) في موت صيد جرحه أو ضربه (فتبين موته بعده) أي بعد الإخراج (لم يجزه)، وعليه جزاء آخر؛ لأنه تبين أنه كان إخراجه قبل وجوبه، بخلاف ما لو تبين موته قبل الإخراج أو لم يتبين شيء.
(وليس الدجاج والإوز بصيد): فيجوز للمحرم ومن في الحرم ذبحها وأكلها (بخلاف الحمام): ولو الذي يتخذ في البيوت للفراخ فإنه صيد لأنه من أصل ما يطير في الخلاء، فلا يجوز للمحرم ذبحه فإن ذبحه أو أمر بذبحه فميتة.
(وما صاده محرم) أو من في الحرم بسهمه أو بكلبه أو بغير ذلك، (أو صيد له)
ــ
يلزمه ما بين القيمتين، أي وهو أرش النقص كما لو كانت قيمته سليماً ثلاثة أمداد، ومعيباً مدين فيلزمه مد وهو ما بين القيمتين على هذا القول.
قوله: [أي أمر سيده]: أي بالقول أو بالإشارة.
قوله: [فظن الغلام القتل]: مفهومه لو شك في أمره له بالقتل ثم قتله كان الجزاء على العبد وحده كما يفيده كلام اللخمي كذا في الحاشية.
قوله: [على أرجح التأويلين]: هو مشكل، ولكن الفقه مسلم.
قوله: [فعليه جزاء أيضاً]: أي ولا ينفعه خطؤه، وحينئذ فإما أن يصوم العبد عن نفسه، وإما أن يطعم عنه سيده إن شاء، وإن شاء أمره به من ماله. وكذا يقال في الهدي؛ فإما أن يهدي عنه السيد أو يأمره بذلك من ماله كما قال سند.
قوله: [بسببه]: عطف على قوله: "بقتله" أي والجزاء بقتله مباشرة أو بتسببه هذا إذا كان السبب مقصوداً، بل ولو كان اتفاقياً.
قوله: [وقد يقال هذا أعم]: أي فلا يعترض عليه لأن أزيد فائدة.
قوله: [واستظهر]: أي لأن ابن يونس رجحه خلافاً لما يوهمه خليل من أنه لابن عبد السلام كما في المواق.
قوله: [حفر بئراً لكماء]: أي سواء كان الحفر في محل يجوز له فيه أم لا، كالطريق فليس ما هنا كالديات، ولعل الفرق أن الصيد ليس شأنه لزوم طريق معين.
قوله: [فلا جزاء على الدال]: أي سواء كان المدلول حلالاً أو محرماً.
وحاصله: أنه إذا دل محرم محرماً أو حلالاً على صيد في الحل أو في الحرم فقتله، فلا جزاء على ذلك المحرم الدال؛ فهذه أربع صور، وكذا إذا دل حل محرماً على صيد في الحل أو في الحرم، أو دل حلالاً على صيد في الحرم فقتله فلا جزاء على ذلك الدال، فهذه ثلاث صور فالجملة سبع الجزاء فيها على المدلول.
قوله: [فلا جزاء ويؤكل نظراً لمحله]: أي على المشهور وهو مذهب المدونة.
قوله: [عند اللخمي]: وهو أحد أقوال ثلاثة: الأول للتونسي يلزم الجزاء ولا يؤكل، والثاني قول أصبغ بعدم الجزاء ولا يؤكل، والثالث قول أشهب الذي اختاره اللخمي.
قوله: [أو بسبب تعدد الشركاء فيه] أي حيث كانوا حلاً في الحرم أو محرمين ولو بغيره، وأما لو اشترك حل ليس بالحرم مع محرم في قتل الصيد كان الجزاء على المحرم فقط، قال الأجهوري: ومفهوم الشركاء أنه لو تمالأ جماعة على قتله فقتله واحد منهم فجزاؤه على قاتله فقط كما هو ظاهر كلامهم.
قوله: [ولو أخرج الجزاء لشك] إلخ: حاصله أنه إذا رمى صيداً فشك في موته فأخرج جزاءه فإن استمر على شكه أو غلب على ظنه أن موته قبل الإخراج لم يلزمه الإخراج ثانياً، وإن غلب على ظنه أن موته بعد الإخراج وأولى التحقق لزمه إخراج الجزاء ثانياً.
قوله: [وليس الدجاج والإوز بصيد]: أي إذا كان بلدياً وأما الإوز المسمى بالعراقي فهو صيد.
قوله: [ولو الذي يتخذ في البيوت للفراخ]: أي للطيران وهو المسمى بالحمام البيتي.
تنبيه: لو أمسك المحرم صيداً وهو عازم على إرساله فقتله محرم آخر أو حلال في الحرم فلا جزاء على الممسك، بل على القاتل. وأما لو قتله حلال بالحل فجزاؤه على المحرم الذي أمسكه وغرم الحل
стр. 296
أي صاده حلال لأجله، فمات بسبب اصطياده، (أو ذبحه) المحرم حال إحرامه وإن اصطاده حلال لنفسه أو بعد أن صاده هو أو صيد له
(أو أمر بذبحه أو صيده) فمات بالاصطياد، أو ذبحه حلال ليضيفه به، (أو دل) المحرم (عليه) حلالاً فصاده فمات بذلك، (فميتة) لا يحل لأحد تناوله وجلده نجس كسائر أجزائه.
(كبيضه) من سائر الطيور سوى الإوز والدجاج ميتة إذا كسره أو شواه محرم، أو أمر حلالاً بذلك لا يجوز لأحد أكله، وقشره نجس كسائر أجزائه.
(وجاز) للمحرم (أكل ما) أي صيد (صاده حل لحل) لنفسه أو لغيره، بخلاف ما صاده لمحرم كما تقدم وشبه في جواز الأكل قوله: (كإدخاله): أي الصيد (الحرم وذبحه به إن كان) الصائد (من ساكنيه) أي الحرم؛ أي أنه يجوز لسكان الحرم أن يخرجوا للحل فيصطادوا ويدخلوا بالصيد الحرم فيذبحوه به، وهو يجوز أكله لكل أحد بخلاف غيرهم إذا اصطادوا بالحل صيداً، ودخلوا به الحرم فيجب عليهم إرساله، فإن ذبحوه به فميتة.
(وحرم) على المكلف (به) أي بالحرم لمحرم وغيره (قطع) أو قلع (ما ينبت) من الأرض (بنفسه) كشجر الطرفاء والسلم والبقل البري.
(إلا الإذخر) بكسر الهمزة وفتح الخاء المعجمة نبت معروف،
(والسنا) بالقصر (والسواك والعصا وما قصد السكنى بموضعه) للضرورة (أو إصلاح الحوائط) أي ما قطع لإصلاحها فإنه جائز.
ــ
له الأقل من قيمة الصيد طعاماً وجزاءه إن لم يصم، فإن صام فلا رجوع له على الحلال بشيء. وأما لو أمسكه المحرم وهو عازم على قتله فقتله محرم آخر، أو في الحرم فهما شريكان على كل منهما جزاء كامل. وأما لو قتله حلال في الحل فجزاؤه على المحرم الذي أمسكه، ويغرم له الحلال كما تقدم لأن المباشر مقدم على المتسبب.
قوله: [أي صاده حلال لأجله]: كان المحرم الذي صيد لأجله معيناً أو غير معين بأمره أو بغير أمره، سواء أريد بيعه له أو إهداؤه أو تضييفه.
قوله: [أو ذبحه المحرم حال إحرامه] أي سواء أكل المحرم منه شيئاً أم لا، ومثله ما لو ذبح صيد المحرم ولو بلا إذنه حلال فهو ميتة، ولا يؤكل، خلافاً لما في (عب)، ووافقه في المجموع من أنه إذا كان بغير إذن المحرم فلا يجوز أكله، فإنه غير صواب كما ذكره صاحب المجموع في حاشية (عب).
قوله: [أو ذبحه حلال ليضيفه به]: أي والحال أن ذلك الحلال لم يصده وإلا كان مكرراً مع ما تقدم.
قوله: [أو دل المحرم]: أي بالقول أو بالإشارة كما تقدم.
قوله: [فميتة]: خبر عن قوله وما صاده محرم إلخ، وقرنه بالفاء لما في المبتدأ من معنى الشرط.
قوله: [لا يحل لأحد تناوله]: أي فلا يجوز أكله لحلال ولا لمحرم حالة الاختيار.
قول: [كبيضه]: أي لأن البيض بمنزلة الجنين أي جنين الصيد، لكونه نشأ عنه، فلما كان الجنين ناشئاً عن البيض نزل منزلته.
قوله: [وقشره نجس]: أي لأنهم لما نزلوا البيض منزلة الجنين حكموا عليه بحكم الميتة فصار حكم قشره النجاسة بمنزلة البيض المذر أو ما خرج بعد الموت.
وإذا علمت السبب في نجاسة البيض تعلم أن بحث سند خلاف المذهب حيث قال: أما منع المحرم من البيض فبين، وأما منع غيره ففيه نظر؛ لأن البيض لا يفتقر لذكاة حتى يكون بفعل المحرم ميتة ولا يزيد فعل المحرم فيه في حق الغير على فعل المجوسي، وهو إذا شوى بيضاً أو كسره لم يحرم على المسلم، بخلاف الصيد فإنه يفتقر لذكاة مشروعة والمحرم ليس من أهلها. انتهى.
قوله: [صاده حل]: أي في الحل، وأما ما صاده محرم في الحل أو حل في الحرم فلا يجوز لأحد أكله.
قوله: [فإن ذبحوه به فميتة]: أي وفيه الجزاء، وكذا إن أبقاه عنده حتى خرج من الحرم وذبحه بعد خروجه منه فيلزمه جزاؤه، سواء كان حين دخوله الحرم بالصيد محرماً أو حلالاً. أما المحرم فواضح، وأما الحلال فلأنه لما أدخله الحرم صار من صيد الحرم كذا قيل، وفيه إن هذا التعليل يجري في الحلال المقيم بمكة مع أن صيدهم جائز، وقد يقال خفف لسكانها للضرورة.
قوله: [لمحرم وغيره]: أي آفاقياً أو من أهل مكة، وقوله قطع أو قلع ما ينبت بنفسه أي ولو كان قطعه لإطعام الدواب على المعتمد، ولا فرق بين الأخضر واليابس. والمراد إن جنسه ينبت بنفسه من غير علاج فحرمته ولو استنبت نظراً لجنسه، ولذلك لو كان جنسه يستنبت جاز قطعه، ولو نبت بنفسه كخس وحنطة ونحو ذلك.
قوله: [كشجر الطرفاء]: أي وكذا شجر الغيلان: قوله: [نبت معروف]: كالحلفاء طيب الرائحة واحده إذخرة وجمعه إذخروأذاخر. وقول المصنف: " إلا الإذخر والسنا " إلخ أي لما ورد في الحديث استثناء الإذخر. والملحقات به ستة: السنا، والهش أي قطع ورق الشجر بالمحجن والعصا، والسواك، وقطع الشجر للبناء، والسكنى بموضعه، وقطعه لإصلاح الحوائط والبساتين. والمحجن المذكور: هو العصا المعوجة من الطرف بكسر الميم وسكون الحاء وفتح الجيم وزان: مقود، والجمع محاجن، بأن يضعه على الغصن ويحركه ليقع الورق؛ وأما خبط العصا على الشجر ليقع ورقه فهو حرام.
стр. 297
(ولا جزاء) فيما حرم قطعه.
(كصيد حرم المدينة) المنورة: فإنه يحرم التعرض له ولا جزاء فيه إن قتله، ويحرم أكله (وهو ما بين الحرار) الأربع؛ جمع حرة بكسر المهملة: أرض ذات حجارة سود نخرة كأنها أحرقت بالنار.
(و) قطع (شجرها): فإنه يحرم على ما تقدم في شجر حرم مكة. والحرم بالنسبة له (بريد من كل جهة) من جهاتها من طرف آخر البيوت التي كانت في زمنه ﷺ ، وسورها الآن هو طرفها في زمنه ﷺ ، فيحرم قطع ما نبت بنفسه في البيوت الخارجة عنه وذات المدينة خارجة عن ذلك فلا يحرم قطع الشجر الذي بها.
(والجزاء) أي جزاء الصيد (أحد ثلاثة أنواع على التخيير كالفدية)، فإنها ثلاثة أنواع على التخيير بخلاف الهدي.
(يحكم به): على من أتلف الصيد أو تسبب في إتلافه، (ذوا عدل) فلا بد من الحكم، ولا تكفي الفتوى، ولا بد من اثنين فلا يكفي واحد، ولا بد من كونهما غيره، فلا يكفي أن يكون الصائد أحدهما، ولا بد فيهما من العدالة فلا يكفي حكم كافر ولا رقيق ولا فاسق ولا مرتكب ما يخل بالمروءة
ولا بد من كونهما (فقيهين به): أي عالمين بالحكم في الصيد، لأن كل من ولي أمراً فلا بد أن يكون عالماً بما ولي فيه. فلا يكفي جاهل بذلك.
النوع الأول: أفاده بقول (مثله): أي مثل الصيد الذي قتله (من النعم): الإبل والبقر والغنم، أي مثله في القدر والصورة أو القدر ولو في الجملة كما يأتي بيانه.
(يجزئ أضحية) أي لا بد أن يكون بما يجزئ في الأضحية سناً وسلامة فلا يجزئ صغيراً ولا معيباً، وإن كان الصيد صغيراً أو معيباً.
(و) إذا اختار المثل من النعم فـ (محله) الذي يذبح أو ينحر فيه (منى أو مكة)، ولا يجزئ في غيرهما (لأنه هدي) أي صار حكمه حكم الهدي الآتي بيانه، قال الله تعالى: ﴿هديا بالغ الكعبة﴾ [المائدة: ٩٥].
وأشار للنوع الثاني بقوله: (أو قيمته) أي الصيد (طعاماً) بأن يقوم بطعام من غالب طعام أهل ذلك المكان الذي يخرج فيه وتعتبر القيمة والإخراج (يوم التلف بمحله) أي محل التلف
ــ
كذا في الحاشية.
قوله: [ولا جزاء فيما حرم قطعه]: أي لأن الجزاء لا يكون إلا في صيد الحرم أو المحرم.
قوله: [كصيد حرم المدينة]: التشبيه في تحريم قطع شجر حرم مكة وعدم الجزاء فيه.
قوله: [ولا جزاء فيه إن قتله]: ولا يلزم من عدم الجزاء خفة الحرمة فيه، بل المدينة أشد؛ لأن صيدها كاليمين الغموس الذي لا كفارة له كذا قيل. لكن قال ابن رشد: اعلم أن أهل العلم اختلفوا فيما إذا صاد صيداً في حرم المدينة، فمنهم من أوجب فيه الجزاء كحرم مكة سواء، وبذلك قال ابن نافع، وإليه ذهب عبد الوهاب، وذهب مالك إلى أن الصيد فيها أخف من الصيد في حرم مكة، فلم ير على من صاد في حرمها إلا الاستغفار والزجر من الإمام، فقيل له: هل يؤكل الصيد الذي يصاد في حرم المدينة؟ فقال: ما هو مثل ما يصاد في حرم مكة، وإني لأكرهه، فروجع في ذلك، فقال: لا أدري. انتهى، فعلم منه أن عدم الجزاء في صيد حرم المدينة قول مالك، وأنه أخف من صيد حرم مكة، فقول شارحنا: ويحرم أكله تبع فيه الخرشي وهو خلاف قول مالك كما علمت.
قوله: [وهو ما بين الحرار الأربع]: فيه شيء إنما ذكر حرتين، والجواب أنه لما كان لكل حرة طرفان اعتبر كل طرف حرة.
قوله: [على ما تقدم في شجر حرم مكة]: أي سواء بسواء وما يستثنى هناك يستثنى هنا.
قوله: [والحرم بالنسبة له]: أي لقطع الشجر، وأما بالنسبة للصيد فالمدينة داخلة، فكما يحرم صيد خارجها يحرم صيد داخلها.
قوله: [بريد من كل جهة]: أظهر من قول خليل بريد في بريد، فلذلك اعترضوه بأن البريد في البريد واحد فيكون الحرم من كل جهة ربع بريد لا بريداً، وأجابوا عنه بأن في بمعنى مع على حد قوله تعالى: ﴿ادخلوا في أمم﴾ [الأعراف: ٣٨] والمعنى بريد مصاحب لبريد حتى تستوفى جميع جهاتها.
قوله: [فلا بد من الحكم]: ظاهره لا بد من لفظ الحكم في كل من الثلاثة: الهدي والإطعام والصوم، خلافاً لابن عرفة من عدم اشتراطه في الصوم. قال في الحاشية: وانظر هل يشترط في العدلين أن لا يكونا متأكدي القرابة؟ اهـ.
قوله: [فلا يكفي حكم كافر] إلخ أي: ولا صبي لأن العدالة تستلزم تلك الشروط، وإنما اشترط فيهما العدالة لقول الله تعالى: ﴿يحكم به ذوا عدل منكم﴾ [المائدة: ٩٥].
قوله: [أي عالمين بالحكم في الصيد]: أي فلا يشترط أن يكونا عالمين بجميع أبواب الفقه.
قوله: [في القدر والصورة] أي إن كان يماثل الأنعام فيهما.
وقوله: [أو القدر]: أي إن تعذر مماثلة الصورة.
قولة: [فلا يجزئ صغيراً ولا معيباً] هكذا نسخة المؤلف بالنصب، وهما منصوبان على الحال من فاعل يجزئ، تقديره فلا يجزئ هو أي المثل من النعم حال كونه صغيراً أو معيباً.
قوله: [منى]: أي بالشروط الثلاثة الآتية.
وقوله: [أو مكة]: أي إن لم توجد الشروط الثلاثة.
قوله: [وتعتبر القيمة والإخراج يوم التلف]: حاصله أنه إذا أخرج الجزاء هدياً اختص بالحرم، وإن أراد الصيام صام حيث شاء، وإن أراد أن يخرج طعاماً فلا بد من اعتبار القيمة في محل التلف، وإن كان التقويم
стр. 298
لا يوم تقويم الحكمين، ولا يوم التعدي، ولا تعتبر قيمته بمحل آخر غير محل التلف، ولا يقوم بدراهم ويشتري بها طعاماً يعطى (لكل مسكين) من ذلك الطعام (مد) بمده ﷺ ، ولا يجزئ أكثر من مد ولا أقل ومحل اعتبار القيمة والإخراج بمحل التلف (إن وجد) المتلف (به) أي في محل التلف (مسكيناً، و) وجد (له) أي للصيد (قيمة) فيه، (وإلا) بأن لم يوجد به مساكين يعطي إليهم، أو لم يكن للصيد فيه قيمة، (فأقرب مكان) له يعتبر ما ذكر فيه، وإن كان بعيداً في نفسه (ولا يجزئ) تقويم أو إطعام (بغيره) أي بغير محل التلف إن أمكن، أو أقرب مكان إليه إن لم يمكن فيه.
وأشار للنوع الثالث بقوله: (أو عدل ذلك) الطعام (صياماً) لكل مد صوم يوم (في أي مكان) شاء مكة أو غيرها، (و) في أي (زمان) شاء ولا يتقيد بكونه في الحج أو بعد رجوعه.
(و) لو وجب عليه بعض مد (كمل لكسره) وجوباً في الصوم؛ إذ لا يتصور صوم بعض يوم.
وندباً في الإطعام؛ (ففي) تلف (النعامة بدنة) للمقاربة في القدر والصورة في الجملة.
(و) في (الفيل) بدنة خراسانية (بسنامين [١]، وفي حمار الوحش وبقرة بقرة، وفي الضبع والثعلب شاة كحمام مكة والحرم ويمامه) أي الحرم فيه شاة (بلا حكم)، بل المدار على أنها تجزئ ضحية لخروجهما عن الاجتهاد؛ لما بين الأصل والجزاء من البعد في التفاوت، وشددوا فيهما لإلفهما للناس كثيراً، فربما تسارع الناس لقتلهما.
(و) الحمام واليمام (في الحل وجميع الطير) غيرهما كالعصافير والكركي والإوز العراقي والهدهد ولو بالحرم (قيمته طعاماً) كل شيء بحسبه (كضب وأرنب ويربوع) فيها قيمتها طعاماً إذ ليس لها مثل من النعم، (أو عدلها) أي عدل قيمتها من الطعام (صياماً) لكل مد صوم يوم، وكمل المنكسر وهو بالخيار في ذلك بين إخراج القيمة طعاماً والصوم، إلا حمام ويمام الحرم يتعين فيهما الشاة، فإن لم يجدها فصيام عشرة أيام.
(والصغير والمريض والأنثى) من الصيد (كغيرها) من الكبير
والصحيح والذكر في الجزاء على ما تقدم. فإذا اختار المثل
ــ
بغيره فلا بد من دفع ذلك الطعام لفقراء ذلك المحل.
قوله: [لا يوم تقويم الحكمين]: أي أنه قد لا يتأخر، وتختلف القيمة، وقوله: ولا يوم التعدي أي لأنه قد يتقدم على يوم التلف.
قوله: [ولا يقوم بدراهم ويشتري بها طعاماً]: فلو فعل ذلك أجزأ، وأما لو قومه بدراهم أو عرض وأخرج ذلك فإنه لا يجزئ، ويرجع به إن كان باقياً وبين أنه جزاء.
قوله: [ولا يجزئ أكثر من مد ولا أقل]: فلو أعطى أكثر من مد فله نزع الزائد إن بين، ووجده باقياً، وفي الناقص يكمله، فلو وجب عليه عشرة أمداد فرقها على عشرين كمل لعشرة ونزع من عشرة بالقرعة إن كان باقياً وبين.
قوله: [يعتبر ما ذكر فيه]: أي فتعتبر قيمته في المحل الذي بقربه.
قوله: [ولا يجزئ تقويم] إلخ: أي اعتبار القيمة ولا الإطعام بغيره هذا هو المراد، وهذا لا ينافي جواز التقويم بغيره مع اعتبار القيمة فيه.
قوله: [كمل لكسره] إلخ: فإذا قيل ما قيمة هذا الظبي: فقيل خمسة أمداد ونصف فإن أراد الصوم ألزمه الحكمان ستة أيام، وإن أراد الإطعام ألزماه خمسة أمداد ونصفاً وندب له إكمال المد السادس.
قوله: [ففي تلف النعامة بدنة]: أي حيث أراد إخراج المثل المخير فيه، وفي الإطعام والصيام، فالمجزي في النعامة بدنة. وكذا يقال فيما بعده.
قوله: [والنعامة]: بفتح النون تذكر وتؤنث، والنعام اسم جنس مثل حمام والفاء في قوله: " ففي النعامة " للسببية مسبب على قوله: "مثله من النعم". والحاصل: أن الصيد إن كان له مثل سواء كان مقرراً عن الصحابة أم لا فإنه يخير فيه بين المثل والإطعام والصيام. وما لا مثل له لصغره فقيمته طعاماً أو عدله صياماً على التخيير. هذا حاصل ما قرر به البدر القرافي، والشيخ سالم: وتبعهما شارحنا. وقال الأجهوري: الذي يفيده النقل أنه يتعين فيما له مثل من الأنعام مثله، فإن لم يوجد فعدله طعاماً، فإن لم يوجد صام لكل مد يوماً. قال (ر): وما قاله الأجهوري خطأ فاحش خرج به عن أقوال المالكية كلها، والصواب ما قاله شيخه البدر.
قوله: [وفي الفيل بدنة] إلخ: ابن الحاجب ولا نص في الفيل، وقال ابن ميسر: بدنة خراسانية ذات سنامين، وقال القرويون: القيمة طعاماً، وقيل وزنه طعاماً لغلو عظمه. وكيفية وزنه أن يجعل في سفينة وينظر إلى حيث تنزل في الماء ثم يخرج منها ويملأ بالطعام حتى تنزل في الماء ذلك القدر.
قوله: [وفي الضبع والثعلب شاة]: يتعين حمل كلام المصنف على ما إذا قتلهما من غير خوف منهما، أما إذا لم ينج منهما إلا بقتلهما فلا جزاء عليه أصلاً كما صرح به القاضي في التلقين. ونقل في التوضيح عن الباجي أنه المشهور من المذهب فيمن عدت عليه سباع الطير أو غيرها فقتلها انتهى (بن).
قوله: [كحمام مكة والحرم] إلخ: فإن لم يجد الشاة صام عشرة أيام من غير حكم أيضاً كما يأتي.
واعلم أن حمام الحرم القاطن به، إذا خرج للحل وصاده حلال من الحل فلا شيء عليه ويجوز اصطياده، وإن كان له أفراخ في الحرم ابن ناجي: إن كان له أفراخ فالصواب تحريم صيده لتعذيبه فراخه حتى يموتوا قاله (ح).
قوله: [قيمته طعاماً كل شيء بحسبه] إلخ: الحاصل أن الصيد إما طير أو غيره، والطير إما حمام
стр. 299
فلا بد من مثل يجزئ ضحية، ولا يكفي في المعيب معيب. والصغير صغير، وإن كانت القيمة قد تختلف بالقلة والكثرة ولذا احتيج لحكم العدول العارفين، وإن ورد شيء من الشارع في ذلك الصيد.
(وله) أي للمحكوم عليه بشيء (الانتقال) إلى غيره (بعد الحكم، ولو التزمه) فله أن ينتقل بعد الحكم عليه بالمثل إلى اختيار الإطعام أو الصيام وعكسه، وقيل: إن التزم شيئاً ليس له الانتقال عنه.
(ونقض) الحكم وجوباً (إن ظهر الخطأ) فيه ظهوراً بيناً.
(وندب كونهما): أي العدلين (بمجلس) واحد لمزيد التثبت والضبط،
(وفي الجنين): كما إذا فعل شيئاً بصيد حامل فألقى جنيناً، (و) في (البيض) إذا كسره أو شواه المحرم أي في كل فرد من أفراده (عشر دية الأم)، فإذا كان جزاء الأم عشرة أمداد ففي جنينها أو بيضتها مد، (ولو تحرك) الجنين بعد سقوطه ولم يستهل.
(و) فيه (ديتها) أي دية أمه كاملاً (إذا استهل) صارخاً، فإن ماتت الأم أيضاً فديتان.
ولما كانت دماء الحج أو العمرة ثلاثة: الفدية، وجزاء الصيد، والهدي وقدم الكلام على الأولين أشار للثالث بقوله:
(وغير الفدية و) غير (جزاء الصيد: هدي) مرتب (وهو) أي الهدي (ما وجب لتمتع) قال تعالى: ﴿فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدي﴾ [البقرة: ١٩٦].
ــ
الحرم ويمامه وإما غيرهما. فإن كان الصيد حمام الحرم ويمامه تعين فيه شاة تجزئ، ضحية فإن عجز عنها صام عشرة أيام وإن كان الطير غير ما ذكر، خير بين القيمة طعاماً وعدله صياماً، وإن كان الصيد غير طير فإما أن يكون له مثل يجزي ضحية أو لا، فإن كان الأول خير بين المثل والإطعام والصيام كان فيه شيء مقرر أم لا، وإن كان ليس له مثل يجزي ضحية خير بين الإطعام والصوم فقط. هذا حاصل المعول عليه من المذهب.
قوله: [فلا بد من مثل يجزئ ضحية]: فالنعامة الصغيرة أو المعيبة أو المريضة إذا قتلها المحرم واختار مثلها من الأنعام يحكم عليه ببدنة كبيرة سليمة صحيحة، وكذا يقال في غيرها. فإن اختار قيمتها طعاماً فإنها تقوم على الوجه المتقدم أيضاً، ويقطع النظر عما فيها من وصف الصغر والعيب والمرض، بخلاف لو قومت لربها فتقوم على الحالة التي هي عليه.
قوله: [ولذا احتيج لحكم العدول العارفين] إلخ: الحاصل أن الصيد إن كان لم يرد فيه شيء عن النبي ولا عن السلف كالدب والقرد والخنزير، فإن الحكمين يجتهدان في الواجب فيه، وإن كان فيه شيء مقرر عن الشارع كالنعامة والفيل. فإنه ورد في الأولى بدنة ذات سنام، وفي الثاني بدنة ذات سنامين، فالاجتهاد في أحوال ذلك المقرر من سمن وسن وهزال بأن يريا أن هذه النعامة المقتولة بدنة سمينة أو هزيلة مثلاً لكون النعامة كذلك.
قوله: [الانتقال إلى غيره]: أي فله أن يختار غير ما حكما عليه ولا بد أنهما لا يحكمان عليه إلا بعد أن يخيراه بين الأمور الثلاثة، فإن اختار واحداً منهما وحكما عليه به فله أن يختار غيره ويحكمان به عليه، كما إذا انتقل من المثل للإطعام أو الصوم. وأما لو انتقل من الإطعام للصوم فلا يحتاج لحكم؛ لأن صومه عوض عن الإطعام لا عوض عن الصيد أو مثله.
قوله: [ولو التزمه]: أي على المعتمد من القولين ومحلهما إذا علم ما حكما به فالتزمه، لا إن التزمه من غير معرفة به فلا يلزمه قولاً واحداً والالتزام يكون باللفظ بأن يقول التزمت ذلك لا بالجزم القلبي وحده.
قوله: [ظهوراً بيناً]: أي وأما لو كان الخطأ غير بين فإنه لا ينقض؛ كما لو حكما في الضبع بعنز ابن أربعة أشهر فلا ينقض حكمهما، لأن بعض الأئمة يرى ذلك، وحكم الحاكم لا ينقض إذا وقع بمختلف فيه. لكن المعتمد أنه متى تبين الخطأ في الحكم فإنه ينقض، سواء كان واضحاً أو غير واضح خلافاً للشارح إذ لا بد في جزاء الصيد من كونه يجزئ ضحية كما يؤخذ من (ر) كذا في الحاشية.
تنبيه: إن اختلف الحكمان في قدر ما حكما به عليه أو نوعه ابتدئ الحكم منهما أو من غيرهما أو من أحدهما مع غير صاحبه.
قوله: [لمزيد التثبت والضبط]: أي لأن كلاً يطلع على حكم صاحبه ورأيه.
قوله: [إذا كسره أو شواه المحرم]: ومثله من في الحرم وهذا في غير البيض المذر لأنه لا يتولد منه فرخ، ولا يضر نقطة دم، والظاهر الرجوع فيما إذا اختلط بياضه وصفاره لأهل المعرفة، فإن قالوا يتولد منه فرخ كان فيه عشر الدية وإلا فلا.
قوله: [ففي جنينها أو بيضتها مد]: أي لأن المراد بديتها قيمتها طعاماً أو عدله صياماً فيما في جزائه طعام. والحاصل: أنه يخير في الجنين والبيض بين عشر قيمة أمه من الطعام، وبين عدل ذلك من الصيام، إلا بيض حمام مكة والحرم وجنينهما ففيه عشر قيمة الشاة طعاما، فإن تعذر صام يوماً كذا في (ح) نقله (بن). ومحل لزومه للجنين إذا لم يستهل ما لم تمت أمه معه وإلا فيندرج في دية أمه.
قوله: [إذا استهل]: الاستهلال هنا كناية عن تحقق الحياة.
قوله: [هدي مرتب]: خبر عن قوله (وغير الفدية). ومرتب صفته.
стр. 300
(أو لقران) بالقياس على التمتع (أو) وجب (لترك واجب) في الحج أو العمرة، كترك التلبية، أو طواف القدوم، أو الوقوف بعرفة نهاراً، أو النزول بالمزدلفة، أو رمي جمرة العقبة أو غيرها أو المبيت بمنى أيام النحر، أو الحلق (أو) ما وجب (لجماع) مفسد أو غير مفسد على ما تقدم، (أو) وجب (لنحوه) كمذي وقبلة بفم، أو وجب لنذر عينه للمساكين، أو أطلق أو ما كان تطوعاً.
و(ندب) فيه ما كان كثير اللحم (إبل فبقر فضأن) فمعز، ويقدم الذكر من كل على الأنثى والأسمن على غيره.
(و) ندب (وقوفه به المشاعر) أي عرفة والمشعر الحرام ومنى.
(ووجب) الهدي أي نحره (بمنى) بشروط ثلاثة أشار لها بقوله: (إن سيق) الهدي (بحج) أي في إحرامه به وإن كان موجبه نقصاً بعمرة أو حج غير الذي هو فيه، أو كان تطوعاً. (ووقف به) هو (أو نائبه بعرفة كهو): أي كوقوفه هو به في كونه جزءاً من الليل، ولو صرح بذلك لكان أحسن بأن يقول: ووقف به أو نائبه بعرفة جزءاً إلخ، واحترز بقوله: "أو نائبه" من وقوف التجار به جزءاً من الليل للبيع، فلا يكفي إذا اشتراه منهم صبيحة عرفة، نعم إذا اشتراه منهم بها وأمرهم بالوقوف به ليلاً بها كفى، لأنهم نائبون حينئذ عنه (بأيام النحر) وهذا إشارة للشرط الثالث، أي وكان النحر في أيامه (وإلا) بأن انتفت هذه الشروط أو بعضها بأن لم يقف به بعرفة أو لم يسق في حج، بأن سيق في عمرة أو خرجت أيام النحر (فمكة) هي محله لا يجزئ في غيرها، فعلم أن محله إما منى بالشروط الثلاثة وإما مكة لا غير عند فقدها، وظاهر كلام الشيخ ندب النحر بمنى عند وجود الشروط الثلاثة وهو ضعيف، والمعتمد الوجوب كما ذكرنا.
ثم ذكر شروط صحة الهدي بقوله:
(وصحته [١]): أي وشرط صحته: (بالجمع) فيه (بين حل وحرم) فلا يجزئ ما اشتراه بمنى أيام النحر وذبحه بها، كما يقع لكثير من العوام، بخلاف ما اشتراه من عرفة لأنها من الحل، فإن اشتراه في الحرم فلا بد أن يخرج به للحل عرفة أو غيرها سواء خرج به هو أو نائبه محرماً أم لا، كان الهدي واجباً أو تطوعاً (ونحوه [٢] نهاراً) بعد طلوع الفجر، (ولو قبل) نحر (الإمام و) قبل طلوع (الشمس) فلا يجزئ ما نحر ليلاً.
(و) المسوق (في العمرة) كان لنقص فيها أو في حج أو تطوعاً (بعد) تمام (سعيها) فلا يجزئ قبله، وظاهر أن محله مكة لعدم الوقوف به بعرفة، (ثم حلق) أو قصر وحل من عمرته، فإن قدم الحلق على النحر فلا ضرر.
(وندب) النحر (بالمروة). ومكة كلها محل للنحر.
(وسنه وعيبه كالأضحية) الآتي بيانها فلا يجزئ من الغنم ما لا يوفي سنة، ولا معيب كأعور. (والمعتبر) في السن والعيب (وقت تعيينه) للهدي بالتقليد فيما يقلد، أو التمييز عن غيره بكونه هدياً في غيره كالغنم، فلا يجزئ مقلد معيب أو لم يبلغ السن،
ولو صح أو بلغ السن قبل نحره،
ــ
قوله: [بالقياس على التمتع]: أي وكذلك ما بعده من ترك واجب أو جماع أو نحوه، لأن النص لم يرد إلا في التمتع.
قوله: [أو أطلق ما كان تطوعاً] أي فكله مرتب لا ينتقل للصوم إلا عند العجز عن الأنعام.
قوله: [إبل فبقر] أي لأن النبي ﷺ كان أكثر هداياه الإبل نحر في حجة الوداع مائة باشر منها ثلاثاً وستين، ونحر عليّ سبعاً وثلاثين، ويؤخذ من هذا الحديث أن مباشرة النحر بيده أفضل، إلا للضرورة، فيستنيب المسلم لأن الكافر لا مدخل له في القرب عكس الضحايا، فإن الأفضل فيها الضأن لأنه ﷺ ضحى بكبشين.
قوله: [وندب وقوفه به المشاعر]: هذا فيما ينحر أو يذبح بمنى، وأما ما ينحر أو يذبح بمكة فالشرط فيه أن يجمع بين الحل والحرم، ويكفي وقوفه به في أي موضع من الحل، وفي أي وقت كما يأتي.
قوله: [كهو] الأولى إسقاطه كما هو ظاهر.
قوله: [فمكة] أي لا ما يليها من منازل الناس.
قوله: [والمعتمد الوجوب] وهو ما صرح به عياض في الإكمال لكن غير شرط؛ لأنه إن نحره بمكة مع استيفاء الشروط صح مع مخالفة الواجب وهو مذهب المدونة، والأفضل فيما ذبح بمنى أن يكون عند الجمرة الأولى. ولو ذبح في أي موقع منها كفى وخالف الأفضل.
قوله: [فلا يجزئ ما اشتراه بمنى]: أي بخلاف الفدية فتجزئ ما لم تجعل هدياً فلا بد فيها من شرطه كما يأتي.
قوله: [عرفة أو غيرها] لكن إن كان غير عرفة فلا يذبح إلا بمكة.
قوله: [فلا يجزئ ما نحر ليلاً] أي بخلاف الفدية إن لم تجعل هدياً.
قوله: [فلا يجزئ قبله] أي لأنهم نزلوا سعيها منزلة الوقوف في هدي الحج في أن لا ينحر إلا بعده.
قوله: [فلا ضرر]: أي لأن تقديم النحر على الحلق مندوب كما تقدم.
قوله: [وندب النحر بالمروة] إلخ أي لقوله ﵊ فيها: «هذا المنحر وكل فجاج مكة» أي طرقها "منحر"، فإن نحر خارجاً عن بيوتها إلا أنه من لواحقها فالمشهور عدم الإجزاء كما هو قول ابن القاسم.
قوله: [فلا يجزئ مقلد معيب] مفرع على قوله: و" المعتبر" إلخ.
قوله: [ولو صح أو بلغ السن قبل نحره] أي ما لم يكن هدي تطوع أو منذوراً معينا فيجزئ إن صح أو بلغ السن قبل ذبحه،
стр. 301
بخلاف العكس بأن قلده أو عينه سليماً ثم تعيب قبل ذبحه فيجزئ، لا فرق بين تطوع وواجب.
(وسن تقليد إبل وبقر) أي جعل قلادة أي حبل من نبات الأرض بعنقها للإشارة إلى أنها هدي.
(و) سن (إشعار) أي شق (إبل بسنامها) أي فيه بسكين (من) الشق (الأيسر) ندباً، وقيل من الأيمن، وقيل هما سواء من جهة الرقبة للمؤخر قدر أنملتين حتى يسيل الدم، ليعلم أنها هدي.
و(ندب تسمية) عند إشعارها بأن يقول بسم الله.
(و) ندب (نعلان): أي تعليقهما (بنبات الأرض) أي بحبل من نبات الأرض كحلفاء، لا من صوف أو وبر خشية تعلقه بشيء من شجر أو غيره فيؤذيه.
(و) ندب (تجليلها) أي الإبل أي وضع جلال عليها بكسر الجيم جمع جل بضمها.
(و) ندب (شقها) أي الجلال ليدخل السنام فيها فيظهر الإشعار، وتمسك بالسنام فلا تسقط بالأرض.
(فإن لم يجد) من لزمه الهدي لتمتع أو غيره هدياً (فصيام ثلاثة أيام) في الحج، وذلك (من حين إحرامه) به إلى يوم النحر (و) لو فاته صومها قبل أيام منى (صام أيام منى) الثلاثة بعد يوم النحر، إذ لا يصح صومه، فإن صام بعضها قبل يوم النحر كملها بعده أيام منى.
(و) هذا (إن تقدم الموجب) للهدي (على الوقوف) بعرفة كتمتع وقران وتعدي ميقات وترك تلبية ومذي وقبلة بفم، (وإلا) يتقدم الموجب، بأن تأخر عن الوقوف كترك نزول بمزدلفة أو رمي أو حلق أو جماع بعد رمي العقبة وقبل الإفاضة يوم النحر أو قبلهما بعده (صامها متى شاء كهدي العمرة)، إذا لم يجده صام الثلاثة مع السبعة متى شاء لعدم وقوف فيها.
(و) صيام (سبعة إذا رجع من منى) فقوله تعالى: ﴿وسبعة إذا رجعتم﴾ [البقرة: ١٩٦] أي من منى بعد أيامها، سواء مكة وغيرها، وقيل معناه: إذا رجعتم إلى أهلكم، فأهل مكة يصومونها فيها وغيرهم ببلادهم، ويندب تأخيرها للآفاقي حتى يرجع لأهله للخروج من الخلاف.
ــ
قال في الأصل: ثم يجب إنفاذ ما قلد معيباً لوجوبه بالتقليد وإن لم يجزئه.
قوله: [بخلاف العكس]: أي فمحل إجزائه إذا كان تعيبه من غير تعديه ولا تفريطه، فإن كان بتعديه أو تفريطه ضمن كما في (ح) عن الطراز. ومحله أيضاً إذا لم يمنع التعييب بلوغ المحل، فلو منعه كعطب أو سرقة لم يجزئه الهدي الواجب، والنذر المضمون كما يأتي كذا في (بن) نقله محشي الأصل.
تنبيه: أرش الهدي المرجوع به على بائعه بعيب قديم يمنع الإجزاء أم لا؟ المطلع عليه بعد التقليد والإشعار المفيتين لرده وثمنه المرجوع به لاستحقاقه يجعل كل منهما في هدي إن بلغ ذلك ثمن هدي، وإلا تصدق به وجوباً إن كان هدي تطوع أو منذوراً بعينه؛ إذ لا يلزمه بدلهما لعدم شغل ذمته به، وأما الهدي الواجب الأصلي أو المنذور غير المعين فلا يتصدق بالأرش والثمن إن لم يبلغ ثمن هدي، بل يستعين به في هدي آخر إن كان العيب يمنع الإجزاء لوجوب البدل عليه لاشتغال ذمته به، فإن لم يمنع من الإجزاء تصدق به إن لم يبلغ هدياً كالتطوع والنذر المعين كذا في الأصل.
قوله: [أي شق إبل بسنامها] هذا ظاهر إن كان لها سنام، فإن كانت لا سنام لها فظاهره أنها لا تشعر وهو رواية محمد، والذي في المدونة: أن الإبل يسن إشعارها مطلقاً ولو لم يكن لها سنام، فإن كان لها سنامان سن إشعارها في واحد فقط. وأما البقر فتقلد ولا تشعر، إلا أن تكون لها أسنمة فتشعر كما هو قول المدونة، وعزا ابن عرفة لها أن البقر لا تشعر مطلقاً، وتعقبه الرماصي. وعلى القول بإشعارها حيث كان لها سنام؛ هل تجلل أم لا؟ قولان.
قوله: [وقيل من الأيمن] في ابن عرفة وفي أولويته أي الإشعار في الشق الأيمن أو الأيسر، ثالثها أن السنة في الأيسر، رابعها هما سواء انتهى.
تنبيه: يندب تقديم التقليد على الإشعار خوفاً من نفارها لو أشعرت أو لا، وفعلهما بمكان واحد أولى. وفائدة التقليد والإشعار إعلام المساكين أن هذا هدي فيجتمعون له، وقيل لئلا يضيع فيعلم أنه هدي فيرد.
قوله: [أي الإبل]: أي وأما البقر والغنم فلا يوضع عليها الجلال اتفاقاً في الغنم، وفي البقر إن لم يكن لها سنام.
قوله: [فصيام ثلاثة أيام]: ويندب فيه التتابع كما يندب في السبعة الباقية أيضاً.
قوله: [وذلك من حين إحرامه به]: أي وأول وقتها من حين إحرامه بالحج فلا يجزئ قبل إحرامه.
قوله: [ولو فاته صومها] أي ويكره له تأخيرها لأيام منى فتقديمها عليها مستحب لا واجب كما هو ظاهر المدونة، وبه صرح ابن عرفة، فما وقع لـ (عب) تبعا للأجهوري والشيخ أحمد من أن صيامها قبل يوم النحر واجب ويحرم تأخيرها بلا عذر ضعيف كذا في (بن) نقله محشي الأصل.
قوله: [وهذا إن تقدم الموجب] أي فتقدم الموجب شرط في أمرين: أحدهما كون صوم الثلاثة من إحرامه إلى يوم النحر، والثاني كونه إذا فات صام أيام منى.
قوله: [صامها متى شاء] أي بعد أيام منى الثلاثة، فلو صامها أيام منى لم يجزئه كذا في الحاشية.
قوله: [وصيام سبعة] أشار الشارح إلى أن سبعة بالجر عطف على ثلاثة وهذا هو الصواب، أي على العاجز عن الهدي صيام ثلاثة أيام في الحج على الوجه المتقدم، وسبعة إذا رجع من منى وإن لم يصلها بالرجوع.
قوله: [للخروج من الخلاف]: أي الواقع
стр. 302
(ولا تجزئ) السبعة (إن قدمها عليه) أي على الوقوف بعرفة (كصوم) أي كما لا يجزئ صوم عن الهدي إذا (أيسر قبله) أي قبل الشروع فيه، (ولو) كان إيساره (بسلف) وجد من يسلفه إياه (لمال) له (ببلده)، فإن لم يجد مسلفاً أو وجد ولا مال له ببلده صام (وندب الرجوع للهدي) إن أيسر (قبل كمال) صوم اليوم (الثالث)، وإن وجب إتمامه إن شرع فيه، وكلامه صادق بما إذا أيسر قبل الشروع في الثالث أو الثاني أو بعده، وكذا لو أيسر قبل إكمال الأول كما هو صريح المدونة.
ثم شرع في بيان ما يمنع الأكل منه وما يجوز من دماء الحج أو العمرة الثلاثة: الهدي، والفدية، وجزاء الصيد.
فقال: (ولا يؤكل): أي يحرم على رب الهدي أن يأكل (من نذر مساكين عين) لهم، فلا تجوز له مشاركتهم فيه، (ولو لم يبلغ المحل) منى بشروطه أو مكة بأن عطب قبل المحل فنحره (كهدي تطوع نواه لهم) أي للمساكين لم يجز له أكله منه بلغ محله أم لا، (وفدية) لترفه أو إزالة أذى لم ينو بها الهدي لم يأكل منها مطلقاً أي ذبحت بمكة، أو غيرها (كنذر لم يعين): بأن كان مضموناً وسماه للمساكين، كـ "لله علي نذر بدنة للمساكين"، أو نواه لهم.
(وجزاء صيد وفدية نوى بها الهدي): فإذا اختار النسك ونوى به الهدي تعين عليه أن يذبحه بمنى بشروطه، أو مكة، وقولنا فيما تقدم: لا "تتقيد بمكان أو زمان" أي إذا لم ينو بها الهدي. فهذه الثلاثة التي بعد الكاف الثانية لا يأكل منها (بعد) بلوغ (المحل) منى أو مكة، ويأكل منها قبله لأن عليه بدلها لكونها لم تجزه قبل محلها.
(وهدي تطوع) لم يجعله للمساكين لم يأكل منه إذا (عطب قبله) فقط، أي قبل المحل بأن عطب فنحره لأنه يتهم على أنه تسبب في عطبه ليأكل منه، وليس عليه بدله ومثله نذر معين لم يجعله للمساكين بلفظ ولا نية. فهذه ثلاثة أقسام:
الأول: لا يأكل منه مطلقاً.
الثاني: لا يأكل منه بعد المحل.
ــ
في تفسير قوله تعالى: ﴿وسبعة إذا رجعتم﴾ [البقرة: ١٩٦] فإذا أخرها لبلده أتى بمجمع عليه.
قوله: [ولا تجزئ السبعة إن قدمها عليه] أي ولا يجزئ أيضاً تقديمها على رجوعه من منى. واختلف هل يجتزئ منها بثلاثة أيام أو لا؟ وهو المعتمد، قال مالك: لو نسي الثلاثة حتى صام السبعة، فإن وجد هدياً فأحب إلي أن يهدي وإلا صام. اهـ. فهم التونسي من كلام مالك أنه لا يجزئ منها شيء، وهو المعتمد كما علمت. وقال ابن يونس: يكتفى منها بثلاثة، وأما لو صام العشرة قبل رجوعه فإنه يجتزئ منها بثلاثة كما يفهم من كلام التوضيح. والفرق بينها وبين السبعة أن الثلاثة جزء العشرة فتندرج فيها، وقسيمة السبعة فلا تندرج فيها كذا في الحاشية.
قوله: [لمال له ببلده]: اللام بمعنى مع متعلق بوجد، أي وإن وجد مسلفاً مع مال، وقوله ببلده إما صفة لمال أي مال كائن ببلده، أو متعلق بمحذوف أي ويصبر ليأخذه ببلده.
قوله: [قبل كمال صوم اليوم الثالث] أي وأما بعد كمال الثالث فلا يطالب بالرجوع، لأنها قسيمة السبعة في العشرة فكانت كالنصف، وقولنا: "لا يطالب بالرجوع" لا ينافي أنه لو رجع لصح. ولذا قال ابن رشد: لو وجد الهدي بعد صوم الثلاثة لم يجب عليه إلا أن يشاء. اهـ. واعلم أن اتصال الثلاثة بعضها ببعض، واتصال السبعة بعضها ببعض، واتصال السبعة بالثلاثة مستحب كذا في الحاشية.
قوله: [الهدي]: أي الصادق بما سيق بعد الإحرام تطوعاً أو نذراً.
قوله: [من نذر مساكين] أي من هدي منذور للمساكين بعينه، سواء عين المساكين أيضاً أم لا، وسواء كان التعيين باللفظ والنية أو النية فقط.
قوله: [بشروطه]: أي الثلاثة التي تقدمت في قوله: إن سيق بحج ووقف به هو أو نائبه بعرفة، كهو بأيام النحر.
وقوله: [أو مكة]: أي عند فقد بعض الشروط.
قوله: [بأن عطب قبل المحل فنحره] أما عدم الأكل منه إذا لم يبلغ المحل فلكونه غير مضمون فيتهم على إتلافه، وأما بعد المحل فلأنه قد عينه للمساكين فلا يجوز مشاركتهم فيه، ومن أجل كونه غير مضمون إذا ضل أو سرق قبل المحل لا يلزم ربه بدله [١].
قوله: [كهدي أو تطوع نواه لهم] أي سواء لفظ مع النية أو لا عينت المساكين أو لا.
قوله: [وفدية الترفه [٢]] إلخ: أي فهذه الثلاث يحرم الأكل منها مطلقاً كما علمت. أما حرمة الأكل من نذر المساكين فقد علمت وجهه، وأما حرمة الأكل من هدي التطوع الذي جعل للمساكين باللفظ أو النية فلإلحاقه بنذر المساكين وأما الفدية التي لم تجعل هدياً فحرمة الأكل منها مطلقاً؛ لأنها عوض عن الترفه، فالجمع بين الأكل منها والترفه جمع بين العوض والمعوض. واحترز بقوله: " إذا لم ينو بها الهدي " عما إذا نوى بها الهدي فلا يأكل منها بعد المحل، ويأكل منها إذا عطبت قبله كما سيأتي ذلك للمصنف.
قوله: [ذبحت بمكة أو غيرها]: أي لأنها لا تختص بمكان ولا زمان كما تقدم.
قوله: [لأن عليه بدلها]: أي يبعثه إلى المحل فلا تهمة في أكله منها ولا مظلمة للمساكين.
قوله: [الأول لا يأكل منه مطلقاً]: وتحته ثلاثة أقسام: النذر المعين للمساكين، وهدي التطوع للمساكين، وفدية لم تجعل هدياً.
قوله: [الثاني لا يأكل منه بعد المحل]: وتحته ثلاثة أقسام
стр. 303
الثالث: لا يأكل منه قبله ويأكل منه بعده وبقي رابع يأكل منه مطلقاً وإليه أشار بقوله:
(ويأكل مما سوى ذلك) المتقدم ذكره من الأقسام الثلاثة (مطلقاً) قبل المحل وبعده؛ وهو كل هدي وجب في حج أو عمرة، كهدي التمتع والقران وتعدي الميقات، وترك طواف القدوم أو الحلق، أو مبيت بمنى أو نزول بمزدلفة، أو وجب لمذي ونحوه، أو نذر مضمون لغير المساكين (وله) حينئذ (إطعام الغني) منه (والقريب) وأولى ضدهما (ورسوله كهو) أي أن رسول رب الهدي بالهدي كربه في جميع ما تقدم من الأكل وعدمه.
(والخطام والجلال كاللحم) في المنع والجواز فيجري فيهما ما جرى في اللحم من التفصيل، ولا يجوز له بيع ما جاز له تناوله كالضحية.
(فإن أكل ربه) شيئاً (من ممنوع) أكله منه، (أو أمر) بالأكل إنساناً (غير مستحق) كأن يأمر غنياً في نذر المساكين (ضمن) هدياً (بدله، إلا نذر مساكين عين) لهم كهذه البدنة، (فقدر أكله) فقط على الأرجح من الخلاف، ومقابله يضمن هدياً كاملاً كغيره.
(ولا يشترك في هدي ولو تطوعاً) أي لا يصح الاشتراك فيه (وأجزأ) الهدي عن ربه (إن ذبحه غيره) حال كون الهدي (مقلداً ولو نواه) الذابح (عن نفسه إن غلط) بآن اعتقد أنه هديه، لا إن لم يغلط، أو كان غير مقلد (أو سرق بعد نحره) فيجزئ لأنه بلغ محله (لا) إن سرق (قبله) أي الذبح فلا يجزئ، (كأن ضل) ولم يجده فلا يجزئ، ولا بد من بدله، (فإن وجده بعد نحر بدله نحره) أيضاً (إن قلد) لتعينه بالتقليد، (و) إن وجد (قبله) أي قبل نحر بدله (نحرا) معاً (إن قلدا) معاً لتعيين كل به (وإلا) يقلدا معاً، إن كان المقلد أحدهما أو لا تقليد أصلاً، (تعين) للنحر (ما قلد) منهما، فإن لم يكن تقليد تخير في نحر أيهما شاء [١].
(فصل):
في بيان من فاته الحج لعذر أو لم يتمكن من البيت فقط، أو منه ومن عرفة معاً
وكيف ما يصنع.
وبدأ بالأول فقال:
ــ
أيضاً نذر للمساكين لم يعين، وجزاء الصيد، وفدية جعلت هدياً.
قوله: [الثالث لا يأكل منه قبله] وتحته ثلاثة أقسام أيضاً هدي التطوع الذي لم يجعل للمساكين، عين أم لا، ونذر معين لم يجعل للمساكين فتدبر.
قوله: [الأقسام الثلاثة] أي التي احتوت تفصيلاً على تسعة أشياء، أي فله أن يأكل من غيرها ويتزود ويطعم الغني والفقير والكافر والمسلم، سواء بلغت المحل أو عطبت قبله كما يأتي.
قوله: [في جميع ما تقدم من الأكل وعدمه] أي فما جاز لربه يجوز لرسوله، وما منع منه ربه يمنع منه الرسول، هذا إذا كان الرسول غير فقير، أما لو كان فقيراً فإنه يجوز له الأكل مما لا يجوز لربه الأكل منه كما قال سند. وقال بعضهم: لا يجوز له الأكل ولو كان فقيرا مثل ربه، وقال [٢] (ر): هذا هو النقل.
قوله: [فيجري فيهما ما جرى في اللحم] لكنه في الخطام والجلال يضمن القيمة فقط لا فرق بين ربه ورسوله فتدفع للمساكين.
قوله: [فإن أكل ربه شيئاً] إلخ: الحاصل أن رب الهدي الممنوع من الأكل منه، إن أكل لزمه هدي كامل إلا في نذر المساكين المعين إذا أكل منه فقولان في قدر اللازم له. وإن أمر أحدا بالأكل؛ فإن أمر غنياً لزمه هدي كامل إلا في نذر المساكين المعين فلا يلزمه إلا قدر أكله فقط، ويحتمل أن يجري فيه القولان الجاريان في أكله هو. وأما الرسول فإن أمر غير مستحق أو أكل وهو غير مستحق فإنه يضمن قدر ما أمر به، أو أكله فقط في جميع الممنوع منه، وإلا فلا ضمان. هذا هو الصواب انظر (بن) نقله محشي الأصل.
قوله: [أي لا يصح الاشتراك فيه] ولو كان الذي شركه قريباً له وسكن معه وأنفق عليه فليس كالضحية في هذا، ومثل الهدي الفدية والجزاء.
قوله: [لا إن لم يغلط]: أي بأن تعمد فلا يجزيه عن ربه ولا عن نفسه ولربه أخذ القيمة منه بخلاف الضحية إذا ذبحها الغير عن نفسه عمداً، فإنها تجزئ عن ربها حيث وكله ربها، فتحصل أن الغلط في الهدي يجزئ عن ربه حيث كان مقلداً أنابه أم لا، وأن الضحية تجزئ في الغلط والعمد إن أنابه وإلا فلا فيهما.
تتمة: يجب حمل الولد الحاصل بعد التقليد والإشعار إلى مكة، ويندب حمله على غير أمه، ثم إن لم يوجد غيرها حمل عليها إن قويت، فإن لم يمكن حمله تركه ليشتد، ثم يبعثه إلى محله فإن لم يمكن تركه عند أمين فكالتطوع يعطب قبله محله فينحره ويخلي بينه وبين الناس. ويحرم الشرب من لبن الهدي بعد التقليد إن لم يفضل من فصيلها، وإلا كره، فإن أضر بشربه الأم أو الولد ضمن موجب فعله. ويكره له ركوب الهدي بغير عذر. اهـ. من الأصل.
فصل: في بيان من فاته الحج لعذر [٣]
هذا الفصل يتعلق بموانع الحج والعمرة بعد الإحرام، ويقال للممنوع محصور وهو ثلاثة أقسام كما هو سياق الشارح.
قوله: [وبدأ بالأول فقال إلخ]: حاصله أن من فاته الوقوف بعرفة بعد إحرامه بالحج بسبب من الأسباب التي ذكرها المصنف والشارح - والحال أنه متمكن من البيت - فإنه يؤمر
стр. 304
(من فاته الوقوف بعرفة) ليلة النحر بعد أن أحرم بحج مفرداً أو قارناً لعذر منعه منه كأن يفوته الوقوف (بمرض) أي بسببه (ونحوه) كعدو منعه أو حبس ولو بحق أو خطأ عدد، (فقد فاته الحج) لأن الحج عرفة.
(وسقط عنه عمل ما بقي) بعده (من المناسك) كالنزول بمزدلفة، والوقوف بالمشعر الحرام والرمي والمبيت بمنى.
(وندب) له (أن يتحلل) من إحرامه بذلك الحج (بعمرة) وفسر التحلل بالعمرة بقوله:
(بأن يطوف ويسعى ويحلق بنيتها): أي العمرة من غير تجديد إحرام غير الأول، بل ينوي التحلل من إحرامه الأول بما ذكر.
(ثم قضاه قابلاً، وأهدى) وجوباً للفوات، ولا يجزيه للفوات هديه السابق الذي ساقه في حجة الفوات (وخرج) المتحلل بعمرة (للحل) ليجمع في إحرامه المتحلل منه بالعمرة بين الحل والحرام، (إن أحرم أولاً) قبل الفوات لحجة (بحرم أو أردف) حجه على إحرامه بالعمرة (فيه) أي في الحرم.
(ولا يكفي) عن طواف العمرة وسعيها المطلوبين للتحلل (قدومه) أي طواف قدومه (وسعيه بعده) الواقعان أولاً قبل الفوات.
(وله): أي لمن فاته الوقوف بعرفة (البقاء على إحرامه) متجرداً مجتنباً للطيب والصيد والنساء، (لقابل حتى يتم حجه) ويهدي ولا قضاء عليه لأنه تم بوقوفه في القابل مع عمل ما بعد الوقوف من المناسك، ومحل جواز البقاء على الإحرام لعام قابل إذا لم يدخل مكة أو يقاربها (وكره) له البقاء (إن قارب مكة أو دخلها)، بل يتأكد في حقه التحلل بفعل عمرة لما في البقاء على الإحرام من مزيد المشقة، والخطر مع إمكان الخلوص منه.
(ولا تحلل) أي لا يجوز له أن يتحلل بعمرة (إن) استمر على إحرامه حتى (دخل وقته)، أي الحج في العام القابل بدخول شوال، بل الواجب عليه حينئذ إتمامه.
(فإن) خالف و (تحلل) بعمرة بعد دخول وقته (فثالثها) أي الأقوال (يمضي) تحلله.
(فإن حج) أي أحرم بحج بعد تحلله بالعمرة (فمتمتع) لأنه حج بعد عمرته في عام واحد، فعليه هدي للتمتع وأولها يمضي تحلله، وليس بمتمتع لأنه في الحقيقة انتقل من حج إلى حج إذ عمرته كلا عمرة، لأنه لم ينوها أولاً وثانيها لا يمضي وهو باق على إحرامه الأول، وما فعله من التحلل لغو لأن إبقاءه لدخول وقته كإنشائه فيه.
ــ
بالتحلل بفعل عمرة، ويكره له البقاء على الإحرام لقابل إن قارب مكة أو دخلها وأما إن لم يقارب مكة كان له البقاء على إحرامه لقابل حتى يتم حجه ولا كراهة. ومحل جواز التحلل ما لم يستمر على إحرامه حتى يدخل وقت الحج في العام القابل، وإلا فالواجب عليه إتمامه، فإن خالف وتحلل بالعمرة فالأقوال الثلاثة الآتية في المصنف.
قوله: [مفرداً]: مراده ما قابل القارن فيشمل المتمتع.
قوله: [لأن الحج عرفة]: إشارة لحديث هذا لفظه، ولا يقتضي أنه أعظم أركان الحج، بل أعظم أركانه الطواف كما تقدم، وإنما أسند الحج له لأنه يفوت بفوات وقته، والمزية لا تقتضي الأفضلية كما هو مقرر.
قوله: [وسقط عنه عمل ما بقي]: أي فلا يؤمر بها ولا دم عليه في تركها.
قوله: [وندب له أن يتحلل] إلخ: محل ندب تحلله بفعل عمرة ما لم يفته الوقوف وهو بمكان بعيد عن مكة جداً، وإلا فله التحلل بالنية كالمحصور عن البيت والوقوف معاً بعد. وسيأتي ذلك في الشارح.
قوله: [الذي ساقه في حجة الفوات] أي ساقه تطوعاً أو لنقص حصل منه فيها، وسواء بعثه إلى مكة أو أبقاه حتى أخذه معه؛ لأنه بالتقليد والإشعار وجب لغير الفوات فلا يجزئ عن الفوات، بل عليه هدي آخر. قوله: [إن أحرم أولاً إلخ] أي وأما لو أحرم بحجة أولاً من الحل فلا يحتاج للخروج ثانياً إلى الحل كما هو معلوم.
قوله: [ولا يكفي عن طواف العمرة إلخ]: قال الخرشي: لعل هذا مبني على القول بأن إحرامه لا ينقلب عمرة من أوله، بل من وقت نية فعل العمرة. وقد ذكر (ح) الخلاف في هذا فقال: قال في العتبية عن ابن القاسم: إن أتى عرفة بعد الفجر فليرجع إلى مكة ويطوف ويسعى ويحلق وينوي بها عمرة، وهل ينقلب عمرة من أصل الإحرام أو من وقت نية فعل العمرة؟ مختلف فيه. اهـ.
قوله: [أو دخلها] مفهوم بالأولى من قوله إن قارب فلا حاجة لذكره، ويجاب بأنه دفع توهم حرمة البقاء عند الدخول.
تنبيه: من فاته الوقوف وتمكن من البيت وقلتم يتحلل بفعل عمرة وكان معه هدي فلا يخلو: إما أن يخاف عليه العطب إذا أبقاه عنده حتى يصل إلى مكة أو لا؛ فإن لم يخف عليه حبسه معه حتى يأتي مكة، وهذا في المريض ومن في حكمه كالحبس بحق. وأما الممنوع ظلماً فمتى قدر على إرساله أرسله كأن يخاف عليه العطب أم لا، فإن لم يجد من يرسله معه ذبحه في أي محل.
قوله: [بل الواجب عليه حينئذ إتمامه] أي حيث تمكن من إتمامه، قارب مكة أم لا.
قوله: [فمتمتع] أي باعتبار العمرة التي وقع بها الإحلال.
قوله: [وأولها يمضي تحلله] أي بناء على أن الدوام ليس كالابتداء؛ لأن العمرة التي آل إليها الأمر في التحلل ليست كإنشاء عمرة ابتدائية مستقلة على الحج، وإلا كانت لاغية لما سبق من قوله: "ولغا عمرة عليه" فلذا قيل: إن تحلله بفعل العمرة يمضي.
قوله: [وثانياً لا يمضي] أي بناء على أن الدوام كالابتداء أي على أن العمرة التي آل إليها الأمر كإنشاء عمرة مستقلة. وقد تقدم
стр. 305
وذكر القسم الثاني -وهو صده عن البيت فقط - بقوله: (وإن وقف) بعرفة (وحصر عن البيت): بعدو أو مرض أو حبس ولو بحق (فقد أدرك الحج، ولا يحل إلا بالإفاضة ولو بعد سنين).
وذكر الثالث وهو ما إذا حصر عن البيت وعرفة معاً بقوله:
(وإن حصر عنهما بعدو) صده عنهما معاً، (أو حبس) لا بحق بل (ظلماً فله التحلل متى شاء) وهو الأفضل (بالنية، ولو دخل مكة) أو قاربها وليس عليه التحلل بفعل عمرة، وله البقاء على إحرامه حتى يتمكن من البيت فيحل بعمرة أو لقابل حتى يقف ويتم حجه.
ومثل من صد عنهما معاً بما ذكر من صد عن الوقوف فقط بمكان بعيد عن مكة أي فله التحلل بالنية كما صرحوا به.
(ونحر) عند تحلله بالنية (هديه) الذي كان معه، (وحلق) أو قصر بشرطين: أشار للأول بقوله: (إن لم يعلم بالمانع) حين إرادة إحرامه.
وللثاني بقوله: (وأيس) وقت حصوله (من زواله قبل فواته) أي علم أو ظن أنه لا يزول قبل الوقوف فيتحلل قبل الوقوف لكن المعتمد عند الأشياخ أنه لا يتحلل إلا بحيث لو سار إلى عرفة من مكانه لم يدرك الوقوف، أو زال المانع، فإن علم أو ظن أو شك أنه يزول قبله فلا يتحلل حتى يفوت، فإن فات فيفعل عمرة كما لو أحرم عالماً بالمانع أو حبس بحق أو منع لمرض أو خطأ عدد.
(ولا دم) على المحصور بما ذكر عند ابن القاسم، وقال أشهب: عليه دم لقوله تعالى: ﴿فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي﴾ [البقرة: ١٩٦].
(وعليه) أي على المتحلل بفعل عمرة أو بالنية (حجة الفريضة) ولا تسقط عنه بالتحلل المذكور.
(كأن أحصر عن البيت) بما ذكر بالشرطين: أن لا يعلم بالمانع وأن لا يتمكن من البيت إلا بمشقة، (في العمرة) فإنه يتحلل بالنية متى شاء وحلق ونحر هديه إن كان ولا دم عليه وعليه سنة العمرة.
ــ
أن إنشاء العمرة على الحج لغو، وهذه الأقوال الثلاثة لابن القاسم في المدونة، ولم يختلف قوله فيها ثلاثاً إلا في هذه المسألة، وأما مالك فقد اختلف قوله فيها ثلاثاً في مواضع متعددة.
قوله: [وهو صده عن البيت فقط] ظاهر أنه لم يمنع من غيره، وفي الحقيقة لا مفهوم لقوله: " فقط "، بل المراد أنه أدرك الوقوف وحصر عن البيت، سواء حصر عما بعد الوقوف أيضاً أم لا، ولذلك قال خليل: وإن وقف وحصر عن البيت فحجه تم. ولا يحل إلا بالإفاضة. وعليه للرمي ومبيت منى ومزدلفة هدي.
قوله: [ولا يحل إلا بالإفاضة]: هذا إذا كان قدم السعي عند القدوم، ثم حصر بعد ذلك، وأما إذا لم يكن قدم السعي فلا يحل إلا بالإفاضة والسعي.
قوله: [أو حبس لا بحق] إلخ: اعتبار كون الحبس ظلماً بالنية لحال الشخص في نفسه، لأن الإحلال والإحرام من الأحكام التي بين العبد وربه كما استظهره ابن عبد السلام، وقبله في التوضيح، وظاهر الطراز يوافقه كذا في (بن) نقله محشي الأصل. وذكر في الحاشية: أن الريح إذا تعذر على أصحاب السفن لا يكون كحصار العدو، بل هو مثل المرض لأنهم يقتدرون على الخروج فيمشون. اهـ. وقد يقال كلامه في الحاشية ظاهر إن أمكن ذلك مع الأمن على النفس والمال، ومفهوم قوله: " ظلماً " أنه لو كان حبسه بحق لا يباح له التحلل بالنية، بل يدفع ما عليه ويتم نسكه، وأما من يحبس في تغريب الزنا فهو كالمريض لا يتحلل إلا بعمرة حيث فاته الحج.
قوله: [فله التحلل متى شاء] أي مما هو محرم به وقوله: " بالنية " هو المشهور خلافاً لمن قال: لا يتحلل إلا بنحر الهدي والحلق، بل الحلق سنة وليس الهدي بواجب خلافاً لأشهب، وما ذكره الشارح من أفضلية التحلل عن البقاء على إحرامه مطلقاً قارب مكة أو لا، دخلها أو لا، هو الصواب كما يأتي، وأما قول الخرشي: فله البقاء لقابل إن كان على بعد، ويكره له إن قارب مكة أو دخلها، فغير صواب، لأن ما قاله الخرشي إنما هو في الذي لا يتحلل إلا بفعل عمرة لتمكنه من البيت، وقد تقدم الكلام في ذلك.
قوله: [وليس عليه التحلل بفعل عمرة] أي لأن الفرض أنه ممنوع من البيت وعرفة معاً فلا يكلف بما لا قدرة له [١] عليه، غاية ما هناك يخير كما قال الشارح.
قوله: [إن لم يعلم بالمانع]: ومثله ما لو علم، وظن أنه لا يمنعه فمنعه فله أن يتحلل بالنية أيضاً كما وقع له ﷺ عام الحديبية، فإنه أحرم بالعمرة وهو عالم بالعدو ظاناً أنه لا يمنعه، فلما منعه تحلل بالنية، فقول المصنف إن لم يعلم في مفهومه تفصيل.
قوله: [لكن المعتمد عند الأشياخ] أي والموضوع أنه وقت إحرامه كان يدرك الوقوف إن لم يكن مانع، وأما لو أحرم بوقت لا يدرك فيه الحج وجد مانع أم لا، فليس له التحلل لأنه داخل على البقاء على إحرامه.
قوله: [فإن فات فيفعل عمرة] أي بعد زوال المانع عن البيت.
قوله: [كما لو أحرم عالماً بالمانع] تشبيه في كونه لا يتحلل إلا بفعل عمرة.
قوله: لقوله تعالى ﴿فإن أحصرتم﴾ [البقرة: ١٩٦] إلخ: وأجيب بأن الهدي في الآية لم يكن لأجل الحصر، وإنما ساقه بعضهم تطوعاً فأمر بذبحه فلا دليل فيها على الوجوب.
قوله: [ولا تسقط عنه بالتحلل المذكور] أي ولو كان الحصر من عدو أو من حبس ظلماً بخلاف حجة التطوع، فيقضيها إذا كان لمرض أو خطأ عدد أو حبس بحق، وأما لو كان لعدو أو فتنة أو حبس ظلماً فلا يطالب بالقضاء.
قوله: [فإنه يتحلل بالنية متى شاء] أي كما وقع لرسول الله وأصحابه في الحديبية.
стр. 306
باب في بيان الأضحية وأحكامها
وذكرها عقب الحج لمناسبة ذكر الهدي فيه، وهي به أشبه (سن) وتأكد عيناً (لحر) لا رقيق ولو بشائبة (غير حاج) لا لحاج لأن سنته الهدي (و) غير (فقير) فلا تسن على فقير لا يملك قوت عامه
(ولو) كان الحر المذكور (يتيماً) ذكراً أو أنثى، والمخاطب بفعلها عنه وليه من ماله:
(ضحية) نائب فاعل سن (من) ثني (غنم) ضأن أو معز (أو بقر أو إبل) لا غير، وشمل البقر الجواميس والإبل البخت.
(دخل في) السنة (الثانية) راجع للغنم، لكن يشترط في المعز أن يدخل فيها دخولاً بيناً كالشهر بخلاف الضأن، فيكفي مجرد دخول، فلو ولد يوم عرفة أجزأ ضحية في العام القابل، (و) في السنة (الرابعة) راجع للبقر (و) في السنة (السادسة) في الإبل.
ويدخل وقتها الذي لا تجزئ قبله (من ذبح الإمام): أي إمام صلاة العيد، وقيل: المراد به الخليفة أو نائبه. (بعد صلاته والخطبة) فلا تجزيه هو إن قدمها على الخطبة فيدخل وقتها بالنسبة له بفراغه منها بعد الصلاة، وبالنسبة لغيره بفراغه من ذبحه بعدما ذكر (لآخر) اليوم (الثالث) من أيام النحر بغروب الشمس منه، ولا تقضى بعده بخلاف زكاة الفطر فتقضى لأنها واجبة. ثم فرع على قوله من ذبح الإمام إلخ قوله:
ــ
تتمة: لا يلزم المحصور طريق مخوف على نفسه أو ماله بخلاف المأمونة فيلزم سلوكها، وإن بعدت ما لم تعظم مشقتها. واختلف الأشياخ: هل يجوز دفع المال لتخلية الطريق إن كان المدفوع له كافراً أم لا؟ استظهر ابن عرفة جواز الدفع لأن ذلة الرجوع بصده أشد من إعطائه، وأما إن كان المانع مسلماً فيجوز الدفع له باتفاق، ويجب إن قل ولا ينكث، وهذا ما لم يمكن قتاله وإلا جاز قتاله مطلقاً مسلماً أو كافراً باتفاق حيث كان بغير الحرم. وإن كان بالحرم فقولان: إن لم يبدأ بالقتال، وإلا قوتل قطعاً، والله أعلم.
باب في بيان الأضحية وأحكامها [١]
باب لما أنهى الكلام على الربع الأول انتقل يتكلم على الربع الثاني .
والأضحية بضم الهمزة وكسرها مع تشديد الياء فيهما، ويقال ضحية كما سيأتي فلغاتها ثلاث، وسميت بذلك لذبحها يوم الأضحى ووقت الضحى.
قوله: [وذكرها عقب الحج] إلخ: جواب عن سؤال وارد على المصنف: لماذا خالفت أصلك؟ فإنه قدم الزكاة على الأضحية فأجاب بما ذكر.
قوله: [سن وتأكد عيناً] أي على المشهور.
وقيل: إنها واجبة.
قوله: [عيناً] أي على كل واحد بعينه ممن استوفى الشروط الآتية. وتحصل تلك السنة بفعله من ماله أو بفعل الغير نيابة إن تركه معه بالشروط الآتية، أو نوى عنه استقلالاً كما يأتي؛ لأن فعل الغير نيابة منزل منزلة فعله هو لقبولها النيابة.
قوله: [لا رقيق] أي لأن ملكه غير تام فهو فقير حكماً ولو بيده المال.
قوله: [لا لحاج] أي فلا يطالب بضحية كان بمنى أو غيرها، وغير الحاج المستوفي للشروط تسن في حقه كان بمنى أو غيرها، خلافاً لما يوهمه خليل. وغير الحاج يشمل المعتمر، ومن فاته الحج وتحلل منه قبل يوم النحر.
قوله: [فلا تسن على فقير] إلخ: هو معنى قول خليل: "لا تجحف" قال شراحه: أي لا تجحف بمال المضحي بأن لا يحتاج لثمنها في ضرورياته في عامه، فإن احتاج فهو فقير.
قوله: [والمخاطب بفعلها عنه وليه] أي ويقبل قوله في ذلك كما يقبل في زكاة ماله قوله: [ضحية] أي ذبحها إذ لا تكليف إلا بفعل، وسنية تلك الضحية عن نفس الحر المذكور، وعن أبويه الفقيرين وولده الصغير حتى يبلغ الذكر، ويدخل بالأنثى زوجها، لا عن زوجة لأنها غير تابعة للنفقة، بخلاف زكاة فطرها فتجب عليه لتبعيتها لها، كذا في الأصل، قال محشيه: واعلم أنه يخاطب بها فقير قدر عليها في أيامها، وكذا يخاطب بها عمن ولد يوم النحر أو في أيام التشريق، لا عمن في البطن، وكذا يخاطب بها من أسلم في يوم النحر أو بعده في أيام التشريق لبقاء وقت الخطاب بالتضحية، بخلاف زكاة الفطر نقله اللخمي. اهـ.
قوله: [من ثني غنم] إلخ: جار ومجرور متعلق بمحذوف صفة لضحية.
قوله: [دخل في السنة الثانية] المراد بالسنة العربية وهي ثلثمائة وأربعة وخمسون يوماً، لا القبطية وهي ثلثمائة وخمسة أو ستة وستون يوماً كما يفيده الشارح في قوله: فلو ولد يوم عرفة أجزأ ضحية في العام القابل، لأنه لو كان المراد بالسنة القبطية لكانت السنة ناقصة حينئذ اثني عشر أو أحد عشر يوماً كما هو معلوم من علم الفلك.
قوله: [وفي السنة الرابعة] أي ولا يشترط أن يكون الدخول بيناً في جميع المواشي إلا في المعز.
قوله: [أي إمام صلاة العيد]: هذا القول هو الراجح.
قوله: [وقيل المراد به الخليفة]: أي وهو السلطان.
وقوله: [أو نائبه] أي كالباشا في بلد ليس به سلطان، قال في الأصل: ومحل القولين ما لم يخرج إمام الطاعة أضحيته للمصلي وإلا
стр. 307
(فلا تجزئ إن سبقه) أي سبق ذبح الإمام ولو أتم بعده وكذا إن ساواه في الابتداء ولو ختم بعده، بخلاف ما لو ابتدأ بعده وختم بعده أو معه لا قبله قياساً على سلام الإمام في الصلاة، (إلا إذا لم يبرزها) الإمام إلى المصلي (وتحرى) ذبحه وذبح، فتبين أنه سبقه، فتجزئ لعذره ببذل وسعه.
(فإن توانى) الإمام أي تراخى عن الذبح (بلا عذر انتظر قدره) أي قدر ذبحه، وكذا إذا علمنا أنه لا يضحي وظاهره أنه إذا لم ينتظر قدره لم يجز.
(و) إن توانى (له) أي لعذر (فلقرب الزوال) بحيث يبقى للزوال بقدر الذبح لئلا يفوت الوقت الأفضل، لكن الانتظار لقرب الزوال ليس بشرط بل مندوب، والشرط الانتظار بقدر ذبحه.
(ومن لا إمام له) ببلده أو كان من أهل البادية (تحرى) بذبحه (أقرب إمام) له من البلاد، بقدر صلاته وخطبته وذبحه، ولا شيء عليه إن تبين سبقه.
(والأفضل) في الضحايا (الضأن فالمعز فالبقر فالإبل) لأن الأفضل فيها طيب اللحم بخلاف الهدايا، لأن المعتبر فيها كثرته.
(و) الأفضل من كل نوع (الذكر) على أنثاه (والفحل) على الخصي (إن لم يكن الخصي أسمن)، وإلا كان أفضل من الفحل.
(و) الأفضل للمضحي (الجمع بين أكل) منها (وإهداء) لنحو جار (وصدقة) على فقير مسلم (بلا حد) في الثلاثة بثلث أو غيره.
(و) الأفضل من الأيام لذبحها (اليوم الأول) للغروب، وأفضله أوله للزوال، (فأول) اليوم (الثاني) للزوال، (فأول) اليوم (الثالث) للزوال، (فآخر الثاني)، فمن فاته أول الثاني ندب له أن يؤخر لأول الثالث، وقيل: بل آخر الثاني أفضل من أول الثالث.
ثم شرع في بيان شروط صحتها بقوله:
(وشرطها) أي شروط صحتها أربعة:
الأول (النهار) فلا تصح بليل، والنهار (بطلوع الفجر في غير) اليوم (الأول)، وأما اليوم الأول فالشرط للإمام صلاته وخطبته بعد حل النافلة ولغيره ذبح إمامه كما تقدم.
(و) الثاني: (إسلام ذابحها) فلا تصح بذبح كافر أنابه ربها فيه ولو كتابياً وإن جاز أكلها.
(و) الثالث (السلامة من الشرك) أي الاشتراك فيها فإن اشتركوا فيها بالثمن أو كانت بينهم فذبحوها ضحية عنهم لم تجز عن واحد منهم وكثيراً ما يقع في الأرياف أن يكون جماعة كإخوة شركاء في المال، فيخرجوا أضحية عن الجميع فهذه لا تجزئ عن واحد منهم، إلا أن يفصلها واحد منهم لنفسه، ويغرم لهم ما عليه من ثمنها ويذبحها عن نفسه.
(إلا) التشريك (في الأجر قبل الذبح) لا بعده، فيجوز (وإن) شرك في الأجر (أكثر من سبعة)
ــ
اعتبر هو قولاً واحداً.
قوله: [فلا تجزئ إن سبقه] حاصله أن الصور تسع وهي التي تقدمت في الإحرام، والسلام المجزئ منها صورتان هنا وهناك، وحيث لم تجز في تلك الصور كانت شاة لحم يصنع بها ما شاء غير البيع.
قوله: [فتجزئ لعذره] مفهومه أن التحري لذبح الإمام مع الإبراز لا ينفع لتفريطه بسبب تمكنه من العلم.
قوله: [انتظر قدره] فإن انتظر قدر ذبحه وذبح فعل المأمور به.
قوله: [وإن توانى له] إلخ: أي كقتال عدو مثلاً، وهل من العذر طلب الإمام الأضحية بشراء أو نحوه أو لا؟ انظر في ذلك.
قوله: [والشرط الانتظار بقدر ذبحه] أي شرط الصحة لا فرق بين التواني لعذر أو لغيره، ولا تندب الزيادة في الانتظار لقرب الزوال إلا في العذر.
قوله: [ومن لا إمام له ببلده] أي ولا على كفرسخ، بأن كان الإمام خارجاً عن كفرسخ، فالتحري إنما يكون للإمام الخارج عن كفرسخ، وأما لو كان الإمام في داخل كفرسخ، فإنه كإمام البلد فلا يكفي التحري حيث أبرز الإمام أضحيته.
قوله: [والأفضل من كل نوع الذكر على أنثاه] إلخ: يشير إلى المراتب المشهورة وهي ستة عشر مرتبة من ضرب أربعة في مثلها، وذلك أن يقال فحل الضأن فخصيه فخنثاه فأنثاه، ثم فحل المعز فخصيه فخنثاه فأنثاه، ثم فحل البقر على الأظهر فخصيه فخنثاه فأنثاه، ثم فحل الإبل فخصيه فخنثاه فأنثاه، فأعلاها فحول الضأن وأدناها إناث الإبل.
قوله: [والأفضل للمضحي] أي أفضل من التصدق بجميعها وإن كان أشق على النفس وهذا هو المشهور وحديث: «أفضل العبادة أحمزها» ليس كلياً.
تنبيه: يندب ترك حلق الشعر من سائر البدن وترك قلم الأظفار في التسعة الأيام الأول من ذي الحجة لمن يريد الضحية ولو بتضحية الغير عنه، والضحية في يوم العيد وتالييه أفضل من الصدقة، والعتق في تلك الأيام لكونها سنة وشعيرة من شعائر الإسلام، ولو زادت الصدقة والعتق أضعافاً.
قوله: [وقيل بل آخر الثاني أفضل] هذا ضعيف والراجح الأول.
قوله: [فلا تصح بليل] أي لأن الضحايا كالهدايا فلا يجزئ ما وقع منهما ليلاً.
قوله: [فلا تصح بذبح كافر] أي لأنه ليس من أهل القرب.
قوله: [وإن جاز أكلها]: أي والموضوع أن الكافر كتابي وإلا فالمجوسي لا تؤكل ذبيحته.
قوله: [لم تجز عن واحد منهم]: قال في حاشية الأصل: والظاهر أنه لا يجوز بيعها مثل ما إذا ذبح معيباً جهلاً.
قوله: [ويغرم لهم ما عليه] ومثله لو أسقطوا حقهم فيها له قبل الذبح.
قوله: [فيجوز] أي ويسقط طلبها عنه وعن كل من أدخله معه، وإن كان الداخل معه غنياً كما يأتي. وهل يشترط في سقوط الطلب عمن
стр. 308
من الأنفار بشروط ثلاثة: أن يكون قريباً له كابنه وأخيه وابن عمه، ويلحق به الزوجة، وأن يكون في نفقته وأن يكون ساكناً معه بدار واحدة كانت النفقة غير واجبة -كالأخ وابن العم- أو واجبة كأب وابن فقيرين كما هو ظاهر النقول.
وإلى هذه الشروط أشار بقوله: (إن قرب) المشرك بالفتح (له) أي لرب الضحية المشرك بالكسر، (وأنفق عليه) وجوباً كالأب والابن الفقيرين، بل (ولو) كان الإنفاق على ذلك القريب (تبرعاً) كالأخ (إن سكن معه) بدار واحدة وحينئذ (فتسقط) الضحية (عن المشرك) بالفتح، وقال اللخمي: هذه الشروط فيما إذا أدخل غيره معه، وأما لو ضحى عن جماعة لم يدخل نفسه معهم فجائز مطلقاً حصلت الشروط أو بعضها أم لا.
(و) الشرط الرابع: (السلامة) من العيوب البينة وبينها بقوله:
(من عور): فلا تجزئ عوراء ولو كانت صورة العين قائمة (وفقد جزء) كيد أو رجل ولو خلقة (غير خصية) بضم العجمة وكسرها وهي البيضة، وأما فائتها أي الخصي فيجزي إذا لم يكن بها منه مرض بين، وإنما أجزأ لأن الخصاء يعود على اللحم بسمن ومنفعة.
(وبكم وبخر وصمم)، فلا تجزي البكماء وهي فاقدة الصوت ولا البخراء وهي منتنة رائحة الفم، ولا الصماء وهي التي لا سمع لها (وصمع وعجف وبتر) فلا تجزي الصمعاء بالمد: وهي صغيرة الأذنين جداً، ولا عجفاء: وهي التي لا مخ في عظامها لهزالها، ولا بتراء: وهي التي لا ذنب لها (وكسر قرن يدمي) أي لم يبرأ، فإن برئ أجزأت.
(ويبس ضرع) حتى لا ينزل منها لبن، فإن أرضعت ولو بالبعض أجزأت.
(وذهاب ثلث ذنب) فأكثر لا أقل فيجزئ.
(وبين مرض، وجرب وبشم) أي تخمة (وجنون)، وهي فائدة [١] التمييز، (وعرج) فالخفيف في الجميع لا يضر.
(وفقد أكثر من سن لغير إثغار أو كبر)، ففقد السن الواحد لا يضر مطلقاً، وكذا الأكثر لإثغار أو كبر، وأما لغيرهما بضرب أو مرض فمضر (وأكثر من ثلث أذن كشقها) أي الأذن أكثر من الثلث، بخلاف فقد أو شق الثلث فلا يضر في الأذن، بخلاف الذنب كما تقدم فالسلامة من جميع ما ذكر شرط صحة.
(وندب سلامتها من كل عيب لا يمنع) الإجزاء (كمرض خفيف، وكسر قرن لا يدمي) بل برئ.
(و) ندب (غير خرقاء وشرقاء و) غير (مقابلة ومدابرة) الخرقاء: هي التي في أذنها خرق مستدير، والشرقاء: مشقوقة الأذن أقل من الثلث، والمقابلة: ما قطع من أذنها من جهة وجهها وترك معلقاً، والمدابرة: ما قطع من أذنها من جهة خلفها وترك معلقاً
(و) ندب (سمنها) أي كونها سمينة (واستحسانها) أي كونها حسنة في نوعها.
(و) ندب (إبرازها للمصلى) لنحرها، فيه وتأكد على الإمام ذلك ليعلم الناس ذبحه.
ــ
أشركهم معه إعلامهم بالتشريك أو لا؟ قولان الباجي وعندي: أنه يصح له التشريك وإن لم يعلمهم بذلك ولذلك يدخل فيها صغار ولده وهو لا يصح منهم قصد القربة.
قوله: [بشروط ثلاثة]: فإن اختل شرط منها فلا تجزئ عن المشرك بالكسر، ولا عن المشرك بالفتح، قال في حاشية الأصل: والظاهر عدم جواز بيعها كما تقدم.
قوله: [أن يكون قريباً له]: أي بأي وجه من أوجه القرابة، وله أن يقدم بعيد القرابة على قريبها.
قوله: [ويلحق به الزوجة] قال في البيان أهل بيت الرجل الذين يجوز له أن يدخلهم معه في أضحيته أزواجه ومن في عياله من ذوي رحمه، كانوا ممن يلزمه نفقتهم أو ممن لا تلزمه نفقتهم.
قوله: [وأن يكون ساكناً معه] هو ظاهر المدونة والباجي واللخمي.
وخالف ابن بشير فجعل المساكنة لغواً كذا في (بن) نقله محشي الأصل.
قوله: [كما هو ظاهر النقول] رد بذلك على الأصل و (عب) والخرشي حيث قالوا: لا تشترط السكنى إلا إن كان الإنفاق تبرعاً فإن (بن) قال: انظر من أين لهم هذا القيد، ولم أر من ذكره غير ما نقله الطخيخي مستدلاً بكلام ابن حبيب الذي في المواق، ولا دلالة فيه أصلاً. والظاهر من كلام المدونة والباجي واللخمي وغيرهما أن السكنى معه شرط مطلقاً. اهـ. كذا في حاشية الأصل.
قوله: [بدار واحدة] أي بحيث يغلق عليه معه باب وإن تعددت جهات تلك الدار.
قوله: [وحينئذ فتسقط الضحية عن المشرك]: أي فتسقط عنه سنتها إن كان غنياً.
قوله: [وقال اللخمي] إلخ: قال في الأصل: وهي فائدة جليلة.
قوله: [فلا تجزئ عوراء] وهي التي ذهب بصر إحدى عينيها، وكذا ذهاب أكثره، فإن كان بعينها بياض لا يمنعها النظر أجزأت.
قوله: [وأما فائتها أي الخصي فيجزي] إلخ: أي سواء كان خلقة أو بقطع.
قوله: [لا ذنب لها]: أي خلقة أو عروضاً.
قوله: [أي لم يبرأ]: تفسير مراد للإدماء أي فليس المراد بالإدماء حقيقته، بل عدم برئه وإن لم يكن هناك دم.
قوله: [وجنون]: أي إن كان دائماً لا إن لم يدم فلا يضر كما في التوضيح.
قوله: [بخلاف الذنب]: والفرق بينهما أن قطع الذنب يشوهها زيادة على قطع الأذن، لأنه عصب ولحم بخلاف الأذن فهي جلد.
قوله: [شرط صحة]: أي الذي هو الشرط الرابع.
قوله: [وتأكد على الإمام ذلك]: أي إن كان البلد كبيراً.
стр. 309
وكره له دون غيره عدم إبرازها.
(و) ندب للمضحي ولو امرأة (ذبحها بيده).
(وكره) له (نيابة لغير ضرورة).
(وأجزأت) النيابة عن ربها (وإن نوى) النائب ذبحها (عن نفسه) وشبه في الإجزاء قوله: (كذبح كقريب [١]) للمضحي كصديقه وعبده (اعتاده) أي الذبح له.
(لا) ذبح (أجنبي لم يعتده)، فلا يجزي عن المضحي وعليه بدلها [٢] (كغالط) اعتقد أنها له، فإذا هي لغيره (فلا تجزئ عن واحد منهما، وفي) إجزاء ذبح (أجنبي اعتاد) الذبح ولو مرة عن غيره، فذبح، في هذه المرة بلا نيابة معتمداً على عادته (قولان): بالإجزاء وعدمه، وأما قريب لم يعتده فالأظهر من التردد عدم الإجزاء.
(و) كره (قوله) أي المضحي (عند التسمية) للذبح: (اللهم منك وإليك)؛ لأنه لم يصحبه عمل أهل المدينة.
(و) كره للمضحي (شرب لبنها) لأنه نواها لله.
(و) كره (جز صوفها قبل الذبح).
(و) كره (بيعه) أي الصوف إن جزه.
(و) كره (إطعام كافر منها و) كره (فعلها عن ميت) لأنه ليس من فعل الناس.
(ومنع بيع شيء منها) من جلد أو صوف أو عظم أو لحم، ولا يعطي الجزار شيئاً من لحمها في نظير جزارته هذا إن أجزأته ضحية، بل (وإن) لم تجز كأن (سبق الإمام) بذبحها، (أو تعيبت حال الذبح) قبل تمامه، (أو قبله أو ذبح المعيب جهلاً) بالعيب أو بكونه يمنع الإجزاء لأنها خرجت لله تعالى.
(و) منع (البدل) لها أو لشيء منها (بعده) أي الذبح بشيء مجانس للمبدل منه، وإلا كان بيعاً، وقد تقدم، (إلا لمتصدق) عليه، (وموهوب) له فيجوز لهما بيع ما تصدق أو وهب لهما، ولو علم ربها بذلك.
(و) إذا وقع بيع من ربها أو إبدال (فسخ) إن كان المبيع قائماً لم يفت، (فإن فات) المبيع بأكل ونحوه (وجب التصدق بالعوض) إن كان قائماً (مطلقاً) سواء كان البائع هو المضحي أو غيره بإذنه أو لا، (فإن فات) العوض أيضاً بصرف في لوازمه أو غيرها أو بضياعه أو تلفه (فبمثله) يتصدق وجوباً (إلا أن يتولاه) أي البيع (غيره) أي غير المضحي كوكيله أو صديقه أو قريبه (بلا إذن) منه في بيعه (وصرفه) الغير (فيما لا يلزمه) من نفقة عيال أو وفاء دين ونحو ذلك، بأن صرفه في توسعة ونحوها
ــ
قوله: [وكره له دون غيره] إلخ: أي فعدم إبرازها في البلد الكبير يكره للإمام دون غيره من آحاد الناس، وإن كان ابتداء يندب للجميع إبراز ضحاياهم لأجل إظهار الشعيرة.
قوله: [وأجزأت النيابة عن ربها] إلخ: أي إن كان النائب مسلماً كما تقدم، وقوله: وإن نوى النائب ذبحها إلخ أي ولو متعمداً بخلاف الهدي كما تقدم.
قوله: [كغالط]: أي ومن باب أولى المتعمد.
قوله: [فلا تجزئ عن واحد منهما]: ثم إن أخذ المالك قيمتها ممن ذبحها غلطاً فقال ابن القاسم ليس للذابح في اللحم إلا الأكل أو الصدقة، لأن ذبحه على وجه الضحية وإن أخذ المالك اللحم، فقال ابن رشد: يتصرف فيه كيف شاء لأنه لم يذبحه على وجه التضحية به.
قال في الحاشية: ومحل كونها لا تجزئ عن واحد إذا ذكاها الغير غلطاً ما لم يكن ربها ناذراً لها وإلا أجزأت عن نذره سواء كانت معينة أو مضمونة. اهـ. بقي ما إذا ذبح أضحية غيره عمداً عن نفسه من غير استنابة وفيها تفصيل، فإن كان ربها نذرها وكانت معينة أجزأته وسقط النذر، وإن كانت مضمونة فالنذر باق في ذمته، وإن كان ربها لم يحصل منه نذر فلا تجزئ عن واحد كما تقدم بالأولى من الغالط. ولكن ذكر ابن محرز عن ابن حبيب عن أصبغ إجزاءها عن الذابح، ويضمن قيمتها لربها، والفرق على هذا بين العامد والغائط أن العامد داخل على ضمانها فكأنه ملكها قبل الذبح بالاستيلاء عليها فتدبر.
قوله: [لأنه لم يصحبه عمل أهل المدينة] جواب عن سؤال قائل: كيف يكره ذلك والنبي قاله، فأجاب بما ذكر.
قوله: [شرب لبنها] أي ولو نواه حين الأخذ.
قوله: [لأنه نواها لله]: أي والإنسان لا يعود في قربته. قوله: [جز صوفها]: أي لما فيه من نقص جمالها ومحل كراهة جز الصوف
إن لم يكن الزمان متسعاً بحيث ينبت مثله أو قريب منه قبل الذبح، ولم ينو الجز حين أخذها وإلا فلا كراهة.
قوله: [وكره إطعام كافر منها] ظاهره ولو لم يرسل له في بيته وأكل في عياله وهو الذي قاله ابن حبيب، وفصل ابن رشد فجعل محل الكراهة إن أرسل له في بيته، وأما في عياله فلا كراهة، واستظهر في الأصل كلام ابن حبيب فلذلك اقتصر عليه هنا.
قوله: [وكره فعلها عن ميت] أي إن لم يكن عينها قبل موته، وإلا فيندب للوارث إنفاذها، وكذا يكره التغالي في ثمنها زيادة على عادة أهل البلد لأن ذلك مظنة المباهاة، وتكره أيضاً العتيرة - كجبيرة - وهي: شاة كانت تذبح في الجاهلية لرجب، وكانت أول الإسلام ثم نسخ ذلك بالضحية.
قوله: [أو تعيبت حال الذبح] إلخ: أي وذبحها بالفعل، وإلا فلو أبقاها حية جاز له فيها البيع وغيره، لأنها لا تتعين إلا بالذبح.
قوله: [بعده] أي الذبح أي وأما قبله فليس الإبدال بممنوع ما لم تكن منذورة بعينها.
قوله: [سواء كان البائع هو المضحي أو غيره] إلخ: تفسير للإطلاق فتحته ثلاث صور.
قوله: [فإن فات العوض]: أي كما فات المبيع.
قوله: [فبمثله يتصدق]: أي إن كان مثلياً وإلا فبقيمته إن كان مقوماً.
стр. 310
فلا يلزمه التصدق بمثله حينئذ.
ومفهومه: أنه لو صرفه غيره فيما يلزمه لوجب التصدق بمثله كما لو تولاه هو أو غيره بإذنه صرف فيما يلزمه أولاً، وهو ما قبل الاستثناء.
(كأرش عيب لا يمنع الإجزاء) ولم يطلع عليه إلا بعد ذبحها فالأرش المأخوذ من البائع في نظيره يجب التصدق به ولا يتملكه لأنه في معنى البيع فإن كان العيب يمنع الإجزاء، كالعور يجب التصدق بأرشه لأن عليه بدلها لعدم إجزائها.
و(إنما تتعين) ضحية يترتب عليها أحكامها (بالذبح) لا بالنذر ولا بالنية ولا بالتمييز لها، فإن حصل لها عيب بعدما ذكر لم تجز ضحية ولم تتعين للذبح، فله أن يصنع بها ما شاء بخلاف ما إذا لم تتعيب فيجب ذبحها بنذرها وقيل: تتعين بالنذر، فإن تعينت بعده تعين ذبحها ضحية.
فصل: في العقيقة وأحكامها
وهي ما تذبح من النعم في سابع ولادة المولود، وبدأ ببيان حكمها الأصلي بقوله: (العقيقة مندوبة) على الحر القادر.
(وهي كالضحية) في السن وفيما يجزئ وفيما لا يجزئ وفي كونها من بهيمة الأنعام.
تذبح (في سابع الولادة نهاراً) من طلوع الفجر فلا تجزئ ليلاً.
(وألغي يومها) أي الولادة (إن ولد نهاراً) بعد الفجر فلا يعد من السبعة فإن ولد قبله أو معه حسب منها (وتسقط بغروبه) أي السابع كما تسقط الأضحية بغروب اليوم الثالث (وتعددت) العقيقة (بتعدده) أي المولود فلكل مولود ذكر وأنثى عقيقة واحدة.
(وندب ذبحها بعد) طلوع (الشمس و) ندب (حلق رأسه) يومها.
(و) ندب (التصدق بزنة شعره) أي المولود (ذهباً أو فضة و) ندب (تسمية) أي المولود (يومها) أي العقيقة وخير الأسماء ما عبد أو حمد فإن، لم يعق عنه سمي في أي يوم شاء.
(وكره ختانه فيه): أي في السابع لأنه من فعل اليهود.
(و) كره (لطخه بدمها) لأنه من فعل الجاهلية.
(و) كره (عملها وليمة) بأن يجمع عليها الناس كوليمة العرس، بل يتصدق منها ويطعم منها الجار في بيته، ويهدي منها ويأكل كالضحية.
(وجاز كسر عظامها) خلافاً
ــ
قوله: [فلا يلزمه التصدق بمثله حينئذ]: حاصل المسألة عند فوات العوض أن الصور ست يتصدق عليه بمثل العوض إن كان مثلياً، وقيمته إن كان مقوماً في خمس وهي ما إذا تولى البيع المضحي أو غيره بإذنه، سواء صرف فيما يلزم المضحي أم لا، أو تولاه الغير بغير إذنه وصرفه فيما يلزم المضحي وأما لو تولاه الغير بغير إذنه وصرفه فيما لا يلزم المضحي فلا شيء على المضحي.
قوله: [لا بالنذر] أي لقول المقدمات: لا تجب الأضحية إلا بالذبح وهو المشهور في المذهب. اهـ. وهذا في الوجوب الذي يلغي طرو العيب بعده كما ذكره ابن رشد وابن عبد السلام، وأفاده الشارح، فإن نذرها ثم أصابها عيب قبل الذبح فإنها لا تجزئ كما قال ابن [١] عبد السلام، لأن تعيين المكلف والتزامه لا يرفع ما طلب منه الشارع فعله يوم الأضحى من ذبح شاة سليمة من العيوب. بخلاف طرو العيب في الهدي بعد التقليد، فإنه يجب ذبحه وإن كان معيباً هذا هو المراد. وليس المراد عدم وجوب الضحية بالنذر مطلقاً بل نذرها يوجب ذبحها ويمنع بيعها وبدلها.
قوله: [فله أن يصنع بها ما شاء] أي ولا يجب عليه عوض حيث كانت معينة، غاية ما هناك يطالب بسنة الضحية إن كان غنياً.
قوله: [وقيل: تتعين بالنذر]: أي فيكون نذرها كتعيين الهدي بالتقليد.
تتمة: يجوز إبدال الضحية بدونها وبمساويها هذا إذا كان الإبدال اختيارياً، بل وإن كان اضطرارياً كاختلاط لها مع غيرها. لكن يكره له ترك الأفضل لصاحبه إلا بقرعة فلا يكره؛ لكن يندب له ذبح أخرى أفضل منها. ويكره له ذبحها. فإن أخذ الدون بلا قرعة وذبحه ففيه كراهتان، ويجوز أيضاً أخذ عوض الضحية إن اختلطت بعد الذبح عند ابن عبد السلام، قال: لأن هذا لا يقصد. به المعاوضة ولأنها شركة ضرورية، فأشبهت شركة الورثة في لحم أضحية مورثهم فإنه يجوز للورثة قسمها على حسب المواريث، ولو ذبحت لكن بعد الذبح بالقرعة لأنها تمييز حق بالتراضي، لأنها بيع، ويجوز بيعها في دين على الميت ما لم تذبح.
فصل: في العقيقة وأحكامها [٢]
قوله: [من طلوع الفجر]: جعل ابن رشد الوقت ثلاثة أقسام: مستحباً وهو من الصحوة للزوال، ومكروهاً وهو بعد الزوال للغروب وبعد الفجر لطلوع الشمس، وممنوعاً وهو الليل فلا تجزئ إذا ذبحت فيه.
قوله: [وتسقط بغروبه] أي ولو كان الأب موسراً فيه، وقيل: لا تفوت بفوات الأسبوع الأول، بل تفعل يوم الأسبوع الثاني، فإن لم تفعل ففي الأسبوع الثالث، ولا تفعل بعده. وعند الشافعية لا تسقط أصلاً، فإن لم يفعلها أبوه طولب بها هو بعد البلوغ.
قوله: [عقيقة واحدة] خلافاً لمن قال: يعق عن الأنثى بواحدة، وعن الذكر باثنتين، فلو ولد توأمان في بطن واحد عق عن كل واحد منهما واحدة.
قوله: [وندب حلق رأسه] إلخ: أي ولذا قال الأجهوري:
стр. 311
لما كان عليه الجاهلية.
(و) جاز (تلطيخه) أي المولود (بخلوق) أي طيب بدلاً عن الدم الذي كانت تفعله الجاهلية.
(والختان) للذكر (سنة مؤكدة)، وقال الشافعي: واجب.
(والخفاض في الأنثى مندوب كعدم النهك) لقوله ﷺ لمن تخفض الإناث: «اخفضي ولا تنهكي» أي لا تجوري في قطع اللحمة الناتئة بين الشفرين فوق الفرج، فإنه يضعف بريق الوجه ولذة الجماع، والله أعلم. ولما تقدم ذكر الهدايا والضحايا والعقيقة وكان يتوصل لحل أكلها بالذكاة شرع في بيانها فقال:
باب في بيان حقيقة الذكاة وأنواعها وشروطها
ومن تصح منه ومن لا تصح منه، وما يتعلق بذلك
(الذكاة) مبتدأ وقوله: "أنواع" خبره اعترض بينهما ببيان حقيقتها بقوله: (وهي السبب الموصل لحل أكل الحيوان) البري؛ إذ البحري لا يحتاج لها كما يأتي (اختياراً) أي في حال الاختيار ضد الاضطرار (أنواع) أربعة:
الأول (ذبح) في البقر والغنم والطيور والوحوش المقدور عليها ما عدا الزرافة.
(وهو): أي الذبح أي حقيقته: (قطع مميز) من إضافة المصدر لفاعله، خرج غير المميز لصغر أو جنون أو إغماء أو سكر، فلا يصح ذبحه لعدم القصد الذي هو شرط في صحتها (مسلم أو) كافر (كتابي) خرج الكافر غير الكتابي كالمجوسي والمشرك والدهري والمرتد، فلا تصح ذكاتهم، وشمل الكتابي النصراني واليهودي، فتصح منهم بالشروط الآتية:
(جميع الحلقوم): وهو القصبة التي يجري فيها النفس بفتح الفاء فلا يكفي بعضه ولا المغلصمة.
ــ
في سابع المولود ندباُ يفعل ... عقيقة وحلق رأس أول
ووزنه نقداُ تصدقن به ... وسمه وإن يمت من قبله
إن عنه قد عق وإلا سمي ... في أي يوم شاءه المسمي
وكل ذا في سابع والختن في ... زمان الأمر بالصلاة فاعرف
قوله: [لمن تخفض الإناث]: أي وهي أم عطية فإنه قال لها: «اخفضي ولا تنهكي فإنه أسرى للوجه وأحظى عند الزوج» أي لا تبالغي، وأسرى أي أشرف للونه، وأحظى أي ألذ عند الجماع، لأن الجلدة تشتد مع الذكر عند كمالها فتقوى الشهوة لذلك، قال الخرشي: ويستحب أن يسبق إلى جوف المولود الحلاوة كما فعل ﵊ لعبد الله بن طلحة.
تتمة: إن بلغ الشخص قبل الختان وخاف على نفسه من الختان فهل يتركه أو لا؟ قولان أظهرهما الترك، لأن بعض الواجبات يسقط بخوف الهلاك، فالسنة أحرى ولا يجوز للبالغ أن يكشف عورته لغيره لأجل الختان، بل إن لم يمكنه الفعل بنفسه سقطت السنة، وسقوطها عن الأنثى أولى بذلك، فإن ولد مختوناً فقيل يمر الموسى، فإن بقي ما يقطع قطع، وقيل قد كفى المؤنة واستظهر كذا في الحاشية.
باب في بيان حقيقة الذكاة وأنواعها [١]
هي لغة التمام، يقال ذكيت الذبيحة إذا أتممت ذبحها، والنار إذا أتممت إيقادها، ورجل ذكي تام الفهم، وشرعاً: هو حقيقتها التي قالها المصنف.
قوله: [وأنواعها]: سيأتي أنها أربعة.
قوله: [وشروطها]: أي السبعة التي سيذكرها المصنف من قوله: (مميز) إلى قوله: (بنية).
قوله: [ومن تصح منه]: وهو من استوفى الشروط.
وقوله: [ومن لا تصح منه]: أي وهو من اختل منه الشروط أو بعضها.
قوله: [الذكاة مبتدأ] أراد بها الجنس فلذلك أخبر عنها بقوله: (أنواع).
قوله: [وهي السبب]: أي الشرعي لا العادي ولا العقلي، لأنه أمر تعبدنا به الشارع، وإن لم نعقل له معنى.
قوله: [البري]: أي وإن لم يكن له نفس سائلة كالجراد فإنه يفتقر في حل أكله لها كما يأتي.
قوله: [أي في حال الاختيار]: أشار به إلى أن اختياراً منصوب على الحال من الأكل يحترز به عن حالة الاضطرار، فلا يتوقف الحل على ذلك السبب.
قوله: [في البقر]: مراده ما يشمل الجاموس، فالأصل فيها الذبح، ويجوز فيها النحر بكره ولو وحشية، وأما الغنم والطيور والوحوش غير البقر فيتعين فيها الذبح.
قوله: [المقدور عليها]: يحترز عن غير المقدور عليها فيكفي فيها العقر وهو أحد الأنواع الأربعة.
قوله: [ما عدا الزرافة]: أي والفيل فإنهما ينحران كالإبل.
قوله: [الذي هو شرط في صحتها]: أي وهو قصد الذكاة الشرعية وإن لم يقصد حلها، وهذا هو النية الآتية.
قوله: [مسلم أو كافر كتابي]: هو معنى قول خليل: " يناكح " كما حل به شراحه، وعبارة المصنف أوضح من عبارة خليل.
قوله: [بالشروط الآتية]: أي وهي قوله أن يذبح ما يحل له بشرعنا إلخ، وظاهر كلامه أنها تصح من الكتابي بالشروط الآتية، وإن كان أصله مجوسياً وتهود، أو يهودياً بدل وغير كالسامرية فرقة من اليهود،
стр. 312
كما يأتي.
(و) جميع (الودجين) وهما عرقان في صفحتي العنق يتصل بهما أكثر عروق البدن، ويتصلان بالدماغ فهما من المقاتل، فلو قطع أحدهما وأبقي الآخر أو بعضه لم تؤكل. ولا يشترط قطع المريء المسمى بالبلعوم وهو عرق أحمر تحت الحلقوم متصل بالفم ورأس المعدة يجري فيه الطعام إليها، واشترطه الشافعي. (من المقدم): متعلق بقطع؛ فلا يجزئ القطع من القفا، لأنه ينقطع به النخاع المتصل بالرقبة وسلسلة الظهر قبل الوصول إلى الحلقوم والودجين، فتكون ميتة. وأما لو ابتدأ من صفحة العنق ومال بالسكين إلى الصفحة الثانية فتؤكل إذا لم ينخعها ابتداء. فإذا لم تساعده السكين على قطع الحلقوم والودجين فقلبها وأدخلها تحت الأوداج والحلقوم وقطعها، فقال سحنون وغيره: لم تؤكل كما يقع كثيراً في ذبح الطيور من الجهلة.
(بمحدد): متعلق بـ "قطع"، وسواء كان المحدد من حديد أو من غيره كزجاج وحجر له حد وبوص؛ احترازاً من الدق بحجر ونحوه، أو النهش أو القطع باليد فلا يكفي.
(بلا رفع) للآلة (قبل التمام)، أي تمام الذبح (بنية) الباء للمصاحبة: أي قطع مصاحب لنية وقصد لإحلالها؛ احترازاً عما لو قصد مجرد موتها، أو قصد ضربها فأصاب محل الذبح، أو كان القاطع للمحل غير مميز فلا تؤكل، فإن رفع يده قبل التمام وطال عرفاً ثم عاد وتمم الذبح لم تؤكل إن كان أنفذ بعض مقاتلها، بأن قطع ودجاً أو بعض الودجين.
(ولا يضر يسير فصل)، أي كما لو رفع يده لعدم حد السكين وأخذ غيرها أو سنها ولم يطل الفصل، (ولو رفعها اختياراً): والحاصل أنه إن طال الفصل ضر مطلقاً رفع اختياراً أو اضطراراً وإن لم يطل لم يضر مطلقاً. والطول معتبر بالعرف؛ وهذا إذا أنفذ بعض مقاتلها، وإلا فلا يضر مطلقاً في الأربع صور، لأن الثانية حينئذ ذكاة مستقلة، لكن تحتاج إلى نية وتسمية إن طال، لا إن لم يطل وقطع الحلقوم ليس من المقاتل.
وإذا علمت أنه لا بد من قطع جميع الحلقوم (فلا تجزئ مغلصمة): وهي ما انحازت الجوزة فيها لجهة البدن، لأن القطع حينئذ صار فوق الحلقوم؛ فالشرط أن يبقي الجوزة أو بعضها
ــ
ولا الصابئين وإن كان أصلهم نصارى، لكن لعظم مخالفتهم للنصارى ألحقوا بالمجوس، كذا قال أهل المذهب.
قوله: [كما يأتي] راجع لقطع بعض الحلقوم والمغلصمة.
قوله: [وأبقى الآخر أو بعضه لم تؤكل] أي باتفاق.
قوله: [ولا يشترط قطع المريء] بوزن أمير.
قوله: [واشترطه الشافعي] فيجب على المالكي إن باع الذبيحة التي لم يقطع فيها المريء لشافعي البيان وكذا لو ضيفه عليها.
قوله: [فلا يجزئ القطع من القفا] أي سواء كان القطع في ضوء أو ظلام، قال في التوضيح: لو ذبح من القفا في ظلام وظن أنه أصاب وجه الذبح، ثم تبين له خلاف ذلك لم تؤكل.
قوله: [لأنه يقطع به النخاع] هو مخ أبيض في فقار العنق والظهر.
قوله: [فإذا لم تساعده السكين] لا مفهوم له، بل لو فعل ذلك ابتداء مع كون السكين حادة لم تؤكل على المعتمد لمخالفة سنة الذبح.
قوله: [أو من غيره]: أي ما عدا السن والعظم وسيأتي فيهما الخلاف.
قوله: [وقصد لإحلالها] ظاهره أنه تفسير للنية وقد تبع في ذلك الخرشي وهو خلاف المعتمد، بل المعتمد أن معناها قصد التذكية الشرعية، ولا يشترط أن ينوي تحليلها بذلك؛ لأنه حاصل وإن لم ينوه وذكره للمحترزات يفيد المعتمد، وسيأتي يصرح بذلك المعتمد.
قوله: [والطول معتبر بالعرف] أي ولا يحد بثلثمائة باع كما قال بعضهم -أخذاً من فتوى ابن قداح- في ثور أضجعه الجزار وجرحه فقام هارباً والجزار وراءه، ثم أضجعه ثانياً وكمل ذبحه فأفتى ابن قداح بأكله، وكانت مسافة الهروب ثلثمائة باع؛ لأنه قال في الأصل: هذا التحديد لا يوافقه عقل ولا نقل، على أن فتوى ابن قداح لا دلالة فيها على التحديد بمسافة القرب لاحتمال أن الذبيحة لم تكن منفوذة المقاتل، وسيأتي أنها تؤكل مطلقاً عاد عن قرب أو بعد. تأمل.
قوله: [وإلا فلا يضر مطلقاً في الأربع صور] ظاهر الشارح أن الصور ثمان؛ أربع في منفوذ المقاتل، وأربع في غيره وهو صحيح. ولك أن تجعلها ستة عشر بأن تقول: إذا عاد عن قرب أكلت مطلقاً؛ أنفذت المقاتل أم لا، رفع اختياراً أو اضطراراً، كان العائد الأول أو غيره، فهذه ثمانية. وأما إن عاد عن بعد فإن لم تنفذ المقاتل أكلت مطلقاً رفع اختياراً أو اضطراراً كان العائد الأول أو غيره؛ فهذه أربع إذا نفذت لم تؤكل مطلقاً، رفع اختياراً أو اضطراراً، كان العائد الأول أو غيره؛ فهذه أربع فتؤكل في اثني عشر ولا تؤكل في أربع.
قوله: [لكن تحتاج إلى نية وتسمية إن طال] هذا إذا كان العائد للذبح هو الأول، وأما لو عاد للذبح غير الأول فلا بد من نية وتسمية مطلقاً طال أم لا.
قوله: [أن يبقي الجوزة]: ظاهره أن يتأتى انحيازها كلها لجهة الرأس، وهو خلاف المشاهد ولذلك قال في المجموع، ولا يتأتى انحيازها كلها للرأس. وقد يقال: كلام شارحنا في انحياز ما ظهر منها، وهو متأت بأن يجعل
стр. 313
كدائرة حلقة الخاتم جهة الرأس حتى يصدق عليه أنه قطع الحلقوم. وقطع الحلقوم شرط عند الشافعية أيضاً فالمغلصمة لا تجزئ عندهم أيضاً؛ خلافاً لما في بعض الشراح أنها تؤكل عند الشافعية، وصار الناس يقلدونه إن نزلت بهم هذه النازلة وهو نقل خطأ لا أصل له. نعم عند الحنفية تؤكل لعدم اشتراط قطع الحلقوم عندهم.
(ولا) يجزئ (نصف الحلقوم): أي قطعه (على الأصح) من الخلاف، ومن ذلك ما لو بقي قدر نصف الدائرة من الجوزة لجهة الرأس، بأن كان المنحاز لجهة الرأس مثل القوس فإنه لا يكفي على الأصح والموضوع أنه قطع جميع الودجين وإلا فلا يكفي قطعاً.
(و) النوع الثاني (نحر) لإبل وزرافة ويجوز بكره في بقر كما يأتي.
(وهو) أي النحر (طعن [١]): أي للمميز المسلم بمسن (بلبة) بفتح اللام: وهي النقرة التي فوق الترقوة وتحت الرقبة؛ بلا [٢] رفع قبل التمام ولا يضر يسير فصل ولو رفع اختياراً كما تقدم في الذبح، فلا يشترط فيه قطع الحلقوم والودجين.
(وشرط) ذبح (الكتابي: أن يذبح ما يحل له بشرعنا) من غنم وبقر وغيرهما، (وأن لا يهل به) بأن يجعله قربة (لغير الله) بأن يذكر عليه اسم غير الله فإن أهل به لغير الله [٣]: بأن قال: باسم المسيح أو العذراء لم يؤكل وأولى لو قال باسم الصنم، (ولو استحل الميتة) أي أكلها.
(فالشرط) في جواز أكل ذبيحته: (أن لا يغيب) حال ذبحها عنا، بل لا بد من حضور مسلم عارف بالذكاة الشرعية خوفاً من كونه قتلها أو نخعها أو سمى عليها غير الله (لا تسميته) فلا تشترط، بخلاف المسلم فتشترط كما يأتي، فعلم أن ما حرم عليه بشرعنا لم يؤكل إن ذبحه أو نحره وهو كل ذي ظفر إذا ذبحه يهودي أو نحره. والمراد بذي الظفر: ما له جلدة بين أصابعه كالإوز والإبل، بخلاف الدجاج ونحوه. (وكره) لنا (ما حرم عليه بشرعه) إذا ذبحه بأن أخبرنا بأنه يحرم عليه في شرعه الدجاج مثلاً.
(و) كره لنا (شراء ذبحه) بالكسر: أي مذبوحه أي ما ذبحه لنفسه مما يباح له أكله عندنا.
(و) كره (جزارته): أي جعله جزاراً في الأسواق، أو في بيت من بيوت المسلمين لعدم نصحه لهم. (كبيع) لطعام أو غيره (وإجارة) لدابة أو سفينة أو حانوت أو بيت (لكعيده [٤]) مما يعظم به شأنه، فيكره لأنه من قبيل إعانتهم على الضلال وإشهار أديانهم.
(و) كره لنا (شحم يهودي) أي أكله من بقر وغنم ذبحها لنفسه، أي الشحم الخالص لا المختلط بالعظم ولا ما حملته ظهورهما ولا ما حملته الحوايا أي الأمعاء، فإن الله تعالى استثنى ذلك فهي كاللحم، فيجوز أكلها ويكره شراؤها كاللحم.
(و) كره (ذبح) بالكسر: أي مذبوح (لعيسى) ﵇ أي لأجله (أو) لأجل (الصليب): أي للتقرب به لهما كما يتقرب المسلم بذبح لنبي أو ولي لقصد الثواب، وإن لم يسم الله؛ وإنما يضر تسمية عيسى أو الصليب كما تقدم.
ــ
القطع من أسفل العنق.
قوله: [كدائرة حلقة الخاتم]: أي ولو دقت.
قوله: [فإن لا يكفي على الأصح]: أي وهو مذهب سحنون والرسالة، والقول بالإجزاء لابن القاسم في العتبية.
قوله: [وإلا فلا يكفي قطعاً] أي باتفاق ابن القاسم وسحنون.
قوله: [لإبل وزرافة] أي وقيل كما تقدم.
قوله: [أي للمميز المسلم] أي ولكتابي بشروطه.
قوله: [فوق الترقوة] وجمعها تراق قال الجلال في تفسير عظام الحلق.
قوله: [فلا يشترط فيه قطع] إلخ: أي ولا يؤمر بذلك.
قوله: [بأن يجعله قربة لغير الله]: أي وأما ما ذبحوه بقصد أكلهم منه ولو في أعيادهم، ولكن سمى عليه اسم عيسى أو الصنم تبركاً فهذا يكره أكله كما يأتي.
والحاصل: أن ذبح أهل الكتاب إن ذبحوه لأنفسهم بقصد أكلهم ولو في أعيادهم وأفراحهم، فيؤكل مع الكراهة تبركوا فيه باسم عيسى أو الصنم كما يتبرك أحدنا بذكر الأنبياء والأولياء وسيأتي إيضاح ذلك في الشرح. وقال في المجموع: ما ذبحوه لعيسى وصليب وصنم إن ذكروا عليه اسم الله أكل، ولو قدموا غيره لأنه يعلو ولا يعلى عليه، وإلا فإن قصدوا إهداء الثواب من الله فكذلك يؤكل بمنزلة الذبح لولي، وإن قصدوا التقريب والتبرك بالألوهية أو تحليلها بذلك حرم أكلها. اهـ. قوله: [بأن قال باسم المسيح أو العذراء لم يؤكل] أي حيث لم يجمع معه ذكر الله، وإلا أكل كما علمت من عبارة المجموع.
قوله: [أن لا يغيب حال ذبحها عنا]: فإن غاب عنا لم تؤكل وهذا التفصيل هو المشهور من المذهب، قال ابن رشد القياس أنه إذا كان يستحل أكل الميتة أنه لم تؤكل ذبيحته، ولو لم يغب عليها لأن الذكاة لا بد فيها من النية، وإذا استحل الميتة فكيف ينوي الذكاة وإن ادعى أنه نواها فكيف أنه يصدق، وقبله ابن ناجي وابن عرفة. اهـ.
قوله: [كالإوز والإبل]: أي وكذا حمار الوحش والنعام وكل ما كان ليس بمشقوق الخف ولا مفتوح الأصابع، قال البيضاوي كل ذي ظفر أي كل ذي مخلب وحافر، ويسمى الحافر ظفراً مجازاً، ولذلك دخلت حمر الوحش. اهـ. من حاشية الأصل.
قوله: [الدجاج مثلا]: أي وكالطريفة وهي أن توجد الشاة بعد الذبح فاسدة الرئة فإنهم يقولون بحرمتها عندهما.
قوله: [لأنه من قبيل إعانتهم على الضلال]: أي ومحل الكراهة أن يقصد المسلم الإعانة والإشهار وإلا حرم، بل ربما كفر والعياذ بالله.
قوله: [فإن الله تعالى استثنى ذلك]: أي حيث قال: ﴿إلا ما حملت
стр. 314
وقيل: ولو ذكر في هذا اسم الصليب فلا يضر، وإنما المضر إخراجه قربة لذات غير الله لأنه الذي أهل به لغير الله.
(و) كره (ذكاة خنثى وخصي) ومجبوب (وفاسق): لنفور النفس من أفعالهم غالباً بخلاف المرأة والصبي والكتابي إن ذبح لنفسه ما يحل له بشرعنا وبشرعه، وأما ذبحه لمسلم وكله على ذبحه ففي جواز أكله وعدمه قولان، والراجح الكراهة.
(و) النوع الثالث من أنواع الذكاة: (عقر: وهو جرح مسلم مميز) لا غيره كسكران ومجنون وصبي حيواناً (وحشياً غير مقدور عليه إلا بعسر) خرج المقدور عليه بسهولة، فلا يؤكل بالعقر، قال فيها: من رمى صيداً فأثخنه حتى صار لا يقدر على الفرار ثم رماه آخر فقتله لم يؤكل اهـ، أي لأنه صار أسيراً مقدوراً عليه.
(لا كافر ولو كتابياً) فلا يؤكل صيده ولو سمى الله عليه، لأن الصيد رخصة والكافر ليس من أهلها، وهذا محترز "مسلم".
وذكر محترز "وحشياً" بقوله: (ولا إنسياً) من بقر أو إبل أو إوز أو دجاج (شرد) فلم يقدر عليه فلا يؤكل بالعقر، (أو تردى) أي سقط (بحفرة) فلم يقدر على ذبحه أو نحره فلا يؤكل بالعقر. (بمحدد): متعلق بـ "جرح"، وسواء كان المحدد سلاحاً أو غيره -كحجر له سن فهو- أعم من قوله: "بسلاح محدد". واحترز به عن العصا والحجر الذي لا حد له، والبندق: أي البرام الذي يرمي بالقوس فلا يؤكل الصيد بشيء من ذلك إذا مات منه أو أنفذ مقتله. وأما صيده بالرصاص فيؤكل به لأنه أقوى من السلاح كما أفتى به بعض الفضلاء، واعتمده بعضهم.
(أو حيوان): عطف على "محدد": أي جرحه بمحدد أو بحيوان (علم) بالفعل كيفية الاصطياد، والمعنى: هو الذي إذا أرسل أطاع
ــ
ظهورهما﴾ [الأنعام: ١٤٦] الآية.
قوله: [وقيل ولو ذكر] إلخ: قائله (بن).
قوله: [وفاسق]: أي سواء كان فسقه لجارحة كتارك الصلاة أو بالاعتقاد كبدعي لم يكفر ببدعته.
قوله: [بخلاف المرأة والصبي] ما ذكره من جواز ذكاتهما، قال (ح) هو المشهور ومذهب المدونة وفي الموازية كراهة ذبحهما، وعليه اقتصر ابن رشد في سماع أشهب، فهما قولان. ومثل المرأة الأغلف فلا تكره ذكاته كما جزم به (ح) وقيل: تكره.
قوله: [والراجح الكراهة] اعلم أن الخلاف المذكور جار في ذبح الكتابي ما يملكه المسلم بتمامه أو شركة بينه وبين الكتابي الذابح. وأما ذبح الكتابي لكتابي آخر فحكمه أنه إن ذبح ما لا يحل لكل منهما اتفق على عدم صحة ذبحه، وإن ذبح ما يحل لكل منهما اتفق على صحة ذبحه وجاز أكل المسلم منه، وإن ذبح ما يحل لأحدهما دون الآخر فالظاهر اعتبار حال الذابح.
قوله: [جرح مسلم] إلخ: أي إدماؤه ولو بأذن، والحال أنه مات من ذلك الجرح أو أنفذت مقاتله، فإن لم يحصل إدماء لم يؤكل ولو شق الجلد؛ وسواء كان المسلم الجارح ذكراً أو أنثى بالغاً أو غيره. ويعتبر كونه مسلماً مميزا حال إرسال السهم أو الحيوان، وحال الإصابة فلو تخلف واحد منهما بعد الإرسال وقبل الإصابة فإنه لا يؤكل قياساً على قولهم في الجناية: معصوم من حين الرمي للإصابة، ويحتمل أن يقال بأكله لأن ما هنا أخف، ألا ترى الخلاف هنا في اشتراط الإسلام، فإن أشهب وابن وهب لا يشترطان الإسلام كذا في حاشية الأصل.
قوله: [غير مقدور عليه إلا بعسر]: أي عجز عن تحصيله في كل الأحوال إلا في حال العسر والمشقة، ولو كان ذلك الوحش المعجوز عنه تأنس ثم توحش.
قوله: [لأنه صار أسيراً] إلخ: أي وحينئذ فيضمن هذا الذي رماه قيمته للأول مجروحاً.
قوله: [والكافر ليس من أهلها] أي وسياق الآية وهي قوله تعالى: ﴿وما علمتم من الجوارح﴾ [المائدة: ٤] خطاب للمؤمنين فإنه قال بعد ذلك: ﴿وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم﴾ [المائدة: ٥] كذا يؤخذ من المجموع.
قوله: [ولا إنسياً] إلخ: حاصله أن جميع الحيوانات المستأنسة إذا شردت وتوحشت فإنها لا تؤكل بالعقر عملاً بالأصل، وهذا هو المشهور. ومقابله ما لابن حبيب إن توحش غير البقر لم يؤكل بالعقر، وإن توحش البقر جاز أكله بالعقر، لأن البقر لها أصل في التوحش ترجع إليه أي لشبهها ببقر الوحش.
قوله: [أو إوز أو دجاج]: أي وأما الحمام البيتي فقد تقدم في آخر باب الحج أن الحمام كله صيد، وحينئذ إذا توحش أكل بالعقر بخلاف النعم.
فإنها لا تؤكل بالعقر، ولو توحشت عملاً بالأصل فيها وقد نقله المواق عن ابن حبيب. اهـ. (بن).
قوله: [فلم يقدر على ذبحه أو نحره فلا يؤكل] إلخ: ما ذكره من عدم أكل المتردي بالعقر هو المشهور، وقال ابن حبيب: يؤكل المتردي المعجوز عن ذكاته مطلقاً بقراً أو غيره بالعقر صيانة للأموال.
قوله: [واعتمده بعضهم]: حاصله أن الصيد ببندق الرصاص لم يوجد فيه نص للمتقدمين لحدوث الرمي به بحدوث البارود في وسط المائة الثامنة، واختلف فيه المتأخرون، فمنهم من قال بالمنع قياساً على بندق الطين، ومنهم من قال بالجواز كأبي عبد الله القروي وابن غازي وسيدي عبد الرحمن الفاسي، لما فيه من إنهار الدم والإجهاز بسرعة الذي شرعت الذكاة لأجله، ثم إن محل الاحتراز عن العصي وبندق الطين إذا لم يؤخذ الصيد حياً غير منفوذ المقتل، وإلا ذكي وأكل قولاً واحداً، وأما إذا أخذ منفوذ المقاتل فلا يؤكل عندنا ولو أدرك حياً ذكي وعند الحنفية ما أدرك حياً ولو منفوذ جميع المقاتل وذكي يؤكل، فلا خلاف بيننا وبينهم في عدم أكل ما مات ببندق الطين، وفي أكل الذي لم ينفذ مقتله
стр. 315
وإذا زجر انزجر ولو كان من جنس ما لا يقبل التعليم عادة كالنمر (من طير) كباز (أو غيره) ككلب (فمات) أو نفذ مقتله (قبل إدراكه) حياً فيباح أكله بشروط أربعة إذا جعلنا موته قبل إدراكه من الموضوع، كما هو ظاهر سياقه، وإلا كانت خمسة؛ إذ لو أدرك حياً غير منفوذ المقتل لم يؤكل إلا بالذبح.
أشار للأول بقوله: (إن أرسله) الصائد المسلم (من يده) بنية وتسمية، (أو) من (يد غلامه) وكفت نية الآمر وتسميته، نظراً إلى أن يد غلامه كيده، واحترز بذلك مما لو كان الجارح سائباً فذهب للصيد بنفسه، أو بإغراء ربه فلا يؤكل إلا بذكاة.
وأشار للثاني بقوله: (ولم يشتغل) الجارح حال إرساله (بغيره) أي الصيد (قبله) أي قبل اصطياده، فإن اشتغل بشيء كأكل جيفة أو صيد آخر، ثم انطلق فقتل الصيد لم يؤكل.
وذكر الثالث بقوله: (وأدماه): أي إن شرط أكله بصيد الجارح أن يدميه الجارح بنابه أو ظفره في عضو (ولو بأذن)، فلو صدمه فمات الصيد لم يؤكل، ولو شق جلده حيث لم ينزل منه دم.
وأشار للرابع بقوله: (وعلمه) الصائد حين إرسال الجارح عليه (من المباح): كالغزال وحمار الوحش وبقره، (وإن لم يعلم نوعه منه) أي من المباح؟ بأن اعتقد أنه من المباح وتردد: هل هو حمار وحش أو بقر أو ظبي؟ فإنه يؤكل.
(وإن تعدد مصيده): أي الجارح (إن) أرسله على جماعة من الوحش، و (نوى الجميع؛ وإلا) ينوي الجميع بأن نوى واحداً أو اثنين (فما نواه) يؤكل بقتل الجارح له حيث أدماه (إن صاده) الجارح أي صاد المنوي (أولاً) قبل غيره، فإن صاد غير المنوي قبل المنوي لم يؤكل واحد منهما إلا بذكاة؛ لتشاغله ابتداء بغير المنوي في المنوي وبعدم النية في غيره.
(لا) يحل أكله (إن تردد) بأن شك أو ظن أو توهم (في حرمته) كخنزير، فإذا هو حلال لعدم الجزم بالنية.
(أو) تردد (في المبيح) لأكله (إن شاركه) أي الجارح (غيره) في قتله (ككلب كافر) أرسله ربه الكافر على الصيد، فشارك كلب المسلم في قتله فلم يعلم هل الذي قتله كلب المسلم أو الكافر، وكذا لو رمى المسلم سهمه ورمى الكافر سهمه فأصاباه ومات من ذلك فلا يؤكل للتردد في المبيح.
(أو) كلب (غير معلم) بالجر عطف [١] على كلب كافر،
ــ
حيث أدرك حياً وذكي، وإنما الخلاف فيما أدرك حياً منفوذ المقتل وذكي، فعندهم يؤكل وعندنا لا.
قوله: [وإذا زجر انزجر] قال في حاشية الأصل هذا الشرط غير معتبر في الباز؛ لأنه لا ينزجر بل رجح بعضهم عدم اعتبار الانزجار في جميع الحيوانات، لأن الجارح لا يرجع بعد إشلائه.
واعلم أن عصيان المعلم مرة لا يخرجه عن كونه معلماً كما لا يكون معلماً بطاعته مرة، بل المرجع في ذلك العرف.
قوله: [الصائد المسلم] أي المميز.
قوله: [من يده] المراد باليد حقيقتها ومثلها إرسالها من حزامه أو من تحت قدمه لا القدرة عليه أو الملك فقط، ثم ما مشى عليه المصنف من اشتراط الإرسال من يده ونحوها، فإن كان مفلوتاً فأرسله لم يؤكل هو قول مالك الذي رجع إليه، وكان يقول: أو لا يؤكل ولو أرسله من غير يده وما في حكمها، وبه أخذ ابن القاسم، والقولان في المدونة، واختار غير واحد كاللخمي ما أخذه به ابن القاسم وأيده (بن).
قوله: [أو من يد غلامه]: ولا يشترط أن يكون الغلام مسلماً حينئذ؛ لأن الناوي والمسمي هو سيده، فالإرسال منه حكماً.
قوله: [أو بإغراء ربه] إلخ: قد علمت أن هذا خلاف قول ابن القاسم الذي كان مالك يقول أولاً به.
قوله: [فإن اشتغل بشيء]: لا فرق بين كثير التشاغل وقليله، ورأى اللخمي أن قليل التشاغل لا يضر.
قوله: [فإنه يؤكل]: أي حيث ظهر أنه من أنواع المباح التي تؤكل بالعقر، فإن جزم بأنه مباح وتردد هل هو من نعم الإنس أو حمار وحش مثلاً لم يؤكل لأن الأول لا يباح بالعقر، ولو ظهر له بعد نفوذ مقتله أنه حمار وحش.
قوله: [إن أرسله على جماعة من الوحش]: أي معينة والقول بأكل الجميع إن تعدد مصيده هو قول ابن القاسم، وقال ابن المواز: لا يؤكل إلا الأول فذلك رد بالمبالغة عليه.
قوله: [فما نراه يؤكل] قال الأجهوري: فإن لم يكن له نية في واحد ولا في الجميع لم يؤكل شيء، وقال جد الأجهوري: يؤكل جميع ما جاء به في هذا أيضاً حيث كانت الصيود معينة حين الإرسال، فلو نوى واحداً بعينه لم يؤكل إلا هو إن عرف، وإن نوى واحداً لا بعينه لم يؤكل إلا الأول، ولو شك في أوليته لم يؤكل شيء كذا يؤخذ من حاشية الأصل تبعا لـ (بن).
قوله: [فإن صاد غير المنوي]: أي تحقيقاً أو ظناً أو شكاً.
قوله: [في المنوي]: في بمعنى عن.
قوله: [وبعدم النية في غيره]: أي الذي اشتغل به عن المنوي.
قوله: [بأن شك] إلخ: تفسير للتردد فليس المراد بالتردد استواء الطرفين، بل ما طرقه الاحتمال فلذلك فسره بالشك والظن والوهم.
قوله: [فإذا هو حلال]: أي كغزال.
قوله: [ككلب كافر]: المراد كلب أرسله كافر كان ربه أم لا فلا مفهوم لقوله ربه، وكذا يقال في كلب المسلم؛ لأن الإضافة تأتي لأدنى ملابسة.
стр. 316
أي أو شارك كلب المسلم المعلم كلب غير معلم في قتله فلا يؤكل للشك في المبيح، وكذا لو رماه المسلم المميز فسقط في ماء ومات فلا يؤكل للشك في المبيح هل مات من السهم فيؤكل، أو من الماء فلا يؤكل، أو رماه بسهم مسموم لاحتمال موته من السم الغير المبيح لا من السهم المبيح.
(أو تراخى) الصائد (في اتباعه): أي الصيد ثم وجده ميتاً فلا يؤكل لاحتمال أنه لو جد في طلبه لأدرك ذكاته قبل موته، (إلا أن يتحقق أنه) لو جدّ (لا يلحقه) حياً.
(أو حمل الآلة): أي آلة الذبح كالسكين (مع غيره) كغلامه وشأنه أن يسبق الغلام فسبقه، وأدرك الصيد حياً فما جاء حامل الآلة إلا وقد مات الصيد فلا يؤكل لتفريطه.
(أو) وضع الآلة (بخرجه) ونحوه مما يستدعي طولاً في إخراجها فأدركه حياً فما أخرج الآلة من الخرج إلا ومات فلا يؤكل للتفريط بوضعها في الخرج دون مسكها بيده، أو جعلها في حزامه.
(أو بات) الصيد عن الصائد فوجده بالغد ميتاً؛ لم يؤكل لاحتمال موته بشيء آخر كالهوام، (أو صدمه) الجارح فمات بلا جرح، (أو عضه) فمات (بلا جرح) فلا يؤكل، لما علمت أن شرط أكله إدماؤه ولو بأذن (أو اضطرب) الجارح لرؤيته صيداً (فأرسله) الصائد (بلا رؤية) منه له فصاد صيداً لم يؤكل إلا بذكاة لاحتمال أن يكون اصطاد غير ما اضطرب عليه، ولذا لو نوى المضطرب عليه وغيره لأكل على أحد التأويلين، والثاني: لا يؤكل مطلقاً إذ شرط حل أكله الرؤية وهو لم ير.
(ودون نصف) كيد أو رجل أو جناح (أبين) أي انفصل من الصيد، أي أبانه الجارح أو السهم ولو حكماً كما لو تعلق بيسير جلد (ميتة) لا يؤكل وأكل ما سواه (إلا أن يحصل به) أي بذلك الدون أي بإبانته (إنفاذ مقتل كالرأس) فليس بميتة فيؤكل كالباقي.
(ومتى أدرك) الصيد (حياً غير منفوذ مقتل، لم يؤكل إلا بذكاة) بخلاف ما أدرك منفوذ مقتل.
ــ
قوله: [كلب]: بالنصب مفعول لشارك، وقوله: (المعلم) بالفتح نعت.
وقوله: (كلب غير معلم) فاعل.
قوله: [وشأنه أن يسبق الغلام] مفهومه لو كان الغلام هو الذي يسبق، أو الاستواء فتخلف مجيء الغلام حتى مات، فإنه يؤكل لعدم تفريطه.
قوله: [فأدركه حياً] أي غير منفوذ المقاتل في هذه والتي قبلها، وأما منفوذ المقاتل فيؤكل ولا يضره التفريط في حمل الآلة مع الغلام أو وضعها في الخرج؛ لأنها لو كانت الآلة معه حينئذ لم تجب ذكاته
قوله: [فوجده بالغد ميتاً]: ليس بقيد بل المراد أنه خفي عليه مدة من الليل فيها طول بحيث يلتبس الحال، ولا يدري هل مات من الجارح أو بشيء من الهوام التي تظهر في الليل. ومفهوم المبيت أنه لو رماه نهاراً وغاب عليه، ثم وجده ميتاً فإنه يؤكل حيث لم يتراخ في اتباعه، ولو غاب عليه يوماً كاملاً. والفرق بين الليل والنهار أن الليل تكثر فيه الهوام دون النهار، فإذا غاب ليلاً احتمل مشاركة الهوام.
قوله: [إذ شرط حل أكله الرؤية] أي رؤية الصيد وقت الإرسال أو كون المكان محصوراً ولم يوجد واحد منهما.
قوله: [دون نصف] إلخ: الصواب أن (دون) هنا للمكان المجازي، وأنه يجوز فيها الرفع والنصب، فإن رفع كان مبتدأ، وإن نصب كان صلة لموصوف مقدر ومفهوم الظرف أنه لو قطع الجارح الصيد نصفين من وسطه أكل لأن فعله كذلك فيه إنفاذ مقتله كذا قالوا، ومنه يعلم أنه ليس الأكل من النصف من حيث إنه نصف، بل من حيث إنه لا يخلو عن إنفاذ مقتل، فالمدار على إنفاذ المقتل فلو أبان الجارح أو السهم ثلثاً ثم سدساً فهل يؤكلان أو الأخير أو يطرحان؟ لا نص. وقد يقال الذي نفذ به المقتل يؤكل وإلا فلا، ثم إن هذا مقيد بما له نفس سائلة، أما الجراد مثلاً إذا قطع جناحه فمات أكل الجميع لأن هذا ذكاته كما يأتي.
قوله: [كالرأس] أي وحده أو مع غيره ونصف الرأس كذلك.
قوله: [بخلاف ما أدرك منفوذ مقتل] أي فتندب ذكاته فقط حيث وجد حياً.
تنبيه: يقضى بالصيد للسابق له بوضع يده عليه أو حوزه له في داره أو كسر رجله، وإن رآه غيره قبله لأن كل من سبق لمباح فهو له، وإن تدافع جماعة عليه فبينهم، ولو دفع أحدهم الآخر ووقع عليه إذ ليس وضع يده عليه، والحالة هذه من المبادرة بخلاف المسابقة بلا تدافع، فلو جاء غير المتدافعين حال التدافع وأخذه اختص به، وإن شرد الصيد بغير اختيار صاحبه ولو من مشتر فاصطاده آخر فهو له، ولو لم يلتحق بالوحش حيث لم يكن تأنس عند الأول ولم يتوحش عند شروده وإلا لكان لصاحبه الذي شرد من يده وللصائد له أجرة تحصيله فقط، واشترك طارد للصيد من ذي شبكة أو فخ بحسب فعليهما حيث توقف وقوعه على الطارد والشبكة، وإن لم يقصد الطارد الشبكة وعجز عنه فوقع فيها فلربها، وإن كان محققاً أخذه بدونها فله دون ربها كمن طرد صيد الدار فأدخله فيها، فإنه يختص به ولا شيء لرب الدار أمكنه أخذه بدونها أم لا إذ ليست معدة للصيد إلا أن يطرده لغير الدار فدخل في الدار وهو عاجز عنه فلمالك الدار سواء كانت مسكونة أو خالية، فإن كان محققاً
стр. 317
(وضمن) الصيد لربه: أي ضمن قيمته مجروحاً شخص (مار) عليه حياً (أمكنته ذكاته وترك) ذكاته حتى مات. وإمكانها بالقدرة عليها بوجود آلة وهو ممن تصح ذكاته، بأن كان مميزاً ولو كتابياً أو صبياً لتفويته على ربه.
وشبه في الضمان قوله: (كترك تخليص) شيء (مستهلك من نفس أو مال) قدر على تخليصه بيده أو جاهه أو ماله. ويغرم في النفس الدية، وفي المال القيمة أو المثل، وأولى في الضمان: لو تسبب في الإتلاف؛ كدال سارق أو ظالم، وحافر حفرة، وواضع مزلق لوقوع آدمي أو غيره، وانظر تفصيل المسألة في كلام الشيخ وشراحه.
(و) النوع الرابع من أنواع الذكاة: (ما يموت به): أي كل فعل يموت به ما ليس له نفس سائلة،
ــ
أخذه بغيرها فهو له. اهـ. بالمعنى من الأصل.
قوله: [وضمن الصيد] إلخ: أي تعلق الضمان به بالشرط الآتي، وهذا هو المشهور من المذهب، بناء على أن الترك فعل. وقيل: لا ضمان عليه بناء على أن الترك ليس بفعل وعلى نفي الضمان فيأكله ربه، وليس بميتة، وعلى المشهور: لا يأكله ربه وهو ميتة ولا ينتفي الضمان عن المار، ولو أكله ربه غفلة عن كونه ميتة أو عمداً أو ضيافة لأنه غير متأول، وهذا بخلاف ما لو أكل إنسان ما له المغصوب منه ضيافة، لا يضمنه الغاصب كما استظهره الأجهوري. واستظهر بعض مشايخ الشيخ أحمد الزرقاني عدم ضمان المار إذا أكله ربه، واعتمد الأول اللقاني. كذا في حاشية الأصل.
قوله: [أمكنته ذكاته]: أنث الفعل وجعل الفاعل الذكاة، وضمير المار مفعولاً لما تقرر أنه إذا دار الأمر بين الإسناد للمعنى وللذات فالإسناد للمعنى أولى، فيقال أمكنني السفر دون أمكنت السفر كما ذكره الأشموني.
تنبيه: غير الراعي إن ذكى غير الصيد فلا يصدق أنه خاف موته، بل يتركه ولا يضمن إلا ببينة أو قرينة فيصدق، ويأتي تصديق الراعي في الإجارة كذا في المجموع.
قوله: [بوجود آلة] فإن لم يجد معه إلا السن أو الظفر، وأمكنه بذلك وترك، ضمن اتفاقاً ولو على القول بعدم جواز التذكية بهما.
قوله: [ولو كتابياً]: أي فالكتابي كالمسلم في وجوب ذكاة ما ذكر؛ لأنها ذكاة لا عقر ولا يتأتى الخلاف المتقدم في ذبح الكتابي للمسلم، لأن هذا من باب حفظ مال الغير وهو واجب عليه يضمنه بتفويته على ربه.
قوله: [أو صبياً] أي لأن الضمان من خطاب الوضع لأن الشارع جعل الترك سبباً في الضمان، فيتناول البالغ وغيره.
قوله: [مستهلك]: أي متوقع هلاكه، ولو كان التارك للتخليص صبياً لأن الضمان من باب خطاب الوضع كما علمت. واعلم أنه يجب تخليص المستهلك من نفس أو مال لمن قدر عليه ولو بدفع مال من عنده، ويرجع به على ربه حيث توقف الخلاص على دفع المال، ولو لم يأذن له ربه في الدفع وهو من إفراد قول خليل الآتي. والأحسن في المفدي من لص أخذه بالفداء، وقد علم أن من دفع غرامة عن إنسان بغير إذنه كان للدافع الرجوع بما دفعه عنه إن حمى بتلك الغرامة مال المدفوع عنه أو نفسه كذا يؤخذ من الحاشية.
قوله: [ويغرم في النفس الدية] أي إذا ترك تخليص النفس حتى قتلت فإنه يضمن الدية في ماله إن كان الترك عمداً بغير تأويل، وعلى عاقلته إن كان متأولاً. ولا يقتل به ولو ترك التخليص عمداً على مذهب المدونة، وحكى عياض عن مالك: أنه يقتل به في العمد وفي التوضيح عن اللخمي: أنه خرج ذلك على الخلاف فيمن تعمد شهادة الزور حتى قتل بها المشهود عليه، قال: فقد قيل: يقتل الشاهد. ومذهب المدونة لا قتل عليه.
تنبيه: يضمن أيضاً من أمسك وثيقة أو قطعها حيث كان شاهدها لا يشهد إلا بها ولزم على إمساكها ضياع الحق، وهذا إذا لم يكن لها سجل يتيسر إخراج نظيرها منه. وإلا فيضمن ما يخرج به من السجل فقط. وأما من قتل شاهدي حق عمداً أو خطأ وضاع الحق ففي ضمانه لذلك الحق تردد إذا لم يقصد بقتلهما ضياع الحق، وإلا ضمنه قطعاً، قال في الأصل: والأظهر من التردد ضمان المال، ومثل قتلهما قتل من عليه الدين عند ابن محرز.
قوله: [وانظر تفصيل المسألة] إلخ: من تفاصيل تلك المسألة ما قدمناه لك في أثناء الحل ومنها ترك مواساة بخيط أو دواء لجرح، وترك زائد طعام وشراب لمضطر حتى مات المجروح أو المضطر، فيضمن دية خطأ إن تأول وإلا اقتص منه كما يأتي في الجراح. وقال اللخمي: عليه الدية في ماله ومنها من طلب منه عمد أو خشب ليسد به كجدار، فامتنع حتى وقع الجدار فيضمن ما بين قيمته مائلاً ومهدوماً ويقضي لمن وجبت عليه المواساة بالثمن أي على المواسي
стр. 318
(نحو الجراد) والدود وخشاش الأرض، إذا عجل ذلك الفعل موته بل (ولو لم يعجل) موته (كقطع جناح) أو رجل (أو إلقاء بماء) حار فأولى قطع رأس. لا بد [١] من نية، وتسمية كما قال: (ووجب) وجوب شرط في كل نوع من أنواع الذكاة: (نيتها): أي قصدها ولو لم يستحضر حل الأكل، فمن لم يكن عنده نية كالمجنون لم تؤكل ذبيحته، وكذا من قصد بذلك الفعل إزهاق روحها وموتها دون الذكاة أو لم يقصد شيئاً، كمن ضرب الحيوان لدفع شره مثلاً بسيف فقطع حلقومه وأوداجه
(و) وجب عند التذكية [٢] (ذكر اسم الله) بأي صيغة من تسمية أو تهليل أو تسبيح أو تكبير. لكن (لمسلم) لا كتابي؛ فلا يجب عند ذبحه ذكر الله بل الشرط أن لا يذكر اسم غيره مما يعتقد ألوهيته. (إن ذكر) المسلم عند الذبح لا إن نسي فتؤكل ذبيحته. (وقدر): لا إن عجز كالأخرس فلا تجب عليه، وهذه القيود في ذكر اسم الله خاصة، وأما النية فواجبة مطلقاً ولو من كافر بدون قيد ذكر أو قدرة. (والأفضل) في ذكر الله أن يقول الذابح: (باسم الله والله أكبر).
(وهما) أي النية وذكر اسم الله (في الصيد) يكونان (حال الإرسال) للكلب ونحوه أو السهم لا حال الإصابة.
ثم شرع في بيان ما يذبح من الحيوان وما ينحر فقال: (و) وجب (نحر إبل وزرافة): وهي حيوان طويلة العنق كالإبل يداها أطول من رجليها، فإذا ذبحت لم تؤكل. (و) وجب (ذبح غيرهما): من الأنعام والوحوش والطيور، فإن نحرت لم تؤكل. (إلا لضرورة كعدم آلة) صالحة للذبح وكوقوع في حفرة بحيث لا يمكن ما يجب (فيجوز العكس) في الأمرين؛ فيجوز حينئذ ذبح الإبل ونحر غيرها. واستثنى من قوله. "وذبح غيرها" قوله: (إلا البقر فالأفضل فيها الذبح)، ويجوز نحرها. وشبه في الأفضلية قوله: (كالحديد) فإنه أفضل من غيره في الذبح والنحر كزجاج مسنون وحجر كذلك وقصب وعظم كذلك. (وسنه) بفتح السين المهملة وتشديد النون: أي كسن الحديد عند الذبح، فإنه أفضل أي مندوب للتسهيل على الحيوان (وقيام إبل) فإنه أفضل من تبريكها حال النحر حال كونها (مقيدة أو معقولة) الرجل (اليسرى) مستقبلة يقف الناحر بجنب الرجل اليمنى الغير [٣] المعقولة ماسكاً مشفرها الأعلى بيده اليسرى، ويطعنها في لبتها بيده اليمنى، مسمياً هكذا صفة النحر. (وضجع ذبح) بكسر المعجمة أي مذبوح (برفق) أفضل من رميه بقوة، فإن الله يحب الرفق في الأمر كله (وتوجيهه) أي المذبوح أو المنحور (للقبلة) لأنها أفضل الجهات. (وإيضاح المحل) أي محل الذبح من صوف أو شعر أو ريش فإنه أفضل لما فيه من الرفق والسهولة. (وكره ذبح بدون حفرة): كما يقع للجزارين بالمذابح السلطانية لما فيه من رؤية الذبائح بعضها بعضاً وهو من تعذيبها لأن لها تمييزاً وإشعاراً ولما فيه من عدم الاستقبال لأكثرها (و) كره (سلخ) لجلدها (أو قطع) لعضو منها (قبل الموت) أي قبل تمام خروج روحها، وبعد تمام الذبح أو النحر، وأما قبل التمام فميتة كما يقع كثيراً لبعض الفقراء في طريق الحج؛ يقع الجمل [٤] فيشرع إنسان في نحره فيأتي آخر ويقطع منه قطعة لحم قبل تمام النحر فلا يؤكل ما قطع. (و) كره (تعمد إبانة الرأس) ابتداء بأن نوى أنه يقطع لحلقوم والودجين، ويستمر حتى يبين الرأس من الجثة، وتؤكل إن أبانها وهذا هو المعول عليه.
ــ
إن وجد مع المضطر ونحوه، وإلا لم يلزمه ولو كان غنياً ببلده، أو تيسر بعد ذلك ولا يتعلق بذمته شيء. والمراد بالثمن: ما يشمل الأجرة في العمد والخشب، هذا حاصل ما في الأصل وشراحه وهذه المسألة بتفاصيلها ذكرت هنا استطراداً لمناسبة قوله: وضمن مار إلخ.
قوله: [والدود]: أي غير دود نحو الفاكهة من كل ما تخلق في الطعام كدود المش وسوس نحو الفول، فإن هذا لا يفتقر لذكاة وسيأتي إيضاحه في باب المباح.
قوله: [بل ولو لم يعجل موته] أي شأنه ذلك ولكن لا بد من تعجيل الموت به، وإنما كان ذكاة ما لا نفس له سائلة بما يموت به لما في الحديث الشريف: «أحلت لنا ميتتان السمك والجراد» فمراده بحل الميتة بالنسبة للجراد عدم ضبط ذكاته كغيره مما له نفس سائلة، وإن كان ظاهر الحديث استواءه مع السمك.
قوله: [ووجب وجوب شرط]: أي مطلقاً كما يأتي.
قوله: [لا إن نسي]: أي وحينئذ فيفيد قوله تعالى: ﴿ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه﴾ [الأنعام: ١٢١] بما إذا تركت عمداً مع القدرة عليها لا نسياناً أو عجزاً والجاهل بالحكم كالعامد كما هو ظاهر المدونة، وقال ابن رشد: ليست التسمية بشرط في صحة الذكاة، ومعنى قوله تعالى: ﴿ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه﴾ [الأنعام: ١٢١] لا تأكلوا الميتة التي لم يقصد ذكاتها لأنها فسق ومعنى قوله تعالى: ﴿فكلوا مما ذكر اسم الله عليه﴾ [الأنعام: ١١٨] كلوا مما قصدت ذكاته فكنى عن التذكية بذكر اسمه، فالآية لا تدل على وجوب التسمية في الذكاة، ولذلك قال غيرنا بسنيتها.
قوله: [حال الإرسال للكلب] من ذلك طلق بندق الرصاص، فالعبرة بحال رفع الزناد.
قوله: [فيجوز حينئذ ذبح الإبل]: أي في محل الذبح وهو الودجان والحلقوم ونحر غيرها في محل النحر وهو اللبة.
قوله: [إلا البقر]: ومنه الجاموس وبقر الوحش إذا قدر عليه، ومثل البقر في جواز الأمرين وندب الذبح ما أشبهه من حمار الوحش والخيل والبغال الوحشية.
قوله: [كزجاج مسنون]: أي محدد.
قوله: [فإن الله يحب الرفق في الأمر]: أي ولقوله ﷺ : «إذا قتلتم فأحسنوا القتلة وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة».
قوله: [وكره سلخ لجلدها أو قطع]: أي وكذا حرق بالنار.
قوله: [قبل الموت]: أي لما في ذلك
стр. 319
وتؤولت أيضاً على أنه إن قصدها ابتداء لم تؤكل، واتفقوا على أنه إذا لم يقصد ذلك ابتداء وإنما قصده بعد قطع الحلقوم والودجين، أو لم يقصد أصلاً وإنما غلبته السكين حتى قطعت الرأس فإنها تؤكل.
ثم شرع في بيان ما تعمل فيه الذكاة مما يتوهم خلافه وما لا تعمل فيه فقال: (وأكل المذكى وإن أيس) قبل تذكية (من حياته) لا بإنفاذ مقتله، بل (بإضناء مرض) أي بسبب ذلك (أو) بسبب (انتفاخ) لها (بعشب) كبرسيم (أو) بسبب (دق عنق) أو سقوط من شاهق أو غير ذلك مما يأتي قريباً إذا لم ينفذ بذلك مقتل كما سيصرح به بعده.
(بقوة حركة) الباء للمعية: أي أن محل أكل ما أيس من حياته بالذكاة أن يصحبها قوة حركة عقب الذبح كمد رجل وضمها لا مجرد مد أو ضم أو ارتعاش أو فتح عين أو ضمها، فلا يكفي. وقيل: إن مد الرجل فقط أو ضمها فقط كاف في حلها لدلالة ذلك على حياتها حال الذبح.
(أو شخب دم) منها وإن لم تتحرك. ولا يكفي مجرد سيلانه بخلاف غير الميئوس من حياتها وهي الصحيحة، فيكفي فيها سيلانه كما أشار له بقوله: (كسيله) أي الدم ولو بلا شخب (في صحيحة) لم يضنها المرض ولم يصبها شيء مما مر فإنه يكفي في حلها مجرد السيلان.
ثم قيد جواز أكل المذكي الميئوس من حياته بقوله:
(إن لم ينفذ) قبل الذبح (مقتلها): فإن نفذ لم تعمل فيها الذكاة وكانت ميتة كما سيصرح.
ونفاذ المقتل واحد من خمسة أمور بينها بقوله:
(بقطع نخاع) مثلث النون: المخ الذي في فقار الظهر أو العنق متى قطع لا يعيش، وأما كسر الصلب بدون قطع النخاع فليس بمقتل [١].
(أو) قطع (ودج) وأولى الاثنين، وأما شقه بلا قطع ففيه قولان على أنه ليس بمقتل تعمل فيه الذكاة.
(ونثر دماغ) وهو ما تحويه الجمجمة، وأما شرخ الرأس أو خرق خريطة الدماغ بلا انتشار فليس بمقتل.
(أو) نثر (حشوة) بضم الحاء المهملة وكسرها وسكون المعجمة: وهي ما حوته البطن من قلب وكبد وطحال وكلوة وأمعاء؛ أي إزالة ما ذكر عن موضعه بحيث لا يمكن عادة رده لموضعه.
(وثقب) أي خرق (مصران) وأولى قطعه وأما ثقب الكرش فليس بمقتل، فالبهيمة المنتفخة إذا ذكيت فوجدت متقوبة الكرش تؤكل على المعتمد.
ــ
من التعذيب، وقد ورد النهي عن ذلك ويستحب أن تترك حتى تبرد إلا السمك فيجوز تقطيعه وإلقاؤه في النار قبل موته عند ابن القاسم، لأنه لما كان لا يحتاج لذكاة صار ما وقع فيه من الإلقاء، وما معه بمنزلة ما وقع في غيره بعد تمام ذكاته. اهـ من حاشية الأصل، وقد يقال: علة تعذيب الحيوان موجودة فلا أقل من الكراهة تأمل.
قوله: [وتؤولت أيضاً]: حاصله إذا تعمد إبانة الرأس وأبانها فهل تؤكل تلك الذبيحة مع الكراهة لذلك الفعل أو لا تؤكل أصلاً؟ قولان في المدونة: أولهما لابن القاسم وإنما حكم بكراهة ذلك الفعل لأن إبانة الرأس بعد تمام الذكاة بمثابة قطع عضو بعد انتهاء الذبح وقبل الموت فهذا مكروه.
والقول الثاني لمالك؛ واختلف الأشياخ هل بين القولين خلاف أو وفاق؟ فحمل بعضهم القولين على الخلاف، والمعتمد كلام ابن القاسم وحمله بعضهم على الوفاق. ورد قول ابن القاسم لقول مالك فحمله على ما إذا لم يتعمد الإبانة ابتداء، بل تعمدها بعد الذكاة. وأما لو تعمدها ابتداء فلا تؤكل كما يقول مالك: فقول المصنف: (وتعمد إبانة الرأس) هو قول ابن القاسم بناء على الخلاف، وقول الشارح: (وتؤولت أيضاً) هذا إشارة إلى القول بالوفاق.
قوله: [وإن أيس قبل تذكيته من حياته]: دخل فيما قبل المبالغة: محقق الحياة ومرجوها ومشكوكها، ورد بالمبالغة قول مختصر الوقار: لا تصح ذكاة الميئوس من حياته.
قوله: [بقوة حركة]: سواء كان التحرك من الأعالي أو الأسافل سال الدم أو لا كان مع الذبح أو بعده كانت صحيحة أو مريضة.
قوله: [فلا يكفي]: سواء كان معها سيلان دم أو لا.
قوله: [وقيل إن مد الرجل] إلخ: مقابل للمشهور وإن كان هو الأظهر.
قوله: [أو شخب دم]: أي خروجه بقوة.
قوله: [ولا يكفي مجرد سيلانه] أي سيلانه المجرد عن الشخب وعن التحرك القوي.
قوله: [فإنه يكفي في حلها مجرد السيلان] أي وإن لم تتحرك أصلاً.
والحاصل: أن كلاً من التحرك القوي وشخب الدم يكفي في الضحية والمريضة ولو كان ميئوساً حياتها، والحال أنها غير منفوذة المقاتل، وأما سيلان الدم والتحرك الغير القوي فلا يكفي اجتماعاً وانفراداً إلا في غير الميئوس منها، ولا يكفي في الميئوس منها.
قوله: [الذي في فقار الظهر]: بفتح الفاء جمع فقرة.
قوله: [وثقب] أي خرق مصران خلافاً لما في المواق من أن ثقب المصران وشقه ليس بمقتل لأنه قد يلتئم، وإنما المقتل فيه قطعه وانتشاره، ومصران بضم الميم: جمع مصير، كرغيف ورغفان، وجمع الجمع مصارين كسلطان وسلاطين، وجمعه باعتبار طياته، فإذا علمت ذلك فالمناسب للمصنف أن يعبر بالمفرد.
стр. 320
ونفوذ المقتل إما (بخنق): أي بسببه، (أو) بسبب (وقذ): أي ضرب بحجر أو غيره، (أو) بسبب (ترد) أي سقوط (من) ذي (علو، أو) بسبب (نطح) لها من غيرها، (أو) بسبب (أكل سبع) لبعضها، (أو غير ذلك) من كل ما ينفذ مقتلاً لها (وإلا) بأن نفذ مقتل منها فهذا راجع لقوله: "إن لم ينفذ" إلخ كما تقدمت الإشارة إليه (لم تعمل) أي لم تفد (فيها ذكاة) لأنها صارت ميتة حكماً. وقال الشافعية: تعمل فيها الذكاة كغيرها، فالعبرة في حل أكلها ذبحها وهي حية، نفذت مقاتلها أو لا. وحاصل ما يتعلق بذلك أن قوله تعالى: ﴿حرمت عليكم الميتة﴾ إلى قوله: ﴿والمنخنقة﴾ إلى قوله: ﴿إلا ما ذكيتم﴾ [المائدة: ٣] معناه عند الشافعي إلا ما أدركتموه بالذكاة منها وهي حية مطلقاً، وقال مالك: ما لم ينفذ مقتلها لأنها حينئذ ميتة حكماً فلا تعمل فيها ذكاة.
(كمحرم الأكل) لا تعمل: أي لا تفيد فيه ذكاة وهو ميتة نجس بجميع أجزائه ما عدا الشعر وزغب الريش، لأنه لا تحل فيه الحياة.
وبينه بقوله: (من خنزير) إجماعاً، (وحمر أهلية وإن بعد توحش) منها بأن نفرت ولحقت بالوحش نظراً لأصلها، وأما الحمر الوحشية أصالة فتعمل فيها الذكاة لأنها صيد (وبغل وفرس) لا تعمل فيهما ذكاة.
(وذكاة الجنين) الحي في بطن أمه فمات بعد ذكاة أمه هي (ذكاة أمه) فيؤكل بسببها. وتحله الطهارة بشرطين أفادهما بقوله:
(إن تم خلقه) أي استوى ولو كان ناقص يد أو رجل خلقة، (ونبت شعره) أي شعر جسده ولو لم يتكامل ولا يكفي شعر رأسه أو عينه.
وكذا البيض يكون طاهراً يؤكل إن أخرج بعد ذكاة أمه بخلاف ما لو ماتت بلا ذكاة.
(فإن خرج) الجنين بعد ذبح أمه (حياً) حياة مستقرة (لم يؤكل إلا بذكاة إلا أن يبادر) بفتح الدال المهملة: أي إلا أن يسارع إليه بالذكاة، (فيفوت) بالموت فإنه يؤكل للعلم بأن حياته حينئذٍ كلا حياة، وكأنه خرج ميتاً بذكاة أمه.
(وذكي) الجنين (المزلق): أي المسقط فلا يؤكل إلا بذكاة (إن تحققت حياته) بعد إسقاطه وقبل ذبحه، (وتم) خلقه (بشعر) لجسده.
(وإلا) بأن لم تتحقق حياته أو تحققت ولكن لم يتم خلقه (أو لم ينبت) شعره (لم تعمل) الذكاة (فيه) فيكون ميتة نجساً والله أعلم.
ولما كانت الذكاة سبباً في إباحة أكل الحيوان البري ناسب أن يذكر سائر المباحات بعدها فقال [١]:
ــ
قوله: [إما بخنق] إلخ: صرح بالأسباب التي في الآية تبركاً بها ولتبيين معانيها، ولما كان إنفاذ المقاتل ليس محصوراً في الأسباب التي في الآية قال: وغير ذلك.
قوله: [معناه عند الشافعي إلا ما أدركتموه] إلخ: أي فيكون الاستثناء في الآية متصلاً.
قوله: [وقال مالك: ما لم ينفذ مقتلها] وعليه يجوز أن يكون متصلاً أي إلا ما كانت ذكاتكم عاملة فيه منها حيث لم تنفذ مقاتله، وأن يكون منقطعاً والمعنى: لكن ما ذكيتم من غيرها فلا يحرم عليكم إذا كان ذلك الغير ليس منفوذ المقاتل.
قوله: [وزغب الريش]: يفرض ذلك في طير نتج من محرم الأكل.
قوله: [وبغل وفرس] إلخ: أي ما لم تكن وحشية وإلا عملت فيها اتفاقاً، وعدم عمل الذكاة في البغال والخيل على المشهور من المذهب. وأما على القول بالكراهة في البغال والخيل والإباحة في الخيل فتعمل فيها الذكاة.
قوله: [فيؤكل بسببها]: واختلف في المشيمة وعائه على ثلاثة أقوال: قيل: لا تؤكل مطلقاً، وقيل: تؤكل مطلقاً، وقيل: تبع للولد إن أكل أكلت وإلا فلا.
قوله: [ونبت شعره] عطف لازم على ملزوم لأنه يلزم عادة من خلقه نبات شعره أو مسبب على سبب.
قوله: [بعد ذكاة أمه]: أي وإن لم يتكامل فليس كالجنين.
قوله: [بخلاف ما لو ماتت بلا ذكاة]: أي فلا يؤكل بيضها ولو كان متكاملاً.
قوله: [حياة مستقرة] أي محققة أو مشكوكاً فيها.
والحاصل أن الجنين إذا خرج حياً بعد ذكاة أمه؛ إما أن تكون حياته مرجواً بقاؤها، أو مشكوكاً في بقائها، أو ميئوساً من بقائها. ففي الأولين: تجب ذكاته ولا يؤكل إذا مات بدونها، وفي الثالث: تندب ذكاته كما قال ابن رشد، فقول المصنف: (إلا أن يبادر فيفوت) خاص بالميئوس منه، فتعجل موته دليل على ذلك.
قوله: [إن تحققت حياته]: أي أو ظنت لا المشكوك فيها فهي كالعدم فلا يؤكل ولو ذكي.
تتمة: اختلف في جواز الذبح بالظفر والسن وعدمه على أربعة أقوال:
الأول: يجوز مطلقاً اتصلا أو انفصلا، الثاني: يجوز إن انفصلا، الثالث: يجوز بالظفر مطلقاً لا بالسن مطلقاً فلا يجوز يعني يكره كما هو المنقول، الرابع: يمنع بهما مطلقاً فلا يؤكل ما ذبح بهما على هذا القول. ومحل تلك الأقوال إن وجدت آلة غير الحديد فإن وجد الحديد تعين وإن لم يوجد غيرهما جاز بهما جزماً كذا قيل. اهـ. من الأصل.
خاتمة: يحرم اصطياد مأكول من طير أو غيره بنية حبسه أو الفرجة عليه، وأما بنية القنية أو الذكاة فلا بأس بذلك. وكره للهو، وجاز لتوسعة على نفسه وعياله غير معتادة، وندب لتوسعة معتادة أو سد خلة غير واجبة، ووجب لسد خلة واجبة فتعتريه الأحكام الخمسة. وأما صيد نحو الخنزير؛