فلا يصح فيه.
(وبعقل) فلا يصح من مجنون ولا من مغمى عليه (فإن جن أو أغمي عليه مع الفجر فالقضاء) لعدم صحة صومه لزوال عقله وقت النية، بخلاف ما لو كان مجنوناً أو مغمى عليه قبله وأفاق وقت الفجر فلا قضاء لسلامته وقتها، (كبعده) أي كما يلزمه القضاء لو جن أو أغمي عليه بعد الفجر، (جل يوم) وأولى كله (لا) إن أغمي عليه بعد الفجر (نصفه) فأقل فلا قضاء عليه.
ولما فرغ من بيان الصوم وشروطه ذكر ما يترتب على الإفطار وهي خمسة: القضاء، والإمساك، والكفارة، والإطعام، وقطع التتابع؛ فقال:
إذا علمت حقيقة الصوم (فإن حصل) للصائم (عذر) اقتضى فطره بالفعل؛ كمرض، أو اقتضى عدم صحته؛ كحيض (أو اختل ركن) من ركنيه عمداً أو سهواً أو غلبة (كرفع النية) نهاراً أو ليلاً بأن نوى عدم صوم الغد، واستمر رافعاً لها حتى طلع الفجر (أو) اختل (بصب) شيء (مائع في حلق) صائم (نائم أو) اختل (بجماعه) أي النائم -من إضافة المصدر لمفعوله- (أو بكأكله) من إضافته لفاعله أي أو اختل بتناوله مفطراً من أكل أو غيره حال كونه (شاكاً في) طلوع (الفجر أو) في (الغروب أو بطروه) بتشديد الواو المكسورة، أي الشك -بأن أكل أو شرب معتقداً بقاء الليل أو غروب الشمس- ثم طرأ له الشك هل حصل ذلك بعد الفجر أو قبله أو بعد الغروب أو قبله؛ فطروّ الشك مخل بركن الإمساك كالذي قبله. فالصوم لا يخلو إما أن يكون فرضاً أو نفلاً. فإن كان فرضاً (فالقضاء) لازم بحصول العذر أو اختلال الركن (في الفرض مطلقاً): أفطر عمداً، أو سهواً، أو غلبة، جوازاً كمسافر، أو حراماً كمنتهك، أو وجوباً كمن خاف على نفسه الهلاك؛ كان الفرض رمضان أو غيره كالكفارات وصوم تمتع وغير ذلك.
(إلا النذر المعين) كما لو نذر صوم يوم معين أو أيام معينة أو شهر معين، وأفطر فيه (لمرض) لم يقدر معه على صومه لخوفه منه على نفسه هلاكاً أو شدة ضرر أو زيادته أو تأخر برء، (أو) أفطر فيه لعذر مانع من صحته (كحيض) ونفاس وإغماء وجنون، فلا يقضي لفوات وقته. فإن زال عذره وبقي منه شيء وجب صومه. (بخلاف) فطر (النسيان والإكراه وخطأ الوقت): كصوم الأربعاء يظنه الخميس المنذور؛
ــ
والمراد بشكها في الفجر: مطلق التردد.
قوله: [فلا يصح فيه]: أي لما تقدم أن من شروط صحة الصوم قبول الزمن للعبادة، والعيد لا يصح صومه ومثله ثاني النحر وثالثه؛ لأن فيه إعراضاً عن ضيافة الله وسيأتي أنهما يستثنيان لمن عليه نقص في حج.
قوله: [فالقضاء]: هذا إذا جن يوماً واحداً بل ولو سنين كثيرة، سواء كان الجنون طارئاً بعد البلوغ أو قبله على المشهور. وهذا قول مالك وابن القاسم في المدونة، خلافاً لابن حبيب والمدنيين، قالوا: إن كثرت كالعشرة فلا قضاء. ومذهب أبي حنيفة والشافعي: لا قضاء على المجنون. لنا أن الجنون مرض وقد قال تعالى: ﴿ومن كان مريضاً أو على سفر فعدة من أيام أخر﴾ [البقرة: ١٨٥].
قوله: [نصفه فأقل فلا قضاء عليه]: حاصله أنه متى أغمي عليه كل اليوم من الفجر للغروب، أو أغمي عليه جله، سواء سلم أوله أم لا، أو أغمي عليه نصفه أو أقله ولم يسلم أوله فيهما؛ فالقضاء في هذه الخمس. فإذا أغمي عليه قبل الفجر ولو بلحظة، واستمر بعدها ولو بلحظة، وجب عليه قضاء ذلك اليوم، فإن أغمي عليه نصف اليوم أو أقله، وسلم أوله فلا قضاء فيهما؛ فالصور سبع يجب القضاء في خمس، وعدمه في اثنتين. وما قيل في الإغماء يقال في الجنون، ومثلهما السكر كان بحلال أو حرام كما استظهره العلامة النفراوي في شرح الرسالة، وتبعه (بن) خلافاً للخرشي و (عب) حيث تبعا الأجهوري في التفرقة بين الحلال والحرام، فجعلا الحرام كالإغماء، والحلال كالنوم - كذا في حاشية الأصل.
قوله: [ولما فرغ من بيان الصوم]: أي من جهة حقيقته وما يثبت به.
قوله: [ما يترتب على الإفطار]: أي في مجموعة صوره فإن هذه الخمسة لا تحصل دفعة واحدة كما سيأتي بيانه.
قوله: [وهي خمسة]: بل ستة والسادس التأديب.
قوله: [القضاء والإمساك]: أي وكل إما واجب أو مستحب انظر (المج).
قوله: [والكفارة]: أي الكبرى ولا تكون إلا واجبة.
قوله: [والإطعام]: وهو الكفارة الصغرى، ويكون مندوباً وواجباً.
قوله: [اقتضى فطره]: أي جواز فطره وإن كان الصوم صحيحاً بدليل ما بعده.
قوله: [أو اقتضى عدم صحته]: أي ويكون الصوم حراماً.
قوله: [أو اختل ركن]: أي بحصول مفسد كان عليه فيه إثم أم لا، فإن السهو والغلبة والصب في حلق النائم، وطرو الشك بعد الأكل لا إثم فيه، وهو مفسد للصوم وموجب للقضاء بأمر جديد، فلم يتعلق بالناسي ومن ذكر معه تكليف حالة الفساد، وهذا مما يؤيد جوابنا المتقدم عن إشكال الشارح فتأمل.
قوله: [أو غلبة]: أي أو إكراهاً أوجب الكفارة أم لا.
قوله: [أو حراماً كمنتهك]: أي بأن يكون لغير مقتض.
قوله: [بخلاف فطر النسيان والإكراه]: أما النسيان فلأن عنده نوعاً من التفريط، وأما المكره فهو على ما قاله في الطراز، وقال (ح) إنه المشهور. وفي الخرشي لا قضاء في الإكراه، ومال شيخ مشايخنا العدوي قائلاً إن المكره أولى من المريض.
стр. 247
فإنه يوجب القضاء مع إمساك بقية اليوم. واحترز "بالنذر المعين" من المضمون إذا أفطر فيه لمرض ونحوه؛ فلا بد من قضائه لعدم تعيين وقته فهو داخل في الإطلاق المتقدم. (و) إن كان الصوم نفلاً (قضى في النفل بالعمد) أي بالفطر العمد (الحرام وإن) حلف عليه إنسان (بطلاق بت) فلا يجوز له الفطر، وإن أفطر قضى وأولى إذا كان رجعياً أو لم يحلف عليه أحد.
(لا غيره): أي غير العمد الحرام بأن أفطر فيه ناسياً أو غلبة أو مكرهاً أو عمداً لكنه ليس بحرام (كأمر والد) أب أو أم له بالفطر شفقة، (و) أمر (شيخ) صالح أخذ على نفسه العهد أن لا يخالفه، ومثله شيخ العلم الشرعي (و) أمر (سيد) لعبده [١] بالفطر؛ فإذا أفطر امتثالاً لهم لم يجب عليه قضاء النفل.
ولما فرغ من بيان ما يقضى وما لا يقضى من الصوم، شرع في بيان ما يجب فيه الإمساك إذا أفطر وما لا يجب فقال:
(ووجب) على المفطر في صومه (إمساك غير معذور) بقية يومه عن المفطرات (بلا إكراه) وغير المعذور: وهو من أفطر عمداً أو غلبة أو نسياناً، والمعذور من أفطر لعذر من مرض أو سفر أو حيض أو نفاس أو جنون، ثم زال عذره. ولما دخل في المعذور المكره -مع أنه إذا زال عذره وجب عليه الإمساك- أخرجه بقوله: "بلا إكراه" أي معذور بغير إكراه.
فقوله: "بلا إكراه" نعت معذور. إن أفطر (بفرض معين) وقته (كرمضان، والنذر) المعين، والكاف استقصائية (مطلقاً): أفطر عمداً أم لا. (أو) لم يتعين وقته، ولكن (وجب تتابعه) ككفارة رمضان والقتل والظهار، (ولم يتعمد) الفطر. فإن أفطر غلبة أو ناسياً فيجب الإمساك بقية يومه بناء على الصحيح من أن غير العمد لا يفسد صومه فإن تعمد الفطر لم يجب عليه الإمساك لفساد جميع صومه الذي فعله ولو آخر يوم منه، فلا فائدة في إمساكه حينئذ. وكذا لو أفطر غير متعمد في أول يوم لم يجب عليه إمساك لعدم الفائدة؛ إذ هو يجب قضاؤه، ولا يؤدي إفطاره لفساد شيء. نعم يندب فيه الإمساك وهذا معنى قولنا: (في غير أول يوم) إذ معناه: يجب الإمساك في المتتابع إذا أفطر ناسياً أو غلبة في غير اليوم الأول، ومفهومه: أنه لو أفطر ناسياً فيه لم يجب الإمساك.
(كتطوع): تشبيه في وجوب الإمساك إذا أفطر فيه بلا تعمد. فإن تعمد لم يجب الإمساك على التحقيق لعدم الفائدة فيه مع وجوب القضاء. وفهم منه: أن الفرض إذا لم يتعين، ولم يجب تتابعه ككفارة اليمين، والنذر المضمون، وقضاء رمضان وجزاء الصيد، وفدية الأذى لا يجب فيه الإمساك مطلقاً أفطر عمداً أو نسياناً أو غلبة فهو مخير في الإمساك وعدمه. ومسألة الإمساك مما زدناه على المصنف.
ثم شرع في بيان الكفارة وأنها خاصة برمضان فقال:
(والكفارة) واجبة (برمضان) أي بالفطر في رمضان (فقط) دون غيره (إن أفطر) فيه.
(منتهكاً لحرمته) أي غير مبال بها بأن تعمدها اختياراً بلا تأويل قريب،
ــ
قوله: [فإنه يوجب القضاء]: أي حيث أصبح مفطراً في الخميس. ولم يذكر إلا في أثنائه فيجب عليه إمساكه وقضاؤه.
قوله: [وإن حلف عليه إنسان] إلخ: رد بالمبالغة على من قال: إذا حلف عليه بالطلاق الثلاث جاز له الفطر، ولا قضاء، ومثل الثلاث: إذا كانت معه على طلقة وحلف بها. ومحل عدم جواز الفطر إلا لوجه؛ كتعلق قلب الحالف بمن. حلف بطلاقها، بحيث يخشى أن لا يتركها إن حنث فيجوز، ولا قضاء. وهو حينئذ داخل في قوله بعد لا غيره.
قوله: [أب أو أم]: أي لا جد أو جدة. والمراد الأبوان المسلمان، لا إن كانا كافرين فلا يطيعهما إلحاقاً للصوم بالجهاد، بجامع أن كلاً من الدينيات، هذا هو الظاهر كذا في حاشية الأصل.
قوله: [أخذ على نفسه العهد] إلخ: اعترض بأن العهد إنما يكون من الطاعات وإفساد الصوم حرام. وأجيب بأنه لما اختلف العلماء في إفساد صوم النفل قدم فيه نظر الشيخ، ألا ترى الشافعية يقولون بجواز إفساده واستدلوا بحديث: "الصائم المتطوع [٢] أمير نفسه إن شاء صام وإن شاء أفطر".
قوله: [ومثله شيخ العلم الشرعي]: أي وكذا آلاته.
قوله: [ما يجب فيه الإمساك] إلخ: حاصل ما ذكره في الإمساك بعد الفطر: أن الإمساك في الفرض المعين سواء كان رمضان أو نذراً واجب، سواء أفطر عمداً أو نسياناً أو غلبة بغير إكراه، أو إكراه. وفي المضمون في الذمة - وهو كل صوم لا يجب تتابعه؛ كالنذر الغير المعين وصيام الجزاء والتمتع وكفارة اليمين وقضاء رمضان - جائز لا واجب، فيخير بين الإمساك وعدمه سواء كان الفطر عمداً أو نسياناً أو غلبة أو إكراهاً، وفي النفل واجب في النسيان وغير واجب في العمد الحرام على المعتمد. وأما ما وجب فيه التابع من الصوم وكان فرضاً غير معين؛ ككفارة الظهار والقتل، فإن كان الفطر عمداً فلا إمساك لفساده وإن كان غلبة أو سهواً وجب الإمساك. وكمل على المعتمد إذا كان ذلك في غير اليوم الأول، فإن كان فيه استحب الإمساك فقط.
قوله: [والمعذور من أفطر]: مراده بيان أن المعذور: هو الذي يباح له الفطر مع العلم برمضان، وغير المعذور ضده. ولا يرد علينا المجنون والمكره، فإن فعلهما لا يوصف بإباحة ولا عدمها كما تقدم قوله: [أفطر عمداً أم لا]: صادق بالفطر نسياناً أو غلبة أو إكراهاً.
قوله: [بلا تأويل قريب]: أي بأن لم يكن تأويل أصلاً أو تأويل بعيد كما يأتي، ثم إن الانتهاك إنما يعتبر حيث لم يتبين خلافه، فمن تعمد الفطر يوم الثلاثين منتهكاً للحرمة، ثم تبين أنه يوم العيد فلا كفارة ولا قضاء عليه
стр. 248
احترازاً من الناسي والجاهل والمتأول فلا كفارة عليهم كما يأتي.
(بجماع) أي إدخال حشفته في فرج مطيق ولو بهيمة، وإن لم ينزل وتجب على المرأة إن بلغت. (وإخراج مني) بمباشرة أو غيرها، (وإن بإدامة فكر أو نظر) إن كان عادته الإنزال من استدامتهما ولو في بعض الأحيان (إلا أن) يكون عادته عدم الإنزال من استدامتهما و (يخالف عادته) فينزل بعد استدامتهما فلا كفارة على ما اختاره ابن عبد السلام، وقيل: عليه الكفارة مطلقاً. ومفهوم " إدامة " أنه لو أمنى بمجرد فكر أو نظر فيه فلا كفارة عليه، وهو كذلك.
(أو) أفطر بسبب (رفع نية) صومه [١] نهاراً أو ليلاً، ويستمر ناوياً عدمه حتى طلع الفجر، فالكفارة؛ لأن نية إبطال الصوم والصلاة في الأثناء معتبرة بخلاف رفضهما بعد الفراغ منهما، وبخلاف رفض الحج العمرة مطلقاً.
(أو) أفطر بسبب (إيصال مفطر) من مائع أو غيره (لمعدة من فم فقط): راجع للجميع، أو مفطر -لا غيره- كبلغم لمعدة فقط لا لحلق، وإن وجب القضاء في المائع. وقيل بوجوب الكفارة أيضاً من (فم فقط) لا من غيره كأنف أو دبر لأنها معللة بالانتهاك الذي هو أخص من العمد.
ثم ذكر محترز الانتهاك بقوله: (لا) إن أفطر (بنسيان) لكونه صائماً.
أو (جهل) لرمضان بأن ظن أنه شعبان، أو منه كيوم الشك، أو جهل حرمة الفطر برمضان لقرب عهد بالإسلام، وأما جهل وجوب الكفارة مع علمه بحرمة الفطر فلا ينفعه.
(أو غلبة) بأن سبقه الماء مثلاً أو أكره على تناول المفطر فلا كفارة لعدم الانتهاك. واستثنى من الغلبة مسألتين بقوله: (إلا إذا تعمد قيئاً): أي إخراجه فابتلعه أو شيئاً منه،
ــ
وإن كان آثماً عليه من حيث الجراءة، ومثله من تعمد الأكل قبل غروب الشمس، فتبين أن أكله بعده، وكذلك الحائض تفطر متعمدة ثم يظهر حيضها قبل فطرها وهكذا.
قوله: [والجاهل]: حاصله أن أقسام الجاهل ثلاثة: جاهل حرمة الوطء مثلاً، وجاهل رمضان، وجاهل وجوب الكفارة مع علمه بحرمة الفعل. فالأولان لا كفارة عليهما، والأخير تلزمه الكفارة، فتحصل أن شروط الكفارة للمكلف خمسة كما في الأصل: أولها: العمد فلا كفارة على ناس. الثاني: الاختيار فلا كفارة على مكره أو من أفطر غلبة. الثالث: الانتهاك فلا كفارة على متأول تأويلاً قريباً. الرابع: أن يكون عالماً بالحرمة، فجاهلها - كحديث عهد بإسلام - ظن أن الصوم لا يحرم معه الجماع، فلا كفارة عليه. خامسها: أن يكون في رمضان فقط لا في قضائه ولا في كفارة أو غيرها اهـ. ويزاد في الأكل والشرب: أن يكون بالفم فقط، وأن يصل للمعدة. ولا كفارة على ناذر الدهر إن أفطر في غير رمضان على المعتمد، وقيل: إن ناذر الدهر يكفر عن فطره عمداً، وعليه فقيل: كفارة صغرى، وقيل: كبرى. وعليه فالظاهر تعين غير الصوم، فإن ترتب على ناذر الدهر كفارة لرمضان. وعجز عن غير الصوم. رفع لها نية النذر كالقضاء؛ لأنهما من توابع رمضان. قال في المجموع: والظاهر أن ناذر الخميس والاثنين مثلاً إذا أفطر عامداً يقضي بعد ذلك فقط. ولا كفارة عليه، وإن أجرى فيه (ح) الخلاف السابق.
قوله: [وقيل عليه الكفارة مطلقاً]: اعلم أن في مقدمات الجماع المكروهة إذا أنزل ثلاثة أقوال حكاها في التوضيح وابن عرفة عن البيان. الأول: لمالك في المدونة وهو القضاء والكفارة مطلقاً. والثاني: لأشهب القضاء فقط إلا أن يتابع. والثالث: لابن القاسم في المدونة القضاء والكفارة إلا أن ينزل عن نظر أو فكر غير مستدامين، وقد تقدمت تلك العبارة. فإذا علمت ذلك فشارحنا غير موافق لطريقة من الثلاث وإنما هي طريقة اللخمي.
قوله: [وهو كذلك]: أي على المعتمد.
قوله: [رفع نية لصومه نهاراً]: بأن قال في النهار وهو صائم: رفعت نية صومي أو رفعت نيتي، أما من عزم على الأكل أو الشرب ثم ترك ما عزم عليه فلا شيء عليه، لأن هذا ليس رفعاً للنية، وقد سئل ابن عبدوس عن مسافر صام في رمضان فعطش فقربت له سفرته ليفطر وأهوى بيده ليشرب فقيل له لا ماء معك فكف، فقال: أحب له القضاء، وصوب اللخمي سقوطه، وقال: إنه غالب الرواية عن مالك، وكذلك في المجموع، ومعنى رفع النية: الفطر بالنية لا نية الفطر، فلا يضر إذا لم يفطر بالفعل كما في (ر)، وهو معنى ما في غيره: إنما يضر الرفض المطلق، أما المقيد بأكل شيء فلم يوجد فلا. ومنه من نوى الحدث في أثناء الوضوء فلم يحدث؛ ليس رافضاً. وانظر: لو نوى أن يأكل في الصلاة مثلاً فلم يفعل. وأما قول من ظن الغروب خطأ: اللهم لك صمت وعلى رزقك أفطرت، فظاهر أنه لا يراد به الرفض، وإنما المعنى على رزقك أفطر على حد: ﴿أتى أمر الله﴾ فإن الرزق لا ينتفع به بعد.
قوله: [بخلاف رفضهما بعد الفراغ منهما]: أي فلا يضر على المعتمد من قولين مرجحين.
قوله: [وبخلاف رفض الحج والعمرة]: أي فلا يضر لأنهما عمل مالي وبدني فرفضهما حرج في الدين وقال تعالى: ﴿ما [٢] جعل عليكم في الدين من حرج﴾ [الحج: ٧٨].
قوله: [الذي هو أخص من العمد]: أي لأن العمد موجود في الواصل من الأنف والأذن والعين وليس هناك انتهاك؛ واعترض
стр. 249
ولو غلبة فيلزمه الكفارة (أو) إلا إذا تعمد (استياكاً بجوزاء نهاراً) وابتلعها ولو غلبة؛ فالكفارة بخلاف ما لو ابتلعها نسياناً فالقضاء فقط، والجوزاء قشر يتخذ من أصول شجر الجوز يستعمله بعض نساء أهل المغرب.
(ولا) إن أفطر (بتأويل قريب) فلا كفارة، والتأويل: حمل اللفظ على خلاف ظاهره لموجب، وقريبه ما ظهر موجبه، وبعيده ما خفي موجبه أي دليله، والمراد به هنا الظن، أي ظن إباحة الفطر، وقريبه ما استند إلى أمر محقق موجود، وبعيده: ما استند إلى أمر موهوم غير محقق.
ومثل للقريب بقوله: (كمن أفطر ناسياً أو مكرهاً): فظن أنه لا يجب عليه الإمساك لفساد صومه فأفطر، وقوله: (على الأظهر) راجع للمكره؛ فلا كفارة. لأن ظنه استند إلى فطره أولاً، ناسياً أو مكرهاً. (أو) كمن (قدم) من سفره (قبل الفجر) فظن إباحة فطره صبيحة تلك الليلة فأفطر.
(أو سافر دون) مسافة (القصر) فظن إباحة الفطر فأفطر.
(أو رأى شوالاً نهاراً) يوم الثلاثين من رمضان فظن أنه يوم عيد فأفطر.
(أو) أصابته جنابة ليلاً فأصبح جنباً (لم يغتسل إلا بعد الفجر) فظن إباحة الفطر فأفطر.
(أو احتجم) نهاراً فظن إباحة الفطر فأفطر.
(أو ثبت رمضان) يوم الشك (نهاراً) فظن عدم وجوب الإمساك فأفطر فلا كفارة.
فقوله: (فظنوا الإباحة): أي إباحة الفطر (فأفطروا) راجع للجميع، فإن علموا الحرمة أو شكوا فيها فالكفارة.
(بخلاف) التأويل (البعيد) ففيه الكفارة (كراء) لهلال رمضان، (لم يقبل) عند الحاكم فرد شهادته، فظن إباحة الفطر فأفطر.
(أو) أفطر (لحمى أو لحيض) ظن أنها تقع له في ذلك اليوم فعجل الفطر قبل الحصول فالكفارة (ولو حصلا أو) أفطر (لغيبة) بكسر الغين صدرت منه في حق غيره فظن الفطر.
(أو) أفطر (لعزم على سفر) في ذلك اليوم (ولم يسافر) فيه فالكفارة (وإلا) بأن سافر فيه (فقريب) فلا كفارة، وسيأتي تفصيل مسألة السفر إن شاء الله تعالى.
(وهي): أي الكفارة ثلاثة أنواع على التخيير:
ــ
بأن الانتهاك عدم المبالاة بالحرمة وهو متأت من الأنف والأذن والعين، ولذا علل بعضهم بقوله لأن هذا لا تتشوف إليه النفوس، وأصل الكفارة إنما شرعت لزجر النفس عما تتشوف إليه.
قوله: [ولو غلبة فيلزمه الكفارة]: ما قبل المبالغة العمد، فالتكفير في صورتين: العمد والغلبة، لا إن ابتلعه ناسياً.
قوله: [استياكاً بجوزاء]: أي وصل للجوف شيء من ذلك بعد تعمد الاستياك بها.
وحاصل الفقه: أنه إن تعمد الاستياك بها نهاراً كفر في صورتين وهما: إذ ابتلعها عمداً أو غلبة لا نسياناً وإن استاك بها نهاراً نسياناً ووصل شيء منها للجوف فلا يكفر إلا إذا ابتلعها عمداً - لا غلبة أو نسياناً - فالقضاء فقط، ومثله إذا تعمد الاستياك بها ليلاً، وهذا حاصل كلامه في الأصل تبعا ل (عب) قال (بن): وفيه نظر لأن الكفارة لم يذكرها التوضيح إلا عن ابن لبابة وهو قيدها بالاستعمال نهاراً لا ليلاً، وإلا فالقضاء فقط، وكذا نقله ابن غازي والمواق عن ابن الحاجب - كذا في حاشية الأصل، ولذلك شارحنا قيد بالنهار وقد استظهر في المجموع ما يوافق الأصل فتأمل.
قوله: [لأن ظنه استند إلى فطره أولاً ناسياً أو مكرهاً]: أي فالنسيان أو الإكراه شبهة لما في الحديث الشريف: «رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه»، فقد استند لأمر محقق وقد صرف اللفظ عن ظاهره، لأن أصل معنى اللفظ رفع إثم الجراءة، وجواز الأكل والشرب خلاف ظاهره.
قوله: [أو كمن قدم من سفره]: أي فقد استند إلى أمر موجود وهو قوله تعالى: ﴿ومن كان مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر﴾ [البقرة: ١٨٥] وقوله ﷺ : «ليس من البر الصيام في السفر» وهذا هو مستند من سافر دون القصر أيضاً، ومعلوم أن كلاً صرف اللفظ عن ظاهره.
قوله: [أو رأى شوالاً نهاراً]: وشبهته قوله ﷺ : «صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته».
قوله: [فأصبح جنباً]: وشبهته ما ورد من النهي عن ذلك، ومذهب ابن عباس وأبي هريرة فساد الصوم بذلك.
قوله: [أو احتجم نهاراً] إلخ: مستنداً لحديث: "أفطر الحاجم والمحتجم".
قوله: [فظن عدم وجوب الإمساك]: وشبهته عدم العلم بالرؤية ليلاً، وفوات محل النية فهو أقوى شبهة ممن أفطر نسياناً.
قوله: [فظنوا الإباحة]: أي هؤلاء الثمانية والعدد ليس بحاصر، بل يقاس عليه كل ذي شبهة قوية، ومن ذلك فطر من لم يكذب العدلين بعد ثلاثين، فإن الشافعي يقول به، ومن تسحر بلصق الفجر فظن بطلان الصوم فأفطر.
قوله: [أو شكوا فيها]: إنما كانت الكفارة مع الشك لضعف الشبهة.
قوله: [كراء]: إنما كان تأويله بعيداً لمخالفته نص الآية والحديث، وهما قوله تعالى: ﴿فمن شهد منكم الشهر فليصمه﴾ [البقرة: ١٨٥] وقوله ﷺ : «صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته» ولزوم الكفارة له مذهب ابن القاسم، وهو المشهور.
قوله: [فالكفارة ولو حصلا]: هذا هو المشهور، وقال ابن عبد الحكم: لا كفارة فيهما، ورآه من التأويل القريب.
قوله: [أو أفطر لغيبة]: وإنما لم تكن الآية والحديث الوارد في ذلك من الشبهة القوية فيكون تأويلاً قريباً لبعد حمل الأكل في الآية، والفطر في الحديث على المعنى الحقيقي.
قوله: [فقريب]: أي لاستناده [١].
стр. 250
إما (إطعام ستين مسكيناً) المراد به ما يشمل الفقير، (لكل مد) بمده ﷺ لا أكثر ولا أقل، وتقدم أن المد ملء اليدين المتوسطتين وهو الأفضل.
(أو صيام شهرين متتابعين) بالهلال إن ابتدأها أول شهر، فإن ابتدأها أثناء شهر صام الذي بعده بالهلال كاملاً أو ناقصاً، وكمل الأول من الثالث ثلاثين يوماً فإن أفطر في يوم عمداً بطل جميع ما صامه واستأنفه.
(أو عتق رقبة) ذكراً أو أنثى فيها شائبة حرية (مؤمنة) فلا تجزئ كافرة، (سالمة من العيب) كالظهار فلا تجزئ عوراء ولا بكماء ولا شلاء ولا نحو ذلك.
والتخيير [١] بين في الحر الرشيد، وأما العبد فإنما يكفر بالصوم إلا أن يأذن له سيده بالإطعام، وأما السفيه فيأمره وليه بالصوم، فإن لم يقدر كفر عنه وليه بأدنى النوعين.
(وكفر) السيد (عن أمته إن وطئها) ولو أطاعته.
(و) كفر الرجل (عن غيرها) أي غير أمته كزوجة أو امرأة زنى بها (إن أكرهها لنفسه)، لا إن أطاعته ولا إن أكرهها لغيره، فعليها إن طاوعت لا إن أكرهت
(نيابة) عنهما فيكون التكفير عنهما (بلا صوم)، إذ الصوم عمل بدني لا يقبل النيابة، (وبلا عتق في الأمة) الموطوءة إذ لا يصح منها العتق حتى ينوب عنها فيه، فيتعين الإطعام فيها، وجاز العتق عن الحرة كالإطعام.
ثم شرع في بيان ما لا قضاء فيه مما قد يتوهم فيه القضاء، فقال:
(ولا قضاء بخروج قيء غلبة) إذا لم يزدرد منه شيئاً ولو كثر، بخلاف خروجه باختياره فيقضي كما تقدم.
(أو غالب ذباب): عطف على خروج، (أو) غالب (غبار طريق، أو) غالب (كدقيق) نحو جبس لصانعه، (أو) غبار (كيل لصانعه) من طحان وناخل ومغربل وحامل - بخلاف غير الصانع فعليه القضاء - ومن الصانع من يتولى أمور نفسه من هذه الأشياء، أو من حفر أرض لحاجة كقبر أو نقل تراب لغرض.
ــ
لظاهر الآية والحديث كما تقدم.
قوله: [إما إطعام ستين مسكيناً]: مراده التمليك سواء أكله أو باعه.
قوله: [المراد به ما يشمل الفقير]: أي لما تقدم لنا من أنهما إذا افترقا اجتمعا.
قوله: [لكل مد]: أي ولا يجزئ غداء وعشاء خلافاً لأشهب، وتعددت بتعدد الأيام لا في اليوم الواحد، ولو حصل الموجب الثاني بعد الإخراج، أو كان الموجب الثاني من غير جنس الأول.
قوله: [وهو الأفضل]: أي ولو للخليفة خلافاً لما أفتى به يحيى بن يحيى أمير الأندلس عبد الرحمن من تكفيره بالصوم بحضرة العلماء، فقيل له في ذلك؟ فقال: لئلا يتساهل فيعود ثانياً، وإنما كان الإطعام أفضل لأنه أكثر نفعاً لتعديه لأفراد كثيرة، والظاهر أن العتق أفضل من الصوم لأن نفعه متعد للغير.
قوله: [فإن أفطر في يوم عمداً]: أي لا غلبة أو نسياناً فلا يبطل ما صامه بل يبني.
قوله: [كالظهار]: أحال عليه وإن لم يتقدم له ذكر لشهرته في المذهب.
قوله: [والتخيير بين]: أي في الأنواع الثلاثة فأو في كلام المصنف للتخيير، وقد جمع بعضهم أنواع الكفارات بقوله:
ظهاراً وقتلاً رتبوا وتمتعا ... كما خيروا في الصوم والصيد والأذى
وفي حلف بالله خير ورتبن ... فدونك سبعاً إن حفظت فحبذا
قوله: [إلا أن يأذن له سيده بالإطعام]: أي فيجزئه بخلاف العتق فلا يجزئه ولو أذن له سيده.
قوله: [بأدنى النوعين]: المراد كفر عنه بأقلهما قيمة، فإذا كانت قيمة الرقيق أقل كفر عنه بالعتق، وإن كانت قيمة الطعام أقل كفر عنه بالإطعام، وقال عبد الحق يحتمل بقاؤهما في ذمته إن أبى الصوم، قال في التوضيح: وهذا أبين وهو يفيد أنه لا يجبره على الصوم.
قوله: [ولو أطاعته]: أي لأن طوعها إكراه وهذا ما لم تطلبه ولو حكماً بأن تتزين له فتلزمها وتصوم ما لم يؤذن لها في الإطعام.
قوله: [إن أكرهها لنفسه]: والإكراه يكون بخوف مؤلم كضرب فأعلى كإكراه الطلاق فقد ذكر (ر) أن الإكراه في العبادات يكون بما ذكر، كذا في حاشية الأصل نقلاً عن (بن)، ومحل تكفيره عنها إن كانت بالغة مسلمة عاقلة وإلا فلا.
قوله: [فعليها إن طاوعت لا إن أكرهت]: لعل صوابه فعليه إن طاوع لا إن أكره أي فكفارة المرأة على الشخص الذي أكرهت له إن طاوع هو بالجماع، لا إن أكره أيضاً، فكفارة المرأة على المكره لها ولا كفارة على من أكره الرجل نظراً لانتشاره، ولا على المكره بالفتح نظراً للإكراه، وفي (بن) عن ابن عرفة: لا كفارة على مكره على أكل أو شرب أو امرأة على وطء. فانظره كذا في المجموع.
قوله: [إذ لا يصح منها العتق]: أي لأن الرقيق لا يحرر غيره.
تنبيه: إن أكره العبد زوجته فجناية وليس لها حينئذ أن تكفر بالصوم، وتأخذه وأيضاً إنما تكفر نيابة عن العبد في الكفارة وهو لا يكفر عنها بالصوم، فإن أكره الرجل زوجته على مقدمات الجماع حتى أنزلت ففي تكفيره عنها قولان.
قوله: [بخروج قيء]: وأولى القلس.
قوله: [فيقضي كما تقدم]: أي ولا كفارة عليه ما لم يزدرد منه شيئاً عمداً أو غلبة.
قوله: [لصانعه]: راجع لما بعد الكاف، واغتفر للصانع للضرورة وهو المعتمد، وقال بعضهم: لا يغتفر. وأما غير الصانع فلا يغتفر اتفاقاً إن تعرض له.
стр. 251
(أو) في (حقنة من إحليل) أي ثقب الذكر ولو بمائع لأنه لا يصل عادة للمعدة (أو) في (دهن جائفة) وهي الجرح في البطن أو الجنب الواصل للجوف يوضع عليه الدهن للدواء، وهو لا يصل لمحل الأكل والشرب وإلا لمات من ساعته.
(أو) في (نزع مأكول)، أو مشروب، (أو) نزع (فرج طلوع الفجر) أي مبدأ طلوعه فلا قضاء بناء على أن نزع الذكر لا يعد وطئاً، وإلا كان واطئاً نهاراً.
(فإن ظن) هذا النازع (الإباحة) أي إباحة الفطر (فأفطر): أي فأصبح مفطراً (فتأويل قريب) لأنه استند فيه لأمر محقق فلا كفارة عليه.
ثم شرع في بيان أمور تجوز للصائم وأراد بالجواز: الإذن المقابل للمنع، فيشمل ما استوى طرفاه، وما هو خلاف الأولى، وما هو مكروه فقال:
(وجاز) للصائم (سواك كل النهار) خلافاً لمن قال يكره بعد الزوال والمراد أنه مستحب عند المقتضى الشرعي كالوضوء.
(ومضمضة لعطش) أو حر. (وإصباح بجنابة): بمعنى خلاف الأولى.
(و) جاز (فطر بسفر قصر) بمعنى يكره (أبيح) مراده بالمباح: ما قابل الممنوع؛ كالسفر لقطع طريق، أو لسرقة ونحو ذلك من سفر المعصية.
ومحل الجواز: (إن بيته) أي الفطر (فيه) أي في السفر أي في أثناء المسافة في غير اليوم الأول منه بل (وإن بأول يوم)، أي وإن كان تبييت الفطر في أول يوم من سفره، بأن وصل لمحل بدء قصر الصلاة قبل الفجر كأن يعدي البساتين المسكونة قبله، فينوي الفطر حينئذ فقوله:
(إن شرع) في سفره (قبل الفجر) تصريح بما علم التزاماً مما قبله زيادة في الإيضاح، لأنه إذا بيت الفطر في السفر لزم أنه شرع في سفره الذي أوله محل قصر الصلاة قبل الفجر. فعلم أن لجواز الفطر برمضان أربعة شروط: أن يكون السفر سفر قصر، وأن يكون مباحاً، وأن يشرع قبل الفجر إذا كان أول يوم، وأن يبيت الفطر. فإن توفرت هذه الشروط جاز الفطر (وإلا) بأن انخرم شرط منها (فلا) يجوز. ويبقى الكلام بعد ذلك في الكفارة وعدمها إذا أفطر فيه؛ فبين أن عليه الكفارة في ثلاث مسائل بقوله:
(وكفر إن بيته) أي الفطر (بحضر) بأن نواه قبل الشروع فيه. (ولم يشرع) في السفر (قبل الفجر)، بل بعده وأولى إذا لم يسافر أصلاً، ولا يعذر بتأويل لأنه حاضر بيت الفطر، فإن سافر قبل الفجر بأن عدى البساتين المسكونة قبله فظاهر أنه لا كفارة عليه.
ــ
قوله: [من إحليل]: أي وأما من الدبر أو فرج المرأة فتوجب القضاء إذا كانت بمائع هكذا قال شراح خليل، واعترضه أبو علي المسناوي: بأن فرج المرأة ليس متصلاً بالجوف فلا يصل منه شيء إليه، وفي المدونة كره مالك الحقنة للصائم، فإن احتقن في فرج بشيء يصل إلى جوفه، فالقضاء ولا يكفر، وفي (ح) عن النهاية: أن الإحليل يقع على ذكر الرجل وفرج المرأة اهـ. (بن) نقله محشي الأصل) فإذا علمت ذلك فقول شارحنا: "أي ثقبة الذكر" لا مفهوم له بل مثله فرج المرأة.
قوله: [بناء على أن نزع الذكر] إلخ: ونص ابن شاس: ولو طلع الفجر وهو يجامع فعليه القضاء إن استدام. فإن نزع أي في حال الطلوع - ففي إثبات القضاء ونفيه خلاف بين ابن الماجشون وابن القاسم، سببه أن النزع هل يعد جماعاً أم لا.
قوله: [فيشمل ما استوى طرفاه]: أي لأن ما يأتي متنوع إلى مستوي الطرفين، ومندوب ومكروه وخلاف الأولى وسيظهر بالوقوف عليه.
قوله: [خلافاً لمن قال يكره] إلخ: وهو الشافعي وأحمد مستدلين بحديث: «لخلوف فم الصائم عند الله أطيب من ريح المسك»، والخلوف بالضم: ما يحدث من خلو المعدة من الرائحة الكريهة في الفم، وشأن ذلك يكون بعد الزوال، فإذا استاك زال ذلك المستطاب عند الله، فلذا كان مكروهاً، وحجتنا أنه كناية عن مدح الصوم وإن لم تبق حقيقة الخلوف، كما يقال: فلان كثير الرماد أي كريم، وإن لم يوجد رماد، وهذا كما قال في المجموع: خير مما قيل إن السواك لا يزيل الخلوف، لأنه من المعدة، فإنه قد يقال: وإن لم يزله يضعفه والمقصود تقوية رائحته. لكن في الصحيح ما يقوي مذهب الشافعي وأحمد، من «أن موسى ﵊ صام ثلاثين يوماً فوجد خلوفاً فاستاك منه، فأمر بالعشر كفارة» لذلك قال تعالى: ﴿وواعدنا موسى ثلاثين ليلة وأتممناها بعشر﴾ [الأعراف: ١٤٢] قالوا: سبب العشر الاستياك. وأجاب في المجموع بقوله: ولعله لمعنى يخصه، أو أن العبرة في شريعتنا بعموم أحاديث السواك، فإنها مبنية على التيسير بخلاف الشرائع السابقة.
قوله: [ومضمضة لعطش]: أي فهو جائز مستوي الطرفين، أو مطلوب إن توقف زوال العطش عليه، وأما المضمضة لغير موجب فمكروهة.
قوله: [بمعنى خلاف الأولى]: أي إذا تقصدها من غير عذر.
قوله: [أربعة شروط]: منها ما يعم يوم السفر وما بعده وهو قوله "بسفر قصر أبيح"، وقوله "أن يبيته فيه"، ومنها ما يخص يوم السفر دون ما بعده، وهو قوله "إن شرع فيه قبل الفجر"، ويؤخذ من تلك الشروط أنه يجوز للصائم المسافر الفطر، ولو أقام يومين أو ثلاثاً بمحل، ما لم ينو إقامة أربعة أيام كقصر الصلاة كما صرح به في النوادر، ونقله ابن عرفة.
١ -
قوله: [في ثلاث مسائل]: أي إجمالاً وتحت كل صور.
قوله: [وأولى إذا لم يسافر أصلاً]: يشير إلى أن في هذه المسألة أربع صور وهي: سافر بعد الفجر، أو لم يسافر أصلاً، تأول، أم لا.
стр. 252
المسألة الثانية قوله: (أو) بيت (الصوم بسفر) بأن نوى الصوم وطلع عليه الفجر وهو ناويه، سواء في أول يوم أو في غيره ثم أفطر فإنه يلزمه الكفارة ولا يعذر بتأويل أيضاً؛ لأنه لما جاز له الفطر فاختار الصوم ثم أفطر، كان منتهكاً متلاعباً بالدين وهاتان المسألتان مفهوم قوله: "إن بيته فيه".
وأشار للمسألة الثالثة -مشبهاً لها بما قبلها ليرجع التفصيل بعد الكاف- بقوله: (كحضر): أي كما لو بيت الصوم بحضر -كما هو الواجب عليه- ولم يسافر قبل الفجر وعزمه السفر بعده، (وأفطر قبل الشروع) فيه (بلا تأويل): فيلزمه الكفارة لانتهاكه الحرمة عند عدم التأويل.
(وإلا) بأن تأول أي ظن إباحة الفطر فأفطر أو أفطر بعد الشروع (فلا) كفارة عليه لقرب تأويله، لاستناده إلى السفر حيث سافر، وهذه أيضاً من مفهوم: "إن بيته"، فيه لأن معناه إن بيت الفطر في السفر، ومفهومه: بيت الفطر في الحضر وهي الأولى، أو بيت الصوم في السفر وهي الثانية، أو بيت الصوم في الحضر وهي الثالثة، فالكفارة في الأوليين مطلقاً، وفي الثالثة إن لم يتأول.
وبقي مفهوم "أبيح" وفيه الكفارة مطلقاً لظهور الانتهاك فيه، ولذا تركه، وأما مفهوم: "سفر قصر" فقد تقدم في ذكر التأويل القريب والله أعلم. (و) جاز فطر (بمرض): فهو معطوف على بسفر (إن خاف) بالصوم (زيادته) أي المرض (أو) خاف (تماديه) وهو معنى تأخر البرء، وأولى إن خاف حدوث مرض آخر.
(ووجب) الفطر (إن خاف) بالصوم (هلاكاً أو شديد ضرر)، كتعطيل حاسة من حواسه.
(كحامل أو مرضع لم يمكنها) أي المرضع (استئجار) لعدم مال أو مرضعة أو عدم قبوله غيرها (ولا غيره) -وهو الرضاع مجاناً- (خافتا) بالصوم (على ولديهما): فيجوز إن خافتا عليه مرضاً أو زيادته، ويجب إن خافتا هلاكاً أو شدة ضرر، وأما خوفهما على أنفسهما فهو داخل في عموم قوله: "وبمرض" إلخ إذ الحمل مرض، والرضاع في حكمه فإن أمكنها استئجار أو غيره وجب صومها.
(والأجرة) أي أجرة الرضاع (في مال الولد) إن كان له مال، (ثم الأب) إن لم يكن له مال.
(و) وجب (إطعام مده ﵊ لمفرط في قضاء رمضان لمثله) أي إلى أن دخل عليه رمضان الثاني ولا يتكرر بتكرر الأمثال (عن كل يوم) أي إطعام مده من غالب قوت البلد عن كل يوم مد (لمسكين إن أمكن القضاء بشعبان)، بأن يبقى منه بقدر ما عليه من رمضان.
(لا) يجب على المفرط في قضاء رمضان إطعام (إن اتصل عذره) من مرض أو سفر أو جنون أو حيض أو نفاس، (بقدر ما) أي الأيام التي (عليه)، إلى تمام شعبان؛ فمن عليه خمسة أيام مثلاً وحصل له عذر قبل رمضان الثاني بخمسة أيام فلا إطعام عليه، وإن كان طول عامه خالياً من الأعذار، وإن حصل العذر له في يومين فقط وجب عليه إطعام ثلاثة أمداد، لأنها [١] أيام التفريط دون أيام العذر، فقوله "عذره" أعم من قوله مرضه. وقولنا: "بقدر" إلخ
ــ
قوله: [أو بيت الصوم بسفر]: في تلك المسألة أربع صور وهي: كان في أول اليوم، أو غيره، تأول، أم لا.
قوله: [ومفهوم قوله إن بيته]: أي مفهوم قول المصنف إن بيته - أي الفطر - فيه، أي في السفر، وسيأتي للشارح توضيح تلك المفاهيم.
قوله: [وأشار للمسألة الثالثة]: منطوقها الذي فيه الكفارة صورة واحدة، ومفهومها الذي لا كفارة فيه ثلاث صور.
قوله: [أو أفطر بعد الشروع]: أي ولو لم يتأول، فقوله "لقرب تأويله": تعليل لفطره متأولاً قبل الشروع كما صرح به في الأصل.
قوله: [حيث سافر]: مفهومه: لو أفطر عازماً على السفر قبل الشروع ولم يسافر يومه، لزمته الكفارة. ولا ينفعه تأويل.
قوله: [مطلقاً]: تقدم تحت الإطلاق ثمان صور في كل أربع.
قوله: [وفي الثالثة إن لم يتأول]: فهي صورة واحدة، وهي فطره قبل الشروع بلا تأويل، ومفهومها ثلاث قد علمتها.
قوله: [وبقي مفهوم أبيح] إلخ: إنما اشترطت الإباحة لأنه رخصة تختص بالسفر.
تنبيه: قال في المجموع: وكلام الأجهوري في فضائل رمضان: أن السفر بعد الفجر في رمضان مكروه، وفي الحطاب فيمن سافر لأجل الفطر: هل يمنع - معاملة له بنقيض مقصوده - كمن تحيل في الزكاة، أو ارتد لإسقاط شيء؟ وقرر شيخنا: أن السفر لذلك مكروه أو حرام، ويجوز الفطر فتأمله اهـ.
قوله: [وجاز فطر بمرض]: أي ويجوز للصائم الفطر بسبب المرض فالباء سببية. وما ذكره المصنف من الجواز هو المشهور.
قوله: [زيادته أي المرض أو خاف تماديه]: ومثلهما الجهد والمشقة بخلاف جهد الصحيح ومشقته فلا يبيح الفطر.
قوله: [فيجوز إن خافتا عليه مرضاً] إلخ: ومثلهما الجهد والمشقة كما قال اللخمي، وحكى ابن الحاجب الاتفاق عليه.
قوله: [إذ الحمل مرض]: أي ولذلك كانت الحامل لا إطعام عليها، بخلاف المرضع لأنه ليس مرضاً حقيقياً لها.
قوله: [ثم الأب]: هذا هو الراجح، وقيل على الأم حيث يجب عليها الرضاع بأن كانت غير علية القدر وغير مطلقة طلاقاً بائناً، وإلا فلا يجب عليها اتفاقاً.
قوله: [وإن أمكن القضاء بشعبان] إلخ: حاصله: أنه يلزم المفرط إطعام المد عن كل يوم لمسكين إذا كان يمكن قضاء
стр. 253
قيد زائد على كلامه لدفع توهم اتصال العذر من رمضان لرمضان، أو في جميع شعبان (مع القضاء) متعلق بإطعام أو بمحذوف: أي [١] يطعم مع القضاء ندباً أي يندب إطعام المد أي إخراجه مع كل يوم يقضيه من العام الثاني (أو بعده) أي بعد تمام كل يوم أو بعد تمام جميع أيام القضاء، يخرج جميع الأمداد فإن أطعم بعد الوجوب بدخول رمضان وقبل الشروع في القضاء أجزأ وخالف المندوب.
(و) وجب الإطعام عن كل يوم مد (لمرضع) أي على مرضع (أفطرت) خوفاً على ولدها، بخلاف الحامل تخاف على حملها.
(و) وجب (رابع النحر) أي صومه (لناذره) إن لم يعينه بأن نذر صوم كل خميس فصادف رابع النحر أو نذر السنة، فيجب صومه (بل وإن عينه) كعلي صوم رابع النحر.
(وكره) تعيينه بالنذر (كصومه تطوعاً) يكره ولا يحرم.
(وحرم صوم سابقيه) أي اليوم الثاني والثالث بعد يوم العيد ولو نذرهما (إلا لكمتمتع): أي إلا لمتمتع ونحوه كقارن وكل من لزمه هدي لنقص في حج و (لم يجد هدياً) فيجوز له صومهما بمنى ثم السبعة إذا رجع.
(وإن نوى) صائم (برمضان) أي فيه (وإن بسفره) أي وإن كان مسافراً فيه (غيره) مفعول نوى –أي: نوى بصيامه غير رمضان الحاضر- كتطوع ونذر وصوم تمتع وقضاء رمضان السابق (أو نواه وغيره) أي بصومه رمضان الحاضر وغيره (لم يجزه عن واحد منهما) أي لا عن رمضان الحاضر ولا عن غيره.
(وليس لامرأة يحتاج لها) أي لجماعها (زوجها) أو سيدها (تطوع) بصوم أو حج أو عمرة (أو نذر) لشيء من ذلك، (بلا إذن) من زوجها أو سيدها، (وله) أي للزوج إذا تطوعت بلا إذن (إفساده بجماع) لا بأكل أو شرب، (لا إن أذن) لها فليس له ذلك.
(ومن قام رمضان) أي وأحيا لياليه بصلاة التراويح أو غيرها بالذكر والاستغفار وتلاوة القرآن (إيماناً) أي تصديقاً بما وعده الله به على ذلك من الأجر، (واحتساباً) أي محتسباً ومدخراً أجره عند الله تعالى لا غيره بخلوص عمله لله لم يشرك به غيره (غفر له ما تقدم من ذنبه) أي غير حقوق العباد وأما هي: فتتوقف على إبراء الذمة ولو عموماً، أو غرم ما في ذمته من الأموال؛ المثل في المثلي، والقيمة في المقوم، أو ورده بعينه إن كان باقياً وهذا لفظ حديث روي عن النبي ﷺ .
ــ
ما عليه في شعبان، وذلك بأن صار الباقي من شعبان بقدر ما عليه وهو صحيح مقيم خال من الأعذار، ولم يقض حتى دخل عليه رمضان، وانظر لو كان عليه ثلاثون يوماً، ثم صام من أول شعبان ظاناً كماله، فإذا هو تسعة وعشرون يوماً هل عليه إطعام يوم أو لا والظاهر الثاني لأنه لم يفرط في القضاء كذا في حاشية الأصل، ثم إن المعتبر في التفريط وعدمه شعبان الأول، فإن حصل فيه عذر ثم تراخى في شعبان الثاني لا يلزمه إطعام، قاله الشيخ أحمد الزرقاني وليس من العذر الجهل بوجوب تقديم القضاء على رمضان الثاني، وقيل إنه عذر والخلاف جار في النسيان، والسفر وفي المجموع وليس السفر والنسيان عذراً هنا بل الإكراه.
قوله: [أجزأ] إلخ: أي كما قال ابن حبيب: ولا ينافيه قول المدونة لا تفرق الكفارة الصغرى قبل الشروع في القضاء، بحمل النهي على الكراهة، ومفهوم قوله "بعد الوجوب" أنه لو أطعم قبل الوجوب فلا يجزئ.
١ -
قوله: [بأن نذر صوم كل خميس]: أي أو نذر الحجة.
قوله: [بل وإن عينه]: أتى بالمبالغة لدفع توهم عدم لزومه، لأن نذره بعينه تقصد للمكروه، وإنما يلزم به ما ندب، بخلاف ما لو دخل في جملة الأيام فلا يتوهم تقصد المكروه.
قوله: [يكره ولا يحرم]: ولذلك لزم الناذر نظراً لذات العبادة، فإنها مندوبة، والكراهة لذات الوقت، وقولهم المكروه لا يلزم بالنذر إذا كانت كراهته من كل الجهات.
قوله: [ولم يجد هدياً]: ومثله الفدية على ما عزاه ابن عرفة للمدونة، ومشى عليه خليل فيما يأتي من قوله أو صيام ثلاثة أيام ولو أيام منى.
قوله: [لم يجزه عن واحد منهما]: حاصل المسألة أن الصور ست عشرة، وهي: أن ينوي برمضان الحاضر تطوعاً، أو نذراً، أو كفارة، أو قضاء الخارج؛ فهذه أربعة تضرب في الحضر والسفر بثمان كلها لا تجزئ إلا إذا نوى برمضان الحاضر قضاء الخارج. فقال ابن القاسم بالإجزاء، وصحح. أو ينوي رمضان الحاضر مع الخارج، أو هو ونذراً، أو هو وكفارة، أو هو وتطوعاً؛ فهذه أربع تضرب في الحضر والسفر بثمان أيضاً رجح فيه الإجزاء عن الحاضر كما في (عب) وغيره لأنه صاحب الوقت. وفي باقي مسائل الحضر الذي لم يجز فيها رمضان الحاضر فعليه الكفارة إن لم يتأول.
قوله: [إفساده بجماع]: أي ما ذكر من التطوع والنذر، ويجب عليها القضاء لأنها معتدية فكأنها أفطرت عمداً حراماً.
قوله: [لا بأكل أو شرب]: أي لأن احتياجه إليها الموجب لتفطيرها من جهة الوطء فلا وجه لإفساده عليها بالأكل والشرب، بقي لو أرادت تعجيل قضاء رمضان، هل له منعها؟ كالتطوع والنذر، وقال شيخ مشايخنا العدوي: ليس له المنع. قال في المجموع: وقد يقال: له منعها بالأولى من فرض اتسع وقته.
قوله: [غفر له ما تقدم من ذنبه]: ظاهره حتى الكبائر التي لم تكن متعلقة بالعباد وهو كذلك، وفضل الله لا يتقيد خلافاً لمن خصها بالصغائر فإنه تخصيص للعام من غير دليل.
стр. 254
باب في الاعتكاف
(الاعتكاف نافلة) من نوافل الخير، (مرغب فيه) شرعاً (وهو) في الأصل: مطلق اللزوم لشيء، وشرعاً: (لزوم مسلم مميز) من إضافة المصدر لفاعله؛ فلا يصح من كافر ولا من غير مميز. (مسجداً) مفعول المصدر فلا يصح في غيره من بيت أو خلوة، (مباحاً) للناس فلا يصح في مسجد البيوت المحجورة (بصوم): أي صوم كان فرضاً أو نفلاً، رمضان أو غيره (كافاً) حال من مسلم (عن الجماع ومقدماته) ليله ونهاره وإلا فسد.
(يوماً بليلته) أي ليلة اليوم وهي السابقة عليه كليلة الخميس ويومه، وهذا إشارة إلى أقله، (فأكثر) فيه إشارة إلى أنه لا حد لأكثره، وأحبه عشرة أيام، وقوله: "يوماً" ظرف "للزوم". (للعبادة) متعلق بلزوم، وسيأتي بيان أفضلها (بنية): الباء للملابسة أو بمعنى مع، متعلقة بـ (لزوم) إذ هو عبادة، وكل عبادة تفتقر لنية.
(ومن فرضه الجمعة): وهو الذكر الحر البالغ المقيم، (و) نذر أو أراد اعتكافاً (تجب) الجمعة (به) أي فيه -أي في زمنه- كسبعة أيام فأكثر أو أقل والجمعة في أثنائه كثلاثة أيام أولها الخميس، (فالجامع) متعين في حقه.
(وإلا) يعتكف في الجامع، بل اعتكف في مسجد غيره (خرج) للجمعة وجوباً (وبطل) اعتكافه بمجرد خروجه برجليه معاً (ويقضيه) وجوباً وشبه في وجوب الخروج والبطلان والقضاء قوله:
ــ
خاتمة: من أفطر متعمداً في قضاء رمضان فإنه يؤدب، ومثله من أفطر متعمداً في كل واجب. ولو كان فطره بما يوجب الحد كفاه الحد وقيل يجمع بينهما والأول أوجه. واختلف: هل يلزمه قضاء القضاء فيقضي يومين: يوماً عن الأصل، ويوماً عن القضاء؟ أو لا يلزمه إلا الأصل؟ وهو الأرجح، وأما إن أفطر سهواً أو لعذر فلا يقضي اتفاقاً. واختلف: هل يؤدب المفطر عمداً في النفل لغير وجه أو لا يؤدب للخلاف فيه وهو الذي جزم به في المجموع تبعاً للبناني، وترك المصنف هنا مسائل النذر اتكالاً على ما يأتي في بابه، وذكرها هنا خليل استطراداً والله أعلم.
باب في الاعتكاف [١]
لما أنهى الكلام على ما أراده من فروع الصوم، وكان من حكمة مشروعيته تصفية مرآة العقل والتشبه بالملائكة الكرام في وقته، أتبعه بالكلام على الاعتكاف التام الشبه بهم في استغراق الأوقات في العبادات، وحبس النفس عن الشهوات، وكف اللسان عما لا ينبغي. ويقال: عكف يعكف -بالضم والكسر- عكفاً وعكوفاً: أقبل على الشيء مواظباً، واعتكف وانعكف بمعنى واحد، وقيل اعتكف على الخير وانعكف على الشر اهـ. خرشي.
قوله: [نافلة]: صادق بالندب والسنية؛ وهما قولان.
قوله: [مطلق اللزوم]: أي لخير أو شر، ومنه قوله تعالى: ﴿فأتوا على قوم يعكفون على أصنام لهم﴾ [الأعراف: ١٣٨] قوله: مميز: هو الذي يفهم الخطاب ويرد الجواب ولا ينضبط بسن بل يختلف باختلاف الناس، ويخاطب المميز غير البالغ بالصوم تبعاً للاعتكاف لأنه من شروط صحته، وتقدم كراهة الصوم له استقلالاً.
قوله: [فلا يصح في مسجد البيوت]: أي ولو للنساء، ولا في الكعبة، ولا في مقام ولي حيث كان محجوراً، وأما لو كان غير محجور وجعل مسجداً كمقام الحسين والشافعي والسيد البدوي فيصح الاعتكاف فيه، ولا يصح في رحبته ولا في الطرق المتصلة به، إذ لا يقال لواحد منهما مسجد، ولا يصح في بيت القناديل والسقاية والسطح.
قوله: [وهذا إشارة إلى أقله]: أي الذي يلزم بالنذر المطلق كقوله: نذرت الاعتكاف أو اعتكافاً.
قوله: [أنه لا حد لأكثره]: أي من جهة الصحة بدليل ما بعده.
قوله: [وأحبه عشرة أيام]: أي ومنتهى المندوب شهر، قال في المجموع: وهذا زبدة خلاف كثير، وكره الأقل عن العشرة والزائد عن الشهر.
قوله: [للعبادة]: أي لأجل العبادة فيه بأي نوع منها.
قوله: [وسيأتي بيان أفضلها]: أي وهو اشتغاله بذكر نحو لا إله إلا الله، واستغفار وتلاوة القرآن، والصلاة التي هي مجمع الذكر والقرآن.
قوله: [خرج للجمعة وجوباً]: أي ما لم يكن يجهل أن الخروج منه مبطل كحديث عهد بالإسلام فيعذر ولا يبطل اعتكافه بخروجه كما في الخرشي وقيده أيضاً بما إذا نذر أو نوى أياماً تأخذه فيها الجمعة كما قال الشارح، وأما لو نذر أياماً لا تأخذه فيها الجمعة فمرض فيها بعد أن شرع، ثم خرج ثم رجع يتم وصادف الجمعة، قال فلا خلاف، أن هذا يخرج إليها ولا يبطل اعتكافه، ولكن قال في التوضيح هذا التفصيل لابن الماجشون وهو خلاف المشهور ومثله لابن عرفة.
وحاصل ما في المسألة: أن من اعتكف في غير الجامع، وهو ممن تلزمه الجمعة، ووجبت عليه الجمعة وهو في معتكفه، وجب عليه أن يخرج لها وقت وجوب السعي لها، وفي بطلان اعتكافه بذلك الخروج وعدم بطلانه أقوال ثلاثة: البطلان مطلقاً وهو المشهور، وعدمه مطلقاً وهو رواية ابن الجهم عن مالك، والتفصيل الذي تقدم ذكره في حاشيه الأصل نقلاً عن (بن).
ومفهوم قوله: "خرج" أنه إن ارتكب النهي ولم يخرج لم يبطل على الظاهر إذا لم يرتكب كبيرة، وإنما ارتكب صغيرة لأن ترك الجمعة لا يكون
стр. 255
(كمرض أحد أبويه): دنية، فإنه يجب عليه أن يخرج لبره بعيادته (أو جنازته) أي أحد أبويه، (والآخر) منهما (حي) فإنه يجب عليه أن يخرج لها جبراً للحي منهما، فإن لم يكن الثاني حياً لم يجب عليه الخروج، والواو في كلامه للحال.
(وكخروجه): عطف على كمرض إلا أن التشبيه فيه في البطلان، والقضاء فقط دون وجوب الخروج أي أن خروج المعتكف من المسجد (لغير ضرورته) مبطل لاعتكافه، بخلاف خروجه لضرورته من اشتراء مأكول أو مشروب، أو لطهارة أو لقضاء حاجة.
(أو تعمد فطر) من إضافة المصدر للمفعول، فإنه مبطل للاعتكاف، بخلاف السهو والإكراه، ولا يكون ذلك إلا نهاراً.
(أو) تعمد شرب (مسكر ليلاً) فأولى نهاراً وهو داخل فيما قبله.
(و) بطل (بوطء وقبلة بشهوة) ليلاً، (ولمس) كذلك (وإن) وقع ما ذكر (لحائض معتكفة)، وخرجت من المسجد لنذرها فوقع منها ذلك (سهواً) عن كونها معتكفة فيبطل اعتكافها، وتبتديه، فأولى من غيرها أو منها عمداً.
(ولزم) المعتكف (يوم بليلته) المنذورة (وإن نذر ليلة) فقط فإن نذر ليلة الخميس لزمه ليلته وصبيحتها: ومن نذر اعتكاف ليلة لزمه ليلة مع صبيحتها؛ أي ليلة كانت لأن أقله يوم وليلة، ولا يتحقق الصوم الذي هو من أركانه إلا باليوم وأولى إذا نذر يوماً (لا) إن نذر (بعض يوم) فلا يلزمه شيء إذ لا يصام بعض يوم.
(و) لزم (تتابعه) أي الاعتكاف (في) نذر (مطلقه) أي الذي لم يقيده بتتابع ولا عدمه، فإن قيد بشيء عمل به؛ وهذا في المنذور.
(و) أما غيره فيلزمه (ما نواه) قل أو كثر (بدخوله) معتكفه.
(و) لزم (دخوله قبل الغروب أو معه) ليتحقق له كمال الليلة.
(و) لزم (خروجه) من معتكفه (بعده)، أي بعد الغروب ليتحقق له كمال النهار.
(وندب مكثه) أي المعتكف (ليلة العيد)
ــ
كبيرة إلا إذا كان ثلاثاً متوالية، فإذا حصل الترك في ثلاث جرى -على الخلاف في الكبائر- هل تبطل الاعتكاف أم لا؟
قوله: [كمرض أحد أبويه]: أي مسلمين أو كافرين.
وقوله: [دنية]: خرج الأجداد والجدات فلا يجب الخروج من المعتكف لعيادتهم، فإن لم يخرج جرى في اعتكافه التأويلان في البطلان بالكبائر، لأن العقوق من جملتها، وحيث وجب الخروج لعيادة أحد أبويه فأحرى عيادتهما معاً.
قوله: [فإن لم يكن الثاني حياً لم يجب]: بل لا يجوز له الخروج خلافاً للجزولي القائل بوجوب خروجه لجنازتهما، كما يجب خروجه لعيادتهما وقيد ما قاله المصنف بما إذا لم يتوقف التجهيز على خروجه، وإلا وجب اتفاقاً وبطل اعتكافه.
قوله: [والواو في كلامه للحال]: أي بالنسبة للجنازة لأن عدم الخروج مظنة العقوق للحي، بخلاف ما لو انتقلا جميعا للدار الآخرة فيرضيان بطاعته لربه على أي حال لزوال الحظوظ النفسانية.
قوله: [بخلاف خروجه لضروراته]: أي من غير زيادة على قدر الضرورة وإلا بطل.
قوله: [مسكر]: مثله كل مغيب كالحشيشة حيث غيبت عقله، ومفهوم تعمد أنه إذا لم يتعمد المسكر فلا يكون كذلك، بل يجري على تفصيل الجنون والإغماء المتقدمين في الصوم.
١ -
تنبيه: اختلف في فعله الكبائر غير المسكر كالغيبة والنميمة والقذف والسرقة والعقوق، فقيل: يبطل [١] اعتكافه بذلك وقيل لا يبطل.
قوله: [وبطل بوطء]: أي فإن وطئ عمداً أو سهواً بطل اعتكافه واستأنفه من أوله، ويفسد على الموطوء ولو نائماً، والوطء المذكور مفسد وإن لغير مطيقة، لأن أدناه أن يكون كلمس الشهوة، بخلاف الاحتلام ومحل اشتراط الشهوة في اللمس في غير القبلة في الفم، وأما هي فلا يشترط، وبالجملة فاللمس هنا يجري على الوضوء.
قوله: [وإن وقع ما ذكر لحائض]: حاصله أن المعتكفة إذا حاضت وخرجت وعليها حرمة الاعتكاف، فحصل منها ما ذكر ناسية لاعتكافها فإنه يبطل، وتستأنفه من أوله، ومثل الحائض غيرها من بقية أرباب الأعذار المانعة من الصوم كالعيد، أو من الصوم والمسجد، فلو قال المصنف: وإن من كحائض، كان أولى.
قوله: [وأولى إذا نذر يوماً]: فمن نذر يوماً ما لزمه ليلة زيادة على اليوم الذي نذره، والليلة التي تلزمه هي ليلة اليوم الذي نذره لا الليلة التي بعده كما هو ظاهر ما لابن يونس وغيره، وحينئذ يلزمه في هذه الصورة دخوله المعتكف قبل الغروب أو معه، وكذا في مسألة المصنف.
قوله: [فلا يلزمه شيء]: أي عندنا خلافاً للشافعية، ومحل عدم اللزوم ما لم ينو الجواز، وإلا لزمه ما نذره. واعلم أن ما ذكره من عدم لزوم شيء هو محل اتفاق بين ابن القاسم وسحنون. واختلفا فيمن نذر طاعة ناقصة غير اعتكاف؛ كصلاة ركعة وصوم بعض يوم، فعند ابن القاسم النذر صحيح، ويلزمه كماله، وعند سحنون لا يلزمه شيء، والفرق بين الاعتكاف وغيره ضعف أمر الاعتكاف، بخلاف الصوم والصلاة فإنهما من دعائم الإسلام.
قوله: [ولزم تتابعه] إلخ: أي فإن نذر اعتكاف عشرة أيام من غير تقييد بمتابعة ولا تفرق فإنه يلزمه تتابعها، لأن طريقة الاعتكاف وشأنه التتابع.
قوله: [بدخوله معتكفه]: أي لأن النفل يلزم كماله بالشروع فيه، فإن لم يدخل معتكفه فلا يلزمه ما نواه.
قوله: [ولزم دخوله قبل الغروب]:
стр. 256
إذا اتصل اعتكافه بها، ليخرج منه إلى المصلى فيوصل عبادة بعبادة.
(و) ندب مكثه (بآخر المسجد) لأنه أبعد عن الناس.
(و) ندب اعتكافه (برمضان) لأنه من أفضل الشهور، وفيه ليلة القدر التي هي خير من ألف شهر.
(و) ندب كونه (بالعشر الأواخر منه) لأن ليلة القدر فيه أرجى.
(و) ندب (إعداده ثوباً آخر) غير الذي هو عليه لئلا يصيب ما عليه نجاسة أو وسخ أو قمل، فيلبس ما أعده.
(و) ندب (اشتغاله) حال اعتكافه (بذكر) نحو: "لا إله إلا الله" ومنه الاستغفار، (وتلاوة) القرآن (وصلاة) وهي مجمع الذكر والخير.
(وكره أكله بفناء المسجد أو رحبته): التي زيدت لتوسعته، فإن أكل خارج ذلك بطل اعتكافه، والمطلوب أن يأكل فيه على حدة.
(و) كره لقادر على الكفاية (اعتكافه غير مكفي) بفتح الميم وسكون الكاف اسم مفعول كمرمي أصله مرموي، لأنه ذريعة لخروجه إلى شراء ما يحتاج إليه، فيندب أن يعتكف محصلاً ما يحتاج إليه من مأكل ومشرب وملبس،
ــ
قال ابن الحاجب: ومن دخل قبل الغروب اعتد بيومه، وبعد الفجر لا يعتد به، وفيما بينهما قولان: المشهور الاعتداد، وقال سحنون: لا يعتد، وحمل بعضهم قول سحنون على النذر، والقولين بالاعتداد على النفل، ولكن المعتمد الاعتداد مطلقاً نفلاً أو نذراً. واعلم أن مبنى القولين الخلاف في أقل ما يتحقق به الاعتكاف، فعلى القول بأنه يوم وليلة إذا دخل قبل الفجر أو معه لا يجزئ ما لم يضم له ليلة في المستقبل، سواء كان منوياً أو منذوراً، وعلى القول بأن أقله يوم فقط إذا دخل قبل الفجر أو معه، أجزأ ذلك اليوم ولو كان نذراً.
قوله: [إذا اتصل اعتكافه بها]: أشعر كلامه أنه لو كان اعتكافه في العشر الأول أو الأوسط لم يندب له مبيت الليلة التي تلي ذلك، وهو كذلك.
قوله: [بآخر المسجد]: أي عجزه المقابل لصدره.
قوله: [وفيه ليلة القدر]: أي غالباً على أحد القولين هل هي دائرة بالعام، وهو ما صححه في المقدمات حيث قال: وإلى هذا ذهب مالك والشافعي وأكثر أهل العلم وهو أولى الأقاويل، أو في رمضان وهو الذي شهره ابن غلاب، وعلى كل فالغالب كونها في العشر الأواخر من رمضان، والعمل فيها خير من ألف شهر، سواء علم القائم لها بأنها ليلة القدر أو لا. ولها علامات ذكرها العلماء منها: طلوع الشمس صبيحة يومها بيضاء لا شعاع لها، وليلتها تكون السماء صحواً لا غيم فيها، والوقت لا حار ولا بارد، قال شيخنا المؤلف ومن أطلعه الله عليها يرى كل شيء ساجدا لله، يسمع منه الذكر بلسان المقال، ويشاهد أموراً لا تحيط بها العبارة، ويندب لمن رآها أن يكتمها فلا يحدث بها، لأن الاطلاع عليها من السر المكتوم، ومن باح بالسر ضيعه؛ ولمحيي الدين بن العربي قاعدة لإدراكها حاصلها: أنه إن كان مبدأ الشهر الجمعة كانت ليلة تسع وعشرين، وإن كان السبت كانت ليلة إحدى وعشرين، وإن كان الأحد كانت ليلة سبع وعشرين، وإن كان الاثنين كانت ليلة تاسع عشرة، وإن كان الثلاثاء كانت ليلة خمس وعشرين، وإن كان الأربعاء كانت ليلة سابع عشرة، وإن كان الخميس كانت ليلة عشريه فاحفظ تلك القاعدة. وسميت بذلك إما لتقدير البركات والخيرات فيها لأن جميع مكونات العالم تقدر فيها، أي تظهر للملائكة، أو لعظم قدرها. وقيل غير ذلك.
تنبيه: المراد من قوله ﷺ : «التمسوها في التاسعة أو السابعة أو الخامسة من العشر الأواخر من رمضان» ما بقي من العشر لا ما مضى، فالتاسعة ليلة إحدى وعشرين، والسابعة ليلة ثلاث وعشرين، والخامسة ليلة خمس وعشرين، إن كان الشهر ناقصاً وإلا فالتاسعة ليلة اثنين وعشرين، والسابعة ليلة أربع وعشرين، والخامسة ليلة ست وعشرين فتأمل، وقيل العدد من أول العشر، فالتاسعة ليلة تسع وعشرين، والسابعة ليلة سبع وعشرين، والخامسة ليلة خمس وعشرين، وعلى كل حال فيحتاط في العشر كما قالوا لاحتمال كمال الشهر ونقصانه.
قوله: [التي هي خير من ألف شهر]: أي كما نطقت به الآية الكريمة.
وسببها أنه «ذكر لرسول الله ﷺ رجل من بني إسرائيل حمل السلاح على عاتقه في سبيل الله تعالى ألف شهر، وهي ثلاث وثمانون سنة وأربعة أشهر، فتعجب لذلك رسول الله ﷺ عجباً شديداً، وتمنى أن يكون ذلك في أمته، فقال يا رب جعلت أمتي أقصر الأمم أعماراً وأقلها أعمالاً، فأعطاه الله ليلة القدر فقال: ﴿ليلة القدر خير من ألف شهر﴾ [القدر: ٣]»، أي التي حمل فيها الإسرائيلي السلاح في سبيل الله تعالى، لك ولأمتك من بعدك إلى يوم القيامة في كل رمضان.
قوله: [وندب اشتغاله]: أي فالأفضل في عبادته أنه لا يخرج عن هذه الأنواع، لأن اشتغاله بغيرها مكروه وإن كان علماً، كما يأتي، لأن المقصود ما يسرع بهضم النفس.
قوله: [أصله مرموي]: اجتمعت الواو والياء وسبقت إحداهما بالسكون، قلبت الواو ياء وأدغمت الياء في الياء، وقلبت الضمة كسرة ومكفي يقال
стр. 257
فإن اعتكف غير مكفي، جاز له الخروج لشراء ما يحتاج إليه، ولا يتجاوز أقرب مكان أمكن منه ذلك، وإلا فسد اعتكافه.
(و) كره له إذا خرج لقضاء حاجة (دخوله بمنزل به أهله) أي زوجته أو سريته لئلا يطرأ عليه منهما ما يفسد اعتكافه.
(و) كره (اشتغاله) أي المعتكف (بعلم) ولو شرعياً تعليماً أو تعلماً؛ لأن المقصود من الاعتكاف صفاء القلب بمراقبة الرب، وهو إنما يحصل غالباً بالذكر وعدم الاشتغال بالناس، (وكتابة، وإن) كان المكتوب (مصحفاً) لما فيها من نوع اشتغال عن ملاحظة الرب تعالى وليس المقصود من الاعتكاف كثرة الثواب، بل صفاء مرآة القلب الذي به سعادة الدارين ومحل كراهة ما ذكر من الاشتغال بالعلم والكتابة، (إن كثر) لا إن قل وعطف عاماً على خاص بقوله: (و) كره اشتغاله بكل (فعل غير ذكر وتلاوة وصلاة) وأما فعل هذه الثلاثة فمندوب كما تقدم ومن الذكر: الفكر القلبي في ملكوت السموات والأرض، ودقائق الحكم، والاستغفار، والصلاة والسلام على النبي المختار ومثل لفعل غير الثلاثة بقوله:
(كعيادة مريض): بالمسجد إن انتقل له فيه، لا إن كان بلصقه.
(وصلاة جنازة ولو لاصقت) المعتكف، بأن وضعت بقربه وانتهى زحامها إليه.
(وصعوده لأذان بمنار أو سطح) للمسجد لا بمكانه أو صحنه (وإقامته) للصلاة والسلام على الغير إن بعد.
(وجاز سلامه على من بقربه).
(و) جاز (تطيبه) بأنواع الطيب وإن كره للصائم غير المعتكف؛ لأن المعتكف معه مانع يمنعه مما يفسد اعتكافه وهو بالمسجد بخلاف الصائم.
(و) جاز له (أن ينكح) بفتح الياء أي يعقد لنفسه، (و) أن (ينكح) بضمها أي يزوج من له عليها ولاية إذا لم ينتقل من مجلسه ولم يطل الزمن، وإلا كره.
(و) جاز (أخذه إذا خرج) من المسجد (لكغسل) لجنابة أو جمعة أو عيد (ظفراً أو شارباً أو عانة).
(و) وكره حلق الرأس.
(و) جاز إذا خرج لغسل ثوبه من نجاسة (انتظار غسل ثوبه وتجفيفه) إذا لم يكن له غيره وإلا كره.
(ومطلق الجوار) مبتدأ (اعتكاف) خبره يعني أن من نذر جواراً
ــ
فيه هكذا.
قوله: [فإن اعتكف غير مكفي]: أي مرتكباً للكراهة.
قوله: [دخوله بمنزل به أهله] إلخ: أشار الشارح إلى أن الكراهة مقيدة بكون المنزل فيه أهله، مخافة أن يشتغل بهم عن اعتكافه. ولا يرد على هذا التعليل جواز مجيء زوجته إليه في المسجد؛ لأن المسجد مانع من الجماع ومقدماته، ولا بد أن يكون المنزل قريباً فلو كان بعيداً وذهب إليه بطل اعتكافه، وإن لم يكن بالمنزل أهله فلا كراهة، أو بأن دخل في أسفل البيت وأهله بأعلاه.
قوله: [وكره اشتغاله بعلم] إلخ: أي غير عيني وإلا لم يكره، وكراهة الاشتغال بالعلم الغير العيني مذهب ابن القاسم، وروايته عن مالك من أن الاعتكاف يختص من أعمال البر بذكر الله، وقراءة القرآن، والصلاة وأما على مذهب ابن وهب من أنه يباح للمعتكف جميع أعمال البر فيجوز له مدارسة العلم وكتابته.
قوله: [وليس المقصود من الاعتكاف] إلخ: فيه رد على ابن وهب.
قوله: [الذي به]: أي بالصفاء ولهذا المعنى اعتنت الصوفية بالخلوة المشهورة بشروطها، فإن فيه تشديداً أكثر من الاعتكاف، ولذلك لا يحسنها إلا من سبقت لهم العناية.
قوله: [الفكر القلبي]: بل هو أعظم الذكر لقول أبي الحسن الشاذلي: ذرة من عمل القلوب خير من مثاقيل الجبال من عمل الأبدان، وقال العارفون: إن تفجير ينابع الحكم من القلب لا يكون إلا بالفكر، ولذلك كانت عبادة النبي ﷺ قبل البعثة الفكر عند أهل التحقيق.
قوله: [والصلاة والسلام على النبي]: أي لأن فيهما ذكر وزيادة، وهو القيام ببعض حقوق رسول الله ﷺ ، ولذلك قالوا: هي شيخ من لا شيخ له.
قوله: [لا إن كان بلصقه]: أي فلا كراهة بل هو جائز لا بأس به وفيه الثواب.
قوله: [وصلاة جنازة]: أي ولو كان المصلى عليه جاراً أو صالحاً ما لم تتعين عليه.
قوله: [وإقامته للصلاة]: أي وإن لم يترتب، وأما إمامته فلا بأس بها بل مستحبة ولو مرتباً، لأنه ﷺ كان يعتكف ويصلي إماماً خلافاً لعد خليل لها في المكروهات.
قوله: [وجاز سلامه على من بقربه]: المراد سؤاله عن حاله كقوله: كيف حالك، كيف أصبحت مثلاً، من غير انتقال عن مجلسه، وأما قوله: السلام عليكم فهو داخل في الذكر، كذا في الأصل.
قوله: [وجاز تطيبه]: أي في ليل أو نهار وهذا هو المشهور، خلافاً لحمديس القائل بكراهته للصائم ولو معتكفاً.
قوله: [وإلا كره]: أي حيث حصل انتقال أو طول، وكان في المسجد، وأما لو خرج من المسجد لبطل اعتكافه.
قوله: [لكغسل لجنابة] إلخ: ولو لحر أصابه، ومثله لو خرج لضرورة أخرى غير الغسل.
قوله: [وكره حلق الرأس]: أي سواء كان في المسجد أو خارجه، خلافاً لما في الخرشي من أنه إذا خرج لكغسل الجمعة جاز له حلق الرأس، ولا يخرج لحلقه استقلالاً، لكن وافقه في المجموع على ذلك، ومحل كراهة حلقه خارج المسجد على القول بما لم يتضرر لذلك وإلا فلا.
قوله: [إذا لم يكن له غيره]: أي ولم يجد من يستنيبه فالجواز مقيد بقيدين.
стр. 258
بمسجد مباح أو نواه، وأطلق بأن لم يقيد بليل ولا نهار، ولا فطر كأن قال: لله علي مجاورة هذا المسجد، أو نويت الجوار به، فهو اعتكاف بلفظ جوار، فيجري فيه جميع أحكامه المتقدمة من صحة بطلان [١] وجواز وندب وكراهة ويلزمه في النذر يوم وليلة كما لو قال: لله علي اعتكاف. وإذا لم ينذره يلزمه بالدخول ما ذكر، وأما إذا [٢] قيد بشيء فإن قيد بيوم وليلة فأكثر ولم يقيده بفطر، فظاهر أنه اعتكاف ويلزمه ما نذر وبالدخول ما نواه.
(فإن قيده بنهار) فقط كهذا النهار أو نهار الخميس، (أو ليل) فقط (لزم ما نذره لا ما نواه) فله الخروج متى شاء، (ولا صوم) عليه فيهما (كأن قيد بالفطر) فلا يلزمه ما نواه بالدخول ولا الصوم، (فله الخروج) من المسجد (إن نوى شيئاً) من اليوم أو الأيام (متى شاء ولو أول يوم) فيما إذا نوى أياماً أو أول ساعة من اليوم، فيما إذا نوى يوماً أو بعضه بخلاف ما لو نذر فيلزمه ما نذره ولا صوم لالتزامه الفطر واعلم أن في الجوار المقيد بزمن ولو قل -كيوم أو بعضه- ولو ساعة لطيفة أو بفطر فضلاً كثيراً؛ فمن دخل مسجداً لأمر ما، ونوى الجوار به أثابه الله على ذلك ما دام ماكثاً به.
ولما كانت مبطلات الاعتكاف قسمين.
الأول: ما يبطل ما فعل منه، ويوجب استئنافه وقد تقدم في قوله: "وإلا خرج وبطل" إلخ.
والثاني: ما يخص زمنه ولا يبطل ما تقدم منه إذا لم يأت بمناف للاعتكاف؛ وهو ثلاثة أقسام: ما يمنع الصوم فقط، وما يمنع المكث بالمسجد فقط، وما يمنعهما [٣] معاً، أشار لأولها بقوله: (ولا يخرج) المعتكف: أي لا يجوز له الخروج من المسجد (لمانع من الصوم فقط) دون المسجد، (كالعيد ومرض خفيف) يستطيع المكث معه في المسجد دون الصوم، كمن نذر شهر ذي الحجة، أو نواه عند دخوله فلا يخرج يوم الأضحى، وإلا بطل اعتكافه من أصله، وكذا المرض الخفيف، نقله ابن عرفة عن عبد الوهاب، وقال في التوضيح والخروج –أي: جوازه- مذهب المدونة.
وأشار للثاني والثالث بقوله: (بخلاف المانع من المسجد) سواء منع الصوم أيضاً (كالحيض) والنفاس أو لا؛ كسلس بول وإسالة جرح أو دمل يخشى معه تلوث المسجد (فيخرج) منه وجوباً (وعليه حرمته) أي الاعتكاف، والواو للحال، فلا يفعل ما لا يفعله المعتكف من جماع ومقدماته. وتعاطي مسكر وإلا بطل اعتكافه من أصله.
(وبنى) وجوباً (فوراً بزواله) أي بمجرد زوال عذره المانع من المسجد كالحيض والإغماء والجنون والمرض الشديد والسلس، بأن يرجع للمسجد لقضاء ما حصل فيه المانع، وتكميل ما نذره ولو انقضى زمنه إذا كان معيناً كالعشرة الأخيرة من رمضان، فيقضي ما فاته أيام العذر ويأتي بما أدركه منها ولو بعد العيد وأما غير المعين فيأتي بما بقي عليه، وأما ما نواه بدخوله تطوعاً فإن بقي منه شيء أتى به وإلا فلا، ولا قضاء لما فاته بالعذر.
(فإن أخره): أي الرجوع للمسجد ولو لنسيان أو إكراه
ــ
قوله: [بمسجد مباح]: أي وأما لو نذر جواراً بغير مسجد، أو مسجد غير مباح كمساجد البيوت المحجورة، فلا يلزمه شيء.
قوله: [فإن قيده بنهار] إلخ: الحاصل أن الجواز [٤] إما مطلق أو مقيد بليل أو نهار، فإن كان مطلقاً ولم ينو فيه فطراً لزم بالنذر إذا نذره، وبالدخول إذا نواه، وإن قيده بالفطر لفظاً أو نية فلا يلزم إلا بالنذر ولا يلزم بالدخول إذا نواه، وأما المقيد بليل أو نهار فلا يلزم إلا بالنذر، ولا يلزم بالدخول كالمقيد بالفطر.
قوله: [كأن قيد بالفطر]: أي لفظاً أو نية.
قوله: [ولو أول يوم]: أي وهو الأرجح من تأويلين ذكرهما خليل.
قوله: [فضلاً كثيراً]: أي ولذلك يلزم بالنذر.
قوله: [ما دام ماكثاً به]: لما ورد: «إن الملائكة تصلي على أحدكم ما دام في مصلاه، تقول اللهم اغفر له اللهم ارحمه»، وورد أيضاً: «إنه في صلاة ما دام في المسجد ينتظر الصلاة»، وورد أيضاً: «إنه في ضمان الله حتى يعود لمنزله»، وكفانا قوله تعالى: ﴿إنما يعمر مساجد الله﴾ [التوبة: ١٨] الآية.
قوله: [فلا يخرج يوم الأضحى] إلخ: أي فلا يجوز له الخروج من المسجد كما في الرجراجي والمواق، وقيل إنه يجوز الخروج ومثل يوم الأضحى تالياه لأنهما من محل الخلاف.
والحاصل: أنهم ذكروا في جواز الخروج للعذر المانع من الصوم فقط وعدم جوازه قولين، فروي في المجموعة: يخرج، وقال عبد الوهاب: لا يخرج، هكذا في ابن عرفة وابن ناجي وغيرهما، وقال في التوضيح: والخروج مذهب المدونة، وكذا عزاه اللخمي أيضاً لظاهر المدونة كما نقله (ح) وأما ما قرر الأجهوري من وجوب البقاء في المسجد فهو الذي شهره ابن الحاجب وصوبه اللخمي كما في (ح) انظر (بن) كذا في حاشية الأصل. وما مشى عليه الأجهوري الذي هو المعتمد لا ينافيه قول المصنف الآتي: "إلا ليلة العيد ويومه"، لأنه كلام على عدم بطلانه بعد خروجه الواجب لعذر مانع له من الصوم والمسجد، فلا ينافي وجوب بقائه هنا لاختلاف الموضوع.
قوله: [وإلا بطل اعتكافه من أصله]: أي ويبتدئه في جميع الصور.
قوله: [وبنى وجوباً فوراً بزواله]: قد أجمل المصنف في هذا المقام. وحاصل إيضاحه أن تقول: العذر: إما إغماء، أو جنون، أو حيض، أو نفاس، أو مرض، والاعتكاف: إما نذر معين من رمضان، أو من غيره، أو نذر غير معين، أو تطوع معين بالملاحظة، أو غيره؛ فهذه خمسة وعشرون من ضرب خمسة في مثلها. وفي كل: إما أن يطرأ العذر قبل الاعتكاف، أو مقارناً له، أو بعد الدخول فيه؛ فصار خمساً وسبعين. فإن كانت تلك الموانع في الاعتكاف المنذور المطلق أو المعين من رمضان فلا بد من البناء بعد زوالها، سواء طرأت قبل الاعتكاف وقارنت،
стр. 259
(بطل) اعتكافه واستأنفه (إلا) إذا أخره (ليلة العيد ويومه) فلا يبطل لعدم صحة صومه لأحد، بخلاف حائض طهرت أو مريض صح لصحة الصوم من غيرهما في غير العيد، (أو) للتأخر (لخوف من كلص) وسبع في طريقه.
(و) لو شرط المعتكف لنفسه سقوط القضاء عنه على فرض حصول عذر أو مبطل (لا ينفعه اشتراط سقوط القضاء): وشرطه لغو، ويجب عليه القضاء إن حصل موجبه. والله أعلم.
باب [١] في بيان حقيقة الحج والعمرة وأركانهما، وواجباتهما وسننهما،
ومبطلاتهما، ومهمات الأحكام المتعلقة بذلك
(فرض الحج) عيناً (وسنت العمرة) كذلك (فوراً) إذا توفرت الشروط الآتية
ــ
أو بعد الدخول، فهذه ثلاثون. وإن كان نذراً معيناً من غير رمضان، فإن طرأت خمسة الأعذار قبل الشروع في الاعتكاف، أو مقارنة فلا يجب القضاء، وإن طرأت بعد الدخول فالقضاء متصلاً؛ فصوره خمسة عشر: خمسة يقضي فيها، وعشرة لا قضاء، وإن كان تطوعاً معيناً أو غير معين فلا قضاء، سواء طرأت خمسة الأعذار قبل الشروع أو بعده، أو مقارنة له، فصوره ثلاثون فالجملة خمس وسبعون صورة. وبقي حكم ما إذا أفطر ناسياً؛ والحكم أنه يقضي سواء كان الاعتكاف نذراً معيناً من رمضان أو من غيره أو كان نذراً غير معين، أو كان تطوعاً معيناً أو غير معين فصوره خمس فجملة الصور ثمانون.
قوله: [بطل اعتكافه واستأنفه]: أي في جميع الصور التي يؤمر فيها بالبناء المعلومة مما تقدم.
قوله: [لعدم صحة صومه لأحد]: جواب عما يقال: ما الفرق بين العيد وغيره من الأعذار؟ مع أن الجميع يتعذر معه الصوم. وحاصل الجواب أن اليوم الذي طهرت فيه الحائض، وصح فيه المريض، يصح صومه لغيرهما، بخلاف يوم العيد فإنه لا يصح صومه لأحد.
قوله: [ولو شرط المعتكف] إلخ: حاصله: أن المعتكف إذا شرط أي عزم في نفسه - سواء كان عزمه قبل دخول المعتكف أو بعده - على أنه إن حصل له موجب للقضاء لا يقضي، أو أنه يجامع زوجته وهو معتكف، أو أنه لا يصوم، لم يفده شرطه، أي فشرطه باطل، واعتكافه صحيح، ويجب عليه العمل على مقتضى ما أمر الشارع على المشهور. وقيل: لا يلزمه اعتكاف، وقيل: إن كان الشرط قبل الدخول في الاعتكاف بطل اعتكافه، وإن كان بعد أن دخل بطل الشرط.
تنبيه: إن اجتمع على امرأة عبادات متضادة الأمكنة: كعدة وإحرام واعتكاف فإن سبق الاعتكاف العدة - كما لو طلقت أو مات عنها وهي معتكفة - أو عكسه، أتمت السابق فتستمر في معتكفها في الأول، وفي منزل عدتها في الثاني حتى تتمها، ثم تفعل الاعتكاف إن كان مضموناً أو ما بقي من المعين إن بقي من زمنه شيء. وأما إن تعارض إحرام وعدة فتتم الإحرام، تقدم أو تأخر، ويبطل مبيتها في
العدة فهذه أربع، وبقي صورتان طرو اعتكاف على إحرام وعكسه، فتتم السابق منهما إلا أن تخشى في الثانية فوات الحج فتقدمه إن كانا فرضين أو نفلين، أو الإحرام فرضاً والاعتكاف نفلاً، فإن كان الاعتكاف فرضاً والإحرام نفلاً أتمت الاعتكاف، وهاتان الصورتان لا تخصان المرأة.
خاتمة: قال في المجموع: وللمكاتب اعتكاف اليسير، وللمبعض مطلقه ولو كثيراً في زمن نفسه، وللسيد منع غير ذلك؛ إلا أن يأذن في نذر معين فينذر، أو غيره ولو تطوعاً فيدخل. فإن نذر بغير إذن فمنع فعليه إن عتق، وقياسه إذا تأيمت المرأة؛ عليها حيث منعت ما لم يفت زمن المعين اهـ. والتفصيل الذي قيل في الاعتكاف يقال في الصوم والإحرام [٢].
باب في بيان الحج والعمرة [ ٣]
لما أنهى الكلام على دعائم الإسلام الثلاثة وهي: الصلاة والزكاة والصوم وما يلحق بها، شرع في الكلام على الدعامة الرابعة وهي الحج: بفتح الحاء - وهو القياس - والكسر أكثر سماعاً، وكذا اللغتان في الحجة، وقيل: الحج بالفتح المصدر، وبالكسر الاسم، وقيل: الاسم بهما. الجوهري: الحج القصد ورجل محجوج: أي مقصود، وهذا الأصل. ثم تعورف في استعماله في القصد إلى مكة المشرفة للنسك تقول: حججت البيت أحجه حجاً فأنا حاج. وربما أظهروا التضعيف في ضرورة الشعر قال الراجز:
بكل شيخ عامر أو حاجج
وإنما أضيف الحج والعمرة لله في قوله تعالى: ﴿وأتموا الحج والعمرة لله﴾ [البقرة: ١٩٦] ولم تضف بقية العبادة لأنه مما يكثر الرياء فيهما جداً، ويدل على ذلك الاستقراء، حتى إن كثيرا من الحجاج لا يكاد يسمع حديثا في شيء إلا ذكر ما اتفق له في حجه، فلما كان مظنة الرياء قيل فيهما: " لله " اعتناء بالإخلاص. اهـ خرشي. ومعنى الحج اصطلاحاً سيأتي للمصنف.
ومعنى العمرة لغة: الزيارة، واصطلاحاً سيأتي للمصنف.
قوله: [فرض الحج]: أي مرة في العمر.
стр. 260
على أرجح القولين، والثاني: يجب، وتسن على التراخي إلى ظن الفوات.
(على الحر) فلا يجب حج ولا تسن عمرة على رقيق ولو بشائبة حرية.
(المكلف) لا على صبي أو مجنون.
(المستطيع) أي القادر على الوصول لا على غيره؛ من مكروه [١] وفقير وخائف من كلص وسيأتي تفصيله.
(مرة) في العمر فشروط وجوبه أربعة: الحرية، والبلوغ، والعقل، والاستطاعة وسيأتي أن الإسلام شرط صحة (وهو) أي الحج؛ أي حقيقته (حضور جزء) أي جزء كان (بعرفة) أي فيها. والتعبير بـ "حضور" أعم من الوقوف لشموله المار والجالس والمضطجع كما سيأتي بيانه، (ساعة) زمانية -ولو كالجلسة بين السجدتين- لا فلكية، (من) ساعات (ليلة) يوم (النحر، وطواف بالبيت) العتيق (سبعاً) أي سبع مرات.
(وسعي بين الصفا والمروة كذلك) أي سبع مرات.
(بإحرام) أي حال كون الحضور وما عطف عليه متلبساً بإحرام؛ أي نية فأركانه أربعة كما يأتي، ويأتي إن شاء الله تعالى بيانها وبيان ما يتعلق بكل ركن منها.
(وهي): أي العمرة؛ أي حقيقتها (طواف وسعي كذلك): راجع لهما؛ أي طواف بالبيت سبعاً وسعي بين الصفا والمروة سبعاً (بإحرام) فأركانها ثلاثة كما سيأتي مع بيانها وبيان ما يتعلق بكل ركن منها، فالعمرة لا وقوف فيها بعرفة.
(وصحتهما): أي الحج والعمرة:
(بإسلام): فلا يصح واحد منهما من كافر يصح من الصبي والمجنون.
(فيحرم الولي) أي ولي الصبي أو المجنون أب أو غيره ندباً إذا كان معه (عن كرضيع) أي رضيع ونحوه من فطيم لم يبلغ التمييز، فزيادتنا الكاف ليشمله، (و) عن مجنون (مطبق) بفتح الموحدة: وهو من لا يفهم الخطاب، ولا يحسن رد الجواب.
(و) إذا أحرم الولي عنهما (جردا) أي جردهما عن المخيط وجوباً (قرب الحرم) تنازعه كل من "يحرم" "وجردا"؛ فلا يحرم عنهما من الميقات ويؤخر التجريد لقرب الحرم،
ــ
قوله: [وسنت العمرة]: أي مرة في العمر أيضاً، وسيأتي التصريح بذلك، وما زاد على المرة في كل مندوب. ويندب للحاج أن يقصد إقامة الموسم ليقع الحج فرض كفاية، والعمرة سنة كفاية، وهي آكد من الوتر، وقيل هي فرض كالحج وبه قال الشافعي، وقيل: فرض على غير أهل مكة. وهل فرض قبل الهجرة أو بعدها سنة خمس أو ست؟ وصححه الشافعي، أو ثمان أو تسع وصححه في الإكمال؛ أقوال، ونزل قوله تعالى ﴿ولله على الناس حج البيت﴾ [آل عمران: ٩٧] سنة سبع، وقيل سنة عشر فتكون مؤكدة على أكثر الأقوال. «وحج ﵊ حجة واحدة وهي حجة الوداع في السنة العاشرة، واعتمر أربعاً: عمرته التي صده فيها المشركون عن البيت من الحديبية، وعمرته في العام المقبل حين صالحوه، وعمرته حين قسم غنائم حنين من الجعرانة - وكل في ذي القعدة، وقيل إن عمرة الجعرانة كانت لليلتين بقيتا من شوال - وعمرته مع حجه.
قوله: [على أرجح القولين]: وهو رواية العراقيين، والقول بالتراخي لخوف الفوات رواية المغاربة، والغالب تقديمهم بعد المصريين كابن القاسم، لكن هنا رجحت رواية العراقيين، ومحل الخلاف في غير المفسد، وأما هو فاتفق على فورية القضاء فيه. قال في المجموع نقلاً عن (ح): وانظر هل يجري الخلاف في العمرة؟ لم أر من تعرض له اهـ. ولكن صريح شارحنا أنها مثله وهو مفاد الجلاب وابن شاس.
قوله: [إلى ظن الفوات]: أي إلى وقت يخاف فيه فواته: بالتأخير إليه، ويختلف باختلاف الناس والأزمان.
قوله: [لا على صبي أو مجنون]: أي فلا يجب عليهما كالرقيق، وإن كان يصح من الجميع، والعبرة بكونه حراً مكلفاً وقت الإحرام كما يأتي؛ فمن لم يكن حراً أو مكلفاً وقته ولم يقع فرضاً، ولا يسقط عنه الفرض إذا عتق أو بلغ أو أفاق بعد ذلك إلا بحجة أخرى.
قوله: [لا على غيره]: أي لا على غير القادر، فإن تكلفه سقط الفرض.
قوله: [فشروط وجوبه أربعة]: لكن الثلاثة الأول - كما أنها شروط في الوجوب - شروط في وقوعه فرضاً، والرابع شرط في الوجوب فقط. ولذلك لو تكلفه غير المستطيع سقط الفرض كما تقدم، وسيأتي إيضاح ذلك في الشارح.
قوله: [وسيأتي أن الإسلام شرط صحة]: فشرط الصحة واحد الذي هو الإسلام.
قوله: [من ساعات ليلة يوم النحر]: ويجتزأ بها في أي جزء من الليل، وأما الوقوف نهاراً فواجب ينجبر بالدم كما يأتي.
قوله: بالبيت العتيق: سمي بذلك لأن الله أعتقه من يد الجبابرة، فلا يصول عليه جبار إلا ويهلكه الله، أو لكونه قديماً لقوله تعالى ﴿إن أول بيت وضع للناس﴾ [آل عمران: ٩٦] الآية.
قوله: [مع بيانها]: أي الأركان؛ أي التصريح بها.
وقوله: [وبيان ما تعلق بكل ركن]: أي من جهة شروطه.
قوله: [لا وقوف فيها بعرفة]: ولذلك كان وقتها السنة كلها ما لم يكن متلبساً بحج كما يأتي.
قوله: [أو غيره ندباً]: أي لا وجوباً لأن غير المكلف يجوز إدخاله الحرم بغير إحرام. وغير الأب يشمل الوصي ومقدم القاضي والأم والعاصب، وإن لم يكن لهم نظر في المال كما نقله الأبي في شرح مسلم - كذا في حاشية الأصل، ومعنى إحرامه عنه نية إدخاله في الإحرام بحج أو عمرة، سواء كان الولي متلبساً بالإحرام عن نفسه أم لا.
قوله: [وعن مجنون مطبق]: وهو من لا ترجى إفاقته أصلاً.
قوله: [قرب الحرم]:
стр. 261
كما قيل. فالذاهب من جهة رابغ يؤخر ما ذكر لقرب التنعيم؛ أي مساجد عائشة ولا دم بتعديتهما للميقات (وانتظر من) أي مجنون (ترجى إفاقته) وجوباً، ولا ينعقد عليه إحرام وليه ما لم يخف عليه الفوات، (فإن خيف) عليه (الفوات) بطلوع فجر يوم النحر -ويعرف ذلك بعادته أو بإخبار طبيب عارف- (فكالمطبق) يحرم عنه وليه ندباً فإن أفاق في زمن يدرك فيه الحج أحرم لنفسه، ولا دم عليه في تعدي الميقات لعذره (لا مغمى) عليه (فلا يصح إحرام) من أحد (عنه ولو خيف الفوات)؛ لأنه مظنة عدم الطول، بخلاف الجنون [١].
(وأحرم) صبي (مميز بإذنه) أي الولي (كعبد) أي رقيق (وامرأة) ذات زوج، فلا تحرم إلا بإذن زوجها.
(وإلا) بأن أحرم المميز بغير إذن وليه، أو الرقيق بغير إذن سيده، أو الزوجة بغير إذن زوجها (فله) أي لمن ذكر (التحليل) لمن ذكر بالنية، والحلاق أو التقصير إذا لم تحرم الزوجة بحجة الإسلام أيضاً (ولا قضاء) على المميز إذا بلغ (بخلاف العبد) إذا عتق (والمرأة) إذا تأيمت فعليهما القضاء إذا حللا، وعليهما حجة الإسلام أيضاً.
(وأمره) الولي (مقدوره) أي ما يقدر عليه الصبي من أقوال الحج وأفعاله فيلقنه التلبية إن قبلها، (وإلا) يقدر بأن عجز عن قول أو فعل أو عن الجميع؛ كغير المميز والمطبق (ناب) الولي (عنه) أي عن العاجز (إن قبلها) أي قبل المعجوز عنه النيابة، ولا يكون إلا فعلاً (كرمي) لجمار، (وذبح) لهدي أو فدية، ومشي في طواف وسعي، (لا) إن لم يقبل النيابة من قول أو فعل (كتلبية وركوع) أي صلاة وغسل، فتسقط حيث عجز (وأحضرهم): أي أحضر الولي الرضيع والمطبق والصبي المميز (المشاهد) المطلوب حضورها شرعاً؛ وهي عرفة ومزدلفة والمشعر الحرام ومنى.
(وإنما يقع) الحج (فرضاً إذا كان) المحرم به (وقت الإحرام حراً مكلفاً): أي بالغاً عاقلاً، (ولم ينو) الحر المكلف بحجه (نفلاً) الواو للحال: أي حال كونه غير ناوٍ بحجه [٢] نفلاً، بأن نوى به الفرض، أو أطلق فينصرف للفرض فإن كان وقت الإحرام به رقيقاً أو صبياً أو مجنوناً نوى عنه وليه، أو حراً مكلفاً ونوى به النفل، لم يقع فرضاً ولو عتق الرقيق أو بلغ الصبي أو أفاق المجنون إثر ذلك
ــ
أي إن لم يخش عليهما ضرراً، وإلا فالفدية ولا يجردهما.
قوله: [كما قيل]: قائله ابن عبد السلام ووافقه البساطي وهو غير صواب قاله البناني.
قوله: [لقرب التنعيم]: كلامه يقتضي أن المراد بالحرم حقيقته. ولكن في الأصل فسر الحرم بمكة نفسها فقط. وفي المجموع صرح بأن المراد بالحرم مكة وكذا في الحاشية.
تنبيه: كل ما ترتب على الصبي بالإحرام من هدي وفدية وجزاء صيد فعلى وليه مطلقاً، خشي عليه الضيعة أم لا، إذ لا ضرورة في إدخاله في الإحرام، كزيادة نفقة السفر، وجزاء صيد صاده في الحرم إن كان غير محرم إن لم يخف ضياعه بعدم سفره معه، فإن خاف ضياعه فزيادة النفقة في السفر. وجزاء صيد الحرم في مال الصبي كأصل النفقة المساوي لنفقة الحضري، فإنه في مال الصبي مطلقاً. قوله: [مغمي عليه] إلخ: ثم إن أفاق هو في زمن يدرك الوقوف فيه أحرم وأدركه، ولا دم عليه في تعدي الميقات لعذره، كالمجنون الذي ترجى إفاقته، وإن لم يفق من إغمائه إلا بعد الوقوف فقد فاته الحج في ذلك العام، ولا عبرة بإحرام أصحابه عنه ووقوفهم به في عرفة، ولا دم عليه لذلك الفوات، لأنه لم يدخل في الإحرام.
قوله: [بإذن زوجها] إلخ: فإن أذن لمن ذكر وأراد المنع قبل الشروع في الإحرام، ففي الشامل ليس له المنع، ولأبي الحسن له قبل الإحرام لا بعده، وهو المعتمد - كذا في الحاشية. ومثل المميز في كونه لا يحرم إلا بإذن وليه: السفيه المولى عليه، وإن كان الحج واجباً عليه - كذا في حاشية الأصل.
قوله: [فله أي لمن ذكر التحليل]: أي إن رآه مصلحة، وإن رأى المصلحة في إبقائه أبقاه على حاله، وإن استوت خير. والظاهر أن التحليل واجب عند تعين المصلحة فيه، وفي ضده يحرم. إذا علمت ذلك تعلم أن اللام في قوله: "فله التحليل" للاختصاص. ومثل الصبي المحرم بغير إذن وليه: السفيه البالغ إذا أحرم بغير حجة الإسلام، فله تحليله ولا يلزمه القضاء إذا حلله.
قوله: [بالنية]: أي بأن ينوي إخراجه من حرمات الحج، وتصييره حلالاً، ثم يحلق له رأسه ولا يكفي في إحلاله رفضه نية الحج بل لا بد مما ذكر.
قوله [فعليهما القضاء]: والفرق بينهما وبين الصغير والسفيه أنه لما كان الحجر على الصغير والسفيه لحق أنفسهما سقط القضاء، وأما العبد والمرأة فلحق السيد والزوج، فلم يسقط القضاء لضعفه.
قوله: [وعليهما حجة الإسلام أيضاً]: أي ويقدمان القضاء على حجة الإسلام، فإن قدما حجة الإسلام صحت.
قوله: [وأمره]: أي الولي مقدوره مرتبط بقوله: [وأحرم صبي مميز بإذنه].
قوله: [فتسقط حيث عجز]: أي ولا دم.
قوله: [وأحضرهم]: أي وجوباً في الواجب وندباً في المندوب.
قوله: [أو مجنوناً نوى عنه وليه]: أي مطبقاً.
قوله: [لم يقع فرضاً]: أي وإنما يقع نفلاً ولو نوى به الفرض،
стр. 262
ولا يرتفض إحرامه ولا يردف عليه آخر، وحجة الإسلام باقية عليه.
(والاستطاعة) التي هي أحد شروط الوجوب أمران:
الأول: (إمكان الوصول) لمكة إمكاناً عادياً بمشي أو ركوب ببر أو بحر (بلا مشقة فادحة) أي عظيمة خارجة عن العادة، وإلا فالمشقة لا بد منها؛ إذ [١] السفر قطعة من العذاب.
(و) الثاني: (أمن على نفس ومال) من محارب وغاصب لا سارق (له بال) بالنسبة للمأخوذ منه؛ فقد يكون الدينار له بال بالنسبة لشخص، ولا بال له بالنسبة لآخر (لا إن قل) المال المأخوذ، بأن كان لا يضر بصاحبه فلا يسقط الحج بخوف أخذه عند ابن رشد، وهو المعول عليه (إلا أن ينكث ظالم) أي يرجع للأخذ ثانياً بعد الأول؛ فإن خيف منه ذلك سقط وجوبه باتفاق ابن رشد وغيره، وإن قل المجموع.
فإذا أمن على نفسه وجب الحج (ولو بلا زاد و) بلا (راحلة) يركبها (لذي صنعة تقوم به وقدر على المشي) يعني أن الاستطاعة لا تتوقف على زاد ولا مركوب؛ بل يقوم مقام الزاد الصنعة الكافية، كبيطرة وحلاقة وخياطة وخدمة بأجرة، ويقوم مقام الراحلة القدرة على المشي اجتماعاً أو [٢] انفراداً (ولو) كان القادر على المشي (أعمى) يهتدي بنفسه أو بقائد ولو بأجرة قدر عليها. (أو) قدر على الوصول (بما) أي بثمن شيء (يباع على المفلس) من ماشية وعقار وثياب وكتب علم يحتاج لها، فيجب عليه الحج (أو بافتقاره) أي ولو مع افتقاره أي صيرورته فقيراً بعد حجه. (و) مع (ترك ولده) ومن تلزمه نفقته (للصدقة) من الناس (إن لم يخش) عليهم (ضياعاً)، ولو لم يبلغ حد الهلاك، بأن كان الشأن عدم الصدقة عليهم أو عدم من يحفظهم.
(أو) قدر على الوصول (بسؤال) من الناس، لكن بشرطين: أفادهما بقوله:
(إن كان عادته) السؤال، (وظن الإعطاء) وإلا فلا يجب عليه (واعتبر) في الاستطاعة زيادة على إمكان الوصول (ما يرد به) من المال أو ما يقوم مقامه إلى وطنه، أو أقرب مكان يعيش به إذا لم تمكنه الإقامة بمكة وإلا فلا.
(وزيد) على الأمن على النفس أو المال (في) حق (المرأة زوج) يسافر معها، (أو محرم) بنسب أو رضاع، (أو رفقة أمنت) ولو رجالاً فقط، أو نساء فقط، كان الحج عليها فرضاً؛ وإلا فلا بد من الزوج أو المحرم، وإلا سقط بل يمتنع [٣] عليها.
(ولا تصح نيابة) من أحد
ــ
بخلاف الجمعة بالنسبة للعبد والمرأة فإنها لا تجب عليهم لكن لو صلوها وقعت منهم فرضاً. والعبرة بكونه وقت الإحرام حراً مكلفاً في نفس الأمر وإن لم يعلم، فمن ظهر له حريته أو تكليفه وقت الإحرام سقط عنه الفرض، إن لم يكن نوى النفلية.
قوله: [ولا يرتفض إحرامه] إلخ أي لو رفض ذلك الإحرام الحاصل قبل العتق أو قبل البلوغ، وأحرم بنية الفرض، كان إحرامه الثاني بمنزلة العدم.
قوله: [إمكاناً عادياً]: فلا يجب بنحو طيران إن قدر على ذلك، لكن إن وقع أجزأ. وتردد زروق في الوجوب بذلك، ومقتضى شارحنا: عدم الوجوب.
قوله: [وإلا فالمشقة لا بد منها] إلخ والمشقة المسقطة تختلف باختلاف الناس والأزمنة والأمكنة. وفي (ح) التشنيع على من أطلق في سقوط الحج عن أهل المغرب، بل النظر بحسب الحال والزمان في أهل المغرب وغيرهم. ومن عدم الاستطاعة: سلطان يخشى من سفره العدو أو اختلال الرعية أو ضرراً عظيماً يلحقه بعزله مثلاً لا مجرد العزل فيما يظهر كذا قال الأشياخ.
قوله: [من محارب وغاصب]: يحترز بذلك عن أخذ الدال على الطريق أجرة من المسافرين، فإنه جائز وليس فيه تفصيل الظالم، ويكون على عدد رؤوس المسافرين دون أمتعتهم، إذ من معه دواب ولو كثرت كالمتجرد في انتفاعهما به. والظاهر اعتبار عدد رؤوس من التابعين والمتبوعين فقط، وإذا جرى عرف بشيء عمل به لأنه كالشرط - كذا في حاشية الأصل نقلاً عن (عب).
قوله: [ولو بلا زاد]: رد: ب (لو) على سحنون ومن وافقه ممن قال باشتراط مصاحبة الزاد والراحلة له، ولو كان له صنعة أو قدرة على المشي.
قوله: [وقدر على المشي]: ظاهره ولو كان المشي غير معتاد له، واشترط القاضي عبد الوهاب والباجي اعتياده، لا إن كان غير معتاد له ويزري به، فلا يجب عليه الحج وما قيل فيه يقال في الصنعة.
قوله: [يهتدي بنفسه]: أي وكان معه من المال ما يوصله.
قوله: [قدر عليها]: أي وجدها ولا تجحف به ومحل الوجوب على الأعمى إذا اهتدى أو وجد قائداً، إذا كان رجلاً لا امرأة، فإنه يسقط عنها ولو قدرت على المشي مع قائد بل يكره لها ذلك. كذا في حاشية الأصل.
قوله: [يباع على المفلس]: أي ولو ثمن ولد زنا، قال (ح): ثمن ولد الزنا لا شبهة فيه، وإثم ولد الزنا على أبويه.
قوله: [أو بافتقاره] إلخ: حاصله أنه يجب عليه الحج ولو لم يكن عنده وعند أولاده إلا مقدار ما يوصله فقط، ولا يراعى ما يئول أمره وأمر أولاده إليه في المستقبل، فإن ذلك موكول لله، وهذا مبني على فورية الحج. وأما على التراخي فلا إشكال في تبدئة نفقة الأولاد والأبوين والزوجة. واعلم أنه لا يلزم الشخص التكسب وجمع المال لأجل أن يحصل ما يحج به، ولا أن يجمع ما فضل عن كسبه مثلاً كل يوم حتى يصير مستطيعاً، بل له أن يتصدق به والمعتبر الاستطاعة الحالية كذا في الحاشية.
قوله: [إن كان عادته السؤال]: أي في الحضر، وأما فقير غير سائل في الحضر، وقادر على سؤال كفايته في السفر، فلا يجب. وفي إباحته أو كراهته روايتا ابن عبد الحكم وابن القاسم.
قوله: [وزيد على الأمن]: حاصله: أن
стр. 263
(عن) شخص (مستطيع في) حج (فرض) بأجرة أو لا؛ فالإجارة فيه فاسدة لأنه عمل بدني لا يقبل النيابة كالصلاة والصوم، فالفرض باق على المستنيب.
(وإلا) تكن في فرض بل في نفل أو في عمرة كرهت النيابة، وصحت الإجارة فيما ذكر، وللمستنيب أجر الدعاء والنفقة، وحمل النائب على فعل الخير هذا هو الذي اعتمده الشيخ في التوضيح، وفي المختصر، وضعفه بعضهم وقال المعتمد في المذهب أن النيابة عن الحي لا تجوز، ولا تصح مطلقاً إلا عن ميت أوصى به فتصح مع الكراهة وشبه في الكراهة قوله: (كبدء للمستطيع) أي كما يكره للمستطيع الذي عليه حجة الفرض أن يبدأ (به) أي بالحج (عن غيره) قبل أن يحج عن نفسه بناء على أنه واجب على التراخي، وإلا منع وعلى ما تقدم من اعتماد بعضهم يحمل على ما إذا حج عن ميت أوصى به وإلا لم يصح.
(و) ككراهة (إجارة نفسه): أي الإنسان ذكراً أو أنثى (في عمل الله [١]) تعالى حجاً أو غيره، كقراءة وإمامة وتعليم علم إلا تعليم كتاب الله تعالى.
ــ
الاستطاعة - التي هي شرط في الوجوب عبارة عن إمكان الوصول من غير مشقة عظمت مع الأمن على النفس والمال، ويزاد على ذلك في حق المرأة أن تجد محرماً من محارمها يسافر معها، أو زوجاً لقوله ﵊: «لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر يوماً وليلة إلا ومعها محرم»، وأطلق في المحرم فيعم الذي من النسب والصهر والرضاع. وقوله: "لامرأة" نكرة في سياق النفي؛ فيعم المتجالة والشابة ولا يشترط أن تكون هي والمحرم مترافقين، فلو كان أحدهما في أول المركب والثاني في آخره بحيث إذا احتاجت إليه أمكنها الوصول من غير مشقة كفى على الظاهر كذا في الحاشية. ولا يشترط في المحرم البلوغ، بل المدار على التمييز، ووجود الكفاية.
وهل عبد المرأة محرم مطلقاً نظراً لكونه لا يتزوجها فتسافر معه؟ ورجحه ابن القطان أولاً مطلقاً؟ وهو الذي ينبغي المصير إليه، ورجحه ابن الفرات، أو إن كان وغداً فمحرم تسافر معه وإلا فلا، وعزاه ابن القطان لمالك وابن عبد الحكم وابن القصار، ويقوم مقام الرفقة المأمونة في سفر الفرض فقط كما يؤخذ من الشارح.
تنبيهان: الأول: يزاد في المرأة أنها لا يلزمها المشي البعيد. ويختلف البعد بأحوال النساء، ولا تركب صغير السفن لأنه لا يمكنها المبالغة في الستر عند كالنوم وقضاء الحاجة، وحيث وجدت الاستطاعة بشروطها، فالبحر كالبر إن غلبت السلامة لا إن ساوت العطب، وقيل لا يجب بالبحر لقوله تعالى ﴿يأتوك رجالا وعلى كل ضامر﴾ [الحج: ٢٧] ولم يذكر البحر، فرد بأن الانتهاء لمكة لا يكون إلا براً لبعد البحر منها. ومحل الوجوب بالبحر أيضاً إلا أن يضيع ركن صلاة لكدوخة. وأما عدم ماء الوضوء فسبق جواز السفر مع التيمم، نعم لا بد من ماء الشرب حيث تضر بهم قلته، وفي الخرشي وغيره لا يحج إن لزم صلاته بالنجاسة، قال في المجموع وقد يناقش بالخلاف فيها.
الثاني: لا يجب الحج باستطاعته بالدين ولو من ولده إذا لم يرج الوفاء، أو بعطية من هبة أو صدقة إن لم يكن معتاداً لذلك، ويصح بالمال الحرام مع العصيان.
فائدة: الحج ولو تطوعاً أفضل من الغزو إلا أن يتعين لفجء العدو، أو بتعيين الإمام، أو بكثرة الخوف، فإنه يقدم على الحج ولو فرضاً والأفضل في سفر الحج الركوب، والأفضل أن يكون على القتب رحل صغير للسنة والبعد عن الكبر.
قوله: [عن شخص مستطيع] إلخ: لا مفهوم لقوله "مستطيع في فرض"، بل الاستنابة فاسدة مطلقاً سواء كان المحجوج عنه مستطيعاً أو لا، في فرض أو نفل إن كان حياً كما سيأتي اعتماده في الشارح.
قوله: [كالصلاة والصوم]: أي ولذلك قال في التوضيح: فائدة من العبادة ما لا يقبل النيابة بإجماع كالإيمان بالله، ومنها ما يقبلها إجماعاً كالدعاء والصدقة والعتق ورد الديون والودائع. واختلف في الصوم والحج، والمذهب: أنهما لا يقبلان النيابة اهـ.
قوله: [وضعفه بعضهم]: المراد به (ر) قائلاً المعتمد منع النيابة عن الحي مطلقاً صحيحاً أو مريضاً كانت النيابة في فرض أو في نفل كانت بأجرة أو لا.
قوله: [على ما تقدم من اعتماد بعضهم]: الذي هو (ر) كما تقدم.
قوله: [وإلا لم يصح]: أي مطلقاً كانت النيابة في فرض أو غيره حيث كانت عن حي.
قوله: [وككراهة إجارة نفسه] إلخ: أي لقول مالك: لأن يؤاجر الرجل نفسه في عمل اللبن وقطع الحطب وسوق الإبل، أحب إلي من أن يعمل عملاً لله بأجرة.
قوله: [وتعليم علم]: قال الشيخ في تقريرة: يستثنى منه علم الحساب، فإنه لا كراهة في تعليمه بأجرة، لأنه صنعة يجوز أخذ الأجرة عليه.
قوله: [إلا تعليم كتاب الله تعالى]: أي ومثله الأذان وإن مع الصلاة كذا في المجموع، وظاهره وإن لم تكن الأجرة من وقف، ولا من بيت مال، وفي الحديث: «إن أحق ما أخذتم عليه أجراً كتاب الله تعالى»، وذكر الأشياخ الفرق بين العلم والقرآن أن العلم
стр. 264
(ونفذت) إن آجر نفسه، أي صحت ومحل الكراهة إذا لم تكن الأجرة من وقف أو من بيت المال فلا كراهة.
(وأركانه) أي الحج (أربعة) أولها: (الإحرام) وهو نية مع قول أو فعل متعلقين به؛ كالتلبية والتجرد فلا ينعقد بمجرد النية والأرجح أنه ينعقد بمجردها.
(ووقته) المأذون فيه شرعاً (للحج) إظهار في محل الإضمار لزيادة الإيضاح أي ابتداء وقته له (شوال) من أول ليلة عيد الفطر، ويمتد (لفجر يوم النحر) بإخراج الغاية؛ فمن أحرم قبل فجره بلحظة وهو يعرفه [١] فقد أدرك الحج، وبقي عليه الإفاضة والسعي بعدها لأن الركن عندنا الوقوف بعرفة ليلاً، وقد حصل.
(وكره) الإحرام له (قبله): أي قبل شوال، وانعقد.
(كمكانه) أي كما يكره الإحرام قبل مكانه الآتي بيانه.
(و) وقت الإحرام (للعمرة أبداً) أي في أي وقت من العام (إلا لمحرم بحج) فلا يصح إحرامه بعمرة، إلا إذا فرغ من جميع أفعاله من طواف وسعي ورمي لجميع الجمرات إن لم يتعجل، وبقدر رميها من اليوم الرابع بعد الزوال إن تعجل فقوله: (فبعد الفراغ من رمي) اليوم (الرابع) بالفعل إن لم يتعجل أو بقدره إذا تعجل معناه إذا كان قدم طوافه وسعيه.
(وكره) الإحرام بها (بعده) أي بعد رميه اليوم الرابع (للغروب) منه، (فإن أحرم) بها بعده وقبل الغروب صح إحرامه (وأخر) وجوباً (طوافها) وسعيها (بعده) أي الغروب، وإلا لم يعتد بفعله على المذهب وأعادهما بعده، وإلا فهو باقٍ على إحرامه أبداً.
ثم شرع في بيان الميقات المكاني للإحرام بقوله:
(ومكانه): أي الإحرام (له): أي للحج غير القران أخذاً مما يأتي، يختلف باختلاف الحاجين.
فهو بالنسبة (لمن بمكة) سواء كان من أهلها أم لا، ولو أقام بها إقامة لا تقطع حكم السفر (مكة) أي: الأولى له أن يحرم من مكة في أي مكان منها، ومثلها من منزله في الحرم خارجها (وندب) إحرامه (بالمسجد) الحرام أي فيه موضع صلاته، ويلبي وهو جالس
ــ
لو جازت الإجارة عليه لأدى لضياع الشريعة مع أن معرفة أحكام الدين فرض عين على كل مكلف، وليس في القرآن فرض عين سوى الفاتحة؛ فلذلك رخص أخذ الأجرة فيه دون العلم.
قوله: [ونفذت إن آجر نفسه] إلخ: أي وإن كان مكروهاً، وإنما نفذت الوصية به في الحج وغيره، مراعاة لمن يقول بجواز النيابة، وهنا كلام طويل في خليل وشراحه تركه المصنف اتكالاً على معرفته من باب الإجارة والوصايا، ولكون إجارة الحج مكروهة في بعض المسائل، وفاسدة في بعضها، لم يعتن بتفصيلها وقد أجاب بذلك هو ﵁.
قوله: [وأركانه أي الحج] إلخ: اعلم أن الركن هو ما لا بد من فعله، ولا يجزئ عنه دم ولا غيره وهي: الإحرام، والطواف، والسعي، والوقوف بعرفة. وهذه الأركان ثلاثة أقسام: قسم يفوت الحج بتركه ولا يؤمر بشيء: وهو الإحرام. وقسم يفوت بفواته ويؤمر بالتحلل بعمرة وبالقضاء في العام القابل وهو الوقوف، وقسم لا يفوت بفواته ولا يتحلل من الإحرام ولو وصل لأقصى المشرق أو المغرب رجع لمكة ليفعل: وهو طواف الإفاضة والسعي والثلاثة غير السعي متفق على ركنيتها، وأما السعي فقيل بعدم ركنيته وإن كان ضعيفاً، وبه قال أبو حنيفة.
وزاد ابن الماجشون في الأركان: الوقوف بالمشعر الحرام ورمي العقبة، والمشهور أنهما غير ركنين، بل الأول مستحب والثاني واجب يجبر بالدم. وحكى ابن عبد البر قولاً بركنية طواف القدوم، والحق أنه واجب يجبر بالدم. واختلف في اثنين خارج المذهب وهما: النزول بالمزدلفة، والحلاق. والمذهب عندنا أنهما واجبان يجبران بالدم فهي تسعة بين مجمع عليه ومختلف فيه في المذهب وخارجه. قال (ح): ينبغي للإنسان إذا أتى بهذه الأشياء أن ينوي الركنية ليخرج من الخلاف، وليكثر الثواب - أشار له الشبيبي اهـ (بن) نقله محشي الأصل.
قوله: [والأرجح أنه ينعقد بمجردها]: أي ويلزمه دم في ترك التلبية والتجرد حين النية على ما سيأتي تفصيله.
قوله: [ووقته المأذون فيه]: أي الذي يجوز فيه من غير كراهة بدليل ما يأتي.
قوله: [فمن أحرم قبل فجره بلحظة]: أي فالمراد أن الزمن الذي ذكره ظرف متسع للإحرام فيه إلى أن يبقى على فجر يوم النحر لحظة يدرك بها الإحرام فيصير مضيقاً.
قوله: [وانعقد]: أي على المشهور لأنه وقت كمال، بخلاف الصلاة فإنها تفسد قبل وقتها، لأنه وقت للصحة والوجوب.
قوله: [كمكانه]: أي ولكن ينعقد اتفاقاً.
قوله: [إلا لمحرم بحج]: أي ومثله محرم بعمرة فلا تنعقد عمرة على حج، ولا على عمرة المحرم، ولا يلزمه شيء في ذلك فلو قال إلا لمحرم بنسك لكان أولى.
قوله: [وإلا لم يعتد بفعله]: أي إن فعل بها قبل الغروب شيئاً من طواف أو سعي - ومنه الدخول للحرم بسببها - فيعيد جميع ما فعله. فإن تحلل منها بالطواف والسعي قبل غروب الرابع، ووطئ أفسد عمرته فيتمها وجوباً ويقضيها ويهدي ويفتدي لكالحلق.
قوله: [غير القران]: شمل كلامه المفرد الذي لم يتحلل من عمرته في أشهر الحج، والمتمتع الذي تحلل من عمرته في أشهر الحج وأحرم بحج مفرداً.
قوله: [ومثله من منزله في الحرم خارجها]:
стр. 265
وليس عليه القيام من مصلاه ولا أن يتقدم جهة البيت (و) ندب خروج الآفاقي المقيم بها (ذي النفس) أي الذي معه نفس أي سعة زمن يمكن الخروج فيه لميقاته، وإدراك الحج (لميقاته) ليحرم منه فإن لم يخرج فلا شيء عليه.
(و) مكانه (لها) أي للعمرة لمن بمكة (وللقران) أي الإحرام بالعمرة والحج معاً (الحل) ليجمع في إحرامه لها [١] بين الحل والحرم إذ هو شرط في كل إحرام، (وصح) الإحرام لها وللقران (بالحرم) وإن لم يجز ابتداء، (وخرج) وجوباً للحل للجمع في إحرامه بين الحل والحرم، (وإلا) يخرج للحل وقد طاف لها وسعى (أعاد طوافه وسعيه) لفسادهما (بعده)، أي بعد الخروج للحل، ولا فدية عليه إذا لم يكن حلق قبل خروجه، (وافتدى إن حلق قبله) أي الخروج لأن حلقه وقع حال إحرامه لعدم الاعتداد بالطواف والسعي قبل الخروج، فإن لم يكن قدم الطواف والسعي قبل خروجه طاف وسعى للعمرة بعده، ولا شيء عليه كما تقدم، فقوله: "وإلا أعاد" إلخ ظاهر في العمرة فقط، وأما القارن فلا يعيد بعد خروجه لأن طواف الإفاضة والسعي بعد الوقوف يندرج فيها طواف وسعي العمرة.
(و) مكانه (لغيره) أي لغير من بمكة من أهل الآفاق (لهما) أي للحج والعمرة (ذو الحليفة) تصغير حلفة بالنسبة (لمدني)، ومن وراءه ممن يأتي على المدينة، (والجحفة لكالمصري) كأهل المغرب والسودان والروم والشام، (ويلملم لليمن والهند، وقرن) بسكون الراء المهملة (لنجد، وذات عرق) بكسر العين وسكون الراء المهملتين (للعراق وخراسان ونحوهما) كفارس والمشرق ومن وراءهم أي لأهل ما ذكر.
(و) مكانه لهما (مسكن) من أي جهة بالنسبة لساكن، (دونها) أي دون تلك المواقيت بأن كان المسكن بينها وبين مكة، وكان خارج الحرم أو في الحرم وأفرد فإن قرن أو اعتمر خرج منه إلى الحل كما تقدم من أن كل إحرام لا بد فيه من الجمع بين الحل والحرم، والمفرد يقف بعرفة وهي من الحل.
(و) مكانه لهما أيضاً (حيث حاذى) أي قابل المار (واحداً منها)، أي من هذه المواقيت كرابغ فإنها تحاذي الجحفة على المعتمد (أو مر به) وإن لم يكن من أهله
ــ
أي كأهل منى ومزدلفة.
قوله: [وليس عليه القيام من مصلاه]: أي ثم يلبي بعد ذلك.
قوله: [وندب خروج الآفاقي] إلخ: أي كمصري مجاور بمكة فيندب له إن أراد الإحرام بالحج ومعه سعة من الزمن؛ إذا وصل لميقاته الجحفة ورجع، يدرك الوقوف. ويشترط الأمن أيضاً وإلا فلا يندب له، بل ربما كان رجوعه لميقاته حراماً.
قوله: [فلا شيء عليه]: أي لأن مخالفة المندوب لا توجب شيئاً كما يأتي. قوله: [ومكانه لها] إلخ: والجعرانة أولى ثم التنعيم وهذا بالنسبة للعمرة. وأما القران فلا يطلب له مكان معين من الحل بل الحل فيه مستو.
قوله: [وافتدى إن حلق قبله]: فإن وطئ بعد الحلاق فسدت ولزمه إتمامها، وتقدم نظيره.
قوله: [وأما القارن فلا يعيد] إلخ: أي على تقدير أن لو طاف وسعى، وإن كان لغواً كما قرره مؤلفه. وقوله: بعد خروجه أي للحل قبل خروجه لعرفة، فإن لم يخرج للحل بعد الإحرام وقبل الخروج لعرفة فلا شيء عليه، لأنه حصل الجمع بين الحل والحرم بخروجه لعرفة، غاية ما هناك خالف الواجب، وقال في المجموع نقلاً عن (شب) لا دم عليه.
قوله: [ذو الحليفة] إلخ: وقد جمع بعضهم تلك المواقيت التي تتعلق بالآفاقي في قوله:
عرق العراق يلملم اليمن ... وبذي الحليفة يحرم المدني
والشام جحفة إن مررت بها ... ولأهل نجد قرن فاستبن
وذو الحليفة أبعد المواقيت من مكة على عشر أو تسع مراحل منها، ومن المدينة على سبعة أو ستة أو أربعة أميال، وبها بئر يسميها العوام بئر علي تزعم أنه قاتل بها الجن، قال الخرشي: وهذه النسبة غير معروفة. وكان ﷺ يحرم من مسجدها.
قوله: [ممن يأتي على المدينة]: أي كأهل الشام الآن فإنهم يمرون بها ذهاباً وإياباً.
قوله: [والجحفة لكالمصري]: هي بضم الجيم وإسكان الحاء المهملة وبالفاء: قرية خربة بين مكة والمدينة أصلها لليهود على خمس مراحل من مكة، وثمان من المدينة. قال بعض: سميت بذلك لأن السيل أجحفها وسبب خرابها، نقل حمى المدينة إليها بدعوة رسول الله ﷺ كما في الحديث، ومن حكم الجحفة رابغ الذي يحرمون منه الآن على الراجح.
قوله: [والشام]: أي إن أتوا عليها.
قوله: [ويلملم لليمن]: هي بفتح المثناة التحتية واللام الأولى والثانية وبينهما ميم ساكنة وآخره ميم، ويقال بهمزة بدل الياء وبراءين بدل اللامين: جبل من جبال تهامة على مرحلتين من مكة، قال في الحاشية: إن أريد بها الجبل فمنصرفة، وإن أريد بها البقعة فغير منصرفة، بخلاف قرن فإنه على تقدير إرادة البقعة يجوز صرفه لأجل سكون وسطه.
قوله: [وقرن] إلخ: ويقال قرن المنازل وهي تلقاء مكة على مرحلتين قالوا وهي أقرب المواقيت لمكة.
قوله: [وذات عرق]: هي قرية خربة على مرحلتين من مكة، يقال إن بناءها تحول إلى جهة مكة، فتتحرى القرية القديمة. وعن الشافعي: من علاماتها المقابر القديمة.
قوله: [وكان خارج الحرم]: أي كقديد وعسفان ومر الظهران المسمى الآن بوادي فاطمة، قال في الحاشية: فإن سافر قبل الإحرام من مسكنه دونها إلى وراء الميقات، ثم رجع يريد الإحرام فكمصري يمر بذي الحليفة فله أن يؤخر لمنزله ويحرم منه، ولكن الأفضل إحرامه
стр. 266
(ولو) كان المحاذي (ببحر) كالمسافر من جهة مصر ببحر السويس؛ فإنه يحاذي الجحفة قبل وصوله جدة فيحرم في البحر حين المحاذاة، (إلا كمصري) من كل من ميقاته الجحفة (يمر) ابتداء (بالحليفة) ميقات أهل المدينة (فيندب) له الإحرام (منها)، ولا يجب؛ لأنه يمر على ميقاته الجحفة، بخلاف غيره ولذا لو أراد المصري أن يمر من طريق أخرى غير طريق الجحفة لوجب عليه الإحرام من ذي الحليفة كغيره.
(وإن) كان المصري الذي مر بالحليفة (حائضاً) أو نفساء وظنت الطهر قبل الوصول للجحفة، فيندب لها الإحرام من الحليفة، ولا تؤخر للجحفة وإن أدى ذلك إلى إحرامها بلا صلاة لأن إقامتها بالعبادة أياماً قبل الجحفة أفضل من تأخيرها لأجل الصلاة.
(ومن مر) بميقات من هذه المواقيت، أو حاذاه حال كونه (غير قاصد مكة) أي دخولها، بأن قصد مكاناً دونها أو في جهة أخرى، ولو كان ممن يخاطب بالحج أو العمرة، (أو) قاصداً مكة وكان (غير مخاطب به) أي بالإحرام كعبد وصبي، (أو قصدها) عطف على مر، فهو في غير المار (متردداً) أي مقدراً التردد لدخولها كالمترددين لها لبيع الفواكه والحطب ونحوهما (أو عاد لها) أي لمكة بعد خروجه منها (من) مكان (قريب) دون مسافة القصر، (فلا إحرام عليه)، أي فلا يجب عليه إحرام في الأربع صور (وإلا) بأن قصد دخول مكة لنسك أو تجارة أو غيرهما، وكان ممن يخاطب بالإحرام وجوباً، ولم يكن من المترددين لنحو بيع الفواكه، أو عاد لها من بعيد فوق مسافة القصر (وجب) عليه الإحرام.
وضابط ذلك: أن كل مكلف حر أراد دخول مكة فلا يدخلها إلا بإحرام بأحد النسكين وجوباً ولا يجوز له تعدي الميقات بلا إحرام إلا أن يكون من المترددين، أو يعود لها بعد خروجه منها من مكان قريب لم يمكث فيه كثيراً فلا يجب عليه كالعبد وغير المكلف كصبي ومجنون.
(و) متى تعدى الميقات بلا إحرام (رجع له) أي للميقات وجوباً ليحرم منه (وإن دخل مكة ما لم يحرم) بعد تعدي الميقات فإن أحرم لم يلزمه الرجوع وعليه الدم لتعديه الميقات حلالاً ولا يسقطه عنه رجوعه له بعد الإحرام كما يأتي قريباً (ولا دم عليه) إذا رجع للميقات فأحرم منه إذا لم يحرم بعد تعديه، فقوله: "ولا دم" مرتبط بالمنطوق أي ورجع المتعدي للميقات بلا إحرام مدة كونه لم يحرم ولا دم عليه، فإن أحرم فالدم، ولا ينفعه رجوعه (إلا لعذر) مستثنى من قوله "ورجع"، أي ويجب الرجوع إلا لعذر (كخوف فوات) لحجه لو رجع، أو فوات رفقة أو خاف على نفس أو مال أو عدم قدرة على الرجوع فلا يجب عليه الرجوع، وإذا لم يجب (فالدم) واجب عليه لتعديه الميقات حلالاً، (كراجع) له (بعد إحرامه) عليه الدم، ولا ينفعه الرجوع بعده فأولى إذا لم يرجع فمتعدي الميقات حلالاً إذا لم يرجع له قبل إحرامه يلزمه الدم في جميع الحالات ولو فسد حجه أو كان عدم الرجوع لعذر (إلا أن يفوته) الحج بطلوع فجر يوم النحر قبل وصول عرفة، (فتحلل) منه (بعمرة) بأن نوى التحلل منه بفعل عمرة، وطاف وسعى وحلق بنيتها، فلا دم عليه للتعدي، فإن لم يتحلل بالعمرة وبقي على إحرامه لقابل لم يسقط عنه.
(وهو) أي الإحرام (نية أحد النسكين) أي الحج والعمرة، وأصل النسك: العبادة (أو هما) أي نيتهما معاً، فإن نوى الحج فمفرد، وإن نوى العمرة فمعتمر وإن نواهما فقارن، على ما يأتي بيانه إن شاء الله تعالى.
ــ
من الذي مر عليه.
قوله: [ولو كان المحاذي ببحر]: قيده سند بالقلزم وهو بحر السويس. أما عيذاب وهو بحر اليمن والهند - فلا يحرم حتى يخرج إلى البر، لأن الريح ترد فيه كثيراً، ورجح بخلاف بحر السويس فلا مشقة فيه إذا ردته الريح، لأن السير فيه مع الساحل فيمكنه إذا خرجت عليه الريح النزول إلى البر، فلذا تعين إحرامه من المكان الذي يحاذي فيه الميقات، قال محشي الأصل: وقد يقال إنه وإن أمكنه النزول إلى البر، لكن فيه مضرة بمفارقة رحله، فلذا قيل إنه لا يلزمه أن يحرم من المكان الذي حاذى فيه الميقات، بل له أن يؤخر إحرامه حتى يصل للبر فتأمله اهـ. لا سيما في هذا الزمان الذي إذا خرج فيه إلى البر لا يأمن على نفس ولا على مال.
قوله: [إلا كمصري] إلخ: قال الخرشي لما أوجب الجمهور إحرام من مر بغير ميقاته منه عموماً لقوله ﷺ : «هن لهن ولمن أتى عليهن من غير أهلهن» استثنى أهل المذهب من ميقاته الجحفة يمر بذي الحليفة، فلا يجب إحرامه منها لمروره على ميقاته. قوله: [أي مقدراً التردد]: إشارة إلى أن (متردداً) حال منوية؛ على حد قوله تعالى ﴿فادخلوها خالدين﴾ [الزمر: ٧٣].
قوله: [كالمترددين لها] إلخ: كانوا مخاطبين بالحج أم لا.
قوله: [من مكان قريب]: أي لم يمكث فيه كثيراً بدليل ما يأتي، وسواء كان مخاطباً أم لا.
قوله: [في الأربع صور]: أي إجمالاً وإلا فهي سبع تفصيلاً؛ لأن قوله: "ومن مر غير قاصد مكة" تحته صورتان: وهما مخاطب، أم لا. وقوله: "أو غير مخاطب به" صورة واحدة، وقوله: "أو قصدها متردداً": صورتان: مخاطب، أم لا، وقوله: (أو عاد لها - من قريب) صورتان أيضاً: مخاطب، أم لا.
قوله: [كالعبد]: تشبيه في عدم الوجوب، وجميع التي لا يجب فيها الإحرام لا دم عليه فيها بمجاوزته الميقات حلالاً ولو أحرم بعد ذلك، وإن كان صرورة مستطيعاً على الراجح.
قوله: [فإن أحرم فالدم]: أي ولو أفسده لوجوب إتمامه.
قوله: [فالدم واجب عليه]: أي ويحرم من مكانه.
قوله: [وأصل النسك العبادة]: أي مطلقاً حجاً أو غيره، ثم صار حقيقة عرفية في الحج
стр. 267
ولا يفتقر إلى ضميمة قول أو فعل كتلبية وتجرد على الأرجح.
(أو أبهم) عطف على مقدر: أي عين نيته في أحدهما أو فيهما أو أبهم في إحرامه أي نيته، بأن لم يعين شيئاً بأن نوى النسك لله تعالى من غير ملاحظة حج أو عمرة أو هما، فينعقد ولكن لا بد من البيان بعد (وندب) إن أبهم (صرفه): أي تعيينه [١] (لحج) فيكون مفرداً (والقياس) صرفه (لقران): لأنه أحوط لاشتماله على النسكين كالناسي (وإن نسي) ما عينه؛ أهو حج أو عمرة أوهما (فقران) فيهدي له، (ونوى الحج): أي جدد نيته وجوباً لأنه إن كان نواه أولاً فهذا تأكيد له، وإن كان نوى العمرة فقد أردف الحج عليها، فيكون قارناً وإن كان نوى القران لم يضره تجديد نية الحج؛ فعلى كل حال هو قارن أي يعمل عمله ويهدي له.
(وبرئ منه فقط) لا من العمرة لاحتمال أن يكون نوى أولاً الحج، والثانية تأكيد (ولا يضره): أي الناوي لشيء معين (مخالفة لفظه) لنيته كأن نوى الحج فتلفظ بالعمرة إذ العبرة بالقصد لا اللفظ، (والأولى تركه) أي اللفظ بأن يقتصر على ما في القلب؛ (كالصلاة) لا يضرها مخالفة اللفظ لما نواه، والأولى تركه (ولا) يضر (رفضه): أي رفض أحد النسكين بل هو باق على إحرامه، وإن رفضه -أي ألغاه- بخلاف رفض الصلاة أو الصوم فمبطل كما تقدم فيهما.
ثم شرع في بيان واجبات الإحرام وسننه ومندوباته فقال:
(ووجب) بالإحرام (تجرد ذكر من محيط) بضم الميم، وسواء كان الذكر مكلفاً أم لا والخطاب يتعلق بولي الصغير والمجنون، وسواء كان المحيط بخياطة كالقميص والسراويل أم لا كنسج أو صباغة، أو بنفسه كجلد سلخ بلا شق ومفهوم "ذكر" أن الأنثى لا يجب عليها التجرد وهو كذلك، إلا في نحو أساور وستأتي المسألة مفصلة إن شاء الله تعالى في فصل محرمات الإحرام.
ــ
والعمرة.
قوله: [ولا يفتقر إلى ضميمة قول] إلخ: أي افتقاراً تتوقف الصحة عليه فلا ينافي أنهما واجبان غير شرط على المعتمد.
قوله: [من غير ملاحظة حج] إلخ: أي بأن يقول: "أحرمت لله، فقط.
قوله: [ولكن لا بد من البيان بعد]: وحينئذ فلا يفعل شيئاً إلا بعد التعيين.
قوله: [أي تعيينه لحج]: أي إن وقع الصرف قبل طواف القدوم، وقد أحرم في أشهر الحج. وإن كان قبلها صرفه ندباً لعمرة، وكره لحج. فإن طاف صرفه للإفراد، سواء كان في أشهر الحج أم لا. قال في الذخيرة ولو أحرم مطلقاً ولم يعين حتى طاف، فالصواب أن يجعله حجاً ويكون هذا طواف القدوم لأن طواف القدوم ليس ركناً في الحج، والطواف ركن في العمرة، وقد وقع قبل تعيينهما اهـ (بن) نقله محشي الأصل.
قوله: [والقياس صرفه لقران] إلخ: أي إلا أنه غير معول عليه لمخالفته للنص.
قوله: [ونوى الحج] إلخ: قال في حاشية الأصل: الذي يدل عليه كلامهم أن من نسي ما أحرم به لزمه عمل القران؛ سواء نوى الحج - أي أحدث نيته - أم لا. وبراءته من الحج إنما تكون إذا أحدث نيته؛ فإن لم ينوه لم تبرأ ذمته من عهدة الحج، ولا من العمرة إذ ليس محققاً عنده حج ولا عمرة. ومحل نية الحج إذا حصل شكه في وقت يصح فيه الإرداف؛ كما لو وقع قبل الطواف أو في أثنائه أو بعده وقبل الركوع. وأما لو حصل بعد الركوع أو في أثناء السعي فلا ينوي الحج، إذا لا يصح إردافه على العمرة حينئذ، بل يلزمه عمرة ويستمر على ما هو عليه. فإذا فرغ من السعي أحرم بالحج، وكان متمتعاً إن كانت العمرة في أشهر الحج اهـ. ولا يحلق رأسه حتى يتم أفعال الحج لاحتمال أن المنسي حج ويلزمه دم لتأخير الحلاق، لاحتمال أن المنوي ابتداء عمرة - تأمل.
قوله: [مخالفة لفظه]: أي ولو عمداً فليس كالصلاة، ولا دم لهذه المخالفة على قول مالك المرجوع عنه. والمرجوع إليه: أن عليه الدم ووافقه ابن القاسم، لكن قال خليل في منسكه: الأول أقيس.
قوله: [كالصلاة]: تشبيه في الأولوية، وليس بتام لأن تعمد المخالفة في الصلاة مبطل لها بخلاف الحج كما تقدم.
قوله: [ولا يضر رفضه]: أي ولو حصل في أثناء أفعال الحج أو العمرة، فإذا رفض إحرامه في أثنائه قبل أن يأتي بباقي أفعاله المطلوبة كالسعي والطواف ثم أتى بها، فصحيحة. بخلاف رفض الطواف والسعي إذا وقع في أثنائهما، فيرتفض كل، ويكون كالتارك له فيطلب بغيره وأصل الإحرام لم يرتفض، ونص عبد الحق: فإذا رفض إحرامه ثم عاد للمواضع التي يخاطب بها ففعلها لم يحصل لرفضه حكم، وأما إن كان في حين الأفعال التي تجب عليه نوى الرفض وفعلها بغير نية - كالطواف ونحوه - فإنه يعد كالتارك لذلك - كذا في (بن). اهـ. من حاشية الأصل.
تنبيه: في جواز إحرام الشخص كإحرام زيد وعدمه قولان: فعلى الأول: لو تبين أن زيداً لم يحرم لزمه هو الإحرام ويكون مطلقاً يخير في صرفه لما شاء، وكذا لو مات زيد أو لم يعلم ما أحرم به أو وجده محرماً بالإطلاق على ما استظهره كذا في الأصل.
قوله: [ووجب بالإحرام تجرد ذكر]: ذكر هذه المسألة هنا رداً على القائل بأن التجرد مما تتوقف صحة الإحرام عليه، فبين أنه واجب غير شرط كالتلبية على المعتمد.
قوله: [مكلفاً أم لا]: لكن محل تعلق الخطاب بتجرد الصغير إن كان مطيقاً لذلك، وإلا فلا يؤمر وليه بتجريده، وتقدم الكلام على ذلك في قوله فيحرم الولي عن كرضيع ومطيق وجردا قرب الحرم.
стр. 268
واعلم أن الواجب في باب الحج غير الفرض؛ إذ الفرض هنا هو الركن وهو ما لا تحصل حقيقة الحج أو العمرة إلا به، والواجب: ما يحرم تركه اختياراً لغير ضرورة، ولا يفسد النسك بتركه وينجبر بالدم.
(و) وجب على المحرم المكلف ذكراً أو أنثى (تلبية و) وجب (وصلها به) أي بالإحرام، فمن تركها رأساً أو فصل بينها وبينه بفصل طويل فعليه دم وبقي من الواجبات كشف الرأس للذكر.
(وسن) للإحرام (غسل متصل) به متقدم عليه كالجمعة فإن تأخر إحرامه كثيراً أعاده [١]، ولا يضر فصل بشد رحاله، وإصلاح حال (و) سن (لبس إزاره [٢]) بوسطه، (ورداء) على كتفيه، (ونعلين) في رجليه كنعال التكرور، وغالب أهل الحجاز أي أن السنة مجموع هذه الثلاثة، فلا ينافي أن التجرد من المحيط واجب، فلو التحف برداء أو كساء أجزأ وخالف السنة (و) سن (ركعتان) بعد الغسل وقبل الإحرام، (وأجزأ) عنهما (الفرض) وحصل به السنة، وفاته الأفضل.
ولا دم في ترك السنن، بخلاف [٣] الواجب، فإذا اغتسل ولبس ما ذكر وصلى (يحرم الراكب) ندباً (إذا استوى) على ظهر دابته (و) يحرم (الماشي إذا مشى) أي شرع فيه.
(وندب) للمحرم (إزالة شعثه) قبل الغسل بأن يقص أظفاره وشاربه ويحلق عانته وينتف شعر إبطه، ويرجل شعر رأسه أو يحلقه إذا كان من أهل الحلاق ليستريح بذلك من ضررها وهو محرم.
(و) ندب (الاقتصار على تلبية الرسول ﵊ وهي: "لبيك اللهم لبيك لا شريك لك لبيك إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك" (و) ندب (تجديدها لتغير حال) كقيام وقعود وصعود وهبوط ورحيل وحط ويقظة من نوم أو غفلة (وخلف صلاة) ولو نافلة،
ــ
قوله: [واعلم أن الواجب] إلخ: هذا اصطلاح للفقهاء مخصوص بباب الحج، وأما في غيره فالواجب والفرض شيء واحد ولا مشاحة في الاصطلاح.
قوله: [ووجب على المحرم المكلف]: أي بخلاف الصبي فلا يطالب بها وليه إن عجز عنها، وظاهره أنه إن قدر عليها الصبي لا يجب على وليه أمره بها، ولا يكون في تركها دم، مع أن الأصيلي. قال عند قول خليل: "وأمره مقدوره" أي وجوباً، لأنه كأركان النافلة تتوقف صحة العبادة عليه، فعلى هذا لو ترك الصبي التلبية مع القدرة يكون عليه الدم، فلا يظهر تقييده بالمكلف فكان الأولى أن يعمم هنا كما عمم في التجرد.
قوله: [أو فصل بينها وبينه بفصل طويل]: أي وأما اتصالها بالإحرام حقيقة فسنة لا شيء في تركها، وعليه يحمل عطف خليل لها على السنن.
قوله: [متصل به]: واختلف هل هذا الاتصال من تمام السنة؟ فإذا اغتسل غدوة وأخر الإحرام للظهر لم يجزه وهو الموافق لكلام المدونة، وقال البساطي: الاتصال سنة مستقلة، فلو تركه أتى بسنة الغسل وفاتته سنة الاتصال.
قوله: [أعاده]: أي على قول المدونة، ويستثنى من طلب الاتصال من كان بالمدينة ويريد الإحرام من ذي الحليفة، فإنه يندب له الغسل بالمدينة، ويأتي لابساً لثيابه، فإذا وصل لذي الحليفة تجرد وأحرم. وهو معنى قول خليل: "وندب بالمدينة للحليفى".
قوله: [وسن ركعتان]: أي فأكثر وليس المراد ظاهره من أن السنة ركعتان فقط، بل بيان لأقل ما تحصل به السنة. ثم محل سنيتهما إن كان وقت جواز وإلا انتظره بالإحرام ما لم يكن مراهقاً، وإلا أحرم وتركهما، كما أن المعذور مثل الحائض والنفساء يتركهما.
قوله: [وحصل به السنة]: الحاصل أن السنة تحصل بإيقاع الإحرام عقب صلاة ولو فرضاً، لكن إن كانت نفلاً فقد أتى بسنة ومندوب، وإن فعله بعد فرض فقد أتى بسنة فقط. وانظر هل أراد بالفرض خصوص العيني؟ أو ولو جنازة وهو منذور النوافل، كالفرض الأصلي أم لا؟ وبقي من سنن الإحرام الإشعار والتقليد للهدي إن كان معه، ويكونان بعد الركوع.
قوله: [وصلى]: أي وأشعر وقلد إن كان معه ما يشعر أو يقلد.
قوله: [إذا استوى على ظهر دابته]: أي ولا يتوقف على مشيها وإحرام الراكب إذا استوى، والماشي إذا مشى على جهة الأولوية، فلو أحرم الراكب قبل أن يستوي على دابته، والماشي قبل مشيه كفاه ذلك مع الكراهة.
قوله: [ويرجل شعر رأسه] إلخ: هذا خلاف ما قاله الخرشي والمجموع، فإن الخرشي قال في حل قول خليل "وإزالة شعثه": أي ما عدا الرأس، فإن الأفضل بقاء شعثه في الحج ابن بشير: ويلبده بصمغ أو غاسول ليلتصق بعضه ببعض، ويقل دوابه اهـ. قال في الحاشية: قد ورد أن النبي ﷺ لبد رأسه بالعسل كما في أبي داود، قال في القاموس: العسل بمهملتين صمغ العرفط بالضم: شجر العضاه.
قوله: [وهي لبيك]: معناه إجابة بعد إجابة، أي أجبتك الآن كما أجبتك حين أذن إبراهيم به في الناس، وكما أجبتك أولاً حين خاطبت الأرواح ب ﴿ألست بربكم﴾ [الأعراف: ١٧٢] كذا وقيل الأحسن ما قاله في المجموع: ومعنى لبيك إجابة لك بعد إجابة في جميع أمرك وكل خطاباتك.
قوله: [إن الحمد]: روي بكسر الهمزة على الاستئناف وبفتحها على التعليل، والكسر أجود عند الجمهور، وقال ثعلب: لأن من كسر جعل معناه إن الحمد لك على كل حال، ومن فتح جعل معناه لبيك لهذا السبب.
تنبيه: كان عمر يزيد: " لبيك ذا النعماء والفضل الحسن، لبيك لبيك مرهوباً منك ومرغوباً إليك "،
стр. 269
(و) عند (ملاقاة رفاق) أو رفقة.
(و) ندب (توسط في علو صوته) فلا يسرها، ولا يرفع صوته جداً حتى يعقره (و) ندب توسط (فيها) أي في ذكرها فلا يترك حتى تفوته الشعيرة ولا يوالي حتى يلحقه الضجر.
(فإن تركت) التلبية (أوله): أي الإحرام (وطال) الزمن طولاً كثيراً؛ كأن يحرم أول النهار ويلبي وسطه (فدم)، لما تقدم أن وصلها بالعرف واجب وقوله: (للطواف) غاية لقوله: "وتجديد" إلى آخره أي يندب تجديدها وإعادتها إلى أن يدخل المسجد الحرام ويشرع في طواف القدوم، فيتركها (حتى) أي إلى أن (يطوف) للقدوم، (ويسعى) بعده، وقيل: يتركها بدخوله مكة حتى يطوف ويسعى، (فيعاودها) بعد فراغه من السعي ما دام بمكة.
(وإن بالمسجد) الحرام أي فيه ويستمر على ذلك (لرواح) أي وصول (مصلى) أي مسجد (عرفة بعد الزوال من يومه) أي يوم عرفة.
فغاية التلبية مقيدة بقيدين الوصول لمسجد عرفة وكونه بعد الزوال من يوم عرفة فإن وصل قبل الزوال لبى إلى الزوال، وإن زالت الشمس قبل الوصول لبى إلى الوصول، فعلم أنه إن وصل عرفة قبل يومها -كما يفعل غالب الناس الآن- فإنه يستمر على التلبية حتى يصلي الظهر والعصر جمع تقديم يومها، فإذا صلاهما قطعها وتوجه للوقوف مع الناس متضرعاً مبتهلاً بالدعاء، وجلاً خائفاً من الله، راجياً منه القبول، ولا يلبي كما يفعله غالب الناس الآن هذا فيمن أحرم بالحج من غير أهل مكة ولم يفته الحج وأما المعتمر ومن أحرم من مكة، أو فاته الحج.
فأشار لهم بقوله: (ومحرم مكة) أي والمحرم منها لكونه من أهلها أو مقيماً بها ولا يكون إلا بحج مفرداً لما تقدم من أنه إن كان قارناً أو معتمراً أحرم من الحل (يلبي بالمسجد مكانه) أي في المكان الذي أحرم منه. وظاهر أنه يؤخر سعيه بعد الإفاضة إذ لا قدوم عليه ويستمر يلبي إلى رواح مصلى عرفة بعد الزوال كما تقدم.
(ومعتمر الميقات) من أهل الآفاق (وفائت الحج): أي المعتمر الذي فاته الحج - بأن أحرم أولاً بحج ففاته بحصر أو مرض، فتحلل منه بعمرة كل منهما يلبي (للحرم)،
ــ
وزاد ابنه: " لبيك لبيك وسعديك والخير بيديك، لبيك لبيك والرغباء إليك"، وهذه التلبية تكره في غير الإحرام لقول التهذيب: كره مالك أن يلبي بها من لا يريد الحج، ورآه سخافة عقل.
وأما إجابة الصحابة للنبي بالتلبية فهي من خصائصه - كذا في التوضيح، قال (بن): وهو غير مسلم، والظاهر - كما قال ابن هارون: إن الذي كرهه الإمام إنما هو استعمال تلبية الحج في غيره، كاتخاذها ورداً كبقية الأذكار لما فيه من استعمال العبادة في غير ما وضعت له، وأما مجرد قول الرجل لمن ناداه: لبيك، فلا بأس به، بل هو أحسن أدباً وفي الشفاء عن عائشة: «ما ناداه ﷺ أحد من أصحابه ولا أهل ملته إلا قال: لبيك»، وبه يرد قول ابن أبي جمرة أنه ﷺ لم يفعل ذلك معهم. اهـ من حاشية الأصل.
قوله: [وعند ملاقاة رفاق]: أي فتكون شعارهم تغني عن التحية، ولذلك قالوا: يكره السلام على الملبي.
قوله: [وندب توسط فيها] إلخ: ويقال مثل ذلك في تكبير العيد وكل مندوب مرغب فيه من الأذكار، لأن خير الأمور أوساطها.
قوله: [فإن تركت التلبية أوله]: ومثل الترك والطول في الدم ما لو تركها رأساً كما تقدم، ومفهوم الظرف أنه إذا تركها في أثنائه لا شيء عليه كما في التوضيح، وصرح به عبد الحق والتونسي وصاحب التلقين وابن عطاء الله، قالوا أقلها مرة وإن قالها ثم ترك فلا دم عليه، قال (ح): وشهر ابن عرفة وجوب الدم. ونصه: فإن لبى حين أحرم وترك ففي لزوم الدم ثالثها إن لم يعوضها بتكبير وتهليل. وقال ابن العربي: وإن ابتدأ بها ولم يعدها فعليه دم في أقوى القولين؛ فتحصل أن في المسألة أقوالاً ثلاثة.
قوله: [فيعاودها بعد فراغه من السعي]: أي استحباباً كما قيل، وفي المجموع: وعاودها وجوباً بعد سعي، فإن لم يعاودها أصلاً فدم على المعول عليه. اهـ. وتقدم أن هذا قول ابن العربي.
قوله: [أي مسجد عرفة]: بالفاء لأنه كائن فيها، ويقال أيضاً عرنة بالنون مكان غير عرفة، وأضيف المسجد له لمجاورته لها لأن حائطه القبلي بلصقها.
قوله: [فغاية التلبية مقيدة] إلخ: أي فمتى وجد القيدان تمت التلبية ولا يعاودها أصلاً، هذا هو الذي رجع إليه مالك والمرجوع عنه: أنه يستمر يلبي إلى أن يصل لمحل الوقوف، ولا يقطع إذا وصل لمصلى عرفة، قال في الحاشية: لو أحرم من مصلى عرفة فإنه يلبي إلى أن يرمي جمرة العقبة إذا كان إحرامه بعد الزوال. فإن أحرم منها قبله فإنه يلبي للزوال بمنزلة من أحرم من غيرها. اهـ. فإذا علمت ذلك فتكون القيود ثلاثة.
قوله: [إن وصل عرفة قبل يومها]: أي وخالف المشروع من كونه يخرج يوم الثامن إلى منى قدر ما يدرك بها الظهر، فيصلي بها الظهر والعصر والمغرب والعشاء، ويبيت بها حتى يصلي الصبح، ثم يرتحل يومها لعرفة فإن هذا متروك الآن.
قوله: [ولا يلبي] إلخ: أي فينهى عن التلبية حيث كان مالكياً، وأما من كان مذهبه يرى ذلك فلا نتعرض له.
قوله: [هذا فيمن أحرم بالحج]:
стр. 270
ولا يتمادى للبيوت، فعلم أن الحرم من الميقات بالحج ولو قارناً يلبي للبيوت أو للطواف على ما تقدم، والمعتمر منه للحرم.
(و) المعتمر (من) دون الميقات (كالجعرانة) والتنعيم يلبي (للبيوت) لقرب المسافة، فالتلبية في العمرة أقل منها في الحج.
(والإفراد) بالحج (أفضل) من القران والتمتع، لأنه لا يجب فيه هدي، ولأن النبي ﷺ حج مفرداً على الأصح.
(فالقران) يلي الإفراد في الفضل، وفسره بصورتين أشار للأولى بقوله: (بأن يحرم بهما): أي العمرة والحج معاً بأن ينوي القران أو العمرة والحج بنية واحدة (وقدمها): أي العمرة في النية والملاحظة وجوباً إن رتب، وندباً في اللفظ إن تلفظ.
الثانية: أن ينوي العمرة، ثم يبدو له فيردف الحج عليها، ولا يصح إرداف عمرة على حج لقوته فلا يقبل غيره، وإليها أشار بقوله: (أو يردفه) أي الحج (عليها) أي العمرة، بأن ينويه بعد الإحرام بها قبل الشروع في طوافها أو (بطوافها) قبل تمامه ومحل صحة إردافه (إن صحت) العمرة لوقت الإرداف، فإن فسدت بجماع أو إنزال قبل الإرداف، لم يصح.
ووجب إتمامها فاسدة، ثم يقضيها وعليه دم (وكمله) أي الطواف الذي أردف الحج على العمرة فيه، وصلى ركعتيه وجوباً، (و) لكن (لا يسعى) هذه [١] العمرة (حينئذ) أي حين أردفه عليها بطوافها؛ لأنه صار غير واجب لاندراج العمرة في الحج فالطواف الفرض لهما هو الإفاضة ولا قدوم عليه لأنه بمنزلة المقيم بمكة، حيث جدد نية الحج فيها والسعي يجب أن يكون بعد طواف واجب، وحينئذ فيؤخره بعد الإفاضة، واندرجت العمرة في الحج في الصورتين، فيكون العمل لهما واحداً.
(وكره) الإرداف (بعده) أي الطواف، وصح قبل الركوع، بل (ولو بالركوع) أي فيه (لا بعده) فلا يصح لتمام غالب أركانها إذ لم يبق عليه منها إلا السعي.
ــ
أي مفرداً أو قارناً.
قوله: [ولا يتمادى للبيوت]: أي خلافاً لابن الحاجب، والمراد بالحرم: الحرم العام لا خصوص المسجد، خلافاً لمن زعم ذلك - كما هو تقرير مؤلفه وسياقه هنا.
قوله: [أقل منها في الحج]: أي لأنه يتركها في العمرة عند الحرم تارة، وعند رؤية البيوت تارة، ولا يعاودها بخلافها في الحج الذي لم يفته، فإنه يستمر للطواف ويعاودها عقب السعي.
قوله: [والإفراد بالحج أفضل] إلخ: قال في المجموع: وعده ابن تركي في الأمور التي في تركها دم وهو ظاهر اهـ. وظاهر كلام الشارح أفضليته ولو كان معه سعة من الوقت، خلافاً لما رواه أشهب عن مالك في المجموعة: أن من قدم مكة مراهقاً فالإفراد أفضل في حقه، وأما من قدم بينه وبين الحج طول زمان فالتمتع أولى له وخلافاً لما قاله اللخمي من أن التمتع أفضل من الإفراد والقران، ولما قاله أشهب وأبو حنيفة من أن القران أفضل من الإفراد، لأن عبادتين أفضل من عبادة.
قوله: [فالقران يلي الإفراد]: أي وإن كان القران يسقط به طلب النسكين؛ لأنه قد يكون في المفضول ما لا يكون في الفاضل.
قوله: [فلا يقبل غيره]: أي من حج أو عمرة فلا يرتدف عليه حج آخر ولا عمرة كما قال خليل: "ولغا عمرة عليه كالثاني في حجتين أو عمرتين".
قوله: [أو بطوافها قبل تمامه]: أي عند ابن القاسم، خلافاً لأشهب القائل إذا شرع في الطواف فات الإرداف.
قوله: [لم يصح]: أي عند ابن القاسم، ولا ينعقد إحرامه بالحج ولا قضاء عليه فيه قاله سند. وهو باق على عمرته، ولا يحتج حتى يقضيها، فإن أحرم بالحج بعد تمامها وقبل قضائها صح حجه ولو فسدت في أشهر الحج ثم حج من عامه فمتمتع، وحجه تام وعليه قضاء عمرته، كذا في الأجهوري اهـ من حاشية الأصل.
قوله: [والسعي يجب أن يكون بعد طواف واجب]: أي وجوباً غير شرط كما يأتي من أن شرط صحته تقدم طواف، وكون الطواف واجباً غير شرط.
قوله: [فيؤخره بعد الإضافة]: أي وجوباً، فإن قدمه أجزأ ويؤمر بإعادته بعد طواف ينوي فرضيته ما دام بمكة، فإن تباعد عنها لزمه دم وسيأتي ذلك.
قوله: [فيكون العمل لهما واحداً]: خلافاً لأبي حنيفة في إيجابه على القارن طوافين وسعيين، بل لا يلزم المحرم القارن أن يستحضر عند إتيانه بالأفعال المشتركة في الحج والعمرة أنها لهما، بل لو لم يستشعر العمرة أجزأ.
قوله: [لا بعده فلا يصح]: أي ويكون لاغياً وأما بعد السعي وقبل الحلاق فحج مؤتنف بعد عمرة تمت، وإن كان لا يجوز القدوم على ذلك لاستلزام تأخير حق العمرة للتحلل من الحج، ويلزمه هدي للتأخير، فلو حلق بعد إحرامه بالحج وقبل فراغه من أفعاله لزمه فدية وهدي. والحاصل: أن الواجب أصالة ترك الإحرام بالحج حتى يحلق للعمرة، فإن خالف ذلك الواجب وأحرم به قبل حلاقها وبعد سعيها صح ولزمه تأخير الحلق للفراغ من الحج وأهدى لترك ذلك الواجب، فإن قدم الحلق قبل الفراغ لزمه فدية لإزالة الأذى وهو محرم وهدي، لعدم تعجيل الحلق قبل الإحرام.
стр. 271
(فالتمتع) يلي القران في الفضل، وفسره بقوله: (بأن يحل منها) أي من العمرة (في أشهره) أي الحج، وهذا صادق بما إذا كان أحرم بها في أشهر الحج أو قبلها، وأتمها فيها ولو ببعض الركن الأخير منها كمن أحرم بها في رمضان، وتمم سعيها بعد الغروب من ليلة شوال (ثم يحج من عامه) الذي اعتمر فيه، (وإن) كان حجه ملتبساً (بقران) فحقيقة التمتع حج معتمر في أشهر الحج من ذلك العام، وعليه هدي لتمتعه لقوله تعالى: ﴿فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدي﴾ [البقرة: ١٩٦]، وقيس القران عليه.
(وشرط دمهما): أي القران والتمتع (عدم إقامة) للمتمتع أو القارن (بمكة، أو ذي طوى) مثلث الطاء المهملة مكان معروف بقرب مكة (وقت فعلهما): أي وقت الإحرام بهما قال تعالى ﴿ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام﴾ [البقرة: ١٩٦] واسم الإشارة عائد على الهدي؛ فغير المقيم بمكة أو ذي طوى يلزمه الهدي (وإن) كان أصله من مكة و (انقطع بغيرها) كما أن من انقطع بمكة أي أم [١] بها بنية الدوام بها وأصله من غيرها، لا دم عليه، بخلاف من نيته الانتقال أو لا نية له.
(وندب) الهدي (لذي أهلين): أهل بمكة وأهل بغيرها، ولو كانت إقامته بها أكثر من غيرها على الأرجح (و) شرط دمهما (حج من عامه) فيهما فمن أحل من عمرته قبل دخول شوال، ثم حج فليس بمتمتع فلا دم عليه وكذا إذا فات القارن الحج فلا دم عليه لقرانه.
(و) شرط (للمتمتع [٢]) زيادة الشرطين المتقدمين (عدم عوده) أي رجوعه بعد أن حل من عمرته في أشهر الحج (لبلده أو مثله) في البعد (ولو) كان بلده أو مثله (بالحجاز) كالمدينة مثلاً فمن كان من أهل المدينة أو ميقات من المواقيت المتقدمة كرابغ، واعتمر في أشهر الحج، ثم رجع لبلده بعد أن حل من عمرته ثم رجع لمكة وحج من عامه فلا هدي عليه (و) شرط للمتمتع [٣] أيضاً: (فعل بعض ركنها) أي أن يفعل ولو بعض ركن من العمرة (في وقته) أي الحج بدخول غروب الشمس من آخر رمضان، فإن تم سعيه منها قبل الغروب وأحرم بالحج بعده لم يكن متمتعاً، وإن غربت قبل تمامه كان متمتعاً.
ــ
قوله: [فالتمتع يلي القران]: سمي بذلك لأنه تمتع بإسقاط أحد السفرين. وقيل لأنه تمتع من عمرته بالنساء والطيب، ولا يرد على هذا التعليل لو أحرم بالحج وأحل منه، ثم أحرم بعمرة لأن علة التسمية لا تقتضي التسمية، ولا يرد على الأول لو أحل من عمرته قبل أشهر الحج، وجلس حتى أحرم بالحج، لأن العبرة بإسقاط أحد السفرين في أشهر الحج - كذا في الحاشية. والتمتع - وإن كان يلي القران في الفضل - أفضل من الإطلاق لأن أوجه الإحرام أربعة، إفراد وقران وتمتع وإطلاق، وهي على هذا الترتيب في الأفضلية.
قوله: [وإن كان حجه ملتبساً بقران]: أي ويكون متمتعاً قارناً ويلزمه هديان لتمتعه وقرانه.
قوله: [وقيس القران عليه]: أي فأوجبوا فيه الدم، بجامع أن القارن والمتمتع أسقط عن نفسه أحد السفرين.
قوله: [وشرط دمهما] إلخ: ظاهره أنها ليست شروطاً في التسمية، بل في لزوم الدم وهو أحد قولين، وقيل: إنها شروط في التسمية والدم معاً، وتظهر ثمرة الخلاف لو حلف أنه متمتع أو قارن ولم يستوف الشروط.
قوله: [مكان معروف]: أي بين الطريق التي يهبط منها إلى مقبرة مكة المسماة بالمعلا، والطريق الأخرى التي هي جهة الذاهب وتسمى عند أهل مكة بين الحجونين، وسيأتي وصفها في الشارح، وأما التي في القرآن فبضم الطاء وكسرها، وقرئ بهما في السبع كذا في الحاشية، وليست هي التي في كلام المصنف؛ لأن التي في القرآن في موضع مكالمة موسى بطور سيناء ولا خصوصية لذي طوى بذلك، بل المراد كل مكان في حكم مكة مما لا يقصر المسافر منها حتى يجاوزها.
قوله: [أي وقت الإحرام بهما]: المراد وقت الإحرام بالعمرة فيهما، فلو قدم آفاقي محرماً بعمرة في أشهر الحج ونيته السكنى بمكة أو بما في حكمها، ثم حج من عامه وجب عليه هدي التمتع.
قوله: [وندب الهدي لذي أهلين]: أي هدي التمتع أو القران.
قوله: [على الأرجح]: أي وهو قول التونسي.
قوله: [قبل دخول شوال ثم حج]: ومثل ذلك من أحل من عمرته في أشهر الحج وفاته الحج في عامه بعد أن أحرم به ولم يحج إلا من قابل، أو تحلل منه بفعل عمرة، ولعل هذا المثال أقعد من مثال الشارح لأن مثاله لم يوجد فيه أصلاً.
قوله: [وكذا إذا تمتع فات القارن الحج]: أي وأما لو بقي القارن على إحرامه لقابل لم يسقط عنه الدم - هكذا في حاشية الأصل.
قوله: [ولو كان بلده أو مثله بالحجاز]: تبع التتائي في رجوع المبالغة لكل من بلده ومثله، ومثله لبهرام واعترضه (ح): بأن صواب المبالغة في الرجوع لمثل البلد لأنها محل الخلاف، وأما إذا رجع لبلده فلا دم اتفاقاً كانت بالحجاز أو غيره، فإن المردود عليه - الذي هو ابن المواز - قال: إذا عاد لمثل بلده في الحجاز فلا يسقط الدم. ولا يسقط إلا بعوده لبلده أو لمثله. وخرج عن أرض الحجاز بالكلية كذا في حاشية الأصل. ومحل اشتراط رجوعه لبلده أو مثله إن لم تكن بلده بعيدةً جداً كالمغربي فيكفي رجوعه لنحو مصر كما قرره مؤلفه.
(تنبيهان): الأول: زيد شرط أيضاً على أحد الترددين في خليل: وهو كونهما عن شخص واحد، فلو كانا عن اثنين - كأن اعتمر عن نفسه وحج عن غيره أو عكسه، أو اعتمر عن زيد وحج عن بكر
стр. 272
الركن (الثاني) من أركان الحج:
(السعي بين الصفا والمروة) أشواطاً (سبعاً منه) أي الصفا (البدء مرة والعود) إليه من المروة مرة (أخرى)، فيبدأ بالصفا ويختم بالمروة فإن ابتدأ من المروة لم يحتسب به (وصحته بتقدم [١] طواف صح) أي شرط صحته أن يتقدمه طواف صحيح، (مطلقاً) سواء كان نفلاً أو واجباً كالقدوم، أو ركناً كالإفاضة فإن سعى من غير تقديم طواف صحيح عليه لم يعتد به.
(ووجب) السعي (بعد) طواف (واجب) كالقدوم والإفاضة (و) وجب (تقديمه على الوقوف) بعرفة بأن يوقعه عقب طواف القدوم (إن وجب) عليه (طواف القدوم)، وإلا أخره عقب طواف الإفاضة كما سيقول.
وإنما يجب طواف القدوم بشروط ثلاثة أشار لها بقوله: (بأن أحرم) بالحج مفرداً أو قارناً (من الحل) إذا كان داره خارج الحرم، أو كان مقيماً بمكة، وخرج للحل لقرانه أو لميقاته، فيجب عليه القدوم.
(ولم يراهق) بكسر الهاء أي يقارب الوقت بحيث يخشى فوات الحج، إن اشتغل بالقدوم وبفتحها: أي لم يزاحمه الوقت، فإن زاحمه وخشي فوات الحج لو اشتغل به سقط القدوم بل يجب تركه لإدراك الحج ومثل المراهق الحائض والنفساء والمغمى عليه والمجنون إذا استمر عذرهم حتى لا يمكنهم الإتيان بالقدوم.
(ولم يردف) الحج على العمرة (بحرم وإلا) بأن اختل شرط من الثلاثة فلا قدوم عليه (فـ) يجب عليه تأخير سعيه (بعد الإفاضة) ليقع بعد طواف واجب.
(فإن قدمه) على طواف الإفاضة بعد نفل (أعاده) وجوباً بعده، (وأعاد له الإفاضة) إن لم يسع بعدها وطال الزمن (ما دام بمكة، فإن تباعد عنها فدم) يلزمه وإن لم يصل لبلده ولا يجب عليه الرجوع له لأنه لم يترك ركناً.
(وندب لداخل مكة نزول بطوى) بطحاء متسعة يكتنفها جبال قرب مكة في وسطها بئر (و) ندب (غسل بها) أي فيها (لغير حائض) ونفساء؛ لأنه للطواف وهي لا يمكنها الطواف وهي حائض أو نفساء.
(و) ندب (دخوله) مكة (نهاراً و) ندب دخوله (من كداء) بفتح الكاف آخره همزة ممدوداً اسم لطريق بين جبلين فيها صعود يهبط منها على المقبرة التي بها أم المؤمنين السيدة خديجة ﵂ (و) ندب (دخول المسجد من باب بني شيبة) المعروف الآن بباب السلام.
ــ
فلا دم. وقيل: يجب عليه الدم فلا يشترط كونهما عن واحد، قال في الأصل: وهو الراجح.
الثاني: يجب دم التمتع بإحرام الحج وجوباً موسعاً بحيث لو طرأ له مسقط كموت الشخص سقط، ويتحتم برمي جمرة العقبة، فيؤخذ من رأس ماله لو مات بعدها حيث رماها أو فات وقت رميها.
قوله: [الثاني من أركان الحج: السعي]: ذكر الأجهوري أنه أفضل من الوقوف لقربه من البيت وتبعيته للطواف الأفضل من الوقوف لتعلقه بالبيت المقصود بالحج، وحديث: «الحج عرفة»، إنما هو لفوات الحج بفواته، ولكن يبعد ما قاله الأجهوري ما سبق من الخلاف في ركنية السعي، وأنه لم يتقرر التطوع بتكراره بخلاف الطواف - كذا في المجموع.
قوله [البدء]: مبتدأ خبره قوله (منه) وقوله (مرة) حال من الضمير في متعلق الخبر أي البدء كائن منه حال كون ذلك البدء مرة، والصفا مذكر لأن ألفه ثالثة كألف فتى، وألف التأنيث لا تكون ثالثة.
قوله: [والعود إليه]: (العود) مبتدأ و (إليه) خبر، ومرة حال من متعلق الخبر كما تقدم نظيره و (أخرى) صفة ل (مرة).
قوله: [فيبدأ بالصفا]: أي كما بدأ الله تعالى في كتابه العزيز وفي الحديث: «ابدءوا بما بدأ الله تعالى به»، وقيل لعائشة كما في البخاري قوله تعالى ﴿فلا جناح عليه أن يطوف بهما﴾ [البقرة: ١٥٨] يفيد عدم وجوبه فقالت: لو كان كذلك لقيل أن لا يطوف، وإنما ذلك لتحرجهم منهما لما كانا محل الأصنام في الجاهلية، وفي الحقيقة ليس في الآية تصريح بالوجوب، وإنما الوجوب مأخوذ من السنة.
قوله: [وصحته بتقدم طواف]: ولا يشترط اتصاله به بل يغتفر الفصل اليسير بين أشواطه.
قوله: [وإلا أخره عقب طواف الإفاضة]: أي وإلا يجب عليه طواف القدوم أخره وجوباً وعقب طواف الإفاضة كما سيقول.
قوله: [حتى لا يمكنهم الإتيان بالقدوم]: أي مع إدراك الوقوف.
قوله: [وطال الزمن]: مفهومه لو كان الزمن قريباً بعد الإفاضة، فإنه يأتي بالسعي، ولا يعيد الإفاضة لأن الفصل اليسير مغتفر.
قوله: [لأنه لم يترك ركناً]: أي لكونه أتى بأصل الركن وهو السعي بعد طواف غير واجب. وإنما فوت على نفسه واجباً ينجبر بالدم حيث بعد عن مكة وما دام بها لا يجبره الدم بل يلزمه الإتيان به بعد طواف الإفاضة.
قوله: [وندب غسل بها]: أي فهو نفسه مندوب. وكونه بهذا المكان مندوب ثان.
قوله: [نهاراً]: فإن قدم بها ليلاً بات بذي طوى.
قوله: [وندب دخوله من كداء]: أي إلا لزحمة.
قوله؛ [اسم لطريق]: ويعرف الآن بباب المعلاة والدخول من هذه الطريق مندوب وإن لم يأت من جهة المدينة خلافاً لخليل، فإن العلة أذان إبراهيم بالحج فيه وهي عامة - كذا في المجموع.
قوله [المعروف الآن بباب السلام]: وفي الحقيقة باب السلام المعروف الآن موصل إليه، فإنه الآن قوصرة بوسط صحن الحرم يمر منها الداخل من باب السلام القاصد للكعبة، فلو دخل شخص من
стр. 273
(و) ندب (خروجه) بعد انقضاء نسكه (من كدى) بضم الكاف مقصوراً اسم لطريق يمرون منها على الشيخ محمود وإذا دخل المسجد (فيبدأ بالقدوم) أي بطوافه (ونوى وجوبه) ليقع واجباً.
(فإن نوى) بطوافه (نفلاً أعاده) بنية الوجوب وفي التعبير بالإعادة تسامح؛ لأنه لم يأت بالواجب من أصله كمن عليه صلاة واجبة وصلى نفلاً، فالواجب باق في ذمته، (وأعاد السعي) الذي سعاه بعد النفل ليقع بعد واجب (ما لم يخف فوتاً) لحجه إن اشتغل بالإعادة، (وإلا) بأن خاف الفوات ترك الإعادة لطوافه وسعيه، و (أعاده) أي السعي (بعد الإفاضة وعليه دم) لفوات القدوم، فإن لم يأت به بعدها أعاد له الإفاضة، وأعاده بعدها ما دام بمكة، فإن تباعد فدم كما تقدم فيمن ليس عليه قدوم إذا قدَّم سعيه.
(ووجب للطواف مطلقاً) -واجباً أو نفلاً- (ركعتان) بعد الفراغ منه (يقرأ فيهما) ندباً (بالكافرون) بعد الفاتحة في الركعة الأولى، (فالإخلاص) في الثانية (وندباً) أي إيقاعهما (بالمقام) أي مقام إبراهيم (و) ندب (دعاء) بعد تمام طوافه وقبل ركعتيه (بالملتزم) حائط البيت بين الحجر الأسود وباب البيت يضع صدره عليه، ويفرش ذراعيه عليه ويدعو بما شاء ويسمى الحطيم أيضاً (و) ندب (كثرة شرب ماء زمزم) لأنه بركة (بنية حسنة) فقد ورد: «ماء زمزم لما شرب له» أي من علم أو عمل أو عافية أو سعة رزق ونحو ذلك (و) ندب (نقله) إلى بلده وأهله للتبرك به.
(وشرط صحة الطواف) فرضاً أو نفلاً: (الطهارتان) طهارة الحدث، وطهارة الخبث كالصلاة (وستر العورة) كالصلاة في حق الذكر والأنثى (وجعل البيت عن يساره) حال طوافه لا عن يمينه ولا تجاه وجهه أو ظهره.
(وخروج كل البدن) أي بدن الطائف (عن الشاذروان) بفتح الذال المعجمة وإسكان الراء المهملة: بناء لطيف من حجر أصفر يميل إلى البياض ملصق بحائط الكعبة محدودب طوله أقل من ذراع فوقه حلق من نحاس أصفر دائر بالبيت، يربط بها أستار الكعبة يلعب بها بعض جهلة العوام كأنهم يعدونها فيفسد طوافهم.
(و) خروج كل البدن أيضاً عن (الحجر) بكسر الحاء وسكون الجيم أي حجر إسماعيل
ــ
أي باب وتوصل للكعبة من تلك القوصرة فقد أتى بالمندوب.
قوله: [من كدى بضم الكاف] إلخ: أبدى بعضهم الحكمة في الدخول من المفتوح والخروج من المضموم وهي الإشارة إلى أنه يدخل طالباً الفتح وملتمساً العطايا، فإذا خرج يضم ما حازه ويكتم أمره ولا يشيع سره.
قوله: [فإن نوى بطوافه نفلاً]: أي بأن اعتقد عدم وجوبه كما يقع لبعض الجهلة، وأما إن لم ينو وجوبه وهو يعتقد لزومه فلا إعادة عليه.
والحاصل أنه متى نوى الوجوب أو لم ينو شيئاً ولكن اعتقد وجوبه فلا إعادة، وأما إن لم ينو شيئاً وكان ممن يعتقد عدم لزومه؛ أو اعتقد الوجوب ونوى به النفلية فيلزمه إعادته.
قوله: [ووجب للطواف مطلقاً]: أي على أحد القولين والآخر أنهما تابعان للطواف.
قوله: [يقرأ فيهما ندباً بالكافرون] إلخ: الكافرون مجرور بالحكاية، وإنما خص هاتين السورتين لاشتمالهما على التوحيد في مقام التجريد.
قوله: [المقام]: أي خلفه بحيث يكون المقام بينه وبين الكعبة، ويلزم من ذلك فعلهما في المسجد، لأن المقام وسطه، فلو صلاهما خارج المسجد أجزأ وأعادهما ما دام على وضوء.
قوله: [ويسمى الحطيم أيضاً]: أي لأنه يحطم الذنوب وما دعي فيه على ظالم إلا وحطم. وقيل الملتزم اسم للمكان الكائن بين الكعبة وزمزم، فعلى هذا يكفي الدعاء في أي بقعة منه.
قوله: [ماء زمزم لما شرب له]: أي فيحصل ما قصده بالنية الحسنة لنفسه أو لغيره.
قوله: [وندب نقله]: أي وخاصيته باقية خلافاً لمن يزعم زوال خاصيته.
قوله: [كالصلاة]: فإن شك في الأثناء ثم بان الطهر لم يعد.
قوله: [في حق الذكر والأنثى]: قال بعض والظاهر من المذهب صحة طواف الحرة إذا كانت بادية الأطراف، وتعيد استحباباً ما دامت بمكة أو حيث يمكنها الإعادة وقيل لا إعادة عليها.
قوله: [وجعل البيت من يساره]: المراد عن يساره وهو ماش مستقيماً جهة أمامه، فلو جعله عن يساره إلا أنه رجع القهقرى من الأسود إلى اليماني لم يجزه، قال الحطاب حكمة جعل البيت عن يساره ليكون قلبه إلى جهة البيت، ووجهه إلى وجه البيت، إذ باب البيت هو وجهه، فلو جعل الطائف البيت عن يمينه لأعرض عن باب البيت الذي هو وجهه، ولا يليق بالأدب الإعراض عن وجوه الأمثال.
قوله: [بفتح الذال المعجمة] إلخ: أي كما ضبطه النووي، وقال ابن فرحون: بكسر الذال المعجمة.
قوله: [فيفسد طوافهم]: أي لدخول بعض البدن في هواء البيت، وما ذكره هو الذي عليه الأكثر من المالكية والشافعية. وذهب بعضهم إلى أنه ليس من البيت، قال الحطاب: وبالجملة فقد كثر الاضطراب في الشاذروان، فيجب على الشخص الاحتراز منه في طوافه ابتداء، فإن طاف وبعض بدنه في هوائه أعاد ما دام بمكة، فإن لم يذكر ذلك حتى بعد عن مكة فينبغي أنه لا يلزمه الرجوع مراعاة لمن يقول إنه ليس من البيت - كذا في حاشية الأصل، ولكن يلزمه هدي كما قرره المؤلف.
قوله: [وخروج كل البدن أيضاً عن الحجر]: أي لقول مالك في المدونة: ولا يعتد بالطواف داخل الحجر، خلافاً لما مشى عليه خليل من
стр. 274
لأن أصله من البيت وهو الآن محوط ببناء من حجر أصفر يميل إلى البياض على شكل القوس، تحت ميزاب الرحمة من الركن العراقي الذي يلي باب الكعبة إلى الركن الشامي طوله نحو ذراعين، ليس ملتصقاً بالكعبة، بل له باب من عند العراقي، وباب من عند الشامي يدخل الداخل من هذا ويخرج من الآخر، والمطاف خارج الحجر مبلط برخام نفيس من كل جهة وإذا كان خروج كل البدن شرط صحة (فينصب المقبل) للحجر الأسود (قامته) بأن يعتدل بعد التقبيل قائماً، ثم يطوف؛ لأنه لو طاف مطأطئاً كان بعض بدنه في البيت فلا يصح طوافه.
(و) شرط صحة الطواف (كونه سبعة أشواط) من الحجر للحجر فلا يجزئ أقل.
وكونه (داخل المسجد) فلا يجزئ خارجه.
وكونه متوالياً (بلا كثير فصل، وإلا) بأن فصل كثيراً لحاجة أو لغيرها (ابتدأه) من أوله، وبطل ما فعله.
(وقطع) طوافه وجوباً ولو ركناً (لإقامة) صلاة (فريضة) لراتب، إذا لم يكن صلاها، أو صلاها منفرداً وهي مما تعاد، والمراد بالراتب: إمام مقام إبراهيم وهو المعروف الآن بمقام الشافعي، وأما غيره فلا يقطع له لأنه بمنزلة غير الراتب، كذا قيل (و) إذا أقيمت عليه أثناء شوط (ندب) له (كمال الشوط) الذي هو فيه، بأن ينتهي للحجر ليبني على طوافه المتقدم من أول الشوط، فإن لم يكمله ابتدأ في موضع خروجه قال ابن حبيب: ويندب له أن يبتدئ ذلك الشوط (وبنى) على ما فعله من طوافه بعد سلامه، وقبل تنفله فعلم أن الفصل بصلاة الفريضة لا يبطله، بخلاف النافلة والجنازة.
وكذا لا يبطله الفصل لعذر كرعاف؛ ولذا شبه في البناء قوله: (كأن رعف) فإنه يبني بعد غسل الدم بالشروط التي تقدمت في الصلاة من كونه لا يتعدى موضعاً قريباً لأبعد منه، وأن لا يبعد المكان في نفسه وأن لا يطأ نجاسة.
(و) بنى (على الأقل إن شك) هل طاف ثلاثة أشواط أو أربعة مثلاً إذا لم يكن مستنكحاً، وإلا [١] بنى على الأكثر (ووجب) للطواف (ابتداؤه من الحجر) الأسود (و) وجب له (مشي لقادر) عليه (كالسعي) أي كما يجب المشي للسعي على القادر (وإلا) يمش -بأن ركب أو حمل- (فدم) يلزمه (إن لم يعده) وقد خرج من مكة، فإن أعاده ماشياً بعد رجوعه له من بلده فلا دم عليه فإن لم يخرج من مكة فهو مطلوب بإعادته ماشياً ولو طال الزمن، ولا يجزيه الدم والسعي كالطواف فيما ذكر، ومفهوم: "لقادر" أن العاجز لا دم عليه ولا إعادة وما مشى عليه الشيخ من أن المشي سنة فيه مسامحة.
ــ
تخصيصه بستة أذرع منه؛ فإنه خلاف نص المدونة كما علمت.
قوله: [لأن أصله من البيت]: أي ولذلك «قال ﷺ لعائشة ﵂: صلي في الحجر إن أردت دخول البيت فإنما هو قطعة من البيت، ولكن قومك استقصروه حين بنوا الكعبة فأخرجوه من البيت».
قوله: [فلا يجزئ أقل]: أي وأما لو زاد فقال الباجي: ومن سها في طوافه فبلغ ثمانية أو أكثر فإنه يقطع ويركع ركعتين للأسبوع الكامل، ويلغي ما زاد عليه ولا يعتد به. وهكذا حكم العامد، في ذلك انظر الحطاب. وبهذا تعلم ما في (عب) والخرشي من بطلان الطواف بزيادة مثله سهواً، وبمطلق الزيادة عمداً كالصلاة من أنه مخالف للنص، وقياسهما له على الصلاة مردود بوجود الفارق، لأن الصلاة لا يخرج منها إلا بسلام، بخلاف الطواف فالزيادة بعد تمامه لغو - كذا في حاشية الأصل، ولذلك اقتصر شارحنا على عدم الإجزاء في الأقل وسكت عن الزيادة.
قوله: [فلا يجزئ خارجه]: أي ولا فوق سطحه، وأما بالسقائف القديمة وهي محل القباب المعقودة الآن ووراء زمزم وقبة الشراب فيجوز للزحمة لا لكحر وبرد فيعيد ما دام بمكة، وإلا فدم كذا في المجموع، فلو طاف في السقائف لزحمة ثم زالت الزحمة في الأثناء وجب كماله في المحل المعتاد كان الباقي قليلاً أو كثيراً. فلو كمله في محل السقائف فهل يطالب بإعادة ما فعله بعد زوال الزحمة، أو يؤمر بإعادة الطواف كله؟ قال في الحاشية والظاهر الأول.
واعلم أنه كان في الصدر الأول سقائف في المسجد الحرام بدلها بعض السلاطين من بني عثمان بقباب معقودة، وأما السقائف الموجودة الآن خلف القباب فالطواف بها باطل لخروجها عن المسجد.
قوله: [بأن فصل كثيراً]: أي ولو كان الفصل لصلاة جنازة، بل صلاة الجنازة مبطل للطواف ولو قل الفصل، لأنها فعل آخر غير ما هو فيه، ولا يجوز القطع لها اتفاقاً. قال في الأصل: ما لم تتعين، فإن تعينت وجب القطع إن خشي تغيرها وإلا فلا يقطع، وإذا قلنا بالقطع فالظاهر أنه يبني كالفريضة كذا قالوا ﵃ اهـ. وأما لو قطع لنفقة نسيها، فإن لم يخرج من المسجد بنى، وإلا ابتدأه.
قوله: [كذا قيل]: تقدم في الجماعة الخلاف فيه فانظره.
قوله: [بخلاف النافلة] إلخ: أي فإنه يبطل الفصل بها ولو يسيراً لأنها عبادة أخرى. وتقدم التفصيل في الجنازة. قوله: [كأن رعف فإنه يبني]: أي بخلاف ما لو علم بنجس أو سقطت عليه نجاسة. فإنه لا يبني بل يبطل ويبتديه، خلافاً لما مشى عليه خليل. وأما إن لم يعلم بالنجس إلا بعد الفراغ فلا إعادة عليه، وإنما يعيد ركعتيه إن كان الأمر قريباً ولما ينتقض وضوؤه، فإن طال أو انتقض وضوؤه فلا شيء عليه لخروج وقت الفراغ منهما.
قوله: [وبنى على الأقل] إلخ: أي ويعمل بإخبار غيره ولو واحداً.
قوله: [ووجب للطواف ابتداؤه] إلخ: فإن ابتدأه من غيره ولم يعده لزمه دم.
قوله: [فيه مسامحة]: أي لحكمه
стр. 275
(وسن) للطواف (تقبيل حجر بلا صوت) ندباً (أوله) أي في أوله قبل الشروع فيه إذا لم تكن زحمة، (وللزحمة لمس بيد) إن قدر، (ثم عود) إن لم يقدر باليد (ووضعاً) أي اليد أو العود (على فيه) بعد اللمس بأحدهما بلا صوت، (وكبر) ندباً (مع كل) من التقبيل ووضع اليد أو العود على الفم (وإلا) يقدر على واحد من الثلاثة (كبر فقط) إذا حاذاه، واستمر في طوافه (و) سن (استلام) الركن (اليماني) أول شوط بأن يضع يده اليمنى عليه، ويضعها على فيه (و) سن (رمل ذكر) ولو غير بالغ فهو أشمل من قوله: "رجل"، فليس مراده خصوص البالغ، بدليل قوله: "ولو مريضاً وصبياً حملاً" أي: فيرمل الحامل لهما بهما، والرمل: الإسراع في المشي دون الخبب (في) الأشواط (الثلاثة الأول) فقط ومحل استنان الرمل فيها (إن أحرم) بحج أو عمرة أو بهما (من الميقات)، بأن كان آفاقياً أو من أهله، وإلا ندب كما سيأتي.
(إلا لازدحام فالطاقة)، ولا يكلف ما فوقها (و) سن للطائف (الدعاء) بما يحب من طلب عافية وعلم وتوفيق وسعة رزق (بلا حد) محدود في ذلك، بل بما يفتح عليه والأولى [١] أنه يدعو بما ورد في الكتاب والسنة نحو: ﴿ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار﴾ [البقرة: ٢٠١] ونحو: «اللهم إني آمنت بكتابك الذي أنزلت، وبنبيك الذي أرسلت، فاغفر لي ما قدمت وما أخرت» رواه البخاري.
ثم شرع في سنن السعي وهي أربعة فقال: (و) سن (للسعي) بين الصفا والمروة (تقبيل الحجر) الأسود قبل الخروج له، و (بعد) صلاة (الركعتين) للطواف (و) سن (رقي رجل) أي صعوده (عليهما) أي على الصفا والمروة، (كامرأة) يسن لها الصعود (إن خلا) الموضع من الرجال، وإلا وقفت أسفلهما (و) سن (إسراع بين) العمودين (الأخضرين) الملاصقين لجدار المسجد (فوق الرمل) ودون الجري، وذلك في ذهابه من الصفا إلى المروة، وكذا في عوده إلى الصفا أيضاً (و) سن (الدعاء بهما) أي عليهما سواء رقى أم لا انتصب قائماً أم جلس.
(وندب له) أي للسعي (شروط الصلاة)
ــ
بالدم في تركه؛ والدم لا يكون إلا لترك واجب وهذا هو مشهور مذهبنا، وأما مذهب الغير فليس المشي في الطواف والسعي بواجب.
قوله: [وسن للطواف تقبيل] إلخ: ظاهره أنه سنة في كل طواف سواء كان واجباً أو تطوعاً، وهو الذي نسبه ابن عرفة للتلقين وظاهر إطلاق خليل وابن شاس وابن الحاجب، ولكن نسب البناني للمدونة تخصيص السنية بالطواف الواجب.
قوله: [بلا صوت]: وفي الصوت قولان: بالكراهة، والإباحة وهو الأرجح. وكره مالك السجود وتمريغ الوجه عليه.
قوله: [وكبر ندباً مع كل]: أي خلافاً لظاهر خليل من أنه إنما يكبر إذا تعذر اللمس باليد والعود فهمه من المدونة، واعترض به على كلام ابن الحاجب من التكبير، في كل مرتبة، والصواب ما لابن الحاجب الذي مشى عليه شارحنا.
قوله: [كبر فقط إذا حاذاه]: أي جاء قبالته ولا يشير بيده بل يقتصر على التكبير كما قال الشارح، ولا فرق في هذه المراتب بين الشوط الأول وغيره.
قوله: [ويضعها على فيه]: أي من غير تقبيل. وأما تقبيل الحجر واستلام اليماني في باقي الأشواط فمندوب كما يأتي. وأما الشامي والعراقي فيكره استلامهما في سائر الأشواط.
قوله: [وسن رمل ذكر]: أي وأما النساء فلا رمل عليهن، والظاهر كراهته كما في الحاشية، والطائف من الرجال عنهن حكمهن.
قوله: [إن أحرم بحج] إلخ: أي لأن سنة الرمل إنما هي في طواف العمرة وطواف القدوم، وهذا الرمل مما زال سببه وبقي حكمه، فإن سببه رفع التهمة عن أصحاب رسول الله ﷺ حين قدموا مكة بعمرة، فكان كفار مكة يظنون فيهم الضعف بسبب حمى المدينة، فكانوا يقولون قد أوهنتهم حمى يثرب فأمروا بالرمل في ابتداء الأشواط لمنع تهمة الضعف.
قوله: [بلا حد محدود في ذلك]: أي والتحديد رآه مالك من البدع.
قوله: [بعد صلاة الركعتين]: وندب أن يمر بزمزم فيشرب منها ثم يقبل الحجر كما قال المصنف، ثم يخرج للسعي من باب الصفا ندباً.
قوله: [وسن رقي رجل] إلخ: اعلم أن السنة تحصل بمطلق الرقي ولو على سلم واحد، والرقي على الأعلى مندوب كما في المدونة، والمراد الرقي على كل منهما في كل مرة، فالجميع سنة واحدة، فمن رقى مرة أو مرتين فقط، فقد أتى ببعض السنة كذا في (بن) اهـ. من حاشية الأصل.
قوله: [وإلا وقفت أسفلهما]: أي ولا يجوز لها مزاحمة الرجال.
قوله: [العمودين الأخضرين]: أولهما في ركن المسجد تحت منارة باب علي على يسار الذاهب إلى المروة، والثاني بعده قبالة رباط العباس، وهناك عمودان آخران على يمين الذاهب إلى المروة في مقابلتهما. قوله: [وكذا في عوده إلى الصفا]: أي كما ارتضاه (بن) وأيده بالنقول خلافاً لظاهر كلام سند والمواق من أن الإسراع خاص بالذهاب للمروة، ولا يكون في حال العود للصفا.
قوله: [وسن الدعاء بهما]: أي بلا حد كما تقدم في الطواف، بل السنة الدعاء لمن يسعى مطلقاً في حال رقيه وسعيه. ولا يتقيد بالرقي كما قد يتوهم من
стр. 276
من طهارة، وستر عورة، وندب وقوف عليهما، والجلوس مكروه أو خلاف الأولى (و) ندب (للطواف: رمل في الثلاثة الأول لمحرم) بحج أو عمرة، (من) دون المواقيت (كالتنعيم) والجعرانة، (أو بالإفاضة): أي في طوافها (لمن لم يطف القدوم) لعذر أو نسيان.
(و) ندب (تقبيل الحجر) الأسود (واستلام) الركن (اليماني في غير) الشوط (الأول)، وتقدم أنهما في الأول سنة وشبه في الندب قول: (كالخروج) من مكة (لمنى يوم التروية)، وهو اليوم الثامن من ذي الحجة (بعد الزوال) قبل صلاة الظهر (بقدر ما) أي زمن (يدرك بها): أي بمنى (الظهر) فيه قبل دخول وقت العصر قصراً للسنة. (وبياته بها) أي بمنى ليلة التاسع، فإنه مندوب (وسيره لعرفة بعد الطلوع) للشمس: فإنه مندوب. (ونزوله بنمرة): واد دون عرفة بلصقها، منتهاها العلمان المعروفان. وهذا إذا وصلها قبل الزوال فينزل بها حتى تزول الشمس، فإذا زالت صلى الظهر والعصر قصراً جمع تقديم مع الإمام بمسجدها ثم ينفروا إلى عرفة للوقوف بجبل الرحمة للغروب على ما سيأتي.
الركن (الثالث) من أركان الحج:
(الحضور بعرفة ليلة النحر): على أي حالة كانت، (ولو بالمرور) بها (إن علمه): أي علم أنه عرفة، (ونواه): أي نوى الحضور الركن، وهذان شرطان في المار فقط (أو مغمى عليه). ويكفي الحضور (في أي جزء) منه؛ وهو جبل متسع جداً. والحضور أعم من الوقوف، فالوقوف، ليس بشرط، وقوله: "ليلة النحر" هو شرط عندنا، فلا يكفي الوقوف نهاراً بل هو واجب ينجبر بالدم كما سيأتي قريباً. (وأجزأ) الوقوف (بعاشر): أي يوم العاشر ليلة الحادي عشر من ذي الحجة إن (أخطأوا): أي أهل الموقف، بأن لم يروا الهلال لعذر من غيم أو غيره، فأتموا عدة ذي القعدة ثلاثين يوماً فوفقوا يوم التاسع في اعتقادهم، فثبت أنه يوم العاشر بنقصان ذي القعدة فيجزئهم، بخلاف التعمد وبخلاف خطئهم بثامن أو حادي عشر، أو خطأ بعضهم فلا يجزئ.
(ووجب) في الوقوف الركن: (طمأنينة): أي استقرار بقدر الجلسة بين السجدتين قائماً أو جالساً أو راكباً فإذا نفروا قبل الغروب -كما هو الغالب في هذه الأزمنة- وجب عليهم قبل الخروج من عرفة استقرار بعد الغروب وإلا فدم إن لم يتداركه (كالوقوف نهاراً بعد الزوال) فإنه واجب ينجبر بالدم ولا يكفي قبل الزوال.
ــ
غالب العبارات كما ذكره النفراوي في شرح الرسالة. اهـ. من حاشية الأصل.
قوله: [من طهارة]: أي حدث أو خبث، فإن انتقض وضوؤه أو تذكر حدثاً أو أصابه حقن استحب له أن يتوضأ ويبني. فإن أتم سعيه كذلك أجزأه. فاستخف مالك اشتغاله بالوضوء ولم يره مخلاً بالموالاة الواجبة في السعي ليسارته.
قوله: [وندب وقوف عليهما]: وعن ابن فرحون أن الوقوف سنة.
قوله: [وندب للطواف رمل]: تقدم أن من أحرم بحج أو عمرة أو هما من المواقيت يسن في حقه الرمل في طواف القدوم أو العمرة، وذكر هنا المواضع التي يندب فيها الرمل وما عدا ذلك فلا رمل فيه.
قوله: [كالخروج من مكة لمنى]: أي وفي اليوم السابع يندب للإمام خطبة بعد ظهره بمكة يخبر الناس فيها بالمناسك التي تفعل من وقتها إلى الخطبة التي بعرفة.
قوله: [بقدر ما يدرك بها الظهر]: أي ولو وافق يوم الجمعة أي للمسافرين، وأما المقيمون الذين يريدون الحج كانوا من أهل مكة أو من غيرهم، فيجب عليهم صلاة الجمعة بمكة قبل الذهاب.
قوله: [وبياته بها]: أي فيصلي بها حينئذ الظهر والعصر والمغرب والعشاء، وصبح التاسع وهذه السنة متروكة الآن.
قوله: [صلى الظهر والعصر]: أي بعد الخطبتين الآتيتين.
قوله: [جمع تقديم]: أي بأذان وإقامة لكل من الصلاتين بغير تنفل بينهما، ومن فاته الجمع مع الإمام جمع وحده في أي مكان بعرفة. قوله: [ثم ينفروا]: هكذا نسخة المؤلف من غير نون ولعلها سبق قلم.
قوله: [الحضور بعرفة]: ولا بد من مباشرة الأرض أو ما اتصل بها كالسجود، فلا يكفي أن يقف في الهواء.
قوله: [وهذان شرطان في المار فقط]: أي الذي لم يحصل منه استقرار وطمأنينة، وأما من استقر واطمأن في أي جزء منها فلا يشترط فيه العلم ولا النية.
قوله: [أو مغمى عليه]: هو في حيز لو، ولا يتأتى فيه العلم ولا النية فلا بد من الطمأنينة. وأولى من الإغماء النوم أي وحصل ذلك النوم أو الإغماء قبل الزوال، واستمر حتى نزل من عرفة، وأما لو حصل بعد الزوال فالإجزاء باتفاق. قال بعض: وانظر لو شرب مسكراً حتى غاب وفات الوقوف قال الخرشي: والظاهر إن لم يكن له فيه اختيار فهو كالمغمى عليه والمجنون، وإن كان له اختيار فلا يجزيه.
قوله: [إن أخطأوا]: أي وتبين ذلك بعد الوقوف بالفعل لا إن تبين قبل الوقوف فلا يجزيهم، هذا هو الصواب كما يفيده نقل الشيخ أحمد الزرقاني كذا في حاشية الأصل.
قوله: [بخلاف التعمد] إلخ: ومثل ذلك ما لو أخطأوا في العدد بأن علموا اليوم الأول من الشهر، ثم نسوه فوقفوا في العاشر فإنه لا يجزيهم. وأما من رأى الهلال وردت شهادته فإنه يلزمه الوقوف في وقته كالصوم.
قوله: [استقرار بعد الغروب]: أي بقدر ما بين السجدتين.
قوله: [إن لم يتداركه]: أي بأن طلع عليه الفجر ولم يحصل منه طمأنينة بعرفة ليلاً.
стр. 277
وذهب بعض الأئمة كالشافعي إلى أن الركن الوقوف إما نهاراً أو ليلاً.
(وسن خطبتان) كالجمعة (بعد الزوال) بمسجد عرفة ويقال مسجد نمرة أيضاً؛ لأن مقصورته الغربية التي بها المحراب في نمرة وباقيه في عرفة، وهو مسجد عظيم الشأن متين البنيان أكثر الحجاج الآن لا يعرفه ولا يهتدي إليه حتى طلبة العلم، سوى أهل مكة وغالب أهل الروم؛ فلهم اعتناء بإقامة الشعائر (يعلمهم) الخطيب (بهما): أي الخطبتين بعد الحمد والشهادتين (ما عليهم من المناسك) قبل الأذان للظهر، بأن يذكر لهم أن يجمعوا بين الصلاتين جمع تقديم، وأن يقصروهما للسنة إلا أهل عرفة فيتمون، وبعد الفراغ منهما ينفرون إلى جبل الرحمة واقفين أو راكبين بطهارة، مستقبلين البيت وهو جهة المغرب بالنسبة لمن بعرفة داعين متضرعين للغروب. ثم يدفعون بدفع الإمام بسكينة ووقار، فإذا وصلتم لمزدلفة فاجمعوا بين المغرب والعشاء جمع تأخير تقصرون العشاء إلا أهل مزدلفة فيتمون وتلتقطون منها الجمرات ثم تبيتون بها وتصلون بها الصبح، ثم تنفرون إلى المشعر الحرام فتقفون به إلى قرب طلوع الشمس، ثم تسيرون لمنى لرمي جمرة العقبة وتسرعون ببطن محسر، فإذا رميتم الجمار فاحلقوا أو قصروا واذبحوا أو انحروا هداياكم وقد حل لكم ما عدا النساء والصيد، ثم امضوا من يومكم (إلى) طواف (الإفاضة) وقد حل لكم كل شيء حتى النساء والصيد. (ثم أذن) بالبناء للمفعول (وأقيم): أي ثم يؤذن المؤذن لصلاة الظهر ويقيم الصلاة (بعد الفراغ) من خطبته (وهو): أي الإمام (جالس على المنبر و) سن (جمع الظهرين) جمع تقديم حتى لأهل عرفة (و) سن (قصرهما) إلا لأهل عرفة بأذان ثان وإقامة للعصر من غير تنفل بينهما.
ومن فاته الجمع مع الإمام جمع في رحله. وهذه الشعائر والخطبة على الوجه الذي مر مقامه - بفضل الله - في هذه الأزمنة كما شاهدنا ذلك يقيمها أهل مكة وغالب الأعاجم من الأروام والبرابرة وأما غيرهم فلا، ولو حج مراراً كثيرة، حتى أمير الحج المصري أو الشامي، وكثير من العوام لا يعلمون أن بعرفة مسجداً من أصله، وذلك أن شأن الحج النزول بقرب جبل الرحمة شرقي عرفة ومسجدها في جهتها الغربية، وبينهما مسافة وفيها أشجار وكلأ، فقل أن يتنبه الغافل لرؤية المسجد، إلا أنهم يتمون الصلاة لكون الإمام حنفياً. وأمر الحرمين منوط بأمر السلطان وهو حنفي.
(وندب وقوف) بعد صلاة الظهرين (بجبل الرحمة): مكان معلوم شرقي عرفة عند الصخرات العظام، وهناك قبة يسميها العوام قبة أبينا آدم (متوضئاً) لأنه من أعظم المشاهد وليس الوضوء بواجب للمشقة.
(و) ندب الوقوف (مع الناس): لأن في جمعهم مزيد الرحمة والقبول (و) ندب (ركوبه به): أي الوقوف؛ أي في حالة وقوفه (فقيام) على قدميه، (إلا لتعب) فيجلس. (و) ندب (دعاء) بما أحب من خيري الدنيا والآخرة (وتضرع): أي خشوع وابتهال إلى الله تعالى، لأنه أقرب للإجابة (للغروب) فيدفعون إلى مزدلفة.
(وسن جمع العشاءين بمزدلفة) بأن تؤخر المغرب لبعد مغيب الشفق فتصلى مع العشاء فيها، وهذا إن وقف مع الناس ودفع معهم وإلا فسيأتي حكمه. (و) سن (قصر) للعشاء لجميع الحجاج (إلا أهلها) فيتمونها (كمنى وعرفة) أي كأهلهما في محلهما فيتمون ويقصر غيرهم. والحاصل: أن أهل كل محل من مكة ومنى ومزدلفة وعرفة
ــ
قوله: [وذهب بعض الأئمة كالشافعي] إلخ: أي فمن وقف نهاراً فقط كفى عند الشافعي، ومن وقف ليلاً فقط كفى عند مالك والشافعي، ولزمه دم عند مالك لفوات النهار.
قوله: [بعد الزوال]: فلو خطب قبله وصلى بعده أو صلى بغير خطبة أجزأه إجماعاً.
قوله: [ويقال مسجد نمرة أيضاً]: ويقال مسجد عرنة بالنون أيضاً كما تقدم.
قوله: [وأن يقصروهما للسنة]: أي فإن السنة جاءت بالقصر في تلك الأماكن، وإن لم تكن المسافة أربعة برد، فلذلك يسن لأهل مكة القصر في عرفة ومنى ومزدلفة وكذلك جميع أهل تلك الأماكن يقصرون في غير وطنهم كما سيأتي يصرح بذلك قوله: [إلا أهل عرفة فيتمون]: ويقال مثل ذلك في منى ومزدلفة.
قوله: [وتلتقطون منها الجمرات]: يعني حصيات جمرة العقبة لا كل الجمرات، فإن باقيها تلتقط من منى كما يأتي.
قوله: [ثم تبيتون بها]: أي ندباً لأن هذه الكيفية التي بينها بعضها واجب وبعضها سنة وبعضها مندوب، وسيأتي إيضاح ذلك مفصلاً.
قوله: [وقد حل لكم كل شيء حتى النساء] إلخ: أي فهو التحلل الأكبر. وما قبله تحلل أصغر كما يأتي.
قوله: [بأذان ثان]: أي كما هو مذهب المدونة قال في الجلاب وهو الأشهر وقيل بأذان واحد، وبه قال ابن القاسم وابن الماجشون وابن المواز.
قوله: [جمع في رحله]: فإن تركه فلا شيء عليه، وقيل عليه دم حكاه في اللمع واستبعده القرافي.
قوله: [وهناك قبة] إلخ: قيل هي محل التقاء آدم مع حواء بعد هبوطهما من الجنة، ولذلك سمي عرفات لتعارفهما في تلك البقعة.
قوله: [وندب ركوبه به]: أي لوقوفه ﵇ كذلك، ولكونه أعون على مواصلة الدعاء وأقوى على الطاعة، ويحمل النهي في قوله ﵊: «لا تتخذوا ظهور الدواب كراسي» على ما إذا حصل مشقة أو هو مستثنى من النهي.
قوله: (إلا لتعب) أي: من القيام، ومثله التعب للدابة أو من ركوبها أو من إدامة الوضوء.
قوله: [دعاء بما أحب]: أي بأي دعاء كان ويندب ابتداؤه بالحمد والصلاة على النبي، ثم أفضله دعوات القرآن وما جرى مجراه من الدعوات النبوية والدعوات المأثورة عن السلف وأهل العرفان.
قوله: [جمع العشاءين بمزدلفة]: سميت بذلك لأخذها من الازدلاف وهو التقرب؛ لأن الحجاج إذا أفاضوا من عرفات تقربوا بالمضي
стр. 278
يتم في محله ويقصر غيرهم. (وإن قدمتا): أي المغرب والعشاء عنها أي عن المزدلفة (أعادهما بها) أي المزدلفة ندباً (إلا المعذور) أي المتأخر عن الناس لعذر به أو بدابته (فبعد الشفق) يصليهما جمعاً (في أي محل) كان هو فيه. وهذا (إن وقف مع الإمام) والناس بعرفة، (وإلا) انفرد بوقوفه عنهم، (فكل) من الفرضين يصليه (لوقته) المغرب بعد الغروب، والعشاء بعد الشفق قصراً.
(ووجب نزوله بها) أي بالمزدلفة بقدر حط الرحال وصلاة العشاءين، وتناول شيء من أكل [١] أو شرب. فإن لم ينزل فدم. (وندب بياته) بها (وارتحاله) منها (بعد صلاة الصبح) فيها (بغلس) قبل أن تتعارف الوجوه. (و) ندب (وقوفه بالمشعر الحرام): محل يلي مزدلفة جهة منى (مستقبلاً) للبيت جهة المغرب لأن هذه الأماكن كلها شرقية مكة بين جبال شواهق يقفون به (للدعاء) بالمغفرة وغيرها، (والثناء) على الله تعالى (للإسفار و) ندب (إسراع) دون الجري يهرول الماشي ويحرك الراكب دابته (ببطن محسر) بضم الميم وفتح الحاء المهملة [٢] وكسر السين المهملة مشددة: واد بين المشعر الحرام ومنى بقدر رمية الحجر بالمقلاع من قوي. (و) ندب (رميه العقبة) أي جمرتها (حين وصوله) لها على أي حالة بسبع حصيات يلتقطها من المزدلفة، (وإن راكباً) ولا يصبر للنزول. (و) ندب (مشيه): أي الرامي (في غيرها): أي غير جمرة العقبة يوم النحر. فيشمل العقبة في غير يوم النحر. (وحل بها) أي بالعقبة أي برمي جمرتها كل شيء يحرم على المحرم (غير نساء وصيد، وكره) له (الطيب) حتى يطوف طواف الإفاضة. وهذا هو التحلل الأصغر.
(و) ندب (تكبيره) بأن يقول: "الله أكبر" (مع) رمي (كل حصاة) من العقبة أو غيرها من باقي الأيام. (و) ندب (تتابعها): أي الحصيات بالرمي؛ فلا يفصل بينها بمشغل من كلام أو غيره. (و) ندب (لقطها) بنفسه أو غيره من أي محل إلا العقبة فمن المزدلفة، ويكره أن يكسر حجراً كبيراً، كرمي بما رمى به. (و) ندب (ذبح) لهدي (وحلق قبل الزوال) إن أمكن، وهذا محط الندب وإلا فكل منهما واجب. (و) ندب (تأخيره) أي الحلق (عن الذبح والتقصير) لشعر الرأس (مجز) للذكر عن الحلق. (وهو): أي التقصير (للمرأة): أي سنتها؛ ولا يجوز لها الحلق إن كانت كبيرة لأنه مثلة في حقها.
(تأخذ) المرأة أي تقص (من جميع شعرها نحو) أي قدر (الأنملة) من الأصبع.
(و) يأخذ (الرجل) إن قصر (من قرب أصله) أي الشعر، (وأجزأه الأخذ من الأطراف) لجميع الشعر نحو الأنملة وأخطأ (لا) يجزئ (حلق البعض) من شعر الرأس للذكر، ولا تقصير البعض للأنثى وهو مجز عند غيرنا كالمسح في الوضوء. فإذا رمى العقبة ونحر وحلق أو قصر نزل من منى لمكة لطواف الإفاضة. ولا تسن له صلاة العيد بمنى ولا بالمسجد الحرام، لأن الحاج لا عيد عليه. وما يقع الآن من صلاة العيد بالمسجد الحرام بعد رميهم جمرة العقبة فعلى غير مذهبنا.
الركن (الرابع) من أركان الحج: (طواف الإفاضة): سبعة أشواط بالبيت
ــ
إليها - قاله النووي.
قوله: [يتم في محله ويقصر غيرهم]: أي وأما الجمع بعرفة ومزدلفة فهو سنة للجميع.
قوله: [بقدر حط الرحال] إلخ: أي فالمدار على مضي قدر ما ذكره. وإن لم يفعل شيئاً من ذلك.
قوله: [وقوفه بالمشعر الحرام]: تبع في الندب خليلاً، والمعتمد أن الوقوف بالمشعر سنة كما قال ابن رشد، وشهره القلشاني. بل قال ابن الماجشون: إن الوقوف به فريضة كما تقدم.
قوله: [محل يلي مزدلفة]: أي وهو المسجد الذي على يسار الذاهب لمنى الذي بين جبل المزدلفة والجبل المسمى بقزح، وإنما سمي مشعراً لما فيه من الشعائر أي الطاعات ومعالم الدين ومعنى الحرام أي الذي يحرم فيه الصيد وغيره كقطع الأشجار لأنه من الحرم.
قوله: [للإسفار]: أي فقط، ويكره الوقوف للطلوع.
قوله: [ببطن محسر]: قيل سمي بذلك لحسر أصحاب الفيل فيه، والحق أن قضية الفيل لم يكن بوادي محسر بل كانت خارج الحرم كما أفاده أشياخنا. فإذا كان كذلك فانظر ما حكمة الإسراع.
قوله: [حين وصوله لها]: هذا هو مصب الندب، وأما رميها في حد ذاته فواجب. ومحل ندب رميها حين الوصول إذا وصل لها بعد طلوع الشمس، فإن وصل قبل الطلوع انتظر طلوع الفجر وجوباً، ويستحب له أن يؤخر حتى تطلع الشمس، لأن وقت رميها يدخل بطلوع الفجر، ويمتد إلى الغروب كما يأتي. قوله: [يلتقطها من المزدلفة]: أي كما هو الندب، فلو التقطها من منى كفاه.
قوله: [غير نساء]: هذا في حق الرجال ويقال في حق النساء غير رجال وصيد.
قوله: [وندب تأخيره] إلخ: اعلم أنهم أجمعوا على مطلوبية الأمور الأربعة التي تفعل في يوم النحر وهي الرمي، ثم النحر، ثم الحلق، ثم الإفاضة على هذا الوجه، إلا أن ابن الجهم من أئمتنا استثنى القارن فقال: لا يحلق حتى يطوف، لاحظ عمل العمرة، والعمرة يتأخر فيها الحلق عن الطواف. ومطلوبية الحلق ولو في حق من لا شعر له أصلاً فيجري الموسى على رأسه لأنه عبادة تتعلق بالشعر فتنتقل للبشرة عند عدمه كالمسح في الوضوء، ومن برأسه وجع لا يقدر على الحلاق أهدى. قال بعضهم: فإن صح وجب عليه الحلق، والحلق يجزئ ولو بالنورة خلافاً لأشهب القائل بعدم الإجزاء.
قوله: [والتقصير لشعر الرأس]: أي إن لم يكن لبد شعره وإلا تعين الحلق. ونص المدونة: ومن ضفر
стр. 279
على الوجه المتقدم. (وحل به ما بقي) من نساء وصيد وطيب، وهذا هو التحلل الأكبر. فيجوز له وطء حليلته بمنى أيام التشريق (إن حلق) أو قصر قبل الإفاضة أو بعدها (وقدم سعيه) عقب القدوم. فإن لم يقدمه عقبه أو كان لا قدوم عليه فلا يحل ما بقي إلا بالسعي. فإن وطئ أو اصطاد قبله فالدم وسيأتي أنه إذا لم يحلق فالدم في الوطء لا الصيد. (ووقته): أي طواف الإفاضة (من طلوع فجر يوم النحر) فلا يصح قبله (كالعقبة) أي رمي جمرتها، فلا يصح قبله. (ووجب تقديم الرمي) للعقبة (على الحلق)، لأنه إذا لم يرمها لم يحصل له تحلل، فلا يجوز له حلق ولا غيره من محرمات الإحرام. (و) وجب تقديم الرمي أيضاً على طواف (الإفاضة)، فإن قدم واحداً منهما عليه: فدم، كما يأتي، بخلاف تقديم النحر أو الحلق على الإفاضة أو الرمي على النحر، فليس بواجب بل مندوب. فالحاصل أن الذي يفعل يوم النحر أربعة: الرمي، فالنحر، فالحلق، فالإفاضة. فتقديم الرمي على الحلق وعلى الإفاضة واجب ينجبر بالدم، وتقديم الرمي على النحر، وتقديم النحر على الحلق وتقديمهما على الإفاضة مندوب، فإن نحر قبل الرمي أو أفاض قبل النحر أو قبل الحلق أو قبلهما معاً أو قدم الحلق على النحر فلا شيء عليه في الخمسة وهو محمل الحديث: «ما سئل عن شيء قدم أو أخر يوم النحر إلا قال: افعل ولا حرج».
(وندب فعله) أي طواف الإفاضة (في ثوبي إحرامه) ليكون جميع أركان الحج بهما. (و) ندب فعله (عقب حلقه) بلا تأخير إلا بقدر قضاء حاجته. (فإن وطئ بعده) أي بعد طواف الإفاضة (وقبل الحلق: فدم) لما تقدم أنه لا يحل له ما بقي إلا إذا حلق وسعى قبل الإفاضة أو بعدها، (بخلاف الصيد) قبل الحلق فلا دم عليه لخفته بالنسبة للوطء، وهذا إن كان سعى، وإلا فعليه الدم في الصيد أيضاً كما تقدم، لأن السعي ركن. (كأن قدم الإفاضة أو الحلق على الرمي): تشبيه في وجوب الدم؛ ففي تقديم الإفاضة على الرمي دم أي هدي، وفي تقديم الحلق على الرمي دم أي فدية، لأنه من إزالة الأذى أو الترفه قبل التحللين، فإن قدمهما معاً على الرمي فهدي وفدية (وأعاد الإفاضة) - ما دام بمكة تداركاً للواجب، وسقط عنه الدم إن أعاده قبل المحرم.
(لا) دم عليه (إن خالف) عمداً أو نسياناً (في غير): أي غير [١] الصورتين المتقدمتين؛ كأن قدم النحر على الرمي أو الحلق على الذبح أو الإفاضة عليهما كما تقدم. (وكتأخيره الحلق) ولو سهواً (لبلده) ولو قربت: فدم. (أو) تأخيره الحلق (لخروج أيام الرمي) الثلاثة بعد يوم النحر: فدم، إلا أن هذا حكاه في التوضيح: بـ "قيل" - بعد أن ذكر أن الدم في تأخيره لبلده - "عن المدونة" وذكر عن التونسي أو بعد طول، ثم قال: وقيل إن أخره بعد أيام النحر فظاهره أنه ضعيف. (أو تأخير) طواف (الإفاضة للمحرم): فدم لفعل الركن في غير أشهر الحج، وكذا تأخير السعي له. (أو) تأخير (رمي حصاة فأكثر) من الجمار (لليل [٢]) لخروج وقت الأداء وهو النهار، الواجب فيه الرمي ودخول وقت القضاء وهو الليل، فأولى إذا أخر ليوم بعده وعليه دم واحد في تأخير حصاة فأكثر (وفات) الرمي لجمرة العقبة أو غيرها من جمار الثاني والثالث والرابع، (بالغروب من) اليوم (الرابع، فقضاء كل) تفريع على ما قبله؛ أي فعلم من قوله: "أو رمي حصاة" إلخ. أن قضاء كل من العقبة وغيرها إن أخره لعذر أو غيره ينتهي (إليه) أي إلى غروب الرابع. (والليل) عقب كل يوم (قضاء) لما فاته بالنهار يجب به الدم.
ــ
أو عقص أو لبد فعليه الحلاق، ومثله في الموطأ، وعلله ابن الحاجب تبعاً لابن شاس بعدم إمكان التقصير، ورده في التوضيح بأنه يمكنه أن يغسله ثم يقصر. وإنما علل علماؤنا تعين الحلق في حق هؤلاء بالسنة كذا في حاشية الأصل.
قوله: [على الوجه المتقدم]: أي من الشروط والآداب.
قوله: [إن حلق]: أي وكان قد رمى جمرة العقبة قبل الإفاضة. أو فات وقتها.
قوله: [فالدم]: أي هدياً في الوطء، وجزاء في الصيد، وقولنا: "وكان قد رمى جمرة العقبة أو فات وقتها": احتراز مما إذا أفاض قبل ذلك فإنه إذا وطئ عليه هدي.
قوله: [فلا يجوز له حلق]: فلو حلق لزمه فدية كما يأتي، ولا يجزيه ذلك الحلاق.
قوله: [وهو محمل الحديث]: أي هذه الصور الخمس يحمل عليها قوله ﷺ : «افعل ولا حرج»، ولا يحمل الحديث شاملاً لتقديم الحلق أو الإفاضة على الرمي، لأنه لا يصح نفي الحرج عنهما.
قوله: [في ثوبي إحرامه]: أي وهما الإزار والرداء.
قوله: [بخلاف الصيد]: أي وأولى الطيب وإنما كان أمرهما خفيفاً بالنسبة للوطء، لأن الوطء من مفسدات الحج في بعض أحواله.
قوله: [وإلا فعليه الدم في الصيد أيضاً]: مراده جزاء، وأما الطيب في تلك الحالة فلا شيء فيه.
قوله: [لا دم عليه إن خالف] إلخ: أي لكونه لم يترك واجباً كما تقدم.
قوله: [وكتأخيره الحلق ولو سهواً لبلده]: نص المدونة: والحلاق يوم النحر أحب إلي وأفضل، وإن حلق بمكة أيام التشريق أو بعدها أو حلق في الحل في أيام منى فلا شيء عليه، وإن أخر الحلاق حتى رجع إلى بلده جاهلاً أو ناسياً حلق أو قصر وأهدى - كذا في البناني نقله محشي الأصل.
قوله: [ولو قربت]: أي كما في سياق المدونة خلافاً لمن قيدها بالبعد.
قوله: [لفعل الركن في غير أشهر الحج]: أي التي هي شوال وذو القعدة وذو الحجة.
стр. 280
(وحمل) بالبناء للمفعول (مطيق) للرمي على دابة أو غيرها إن كان لا قدرة له على المشي لمرض أو غيره (ورمي) بنفسه وجوباً ولا يستنيب ولا يرمي الحصاة في كف غيره ليرمي عنه فإن فعل لم يجزه.
(واستناب العاجز) عن الرمي من يرمي [١] عنه؛ ولا يسقط عنه الدم برمي النائب. وفائدتها سقوط الإثم. ورمى عن صغير لا يحسن الرمي أو مجنون وليه، فإن أخر لوقت القضاء: فالدم على الولي. وإذا استناب العاجز (فيتحرى الرمي): أي وقت رمى نائبه عنه، (وكبر) لكل حصاة، وأعاد الرمي بنفسه إن صح قبل الفوات بالغروب من الرابع.
(ثم) بعد إفاضته من يوم النحر (رجع) وجوباً (للمبيت بمنى)، أي فيها وندب الفور ولو يوم جمعة ولا يصلي الجمعة بمكة (فوق العقبة): لا دونها فلا يجزئ. والعقبة: صخرة عظيمة هي أول منى بالنسبة للآتي من مكة، يليها بناء لطيف يرمى عليه الحصيات هو المسمى بجمرة العقبة. وهي آخر منى بالنسبة للآتي من مزدلفة، ومنى: بطحاء متسعة ينزل بها الحجاج في الأيام المعدودات، فقوله "فوق العقبة" أي في البطحاء التي مبدؤها العقبة احترازاً عن البيات دونها مما يلي مكة، (ثلاثاً) من الليالي إن لم يتعجل (أو ليلتين إن تعجل قبل الغروب من) اليوم (الثاني) من أيام الرمي (وإن ترك جل ليلة) وهو ما زاد على النصف من الغروب للفجر، (فدم) يلزمه.
(ولو غربت) الشمس من الثاني (وهو بمنى لزمه) المبيت بها، (ورمي) اليوم (الثالث).
وإذا رجع للمبيت بمنى -وتعجل أو لم يتعجل- (فيرمي كل يوم) بعد يوم النحر الجمرات (الثلاث): الأولى والوسطى وجمرة العقبة (بسبع حصيات) فجميعها إحدى وعشرين حصاة، في كل يوم غير يوم النحر، فليس فيه إلا جمرة العقبة طلوع الشمس بسبع حصيات فقط. (يبدأ بالتي تلي مسجد منى) وهي الأولى، ويثني بالوسطى (ويختم بالعقبة): أي يرمي جمرتها.
ــ
قوله: [واستناب العاجز]: حاصل الفقه: أن العاجز عن الرمي يؤمر بالاستنابة. فإذا استناب سقط عنه الإثم، والدم لازم له على كل حال، لكن إن كان تأخير النائب عن وقت الأداء لغير عذر، كان الدم عليه، وإن كان لعذر كان على العاجز.
قوله: [ورمى عن صغير]: حاصله أن الصغير الذي لا يحسن الرمي والمجنون يرمي عنهما من أحجهما، كما أنه يطوف عنهما، وتقدم ذلك أول الباب. فإن لم يرم عنهما إلى أن دخل وقت القضاء فالدم واجب عليه، وإن رمى عنهما في وقت الأداء فلا دم أصلاً، بخلاف رمي النائب عن العاجز فإن فيه الدم، ولو رمى عنه في وقت الأداء إلا أن يصح العاجز، ويرمي عن نفسه وقت الأداء، وأما الصغير الذي يحسن الرمي فإنه يرمي عن نفسه. فإن لم يرم حتى فات وقت الأداء لزمه الدم.
قوله: [وأعاد الرمي بنفسه]: وفائدة الإعادة نفي الدم عمن لم يخرج وقته، فإن لم يعد أثم واستمر الدم باقياً.
قوله: [أو ليلتين إن تعجل]: أي والتعجيل جائز مستوي الطرفين لا مستحب ولا خلاف الأولى. كذا في الحاشية، لكن في حق غير الإمام، وأما هو فيكره له التعجيل.
قوله: [وإن ترك جل ليلة]: المراد أن غير المتعجل يلزمه الدم لترك جل ليلة من الليالي الثلاث، والمتعجل لتركه من الليلتين، وليس المراد جل ليلة من أي ليلة من الثلاث للمتعجل وغيره، إذ المتعجل لا يلزمه بيات الثالثة. والحاصل: أن المقتضي لوجوب بيات الثالثة وعدم وجوبه قصد التعجيل وعدمه، فإن قصد التعجيل فلا يلزمه بيات ولا دم، وإن لم يقصده يلزمه البيات والدم، إن ترك الليلة كلها أو جلها.
قوله: [ولو غربت الشمس]: أشار بهذا إلى أن شرط جواز التعجيل أن يجاوز جمرة العقبة قبل غروب الشمس من اليوم الثاني من أيام الرمي، فإن لم يجاوزها إلا بعد الغروب لزمه المبيت بمنى ورمي الثالث كما قال الشارح. لكن في حاشية الأصل - نقلاً عن كبير الخرشي - ما ذكر من شرط التعجيل، إن كان المتعجل من أهل مكة، وأما إن كان من غيرها فلا يشترط خروجه من منى قبل الغروب من اليوم الثاني، وإنما يشترط نية الخروج قبل الغروب من الثاني، ثم إن من تعجل وأدركته الصلاة في أثناء الطريق هل يتم أو لا؟ لم أر فيه نصاً، والإتمام أحوط. وأما من أدركته الصلاة من الحجاج وهو في غير محل النسك كالرعاة إذا رموا العقبة وتوجهوا للرعي، فالظاهر من كلامهم أن حكمهم حكم الحجاج اهـ.
تنبيه: رخص مالك جوازاً لراعي الإبل فقط بعد رمي العقبة يوم النحر أن ينصرف إلى رعيه، ويترك المبيت ليلة الحادي عشر والثاني عشر، ويأتي اليوم الثالث من أيام النحر فيرمي فيه لليومين، اليوم الثاني الذي فاته وهو في رعيه، والثالث الذي حضر فيه، ثم إن شاء تعجل وإن شاء أقام لرمي الثالث من أيام الرمي. وكذا رخص لصاحب السقاية في ترك المبيت خاصة، فلا بد أن يأتي نهاراً للرمي، ثم ينصرف، لأن ذا السقاية ينزع الماء من زمزم ليلاً، ويفرغه في الحياض كذا في الأصل.
قوله: [فجميعها إحدى وعشرين]: هكذا مسودة الشارح بالياء، ولعل المناسب عشرون بالواو. وجملة الحصيات سبعون لغير المتعجل وتسع وأربعون للمتعجل.
قوله: [يبدأ]: أي وهذا الترتيب واجب شرط
стр. 281
ووقت أداء الرمي (من الزوال للغروب)، وتقدم أن الليل قضاء فإن قدمه على الزوال لم يعتد به. ثم شرع في بيان شروط صحة الرمي بقوله:
(وصحته) أي وشرط [١] صحة الرمي مطلقاً: أن يكون (بحجر)، فلا يصح بطين ولا بمعدن، ولا يشترط طهارته. وأن يكون الحصى (كحصى الخذف) يصح قراءته بالمعجمتين وبالحاء المهملة والذال المعجمة: وهو رمي الحصى بالسبابتين، بأن تكون الحصاة قدر الفولة أو النواة، (ولا يجزئ صغير جداً) كالحمصة، (وكره كبير) وأجزأ. (ورمي) عطف على حجر: أي وصحته برمي؛ أي دفع باليد. فلا يجزئ الوضع أو الطرح (على الجمرة): وهي البناء وما حوله من موضع الحصى، وهو أولى، فإن وقعت الحصاة في شق من البناء أجزأت على التحقيق (لا إن جاوزتها) ووقعت خلفها ببعد، (أو وقعت دونها): أي دون الجمرة التي هي محل الرمي، (ولم تصل) الحصاة إليها، فإن وصلت أجزأت. (و) صحته (بترتبهن): أي الجمرات بأن يبتدئ بالأولى التي تلي مسجد منى، ثم الوسطى، ثم العقبة (لا إن نكس) بأن قدم العقبة أو الوسطى، (أو ترك بعضاً) منها حصاة أو أكثر من الجميع أو من بعضهن (ولو سهواً) لم يجزه. (فلو رمى كلاً) من الجمرات (بخمس) من الحصيات (اعتد بالخمس الأول) من الجمرة الأولى، وكملها بحصاتين وأعاد الثانية والثالثة من أصلهما للترتيب.
(وإن لم يدر موضع حصاة) تركهما [٢] منهن تحقيقاً أو شكّاً أهي من الأولى أو من غيرها (اعتد بست من) الجمرة (الأولى) بناء على اليقين، (وأعاد ما بعدها) من الثانية والثالثة وجوباً للترتيب. ولا هدي إن ذكر في يومه ولو نكس أعاد المنكس، فلو رمى الأولى ابتداء فالعقبة فالوسطى، أعاد العقبة، لأن رميها كان باطلاً لعدم الترتيب، ولا دم إن تذكر في يومه. وتقدم أن الرمي لا يفوت إلا بغروب الرابع.
(وندب رمي) جمرة (العقبة أول يوم) وهو يوم النحر (طلوع الشمس) إلى الزوال، وكره تأخيره للزوال
ــ
فهو من شروط الصحة أيضاً كما يأتي.
قوله: [وقت أداء الرمي] إلخ: أي لجميع الجمار غير جمرة العقبة يوم النحر، فإن وقتها يدخل من طلوع الفجر إلى الغروب، والأفضل أن تكون بعد الشمس كما يأتي. قوله: [أن يكون بحجر]: أي كون الرمي به من جنس ما يسمى حجراً سواء كان زلطاً أو رخاماً أو صواناً أو غير ذلك.
قوله: [ولا يشترط طهارته]: أي بل يندب.
قوله: [وهو رمي الحصى بالسبابتين]: بيان لمعناه اللغوي، وكانت العرب ترمي بها في الصغر على وجه اللعب تجعلها بين السبابة والإبهام من اليسرى، ثم تقذفها بسبابة اليمنى أو تجعلها بين سبابتيها، وليست هذه الهيئة مطلوبة في الرمي، وإنما المطلوب أخذها بسبابته وإبهامه من اليد اليمنى ورميها.
قوله: [وكره كبير]: أي لئلا يؤذي الناس.
قوله: [أي وصحته برمي]: اعترض بأن الشيء لا يكون شرطاً لنفسه. وأجيب بأن الرمي المشروط فيه المراد منه الإيصال للجمرة. والرمي الذي اعتبر شرطاً بمعنى الاندفاع، فالمعنى حينئذ شرط صحة الإيصال للجمرة الاندفاع، فلا يجزئ وضع الحصاة بيده على الجمرة، ولا طرحها عليها من غير اندفاع، وهذا الجواب يؤخذ من الشارح. ولا بد أن يكون الرمي مباشرة لا بقوس أو رجله أو غير ذلك، ولا بد أن تكون كل واحدة بانفرادها، فلو رمى السبعة دفعة واحدة حسبت واحدة.
قوله: [وهي البناء وما حوله]: وقيل إن الجمرة اسم للمكان الذي حول البناء فقط محل اجتماع الحصى، وعليه فلا يجزئ ما وقف في البناء، ولكن التحقيق الإجزاء كما قال الشارح.
قوله: [فإن وصلت أجزأت]: هكذا في التوضيح عن سند.
قوله: [بأن يبدأ بالأولى]: أي وهي الكبرى.
قوله: [ثم بالوسطى]: أي التي في السوق، ويرميان من أعلى من جهة منى كما في التتائي.
وقوله: [ثم بالعقبة]: أي يختم بها ويرميها من أسفل من بطن الوادي. قال في المجموع: فإن تأخر يوم لآخر ففي (ح) تقديم القضاء، ولو ضاق كيسير الفوائت، وظاهر اتحاد الدم قال إلا أن يضيق اليوم الآخر: السنهوري - قياساً على الاختصاص بالأخيرة عند الضيق - الأجهوري: إذا ضاق عن كل القضاء أتى ببعضه لحديث: «إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه بما استطعتم».اهـ.
قوله: [اعتد بالخمس الأول]: أي سواء فعل ذلك عمداً أو نسياناً. والحاصل: أن الترتيب بين الجمار الثلاث شرط صحة كما قال الشارح، وأما تتابع الرميات أو الجمرات فمندوب فقط، فلذلك اعتد بالخمس الأول لعدم وجوب تتابع الرميات، وبطل ما بعدها لاشتراط الترتيب بين الجمرات.
قوله: [وإن لم يدر موضع حصاة] إلخ: حاصله: أنه إذا رمى الجمار الثلاث، ثم تيقن أنه ترك حصاة من واحدة منها، ولم يدر من أيها تركها أو شك في ترك حصاة - ولم يدر من أيها - فإنه يعتد بست من الجمرة الأولى لاحتمال كونها منها فيكملها بحصاة، ثم يرمي الثانية والثالثة بسبع سبع، ولا دم عليه إن كمل الأولى وفعل الثانية والثالثة في يومه، فإن رمى الجمار الثلاث في يومين وحصل الشك في ترك حصاة ولم يدر من أي الجمار. وهل هي من اليوم الأول أو الثاني فإنه يعتد بست من الأولى في كلا اليومين، ويكمل عليها ويعيد ما بعدها، ويلزمه دم لتأخير رمي اليوم الأول لوقت القضاء، ولا مفهوم لقوله: "موضع حصاة"، بل مثله موضع حصاتين مثلاً وهكذا،
стр. 282
لغير عذر، ومحط الندب قوله: "طلوع" إلخ. (و) ندب رمي (غيرها) من باقي الأيام (إثر الزوال قبل) صلاة (الظهر) متوضئاً، وتقدم أن دخول الزوال شرط صحة للرمي في الأيام الثلاثة، فمحط الندب التعجيل قبل صلاة الظهر. (و) ندب (وقوفه): أي مكثه ولو جالساً (إثر) الجمرتين (الأوليين) أي الأولى والوسطى (للدعاء) والثناء على الله حال كونه (مستقبلاً) للبيت (قدر) ظرف للوقوف، أي يقف زمناً قدر (إسراع) قراءة سورة (البقرة و) ندب (تياسره في) الجمرة (الثانية) أي الوسطى؛ بأن يقف على يسارها كما في النقل (متقدماً عليها) جهة البيت، لا أنه يحاذيها جهة يسارها.
(و) ندب حال وقوفه للدعاء بقدر رمي الأولى، (جعل الأولى خلفه) وأما جمرة العقبة فيرميها وينصرف، ولا يقف لضيق محلها، وإذا استقبلها للرمي كانت مكة جهة يساره ومنى جهة يمينه. (و) ندب (نزول غير المتعجل) بعد رمي جمار اليوم الثالث (بالمحصب): اسم لبطحاء خارج مكة. (ليصلي به) أي فيه (أربع صلوات) الظهر والعصر والمغرب والعشاء، كما فعل النبي ﷺ ، وأما المتعجل فلا يندب له ذلك. (و) ندب (طواف الوداع الخارج [١]) أي لكل من خرج من مكة من أهل مكة أو غيرهم من الحجاج أو غيرهم (لكميقات) من المواقيت، أو لما حاذاه، أو للطائف، وأولى لأبعد من ذلك، وسواء خرج لحاجة أم لا أراد العود أم لا، (لا) إن خرج (لكجعرانة) والتنعيم مما دون المواقيت فلا وداع عليه، (إلا) أن يكون الخارج لما دون المواقيت، خرج (لتوطن) به فيندب له الوداع، (وتأدى) طواف الوداع (بالإفاضة، و) طواف (العمرة)، وحصل له ثوابه إن نواه بهما كتحية المسجد تؤدى بالفرض، ويحصل ثوابها إن نواها به.
(وبطل) الوداع أي بطل الاكتفاء به لا الثواب (بإقامته) بمكة (بعض يوم) له بال فيعيده، (لا) يبطل بإقامته (بشغل) أي بسبب شغل (خف) من بيع أو شراء أو قضاء دين ونحو ذلك، فلا يطلب بإعادته. (و) إذا بطل أو لم يأت به من أصله (رجع له) أي لفعله (إن لم يخف) بالرجوع (فوات رفقة) ولا لصاً أو سارقاً أو نحو ذلك، وإلا لم يرجع.
(و) ندب (زيارة النبي ﷺ وهي من أعظم القربات.
ــ
كلما زاد الشك اعتد بغير المشكوك فيه، وهذا أيضاً مبني على ندب تتابع الرميات والجمرات.
قوله: [لغير عذر]: أي وأما إذا كان لمرض أو نسيان فلا كراهة في فعله بعد الزوال.
قوله [فمحط الندب التعجيل] إلخ: أي فلا ينافي أن كونه بعد الزوال شرط صحة فيه.
قوله: [وندب تياسره]: أي وقوفه جهة يسارها فتكون هي عن يمينه، لأنه يلزم من كونه جهة يسارها أن تكون هي جهة يمينه.
قوله: [كما في النقل]: ففي عبارة ابن المواز: يرمي الوسطى وينصرف منها إلى الشمال في بطن المسيل، فيقف أمامها مما يلي يسارها.
قوله: [إلا أن يحاذيها] إلخ: أي بل تكون خلفه كالجمرة الأولى غير أنه في يسارها.
قوله: [لضيق محلها]: أي فلو أمرت الناس بالوقوف لحصل مزيد الضرر.
قوله: [وندب نزول غير المتعجل]: أي إن لم يكن رجوعه يوم جمعة وإلا فلا يندب التحصيب. ومحل ندب صلاة الظهر به إذا وصله قبل ضيق وقتها، أما لو ضاق وقتها عليه، فإنه يصلي الظهر حيث أدركه، ولا يؤخرها للمحصب.
وهذا التحصيب مندوب في حق الراجع من منى بشرطه، سواء كان آفاقياً أو مكياً، ويقصر المكي الصلاة فيه لأنه من تمام المناسك وأولى الآفاقي.
قوله: [اسم لبطحاء خارج مكة]: أي محاذية للمقبرة.
قوله: [كما فعل النبي ﷺ ] إلخ: أي شكراً لله، وذلك لأن المحصب هو الموضع الذي تحالفت فيه قريش على أنهم لا يبايعون بني هاشم، ولا يناكحونهم. ولا يأخذون منهم، ولا يعطونهم إلا أن يسلموا لهم النبي ﷺ ، وكتبوا بذلك صحيفة ووضعوها في جوف الكعبة فخيبهم الله في ذلك، وبلغ رسول الله كل المقاصد فيهم وفي غيرهم.
قوله: [وندب طواف الوداع]: أي لغير المتردد بفاكهة ونحوها. وحاصل المسألة أن الخارج من مكة إذا قصد التردد لها فلا وداع عليه مطلقاً وصل الميقات أم لا، وإن قصد مسكناً أو الإقامة طويلاً فعليه الوداع مطلقاً. وإن خرج لاقتضاء دين أو زيارة أهل نظر؛ فإن خرج لنحو المواقيت طلب بالوداع مطلقاً، وإن خرج لدونها كالتنعيم فلا وداع عليه، هذا محصل كلام الحطاب.
قوله: [وتأدى طواف الوداع] إلخ: أي لأنه ليس مقصوداً لذاته، بل ليكون آخر عهده من البيت الطواف، ولا يكون السعي بعده طولاً حيث لم يقم بعده إقامة تقطع حكم التوديع.
تنبيه: يحبس الكري والولي - من زوج أو محرم - لأجل حيض أو نفاس منع المرأة من طواف الإفاضة حتى يزول المانع، وتطوف بشرط أمن الطريق حال الرجوع بعد طوافها، فإن لم يؤمن - كما في هذه الأزمنة - فسخ الكراء اتفاقاً، ولا يحبس من ذكر معها ومكثت بمكة وحدها إن أمكنها، وإلا رجعت لبلدها وهي على إحرامها، ثم تعود في القابل للإفاضة والأسهل في تلك المسألة تقليد أبي حنيفة وأحمد في صحة طوافها بالحيض والنفاس كذا في المجموع.
قوله: [وهي من أعظم القربات]: قال العلامة السمهودي في كتابه المؤلف في زيارة الرسول ﷺ : ومن خصائصها - أي المدينة المنورة - وجوب زيارتها كما في حديث الطبراني، وحق على كل مسلم زيارتها، فالرحلة إليها مأمور بها واجبة
стр. 283
(و) ندب (الإكثار من الطواف) بالبيت ليلاً ونهاراً ما استطاع، (و) إذا أراد الخروج من المسجد الحرام بعد الوداع أو غيره (لا يرجع القهقرى) بأن يرجع بظهره ووجهه للبيت، أي يكره لأنه من فعل الأعاجم لا من السنة.
ولما فرغ من بيان أركان الحج شرع في بيان أركان العمرة فقال:
(وأركان العمرة ثلاثة) بإسقاط الوقوف بعرفة: (إحرام) منه المواقيت أو من الحل
(وطواف) بالبيت سبعاً. (وسعي) بين الصفا والمروة سبعاً (على ما): أي على الوجه الذي (مر) بيانه في الحج، سواء بسواء. فإن أحرم من الحرم وجب عليه الخروج للحل لما تقدم من أن كل إحرام لا بد فيه من الجمع بين الحل والحرم، ولا يصح طوافه وسعيه إلا بعد خروجه للحل. (ثم) بعد سعيه (يحلق) رأسه وجوباً على ما مر أيضاً، فقد حذفه من الأخير لدلالة الأول عليه.
(وكره) للمكلف (تكرارها) أي العمرة (بالعام) الواحد. وإنما يطلب كثرة الطواف، وأول العام المحرم، فإن اعتمر آخر يوم من ذي الحجة وأول يوم من المحرم لم يكره.
فصل في بيان محرمات الإحرام
ــ
أي متأكدة على المسلم المستطيع له سبيلاً، وعن ابن عمر مرفوعاً: «من حج فزار قبري بعد موتي كان كمن زارني في حياتي»، وأخرج ابن الجوزي: «من حج فزار قبري بعد موتي كان كمن زارني في حياتي»، ولابن عدي والطبراني: «من حج البيت ولم يزرني فقد جفاني»، وعن أنس مرفوعاً: «من زارني ميتاً فكأنما زارني حياً، ومن زار قبري وجبت له شفاعتي يوم القيامة، وما من أحد من أمتي له سعة ثم لم يزرني فليس له عذر»، وعن عطاء عن ابن عباس مرفوعاً: «من زارني في مماتي كمن زارني في حياتي، ومن زارني حتى ينتهي إلى قبري كنت له يوم القيامة شهيداً» أو قال "شفيعاً" اهـ.
قال بعضهم السلام عليه عند قبره ﵊ أفضل من الصلاة عليه عنده للأخبار الكثيرة الواردة في ذلك؛ منها: «ما من أحد يسلم علي عند قبري إلا رد الله علي روحي حتى أرد ﵇».
ومعنى قوله في الحديث: "إلا رد الله علي روحي" أي من حضرة الشهود إلى رد جواب المسلم، ولأن شعار اللقاء التحية، ويدل لذلك قول العلماء: إن الزائر يبدأ بالسلام ويختم بالصلاة عليه ﷺ ، والأفضل في الزيارة القرب من القبر الشريف، بحيث يكون النبي يسمع قوله على حسب العادة، ويلزم في تلك الحضرة الأدب الظاهري والباطني ليظفر بالمنى.
ومما يتأكد عند دخول المدينة المشرفة الغسل والتطيب وتجديد التوبة، وحين يدخل المسجد الشريف يأتي الروضة فيصلي بها ركعتين تحية المسجد، ثم يأتي قبالة القبر الشريف ويقول: " السلام عليك يا سيدي يا رسول الله، السلام عليك يا سيدي يا حبيب الله، السلام عليك يا سيدي يا أشرف رسل الله، السلام عليك يا إمام المتقين، السلام عليك يا رحمة للعالمين، أشهد أنك رسول الله بلغت الرسالة، وأديت الأمانة، ونصحت الأمة، وكشفت الغمة، وجليت الظلمة، ونطقت بالحكمة، صلى الله عليك، وعلى آلك وأصحابك أجمعين ". ثم يتوسل به في جميع مطلوباته. ثم ينتقل قبالة قبر أبي بكر ويقول: " السلام عليك يا خليفة رسول الله، السلام عليك يا صديق رسول الله، أشهد أنك جاهدت في الله حق جهاده، جزاك الله عن أمة محمد خيراً رضي الله عنك وأرضاك، وجعل الجنة متقلبك ومثواك، ورضي الله عن كل الصحابة أجمعين، ثم يتوسل به إلى رسول الله. ثم ينتقل قبالة قبر عمر ويقول: " السلام عليك يا صاحب رسول الله، السلام عليك يا أمير المؤمنين عمر الفاروق، أشهد أنك جاهدت في الله حق جهاده، جزاك الله عن أمة محمد خيراً، رضي الله عنك وأرضاك، وجعل الجنة متقلبك ومثواك، ورضي الله عن كل الصحابة أجمعين ". ثم يتوسل به إلى رسول الله. ثم يخرج إلى البقيع فيسلم على أهله هكذا، ويتوسل بهم إلى رسول الله فلتحفظ تلك الآداب فإن من فعلها مع الشوق وفراغ القلب من الأغيار بلغ كل ما يتمنى إن شاء الله تعالى.
قوله: [وندب الإكثار من الطواف] إلخ: أي لأنه عبادة مفقودة له في غيره
قوله: [وكره للمكلف تكرارها]: أي وما ورد عن السلف من تكرارها، فلم يؤخذ به مالك ولا مفهوم للمكلف، بل الصبي المميز تتعلق به الكراهة أيضاً.
تتمة: لو طاف حامل شخص وقصد بطوافه نفسه وعن محموله لم يجز عن واحد منهما، لأن الطواف صلاة وهي لا تكون عن اثنين، وأجزأ السعي عنهما لخفة أمر السعي، إذ لا يشترط فيه طهارة فليس كالصلاة، وكذلك يجزئ الطواف والسعي عن محمولين له، حيث لم يدخل نفسه معهم كان المحمول معذوراً أم لا. لكن على غير المعذور الدم إن لم يعده - كذا في الأصل
فصل في بيان محرمات الإحرام
لما فرغ المؤلف من الكلام على أركان الحج والعمرة، وما انضاف إلى كل ركن مندوب ومسنون. تكلم على محظورات الإحرام، وأخرها لأنها طارئة على الماهية بعد كمالها.
وهي على قسمين: مفسد
стр. 284
على الذكر والأنثى
(يحرم على الأنثى): حرة أو أمة كبيرة أو صغيرة؛ ويتعلق الخطاب بوليها. (بالإحرام): أي بسبب تلبسها بالإحرام بحج أو عمرة: (لبس محيط) بضم اللام (بكف) لا بدن ورجل؛ كقفاز وكيس تدخله في كفها، (أو أصبع) من أصابع يدها (إلا الخاتم) فيغتفر لها دون الرجل كما يأتي، بخلاف ما لو أدخلت يدها في كمها أو قناعها فلا شيء عليها.
(و) حرم عليها (ستر وجهها) أو بعضه ولو بخمار أو منديل، وهذا معنى قولهم: إحرام المرأة في وجهها وكفيها فقط، وحرمة ستر وجهها. (إلا لفتنة): أي تعلق قلوب الرجال بها، فلا يحرم بل يجب عليها ستره إن ظنت الفتنة بها (بلا غرز) للساتر بإبرة ونحوها، (و) بلا (ربط) له برأسها كالبرقع تربط أطرافه بعقدة، بل المطلوب سدله على رأسها ووجهها، أو تجعله كاللثام وتلقي طرفيه على رأسها بلا غرز ولا ربط.
(وإلا) بأن لبست محيطاً [١] بكفها أو بأصبع غير خاتم أو سترت وجهها بلا عذر، أو لعذر ولكن غرزته بنحو إبرة أو ربطته (ففدية) تلزمها.
(و) يحرم (على الذكر): ولو غير مكلف، ويتعلق الخطاب بوليه: (محيط) بضم الميم وبالمهملة (بأي عضو) من أعضائه؛ كيد ورجل وأصبع مطلقاً، ورأس وأولى جميع البدن إذا كان محيطاً بنسج أو خياطة ونحو ذلك، بل (وإن) كان محيطاً (بعقد أو زر) كأن يعقد طرفي إزاره، أو يجعل له أزراراً أو يربطه بحزام، (أو خلال) بعود ونحوه (كخاتم) وإن بأصبع رجل وحزام بحبل أو غيره.
(وقباء) بفتح القاف ممدوداً وقد يقصر: هو الفرجية من جوخ أو غيره، (وإن لم يدخل يده بكمه) بل ألقاه على كتفيه مخرجاً يديه من تحته وهذا إن جعل أعلاه على منكبيه على العادة، وأما لو نكسه بأن جعل ذيله على كتفيه، أو لف به وسطه، كالمئزر فلا شيء عليه كما لو ألقى قميصاً على كتفيه أو لف به وسطه أو تلفع ببردة مرقعة، أو ذات فلقتين بلا ربط، ولا غرز فلا شيء عليه في ذلك كله.
(و) حرم على الذكر (ستر وجهه ورأسه): بأي شيء يعد ساتراً (وإن بكطين) كعجين وصمغ، فالوجه والرأس يخالفان غيرهما من سائر البدن، لأنه يحرم سترهما بكل ما يعد في العرف ساتراً وغيرهما، وغيرهما إنما يحرم بنوع خاص وهو المحيط. ثم استثنى من حرمة المحيط أمرين: الأول مقيد بقيدين وثانيهما بواحد، فقال: (إلا الخف ونحوه) مما يلبس في الرجل كالجرموق والجورب، فإنه محيط ولا يحرم على الذكر لبسه (لفقد نعل أو غلوه فاحشاً): إن زاد ثمنه على قيمته عادة
ــ
وغير مفسد. ومتعلقهما: أفعال الرجل والمرأة، فبدأ بغير المفسد، وبالمرأة، كما صنع خليل عكس صنيع ابن الحاجب فيهما. قيل: ولعله إنما بدأ بالمرأة - وإن كان الأولى البداءة بالرجل كما ورد بذلك القرآن في آي كثيرة - والسنة لقلة الكلام على ما يختص بها.
قوله: [على الأنثى]: أي والخنثى ويحتاط فيه.
قوله: [حرة أو أمة] إلخ: قال (عب): ومثلها الخنثى، واعترض بأن مقتضى الاحتياط إلحاق الخنثى بالرجل لا بالمرأة، لأن كل ما يحرم على المرأة يحرم على الرجل دون العكس، إلا أن يقال احتمال الأنوثة يقتضي الاحتياط في ستر العورة، وحينئذ فالاحتياط ستره كالمرأة، ويلزمه الفدية لاحتمال ذكورته.
قوله: [أي بسبب تلبسها]: أشار بذلك إلى أن الباء للسببية ويصح جعلها للظرفية، وكل منهما يفيد أن مبدأ الحرمة بمجرد الإحرام، أما إفادة السببية ذلك فظاهر، وأما إفادة الظرفية ذلك فلأن المعنى حرم في حال الإحرام فيفيد أن مبدأها من الإحرام.
قوله: [أو بعضه]: أي على الأرجح من التأويلين ووجه الرجل كالمرأة.
قوله: [بل يجب] إلخ: حاصل المعتمد أنها متى أرادت الستر عن أعين الرجال جاز لها ذلك مطلقاً علمت أو ظنت الفتنة بها أم لا، نعم إذا علمت أو ظنت الفتنة بها وجب كما قال الشارح، قال (عب): وانظر إذا خشي الفتنة من وجه الذكر هل يجب ستره في الإحرام كالمرأة أم لا، قال البناني: ولا وجه لهذا التنظير لما ذكروا في ستر العورة عن ابن القطان وغيره أن الأمرد لا يلزمه ستر وجهه، وإن كان يحرم النظر إليه بقصد اللذة، وإذا لم يجب عليه ستر وجهه في غير الإحرام، ففي الإحرام أولى كما هو ظاهر اهـ.
قوله: [ففدية تلزمها]: أي إن فعلت شيئاً من ذلك، وحصل طول، وأما إن لم يحصل طول بأن أزالته بالقرب فلا فدية، لأن شرطها في اللبس انتفاع من حر أو برد.
قوله: أو (صياغة): أي كالأساور والخاتم.
قوله: [وإن بأصبع رجل]: أي هذا إذا كان الخاتم بأصبع يد، بل وإن كان بأصبع رجل بكسر الراء فلا يغتفر في حق الرجل على كل حال بخلافه في حق المرأة، فيجوز لها الخواتم والأساور كما علم مما تقدم.
قوله: [وأما لو نكسه] إلخ: ظاهره أنه لا شيء عليه ولو أدخل رجليه في كميه، وليس كذلك بل فيه الفدية حينئذ.
قوله: [بأي شيء يعد ساتراً]: إن أريد الساتر لغة كان قوله: "وإن بكطين" تمثيلاً، وإن أريد الساتر عرفاً كان تشبيهاً، ودخل تحت الكاف الدقيق أو الجير يجعله على وجهه أو رأسه، لأن ذلك جسم ينتفع به من الحر والبرد.
قوله: [لفقد نعل]: فلو لم يفقده ولكن احتاج إلى لبس الخفين لضرورة اقتضت ذلك كشقوق برجليه فقطعهما أسفل من الكعبين، ولبسهما فإنه تلزمه الفدية رواه ابن القاسم عن مالك، قال في الحاشية: وقد يقال وجود النعل حينئذ كعدمه
стр. 285
أكثر من الثلث، وهذا إشارة إلى القيد الأول؛ فإن لم يجد نعلاً أو وجده غالياً غلواً فاحشاً جاز له لبس الخف ولا فدية.
وأشار للقيد [١] الثاني بقوله: (إن قطع أسفل من كعب) كما ورد في السنة، سواء كان القاطع له هو أو غيره، أو كان من أصل صنعته كالبابورج بلغة المغاربة، (وإلا الاحتزام) بثوب أو غيره (لعمل) أي لأجله، فلا يحرم ولا فدية عليه، فإن فرغ عمله وجب نزعه.
(وإلا): بأن لبس الخف مع وجود النعل بلا غلو فاحش [٢] أو احتزام لغير عمل (ففدية).
ثم شرع في بيان ما يجوز للمحرم مما قد يتوهم فيه عدم الجواز فقال:
(وجاز) للمحرم (تظلل ببناء) كحائط وسقيفة، (وخباء) خيمة (وشجر ومحارة): أي محمل ومحفة ولو مكث فيها -ساتراً أو نازلاً- لأن ما عليها من الساتر مسمر أو مشدود عليها بحبال فهي كالخباء.
(و) جاز له (اتقاء شمس أو) اتقاء (ريح) عن وجهه أو رأسه (بيد بلا لصوق) لليد على ما ذكر، لأنه لا يعد ساتراً عرفاً، بخلاف لصوق اليد فإنه يعد ساتراً.
(و) جاز اتقاء (مطر) أو برد عن رأسه (بمرتفع) عنه بلا لصوق من ثوب أو غيره، وأولى اليد. وأما الدخول في الخيمة ونحوها فجائز ولو لغير عذر. وأما التظلل المرتفع غير اليد فلا يجوز كثوب يرفع على عصا، ولو نازلاً عند مالك. وفي الفدية قولان: بالوجوب، والندب. ومن ذلك: المسطح يُجعل فيه أعواد ويُسدل عليها ثوب، ونحوه للتظلل.
(و) جاز لمحرم (حمل) لشيء كحشيش وقفة وغرارة (على رأس لحاجة) تتعلق به، أو بدوابه كالعلف، (أو فقر) فيحمل شيئاً لغيره بأجرة لمعاشه (بلا تجر) وإلا منع وافتدى.
(و) جاز (شد منطقة) بوسطه بكسر الميم وفتح الطاء، والمراد بها حزام يجعل كالكيس يوضع فيه الدراهم، يسمى بالنوار بضم النون وتخفيف الواو، وهذا في الحقيقة من المستثنيات من المحيط كالخف بقيوده والاحتزام لعمل، فكان الأولى إدراجه في سلكها. وجواز شدها بوسطه مقيد بقيدين:
أشار للأول بقوله: إن كان (لنفقته) التي ينفقها على نفسه وعياله ودوابه لا لنفقة غيره ولا لتجارة.
وللثاني بقوله: وكان الشد (على جلده) لا على إزاره أو ثوبه. (و) جاز حينئذ (إضافة نفقة غيره لها): أي لنفقته تبعاً (وإلا) بأن شدها لا لنفقته بل للتجارة أو لغيره، أو فارغة أو لا على جلده بل على إزاره (فالفدية).
(و) جاز للمحرم
ــ
ويؤخذ من إضافة الغلو إلى النعل عدم النظر إلى قلة مال المشتري وكثرته، أي أن يكون الغلو في حد ذاته اهـ.
قوله: [أكثر من الثلث]: ظاهره أن الثلث من حيز اليسير وفي (بن) عن أبي الحسن أن الثلث كثير.
قوله: [إن قطع أسفل من كعب]: قال الخرشي: والظاهر أن مثل القطع لو ثنى أسفل الكعب.
قوله [بثوب أو غيره]: هذا هو المذهب، لأن ظاهر قول المدونة والمحرم لا يحتزم بحبل أو خيط إذا لم يرد العمل، فإن فعل افتدى وإن أراد العمل فجائز له أن يحتزم اهـ. فلا فرق بين الثوب وغيره وعلى ذلك حملها أبو الحسن وابن عرفة خلافاً لمن قيد الاحتزام بالثوب فقط، وأما إذا كان بعمامة أو حبل ففيه الفدية، ولو لعمل، وقيد في مختصر الوقار الاحتزام بكونه بلا عقد، واقتصر عليه (ح). وحينئذ فنفي الفدية عن الاحتزام مقيد بقيدين أيضاً: أن يكون لعمل وأن يكون بلا عقد، ومثل الاحتزام الاستثفار: وهو أن يدخل إزاره بين فخذيه ملوياً كما في القاموس.
قوله: [ولو مكث فيها] إلخ: هذا التعميم هو المعول عليه، وما وقع في خليل من التفصيل فهو ضعيف.
قوله: [بخلاف لصوق اليد] إلخ: ظاهره أنه يفتدي في اليد إذا التصقت وفي ابن عاشر يجوز الإنقاء باليد ولا فدية بحال لأنها لا تعد ساتراً.
قوله: [ويسدل عليه ثوب]: أي غير مسمر وأما لو كان مسمراً أو يربط على الدوام فلا شيء فيه.
قوله: [لحاجة]: أي إذا كانت الحاجة لنفسه ولم يجد من يحمله له، أو وجد بأجرة يحتاج لها، أما لو وجد من يحمله مجاناً أو بأجرة لا يحتاج لها فلا يجوز حمله على رأسه، ويفتدي إن حمله عليه، وإن كانت الحاجة لغيره وحملها له على رأسه بلا أجرة أو بأجرة على وجه التجر لا على وجه التمعش افتدى أيضاً.
قوله: [وجاز شد منطقة]: المراد بالشد إدخال سيورها أو خيوطها في أثنائها أو في الكلاب أو الإبزيم مثلاً، وأما لو عقدها على جلده افتدى كما لو شدها فوق الإزار.
قوله: [والمراد بها حزام]: أي سواء كان من جلد أو غيره.
قوله: [إدراجه في سلكها]: أي عده المستثنيات المتقدمة، ولكن أفرد هنا تبعاً لخليل.
قوله: [لا على إزاره أو ثوبه]: أي فيفتدي ولو لم يعقده.
قوله: [وجاز حينئذ إضافة نفقة غيره]: ظاهره جواز إضافة نفقة الغير لنفقته، ولو كانت الإضافة بمواطأة وهو ما استظهره في التوضيح، وظاهر الجلاب واللخمي والطراز كما في (ح)، فتقييد (عب) جواز الإضافة بما إذا كان بغير مواطأة فيه نظر، وأجاب شيخ مشايخنا العدوي عن (عب) بقوله: يمكن أن يقال: إن المواطأة الممنوعة محمولة على ما إذا كان الحامل له في الحقيقة على شد المنطقة نفقة الغير، والجائزة على ما إذا كان الحامل على شدها نفقته، وأما نفقة الغير فبطريق