← Фикх малики

Фикх малики · id 150969

حاشية الصاوي على الشرح الصغير ط الحلبي

أحمد الصاوي

Полный текст (1 079 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

وإن لم يظن القدرة على الجميع مشى مقدوره وركب معجوزه وعليه هدي. وإن ركب قليلاً فلا رجوع عليه ولزمه هدي كالبعيد جداً ومن لا قدرة له على المشي أصلاً، (إلا فيمن ركب المناسك أو) ركب (الإفاضة) أي في حال نزوله من منى لطواف الإفاضة، (فمندوب) في حقه الهدي ولا يجب عليه؛ وإن كان الذي ركب المناسك يجب عليه الرجوع، والذي ركب الإفاضة لا يجب عليه رجوع. وشبه في الندب قوله: (كتأخيره): أي كما يندب تأخير الهدي (لرجوعه) أي أن من ركب كثيراً ووجب عليه الرجوع ليمشي ما ركب، يندب له تأخير الهدي لعام رجوعه ليجمع بين الجابر النسكي والمالي [١]، فإن قدمه في العام الأول أجزأه، (ولا يفيده) في سقوط الهدي عنه (مشى الجميع): أي جميع المسافة في عام الرجوع. (فإن أفسد) من وجب عليه المشي ما أحرم به ابتداء من حج أو عمرة بوطء أو إنزال (أتمه) فاسداً كما تقدم، (ومشى) وجوباً (في قضائه من الميقات) الشرعي كالجحفة فقط، ولا يمشي جميع المسافة ولا يركب من الميقات وإن مشى فيه في عام الفساد، (وإن فاته) الحج الذي أحرم به وقد كان نذر مشياً مطلقاً، أو حنث به أي لم يعين حجاً ولا عمرة ولكنه جعل مشيه في حج ففاته (تحلل) منه (بعمرة)، وقضى في قابل (وركب) المسافة (في قضائه) أي جاز له ذلك لأن نذره قد انقضى وهذا القضاء للفوات، (وعلى الصَّرورة) وجوباً وهو من عليه حجة الإسلام (إن أطلق) في نذره المشي أو في يمينه، وحنث بأن لم يقيد مشيه بحج ولا عمرة (جعله) أي جعل مشيه (في عمرة) لينقضي بها نذره، (ثم يحج من عامه) حجة الإسلام لينقضي فرضه ويكون متمتعاً إن حل من عمرته في أشهر الحج. ومفهوم: "أو [٢] أطلق" أنه إن قيد، فإن قيد بعمرة مشى فيها وحج حجة الإسلام من عامه [٣] كالمطلق، وإن قيد بحج صرفه فيه وحج للضرورة في قابل، فإن نوى به نذره وحجة الإسلام معاً أجزأ عن نذره فقط، وقيل: لم يجز عن واحد منهما وهما التأويلان في كلامه. وأما المطلق إذا نواهما معاً أجزأ عن نذره فقط اتفاقاً. (ووجب) على الناذر أو الحانث في يمينه (تعجيل الإحرام) بالحج أو العمرة من الوقت الذي قيد به أو المكان الذي قيد به (في) قوله: (أنا محرم) بصيغة اسم الفاعل، (أو أحرم) بصيغة المضارع (إن قيد) لفظاً أو نية (بوقت) كرجب، (أو مكان) كبركة الحج، ولا يجوز له الصبر للميقات الزماني أو المكاني. وحاصل القول في ذلك: أن من نذر المشي إلى مكة أو حنث في يمينه أو قال: فعلي الإحرام بحج أو عمرة، فهذا لا يحرم إلا في الميقات الزماني أو المكاني، وأما من قال: لله علي أن أحرم بحج أو عمرة، أو إن كلمت زيداً فإني محرم أو فأنا محرم بحج أو عمرة، أو أحرم في شهر رجب أو من بركة الحج لزمه تعجيل الإحرام في رجب في الأول، ومن بركة الحج في الثاني ومنهما إن قيد بهما معاً ــ قوله: [وإن لم يظن القدرة على الجميع] إلخ: أي في الصور الست. قوله: [أتمه فاسداً]: أي ولو راكباً لأن إتمامه ليس من النذر في شيء وإنما هو لإتمام الحج. قوله: [ومشى وجوباً في قضائه الميقات] إلخ: أي إن كان أحرم منه عام الفساد: وأما لو كان أحرم في الفاسد قبل الميقات الشرعي مشى في قضائه من المكان الذي أحرم منه لتسلط الفساد على ما بعد الإحرام، وإن كان يؤمر بتأخير الإحرام عام القضاء للميقات الشرعي هكذا قيل، واستظهر بعضهم أن كلاً من الإحرام والمشي يؤخر في عام القضاء لله للميقات، لأن المعدوم شرعاً كالمعدوم حسا، والإحرام قبل الميقات منهي عنه. قوله: [أي لم يعين حجاً ولا عمرة]: مفهومه لو عين الحج في نذره ماشياً وفاته فإنه يركب في قضائه إلا في المناسك فإنه يمشيها والمراد بالمناسك ما زاد على السعي الواقع بعد طواف القدوم كما يؤخذ من الحاشية. قوله: [تحلل منه بعمرة]: أي ويمشي لتمام سعيها ليخلص من نذر المشي بذلك؛ لأنه لما فاته الحج وجعله في عمرة فكأنه جعله فيها ابتداء، وقد أدى ما عليه بذلك. قوله: [أي جاز له ذلك] اختلف هل يلزمه المشي في المناسك أو لا؟ قولان لابن القاسم ومالك. قوله: [وعلى الصرورة وجوباً]: أي بناء على أن الحج واجب على الفور، وكلام أبي الحسن والجلاب يفيد الاستحباب وهو مبني على القول بالتراخي، ومفهوم الصرورة أن غيره مخير إن شاء جعل مشيه الذي يؤدي به النذر في عمرة وإن شاء جعله في حج. قوله: [أجزأ عن نذره فقط اتفاقاً]: إنما اتفق على الإجزاء في المطلق واختلف في المقيد مع أن التشريك موجود حال الإطلاق لقوة النذر بالتقييد، فشابه الفرض الأصلي فلذلك قيل فيه بعدم الإجزاء لعدم تخصيصه بالنية. قوله: [من الوقت الذي قيد به] إلخ: أي يجب عليه أن ينشئ الإحرام، سواء وجد رفقة يسير معهم أم لا، ولا يؤخر للميقات ولا لوجود رفقة لأن القيد قرينة على الفورية. قوله: [أو حنث في يمينه]: أي بالمشي. قوله: [أو قال فعلي الإحرام] إلخ: أي في صيغة نذر أو يمين. قوله: [لا يحرم إلا في الميقات] إلخ: أي ويكره له التعجيل قبل ذلك. قوله: [لزمه تعجيل الإحرام] إلخ: أي لأن المضارع واسم الفاعل

стр. 352

ومفهوم: "قيد"، إلخ أنه لو أطلق فلم يقيد بزمان ولا مكان، فإن كان المنذور أو الذي حنث فيه عمرة كما لو قال: إن كلمت زيداً فأنا محرم بعمرة، أو فأنا أحرم بعمرة، فكلمه، أو قال: لله علي أن أحرم أو أني محرم ولم يقيد بزمان ولا مكان فيجب عليه التعجيل من وقت النذر أو الحنث في أي مكان كان بشرط أن يجد رفقة يسير معهم في ذلك الوقت، وإلا أخر حتى يجد رفقة. وإليه أشار بقوله: (كالعمرة) يجب تعجيل الإحرام بها من وقت الحنث أو النذر في مكانه، (إن أطلق ووجد رفقة)، وإن كان المنذور أو الذي حنث فيه حجاً فلا يعجل الإحرام به من وقته، بل يؤخره لأشهره ثم يحرم من مكانه تعجيلاً إن كان يصل في عامه كالمصري، وإلا ففي الوقت الذي إذا خرج منه وصل في عامه لمكة. وإلى ذلك أشار بقوله: (لا الحج) فلا يعجله وقت النذر أو الحنث إن أطلق وإذا لم يعجله (فلأشهره) أي الحج التي مبدؤها شوال فليعجله أولها في مكان، (إن كان يصل) لمكة من عامه كالمصري (وإلا) يصل بأن كان بعيداً (فالوقت): أي فيحرم من الوقت (الذي) إذا خرج فيه (يصل فيه) لمكة من [١] عامه، (وأخره) أي الإحرام (في) نذر (المشي) أو الحنث به (للميقات) المكاني والزماني كما تقدم صدر الحاصل. ثم شرع في بيان ما لا يلزم من النذر بقوله: (ولا يلزم) النذر (بمباح) نحو: لله علي لآكلن هذا الرغيف أو ليطأن زوجته. (أو مكروه): نحو: لله علي، أو: إن كلمت زيداً لأصلين ركعتين بعد فرض العصر أو الصبح، أو لأقرأن في السرية بالجهر أو العكس؛ لأنه إنما يلزم به ما ندب. ونذر الحرام حرام قطعاً وكذا المباح والمكروه على قول الأكثر، وقيل. يكره، وعلى كل حال هو غير لازم والإقدام على الحرام حرام. (ولا) يلزم النذر (بما لي في الكعبة أو بابها) أو ركنها، (أو) نذر (هدي) بلفظه أو بدنة بلفظها (لغير مكة) كالمدينة وقبره ﵊ فلا يلزمه شيء ولا ذبحه بمحله؛ لأن سوق الهدي لغير مكة من البدع والضلال لما فيه من تغيير معالم الشريعة المطهرة. فلو نذر حيواناً بغير تسمية هدي ولا بدنة لنبي أو ولي فلا يبعثه وليذبحه بموضعه. ولو نذر جنس ما لا يهدى كالدراهم والثياب، فإن قصد به الفقراء الملازمين بذلك المحل لزم بعثه وإلا تصدق به في أي مكان شاء. (أو) نذر (مال فلان) فلا يلزم (إلا أن ينوي: إن ملكته)، فإن نوى ذلك لزمه إذا ملكه لأنه تعليق (كعلي نحر فلان) لم يلزم به شيء، (إن لم يلفظ بالهدي أو ينوه أو يذكر) حال قوله: لله علي نحر فلان (مقام إبراهيم) ــ يحتملان الحال والاستقبال فحملا على الحال احتياطاً. قوله: [فلم يقيد بزمان ولا مكان] أي والموضوع أنه أتي بلفظ المضارع أو اسم الفاعل. قوله: [في أي مكان]: أي لأن العمرة العام كله وقت لها فلا يتوقف إحرامه إلا على الرفقة الذين يسير معهم. قوله: [وإلا أخر]: أي لأن بساط يمينه ذلك ودين الله يسر. قوله: [ثم يحرم من مكانه تعجيلاً]: أي إن كان يمكنه السفر بأن قدر عليه ووجد الرفقة هكذا. ينبغي لأنه لا يكلف الله نفساً إلا وسعها. قوله: [وأخره أي الإحرام] إلخ: أي فالأقسام ثلاثة قد علمت من الشارح. قوله: [وكذا المباح والمكروه على قول الأكثر]: أي لأن فيه تغييراً لمعالم الشريعة. قوله: [وقيل يكره]: وبقي قول ثالث وهو تبعيته للمنذور حرمة وكراهة وإباحة. قوله: [ولا يلزمه النذر بمالي] إلخ: أي حيث أراد صرفه في بنائها أو لا نية له وليس عليه كفارة يمين خلافاً لما روي عن مالك من لزوم كفارة يمين، وإنما كان النذر باطلاً لأنه لا قربة فيه لأنها لا تنقض فتبنى كما في المدونة. وأما إن أراد صرفه في كسوتها وطيبها لزمه ثلث ماله للحجبة يصرفونه فيها إن احتاجت، فإن لم تحتج تصدق به على الفقراء حيث شاء. وأما لو قال: كل ما أكتسبه في الكعبة أو في سبيل الله أو للفقراء لم يلزمه شيء للمشقة الحاصلة بتشديده على نفسه، كمن عمم في الطلاق وهذا إذا لم يقيد بزمان أو مكان، وأما إذا قيد بأن قال: إن فعلت كذا فكل ما أكتسبه أو أستفيده في مدة كذا وفي بلد كذا في كسوة الكعبة مثلاً، أو صدقة على الفقراء أو في سبيل الله، وفعل المحلوف عليه، فقولان. قيل: لا يلزمه شيء وهو لابن القاسم وأصبغ، وحكى ابن حبيب عن ابن القاسم وابن عبد الحكم: أنه يلزمه إخراج جميع ما يكتسبه أو يستفيده في تلك المدة أو هذا البلد وهو الراجح لقول ابن رشد هو القياس، ولقول ابن عرفة إنه الصواب هذا كله إذا كانت الصيغة يميناً، فإن كانت نذراً بأن قال: لله علي التصدق بكل ما أكتسبه أو أستفيده، فإن لم يقيد بزمن أو بلد لزمه ثلث جميع ما يكتسبه بعد، وهذا ما لم يعين المدفوع له، وأما إن عينه كـ لله علي التصدق على فلان بكل ما أكتسبه أو إن فعلت فكل ما أكتسبه لفلان لزمه جميع ما يكتسبه عين زماناً أو مكاناً أو لا، كانت الصيغة نذرا أو يميناً. اهـ من حاشية الأصل. قوله: [من البدع والضلال]: هذا هو المشهور، ومذهب المدونة لقولها سوق الهدايا لغير مكة ضلال ومقابله لمالك في الموازية وبه قال أشهب، جواز ذلك لأن إطعام المساكين بأي بلد طاعة ومن نذر أن يطيع الله فليطعه. قوله: [فلا يبعثه وليذبحه بموضعه]: وأما نحو الشمع للأولياء فلا يلزم إلا أن يقصد به الاستصباح لمن يعبد الله بها، ولا يلزم نذر كسوة القبور وهو من البدع

стр. 353

أي قصته مع ولده، فإن تلفظ بالهدي: كعلي هدي فلان أو ابني أو نوى الهدي أو ذكر مقام إبراهيم ﵇ (فهدي) يلزمه. (ولا) يلزم نذر (الحفاء أو الحبو) كأن يقول: لله علي المشي إلى مكة حافياً أو حبواً (بل يمشي) إليها (منتعلاً وندب) له (هدي، ولغا) بالفتح فعل لازم يتعدى بالهمزة: أي بطل قوله لله علي المسير أو الذهاب أو الركوب لمكة (إن لم يقصد) بذلك (نسكاً) حجاً أو عمرة، (فـ) يلزمه ما نواه و (يركب) جوازاً (و) لغا (مطلق المشي) إن لم يقيد بمكة ولا البيت ونحوهما لفظاً ولا نية كقوله لله علي مشي، أو إن كلمت زيداً فعلي مشي (كعلي مشي لمسجد) سماه غير الثلاثة كالأزهر، فإنه يلغى ولا يلزمه مشي لصلاة أو اعتكاف (إلا القريب جداً) بأن يكون على ثلاثة أميال فدون (فقولان) بلزوم الإتيان إليه لصلاة أو اعتكاف وعدم لزومه (أو للمدينة) فيلغي نذر المشي أو الإتيان إليها، (أو) المشي أو الإتيان إلى (أيلة) بفتح الهمزة وسكون التحتية. ويقال: إيلياء بالمد، وقد يقصر: بيت المقدس فيلغى (إن لم ينو صلاة أو صوماً) أو اعتكافاً (بمسجديهما أو يسميهما) أي المسجدين كعلي المشي إلى مسجد المدينة أو مسجد بيت المقدس، فإن نوى ذلك أو سمى المسجد لزمه الذهاب وحينئذ (فيركب) ولا يلزمه المشي لأنه مخصوص بمسجد مكة (إلا أن يكون بالأفضل) من المساجد الثلاثة، أو أمكنتها ونذر الإتيان للمفضول فلا يلزمه. (والمدينة أفضل) من مكة ومسجدها أفضل من المسجد الحرام عند علماء المدينة، (فمكة) تليها في الفضل، واتفقوا على أن بيت المقدس مفضول بالنسبة لهما. باب في الجهاد وأحكامه ــ وضياع المال فيما لا يعني خصوصاً لطخ الفضة على الأبواب، قال في الأصل: ولا يضر قصد زيارة ولي واستصحاب شيء من الحيوان معه ليذبح هناك للتوسعة على أنفسهم وعلى فقراء المحل من غير نذر ولا تعيين فيما يظهر ا. هـ. قوله: [أي قصته مع ولده]: هكذا قيل، وقيل المراد بمقام إبراهيم مقام الصلاة وهو عند الحجر الذي وقف عليه في بناء البيت، وكلام المدونة يشهد لما قال الشارح. قوله: [فهدي يلزمه]: ما قاله المصنف محله فيما إذا كان المنذور نحره حراً وأما لو كان رقيقاً فإن كان ملكه فعليه هدي، وعبد الغير داخل في مال الغير فيما تقدم، والفرق بين الحر والعبد أن الحر لا يملك فلا عوض له بخلاف القن فيخرج عوضه. قوله: [ولغا] إلخ: إنما ألغى لأن السنة إنما وردت بالمشي. قوله: [ولغا مطلق المشي] أي لأن المشي بانفراده لا طاعة فيه هذا هو المشهور وألزمه أشهب المشي لمكة. قوله: [غير الثلاثة]: أي لخبر: «لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد مسجدي هذا والمسجد الحرام والمسجد الأقصى». قوله: [أي المسجدين]: أي لا البلدين وأما تسمية البلدين أو نية الصلاة في البلدين دون المسجدين فلا تلزم. قوله: [والمدينة أفضل] لما رواه الدارقطني والطبراني من حديث رافع بن خديج: «المدينة خير من مكة»، ولما ورد في دعائه ﷺ : «اللهم كما أخرجتني من أحب البلاد إلي فأسكني في أحب البلاد إليك»؛ وقوله ﷺ : «رمضان بالمدينة خير من ألف رمضان فيما سواها من البلدان، وجمعة بالمدينة خير من ألف جمعة فيما سواها من البلدان». اهـ من الجامع الصغير، وقال الشافعي وأبو حنيفة وأحمد في أشهر الروايتين عنه: إن مكة أفضل من المدينة؛ ومحل الخلاف المذكور في غير البقعة التي ضمت أعضاء المصطفى ﷺ ، وأما هي فهي أفضل من جميع بقاع الأرض والسماء حتى الكعبة والعرش والكرسي واللوح والقلم والبيت المعمور، ويليها الكعبة، فالكعبة أفضل من بقية المدينة اتفاقاً، وأما المسجدان بقطع النظر عن الكعبة والقبر الشريف فمسجد المدينة وما زيد في مسجده الشريف حكم مسجده عند الجمهور خلافاً للنووي كذا في الحاشية. خاتمة: عدم المجاورة بمكة أفضل، قال مالك: القفول أي الرجوع أفضل من الجوار، وأما المدينة فالمجاورة بها من أعظم القرب، فلذلك اختار مالك التوطن بها حتى لقي الله تعالى. باب في الجهاد وأحكامه باب: لما أنهى الكلام على النذر وكان هو أحد الأسباب الثلاثة المعينة للجهاد كما يأتي في قوله: "وتعين بتعيين الإمام وبفجء العدو" أعقبه بالكلام عليه وهو لغة: التعب والمشقة. واصطلاحاً قال ابن عرفة: قتال مسلم كافراً غير ذي عهد لإعلاء كلمة الله تعالى، أو حضوره له أو دخوله أرضه. اهـ. واعترض قوله في التعريف: لإعلاء كلمة الله تعالى بأنه يقتضي أن من قاتل للغنيمة أو لإظهار الشجاعة مثلاً لا يعد مجاهداً فلا يستحق الغنيمة حيث أظهر ذلك ولا يجوز له تناولها حيث علم من نفسه ذلك. قال في الحاشية: هذا بعيد، والظاهر بل المتعين أنه يسهم له لأنهم لم يعدوا من شروط من يسهم له كونه مقاتلاً لإعلاء كلمة الله. وأجيب بأن هذا بالنسبة للجهاد الكامل، وإنما قال ابن عرفة لإعلاء كلمة الله إشارة إلى أنه ينبغي أن لا يكون الجهاد إلا لله لا لشيء آخر، فلا ينافي أنه يسهم له فتدبر. اهـ بتصرف.

стр. 354

(الجهاد في سبيل الله) لإعلاء كلمة الله تعالى (كل سنة) فلا يجوز تركه سنة (كإقامة الموسم) بعرفة والبيت وبقية المشاهد كل سنة (فرض كفاية) إذا قام به البعض سقط عن الباقي. (على المكلف) متعلق بفرض (الحر) دون الرقيق (الذكر) لا الأنثى (القادر) لا العاجز عن ذلك بفقد قدرة أو مال (كالقيام بعلوم الشريعة) فإنه فرض كفاية، أي غير ما يتعين على المكلف منها، وهي: فن الكلام والفقه والتفسير والحديث، لأن في القيام بها صوناً للدين، والمراد بالقيام بها: قراءتها وحفظها وتدوينها وتهذيبها وتحقيقها، ويلحق بذلك ما تتوقف عليه من نحو ومعان وبيان، لا عروض وبديع، ولا هيئة ومنطق. (والفتوى) وهي الإخبار بالحكم الشرعي لا على وجه الإلزام فرض كفاية. (والقضاء) وهو الإخبار بالحكم الشرعي لا [١] على وجه الإلزام فرض كفاية، (والإمامة) العظمى أي الخلافة من عالم عدل فطن ذي همة قرشي فرض كفاية، ولا يعزل إن زال وصفه ما لم يعزل نفسه، بخلاف من ولي أمراً من الأمور وخان فيه فإنه يستحق العزل. (ودفع الضرر عن المسلمين) وأهل الذمة فرض كفاية. (والأمر بالمعروف) وهو ما طلبه الشارع طلباً جازماً كالصلاة فرض كفاية. (والنهي عن المنكر) وهو ما نهى عنه الشارع جزماً فرض كفاية. (والشهادة) تحملاً وأداء فرض كفاية، (والحرف) بكسر الحاء وفتح الراء المهملتين جمع حرفة وهي الصنعة (المهمة) التي بها صلاح الناس؛ كالقيانة والحياكة والنجارة، لا كقصر الثياب والطرز والنقش. (وتجهيز ميت) من غسل وكفن ومواراة فرض كفاية، (والصلاة عليه) فرض كفاية. (وفك الأسير) من الحربيين إن لم يكن له مال يفك منه فرض كفاية، ولو أتى على جميع أموال المسلمين. وسيأتي رد السلام وتشميت العاطس آخر الكتاب إن شاء الله تعالى. (وتعين) الجهاد (بتعيين الإمام) لشخص ولو عبداً وامرأة. (و) تعين أيضاً (بفجء العدو محلة قوم و) تعين ــ الجهاد قبل الهجرة كان حراماً، ثم أذن فيه لمن قاتل المسلمين، ثم أذن فيه مطلقاً في غير الأشهر الحرم، ثم أذن فيه مطلقاً اهـ. من شرح البخاري كذا في الحاشية وأول آية نزلت في الجهاد قول الله تعالى: ﴿أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وإن الله على نصرهم لقدير﴾ [الحج: ٣٩] قوله: [لإعلاء كلمة الله]: بيان لأعلى المقاصد كما علمت. قوله: [كل سنة]: أي بأن يوجه الإمام كل سنة طائفة، ويخرج بنفسه معها أو يخرج بدله ممن يثق به. قوله: [فلا يجوز تركه سنة]: ظاهره مع الأمن والخوف. وهو ما نقله الجزولي عن ابن رشد والقاضي عبد الوهاب، وذلك لما فيه من إعلاء كلمة الله وإذلال الكفرة، ونقل عن ابن عبد البر أنه فرض كفاية مع الخوف، ونافلة مع الأمن، والقول الأول أقوى وهو ظاهر المصنف كما علمت. ويكون في أهم جهة إذا كان العدو في جهات متعددة، فإن استوت الجهات في الضرر خير الإمام في الجهة التي يرسل إليها، إن لم يكن في المسلمين كفاية لجميع الجهات وإلا وجب في الجميع. قوله: [كإقامة الموسم]: وتحصل إقامته بمجرد حصول الشعيرة، وإن لم يلاحظوا فرض الكفاية، نعم ثواب الفرض يتوقف على نيته. قوله: [فرض كفاية]: أي ولو مع وال جائر في أحكامه ظالم في رعيته إلا أن يكون غادراً ينقض العهود فلا يجب معه على الأصح كذا في الأصل. قوله: [على المكلف) إلخ: يشمل الكافر فيجب عليه الجهاد بناء على أن الكفار مخاطبون بفروع الشريعة. وثمرة وجوبه عليهم مع أننا لا نتعرض لهم ولا نستعين بهم أنهم يعذبون على تركه عذاباً زائداً على عذاب الكفر، كما يعذبون على ترك الصلاة والزكاة. قوله: [ولا هيئة ومنطق]: أي خلافاً لمن قال بوجوب تعلم المنطق لتوقف العقائد عليه، ورد ذلك الغزالي بأنه ليس عند المتكلم من عقائد الدين إلا العقيدة التي يشارك فيها العوام، وإنما يتميز عنهم بصفة المجادلة، فالعقائد التي فرضها الله علينا لا تتوقف على منطق كما هو مشاهد، والدليل التفصيلي لا ينحصر في التراكيب المنطقية لأنها اصطلاح حدث كما هو الحق. قوله: [وهي الإخبار بالحكم الشرعي لا على وجه الإلزام]: لا شك أن هذا من جملة القيام بعلوم الشرع فهو من عطف الخاص على العام كالقضاء. قوله: [والإمامة العظمى]: سيأتي بقية شروطها في باب القضاء. قوله: [وأهل الذمة]: أي لأن الله حرم علينا أموالهم ودماءهم ما داموا تحت ذمتنا. قوله: [والنهي عن المنكر]: أي بشرط معرفة الآمر والناهي، وأن لا يؤدي إلى ارتكاب ما هو أعظم منه مفسدة، وأن يظن الإفاضة [٢]. والأولان شرطان للجواز، ويحرم عند فقدهما، والثالث شرط الوجوب فيسقط عند عدم ظن الإفادة. ويشترط في النهي عن المنكر أيضا: أن يكون مجمعاً عليه، أو مختلفاً فيه ومرتكبه يرى تحريمه، لا إن كان يرى حله أو يقلد من يقول بالحل. قوله: [تحملاً]: أي إن احتيج لذلك. قوله: [وأداء]: أي إن كثر المتحملون وهل تتعين بالطلب حينئذ وهو ظاهر قول مالك وآية: ﴿ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا﴾ [البقرة: ٢٨٢]. قوله: [كالقيانة]: بالياء التحتية: وهي الحدادة كما هو نسخة المؤلف. قوله: [إن لم يكن له مال]: ظاهره أن ماله مقدم على مال المسلمين وهي طريقة لبعضهم، والطريقة المشهورة أنه يفدي أولاً بالفيء ثم مال المسلمين وهو كواحد منهم، ثم ماله وسيأتي تفصيل ذلك في آخر الباب. قوله: [ولو أتى على جميع أموال المسلمين]: أي ولا يتبع بشيء في ذمته ومحل بذل جميع أموال المسلمين في ذلك إن لم يحصل لهم ضرر بذلك، وإلا ارتكب أخف الضررين. قوله: [ولو عبداً وامرأة)

стр. 355

(على من بقربهم إن عجزوا) عن دفع العدو بأنفسهم، (وإن) كان من فجئ أو من بقربه (امرأة أو رقيقا) وتعين أيضاً بالنذر، (ودعوا) أولا وجوباً (للإسلام) ولو بلغتهم دعوة النبي ﷺ ما لم يبادرونا [١] للقتال، (وإلا) قوتلوا بلا دعوة. فإن أجابوا للإسلام وأسلموا تركوا بمحل أمن، وإن امتنعوا منه (فالجزية) تطلب منهم. فإن أجابوا تركوا وضربت عليهم (بمحل أمن): أي مأمون بحيث تنالهم أحكامنا فيه، إما بالرحيل إلى بلادنا، وإما أن يكون محلهم نقدر عليهم فيه ولا نخشى فيه غائلتهم. (وإلا) بأن لم يجيبوا للإسلام أو الجزية أو أجابوا ولكن كان المحل الذي هم فيه غير مأمون ولم يرتحلوا إلى بلادنا (قوتلوا وقتلوا إلا المرأة والصبي) فلا يجوز قتلهما لأنهما من الأموال، (إلا إذا قاتلا قتال الرجال) بالسلاح ونحوه لا برمي حجر ونحوه (أو قتلا) أحداً من الجيش فيجوز قتلهما. (و) إلا (الزمن) أي العاجز (والأعمى والمعتوه) أي ضعيف العقل وأولى المجنون. (و) الشيخ (الفاني) أي الهرم. (و) إلا (الراهب المنعزل) عن الناس (بلا رأي) أي تدبير للحروب فلا يجوز قتل واحد منهم، فإن كان لواحد منهم تدبير ورأي للحربيين جاز قتله، فقوله: بلا رأي راجع للزمن وما بعده. (و) إذا لم يجز قتلهم فإن تعدى أحد على قتلهم (استغفر قاتلهم) لأنه ارتكب ذنباً ولا دية عليه ولا قيمة ولا كفارة. (و) إذا لم يجز قتل واحد منهم (ترك لهم الكفاية) أي ما يكفيهم (ولو من أموال المسلمين) وقدم مالهم على مال غيرهم، فإن كان عندهم زيادة على كفايتهم جاز أخذها وتخمس. (وإن خُيروا [٢]) في المغنم لأنهم -وإن لم يجز قتلهم يجوز أسرهم- إلا الراهب والراهبة لا يجوز قتلهما ولا أسرهما بشرط العزلة وعدم الرأي (فقيمتهم) على قاتلهم بعد الحوز يجعلها الإمام في الغنيمة. (والراهب والراهبة) المنعزلان بلا رأي (حران) لا يجوز قتلهما ولا أسرهما وإن كان لا دية ولا قيمة على قاتلهما. (بآلة): متعلق بقوله: "قوتلوا". أو المراد [٣] بالآلة: جميع أنواع السلاح وما ألحق به كمقلاع ومنجنيق، (وقطع ماء) عنهم أو عليهم ليغرقوا، (وبنار) ليحرقوا. لكن (إن لم يمكن غيرها) وإلا لم يقاتلوا بها (ولم يكن فيهم مسلم) وإلا لم يقاتلوا بها مخافة حرق المسلم (إلا) أن يكونوا (بالحصن مع ذرية ونساء فبغيرهما) أي فيقاتلون بغير التغريق بالماء والتحريق بالنار نظراً لحق الغانمين لما لهم في الذراري والنساء من حق. ــ ومثل المرأة والعبد: الصبي المطيق فيتعين على من ذكر بتعيين الإمام، ويخرجون ولو منعهم الولي والزوج والسيد ورب الدين إن كان مديناً، والمراد بتعينه على الصبي: جبره عليه كما يجبر على ما به مصالحه لا عقابه على تركه. قوله: [على من بقربهم]: محل ذلك إن لم يخشوا على نسائهم وبيوتهم من عدو يهجمهم وإلا فلا يتعين عليهم. قوله: [امرأة أو رقيقاً]: أي أو غيرها ممن لم يسهم له في الجهاد الكفائي. قوله: [وتعين أيضاً بالنذر]: أي كما تقدم التنبيه عليه. تنبيه: للوالدين منع الولد من السفر لفرض الكفاية، ولو علما فلا يخرج له إلا بإذنهما حيث كان في بلده من يفيده، وإلا خرج له بغير إذنهما إن كان فيه أهلية النظر. ولهما المنع في فرض الكفاية، ولو كانا كافرين في غير الجهاد. وأما الجهاد فليس للكافرين المنع منه لأنه مظنة قصد توهين الإسلام إلا لقرينة تفيد الشفقة ونحوها. وليس لمن عليه دين يحل في سفره وهو قادر على أدائه أن يسافر لجهاد أو غيره إلا أن يأذن رب الدين. قوله: [ولو بلغتهم دعوة النبي ﷺ ]: هذا هو المشهور، وقيل: لا يدعو للإسلام أولاً إلا إذا لم تبلغهم دعوة النبي ﷺ . قوله: [ما لم يبادرونا للقتال]: أي ومثل ذلك إذا قل جيش المسلمين ومن ذلك كانت إغارة سراياه ﵊. قوله: [قوتلوا]: أي شرع في قتالهم وقوله وقتلوا أي جاز قتلهم إن قدر عليهم. قوله: [إلا إذا قاتلا قتال الرجال]: اعلم أن للمرأة والصبي ثمانية أحوال: لأنهما: إما أن يقتلا أحداً أو لا. وفي كل: إما بسلاح أو غيره. وفي كل: إما أن يؤسرا أو لا. فإن قتلا أحداً جاز قتلهما سواء قاتلا بسلاح أو لا، أسرا أو لا، وإن لم يقتلا أحداً فإن قاتلا بسلاح جاز قتلهما أيضاً أسرا أو لا، وإن قاتلا بغير سلاح فلا يقتلا بعد الأسر اتفاقاً ولا في حال المقاتلة على الراجح فتدبر. قوله: [المنعزل عن الناس]: يحترز به عن رهبان الكنائس المخالطين لهم فإنهم يقتلون. واقتصار المصنف على استثناء تلك السبعة يفيد قتل الأجراء والحراثين وأرباب الصنائع منهم، وهو قول سحنون، وقال ابن القاسم: لا يقتلون بل يؤسرون، قال (بن): والظاهر أن الخلاف لفظي في حال، وأن المدار على المصلحة بنظر الإمام. قوله: [ولا دية عليه ولا قيمة) إلخ: أي لا فرق بين الراهب وغيره كما في (ر). وما في الخرشي من أن الراهب والراهبة يلزم ديتهما لأنهما حران فهو خلاف النقل كما في الحاشية. قوله: [ترك لهم الكفاية]: هذا فيمن لا يقتل ولا يؤسر، سواء كان لا يجوز أسره كالراهب والراهبة أو يجوز أسره ولكن ترك من غير أسر كالباقي، وما ذكره من أنه يترك لهم الكفاية فقط لا كل ما لهم هو الأشهر عند ابن الحاجب وهو ظاهر المدونة، وقيل يترك لهم أموالهم كلها وهو ضعيف. قوله: [جاز أخذها]: أي على ما شهر ابن الحاجب. قوله: [وإن كان لا دية ولا قيمة] إلخ: أي خلافاً للخرشي. قوله: [وإلا لم يقاتلوا بها]

стр. 356

(فإن تترسوا بهم) أي بالذرية [١] والنساء (تركوا) بلا قتال؛ لحق الغانمين (إلا لشدة خوف) على المسلمين فيقاتلون مطلقاً بكل شيء وعلى كل حال (و) إن تترسوا (بمسلم) قوتلوا (وقصد غيره) أي غير الترس المسلم بالرمي، ولا يجوز رمي الترس ولو خفنا على بعض المغازين، (إلا لخوف على أكثر المسلمين) فتسقط حرمة الترس ويرمى على الجميع. (وحرم فرار) من العدو (إن بلغ المسلمون النصف) من عدد الكفار؛ فلا يفر واحد من اثنين، ولا عشرة من عشرين، لقوله تعالى: ﴿الآن خفف الله عنكم﴾ [الأنفال: ٦٦] الآية (ولم يبلغوا) أي المسلمون (اثني عشر ألفاً)، فإن بلغوها حرم الفرار ولو كثر الكفار جداً. (إلا) شخصاً (متحرفاً لقتال): أي أظهر من نفسه الهزيمة ليتبعه الكافر فيرجع عليه فيقتله، فاللام في القتال للعلة (أو) شخصاً (متحيزاً لفئة) أي لطائفة من المسلمين ليتقوى بهم، وهذا (إن خاف) المتحيز من العدو خوفاً بيناً وقرب المنحاز إليه. و(حرم المثلة): أي التمثيل بالكافر بقطع أنفه أو أذنه أو نحو ذلك بعد موته ما لم يقع منهم تمثيل بالمسلمين، وإلا جاز. (و) حرم (حمل رأس) من كافر (لبلد) آخر غير التي وقع بها [٢] القتال، (أو) حملها [٣] إلى (وال) أي أمير جيش. (و) حرم (سفر بمصحف لأرضهم) ولو في جيش أمن خوف إهانته بسقوطه واستيلاء أيديهم عليه. (كامرأة) يحرم السفر بها لأرضهم (إلا في جيش أمن و) حرم (خيانة أسير) عندهم (ائتمن طائعاً) أي ائتمنوه في حال طوعه، (ولو) ائتمن طائعاً (على نفسه) بأن قالوا له: أمناك على مالنا أو على أنفسنا أو على نفسك فرضي بذلك طائعاً فلا يجوز له الهرب ولا أخذ شيء من مالهم، ولا قتل أحد منهم، فإن لم يؤمنوه أو أمنوه كرهاً جاز له ذلك إن أمن على نفسه وحل له كل ما أخذه حتى النساء، وجاز وطؤها إن خرج بها من بلادهم. (و) حرم (الغلول) بالضم: أخذ شيء من الغنيمة قبل حوزها، ولو قل (وأدب) بالاجتهاد (إن ظهر عليه) لا إن جاء تائباً قبل القسم وتفرق الجيش. ورد ما أخذ للغنيمة، فإن تعذر بتفريق الجيش رد خمسه للإمام وتصدق بالباقي عنهم ولا يجوز تملكه. ــ ما لم يخف منهم وإلا تعينت المقاتلة بها. قوله: [مخافة حرق المسلم]: أي ولو خفنا منهم كما لابن الحاجب. قال في التوضيح وهو المذهب خلافاً للخمي اهـ ولكن ينبغي تقييده بما إذا لم يعظم الضرر فيرتكب أخف الضررين، كما يؤخذ من الشارح فيما يأتي. قوله: [وإن تترسوا بمسلم قوتلوا]: أي وأولى إن تترسوا بأموال المسلمين. قوله: [ويرمى على الجميع]: ظاهره أنه يجوز حينئذ رمي الترس ولو كان المسلمون المتترس بهم أكثر من المجاهدين وهو كذلك كما في الحاشية. قوله: [وحرم فرار]: أي في الجهاد مطلقاً، سواء كان كفائياً أو عينياً؛ لأن الكفائي يتعين بالشروع فيه. قوله: [إن بلغ المسلمون النصف]: أي ما لم ينفرد الكفار بالمدد وإلا فلا يحرم الفرار. قوله: [فإن بلغوها حرم الفرار]: أي ما لم تختلف كلمتهم، أو ينفرد الكفار بالمدد. فإن لم ينفرد الكفار بالمدد ولم تختلف المسلمون وفر واحد من هذا العدد كان فراره من الكبائر يغفر له بالتوبة أو عفو الله، وأما لو فر بعد نقص العدد واحد فلا حرمة عليه. قوله: [متحيزاً لفئة]: محل جواز التحيز إن لم يكن المتحيز الأمير، وأما هو فلا يجوز له ذلك، فإن شجاعة الأمير في الثبات. وشجاعة الجند في الوثبات. قوله: [أي التمثيل بالكافر]: أي بعد القدرة عليه حياً أو ميتاً فلا مفهوم لقوله: (بعد موته). قوله: [وإلا جاز]: أي التمثيل بهم بعد القدرة عليهم. قوله: [أو حملها إلى وال]: أي ولو كان في بلد القتال، وأما حملها في البلد نفسه من غير أن تنقل إلى وال فجائز، بخلاف البغاة فإنه لا يجوز. قال بعضهم: الظاهر أن محل حرمة حمل الرأس لبلد ثان ما لم يكن في ذلك مصلحة شرعية كاطمئنان قلوب المجاهدين والجزم بعين المقتول مثلاً وإلا جاز. فقد حمل للنبي ﷺ رأس كعب بن الأشرف من خيبر للمدينة. قوله: [إلا في جيش أمن]: الاستثناء راجع لما بعد الكاف فقط، والفرق أن المرأة تنبه عن نفسها عند فواتها والمصحف قد يسقط ولا يشعر به. قوله: [وحرم خيانة أسير]: أي يحرم عليه الخيانة فيما أمن عليه خاصة. وسواء كان الائتمان مصرحاً به مثل أن يقال له أمناك على مالنا أو على كذا. أو كان غير مصرح به كما إذا أعطى الأسير شيئاً يصنعه. قوله: [ائتمن طائعاً]: إن قلت: الفرض أنه أسير فكيف يتأتى منه طوع؟ أجيب بأنه يمكن ذلك فيمن أسر ابتداء، فلما وصل لبلادهم أحبوه وأطلقوه وعاملوه معاملة الحبيب المؤتمن. قوله: [جاز له ذلك إن أمن على نفسه]: فإن تنازع الأسير ومن أمنه فقال الأسير: كنت مكرهاً، وقال الكافر: طائعاً، فالقول قول الأسير - قاله الأجهوري قوله: [لا إن جاء تائباً قبل القسم وتفرق الجيش]: أي فلا يؤدب بخلاف مجيئه بعد تفرق الجيش، فإنه يؤدب لقول ابن رشد. ومن تاب بعد القسم وافتراق الجيش أدب عند جميعهم قياساً على مشاهد [٤] يرجع بعد الحكم لأن

стр. 357

(وحد زان) بحربية أو جارية من جواري السبي رجماً أو جلداً، (أو سارق) لنصاب من الغنيمة بقطع يده (إن حيز المغنم) ولم يجعلوا كونه من الغانمين الذين لهم حق في الغنيمة شبهة تدرأ عنه الحد، وذكر بعضهم: أن الراجح أن الزاني لا يحد وأن السارق لا يحد إلا إذا سرق فوق منابه نصاباً. (وجاز أخذ محتاج) من إضافة المصدر لفاعله، أي يجوز للمحتاج منهم أن يأخذ من الغنيمة لا على وجه الغلول، (نعلاً) ينتعل به (وحزاماً) يشد به ظهره (وطعاماً) يأكله (ونحوها) كعلف لدابته وإبرة ومخياط وخيط وقصعة ودلو (وإن نعماً) يذبحه ليأكله، أو يحمل عليه متاعاً ويرد جلده للغنيمة إذا لم يحتج إليه (كثوب) يجوز أخذه إن احتاج للبسه أو ليتغطى به، (وسلاح) يقاتل به إن احتاج، (ودابة) يركبها أو يقاتل عليها أو يحمل عليها متاعاً إن احتاج. ومحل جواز أخذ الثوب وما بعده للمحتاج، (إن قصد الرد) لها بعد قضاء حاجته لا إن قصد التملك فلا يجوز. (ورد) وجوباً (ما فضل) عن حاجته من كل ما أخذه مما قبل الكاف وما بعدها (إن كثر) بأن ساوى درهماً فأعلى لا إن كان تافهاً، (فإن تعذر) رده (تصدق به) كله عن الجيش وجوباً بعد إخراج خمسه، ولا يجوز تملكه (و) جاز (المبادلة فيه): أي فيما أخذه المحتاج منهم قبل القسم، (وإن بطعام ربوي) فلمن أخذ لحماً أو شعيراً أو قمحاً أو نحو ذلك لحاجته فاستغنى عنه، أو عن بعضه أن يبدله ممن أخذ لحاجته غيره بذلك الغير، ولو بتفاضل في ربوي متحد الجنس لأنه ليس بمملوك حقيقة، وإنما أخذ للحاجة ويرد ما فضل، ولذا لا يجوز مبادلة بعد القسم إلا إذا خلا عن الربا والموانع الشرعية. (و) جاز (التخريب) لديارهم بالهدم والإتلاف (والحرق وقطع النخل) من عطف الخاص على العام، لأنهما من التخريب خصهما بالذكر لتوهم منعهما، (وذبح حيوان) لهم (وعرقبته وإتلاف أمتعة) من عرض أو طعام، (عجز عن حملها) أو عن الانتفاع بها (إن أنكى) ذلك: أي أغاظ العدو (أو لم ترج) للمسلمين، فإن أنكى ولم ترج ندب التخريب عند ابن رشد وعند غيره وهو الراجح في هذه الصورة، وإن رجيت للمسلمين ولم تنك حرم التخريب وتعين الإبقاء وقال ابن رشد: الأفضل الإبقاء فالصور أربع. ــ افتراق الجيش كنفوذ الحكم بل هو أشد لقدرته على الغرم للمحكوم عليه وعجزه عن ذلك في الجيش اهـ. بن من حاشية الأصل قوله: [وحد زان بحربية]: أي في بلادهم. وقوله: [أو جارية] إلخ: أي بعد حيازة المغنم فصار يحد للزنا مطلقاً قبل حيازة المغنم أو بعدها. قوله: [إن حيز المغنم]: قيد في الثاني فقط، وأما السرقة قبل الحيازة فلا حد فيها لأن مال الحربي يجوز لنا تناوله بأي وجه كان. قوله: [أن الزاني لا يحد]: أي الزاني بأمة السبي حيث كان من الغانمين نظراً للشبهة، وأما الزاني بالحربية فيحد باتفاق حيث زنى بها في محل يعجز عن تملكها فيه. قوله: [بعد إخراج خمسه] إلخ: الذي في التوضيح أنه يتصدق بجميعه ولابن المواز يتصدق منه حتى يبقى اليسير، فإذا صار الباقي يسيراً جاز لذلك الآخذ أكله كما لو كان الباقي يسيراً من أول الأمر، فالأقوال ثلاثة أرجحها ما قاله شارحنا. قوله: [وجاز المبادلة فيه] إلخ: هذا هو الصواب كما عبر به ابن الحاجب خلافاً لظاهر خليل من كراهتها ابتداء، ومضيها بعد الوقوع وعليه مشى التتائي. قوله: [ولو بتفاضل في ربوي]: قال في الحاشية: والظاهر جواز اجتماع ربا الفضل والنساء هنا لأنها ليست معاوضة حقيقية، ثم إن جواز التفاضل بين الغزاة إنما هو فيما استغني عنه واحتيج لغيره، وأما إن لم يكن عند كل واحد إلا ما يحتاج إليه فلا يجوز فيه ربا بل يمنع وبهذا قيد الجواز أبو الحسن في شرح المدونة. قوله: [وذبح حيوان] إلخ: قال في التوضيح: إذا عجز المسلمون عن حمل مال الكفار أو عن حمل بعض متاعهم، فإنهم يتلفونه لئلا ينتفع به العدو، وسواء الحيوان وغيره على المشهور المعروف. وعلى المشهور فاختلف ماذا يتلف به الحيوان فقال المصريون: تعرقب أو تذبح أو يجهز عليها، وقال المدنيون يجهز عليها وكرهوا أن تعرقب أو تذبح. وبهذا تعلم أن المصنف درج على قول المصريين، وأن الواو في كلامه بمعنى "أو" إذ لا يشترط اجتماع الذبح والعرقبة معاً، بل أحدهما كاف وحيث تلف الحيوان بالموت، وكان يظن رجوعهم إليه قبل فساده وينتفعون به وجب التحريق لأن القصد عدم انتفاعهم به كالأمتعة التي عجز عن حملها. قوله: [فالصور أربع]: حاصلها أنه لا يجوز في صورتين، ويندب في صورة، ويحرم أو يكره في صورة. أما الجواز. ففيما إذا أنكت ورجيت، وعكسه وهو ما إذا لم تنك ولم ترج؛ والندب فيما إذا أنكت ولم ترج عند ابن رشد، وقال غيره فيها بالوجوب، واعتمدوه والحرمة أو الكراهة فيما إذا لم تنك ورجيت. تنبيه: إتلاف النحل فيه صور أربع: إن قصد بإتلافها أخذ عسلها كان جائزاً اتفاقاً قلت أو كثرت، وإن لم يقصد أخذ عسلها فإن قلت كره اتفاقاً، وإن كثرت فروايتان بالجواز والكراهية

стр. 358

(و) جاز (وطء أسير) في أيديهم (حليلته) من زوجة أو أمة. ومحله (إن علم) الأسير (سلامتها) من وطء الحربي. (و) جاز (الاحتجاج عليهم بقرآن) نحو قوله تعالى: ﴿قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء﴾ [آل عمران: ٦٤] الآية. (و) جاز (بعث كتاب) إليهم (فيه كالآية) والآيتين من القرآن إن أمن الامتهان والسب وإلا لم يجز. (و) جاز (إقدام الرجل) المسلم (على كثير) من الكفار بقصد نشر دين الله حيث علم تأثيره فيهم. (و) جاز (انتقال من سبب موت لآخر): أي لسبب موت آخر، كأن ينتقل من ضرب مثلاً للسقوط في بئر أو بحر، (ووجب) الانتقال (إن رَجَا) به (حياةً أو طولها) ولو مع ضيق. (و) جاز (للإمام) أو نائبه (الأمان) للكافرين بأن يعطيهم الأمان على أنفسهم وأموالهم (لمصلحة) اقتضته تعود على المسلمين لا لغير مصلحة (مطلقاً) إقليماً أو غيره لخاص أو عام. (كغيره)، أي الإمام يجوز له الأمان لمصلحة (إن كان) غير الإمام (مميزاً): فلا [١] يصح أمان غير المميز كصبي أو مجنون أو سكران (طائعاً) لا مكرهاً، فلا يصح تأمينه (مسلماً): فلا يمضي تأمين كافر ذمي؛ لأن كفره يحمله على سوء الظن بالمسلمين، (ولو) كان المؤمن المميز المسلم (صبياً أو امرأة أو رقيقاً أو خارجاً على الإمام)، فإنه يجوز ويمضي، وقيل الصبي وما بعده لا يجوز أمانه، ولكن إن وقع مضى إن أمضاه الإمام وإن شاء رده. (وأمن) غير الإمام (دون: إقليم) بأن أمن عدداً محصوراً وكان أمان غير الإمام (قبل الفتح) أي استيلاء الجيش على المدينة والظفر بها. (وإلا) بأن أمن غير الإمام إقليماً أي عدداً غير محصور ولو لم يكن أحد أقاليم الدنيا أو أمن عدداً محصوراً بعد فتح البلد، (نظر الإمام) في ذلك، فإن كان صواباً أبقاه وإلا رده. (و) إذا وقع الأمان من الإمام أو من غيره بشروطه (وجب) على المسلمين جميعاً (الوفاء به)، فلا يجوز أسرهم ولا أخذ شيء من مالهم إلا بوجه شرعي ولا أذيتهم بغير وجه شرعي. (وسقط به): أي بالأمان، ــ قوله: [وجاز وطء أسير] إلخ: أي لأن سبيهم لا يهدم نكاحنا ولا يبطل ملكنا، وأراد بالجواز عدم الحرمة وإلا فهو مكروه خوفاً من بقاء ذريته بأرض الحرب. قوله: [وجاز الاحتجاج عليهم بقرآن]: أي كما أرسل النبي ﷺ ، فإنه كان يخاطبهم بالآية التي ذكرها الشارح، ومثل القرآن الأحاديث. قوله: [على كثير]: مراده أكثر من مثليه، لأن إقدامه على مثليه واجب والفرار منه كبيرة، والجواز المذكور بشرطين: أحدهما: قصد نصر دين الله بأن لا يكون قصده إظهار شجاعة ولا طمعاً في غنيمة، ثانيهما: أن يعلم أو يغلب على ظنه نكايته لهم وإلا لم يجز، وإن مات يكون عاصياً وإن كان شهيداً ظاهراً. قوله: [من سبب موت]: إنما عبر بالسبب لأن الموت لا تعدد فيه والتعدد إنما هو في أسبابه قال بعضهم: ومن لم يمت بالسيف مات بغيره ... تعددت الأسباب والموت واحد فيجوز له الانتقال بطرح نفسه في البحر مثلاً هروباً من النار وهذا هو المشهور، ومقابله في كتاب محمد من عدم الجواز، وفرض المسألة استواء الأمرين بأن علم إن استمر في النار مات حالاً، وإن رمى بنفسه في البحر مات حالاً. قوله: [ووجب الانتقال إن رجا]: مراده بالرجاء ما يشمل الشك. قوله: [الأمان للكافرين]: عرف ابن عرفة الأمان بقوله: رفع استباحة دم الحربي ورقه وماله حين قتاله أو العزم عليه مع استقراره تحت حكم الإسلام مدة ما. فقوله: رفع: مصدر مناسب للأمان، لأنه اسم مصدر، وقوله: استباحة إلخ احترز به من رفع استباحة دم غيره كالعفو عن القاتل، وقوله: ورقه أخرج به المعاهد، وقوله: حين قتاله احترز به عن الصلح والمهادنة والاستئمان - كذا في الحاشية. قوله: [إقليماً]: أي عدداً غير محصور وإن لم يكن أحد الأقاليم السبعة الآتي بيانها. قوله: [إن كان غير الإمام مميزاً]: حاصله: أن من كملت فيه تسعة شروط وهي: الإسلام، والعقل، والبلوغ، والحرية، والذكورة، والطوع، ولم يكن خارجاً على الإمام، وأمن دون إقليم، وكان تأمينه قبل الفتح إذا أعطى أماناً؛ كان كأمان الإمام اتفاقاً. وأما الصبي المميز، والمرأة والرقيق، والخارج عن الإمام إذا أمن واحد منهم دون إقليم قبل الفتح ففيه خلاف، فقيل: يجوز ويمضي، وقيل: لا يجوز ابتداء، ويخير فيه الإمام إن وقع إن شاء أمضاه وإن شاء رده، وأما الكافر وغير المميز فلا يمضي اتفاقاً. قوله: [أو خارجاً على الإمام]: ظاهره أنه من موضوع الخلاف، وقيل: إن كان مسلماً عاقلاً بالغاً حراً ذكراً وأمن دون إقليم قبل الفتح يجوز ويمضي باتفاق ومشى عليه في الأصل. قوله: [أحد أقاليم الدنيا]: وهي سبعة: الهند، والحجاز، ومصر، وبابل، والروم، والترك مع يأجوج ومأجوج، والصين. وأما المغرب، والشام، والعراق، فمن مصر بدليل اتحاد الدية، والميقات واليمن والحبشة من الحجاز. وكل إقليم من هذه الأقاليم سبعمائة فرسخ في مثلها من غير أن يحسب من ذلك جبل ولا واد. والبحر الأعظم محيط بذلك ويحيط به جبل قاف.

стр. 359

(القتل وإن) وقع (من غير الإمام بعد الفتح): فأولى إن وقع من الإمام أو من غيره قبل الفتح، وأما غير القتل من جزية أو استرقاق أو فداء فلا يسقط إن وقع الأمان بعد الفتح؛ فلا يسقط الأمان بعده إلا القتل خاصة. فلذا قال: (فينظر) الإمام (في غيره) أي غير القتل من أسر أو من أو فداء أو ضرب جزية. ثم الأمان من الإمام أو غيره يكون (بلفظ) دال عليه نحو: أمناك (أو إشارة مفهمة) برأس أو يد. (ولو ظنه): أي الأمان (حربي) والحال أن المسلم لم يؤمنه وإنما خاطب غيره أو خاطبه بكلام لم يفهمه (فظن) أنه أمنه (فجاء) إلينا معتمداً على ظنه. (أو نهى الإمام الناس عنه): أي عن الأمان (فعصوا) وأمنوا واحداً أو طائفة. (أو نسوا) أن الإمام نهى عنه فأمنوا (أو جهلوا) نهيه أي لم يعلموا به فأمنوا، (أو) أمنه ذمي و (ظن) الحربي (إسلامه) فجاء إلينا معتمداً على ذلك (أمضى) الأمان في المسائل الخمس: أي أمضاه الإمام إن شاء، (أو رد) الحربي (لمأمنه)، ولا يجوز قتله ولا أسره ولا سلب ماله. (كأن): أي كما يرد لمأمنه إن (أخذ) حال كونه (مقبلاً) إلينا (بأرضهم فقال: جئت لأطلب الأمان) منكم، (أو) أخذ (بأرضنا وقال: ظننت أنكم لا تتعرضون لتاجر) ومعه تجارة، (أو) أخذ (بينهما) أي بين أرضنا وأرضهم وقال ما ذكر فيرد لمأمنه. (إلا لقرينة كذب) فلا يرد، ويرى الأمان [١] فيه ما يراه في الأسرى، كما إذا لم يدع شيئاً من ذلك في المسائل الثلاثة. (وإن مات) المؤمن (عندنا فماله لوارثه إن كان معه) وارثه عندنا دخل على التجهيز أم لا (وإلا) يكن معه وارثه [٢] (أرسل) المال (له) أي لوارثه بأرضهم (إن دخل) عندنا (على التجهيز) لقضاء مصالحه من تجارة أو غيرها، لا على الإقامة عندنا، (ولم تطل إقامته) عندنا (وإلا) بأن دخل على الإقامة أو على التجهيز، ولكن طالت إقامته عندنا (ففيء) محله بيت مال المسلمين. (وانتزع منه) أي من المستأمن (ما سرق): أي ما سرقه منا معاهد زمن عهده سواء كان هو أو غيره، (ثم عيد) أي رجع (به) إلينا ويقطع إن كان هو السارق، ولو شرط عند الأمان أنه لا يقطع إن سرق، ولا يوفى له بشرطه، بخلاف ما أغاروا عليه وسلبوه منا من الأموال أو سرقوه في غير زمن عهدهم، ــ قوله: [وإن وقع من غير الإمام بعد الفتح]: وهذا قول ابن القاسم وابن المواز، ورد المصنف بالمبالغة على ما قاله سحنون: لا يجوز لمؤمنه قتله ويجوز لغيره لعدم صحة أمانه بالنسبة لغير مؤمنه. فمحل الخلاف في سقوط القتل بالتأمين بعد الفتح، إنما هو بالنسبة لغير المؤمن، وأما هو فلا يجوز له القتل اتفاقاً - كذا في التوضيح. قوله: [وأما غير القتل من جزية] إلخ: ظاهره ولو من الإمام. قوله: [من أسر]: أي استرقاق ويكونون غنيمة. قوله: [أو من]: أي بأن يترك سبيله ويحسبه من الخمس. قوله: [أو فداء]: أي من الخمس أيضاً سواء كان بالأسارى الذين عندهم أو بمال يأخذه منهم. قوله: [أو ضرب جزية]: أي عليهم، ويحسب المضروب عليهم من الخمس أيضاً، وهذه الوجوه الأربعة بالنسبة للرجال المقاتلة، وأما النساء والذراري فليس فيهم إلا الاسترقاق أو الفداء. قوله: [بلفظ دال عليه]: أي عربي أو غيره. قوله: [مفهمة]: أي يفهم الحربي منها الأمان، وإن قصد المسلم بها ضده. ويثبت الأمان من غير الإمام ببينة لا بقول المؤمن كنت أمنته، بخلاف الإمام فقوله مقبول. قوله: [أو رد الحربي لمأمنه]: أو للتخيير أي أن الإمام مخير بين إمضائه أو رده إلى المحل الذي كان فيه قبل التأمين، سواء كان يأمن فيه أو يخاف فيه فلا يتعرض له في حال مكثه عندنا ولو طالت إقامته، أولا في حال توجهه إلى المحل الذي كان فيه. قوله: [أو أخذ بينهما]: ما ذكره المصنف من أنه يرد في هذه لمأمنه أحد قولين، وقيل: إنه يخير فيه الإمام ويرى فيه رأيه، ومحل الخلاف إذا أخذ بحدثان مجيئه وإلا خير فيه الإمام باتفاق كما في التوضيح. قوله: [إلا لقرينة كذب]: أي كوجود آلة الحرب معه. تنبيه: إن رد المؤمن بريح قبل وصوله لمأمنه فهو على أمانه السابق حتى يصل إلى مأمنه، فإذا قام فليس للإمام إلزامه الذهاب لأنه على الأمان، ومثل الرد بالريح رجوعه قبل الوصول، ولو اختياراً على ظاهر كلام ابن يونس. وأما إن رجع بعد بلوغه مأمنه بريح أو غيرها، فقيل: الإمام مخير إن شاء أنزله وإن شاء رده، وقيل: هو حل، وقيل: إن رد غلبة فالإمام مخير وإن رد اختياراً فهو حل. قوله: [وإن مات المؤمن عندنا] إلخ: اعلم أن الأحوال أربعة لأن الحربي المؤمن: إما أن يموت عندنا، وإما أن يموت في بلده ويكون له مال عندنا نحو وديعة، وإما أن يؤسر، وإما أن يقتل في المعركة، فأشار المصنف إلى الحالة الأولى بقوله: [وإن مات عندنا فماله لوارثه] إلخ، ولم يستوف الأحوال الأربعة، بل بين حكم الحالة الأولى فقط، ونحن نبينها فنقول: أما الحالة الثانية: وهي ما إذا مات في بلده وكان له عندنا نحو وديعة، فإنها ترسل لوارثه، وأما الحالة الثالثة: وهي أسره وقتله، فماله لمن أسره وقتله حيث حارب فأسر ثم قتل، وأما الحالة الرابعة: وهي ما إذا قتل في معركة بينه وبين المسلمين من غير أسر، ففي ماله قولان، قيل، يرسل لوارثه، وقيل: فيء. ومحلهما: إذا دخل على التجهيز، أو كانت العادة ذلك ولم تطل

стр. 360

فلا ينزع منهم إن دخلوا به عندنا بأمان إلا الحر المسلم، فإنه ينزع على المعتمد بالقيمة، وما مشى عليه الشيخ من عدم النزع ضعيف ولذا قيل: (و) انتزع من المعاهد (الأحرار المسلمون) الذين قدم بهم بعد أسرهم أو سرقتهم بالقيمة على فرض كونهم أرقاء، وأما ما سرقه زمن عهده فينزع منه بلا قيمة قولاً واحداً. (وملك) حربي دخل عندنا بأمان أو لا (بإسلامه) جميع ما بيده من أموالنا وغيرها كذمي وماله (غيرهما) أي غير الحر المسلم وما سرقه منا أيام عهده فلا يملكهما وينزعان منه (ووقفت الأرض غير الموات) من أرض الزراعة والدور بمجرد الاستيلاء عليها، ولا يحتاج وقفها لصيغة من الإمام، ولا لتطييب أنفس المجاهدين بشيء من المال، ولا يؤخذ للدور كراء، بخلاف أرض الزراعة. وفائدة وقف الدور أنها لا تباع ولا يتصرف فيها تصرف الملاك، وهذا ما دامت باقية بأبنيتها التي فتحت عليها، فإن تهدمت وجدد فيها بناء جاز بيعها وهبتها، والأخذ بالشفعة كما هو الآن بمصر ومكة وغيرهما. وأما الموات فلا كلام لأحد عليها، ومن أحيا منها شيئا فهو له ملكاً [١] (كـ) أرض (مصر والشام والعراق) من كل ما فتحت عنوة. (وخمس غيرها) أي غير الأرض من سائر الأموال قال تعالى: ﴿واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه﴾ [الأنفال: ٤١] الآية. (فخراجها): أي الأرض، (والخمس) المذكور، ــ إقامته. فإن طالت إقامته وقتل في معركة بينه وبين المسلمين كان ماله ولو وديعة فيئاً قولاً واحداً. قوله: [فلا ينزع منهم إن دخلوا به عندنا بأمان]: أي ولا يتعرض لهم فيه، غاية ما فيه يكره لغير مالكه اشتراؤه منهم لأن فيه تسليطاً لهم على أموال المسلمين، وشراؤها يفوتها على المالك. وأما لو قدم الحربي عندنا قهراً كالدولة الفرنساوية فإذا نهبوا أمتعة المسلمين وأرادوا بيعها فلا يجوز الشراء منها وهي باقية على ملك أربابها، فلهم أخذها ممن اشتراها بقصد التملك مجاناً. وأما إن اشتراها بقصد الفداء لربها فالأحسن أخذها بالفداء، لأن بلاد الإسلام لا تصير دار حرب بأخذ الكفار لها بالقهر ما دامت شعائر الإسلام قائمة بها. كذا في حاشية الأصل. وبهذا تعلم أن ما وهبه الفرنساوية من أموال المسلمين لا يملكه الموهوب له ولا يفوت على مالكه بالهبة. بخلاف من دخل بلادنا بأمان وبيده شيء من أموال المسلمين أخذها منهم وهو بدار الحرب، فإنه يملكها الموهوب له إما لأن الأمان يحقق ملكه أو لأنه بالعهد صار له حرمة ليست له في دار الحرب. بخلاف ما باعوه أو وهبوه في ديارهم فإن لربه أخذه بالثمن في البيع ومجاناً في الهبة. قوله: [إلا الحر المسلم]: أي ذكراً أو أنثى. قوله: [وما مشى عليه الشيخ] إلخ: هو أحد قولين لابن القاسم. والقول الآخر: أنه ينتزع منهم الإناث دون الذكور فالأقوال ثلاثة قد علمتها. قوله: [فلا يملكها] إلخ: أي لعدم الشبهة حينئذ، ومثل الحر المسلم الدين الذي في ذمته، الوديعة وما استأجره منا حال كفره. تنبيه: يدخل في قوله: [غير الحر المسلم]: أم الولد والمدبر والمعتق لأجل والمكاتب. لكنه يجب فداء أم الولد بدفع القيمة لشبهها بالحرة، واتبعت ذمة سيدها إن أعسر ويملك من المدبر والمعتق لأجل ما يملكه السيد منهما، فإن مات السيد المدبر والمعتق من ثلث ماله، فإن حمل بعضه رق باقيه لمن أسلم عليه ولا خيار للوارث في المدبر إذا مات سيده ورق بعضه، بل الحق فيه لمن أسلم عليه لأن السيد لم يكن له انتزاعه ممن أسلم، فكذا وارثه. بخلاف العبد الجاني والمعتق لأجل يصير حراً بفراغ الأجل. والمكاتب يعتق إذا أدى ما عليه له، وإن عجز رق له، ولا شيء لسيده والولاء في الجميع لمن عقد الحرية. قوله: [بمجرد الاستيلاء] إلخ: قال (ر): لم أر من قال: إنها تصير وقفاً بمجرد الاستيلاء عليها، إذ كلام الأئمة فيما يفعله الإمام فيها - هل يقسمها كغيرها أو يتركها لنوائب المسلمين؟ وحينئذ فمعنى وقفها تركها غير مقسومة لا الوقف المصطلح عليه وهو الحبس وأقره (بن)، وقد يقال: هذا المعنى هو المراد من قولهم: تصير وقفاً بمجرد الاستيلاء، فإنها تترك للمصالح ولا معنى للوقف والتحبيس إلا ذلك. وهذا الوقف لا يحتاج لصيغة كما قال الشارح - كذا يؤخذ من حاشية الأصل. قوله: [ولا يؤخذ للدور كراء]: أي هي كالمساجد يقضى فيها للسابق، ونقل عن بعض الأشياخ أنه ينبغي أن يؤخذ للدور كراء ويكون في المصالح كخراج أرض الزراعة قوله: [فلا كلام لأحد عليها]: أي ولو السلطان. قوله: [فخراجها]: أي أرض العنوة، ومثلها: خراج أرض الصلح ولا تورث أرض العنوة لأنها لا تملك، قال في الأصل: ولو مات أحد الفلاحين وله ورثة وقد جرت العادة بأن الذكور تختص بالأرض دون الإناث كما في بعض قرى الصعيد - فإنه يجب إجراؤهم على عاداتهم على ما يظهر، لأن هذه العادة والعرف صارت كإذن من السلطان في ذلك. ومقتضى ما تقدم أنه يجوز للسلطان أو نائبه أن يمنع الورثة من وضع أيديهم عليها ويعطيها لمن يشاء. وقد يظهر أنه

стр. 361

(والجزية وعشر) تجارة (أهل الذمة)، وكذا عشر الحربيين إذا دخلوا عندنا بأمان، (وما) أي وكل مال (جهلت أربابه) ومال المرتد إذا قتل لردته (وتركة ميت لا وارث له)، وما [١] أخذه الإمام في نظير معدن أو إقطاع، كل ذلك محله بيت مال المسلمين يصرف (لآله ﵊ بقدر كفاية سنة أو ما يقتضيه الحال، وينفلون عن غيرهم لمنعهم من الزكاة وهم بنو هاشم فقط عندنا، وعند غيرنا بنو هاشم والمطلب. (ولمصالح المسلمين من جهاد) يشترى خيل وسلاح ويعطى للعسكر ما ينفقونه في سفرهم أو رباطهم ونحو ذلك، (و) من (قضاء دين معسر وتجهيز ميت) لا مال له، (وإعانة محتاج من أهل العلم) وهم أولى من غيرهم لا سيما المنقطعين لقراءته وتدوينه، وللإفتاء والقضاء ونحو ذلك (وغيرهم) من كل محتاج ويتيم وأرمل وتزويج أعزب وإعانة حاج، (و) من (مساجد وقناطر ونحوها) كحصن، وسور، وسفن، وعقل جراح، وعمارة ثغور. (والنظر) في ذلك كله (للإمام) بالمصلحة والمعروف. (وله) أي للإمام (النفقة منه) أي من بيت المال (على) نفسه و (عياله بالمعروف) لا بالإسراف. (وبدأ [٢]) وجوباً بالإعطاء (بمن): أي بالمستحقين [٣] من آل البيت وغيرهم الذين جبي (فيهم المال) الخراج أو الجزية أو الخمس أو غيرها، فيعطون كفاية سنة إن أمكن، ثم ينقل الباقي لغيرهم الأحوج فالأحوج. (ونظر) الإمام أي له النظر بالمصلحة (في الأسرى) غير النساء بأحد أمور خمسة: (بمن) أي عتق (أو فداء) بمال منهم (أو) ضرب (جزية أو قتل أو استرقاق) ويحسب غير الاسترقاق من الخمس. (ونفل) الإمام (من الخمس) أي له ذلك (لمصلحة) ككون المنفل شجاعاً أو ذا تدبير ورأي في الحروب، أو خصوصية لم تكن في غيره زيادة على ما يستحقه من الغنيمة. (ولا يجوز) للإمام (قبل انقضاء القتال) أن يقول: (من قتل قتيلاً فله سلبه) بفتح اللام لأنه يصرف نيتهم لقتال الدنيا، ولذا جاز بعد القدرة عليهم، (و) إن وقع ذلك منه (مضى) وعمل بمقتضاه، (إن لم يبطله قبل حوز المغنم) بأن لم يبطله أصلاً أو أبطله بعد الحوز فإن أبطله قبل حوزه بطل واعتبر إبطاله فيما بعد الإبطال لا فيما قبله. (و) إذا قلنا بمضيه أو قاله بعد انقضاء القتال فيكون (لمسلم فقط) لا ذمي (سلب): وهو ما يسلب من الحربي المقتول ــ لا يجوز له لما فيه من فتح باب يؤدي إلى الهرج والفساد، ولأن لمورثهم نوع استحقاق، وأيضا العادة تنزل منزلة حكم السلاطين المتقدمين، لأن كل من بيده شيء فهو لوارثه أو لأولاده الذكور دون الإناث رعاية لحق المصلحة، نعم إذا مات ولم يكن له وارث فالأمر للملتزم. وما اشتهر من فتاوى معزوة لبعض أئمتنا كالشيخ الخرشي والشيخ عبد الباقي والشيخ يحيى الشاوي وغيرهم، من أن أرض الزراعة تورث، فهي فتوى باطلة لمنافاتها ما تقدم، وغالبهم قد شرح هذا المختصر ولم يذكر الإرث ولا بالإشارة، فالظاهر أن هذه الفتاوى مكذوبة عليهم فلا يلتفت إليها اهـ. بحروفه قوله: [والجزية]: أي عنوية أو صلحية. قوله: [كل ذلك]: أي جميع العشرة التسعة التي ذكرها المصنف والشارح، والعاشر إخراج أرض الصلح. ولا تضم لها الزكاة بل تصرف للأصناف الثمانية، ولو تولاها السلطان. قوله: [وعند غيرنا]: أي الشافعي فقط، وأما عند أبي حنيفة فهم فرق خمسة: آل علي، وآل جعفر، وآل الحارث، وآل العباس، وآل عقيل، وهؤلاء أقل أفراداً من بني هاشم. قوله: [بالمعروف]: أي ولو استغرق الجميع كما قال عبد الوهاب. واختلف هل يبدأ الإمام بنفسه وعياله؟ وبه قال عبد الوهاب. أو لا يبدأ بنفسه وعياله؟ وبه قال ابن عبد الحكم. قوله: [أو غيرها]: أي من باقي العشرة. قوله: [والأحوج فالأحوج]: أي ينقل الإمام ممن فيهم المال لغيرهم الأكثر إذا كان ذلك الغير أحوج منه قوله: [غير النساء) أي الصبيان فهذه الوجوه بالنسبة للرجال المقاتلين، وأما النساء والذراري فليس فيهم إلا الاسترقاق والفداء. قوله: [ويحسب غير الاسترقاق من الخمس]: أي فيكون على بيت المال بخلاف الاسترقاق فإنه يقسم أخماساً للمجاهدين وبيت المال. قوله: [ونفل الإمام] إلخ: اعلم أن النفل ما يعطيه الإمام من خمس الغنيمة لمستحقها لمصلحة، وهو جزئي وكلي، فالأول ما يعطيه بالفعل كأن يقول خذ يا فلان هذا الدينار أو البعير مثلاً، والثاني ما ثبت بقوله: «من قتل قتيلاً فله سلبه». قوله: [ولا يجوز للإمام]: أي يكره له أو يحرم، وظاهر صنيع (عب) اعتماد الكراهة وهو الأوجه، لأن القتال لأجل الغنيمة ليس حراماً، بل خلاف الأكمل كما تقدم التنبيه عليه. قوله: [من قتل قتيلاً فله سلبه]: أي ما يسلب من المقتول، والمراد من الفعل الماضي المستقبل لأن ذلك قبل انقضاء القتال، فمعنى من قتل قتيلاً من يقتل قتيلاً في المستقبل، وأما لو قاله الإمام بعد انقضاء القتال فلا تجوز فيه، بل هو ماضي اللفظ والمعنى، لأن المعنى من كان قتل منكم قتيلاً. قوله: [لا فيما قبله]: أي فمن كان قتل قتيلاً قبل إبطال الإمام استحق سلبه. قوله: [لا ذمي]: أي ما لم ينفذه له الإمام وإلا فيمضي، وإن كان

стр. 362

(اعتيد) من ثياب وفرس يركبها، ومنطقة وسلاح ودرع وسرج ولجام، لا سوار وصليب وعين ودابة غير مركوبة، ولا ممسوكة له للركوب، بل جنيب يقاد أمامه للافتخار، لأنه من غير المعتاد ويكون له المعتاد. (وإن لم يسمع) مناداة الإمام: "من قتل قتيلاً فله سلبه" (أو تعدد) مقتوله فله سلب الجميع (إن لم يعين) الإمام (قاتلاً وإلا) بأن عين قاتلاً كأن قال: إن قتلت يا فلان قتيلاً فلك سلبه فقتل قَتلى (فالأول) منهم له سلبه دون من بعده. (ولم يكن) السلب (لكامرأة) عطف على اعتيد، فإن كان لامرأة أو صبي أو شيخ فان أو لراهب منعزل لم يكن له سلبهم، لأنه لا يجوز قتلهم كما تقدم (إلا إن قاتلت) مقاتلة الرجال بالسلاح، أو قتلت إنساناً فيكون لقاتلها سلبها لجواز قتلها حينئذ، وكذا من ذكر معها الداخل تحت الكاف. (كالإمام): له سلب اعتيد، ولم يكن لكامرأة لأن المتكلم يدخل في عموم كلامه، (إن لم يقل): من قتل قتيلاً (منكم)، وإلا فلا سلب له لأنه خص غيره (ولم يخص نفسه)، بأن قال: إن قتلت أنا قتيلاً فلي سلبه فلا سلب له لأنه حابى نفسه. (وقسم الأربعة الأخماس) الباقية على الجيش (لذكر) لا أنثى، (مسلم) لا ذمي، (حر) لا رقيق، (عاقل) لا مجنون، (حاضر) للقتال لا غائب إلا أن يكون غيابه لتعلقه بأمر الجيش كما يأتي. (كتاجر وأجير) يقسم لهما (إن قاتلا) بالفعل، (أو خرجا) مع الجيش (بنيته) أي القتال، وإلا فلا يسهم لهما. (وصبي) يسهم له (إن أطاقه) أي القتال، (وأجيز) أي أجازه الإمام، (وقاتل) بالفعل وإلا فلا. لكن ظاهر المدونة وشهره ابن عبد السلام أنه لا يسهم له مطلقاً (لا ضدهم) من أنثى وذمي ورقيق إلخ فلا يسهم لهم، ولو قاتلوا. (كميت قبل اللقاء) من آدمي أو فرس لا يسهم له: (وأعمى وأعرج وأشل وأقطع) لا يسهم لهم (إلا لتدبير) ورأي منهم في الحرب فيسهم لهم. (ومتخلف) عن الجيش (لحاجة) لا يسهم له (إلا أن تتعلق) الحاجة (بالجيش) من كزاد وماء ومدد ونحو ذلك. (بخلاف ضال) عن الجيش فيسهم له (وإن) ضل (بأرضنا) خلافاً لما مشى عليه الشيخ. (ومريض شهد) القتال وإن لم يقاتل بالفعل، فإن منعه مرضه من حضور القتال لم يسهم له. ــ لا يجوز ابتداء لأنه حكم بمختلف فيه. قوله: [اعتيد]: أي وجوده مع المقتول، ويثبت كونه قتيلاً بعدلين إن شرط الإمام البينة وإلا فقولان. قوله: [فالأول منهم]: أي إن علم وإلا فنصف كل منهما كما لو قتلهما معاً، وقيل له الأقل في الفرع الأول والأكثر في الثاني، والتفرقة بين قوله: إن قتلت يا فلان قتيلاً وبين من قتل قتيلاً مشكل، إذ في كليهما النكرة في سياق الشرط وهي تعم. وأجيب بأنه إذا عين الإمام الفاعل لم يكن داخلاً على اتساع العطاء فيقتصر على ما يتحقق به العطاء، وهو يتحقق في شخص واحد بخلاف ما إذا قال: من قتل قتيلاً، فإن العموم يقوي العموم - كذا قرر شيخ مشايخنا العدوي. قوله: [لا أنثى]: أي فلا يسهم لها، ولو قاتلت إلا إذا تعين الجهاد عليها بفجء العدو، وإلا أسهم لها كما قال الجزولي ومثلها الصبي والعبد. قوله: [حاضر للقتال]: أي ولو لم يقاتل بالفعل. قوله: [إن قاتلا بالفعل]: وقيل يكفي في الإسهام لهما شهود القتال، وقيل بعدم الإسهام للأجير مطلقاً ولو قاتل؛ ففي الأجير ثلاثة أقوال، وفي التاجر قولان، حيث كان خروجهما بقصد التجارة والخدمة. وأما لو كان خروجهما للغزو ثم طرأت التجارة والخدمة، فإنه يسهم لهما كما قال الشارح قولاً واحداً. قوله: [أو خرجا مع الجيش بنيته]: ظاهره كانت نية الغزو تابعة أو متبوعة، والذي في التوضيح اعتماد توقف الإسهام على كونها غير تابعة. قوله: [فلا يسهم لهم ولو قاتلوا]: الضمير راجع للجماعة الذين شملهم لفظ الضد والمبالغة راجعة لغير ضد الحاضر، إذ لا يتصور القتال مع الغيبة ورد بالمبالغة على من قال بالإسهام لهم حينئذ، فالخلاف موجود حتى في الذمي إذا قاتل كما في التوضيح وابن عرفة. تنبيه: كما لا يسهم لتلك الأضداد لا يرضخ لهم. والرضخ: مال موكول تقديره للإمام محله الخمس كالنفل. قوله: [كميت قبل اللقاء]: أي القتال فلا يسهم له ولا يرضخ له. قوله: [وأعرج]: قال في الأصل إلا أن يقاتل أي راكباً أو راجلاً، فيسهم له على المعتمد كما في المواق خلافاً لما يفيده كلام التتائي من أنه لا يسهم للأعرج مطلقاً، ولو قاتل. قال في حاشية الأصل وينبغي جريان القيد في الأعمى أيضاً. قوله: [إلا أن تتعلق الحاجة بالجيش]: أي أو بأميره كتخلفه لأجل تمريض ابن الأمير مثلاً لقضية «عثمان حين أمره النبي ﷺ بالرجوع لتجهيز زوجته بنت المصطفى ﷺ في غزوة بدر وأسهم له». قوله: [وإن ضل بأرضنا]: ومثله من ردته الريح ببلد الإسلام، قال مالك في المدونة: ومن ردتهم الريح لبلد الإسلام فإنه يسهم لهم مع أصحابهم الذين وصلوا وغنموا، وقال ابن القاسم فيها: ولو ضل رجل من العسكر فلم يرجع حتى غنموا فله سهمه لقول مالك في الذين ردتهم الريح اهـ. قوله: [ومريض شهد القتال]: أي ولم يمنعه مرضه كما هو السياق سواء كان المرض حصل بعد

стр. 363

(كفرس رهيص) يسهم له، والرهص: مرض بباطن قدم الفرس لأنه بصفة الصحيح. (و) يسهم (للفرس سهمان) ولراكبه بشروطه المتقدمة سهم واحد، (وإن لم يسهم لراكبه) لفقد شروطه (كعبد) وذمي، (وإن) كان القتال (بسفينة) لأن المقصود من الخيل إرهاب العدو، ولأنه لو قدر الخروج من السفينة لقوتل عليها. (أو) كان الفرس (برذوناً) وهو العظيم الخلقة الغليظ الأعضاء، (وهجيناً) وهو ما كان أبوه عربياً وأمه نبطية أي رديئة، وعكس الهجين -وهو ما أمه عربية وأبوه نبطي- كذلك سهمان؛ ويسمى مقرفاً بالفاء اسم فاعل من أقرف، (وصغيراً يقدر بها) أي بالثلاثة (على الكر) على العدو (والفر) منه. (و) الغازي (المستند للجيش) واحداً أو أكثر؛ بأن كان في حال انفراده عنه سائراً تحت ظله وأمانه ولا استقلال له بنفسه (كالجيش) فيما غنمه في انفراده عنه، فيقسم بينه وبين بقية الجيش كما أن ما غنمه الجيش يدخل فيه المستند له إذا كان المستند ممن يقسم. فإن كان عبداً أو ذمياً اختص به الجيش، إلا أن يكون له قوة تكافئ قوة الجيش أو تزيد، فيقسم ما غنمه بينه وبين الجيش نصفين، ثم يخمس الجيش نصيبه منه. (وإلا) يستند المنعزل للجيش بأن كان مستقلاً بنفسه، (فله ما غنمه) ولا دخل للجيش فيه. (وخمس مسلم ولو عبداً) على الأصح عند الشيخ (لا ذمي) فلا يخمس واختص بجميع ما غنمه. (والشأن) الذي عليه عمل السلف (القسم ببلدهم) لأنه أسر للغانمين وأغيظ للكافرين (وأخذ) شخص (معين) أي معروف بعينه حاضر - (وإن) كان (ذمياً- ما عرف له) في الغنيمة كفرس أو ثوب أو غير ذلك (قبله) أي: قبل القسم (مجاناً) لا في نظير شيء (وحمل له) إذا كان غائباً (إن كان) حمله (أحسن) له وإلا بيع له وحمل له ثمنه. (وحلف) المعين الذي عرف له متاعه سواء كان حاضراً أو غائباً (أنه) باق (على ملكه) لم يخرج عنه بناقل شرعي، فإن حلف أخذه وإلا كان من الغنيمة. (و) لو قسم ما عرف ربه قبل القسم (لا يمضي قسمه) فلربه أخذه مجاناً. (و) إن عرف ما لمعين (بعده): أي بعد القسم، أخذه ربه ممن وقع بيده (بقيمته) إن قسمت الأعيان (أو ثمنه) الذي اشتراه به إن بيع وقسمت الأثمان، ــ الإشراف على الغنيمة أو حصل له في ابتداء القتال، ولم يزل كذلك حتى هزم العدو، ففي الأولى يسهم له اتفاقاً، وفي الثانية على الراجح. قوله: [كفرس رهيص]: أي ومثله الفرس المريض إذا رجي برؤه يسهم له على قول مالك، خلافاً لأشهب وابن نافع. ولو لم يشهد القتال. ومحل الخلاف إذا منعه المرض من القتال عليه، ولكن يرجى برؤه، وأما إذا كان يمكنه القتال عليه أو قاتل عليه بالفعل فإنه يسهم له بلا خلاف. قوله: [وهجينا]: أي من الخيل لا الإبل إذ لا يسهم لها ولو قوتل عليها بالفعل. تنبيهان: الأول: إذا كان الفرس محبساً فسهماه للمقاتل عليه لا للمحبس، ولا في مصالحه كعلف ونحوه، والمغصوب سهماه للمقاتل عليه أيضاً، وللمغصوب منه أجرة مثله إن لم يكن المغصوب منه من آحاد المجاهدين، ولم يكن له غيره وإلا فسهماه لربه. الثاني: لا يسهم للفرس الأعجف وهو الهزيل الذي لا نفع به، ولا الكبير الذي لا ينتفع به، ولا البغل والفرس المشترك بين اثنين فأكثر سهماه للمقاتل عليه وحده، وعليه أجرة حصة الشريك كثرت أو قلت. قوله: [فيقسم ما غنمه بينه] إلخ: أي ولو كان المستند طائفة قليلة. قوله: [ولو عبداً]: رد بـ "لو" على قول من قال: إن المسلم لا يخمس ما أخذه من الحربيين إلا إذا كان حراً. ومحل تخميس المسلم إن لم يكن أخذه على وجه التلصص؛ وإلا فلا تخميس عليه كما يأتي. قوله [القسم ببلدهم] ويكره تأخيره لبلد الإسلام، وهذا إذا كان الغانمون جيشاً وأمنوا من كر العدو، فإن خافوا كر العدو عليهم أو كانوا سرية أخروا القسم حتى يعودوا لمحل الأمن وللجيش. قوله: [وإلا بيع له]: أي لأجل ربه فاللام للتعليل لا صلة بيع لأن الشيء لا يباع لمالكه، ولو جعلت اللام بمعنى على كان أولى لإفادة لزوم البيع حيث حصل فليس لربه نقضه بعد ذلك. قوله: [سواء كان حاضراً أو غائباً]: تبع الشارح في هذا التعميم (عب) التابع للبساطي، قال (بن): وفيه نظر، إذ النقل أن الغائب الذي يحمل له لا يمين عليه لأن حمله له إنما هو برضا الجيش، بخلاف الحاضر فإنه يحلف لمنازعة الجيش له. اهـ. قوله: [ولو قسم ما عرف ربه] إلخ: أي سواء كان حاضراً حين القسم كما فرضه ابن بشير أو غائباً كما فرضه ابن يونس. قوله: [لا يمضي قسمه]: أي إلا لتأويل على الأحسن كما قال خليل، قال الخرشي: وإذا قسم الإمام ما تعين مالكه على المجاهدين لم يمض قسمه جهلاً أو عمداً، ولربه أخذه بلا ثمن إلا أن يكون الإمام قسم ذلك المتاع، متأولاً بأن يأخذ بقول بعض العلماء: إن الكافر يملك مال المسلم فيمضي على صاحبه، وليس له أخذه إلا بالثمن لأنه حكم بما اختلف فيه الناس، فلا ينتقض على ما قال ابن عبد السلام اهـ. قال في الحاشية: ومقابله أنه يمضي مطلقاً فلا يأخذه ربه إلا بالثمن وهو قول سحنون، قال لأنه حكم وافق اختلافاً بين الناس، وقيل: لا يمضي مطلقاً ويأخذه ربه

стр. 364

(و) أخذه (بالأول) من الأثمان (إن تعدد) البيع. (فإن جهل) ربه -وإن علم أنه لمسلم كمصحف وكتاب فقه أو حديث- (قسم)، ولا يوقف حتى يعلم ربه ولا يتصدق به. (وعلى الآخذ) لشيء من المغانم في سهمه (إن علم بربه ترك تصرف) فيه ببيع أو إهداء أو وطء إن كان جارية (ليخيره): أي ليخير ربه بين أن يأخذه بثمنه أو قيمته أو بتركه له، وهذا فيما علم بعد القسم، وأما ما علم به قبله فلا يمضي ويأخذه ربه مجاناً كما تقدم. (فإن تصرف) ببيع أو هبة فلربه أخذه. وإن تصرف (بكاستيلاد) أو تدبير أو كتابة أو عتق لأجل - وأولى بعتق ناجز- (مضى)، وليس لربه أخذه. (كالمشتري من حربي) بدار الحرب -وقدم به المشتري وعرف ربه- فعليه ترك التصرف حتى يخبر ربه بذلك. فإن تصرف بكاستيلاد مضى، وكذا إن تصرف ببيع فإنه يمضي بخلاف المأخوذ من الغنيمة كما تقدم، ومحل مضي الاستيلاد ونحوه في المأخوذ من الغنيمة (إن لم يأخذه على أن يرد له): أي لربه بأن أخذه ناوياً لتملكه، أو لا نية له. فإن أخذه على أن يرده لربه فلا يمضي تصرفه فيه، ولربه رد عتقه وأخذه على الراجح، وقيل بالمضي أيضاً. (ولمسلم أو ذمي أخذ ما وهبوه): الحربيون لمسلم أو ذمي (بدارهم) فقدم به وعرفه [١] ربه (مجاناً) بلا عوض، معمول لـ" أخذ " أي يأخذه من الموهوب له مجاناً. (وما عاوضوا عليه): بأن بذلوه لنا بدارهم في نظير شيء يأخذه ربه المسلم أو الذمي، (بالعوض) أي بمثل الذي أخذ به مقوماً أو مثلياً، (إن لم يبع) أي إن لم يبعه آخذه منهم في المسألتين. (وإلا) -بأن باعه- (لمضى [٢]) البيع وليس لربه كلام في أخذه، (و) لكن (لربه الثمن) الذي بيع به فيما إذا وهبوه مجاناً (أو الربح) في مسألة المعاوضة [٣]، فإذا اشتراه منهم بمائة وباعه بمائتين أخذ ربه من البائع المائة التي ربحها. وما أخذه لصوص المسلمين من الحربيين فهو لهم حلال ولا يخمس على التحقيق، ولربه المسلم أو الذمي إن عرفه أخذه منهم بقيمته، وأما ما أخذه اللصوص من المسلمين أو من أهل الذمة فيجب رده على ربه ولو فداه إنسان منهم بمال، فهل يأخذه ربه من الفادي مجاناً -ويقال له: اتبع اللص- أو بما فداه به؟ الأرجح الثاني، وإليه أشار بقوله: (وما فُدي) بمال (من كلص) من كل ظالم لا قدرة على التلخيص منه إلا بمال يدفع له كغاصب وسارق ومكاس وجند أخذه ربه من الفادي (بالفداء) الذي بذله في تخليصه من الظالم بشرطين: أشار للأول بقوله: (إن لم يأخذه) الفادي من الظالم بالفداء، ــ بلا شيء وهو قول ابن القاسم وابن حبيب اهـ. فلذلك اختار شارحنا هذا الأخير. قوله: [وأخذه بالأول] إلخ: والفرق على هذا بينه وبين الشفيع يأخذ بما شاء من الأثمان: أنه هنا إذا امتنع من أخذه بالثمن الأول، فقد سلم صحة ملك آخذه من الغنيمة فسقط حقه، والشفيع إذا سلم للأول صارا شريكين، وكل شريك باع حظه فلشريكه عليه الشفعة فلذلك يأخذ بما شاء. قوله: [قسم]: أي بين المجاهدين لتعلق حقهم به، وهذا هو المشهور، ومقابله ما لابن المواز والقاضي عبد الوهاب من أنه يوقف كذا في الحاشية، فقوله: ولا يوقف رد به على ابن المواز والقاضي عبد الوهاب. تنبيه: محل قسمة ما لم يتعين صاحبه إذا كان غير لقطة، وأما اللقطة توجد مكتوباً عليها فإنها لا تقسم بل توقف اتفاقاً، ثم إن عرف ربها حملت له إن كان خيراً ولو وجد في الغنيمة معتق لأجل ومدبر ومكاتب عرف أنه لمسلم غير معين، بيعت خدمة المعتق لأجل، وخدمة المدبر وكتابة المكاتب، ثم إن جاء السيد فله الفداء بالثمن، وله الترك فيصير حق المشتري في الخدمة وفي الكتابة، فإن عجز المكاتب رق له وإن أدى عتق وولاؤه لسيده إن علم، وإلا فولاؤه للمسلمين. وأما لو وجد أم ولد لمسلم جهل ربها فلا تباع هي ولا خدمتها إذ ليس لسيدها فيها إلا الاستمتاع، ويسير الخدمة وهو لغو فينجز عتقها، ولا بد من ثبوت العتق لأجل، وما بعده بالبينة وكيفيتها مع عدم معرفة السيد أن تقول: أشهدنا قوم يسمونهم أن سيده أعتقه لأجل مثلاً، ولم نسألهم عن اسم سيده أو سموه ونسبناه اهـ. من الأصل. قوله: [وهذا فيما علم بعد القسم]: أي علم أنه ملك شخص معين بعد القسم سواء كان حين القسم لم يعلم أنها سلعة مسلم أو ذمي، أو كان يعلم أنها سلعة واحد منهما لكن لم يعلم عنه إلا بعد القسم. قوله: [بخلاف المأخوذ من الغنيمة] إلخ: والفرق بين المسألتين ما ذكره عبد الحق عن بعض القرويين: أن ما وقع في المقاسم قد أخذ من العدو على وجه القهر والغلبة، فكان أقوى في رده لربه، والمشتري من دار الحرب إنما دفعه الحربي الذي كان في يده طوعاً، ولو شاء ما دفعه فهو أقوى في إمضاء ما فعل به. قوله: [بدارهم]: أي وكذا بدارنا قبل تأمينهم، وأما ما باعوه أو وهبوه بدارنا بعد تأمينهم فقد تقدم أنه يفوت على ربه. قوله: [مقوماً أو مثلياً]: الذي في التوضيح و (ح) أن الواجب مثل العرض في محله ولو كان مقوماً كمن استلف عرضاً فلا يلزمه إلا مثله في موضع السلف، نعم من عجز عن المثل في محله اعتبرت القيمة في العوض ولو كان مثلياً. قوله: [في المسألتين]: أي مسألة الهبة والمعاوضة. قوله: [أخذه منهم بقيمته]: والفرق بينه وبين ما عرف من الغنيمة قبل القسم، أن المال في مسألة الغنيمة حاصل غير مقصود بخلاف ما هنا. قوله: [الأرجح الثاني]: أي من قولين عند ابن عبد السلام قياساً على ما فدي

стр. 365

(ليتملكه) وإلا أخذه ربه منه مجاناً. وإلى الثاني بقوله: (ولم يمكن خلاصه) أي: تخليصه من الظالم (إلا به) أي بالفداء، فإن أمكن خلاصه مجاناً أخذ منه مجاناً، وإن أمكن بأقل مما فداه أخذه ربه بالأقل. (وعبد الحربي يسلم) دون سيده (حر إن فر إلينا أو بقي) بدار الحرب (حتى غنم قبل إسلام سيده). (وإلا) بأن فر إلينا بعد إسلام سيده أو لم يفر وأسلم سيده (فرق له) أي لسيده. (وهدم السبي) منا لزوجين حربيين (نكاحهم)، وجاز لمن سباها أو وقعت في سهمه أو اشتراها من المغنم وطؤها. (وعليها الاستبراء بحيضة) لأنها أمة. (إلا أن تُسبى وتُسلِمَ بعد إسلامه) الظرف متعلق بالفعلين أي: أنها إذا سبيت بعد إسلام زوجها وأسلمت لم ينهدم نكاحهما، وتبقى أمة مسلمة تحت حر مسلم. فصل في الجزية وبعض أحكامها (الجزية مال يضربه): أي يجعله (الإمام على كافر) كتابي أو مشرك أو غيرهما ولو قرشياً. ــ من دار الحرب، ولأنه لو أخذه ربه ممن فداه بغير شيء مع كثرة اللصوص لسد هذا الباب مع كثرة حاجة الناس إليه ابن ناجي وبه كان يفتي شيخنا الشبيبي. قوله: [ليمتلكه]: هذا القيد لابن هارون، قال في التوضيح: ولا يجوز دفع الأجرة للفادي إن كان دفع الفداء من عنده لأنه سلف وإجارة، وأما إن كان الدافع للفداء غيره ففي جواز دفع الأجرة له نظر كذا في (بن). وانظر لو تنازع رب الشيء والفادي في نية التملك وعدمها، هل القول للفادي بيمينه - لأنه لا يعلم إلا منه - إن لم تكن له بينة؟ ولو تنازعا في قدر ما فدي به فهل القول للفادي إن أشبه؟ كما إذ تنازعا في أصل الفداء. قوله: [وعبد الحربي يسلم] إلخ: الحاصل: أن عبد الحربي إذا فر إلينا قبل إسلام سيده كان حراً لأنه غنم نفسه، سواء أسلم أو لم يسلم، وسواء كان فراره قبل نزول الجيش في بلادهم أو بعده، ولا ولاء للسيد عليه ولا يرجع له إن أسلم، وكذا يكون حراً إن أسلم أو بقي حتى غنم قبل إسلام سيده. وأما إذا فر إلينا بعد إسلام سيده أو مصاحباً لإسلامه فإنه يحكم برقه لسيده، إذا علمت ذلك فلا مفهوم لقول الشارح يسلم، وإنما أتى به لأجل قوله أو بقي حتى غنم. قوله: [وهدم السبي] إلخ: بالمعجمة بمعنى قطع وبالمهملة بمعنى أسقط، وسواء سبيا معاً أو مترتبين. قوله: [إلا أن تسبى وتسلم]: أي قبل أن تحيض، وقوله [بعد إسلامه] أي غير مسبي بأن جاءنا مسلماً أو دخل بلادنا بأمان، ثم أسلم، وأما لو أسلم قبلها بعد سبيه ثم سبيت وأسلمت بعده فينهدم نكاحها أيضاً. والحاصل أنهما إذا سبيا معاً أو مترتبين ينهدم نكاحهما سواء حصل إسلام من أحدهما بين سبيهما أو حصل بعدهما، فالأول: كما لو سبي هو وأسلم ثم سبيت هي بعد إسلامه وأسلمت، أو بالعكس، والثاني: كما لو سبي أولاً وبقي على كفره ثم سبيت وأسلم بعد ذلك أو بالعكس فينهدم النكاح على كل حال. قوله: [الظرف متعلق بالفعلين]: أي لفظ بعد تنازع فيه الفعلان فهما طالبان له من حيث المعنى وإن كان العامل أحدهما. قوله: [وتبقى أمة مسلمة تحت حر مسلم]: أي ولا يشترط في إقراره عليها ما اشترط في نكاح الأمة من عدم الطول وخوف العنت، لأن هذه الشروط في نكاح الأمة في الابتداء والدوام ليس كالابتداء على المعتمد. خاتمة: الحربي الذي أسلم وفر إلينا أو بقي حتى غزا المسلمون بلده: ولده فيء إن حملت به أمه قبل إسلام أبيه وماله وزوجته التي أسرت بعد ذلك كذلك، وأقر عليها إن أسلمت قبل حيضة كما تقدم. وأما أولاد الكتابية والمسلمة إذا سباهما حربي وأولدهما ثم غنم المسلمون الكتابية والمسلمة: وأولادهما الصغار أحرار تبعاً لأمهم. وأما الكبار فرق إن كانوا من كتابية قاتلونا أم لا، وهل كبار أولاد المسلمة كأولاد الكتابية رق مطلقاً أو إن قاتلونا؟ قولان. وأما ولد الأمة التي سباها الحربيون منا فولدت عنده فهو لمالكها صغاراً أو كباراً من زوج أو غيره. فصل في الجزية وبعض أحكامها لما أنهى الكلام على قتال الكفار أتبعه بما ينشأ عنه جزية وغير ذلك من متعلقاته، وبدأ بالكلام على الجزية لأنها الأمر الثاني المانع من القتال كما مر في قوله ودعوا للإسلام فالجزية. والجزية بكسر الجيم لغة مأخوذة من المجازاة لأنها جزاء لكفنا عنهم وتمكينهم من سكنى دارنا، وقيل: من جزى يجزي إذا قضى قال تعالى: ﴿واتقوا يوماً لا تجزي﴾ [البقرة: ٤٨] أي لا تقضي، وجمعها الجزى بكسر الجيم مثل لحية ولحى. وشرعت في السنة الثامنة وقيل التاسعة من الهجرة. واصطلاحاً: ما أشار إليه المصنف بقوله: [مال] إلخ. قوله: [أي يجعله الإمام]: فلا يصح من غيره بغير إذنه، إلا أنه إن وقع يمنع القتل والأسر، وحينئذ فيرد لمأمنه حتى يعقدها معه الإمام أو نائبه. قوله: [ولو قرشياً]: أي فتؤخذ الجزية منه على

стр. 366

(ذكر حر) لا أنثى ولا رقيق (مكلف) لا صبي ومجنون (قادر) على الأداء لا فقير (مخالط) لأهل دينه ولو منعزلاً بكنيسة، لا راهب منعزل بدير ونحوه فلا تضرب عليه. (يصح سباؤه) خرج المرتد والمعاهد زمن عهده (لم يعتقه مسلم) بأن لم يعتقه أحد أبداً أو أعتقه كافر فإن أعتقه مسلم ببلاد الإسلام لم تضرب عليه لعدم صحة سبيه، فلو أعتقه ببلاد الحرب ضربت عليه لصحة سبيه فالعبرة بصحة السبي، فلو حذف قوله: "لم يعتقه" إلخ ما ضر (لاستقراره) علة لقوله: يضربه أي لأجل أن يستقر (آمناً) على نفسه وماله (بغير الحجاز واليمن) من بلاد الإسلام. وأما في جزيرة العرب من الحجاز واليمن، فلا يجوز لنا أن نؤمنه على السكنى فيها لقوله ﵊: «لا يبقين دينان بجزيرة العرب» (ولهم الاجتياز) فيها في سفرهم لتجارة ونحوها، (وإقامة الأيام) كالثلاثة (لمصالحهم) إن دخلوها لمصلحة كبيع طعام ونحوه (على العُنْوِيِّ)، متعلق بـ "يضربه" أي يجعل على العنوي: وهو من فتحت بلده قهراً (أربعة دنانير) شرعية إن كان من أهل الذهب، (أو أربعون درهماً) على كل واحد إن كان من أهل الورق، (كل سنة) من السنين القمرية (تؤخذ) منه (آخرها) لا أولها. (ولا يزاد) أي لا تجوز الزيادة على ذلك، ــ الراجح، قال المازري: إنه ظاهر المذهب، ومقابله ما لابن رشد لا تؤخذ منه إجماعاً، إما لمكانتهم من رسول الله أو لأن قريشاً أسلموا كلهم، فإن وجد منهم كافر فمرتد، وإذا ثبتت الردة فلا تؤخذ منه بل يجري عليه أحكامها. قوله: [لا صبي ومجنون]: فإن بلغ الصبي، أو عتق العبد، أو أفاق المجنون، أخذت منهم ولا ينتظر حول بعد البلوغ أو العتق أو الإفاقة، ومحل أخذها منهم إن تقدم لضربها على كبارهم الأحرار الذكور العقلاء حول فأكثر، وتقدم له هو عندنا حول صبياً أو عبداً أو مجنوناً. قوله: [قادر على الأداء]: أي ولو بعضاً فلا يؤخذ منه إلا ما قدر عليه، وهذا القيد لا يلتفت له إلا عند الأخذ لا عند الضرب، فالأولى حذفه من هنا وسيأتي التنبيه عليه. قوله: [ونحوه]: أي كشيخ فان أو زمن أو أعمى. والمراد بالراهب: الذي لا رأي له، لأنه هو الذي يترك وإلا قتل ولا يبقى؛ فالراهب لا تضرب عليه جزية مطلقاً، بل إما أن يقتل إن كان له رأي معهم أو يبقى بغير جزية. قوله: [يصح سباؤه]: بالمد أي أسره. قوله: [لعدم صحة سبيه]: هذا التعليل فيه نظر، بل متى نقض العهد وقاتلنا صح سباؤه، فقول الشارح فلو حذف قوله لم يعتقه إلخ ما ضر لا يسلم، بل الحق مع المتن، والقيد لا بد منه كما أجمع عليه خليل وشراحه، فليس كل من يصح سباؤه تضرب عليه بل تنخرم القاعدة في عبد المسلم المعتوق ببلاد الإسلام فتأمل. قوله: [وأما في جزيرة العرب] إلخ: مأخوذة من الجزر وهو القطع سميت به لانقطاع الماء من وسطها إلى أجنابها بحر القلزم من ناحية الغرب، وبحر فارس من ناحية الشرق، وبحر الهند من الجنوب. قال الأصمعي: هي ما بين أقصى عدن إلى ريف العراق طولاً، ومن جدة وما والاها من ساحل البحر إلى أطراف الشام عرضاً. قوله: [وإقامة الأيام كالثلاثة]: أي فليست الثلاثة قيداً، بل المدار على الإقامة للمصالح، والممنوع الإقامة لغير مصلحة، وظاهره أن لهم المرور ولو لغير مصلحة وهو كذلك. قوله: [متعلق بـ يضربه]: يلزم على هذا التقدير تعلق حرفي جر متحدي اللفظ والمعنى بعامل واحد؛ لأن قوله: "على كافر" متعلق بـ يضربه أيضاً، فالمناسب جعل الجار والمجرور خبراً مقدماً، و "أربعة دنانير" إلخ مبتدأ مؤخراً، والجملة مستأنفة استئنافاً بيانياً جواباً عن سؤال مقدر: كأن قائلاً قال له: أنت ذكرت المال فما مقداره، فقال: على العنوي كذا إلخ، وعلى الصلحي ما شرطه: والعنوي منسوب للعنوة بفتح العين وهو القهر. واختلف في المال المضروب، قيل: شرط وقيل: ركن، ومقتضى المصنف الثاني لأنه أخبر عن الجزية بأنها مال. واعلم أن الإمام لو أقرهم بغير مال أخطأ، ويخيرون بين الجزية والرد لمأمنهم فعقد الذمة متوقف على المال على كل حال، سواء قيل إنه ركن أو شرط. قوله: [أربعة دنانير شرعية]: أي وهي أكبر من دنانير مصر، لأن الدينار الشرعي إحدى وعشرون حبة خروب وسبع حبة ونصف سبع حبة، وأما الدينار المصري فثماني عشرة حبة فتكون الأربعة الدنانير الشرعية أربعة دنانير مصرية وثلثا دينار وستة أسباع حبة خروب، لكن الثمان عشرة خروبة الآن لم تعهد إلا في البندقي والفندقلي، وأما المسمى بالمحبوب فهو ثلاث عشرة خروبة ونصف. قوله: [أو أربعون درهماً]: أي شرعية وهي أقل من دراهم مصر، لأن الدرهم الشرعي أربع عشرة خروبة وثمانية أعشار خروبة ونصف عشر خروبة، والمصري ست عشرة خروبة، فزيادة الأربعين المصرية على الأربعين الشرعية ست خروبات. قوله: [من السنين القمرية]: أي لا الشمسية لئلا تضيع على المسلمين سنة في كل ثلاث وثلاثين سنة. قوله: [لا تجوز الزيادة على ذلك]: أي لما رواه مالك عن نافع عن أسلم مولى عمر بن الخطاب: " أن عمر بن الخطاب ضرب الجزية على أهل الذهب أربعة دنانير، وعلى أهل الورق أربعين درهما "، وما ورد من زيادة عمر على ذلك القدر منعه مالك لكثرة الظلم الآن سداً للذريعة

стр. 367

(والفقير) يضرب عليه (بوسعه): أي بقدر طاقته إن كان له طاقة، وإلا سقطت عنه. فإن أيسر بعد لم يحاسب بما مضى لسقوطه عنه. (و) يضرب (على الصلحي ما شرط) عليه (مما رضي به الإمام) قل أو كثر. (وإن أطلق) الصلحي في صلحه ولم يبين قدراً معلوماً (فكالعنوي) أربعة دنانير على كل ذكر أو أربعون درهماً (مع الإهانة والصغار) أي المذلة حين أخذها منهم لقوله تعالى: ﴿حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون﴾ [التوبة: ٢٩] ولا تقبل من نائب حتى يأتي من هي عليه بنفسه ليذوق المذلة بصفعه على قفاه، لعله أن يتخلص من ذلك بدخوله في الإسلام. (وسقطتا): أي الجزية العنوية والصلحية (بالإسلام) وبالموت ولو متجمدة من سنين مضت، بخلاف خراج الأرض العنوية فلا يسقط بالإسلام بل هو على الزارع ولو مسلماً كما يأتي فيما بعده. (والعنوي حر) أحرز بضرب الجزية عليه نفسه وماله، وعلى قاتله نصف دية المسلم وله هبة ماله، والوصية به ولو بجميعه. (وإن مات أو أسلم فالأرض) الموقوفة بالفتح (فقط) دون ماله (للمسلمين) لا لوارثه [١]، يعطيها السلطان لمن يشاء، وخراجها في بيت المال. (كماله) يكون فيئاً للمسلمين (إن) مات، و (لم يكن له وارث) في دينهم وإلا فلوارثه هذا حكم أرض العنوي. (وأرض الصلحي له ملكاً) كماله (ولو أسلم، فإن مات) كافراً (ورثوها) على حكم دينهم، (فإن لم يكن) له (وارث) عندهم (فلهم) ولا نتعرض لهم فيها. وهذا (إن أجملت جزيتهم عليها) أي على الأرض (وعلى الرقاب) كأن يجعل الإمام عليهم كل سنة ألف دينار من غير تفصيل، على ما يخص كل شخص وما يخص كل فدان (كبقية مالهم) يكون لوارثهم، فإن لم يكن وارث ترك لهم يفعلون فيه رأيهم، ولا نتعرض لهم فيه ولهم الوصية ولو بجميع مالهم (وإلا) تجمل عليهما معاً بأن فرقت على الرقاب، ككل رقبة كذا أجملت على الأرض أو سكت عنها أو فصلت عليها أيضاً ككل فدان كذا، أو فرقت على الأرض فقط سواء أجملت على الرقاب أو سكت، فإن مات منهم شخص ولا وارث له عندهم (فللمسلمين) أرضه وماله. (وحينئذ) أي حين حصل تفصيل ومات بلا وارث (فوصيتهم) إنما تنفذ (في الثلث) فقط، لأن لنا في مالهم حقاً من حيث إن الباقي لنا، بخلاف ما لو أجملت أو فرقت وله وارث فلا كلام لنا معهم. ــ قوله: [والفقير يضرب عليه بوسعه]: المناسب يؤخذ منه بوسعه، وأما الضرب فتضرب عليه كاملة كما في الحاشية وغيرها، قال في المجموع تبعاً للحاشية فتضرب كاملة فإن عجز خفف عنه عند الأخذ. قوله: [ولم يبين قدراً معلوماً]: أي بأن وقع الصلح على الجزية مبهمة. والحاصل أن الإمام تارة يصالح على الجزية مبهمة من غير أن يبين قدرها، وفي هذه الحالة يلزمه قبول جزية العنوي إذا بذلوها، وتارة يتراضى معهم على قدر معين فيلزمهم ما تراضوا معه عليه، وتارة لا يتراضون معه على قدر معين ولا على جزية مبهمة. وفي هذه الحالة اختلف إذا بذلوا الجزية العنوية هل يلزمه قبولها ولا يجوز له مقاتلتهم حينئذ، أو لا يلزمه القبول، ويجوز له مقاتلتهم حتى يرضونه، قولان: الأول: لابن رشد ورجحه (بن)، والثاني: لابن حبيب ورجحه القرافي. قوله: [وسقطتا] إلخ: وفي سقوطهما بالترهب الطارئ وعدم سقوطهما قولا ابن القاسم والأخوين قال ابن شاس نقلاً عن القاضي أبي الوليد: ومن اجتمعت عليه جزية سنين فإن كان ذلك لفراره بها أخذت منه لما مضى، وإن كان لعسر لم تؤخذ منه، ولا يطالب بها بعد غناه. تنبيه: مما أسقطه مالك عنهم أيضاً أرزاق المسلمين التي قدرها عليهم الفاروق مع الجزية، وهي على من بالشام والحيرة في كل شهر على كل نفس مديان من الحنطة - تثنية مدي - وهو مكيال يسع خمسة عشر صاعاً ونصفاً كما في (بن) نقلاً عن النهاية، وثلاثة أقساط زيت، والقسط ثلاثة أرطال، وعلى من بمصر كل شهر على كل واحد إردب حنطة، قال مالك: ولا أدري كم من الودك والعسل والكسوة، وعلى أهل العراق خمسة عشر صاعاً من التمر على كل واحد مع كسوة كان يكسوها عمر للناس، قال مالك: لا أدري ما هي؟ وإضافة المجتاز عليهم من المسلمين ثلاثاً من الأيام، وإنما أسقطها مالك عنهم للظلم الحادث عليهم من ولاة الأمور كما تقدم التنبيه عليه. قوله: [وعلى قاتله نصف دية المسلم]: أي إذا كان المقتول ذكراً كتابياً. قوله: [ولو بجميعه]: أي إن كان له وارث في دينه وإلا فوصيته في الثلث بدليل ما يأتي. قوله: [للمسلمين]: أي لأنها صارت وقفاً بمجرد الفتح، وإنما أقرت تحت يده لأجل أن يعمل فيها إعانة على الجزية. قوله: [لا لوارثه]: أي إلا لمصلحة تقتضي ذلك. قوله: [وإلا فلوارثه]: أي وسواء كان المال عيناً أو عرضاً لا فرق بين المال الذي اكتسبه بعد الفتح أو قبله كما هو قول ابن القاسم وابن حبيب. قوله: [وإلا تجمل عليهما معاً]: تحته خمس صور مأخوذة من الشارح، فجملة الصور ست بالصورة التي قبل إلا. قوله: [فللمسلمين أرضه وماله]: أي في الصور الخمس. قوله: [بخلاف ما لو أجملت]: أي على الأرض والرقاب. قوله: [وله وارث]: قيد في قوله "أو فرقت".

стр. 368

(وليس لعنوي إحداث كنيسة) ببلد العنوة، (ولا رَمُّ منهدمٍ إلا إن شرط) الإحداث عند ضرب الجزية عليه، أي إن سأل من الإمام (ورضي الإمام) به، وإلا فهو مقهور لا يتأتى منه شرط. وهذا الذي أثبتناه هو قول مالك وابن القاسم في المدونة، وأقره أبو الحسن فهو المعتمد خلافاً لما ذكره بعض الشراح من أنه ليس له ذلك مطلقاً شرط أو لم يشترط على الراجح، فما مشى عليه الشيخ هو المعتمد. ونص المدونة في باب الجعل والإجارة. مالك: وليس لأهل الذمة أن يحدثوا ببلد الإسلام كنائس إلا أن يكون لهم أمن أعطوه، ابن القاسم: ليس لهم أن يحدثوا الكنائس في بلاد العنوة لأنها فيء لا تورث عنهم، وإن أسلموا لم يكن لهم فيها شيء. اهـ. (وللصلحي ذلك): أي الإحداث والترميم في أرضه مطلقاً شرط أو لا (في غير ما اختطه المسلمون) كالقاهرة، فليس لعنوي ولا صلحي إحداث كنيسة فيها قطعاً، ولا ترميم منهدم فيما أحدثوه بها، بل يجب هدمها (إلا لمفسدة أعظم) من الإحداث فلا يمنع ارتكاباً لأخف الضررين، وملوك مصر لضعف إيمانهم قد مكنوهم من ذلك ولم يقدر عالم على الإنكار إلا بقلبه أو بلسانه لا بيده، وزاد أمراء الزمان أن أعزوهم، وعلى المسلمين رفعوهم، ويا ليت المسلمين عندهم كمعشار أهل الذمة وترى المسلمين كثيراً ما يقولون: ليت الأمراء يضربون علينا الجزية كالنصارى واليهود، ويتركونا بعد ذلك كما تركوهم، ﴿وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون﴾ [الشعراء: ٢٢٧]. (ومنع) ذمي (ركوب خيل وبغال، و) ركوب (سروج) أي عليها (وبراذع نفيسة) ولو على حمير، (و) مشي في (جادة) أي وسط (طريق) بل يمشي بجانبها (إلا لخلوها) فيمشي وسطها (وألزم) قهراً عنه (بلبس يميزه) عن المسلمين كزنار وطرطور وبرنيطة وعمامة زرقاء. (وعزر لإظهار السكر) التعزير اللائق به، (و) عزر لإظهار (معتقده) أي الذي كفر به مما لا ضرر فيه على المسلمين، (و) على (بسط) أي إطلاق (لسانه) بين المسلمين. (وأريقت الخمر وكسر الناقوس) إن أظهرهما (وانتقض عهده) فيكون هو وماله فيئاً (بقتال لعامة المسلمين): أي على وجه يقتضي الخروج عليهم. (ومنع الجزية) لأنه إنما أمن في نظير دفعها، (وتمرد على الأحكام) الشرعية بإظهار عدم المبالاة بها. (وغصب حرة مسلمة) لا كافرة ولا رقيق؛ أي على أن يزني بها أو زنى بالفعل وإلا لم ينتقض عهده (وغرورها) أي الحرة المسلمة بأنه مسلم وتزوجها ووطئها. (وتطلعه على عورات المسلمين) بأن يكون جاسوساً يطلع الحربيين على عورات المسلمين بنفسه أو رسوله أو كتابه، والمراد بالعورات المحلات الخالية عن الحرس والرباط. (وسب نبي بما لم يكفر به): أي بما لم نقرهم عليه من كفرهم لا بما أقر به، نحو عيسى ابن الله، أو ثالث ثلاثة، أو محمد لم يرسل إلينا وإنما أرسل للعرب، (كليس): أي كقوله ليس (بنبي) أصلاً (أو لم يرسل أو لم ينزل عليه قرآن أو تقوله) من عند نفسه. ــ قوله: [ببلد العنوة]: أي التي أقر بها ذلك العنوي، سواء كان به مسلمون أم لا. ومفهوم "إحداث" أن القديمة تبقى ولو بلا شرط كما هو مذهب ابن القاسم، ولو أكل البحر كنيستهم فهل لهم أن ينقلوها أو يفصل بين كونهم شرطوا ذلك أم لا؟ وهو الظاهر كذا في الحاشية نقلاً عن كبير الخرشي. قوله: [خلافاً لما ذكره بعض الشراح]: أي وهو البساطي. والحاصل أن العنوي لا يمكن من الإحداث في بلد العنوة، سواء كان أهلها كلهم كفاراً، أو سكن المسلمون معهم فيها إلا باستئذان من الإمام وقت ضرب الجزية، وكذا رم المنهدم على المعتمد. قوله: [في غير ما اختطه المسلمون]: أي أنشأه المسلمون استقلالاً، فإن القاهرة أنشأها المسلمون بعد الفتح بالزمن الطويل، وما قيل في القاهرة يقال في غيرها من البلاد التي اختطها المسلمون. قوله: [وأريقت الخمر]: ظاهره أنها لا تكسر أوانيها، وفي ابن عرفة أنها تكسر وهو الصواب وقد اقتصر عليه المواق والبرزلي وإنما أريقت الخمر دون غيرها من النجاسات لأن النفس تشتهيها، وظاهر المصنف أن كل مسلم له إراقتها ولا يختص ذلك بالحاكم، ومثل إظهار الخمر والناقوس حملهما من بلد لآخر، فإن لم يظهرهما وأتلفهما عليه مسلم ضمن له قيمتها لتعديه وكذا يكسر صليبه إن أظهره. قوله: [لعامة المسلمين]: أي غير مختص بواحد. قوله: [ومنع الجزية]: يقيد كما قال البدر بمنعها تمرداً ونبذاً للعهد لا لمجرد بخل فيجبر عليها ولا يعد ناقضاً. قوله: [وغصب حرة]: أي وأما زناه بها طائعة فإنما يوجب تعزيره وحدت هي. قوله: [لا كافرة ولا رقيق]: فلو زنى بأمة مسلمة أو بحرة كافرة طوعاً أو كرهاً فلا يكون ذلك نقضاً لعهده وإنما يعزر. قوله: [وتزوجها ووطئها]: أي وأما لو تزوجها مع علمها بكفره من غير غرور فلا يكون نقضاً لعهده ويعزر. قوله: [بأن يكون جاسوساً] إلخ: ففي المواق عن سحنون إن وجدنا في أرض المسلمين ذمياً كاتباً لأهل الشرك بعورات المسلمين قتل ليكون نكالاً لغيره. قوله: [وسب نبي]: أي مجمع على نبوته عندنا معشر المسلمين وإن أنكرها اليهود كنبوة داود وسليمان. وأما سبه المختلف فيه عندنا كالخضر ولقمان فلا ينتقض به عهده وإنما يعزر. قوله: [أي بما لم نقرهم عليه]: من ذلك ما وقع من بعض نصارى مصر كما حكاه خليل بقوله: مسكين محمد يخبركم أنه في الجنة، ما له لم ينفع نفسه حين أكلته الكلاب؟ فأرسل لمالك

стр. 369

(وتعين قتله في السب) بما لم يقر عليه (إن لم يسلم)، وحكى بعضهم الاتفاق عليه، وأما غصب الحرة المسلمة وغرورها فيخير فيه الإمام على المختار كما في منعه الجزية، ومقاتلة أهل الإسلام. (وإن خرج لدار الحرب ناقضاً) للعهد (وأخذ استرق)، ورأى الإمام فيه رأيه (إن لم يظلم) أي إن لم يكن خروجه لظلم لحقه وإلا رد لجزيته، وصدق إن ادعى الظلم. (وأخذ من تجارهم) أي أهل الذمة، (ولو) كانوا (أرقاء أو صبية عشر ثمن) بفتح المثلثة (ما باعوه) من العروض والأطعمة عند ابن القاسم، فإذا لم يبيعوا شيئاً لم يؤخذ منهم شيء، وقيل: يؤخذ منهم عشر ما جلبوه كالحربيين، فيؤخذ منهم ولو لم يبيعوه (مما) أي من عرض أو طعام (قدموا به من أفق) أي قطر وإقليم (إلى) أفق (آخر) كمصر والشام والروم والمغرب، ــ الاستفتاء فيه فقال: أرى أن يضرب عنقه، فقال ابن القاسم: يا أبا عبد الله اكتب ويحرق بالنار، فقال: إنه لحقيق بذلك، قال ابن القاسم: فكتبتها ونفذت الصحيفة بذلك ففعل به ذلك، قال عياض: ويجوز إحراق الساب بالنار حياً وميتاً. قوله: [وتعين قتله في السب]: أي ويجوز حرقه حياً وميتاً كما تقدم. قوله: [فيخير فيه الإمام على المختار]: وقيل يتعين قتله إن لم يسلم كالسب. تتميم: للإمام المهادنة على ترك القتال بالمصلحة مدة باجتهاده، وندب أن لا تجاوز أربعة أشهر إلا لمصلحة، ولا يجوز شرط فاسد كإبقاء مسلم عندهم، أو إخلاء قرية من المسلمين لهم، أو دفع مال مثلاً لهم، أو رد مسلمة إلا لخوف أعظم من ذلك. والظاهر أن الخنثى ليس كالأنثى هنا لأن الشأن عدم وطئه كما في المجموع. فإن عقد معهم صلحاً بشرط ثم استشعر خيانتهم نبذه وأنذرهم، ووجب الوفاء بالشرط وأن يرد رهائن ولو أسلموا، ولا يلزم منه بقاء مسلم عندهم بل يجب علينا فداؤه بعد ذلك ككل أسير بالفيء، ثم مال المسلمين والأسير كواحد منهم، ثم إن تعذر مال المسلمين فماله، فإن تعذر وفداه إنسان من عنده رجع عليه إن لم يقصد صدقة، وهل بجميع ما دفع؟ وهو المعتمد كما في الحاشية. أو بما لا يمكن الخلاص بدونه؟ وهو الوجيه - خلاف. ومحل رجوع الفادي على الوجه المذكور إن لم يكن المفدى محرماً أو زوجاً إن عرفه أو كان المحرم يعتق عليه وإن لم يعرفه ما لم يأمر المحرم أو الزوج الفادي بالفداء أو يلتزمه، وإلا فيرجع به عليه. ويفض الفداء على عدد المفدين إن جهل الكفار قدر الأسارى من غنى وفقر وشرف ووضاعة، فإن علموا قدرهم فض على قدر ما يفدى به كل واحد بحسب عادتهم، ولو تنازع الأسير والفادي، فالقول للأسير في إنكار الفداء من أصله أو قدره، ولو كان الأسير بيد الفادي. ويجوز فداء أسارى المسلمين بأسارى الكفار الذين عندنا ولو كانوا شجعاناً إذا لم يرضوا إلا بذلك لأن قتالهم لنا مترقب، وخلاص الأسارى محقق، وقيده اللخمي بما إذا لم يخش منهم وإلا حرم. ويجوز أيضاً بالخمر والخنزير على الأحسن، وصفة ما يفعل في ذلك أن يأمر الإمام أهل الذمة بدفع ذلك للعدو ويحاسبهم بقيمة ذلك مما عليهم من الجزية، فإن لم يمكن جاز شراؤه للضرورة. ولو فدى مسلم مسلماً أو ذمياً بخمر أو خنزير فلا رجوع له به عليه، سواء كان من عنده أو اشتراه. وفي جواز فداء الأسير المسلم بالخيل وآلة الحرب قولان: إذا لم يخش من الفداء بهما الظفر على المسلمين، وإلا منع اتفاقاً. قوله: [وأخذ من تجارهم] إلخ: سبب ذلك قول مالك في الموطإ: وليس على أهل الذمة ولا على المجوس في نخيلهم ولا كرومهم ولا زرعهم ولا على مواشيهم صدقة، لأن الصدقة إنما وضعت على المسلمين تطهيراً لهم ورداً على فقرائهم، ووضعت الجزية على أهل الكتاب صغاراً لهم فهم وإن كانوا ببلدهم الذي صالحوا عليه ليس عليهم شيء سوى الجزية في شيء من أموالهم، إلا أن يتجروا في بلاد المسلمين ويختلفوا فيها. فيؤخذ منهم العشر فيما يديرون من التجارات، وذلك أنهم إنما وضعت عليهم الجزية وصالحوا عليها على أن يقروا ببلادهم، ويقاتل عنهم عدوهم. فمن خرج من بلاده منهم إلى غيرها يتجر فعليه العشر من تجر منهم من أهل مصر إلى الشام، أو من أهل الشام إلى العراق أو من أهل العراق إلى المدينة، أو إلى اليمن وما أشبه هذا من البلاد فعليه العشر ولا صدقة على أهل الكتاب ولا المجوس في شيء من مواشيهم ولا ثمارهم ولا زروعهم مضت بذلك السنة، ويقرون على دينهم ويكونون على ما كانوا عليه، وإن اختلفوا في العام الواحد مراراً إلى بلاد المسلمين فعليهم كلما اختلفوا العشر لأن ذلك ليس مما صالحوا عليه، ولا مما شرط لهم وهذا الذي أدركت عليه أهل العلم ببلدنا. قوله: [عند ابن القاسم]: أي وهو المشهور. قوله: [فإذا لم يبيعوا شيئاً لم يؤخذ منهم شيء]: أي خلافاً لابن حبيب لأن الأخذ في نظير النفع لا في دخول الأرض لأنهم مكنوا منها بالجزية.

стр. 370

فإذا قدم من إقليم إلى إقليم آخر أخذ منه ما ذكر، وما دام في إقليمه كالمصري ينتقل بتجارته من الإسكندرية إلى القاهرة مثلاً، لم يؤخذ منه شيء كما سينص عليه (و) أخذ منهم (عشر عرض) أو حيوان (اشتروه) في غير إقليمهم (بعين أو عروض قدموا بها) من بلادهم لا بثمن ما باعوه، لأنه قد أخذ منهم عشره فلا يؤخذ منهم مما اشتروه بالباقي شيء. وبالغ على أخذ عشر الثمن منهم بقوله: (ولو اختلفوا) أي ترددوا إلى غير إقليمهم (في السنة مراراً) لفعل عمر ﵃، ولأن العلة الانتفاع، وقالت الحنفية: لا يؤخذ منهم في الحول إلا مرة كالزكاة، وقالت الشافعية: لا يؤخذ من الذمي شيء كالمسلم. وفرع على ما قدمه قوله: (فلو اشتروا) سلعاً (بإقليم) غير إقليمهم (وباعوا) ما اشتروه (بآخر) أي بإقليم آخر كأن يشتري مصري سلعاً في الشام ويبيعها بالروم (أخذ منهم) العشر (عند كل) من الإقليمين فأكثر لكن الذي اشتروا فيه يؤخذ منهم فيه عشر السلع المشتراة، والذي باعوا فيه يؤخذ منهم فيه عشر ثمن ما باعوه على ما تقدم (إلا) إذا باعوا أو اشتروا (بإقليمهم) ولو بانتقالهم من بلد لآخر فلا يؤخذ منهم شيء ولو تباعد ما بين البلدين ثم استثنى من قوله: "أخذ عشر ثمن" إلخ قوله (إلا) إذا جلبوا (الطعام بالحرمين فقط)، أي إليهما والمراد مكة والمدينة وما ألحق بهما من البلاد، ومراده بالطعام كل ما يقتات به أو يجري مجراه فيشمل جميع الحبوب والزيوت والأدهان وما ألحق بذلك كملح وبصل وتابل، (فنصف عشر ثمنه) أي يؤخذ منهم. وإنما خفف عنهم في الطعام في البلدين لشدة حاجة أهلهما له فيكثر جلبه إليهما وهذه العلة كما تجري في أهل الذمة تجري في الحربيين إذا دخلوهما بأمان. (وأخذ من تجار الحربيين النازلين) عندنا (بأمان عشر ما قدموا به) للتجارة من عروض وطعام باعوا أو لم يبيعوا والذي له الأخذ منهم عامل أول قطر دخلوه، ولا يؤخذ منهم إذا انتقلوا لآخر ما داموا في بلادنا حتى يذهبوا لبلادهم وينقلبوا إلينا مرة أخرى، لأن جميع بلاد الإسلام كالبلد الواحد بالنسبة إليهم، وأما أهل الذمة فعلة الأخذ منهم الانتفاع وهم غير ممنوعين من بلاد الإسلام، فكلما تكرر نفعهم تكرر الأخذ منهم، (إلا لشرط) فيؤخذ منهم ما وقع الاشتراط عليه قل أو كثر، ولا [١] قدموا بعين للتجارة أخذ عشر قيمة ما اشتروه بها، ولا يمكنون من بيع خمر إلا إذا حملوه لأهل الذمة فيمكنون من بيعه لهم، ويؤخذ منهم عشر ثمن ما باعوه منه. (ولا يعاد) الأخذ منهم (إن رحلوا) من أفق (لأفق آخر) لما قدمنا من أن جميع بلاد الإسلام كالبلد الواحد بالنسبة إليهم، فما داموا فيها لم يتكرر الأخذ منهم حتى يذهبوا لبلادهم، ثم يرجعوا بأمان آخر ولو تكرر في السنة مراراً؛ وقال الشافعي وأبو حنيفة: يؤخذ منهم مرة فقط في العام. (والإجماع على حرمة الأخذ من المسلمين ــ قوله: [من إقليم إلى إقليم آخر]: مراده بالإقليم القطر وإن لم يكن أحد الأقاليم السبعة التي تقدم بيانها بدليل الأخذ ممن أخذ سلعاً من الشام، وباعها بمصر أو عكسه، فالعبرة بها لا بالسلاطين إذ لا يجوز تعدد السلطان كما قاله التتائي، وقيل يجوز عند تباعد الأقطار. قوله: [وأخذ منهم عشر عرض أو حيوان] إلخ: انظر هذا مع قول العلامة العدوي في حاشية أبي الحسن: الحاصل أنهم إن قدموا من أفق إلى أفق آخر بعوض [٢] وباعوه بعين أخذ منهم عشر الثمن، وإن قدموا بعين واشتروا به عرضاً أخذ منهم عشر العرض على المشهور، لا عشر قيمته. وإن قدموا بعرض واشتروا به عرضاً آخر فعليهم عشر قيمة ما اشتروا لا عشر عين ما قدموا به. ولا يتكرر عليهم الأخذ بتكرر بيعهم وشرائهم ما داموا بأفق واحد، فإن باعوا بأفق كالشام أو العراق، واشتروا بآخر كمصر أخذ منهم عشر في الأول وعشر في الثاني. كما أنه يتكرر الأخذ منهم إن قدموا بعد ذهابهم لبلدهم، ولو مراراً في سنة واحدة اهـ فإن بين الكلامين مخالفة لا تخفى. قوله: [ثم استثنى من قوله] إلخ: إنما استثنى ذلك لما رواه مالك في الموطإ عن ابن شهاب عن سالم بن عبد الله عن أبيه: " أن عمر بن الخطاب كان يأخذ من القبط من الحنطة والزيت نصف العشر، يريد بذلك أن يكثر الحمل إلى المدينة ". قوله: [لشدة حاجة أهلهما]: وقيل لفضلهما، وفي ابن ناجي ظاهر كلام الشيخ يعني صاحب الرسالة أن قرى مكة والمدينة ليست كهما وألحقها ابن الجلاب بهما اهـ وهو المعتمد. قوله: [تجري في الحربيين]: قال ابن عمر وهل الحربيون مثل ذلك أم لا؟ فإن نظرنا إلى العلة فالعلة جارية في الجميع، قال الشيخ العدوي في حاشية أبي الحسن والظاهر أنهم مثلهم. قوله: [وأما أهل الذمة]: أي فهذا هو الفرق بين أهل الذمة والحربيين. قوله: [قل أو كثر]: حاصله أنه قبل نزولهم يجوز أن يتفق معهم على أكثر من العشر وإن بأضعاف وإن كان بعد النزول لم يؤخذ منهم إلا العشر كما أفاده الشيخ العدوي في حاشية أبي الحسن. قوله: [فيمكنون من بيعه لهم]: أي على المشهور. ومقابله لا يمكنون والخلاف مبني على تكليفهم بفروع الشريعة أو لا ذكره في التوضيح. قوله: [وقال الشافعي وأبو حنيفة] إلخ: هذا في الحربيين. ومثلهم أهل الذمة عند أبي حنيفة كما تقدم، وأما عند الشافعي فهم كالمسلمين لا شيء عليهم كما تقدم.

стр. 371

و) على (كفر مستحله) لأنه من المعلوم من الدين بالضرورة، ولا يرد [١] علينا أن الحنفية جوزوا للعشار أخذ ربع العشر كل عام من تجار المسلمين، لأنا نقول: كلامهم في ذلك محمول عندهم على الزكاة، ولذلك قالوا: يجوز ربع العشر لا أكثر في كل حول ما لم يدع التاجر أنه دفعه لفقير أو مسكين، فإن لم يدع ذلك وأخذه العشار حسبه رب المال من الزكاة. وقولنا: "والإجماع" إلخ ظاهر في أخذ العشر أو أقل أو أكثر من المسلمين ظلماً كما هو الواقع الآن، والله أعلم. (باب المسابقة [ ٢]): مفاعلة: من السبق بسكون الباء مصدر سبق إذا تقدم، وبفتحها: الجعل الذي يجعل بين أهل السباق. والأصل فيها المنع لما فيها من اللعب والقمار بكسر القاف وهي المغالبة والتحيل على أكل أموال الناس بغير الحق، ولحصول العوض والمعوض لشخص لأن السابق هو الذي قد يأخذ الجعل ولكن أجازها الشارع للتدريب على الجهاد ومنع الصائل، فلو كانت لمجرد اللهو لم تجز. (جائزة بجعل) في أربعة أمور: (في الخيل) من الجانبين (و) في (الإبل) كذلك (وبينهما) خيل من جانب وإبل من جانب (وفي السهم) لإصابة الغرض أو بعد الرمية وبين شروط جوازها بالجعل بقوله: (إن صح بيعه): أي بيع الجعل بأن كان طاهراً معلوماً منتفعاً به مقدوراً على تسليمه لا بنجس ولا بمجهول ولا خمر ولا خنزير ولا بمنهي عنه كجلد أضحية (و) إن (عين المبدأ) في المسابقة بالحيوان أو بالسهم (والغاية) التي ينتهى إليها (والمركب) أي ما يركب من خيل أو إبل كهذا الفرس وهذا البعير (و) عين (الرامي) في الرمي كزيد أو هذا الرجل (و) عين (عدد الإصابة) بمرة أو مرتين (و) عين (نوعها) أي الإصابة من خزق بخاء وزاي معجمتين: وهو ثقب الغرض من غير أن يثبت السهم فيه، وخسق بخاء معجمة وسين مهملة ساكنة وقاف: وهو ثقبه وسكون السهم فيه، وخرم بخاء معجمة وسكون الراء: وهو إصابة طرف الغرض فيخدشه (ولزمت) المسابقة (بالعقد) كالإجارة فليس لأحدهما حلها إلا برضاهما معاً. (وأخرجه) عطف على صح أي إن صح بيعه وإن أخرجه أي الجعل (متبرع) به غير المتسابقين، (ليأخذه السابق أو أخرجه أحدهما) أي المتسابقين (فإن سبقه) أي على أنه إن سبقه (غيره أخذه) ذلك الغير (وإلا) يسبقه غيره، (فلمن حضر) ولا يرجع لربه ولا يشترط التصريح بذلك عند العقد، بل إن سكتا صح العقد وحمل على ما ذكر، بخلاف لو اشترط مخرجه أنه إن سبق عاد إليه ففاسد (لا) تصح (إن أخرجا) أي أخرج كل منهما جعلاً (ليأخذه السابق) منهما، لأنه من القمار المحض، ــ قوله: [وعلى كفر مستحله]: أي وعليه تحمل جملة الأحاديث الواردة في الأمر بقتل المكاس. منها: «إذا رأيتم مكاسا فاقتلوه» وما في معنى ذلك فتدبر. قوله: [حسبه رب المال] إلخ: أي على قاعدة مذهبهم. باب المسابقة لما أنهى الكلام على أحكام الجهاد وما يتعلق به، شرع في الكلام على ما يتقوى به عليه وهو المسابقة. قوله: [من السبق]: أي فهي لغة مشتقة من ذلك. قوله: [وبفتحها الجعل]: أي المال الذي يوضع ويهيأ للسابق ليأخذه. قوله: [والأصل فيها المنع]: ولذلك قال القرافي: والمسابقة مستثناة من ثلاث قواعد: القمار بكسر القاف، وتعذيب الحيوان بغير مأكلة، وحصول العوض والمعوض لشخص واحد. اهـ. قوله: [جائزة بجعل]: أي ومن باب أولى بغيره في تلك الأمور. قوله: [في الخيل] إلخ: أي وأما غير الخيل والإبل كالبغال والحمير فلا تجوز بالجعل، وأما بغيره فتجوز كما يأتي. قوله: [ولا بمجهول]: أي كالذي في الجيب أو الصندوق، والحال أنه لا يعلم قدره أو جنسه، فلو وقعت المسابقة بممنوع مما ذكر فالظاهر أنه لا شيء فيها، لأنه لا ينتفع الجاعل بشيء حتى يقال عليه جعل المثل خلافاً للبدر. قوله: [وإن عين المبدأ]: قدر الشارح إن لكونه معطوفاً على صح وهو بالبناء للمفعول ليشمل ما إذا كان التعيين منهما بتصريح أو بعادة، والمراد بالمبدأ المحل الذي يبدأ منه من رماحة أو رمي بالسهم والمراد بالغاية المحل الذي ينتهى إليه، ولا تشترط المساواة فيهما. قوله: [كهذا الفرس]: أي لا بد من تعيينه بالإشارة الحسية وما في معناها، بأن يقول: أسابقك على فرسي هذه أو بعيري هذا، وأنت على فرسك هذه أو بعيرك هذا، أو فرسك وفرسي وكانا معهودين بينهما، ولا يكتفي بالتعيين بالوصف كأسابقك على فرس أو بعير صفته كذا، وهذا ما يدل عليه قول ابن شاس: من شروط السبق معرفة أعيان السباق اهـ. ولا بد أن لا يقطع بسبق أحدهما الآخر وإلا لم يجز، فيشترط جهل كل واحد من المتسابقين سبق فرسه. قوله: [وعين الرامي]: أي أنه لا بد من معرفة شخصه كزيد وعمرو، فلو وقع العقد على مسابقة شخصين من غير تعيين لم يجز. قوله: [كالإجارة]: أي في غير المتسابقين فاندفع ما يقال إن فيه تشبيه الشيء بنفسه، لأن عقد المسابقة من الإجارة أو أنه من تشبيه الجزئي بالكلي. قوله: [غير المتسابقين]: هذه جائزة اتفاقاً، وأما الثانية وهي إخراج أحد المتسابقين فعلى المشهور. قوله: [ليأخذه السابق منهما]: أي ليأخذ السابق الجعل الذي أخرجه غيره مع بقاء جعله له. قوله: [لأنه من القمار المحض]:

стр. 372

وهو لربه سبق وألم [١] يسبق. وبالغ على المنع بقوله: (ولو) وقع ذلك (بمحلل): أي مع ثالث لم يخرج شيئاً إن (أمكن سبقه) لقوة فرسه على أنه إن سبق أخذ الجعلين معاً، وإن سبق أحدهما أخذهما معاً، وعلة المنع جواز رجوع الجعل لمخرجه وأولى في المنع إن قطع بعدم سبق المحلل لأنه حينئذ كالعدم وسمي محللاً مع أنه لا تحليل به نظراً لمن يرى الجواز به فهو عنده محلل حقيقة. (وإن عرض للسهم عارض) في ذهابه عطل سيره، (أو انكسر) السهم، (أو) عرض (للفرس ضرب بوجه) مثلاً (فعاقه، أو) عرض لصاحبه (نزع سوطه) من يده فقل جري الفرس أو البعير (لم يكن مسبوقاً) لعذره بما ذكر. (بخلاف ضياعه) أي السوط، فإنه يكون بسببه مسبوقاً لتفريطه، (أو قطع لجام أو حرن الفرس) فإنه يعد مسبوقاً. (وجازت) المسابقة (بغيره) أي بغير الجعل، بأن تكون مجاناً (مطلقاً) في الأمور الأربعة المتقدمة وغيرها كالجري على الأقدام وبالسفن والحمير والبغال، والرمي بالأحجار والجريد ونحو ذلك مما يتدرب به على قتال العدو (إن صح القصد) بأن وافق الشرع فإن لم يصح بأن كان لمجرد اللهو واللعب كما يفعله أهل الفسوق لم تجز، ولا سيما إن حصل بلعبهم الإيذاء بضرب وغيره. (و) جاز (عند الرمي افتخار): أي ذكر المفاخر بالانتساب إلى أب أو قبيلة. (و) جاز (رجز) أي ذكر شيء من الشعر للدلالة على الافتخار (وتسمية نفسه) كأنا فلان أو أبو فلان، (وصياح) بصوت مرتفع (كالحرب) أي كما يجوز ذلك في حال الحرب بالأولى لأنه المقيس عليه (والأحب) من ذلك كله (ذكر الله تعالى) من تسبيح وتكبير وتهليل، ونحو يا دائم يا واحد. قال الله تعالى: ﴿واذكروا الله كثيرا لعلكم تفلحون﴾ [الجمعة: ١٠]. ولما فرغ من مسائل الجهاد وما يتعلق به انتقل يتكلم على النكاح وما يتعلق به فقال: باب في النكاح وذكر مهمات مسائله وما يتعلق به من طلاق وظهار ولعان ونفقة وغير ذلك وهو باب مهم ينبغي زيادة الاعتناء به. والأصل فيه الندب لما فيه من التناسل وبقاء النوع الإنساني، وكف النفس عن الزنا الذي هو من الموبقات ولذا قال: (ندب النكاح) وقد يجب إن خشي على نفسه الزنا، وقد يحرم إن لم يخش الزنا وأدى إلى حرام من نفقة أو إضرار أو إلى ترك واجب. (وهو): أي النكاح ــ أي الخالص الذي لا رخصة فيه لخروجه عن حد الرخصة. قوله: [وهو لربه]: أي وجعل كل لربه. قوله: [ولو وقع ذلك بمحلل]: رد بـ "لو" على من قال بالجواز مع المحلل وهو ابن المسيب، وقال به مالك مرة. ووجهه: أنهما مع المحلل صارا كاثنين أخرج أحدهما دون الآخر. قوله: [نظراً لمن يرى الجواز به]: أي وهو ابن المسيب ومالك كما تقدم. قوله: [بخلاف ضياعه]: أي كما لو نسيه قبل ركوبه أو سقط من يده وهو راكب قوله: [لم يجز]: أي يحرم، وقيل: يكره، وقد حكى الزناتي قولين بالكراهة والحرمة فيمن تطوع بإخراج شيء للمتصارعين أو المتسابقين على أرجلهما أو على حماريهما أو غير ذلك مما لم يرد فيه نص السنة. قوله: [وجاز عند الرمي افتخار]: أي بالقول كما قال الشارح أو بالفعل كما ورد: «أن النبي ﷺ رأى رجلا يختال في مشيته بين الصفوف، فقال إنها لمشية يبغضها الله إلا في مثل هذا المكان»، أو ما في معنى ذلك. قوله: [لأنه المقيس عليه]: أي لوروده عن رسول الله ﷺ فيه يوم حنين وحيث قال: «أنا النبي لا كذب أنا ابن عبد المطلب». قوله: [انتقل يتكلم على النكاح]: أي لأن النكاح من لوازمه الجهد والمشقة التي هي معنى الجهاد لغة، لخبر: «إن من الذنوب ذنوباً لا يكفرها صلاة ولا صوم ولا جهاد إلا السعي على العيال»، أو كما قال، وقد أسقط المصنف هنا فصل الخصائص لأن أكثر أحكامها قد انقضى بوفاته ﷺ . باب في النكاح قوله: [وغير ذلك]: أي كالرجعة والإيلاء والعدة والرضاع والحضانة. قوله: [والأصل فيه الندب]: أي لقوله ﷺ : «تناكحوا تناسلوا فإني مكاثر بكم الأمم يوم القيامة»، ولقوله ﷺ : «من استطاع منكم الباءة فليتزوج، فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء»، وغير ذلك من الأحاديث والآيات الواردة في ذلك. قوله: [لما فيه من التناسل] إلخ: بيان لحكمته. قوله: [وقد يجب إن خشي] إلخ: أي وإن أدى إلى الإنفاق عليها من حرام أو أدى إلى عدم الإنفاق عليها. والظاهر - كما قاله الخرشي - وجوب إعلامها بذلك، ولكن اعترض بأن الخائف من الزنا مكلف بترك الزنا، لأنه في طوقه كما أنه مكلف بترك التزوج الحرام، فلا يفعل محرماً لدفع محرم فلا يصح أن يقال إذا خاف الزنا وجب النكاح، ولو أدى الإنفاق من حرام، وقد يقال إذا استحكم الأمر فالقاعدة ارتكاب أخف الضررين، ألا ترى أن المرأة إذا لم تجد ما يسد رمقها إلا بالزنا فإنه يجوز لها كما يأتي. قوله: [أو إلى ترك واجب]: أي كتأخير الصلاة عن أوقاتها لاشتغاله بتحصيل نفقتها. وحاصل ما في المقام أن الشخص إما راغب في النكاح أو لا، والراغب إما أن يخشى العنت أو لا، فالراغب إن خشي العنت وجب عليه ولو مع إنفاق عليها من حرام، أو مع وجود مقتضى التحريم غير ذلك

стр. 373

في عرف الشرع: (عقد لحل تمتع): أي استمتاع وانتفاع وتلذذ (بأنثى) وطئاً ومباشرة وتقبيلاً وضماً وغير ذلك، وقوله: "لحل" إلخ: علة باعثة على العقد، وخرج به سائر العقود ما عدا المحدود والشراء للأمة وإن لمستولدها؛ إذ ليس الأصل فيه حل التمتع بل الانتفاع العام وملك الذات فلا يدخل في الحدود ووصف الأنثى بقوله: (غير محرم) بنسب أو رضاع أو صهر فلا يصح على محرم. (و) غير (مجوسية) إذ لا يصح عقد على مجوسية ولو حرة (و) غير (أمة كتابية) مملوكة لهم أم لا، إذ لا يصح عقد على الأمة المذكورة، بخلاف الحرة الكتابية، والحد شامل لها فإن قيل: كان الأولى أن يقول: بأنثى خالية من مانع شرعي فتخرج المحرم والمجوسية والأمة الكتابية، ويخرج أيضاً الملاعنة والمبتوتة والمعتدة من غيره والمحرمة بحج أو عمرة؟ فالجواب: أنه قصد بما ذكره إخراج من قام بها مانع أصلي، وأما الملاعنة وما عطف عليها فمانعهن عرضي طارئ بعد الحل، بخلاف "المحرم" وما بعدها. وسيذكر العرضي في الشروط. (بصيغة): متعلق بعقد فهو من تمام الحد، وسيأتي بيانها. (لقادر) على ما يتحصل به النكاح من صداق ونفقة (محتاج) له إما لكسر شهوته أو لإصلاح منزله وإن لم يرج نسلاً (أو راج نسلاً) وإن لم يكن محتاجاً [١] متعلق بقوله: "ندب النكاح" وليس من الحد، وإنما اعترض بذكر الحد بين العامل والمعمول. ثم فرع على ذكر التعريف قوله: (فركنه) مفرد مضاف يعم جميع الأركان: أي إذا علمت أنه عقد إلخ فتكون أركانه ثلاثة؛ لأن العقد لا يحصل إلا من اثنين على حل شيء بما يدل عليه: ــ فإن لم يخش ندب له رجا النسل أم لا، ولو قطعه عن عبادة غير واجبة. وغير الراغب إن خاف به قطعه عن عبادة غير واجبة كره، رجا النسل أم لا، وإن لم يخش ورجا النسل ندب، فإن لم يرج أبيح. واعلم أن كلاً من قسم المندوب والجائز والمكروه مقيد بما إذا لم يكن موجب التحريم، والمرأة مساوية للرجل في هذه الأقسام إلا في التسري. قوله: [في عرف الشرع عقد] إلخ: هذا هو الراجح من قولين حكاهما ابن عبد السلام حيث قال: اختلف هل هو حقيقة في كل واحد من العقد والوطء أو في إحداهما وما هو محل الحقيقة؟ قال والأقرب أنه حقيقة لغة في الوطء مجاز في العقد، وفي الشرع على العكس إلخ. وفائدة الخلاف إن زنى بامرأة هل تحرم على ابنه وأبيه على أنه حقيقة في الوطء أم لا تحرم على أنه مجاز في الوطء. إن قلت مقتضى كونه حقيقة في العقد حل المبتوتة بمجرده كما هو ظاهر الآية الكريمة. والجواب أن الآية خصصت بالحديث وهو قوله ﷺ : «حتى تذوقي عسيلته» إلخ والإجماع موافق للحديث فتأمل. قوله: [إذ ليس الأصل فيه حل التمتع]: أي بخصوصه بل الأصل فيه ملك الذات كما قاله الشارح والتمتع من توابع ملك الذات، بخلاف عقد النكاح فلا يملك من المرأة إلا الانتفاع لا الذات ولا المنفعة، فلذلك كان له منها الانتفاع بنفسه فقط. قوله: [بنسب] إلخ: محرم النسب هو المذكور في قوله تعالى: ﴿حرمت عليكم أمهاتكم﴾ [النساء: ٢٣] الآية ومحرم الرضاع مثله، لقوله ﷺ : «يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب»، ومحرم الصهر أمهات الزوجة وبناتها وزوجات الأصول، وزوجات الفروع، وسيأتي بيان ذلك مفصلاً إن شاء الله تعالى. قوله: [إذ لا يصح عقد على مجوسية] إلخ: ولذلك لو أسلم وتحته مجوسية فإنه يفسخ نكاحها، ولا يقر عليها بحال ما دامت مجوسية كما يأتي. قوله: [إذ لا يصح عقد على الأمة المذكورة]: أي ولو خشي العنت ولم يجد للحرائر طولاً ولا يقر عليها إن أسلم، وهي تحته، بخلاف الأمة المسلمة فله نكاحها بالشرطين ويقر عليها إن أسلم وإن لم يوجد الشرطان. قوله: [فتخرج المحرم والمجوسية] إلخ: أي ويكون الحد جامعاً مانعاً. قوله: [فالجواب أنه قصد بما ذكره] إلخ: محصل الجواب أن الحد ما كان بالذاتيات لا بالعرضيات، إذ لا يلتفت لها في الحدود فلذلك التفت للمانع الأصلي فقط، لأن الحدود لبيان الحقائق صحيحة أو فاسدة لعارض، فلذلك لا يعتبر فيها إخراج العرضيات فحيث كان التعريف جامعاً مانعاً من حيث الذاتيات كفى، ولا يلتفت لكونه غير مانع من حيث العرضيات كما هو معلوم. قوله: [فهو من تمام الحد]: أي لأنها أحد الأركان فهي من جملة ذاتيات الماهية. قوله: [وسيأتي بيانها]: أي في قوله "والصيغة هي اللفظ الدال عليه كأنكحت وزوجت" إلخ. قوله: [لقادر]: أي وأما غير القادر فلا يندب له بل هو حرام إن لم يخف على نفسه العنت كما تقدم. قوله: [محتاج] إلخ: تقدم تفصيل ذلك في الحاصل. قوله: [ثم فرع على ذكر التعريف]: إنما فرع الأركان على التعريف لتضمنه لها فهو من باب ذكر الشيء مجملاً ثم مفصلاً فيكون أوقع في النفس. قوله: [مفرد مضاف] إلخ: جواب عن سؤال وارد وهو أن الركن مبتدأ وهو شيء واحد، وأخبر عنه بمتعدد فأجاب بما ذكر. قوله: [لأن العقد لا يتحصل] إلخ: بيان لحصر الأركان في الثلاثة. ولماهية العقد من حيث هي سواء كان عقد نكاح أو بيع مثلاً، فالاثنان في النكاح الزوج وولي الزوجة، وفي البيع البائع والمشتري، وقوله [على حل شيء] كناية عن المعقود عليه زوجة

стр. 374

الأول: (ولي) يحصل منه ومن غيره كزوج أو وكيله العقد. (و) الثاني: (محل) زوج وزوجة. (و) الثالث: (صيغة) بإيجاب وقبول. وأما الصداق فلا يتوقف عليه العقد بدليل صحة نكاح التفويض بالإجماع وإن كان لا بد منه فيكون شرطاً في صحته وكذا الشهود، فلذا جعلهما من شروط الصحة فقال: (وصحته): أي وشروط صحة النكاح: أن يكون (بصداق) ولو لم يذكر حال العقد فلا بد من ذكره عند الدخول، أو تقرر صداق المثل بالدخول على ما سيأتي بيانه. (و) صحته أيضاً: (بشهادة) رجلين (عدلين غير الوالي [١]) فلا يصح بلا شهادة، أو شهادة رجل وامرأتين، ولا بشهادة فاسقين، ولا بعدلين أحدهما الولي، (وإن) حصلت الشهادة بهما (بعد العقد) وقبل الدخول. وبعضهم عدهما من الأركان نظراً إلى التوقف عليهما، وإن صح العقد في نفسه بدون ذكر صداق وإحضار شاهدين، وإليه يشير قول الرسالة: ولا نكاح إلا بولي وصداق وشاهدين عدلين، والشيخ -عمت بركاته- جعل الصداق ركناً نظراً إلى أنه من المعقود عليه كالثمن، ولم يجعل الشهادة من الأركان أي بل هي شرط لقوله: "وفسخ إن دخلا بلاه"، والأمر في ذلك سهل إذ لكل وجهة ولا خلاف في المعنى. وقد علمت أن النكاح حقيقة في العقد وإطلاقه على الوطء مجاز، وقيل بالعكس وقيل حقيقة فيهما، والأول أصح. وإذا كان الإشهاد شرط صحة (فيفسخ) النكاح: أي يتعين فسخه بطلقة لصحته بائنة لأنه جبري بحكم الحاكم (إن دخلا) أي الزوجان (بلاه): أي بلا إشهاد. (وحُدَّا) معاً حد الزنا جلداً أو رجماً (إن وطئ) وأقرا به أو ثبت بأربعة كالزنا، ولا يعذران بجهل. (إلا [٢] إن فشا) النكاح بينهما فلا يحدان للشبهة وقال ﷺ : «ادرءوا الحدود بالشبهات»، وفشوه: أي ظهوره يكون (بكدف): أي بضرب الدف أي الطار الذي يكون في الأعراس، وأدخلت الكاف: الوليمة والشاهدين الفاسقين فلا حد (ولو علما) أن الإشهاد واجب قبل الدخول وحرمة الدخول من غير إشهاد. ــ أم غيرها. وقوله: [بما يدل عليه] كناية عن الصيغة التي بها العقد وهي في كل شيء بحسبه. قوله: [يحصل منه ومن غيره]: أي فالعقد لا يتحصل إلا من اثنين كما تقدم أحدهما في النكاح ولي الزوجة والآخر الزوج أو وكيله. قوله: [والثاني]: أي المعقود عليه. فالزوج والزوجة بمنزلة الثمن والمثمن، فكما أنه لا يحل الثمن للبائع والمثمن للمشتري إلا بالعقد لا يحل الرجل للمرأة والمرأة للرجل إلا به. قوله: [بإيجاب وقبول]: الباء للتصوير أي مصورة بإيجاب من أحدهما، وقبول من الآخر على الوجه الآتي. قوله: [فلا يتوقف عليه العقد]: أي فهو من العرضيات. قوله: [ولو لم يذكر حال العقد] إلخ: أي فالمضمر اشتراط عدمه. قوله: [غير الولي] إلخ: ليس المراد بالولي من يباشر العقد، بل من له ولاية النكاح ولو تولى العقد غيره بإذنه، ولا تصح شهادة المتولي أيضاً لأنها شهادة على فعل النفس. قوله: [ولا بشهادة فاسقين]: ومثلهما مستورا الحال فإن عدم العدول فيكفي مستورا الحال، وقيل يستكثر من الشهود وهو المطلوب في هذه الأزمنة. قوله: [نظراً إلى أنه من المعقود عليه] إلخ: المناسب نظراً لتوقف الصحة عليه، لأن المعقود عليه المحل لا غير كما تقدم في التعريف، ولو كان الصداق من جملة المعقود عليه لما وجد العقد بدونه، ولا حجة في قوله الآتي: "الصداق كالثمن"، لأن ذاك من جهة شروطه. قوله: [إذ لكل وجهة]: أي فمن نظر إلى الحقيقة جعل الأركان ثلاثة كما علمت، ومن نظر إلى توقف الصحة على الشيء عد الصداق ركناً وناقشوه بأن مقتضى هذا النظر عد الشهود أيضاً والفرق تحكم. قوله: [ولا خلاف في المعنى]: أي بل في الاصطلاح والعبارة والفقه واحد. قوله: [وقد علمت أن النكاح]: أي من تصديره في التعريف بقوله عقد إلخ. قوله: [والأول أصح]: أي كما تقدم عن ابن عبد السلام وتقدم بيان ثمرة الخلاف. قوله: [لصحته]: أي لصحة العقد لأن الإشهاد ليس شرطاً في صحة العقد عندنا، بل هو مندوب حالة العقد كما يأتي. قوله: [بائنة]: بالرفع خبر لمبتدأ محذوف أي وهي بائنة لا بالجر صفة لطلقة، لأن الحاكم يقول طلقتها عليك ولا يقول طلقة بائنة، وإنما المعنى إذا قال الحاكم طلقتها عليك تصير تلك الطلقة بائنة. وإنما كان بطلاق لأنه عقد صحيح. قوله: [لأنه جبري]: أي ولذلك كان كل طلاق أوقعه الحاكم يكون بائناً إلا المولي والمعسر بالنفقة. وأيضاً لا يتأتى هنا أن يكون رجعياً لأنه يشترط في الرجعي تقدم وطء صحيح ولم يحصل، ولذلك كان الطلاق هنا بائناً حكم به حاكم أم لا كما قرره شيخ مشايخنا العدوي. فالأولى لشارحنا أن يعلل بما ذكر فتدبر. قوله: [وحدا معاً] إلخ: أي ولا يلحق به الولد لأنه محض لانعدام شرط الصحة، فالمعدوم شرعاً كالمعدوم حساً. قوله: [إلا إن فشا]: جعل الشارح فاعل الفشو النكاح وهو ما لابن عرفة وابن عبد السلام. وجعل (عب) الدخول والكل صحيح. قوله: [والشاهدين الفاسقين)

стр. 375

ومثل الفشو: الشاهد الواحد غير الولي فلا حد للشبهة وإن لم يكن هناك فشو. ورد بـ "لو" قول ابن القاسم: الفشو مع العلم لا يسقط الحد. (وندب خطبة) بضم الخاء المعجمة كلام مسجع مبدوء بالحمد والشهادتين مشتمل على آية فيها أمر بالتقوى [١] وعلى ذكر المقصود (بخطبة) بكسرها: التماس النكاح؛ أي عند التماس النكاح. (و) خطبة عند (عقد) لكن البادي عند الخطبة هو الزوج. ويقول بعد الثناء والشهادتين: أما بعد فإنا قد قصدنا الانضمام إليكم ومصاهرتكم والدخول في حومتكم، وما في معنى ذلك، فيقول الولي بعد الثناء: أما بعد فقد قبلناك ورضينا أن تكون منا وفينا وما في معناه، والبادي عند العقد الولي بأن يقول بعدما ذكر: أما بعد فقد أنكحتك بنتي أو مجبرتي فلانة أو موكلتي فلانة على صداق قدره كذا، فيقول الزوج بعد الخطبة: قد قبلت نكاحها لنفسي، ويقول وكيله قد قبلت نكاحها لموكلي وما في معنى ذلك. (و) ندب (تقليلها): أي الخطبة في الحالتين إذ الكثرة توجب السآمة. (و) ندب (إعلانه) أي النكاح أي إظهاره بين الناس لبعد تهمة الزنا. (و) ندب (تفويض الولي العقد لفاضل) رجاء بركته، ويقول: أنكحتك فلانة بنت موكلي مثلاً. (و) ندب (تهنئة) للزوجين، نحو: مباركة إن شاء الله، ويوم مبارك ونحو ذلك. (و) ندب (دعاء لهما) بالبركة والسعة وحسن العشرة وما في معنى ذلك. (و) ندب (الإشهاد عند العقد) للخروج من الخلاف؛ إذ كثير من الأئمة لا يرى صحته إلا بالشهادة حال العقد. ونحن نرى وقوعه صحيحاً في نفسه وإن لم تحصل الشهادة حال العقد كالبيع، ولكن لا تتقرر صحته ولا تترتب ثمرته من حل التمتع إلا بحصولها قبل البناء، فجاز أن يعقد فيما بينهما سراً ثم يخبرا به عدلين كأن يقولا لهما: قد حصل منا العقد لفلان [٢] على فلانة أو أن الولي يخبر عدلين. والزوج يخبر عدلين غيرهما، ولا يكفي أن يخبر أحدهما عدلاً والثاني يخبر عدلاً غيره لأنهما حينئذ بمنزلة الواحد (و) ندب (ذكر الصداق): أي تسميته عند العقد لما فيه من اطمئنان النفس، ودفع توهم الاختلاف في المستقبل (و) ندب (حلوله) كله بلا تأجيل لبعضه (و) ندب (نظر وجهها) أي الزوجة (وكفيها) خاصة (قبله): أي قبل العقد ليعلم بذلك حقيقة أمرها (بعلم) منها أو من وليها، ويكره استغفالها. والنظر يكون بنفسه أو وكيله إن لم يكن على وجه التلذذ بها، وإلا منع كما يمنع ما زاد على الوجه والكفين لأنه عورة، اللهم إلا أن يكون قد وكل امرأة فيجوز لها من حيث إنها امرأة. ــ ومن باب أولى مستورا الحال. قوله: [مثل الفشو الشاهد الواحد]: أي كما نقله (ح) واعتمده الأجهوري. قوله: [ورد بـ لو قول ابن القاسم]: أي فهو ضعيف لقوة الشبهة التي تدرأ الحد قوله: [بعد الثناء والشهادتين]: أي وبعد آية من القرآن مثل قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون﴾ [آل عمران: ١٠٢]. ﴿واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيباً﴾ [النساء: ١]. ﴿يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولاً سديداً﴾ [الأحزاب: ٧٠]. الآية ولا بد من تقديم البسملة على الجميع لأنه من الأمور المهمة. قوله: [والبادي عند العقد الولي]: أي وهو الأفضل ولو بدأ الزوج لكفى، ولا يضر الفصل بين الإيجاب والقبول بالخطبة، قال في الحاشية: والظاهر أن الفصل بينهما بالسكوت قدرها كذلك فجملة الخطب أربع. قوله: [وندب تقليلها]: قال الأجهوري ذكر بعض الأكابر أن أقلها أن يقول: الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد فقد زوجتك بنتي مثلاً بكذا، ويقول الزوج أو وكيله بعدما مر من الحمد والصلاة: أما بعد فقد قبلت نكاحها لنفسي أو لموكلي بالصداق المذكور. قوله: [وندب إعلانه]: أي لقوله ﵊: «أفشوا النكاح واضربوا عليه بالدف»، وهذا بخلاف الخطبة فينبغي إخفاؤها. قوله: [وندب تفويض الولي العقد لفاضل]: أي فيندب لولي المرأة ومثله الزوج تفويض العقد لمن ترجى بركته، وأما تفويض العقد لغير فاضل فهو خلاف الأولى. قوله: [وندب تهنئة]: بالهمز أي للعروس الشامل لكل من الزوجين أي إدخال السرور عليهما عند العقد وعند البناء. قوله: [وندب الإشهاد عند العقد]: حاصله أن أصل الإشهاد على النكاح واجب، وإحضارهما عند العقد مندوب. فإن حصل عند العقد فقد وجد الأمران الوجوب والندب. وإن فقد وقت العقد ووجد عند الدخول فقد حصل الواجب وفات المندوب. وإن لم يوجد إشهاد عند الدخول والعقد ولكن وجدت الشهود عند واحد منهما فالصحة قطعاً. ويأثم أولياء النكاح لعدم طلب الشهود، وإن لم يوجد شهود أصلاً فالفساد قطعاً كذا في الحاشية بتصرف. قوله: [وندب ذكر الصداق]: أي والإشهاد عليه ومحل ندبه إن كانت الصيغة أنكحت وزوجت لا وهبت، فيجب ذكره كما يأتي. قوله: [وندب حلوله كله]: أي وإن لم يقبض كله وتأجيله كلاً أو بعضاً خلاف الأولى حيث أجل بأجل معلوم، وإلا فلا يجوز كما يأتي. قوله: [قبله]: أي حين الخطبة. قوله: [ويكره استغفالها]: أي لئلا يتطرق أهل الفساد للنظر للنساء. ويقولون نحن خطاب ومحل كراهة الاستغفال إن كان يعلم أنه لو سألها في النظر تجيبه إن كانت غير مجبرة، أو إذا سأل وليها يجيبه إن كانت مجبرة، أو جهل الحال، وأما إن علم عدم الإجابة حرم النظر إن خشي الفتنة وإلا كره

стр. 376

ثم جعل النظر من المندوبات تبع فيه ابن القطان وعامة أهل المذهب على أنه جائز لا مندوب، فالأحق ذكره في الجائزات. (و) ندب (نكاح بكر) لأنها أقرب لحسن العشرة. (وحل لهما): أي لكل منهما بالعقد الصحيح النظر لسائر أجزاء البدن (حتى نظر الفرج) من صاحبه وحديث: «إذا جامع أحدكم زوجته أو جاريته فلا ينظر إلى فرجها لأن ذلك يورث العمى»، حديث منكر لا أصل له، وصرح بوضعه ابن حبان وغيره، لكن قال بعض أهل العلم: لا ينبغي النظر [إلى] [١] الفرج لأنه يورث ضعف البصر طباً ويورث قلة الحياء في الولد. (كالملك) للأنثى يحل به حتى نظر الفرج من كل. (و) حل بالنكاح والملك للأنثى (تمتع بغير) وطء (دبر)، وأما الإيلاج فيه فممنوع. (وحرم خطبة) بكسر الخاء: أي التماس نكاح المرأة (الراكنة) هي إن كانت ثيباً رشيدة، أو وليها إن كانت بخلافها (لغير فاسق) وهو الصالح أو المستور الحال، وسواء كان الخاطب الثاني صالحاً أو فاسقاً أو مستوراً. فإن ركنت لفاسق لم يحرم إن كان الثاني صالحاً أو مجهولاً، إذ لا حرمة للفاسق، بل في نكاحها تخليص لها من فسقه، وظاهره: سواء كان فاسقاً بجارحة أو عقيدة، فإن كان الثاني فاسقاً مثله حرم أيضاً، وظاهره قدر صداقاً أم لا، وهو أحد قولين إذ العبرة بالركون والرضا بالخاطب، وقال بعضهم: لا بد في اعتبار الركون من تقدير الصداق (كالسوم بعده): أي بعد الركون لمشتر أول يحرم أيضاً لقوله ﵊: «لا يخطب أحدكم على خطبة أخيه ولا يسوم على سومه». (وفسخ) عقد الثاني (قبل الدخول) بطلقة بائنة، قيل وجوباً بمعنى أنه إذا رفعت الحادثة لحاكم وثبت عنده العقد بعد الركون ببينة أو إقرار ــ وإن كان نظر وجه الأجنبية وكفيها جائزاً لأن نظرهما في معرض النكاح مظنة قصد اللذة. قوله: [وعامة أهل المذهب على أنه جائز]: قال بعضهم ويمكن حمل الجواز في كلام أهل المذهب على الإذن الصادق بالمندوب. تنبيه: مثل الرجل المرأة يندب لها نظر الوجه والكفين من الزوج، وإنما أذن للخاطب في نظر الوجه واليدين لأن الوجه يدل على الجمال وعدمه، واليدين يدلان على صلابة البدن وطراوته. قوله: [وندب نكاح بكر]: أي لقوله ﵊: «عليكم بالأبكار فإنهن أعذب أفواهاً، وأنتق أرحاماً وأسخن أقبالاً وأرضى باليسير من العمل»، وفي رواية: «عليكم بالأبكار فإنهن أنتق أرحاماً، وأعذب أفواهاً. وأقل خباً وأرضى باليسير»، وخباً بخاء معجمة مكسورة وباء مشددة من غير همز: أي خداعاً. قوله: [لكن قال بعض أهل العلم]: هو زروق في شرح الرسالة. قوله: [كالملك]: أي التام المستقل به دون مانع، بخلاف المعتقة لأجل والمبعضة والمشتركة والمحرم. والذكر المملوك والخنثى والمكاتبة والمتزوجة بالغير. قوله: [وأما الإيلاج فيه]: أي وأما التمتع بظاهره ولو بوضع الذكر عليه فجائز كما ذكره البرزلي قائلاً: ووجهه عندي أنه كسائر جسد المرأة، وجميعه مباح ما عدا الإيلاج في باطنه، واعتمده (ح) واللقاني خلافاً للتتائي والبساطي والأقفهسي، حيث قالوا: لا يجوز التمتع بالدبر لا ظاهراً ولا باطناً. قوله: [وحرم خطبة] إلخ: حاصل هذا المبحث أن صوره تسع من ضرب ثلاثة في مثلها يحرم منها سبع ويجوز اثنان، هذا ما أفاده المصنف والشارح ولك أن تجعلها ستة عشر بزيادة الذمي حيث كانت المخطوبة من أهل الكتاب، فيصير المضروب أربعة في مثلها متى كان الخاطب الأول صالحاً أو مجهول حال، أو ذمياً يحرم مطلقاً كان الثاني صالحاً أو مجهول حال أو فاسقاً أو ذمياً، وكذا إن كان الأول فاسقاً والثاني فاسقاً فالحرمة في ثلاثة عشر والجواز في ثلاثة. إن قلت إن الذمي أسوأ حالاً من الفاسق، فكان مقتضاه لا تحرم الخطبة عليه كالفاسق. والجواب أن الذمي له دين يقر عليه، والفاسق لا يقر على فسقه فكان بهذا المعنى أسوأ حالاً منه. قوله: [إن كانت بخلافها]: أي بأن كانت مجبرة أو سفيهة، فإذا ردت المجبرة ومن في حكمها الخاطب لم تحرم خطبتها لغيره، وكذا إذا ردت غير المجبرة خطبة الأول لم تحرم خطبة غيره، فعلم أنه لا يعتبر ركون المجبرة مع رد مجبرها ولا ردها مع ركونه، ولا يعتبر ركون أمها أو وليها غير المجبر مع ردها. ولا رد أمها أو وليها غير المجبر مع رضاها. واعلم أن رد المرأة أو وليها بعد الركون للخاطب لا يحرم ما لم يكن الرد لأجل خطبة الثاني، فإن تزوجت الخاطب الثاني وادعت هي أو مجبرها أنها كانت رجعت عن الركون للأول قبل خطبة الثاني وادعى الأول أن الرجوع بسبب خطبة الثاني ولا قرينة لأحدهما، فالظاهر كما قال الأجهوري أنه يعمل بقولها أو بقول مجبرها، لأن هذا لا يعلم إلا من جهتهما، ولأن دعواه توجب الفساد ودعواهما توجب الصحة والأصل في العقود الصحة. قوله: [وهو أحد قولين]: أي وهو ظاهر الموطإ. قوله: [وقال بعضهم] إلخ: أي وهو ابن نافع، وفي المواق مقتضى نقل ابن عرفة أن كلاً من القولين مشهور. قوله: [وفسخ عقد الثاني] إلخ: هذا أحد أقوال ثلاثة وحاصلها الفسخ مطلقاً بنى أو لا وعدمه مطلقاً والفسخ إن لم يبن لا إن بنى، وشهر أبو عمران الفسخ قبل البناء لكن

стр. 377

وجب عليه فسخه، وقيل: استحباباً وعليه الأكثر. فإن بنى بها لم يفسخ ولو لم يطأ. (و) حرم (صريح خطبة) امرأة (معتدة) عدة وفاة أو طلاق من غيره لا من عدتها منه، فيجوز إذ لم يكن بتاً. (و) حرم (مواعدتها) أي المعتدة أي المواعدة من الجانبين بأن يعدها بالتزويج بعد العدة وهي تعده. وأما العدة من أحدهما دون الآخر فمكروه كما يأتي. (كوليها) أي يحرم صريح الخطبة له ومواعدته وهي في العدة؛ أي بأن كان مجبراً، ويكره مواعدة غيره على المشهور. (كمستبرأة) من وطء مالكها أو من غلط بشبهة نكاح أو ملك أو من غصب، بل (وإن من زنا) ولو منه لأن ماء الزاني فاسد، ولذا لا يلحق به الولد، أي يحرم صريح خطبتها ومواعدتها كوليها، ثم إن عقد على المعتدة أو المستبرأة ووطئها أو تلذذ بها تأبد تحريمها عليه كما أشار له بقوله: (وتأبد تحريمها): أي المعتدة بنوعيها أو المستبرأة بأنواعها عليه (بوطء نكاح) أي بسبب وطء مستند لعقد لا بمجرد أحدهما، (ولو) وقع الوطء المستند لنكاح (بعدهما) أي بعد فراغ العدة والاستبراء (أو مقدمته) أي الوطء من قبلة أو مباشرة حيث استندت لعقد إن وقعت منه في العدة أو الاستبراء لا بعدهما. (أو وطء بشبهته [١]): أي وتأبد تحريم المعتدة أو المستبرأة بوطء حصل غلطاً بشبهة النكاح، بأن اعتقد أنها زوجته. (فيهما): أي إن حصل كل من مقدمته أو وطء الشبهة في زمن العدة أو الاستبراء، فقوله "فيهما" راجع للمسألتين، وضمير التثنية يعود على العدة والاستبراء. (أو بوطء ملك) بأن وطئ السيد أمته المعتدة من وفاة أو طلاق (أو شبهته) أي شبهة الملك، بأن وطئها أجنبي غلطاً يظنها أمته (فيها) أي في عدتها من نكاح أو شبهته، بخلاف وطء مالكها أو غيره يظنها أمته وهي مستبرأة، فلا يتأبد تحريمها عليه كما سيأتي، فتحصل أن من عقد على معتدة أو مستبرأة ووطئها وإن بعدهما تأبد تحريمها عليه فلا تحل له أبداً. ــ قيده بالاستحباب. قوله: [وقيل استحباباً] إلخ: فعليه إنما يكون الفسخ عند عدم مسامحة الأول له؛ فإن سامحه فلا فسخ، ومحل الفسخ المذكور ما لم يحكم حاكم بصحة النكاح الثاني، وإلا لم يفسخ، كالحنفي؛ فإنه يرى أن النهي في الحديث للكراهة. قوله: [وحرم صريح خطبة] إلخ: أي سواء كانت مسلمة أو كتابية حرة أو أمة. قوله: [أو طلاق]: أي ولو كان رجعياً. قوله: [فيجوز]: أي التصريح لها بالخطبة في العدة بل له تزويجها قوله: [وهي تعده]: أي إن كانت غير مجبرة وإلا فالعبرة بوعد وليها كما يأتي. قوله: [لأن ماء الزاني فاسد ولذا لا يلحق به الولد] إلخ: هذا التعليل يشمل الغصب أيضاً ولا يشمل المستبرأة من شبهة النكاح أو الملك، أو شبهته، فيقتضي جواز الخطبة لصاحب الماء زمن الاستبراء، لأن الماء غير فاسد للحوق المولود به وانظر في ذلك. قوله: [أي المعتدة بنوعيها]: أي الموت والطلاق، ولا يتأبد في الطلاق إلا إن كان بائناً، وأما الرجعية فلا يتأبد تحريمها لأنها زوجة لمطلقها ما دامت في العدة، فكأن العاقد إذا وطئ زنى بزوجة الغير ولا يحرم بالزنى حلال، وهل يحد الواطئ حينئذ لأنه زان أو لا؟ وكلامهم في باب الحد يدل على أنه يحد كذا في الحاشية. واختلف في الرجل يفسد المرأة على زوجها حتى يطلقها منه ثم يتزوج بها بعد وفاء عدتها منه، فقيل يتأبد تحريمها، وقيل لا يتأبد، وإنما يفسخ نكاحه، فإذا عادت لزوجها وطلقها أو مات عنها جاز لذلك المفسد نكاحها، وهذا هو المشهور كذا في (بن). قوله: [أو المستبرأة بأنواعها]: أي الخمسة وهي شبهة النكاح والملك وشبهته والزنا والغصب. قوله: [بوطء نكاح] إلخ: حاصله أن الصور هنا ست وثلاثون صورة من ضرب ستة في مثلها، لأن المحبوسة إما في عدة في نكاح أو استبراء من شبهة أو من ملك أو شبهته، أو من زنا أو غصب، والطارئ واحد من تلك الستة يتأبد التحريم. في ستة عشر صورة: وهي ما إذا طرأ نكاح أو شبهته على الستة فهذه اثنتا عشرة صورة، أو طرأ ملك أو شبهته على نكاح أو شبهته فهذه أربع تضم لها، أفادها كلها بقوله: "وتأبد تحريمها بوطء" إلى قوله: " إن كانت العدة أو الاستبراء من غيره "، وأما طرو زنا أو غصب على الستة أو طرو ملك أو شبهته على مالك أو شبهته أو زنا أو غصب فهذه عشرون، لا يتأبد بها التحريم، وهذه قد أفادها بقوله: "أو الزنا أو وطء، ملك أو شبهته في استبراء". قوله: [لا بمجرد أحدهما]: أي الذي هو العقد فقط أو الوطء فقط، وأما الأول فظاهر، وأما الوطء ففيه تفصيل، أما إذا كان وطء زنا أو غصب فلا يضر طروه على الجميع، وكذلك وطء الملك أو شبهته إن طرأ على ملك أو شبهته أو زنا، أو غصب وأما وطء شبهة النكاح فيضر في الجميع ومثله وطء الملك وشبهته إن طرأ على النكاح وشبهته فقد علمت الإجمال في كلام الشارح فتأمل. قوله: [يعود على العدة]: أي بنوعيها وقوله: والاستبراء أي بأنواعه. قوله: [أي في عدتها من نكاح أو شبهته]: تسمية المحبوسة من شبهة النكاح معتدة فيه تجوز. قوله: [أن من عقد على معتدة]: أي من طلاق بائن من غيره أو وفاة، وقوله أو مستبرأة صادق بأنواع الاستبراء الخمسة، فهذه ست صور أخبر عنها بقوله: " تأبد تحريمها "، فهذه مسائل طرو النكاح على الستة، وإن نظرت لقوله: " وإن بعدهما " كانت اثنتي عشرة.

стр. 378

وأما مقدمات الوطء فقط فتؤبد التحريم إن وقعت في العدة والاستبراء، لا بعدهما، فأما إذا لم يحصل عقد فلا أثر لمقدمات الوطء مطلقاً بشبهة أو لا، وأما الوطء فيؤبد إن كان بشبهة نكاح في العدة والاستبراء أو الملك، أو شبهته في العدة فقط دون الاستبراء، وهذا: (إن كانت العدة أو الاستبراء من غيره، وإلا) بأن كانت العدة منه ولو من طلاق ثلاث -أو كان الاستبراء منه بسبب زنا أو غصب أو غلط (فلا) يتأبد تحريمها عليه، وإن وطئها مستنداً لعقد أو شبهة. (كالعقد) مجرداً عن وطء: لا يؤبد تحريمها. (أو الزنا) المحض وهو ما لم يستند لعقد ولا شبهة: لا يؤبد. (أو وطء بملك أو شبهته في استبراء): بأن وطئ السيد أمته المستبرأة من زنا أو من بائعها له أو من غصب أو شبهة ملك أو وطئها أجنبي يظنها أمته لم يتأبد التحريم، بخلاف وطء مالكها أو غيره يظنها أمته وهي معتدة من طلاق أو موت فيتأبد كما قدمناه. واعلم أن تأبيد [١] التحريم في المسائل المتقدمة لم يقل به الحنفية ولا الشافعية، لأنه خلاف الأصل، ولم يقم عليه دليل عندهم. (وجاز التعريض) للمعتدة وهو المراد بقوله تعالى: ﴿إلا أن تقولوا قولا معروفا﴾ [البقرة: ٢٣٥] كأن يقول لها: إني اليوم فيك راغب أو محب أو معجب أو إن شاء الله يكون خيراً وهو ضد التصريح، وهو أن يظهر في كلامه ما يصلح للدلالة على مقصوده، ويسمى تلويحاً لأنه ذكر الكلام في معناه ولوح به إلى إرادة لازمة. (و) جاز (الإهداء فيها): أي في العدة كالخضر والفواكه وغيرهما لا النفقة. فلو تزوجت بغيره فلا رجوع له عليها بشيء وكذا لو أهدى أو أنفق لمخطوبة غير معتدة، ثم رجعت عنه، ولو كان الرجوع من جهتها إلا لعرف أو شرط وقيل: إن كان الرجوع من جهتها فله الرجوع عليها، لأنه في نظير شيء لم يتم واستظهر. (و) جاز (ذكر المساوئ): أي العيوب في أحد الزوجين ليحذر عمن هي فيه. (وكره عدة من أحدهما): أي الزوجين لصاحبه في العدة كأن يقول لها: أتزوجك بعد العدة أو عكسه، فيسكت المخاطب منهما، وأما المواعدة من الجانبين فحرام كما تقدم، وإنما تظهر الكراهة إذا كان المتكلم يعلم أن المخاطب لا يجيبه بشيء وإلا فلا وجه لها. (و) كره (تزوج) امرأة (زانية): أي مشهورة بذلك ولو بقرائن الأحوال. ــ قوله: [وأما مقدمات الوطء] إلخ: أي فيكون تأبيد التحريم في ست صور فقط، بخلاف الوطء ففي اثنتي عشرة، فصور المقدمات والست التي زادت بالتعميم خارجة عن أصل الست والثلاثين. قوله: [وأما الوطء فيؤبد] إلخ: تحته ست، وقوله [أو بملك أو شبهته] أي طرو ملك أو شبهته على نكاح أو شبهته فهذه أربعة تأبد فيها التحريم تضم لما قبلها، فقول الشارح: "في العدة فقط" أي من نكاح أو شبهته، ولو حذف قوله: "فقط" وصرح بهما ما ضر، فصارت صور التأبيد ثمانياً وعشرين فتأمل. قوله: [دون الاستبراء]: أي من غير شبهة النكاح لما علمت أن شبهة النكاح ملحقة بالعدة. قوله: [ولو من طلاق ثلاث]: أي فلا يؤبد التحريم عليه، وإن كان العقد عليها في تلك الحالة حراماً، ويحد إن كان قد تزوجها عالماً بالتحريم، ولا يلحق به الولد إن كان ثابتاً بالبينة، فإن تزوجها غير عالم بالتحريم كما إذا استند لقول مفت يعتقد صدقه، فلا حد عليه ويلحق به الولد، وإن كان يجب التفرقة بينهما متى اطلع عليهما، وأما لو أقر بعد النكاح أنه كان قبله عالماً بالتحريم ولم يثبت ذلك بالبينة فإنه يحد لإقراره، ويلحق به الولد لعدم ثبوت ذلك، وهذه إحدى المسائل التي يجتمع فيها الحد مع لحوق الولد. قوله: [أو الزنا المحض]: مراده ما يشمل الغصب فيدخل فيه اثنتا عشرة صورة، وهو طرو زنا أو غصب على نكاح أو شبهته، أو ملك أو شبهته، أو زنا أو غصب. قوله: [أو وطء بملك أو شبهته]: تحته ثمان وهي: أن يقال طرأ ملك أو شبهته على استبراء من ملك أو شبهته، أو زنا أو غصب، فإن قوله في استبراء بيان للمطرو عليه، ومراده الاستبراء من خصوص الملك أو شبهته، أو الزنا أو الغصب لا من شبهة النكاح، فإن حكمها حكم عدة النكاح كما تقدم، فهذه هي العشرون التي لا تأبيد فيها، ويزاد عليها العقد المجرد وتحته ست صور فجملة الصور أربع وخمسون تؤخذ من المصنف والشارح. قوله: [وهي معتدة من طلاق أو موت]: ومثله شبهته كما تقدم. قوله: [لم يقل به الحنفية ولا الشافعية]: أي فلو رفعت المسألة لشافعي أو حنفي، وحكم بعدم تأبيد التحريم لرفع الخلاف كما هو معلوم. قوله: [وجاز التعريض]: هو لفظ استعمل في معناه ليلوح به لغيره فهو حقيقة أبداً وهذه الألفاظ كذلك، بخلاف الكتابة فإنها التعبير عن الملزوم باسم اللازم كقولنا في وصف شخص بالكرم إنه كثير الرماد. قوله: [وهو ضد التصريح]: جملة معترضة بين التعريض وتفسيره. قوله: [لا النفقة]: أي فلا يجوز إجراء النفقة عليها في العدة بل يحرم. قوله: [واستظهر]: أي استظهر هذا التفصيل الشمس اللقاني. قوله: [وجاز ذكر المساوئ]: أي أنه يجوز لمن استشاره الزوج في التزوج بفلانة أن يذكر له ما يعلمه فيها من العيوب ليحذره منها، ويجوز لمن استشارته المرأة في التزوج بفلان أن يذكر لها ما يعلمه فيه من العيوب لتتحذر منه. واعلم أن محل جواز ذكر المساوئ للمستشار إذا كان هناك من يعرف حال المسئول

стр. 379

وإن لم يثبت عليها بالوجه الشرعي. (و) كره تزوج امرأة (مصرح لها بالخطبة فيها): أي في العدة، أي يكره له تزوجها بعد العدة إن صرح لها بالخطبة فيها. (وندب فراقها) أي من ذكر من الزانية والمصرح لها بالخطبة إن وقع التزوج بها. ثم شرع يتكلم على الأركان وشروطها، وما يتعلق بها، وبدأ بالكلام على الصيغة لقلة الكلام عليها فيتفرغ منها لغيرها فقال: (والصيغة) التي هي أحد الأركان الثلاثة أو الخمسة هي (اللفظ الدال عليه) أي على النكاح، أي على حصوله وتحققه إيجاباً وقبولاً ومثل للإيجاب الصريح بقوله: (كأنكحت وزوّجت) أي كقول الولي: أنكحتك بنتي فلانة أو موكلتي فلانة [١]، أو زوجتك بنتي أو موكلتي فلانة، ولو لم يسم صداقاً كما يأتي في نكاح التفويض، وأما لو قال: وهبتك، فلا بد من تسمية صداق وإلا لم ينعقد النكاح والمضارع نحو: أزوجك، إن قامت القرينة على الإنشاء لا الوعد كالماضي ومثل للقبول بقوله: (وكقبلت) ورضيت من الزوج أو وكيله، ولا يضر الفصل اليسير بين الإيجاب والقبول. وصح تقديم القبول من الزوج كأن يقول: زوجني ابنتك، فيقول الولي: زوجتك إياها فينعقد ولا تكفي الإشارة ولا الكتابة إلا لضرورة خرس. (ولزم) النكاح بمجرد الصيغة لأنه من العقود اللازمة بلا خيار (ولو بالهزل) ضد الجد كالطلاق والعتق والرجعة. ثم شرع في الكلام على الركن الثاني وهو الولي، مقسماً له إلى مجبر وغيره فقال: (والولي) قسمان: (مجبر وغيره فالمجبر) أحد ثلاثة: الأول: (المالك) لأمة أو عبد له جبره على النكاح (ولو) كان المالك (أنثى)؛ فلها جبر أمتها أو عبدها على النكاح، ولكن توكل في العقد وجوباً (إلا لضرر) يلحق المملوك في النكاح، كالتزويج من ذي عاهة فلا جبر للمالك ويفسخ ولو طال. وللمالك الجبر (ولو) كان المملوك عبداً (مدبراً أو معتقاً لأجل، ما لم يمرض السيد) في المدبر (أو يقرب الأجل) في المعتق لأجل وأما الأنثى المدبرة أو المعتوقة لأجل فالأصح عند اللخمي وغيره عدم الجبر مطلقاً، (وإلا) بأن مرض سيد المدبر أو قرب أجل العتق كالثلاثة الأشهر فدون (فلا) جبر لمالكه (كمكاتب ومبعض) لا جبر لسيده عليه؛ لأن المكاتب أحرز نفسه وماله والمبعض [٢] تعلقت به الحرية. (وكره) لسيد (جبر أم ولده) بعد أن يستبرئها على النكاح، فإن جبرها صح (على الأصح) وقيل: لا جبر له عليها، ــ عنه غير ذلك المستشار، وإلا وجب عليه البيان لأنه من باب النصيحة لأخيه المسلم، وهذه طريقة الجزولي، وهناك طريقة أخرى توجب عليه ذكر المساوئ مطلقاً كان هناك من يعرف تلك المساوئ غيره أم لا. قوله: [وإن لم يثبت عليها]: أي هذا إذا ثبت عليها بالبينة، بل وإن لم يثبت، وأما من يتكلم فيها وليست مشهورة بذلك فلا كراهة في زواجها، قال بعضهم: ومحل كراهة تزوج المرأة التي اشتهرت بالزنا إذا لم تحد، أما إذا حدت فلا كراهة في زواجها بناء على أن الحدود جوابر، هكذا قيل وفي هذا التعليل نظر ولا يقال إن قوله تعالى: ﴿والزانية لا ينكحها إلا زان أو مشرك﴾ [النور: ٣] يفيد حرمة نكاحها لأنه يقال المراد لا ينكحها في حال زناها، أو أنه بيان للائق بها أو أن الآية منسوخة. قوله: [أي من ذكر من الزانية] إلخ: أي وإذا فارق الزانية المبيحة فرجها للغير فلا صداق لها حيث تزوج بها غير عالم بذلك. قوله: [فلا بد من تسمية صداق]: أي حقيقة بأن يقول: وهبتها لك بصداق قدره كذا، أو حكماً كأن يقول: وهبتها لك تفويضاً. قوله: [والمضارع] إلخ: قال في التوضيح ومضارعهما كماضيهما واعترضه الناصر اللقاني قائلاً: فيه نظر، إذ العقود إنما تتعلق بالماضي دون المضارع، لأن الأصل فيه الوعد وفي الماضي اللزوم اهـ فمن أجل هذه المناقشة في كلام التوضيح قيد شارحنا المضارع بقوله: " إن قامت القرينة " إلخ. قوله: [كالماضي]: ومن باب أولى صيغة الأمر لأنها موضوعة للإنشاء. قوله: [ولا يضر الفصل اليسير]: تقدم أنه الخطبة أو قدرها. قوله: [كالطلاق والعتق] إلخ: أي فقد ورد: «ثلاثة هزلهن جد النكاح والطلاق والعتق»، وفي رواية: " والرجعة " بدل العتق. تنبيهان: الأول: اختلف في كل لفظ يقتضي البقاء مدة الحياة، كبعت أو ملكت أو أحللت أو أعطيت أو منحت، وهل هي كوهبت ينعقد بها النكاح إن سمى صداقاً حقيقة أو حكماً؟ وهو قول ابن القصار وعبد الوهاب والباجي وابن العربي، أو لا ينعقد بها ولو سمى صداقاً؟ وهو قول ابن رشد في المقدمات ككل لفظ لا يقتضي البقاء فلا ينعقد به اتفاقاً كالحبس والوقف والإجارة والعارية والعمرى، فتحصل من كلامهم أن الأقسام أربعة: الأول: ينعقد به النكاح مطلقاً سواء سمى صداقاً أم لا، وهو أنكحت وزوجت. والثاني: ينعقد إن سمى صداقاً حقيقة أو حكماً وهو وهبت فقط. والثالث: ما فيه الخلاف وهو كل لفظ يقتضي البقاء مدة الحياة. والرابع: ما لا ينعقد به مطلقاً اتفاقاً وهو كل لفظ لا يقتضي البقاء مدة الحياة. الثاني: يلزم النكاح بمجرد الإيجاب والقبول وإن لم يرض الآخر، ولو قامت قرينة على قصد الهزل، لأن النكاح عقد لازم لا يجوز فيه الخيار إلا خيار المجلس، فهو معمول به عندنا في خصوص النكاح إذا اشترط. قوله: [الأول المالك]: قدمه لقوة تصرفه لأنه يزوج الأمة مع وجود أبيها وله جبر الثيب والبكر والكبيرة والصغيرة والذكر والأنثى، لأنهما مال من أمواله وله أن يصلح ماله بأي وجه. قوله: [ولكن توكل في العقد]: أي على الأمة بخلاف العبد فلها العقد بنفسها

стр. 380

فإن جبرها لم يمض فتحصل أن الأنثى بشائبة لا تجبر -على الأصح- إلا أم الولد فتجبر على الأصح بكره، وأن الذكر بشائبة لا يجبر، إلا المدبر والمعتق لأجل إذا لم يمرض السيد ولم يقرب الأجل. (وجبر الشركاء) مملوكهم ذكراً أو أنثى (إن اتفقوا) على تزويجه، لا إن خالف بعضهم، فليس للأخير [١] جبر. الثاني من الولي المجبر: الأب، ورتبته بعد رتبة السيد فلا كلام لأب مع وجود سيد ابنته، ولذا أتى بالفاء المشعرة بتأخر رتبته فقال: (فأب): له الجبر ولو بدون صداق المثل ولو لأقل حال منها أو لقبيح منظر لثلاثة من بناته. أشار للأولى بقوله: (لبكر) ما دامت بكراً (ولو عانساً) بلغت من العمر ستين سنة أو أكثر. (إلا إذا رشدها) الأب: أي جعلها رشيدة أو أطلق الحجر عنها لما قام بها من حسن التصرف فلا جبر له عليها حينئذ، ولا بد أن تأذن بالقول كما يأتي (أو أقامت) بعد أن دخل بها زوج (سنة) فأكثر (ببيت زوجها)، ثم تأيمت وهي بكر فلا جبر له عليها تنزيلاً لإقامتها ببيت الزوج سنة منزلة الثيوبة. وأشار للثانية بقوله: (وثيب) عطف على بكر، (صغرت) بأن لم تبلغ فتأيمت بعد أن أزال الزوج بكارتها؛ فله جبرها لصغرها إذ لا عبرة بثيوبتها في هذه الحالة. (أو) كبرت بأن بلغت وزالت بكارتها (بزنا ولو تكرر) منها الزنا حتى زال جلباب الحياء عن وجهها، (أو ولدت) منه فله جبرها ولا حق لولادتها من الزنا معه. (أو) زالت بكارتها (بعارض) كوثبة أو ضربة أو بعود ونحو ذلك فله جبرها ولو عانساً (لا) إن زالت (بنكاح فاسد) ولو مجمعاً على فساده فليس له جبرها (إن درأ) أي منع (الحد) لشبهة، ــ ويشترط في المالك المجبر الإسلام والحرية والرشد، فإن الكافر لا نتعرض له في مملوكه الكافر، فإن كان مملوكه مسلماً فلا يقر تحت يده، بل يجبر على إخراجه من يده، وأما لو كان المالك عبداً فالجبر لمالكه ما لم يكن العبد المالك مأذوناً له في التجارة، أو مكاتباً فإنه يجبر رقيقه بنفسه، ولكن لا يتولى العقد بنفسه في تزويج الأمة فهو كالمرأة، وأما لو كان سفيهاً فالجبر لوليه وليس للعبد أو الأمة جبر سيدهما على التزويج لهما، ولو حصل لهما الضرر بعدمه، بل ولو قصد إضرارهما بعدمه، ولا يؤمر ببيع ولا تزويج، لأن الضرر إنما يجب رفعه إذا كان فيه مثل حق واجب، ولا حق لهما في النكاح، وما في التوضيح من أنه إذا قصد بمنعهما الضرر أمر بالبيع أو التزويج ضعيف كما نص عليه (ح). قوله: [فإن جبرها لم يمض]: أي بناء على منع الجبر وهو الذي اختاره اللخمي، والراجح الأول وهو رواية يحيى عن ابن القاسم. قوله: [فليس للآخر جبر]: أي بل إن عقد أحد الشركاء بغير إذن الآخر كان للآخر الإجازة، والرد إن كان فيها بعض حرية؛ وإن لم يكن فيها تبعيض تحتم الرد كذا في (ر) والذي في (ح) أنه يتحتم الرد مطلقاً لو فيها بعض حرية واختاره (بن). قوله: [فأب]: أي رشيد وإلا فالكلام لوليه هكذا في الأصل تبعا لـ (عب) والخرشي، ولكن قال (بن) فيه نظر لما سيأتي أن السفيه ذا الرأي أي العقل والدين له جبر بنته وإن كان ناقص التمييز، خص وليه بالنظر في تعيين الزوج. واختلف فيمن يلي العقد هل الولي. أو الأب، فلذلك أطلق شارحنا ولم يقيد بالرشد اتكالاً على ما سيأتي. قوله: [بلغت من العمر ستين سنة]: المراد أنها طالت إقامتها عند أبيها وعرفت مصالح نفسها قبل الزواج وما ذكره من جبر البكر ولو عانساً هو المشهور، خلافاً لابن وهب حيث قال للأب جبر البكر ما لم تكن عانساً، لأنها لما عنست صارت كالثيب، ومنشأ الخلاف هل العلة في الجبر البكارة أو الجهل بمصالح النساء، فالمشهور ناظر للأول وابن وهب ناظر للثاني. قوله: [إلا إذا رشدها الأب]: أي والحال أنها بالغة إذ الصغيرة لا ترشد، ثم ما ذكره المصنف من عدم جبر المرشدة هو المعروف من المذهب، وقال ابن عبد البر: له جبرها، وكما لا يجبرها الأب على المشهور لا حجر له عليها في المعاملة، وما في الخرشي و (عب) من بقاء الحجر عليها في المعاملة غير صواب، إذ الترشيد لا يتبعض فلا يكون في أمر دون آخر كذا في (بن). ومثل البكر التي رشدها الأب البكر التي رشدها الوصي، وفي بقاء ولايته عليها قولان الراجح بقاؤها كما هو، نقل المتيطي عن سماع ابن القاسم لكن لا يزوجها إلا برضاها، وأما لو رشد الوصي الثيب فلا ولاية له عليها والولاية لأقاربها. قوله: [وهي بكر]: أي والحال أنها تدعي البكارة وأن الزوج لم يمسها مع ثبوت الخلوة بينهما، وسواء كذبها الزوج أو وافقها، ومن باب أولى إذا جهلت الخلوة، وأما لو علم عدم الخلوة بينهما وعدم الوصول إليها فإجبار الأب باق، ولو أقامت على عقد النكاح أكثر من سنة. قوله: [فله جبرها لصغرها]: ظاهره أنه إنما يجبرها قبل البلوغ، فإن ثيبت وتأيمت قبل البلوغ ثم بلغت قبل النكاح فلا تجبر، وهو: قول ابن القاسم وأشهب، ومقابله ما لسحنون من الجبر مطلقاً. قوله: [أو بزنا]: أو حرف عطف والمعطوف محذوف قدره الشارح بقوله: "كبرت"، و "بزنا" متعلق بفعل محذوف قدره الشارح بقوله" "وزالت بكارتها"، والجملة معطوفة على جملة "صغرت". قوله: [ولو تكرر منها الزنا]: أي وهو ظاهر المدونة، وقال عبد الوهاب إن لم يتكرر منها الزنا وإلا فلا يجبرها.

стр. 381

وإلا فله جبرها. وأشار للثالثة بقوله: (و) لأب جبر (مجنونة) بالغاً ثيباً لعدم تمييزها، ولا كلام لولدها معه إن كان لها ولد رشيد، (إلا من تفيق) من جنونها أحياناً (فتنتظر) إفاقتها لتستأذن ولا تجبر. ومحل جبر الأب في الثلاثة إذ لم يلزم على تزويجها ضرر عادة، كتزويجها من خصيّ أو ذي عاهة كجنون وبرص وجذام مما يرد الزوج به شرعاً وإلا فلا جبر له. الثالث من الولي المجبر: وصي الأب عند عدم الأب وإليه أشار بقوله: (فوصيه): أي الأب له الجبر فيما للأب فيه جبر. ومحله (إن عين له) الأب (الزوج) بأن قال له: زوجها من فلان، فله جبرها عليه فقط دون غيره إن بذل مهر المثل، بخلاف الأب له جبرها مطلقاً. (أو أمره) الأب (به): أي بالجبر بأن قال: اجبرها، وما في معناه ولو ضمناً، كما لو قال له: زوجها قبل البلوغ وبعده أو على أي حالة شئت. (أو) أمره (بالنكاح) ولم يعين له الزوج ولا الإجبار بأن قال له: زوجها أو أنكحها أو زوجها ممن أحببت أو لمن ترضاه فله الجبر، ومقابله لا يعول عليه ثم شبه في الجبر قوله: (كأنت وصيي عليها): أي على بنتي أو بناتي أو على بضعها أو بضعهن [١] فله الجبر (على الأرجح) عند بعضهم، وقال بعضهم: النقل يفيد أرجحية عدم الجبر لقول أبي الحسن: بخلاف وصيي فقط أو وصيي على بضع بناتي أو على تزويجهن فلا جبر، والقياس أنه لا يزوجها إلا بعد البلوغ، وقال غيره له الجبر. (وهو): أي الوصي (في الثيب) البالغة إذا أمره الأب بتزويجها، أو قال له: أنت وصيي على إنكاحها (كأب) مرتبته بعد الابن ولا جبر؛ فإن زوجها مع وجود الابن جاز على الابن، وإن زوجها الأخ برضاها جاز على الوصي لصحة عقد الأبعد مع وجود الأقرب. (ثم) بعد السيد والأب ووصيه في البكر والصغيرة والمجنونة (لا جبر) لأحد من الأولياء على أنثى صغيرة أو كبيرة وإذا لم يكن لأحد منهم جبر (فإنما تزوج بالغ) لا صغيرة (بإذنها) ورضاها، سواء كانت البالغ بكراً أو ثيباً وسيأتي أن إذن البكر صماتها، وأن الثيب تعرب عن نفسها. ومصب الحصر كلا الأمرين: أي لا تزوج إلا بالغ، ولا تزوج إلا بإذنها؛ فمتى فقد أحد الأمرين فسد النكاح وفسد أبداً على ما شهره أبو الحسن في الصغيرة، وشهر المتيطي فيها أنه يفسخ ما لم يطل. ثم استثنى من مفهوم: "بالغ" قوله: (إلا) صغيرة (يتيمة) والتصريح بـ "يتيمة" من التصريح بما علم التزاماً؛ لأن غير المجبرة متى كانت صغيرة كانت يتيمة إذ لو كان لها أب لكان مجبراً لها. فمحط الاستثناء قوله: (خيف عليها) إما لفسادها في الدين بأن يتردد عليها أهل الفسوق، أو تتردد هي عليهم، أو تكون بجوارهم حتى تتطبع بطباعهم وتميل إلى الهوى، وإما لضياعها في الدنيا لفقرها وقلة الإنفاق عليها أو لخوف ضياع مالها. فقولنا "خيف عليها" ظاهر في شمول المسألتين بخلاف قوله "خيف فسادها". (وبلغت عشراً) من السنين لأنها صارت في سن من توطأ. (وشوور القاضي) بسكون الواو الأولى وكسر الثانية: من المشاورة ليثبت عنده ما ذكر، وأنها خلية من زوج وعدة وغيرهما ــ قوله: [وإلا فله جبرها]: أي لأنه زنا. قوله: [بالغاً ثيباً]: أي وأما الصغيرة أو البكر فله جبرها على كل حال مجنونة أو عاقلة. قوله: [وإلا فلا جبر له]: أي لما في الحديث الشريف: «لا ضرر، ولا ضرار» قوله: [بخلاف الأب له جبرها مطلقاً]: أي ولو على دون مهر المثل ما لم يكن ذا عاهة كما تقدم، وما ذكره من أن الوصي لا يزوج إلا بمهر المثل فأكثر، لا يعارضه ما يأتي في نكاح التفويض من أنه يجوز الرضا بدونه للوصي، قيل لأن ما هنا قبل العقد وما يأتي بعده لمصلحة عدم الفراق. قوله: [كأنت وصيي عليها]: حاصل المسألة أن الأب إذا قال للوصي: أنت وصيي على بضع بناتي، أو على نكاح بناتي أو على تزويجهن، أو وصيي على بنتي تزوجها ممن أحببت، له الجبر على الراجح، وإن لم يذكر شيئاً من النكاح أو التزويج أو البضع فالراجح عدم الجبر، كما إذا قال: أنت وصيي على بناتي أو على بعض بناتي أو على بنتي فلانة، وأما لو قال: أنت وصيي فقط أو على مالي أو بيع تركتي أو قبض ديني، فلا جبر اتفاقاً، فلو زوج جبراً في هذه الصورة فاستظهر الأجهوري الإمضاء وتوقف فيه النفراوي، وأما إن زوج بلا جبر صح بلا خلاف، هذا هو تحرير المسألة فليحفظ، وكلام الشارح في هذا المقام غير واضح. قوله: [جاز على الابن]: أي مضى بعد الوقوع وإلا فالابن مقدم كما أن الوصي مقدم على الأخ بدليل ما بعده. تنبيه: استثنى العلماء من وجوب الفور بين الإيجاب والقبول مسألة نص عليها أصبغ، وهي: أن يقول الرجل في مرضه إن مت فقد زوجت ابنتي فلانة من فلان، فهذا يصح طال الأمر أو لا، قبل الزوج النكاح بقرب الموت أو بعد الطول كما هو مذهب المدونة. وقيد سحنون الصحة بما إذا قبل الزوج النكاح بقرب موت الأب، لأن العقود يجب أن يكون القبول بقربها ولا سيما عقد النكاح، فإن الفروج يحتاط فيها، وإنما استثنيت هذه المسألة لأنها من وصايا المسلمين، فيجب إنفاذها حيث وقع منه ذلك في المرض كان المرض مخوفاً أم لا فتدبر. قوله: [وسيأتي أن إذن البكر صماتها]: أي إلا ما استثنى من الأبكار الستة فلا بد من إذنهن بالقول. قوله: [كانت يتيمة]: أي ولا سيد لها ولا وصي. قوله: [إذ لو كان لها أب) أي أو سيد أو وصي. قوله: [والحق خلافه) أي كما قال شيخ مشايخنا العدوي:

стр. 382

من الموانع الشرعية، ورضاها بالزوج وأنه كفؤها في الدين والحرية والحال وأن المهر مهر مثلها، (فيأذن لوليها) في العقد، ولا يتولى العقد بنفسه مع وجود غيره من الأولياء. وظاهره: أن مشاورة القاضي شرط صحة، وهو ظاهر ما نقله الشيخ عن ابن عبد السلام، وأثبته في مختصره وتبعناه فيه، والحق خلافه إذ لم يذكره أحد غير ابن عبد السلام من الأئمة. وعليه فإذا زوجها وليها بالشروط المذكورة من غير مشاورة كان النكاح صحيحاً قطعاً، نعم تستحسن المشاورة لثبوت الواجبات ورفع المنازعات. والحق أن إذنها صمتها كغيرها، خلافاً لمن قال لا بد أن تأذن بالقول. (وإلا) بأن لم يخف عليها فساداً ولا ضيعة أو لم تبلغ عشراً وزوجت (فسخ) نكاحها. (إلا إذا دخل) الزوج بها (وطال) الزمن بعد الدخول والبلوغ فلا يفسخ. وفسر الطول (بالسنين) كالثلاثة بعد دخولها وبلوغها، (أو) ولادة (الأولاد) كاثنين في بطنين، وشهر هذا المتيطي وقال أبو الحسن: المشهور الفسخ أبداً ففي المسألة خلاف في التشهير كما أشرنا لذلك في صدر العبارة. ثم شرع في بيان الولي الغير المجبر، ومن هو أحق بالتقديم عند وجود متعدد من الأولياء فقال: (والأولى) عند وجود متعدد من الأولياء (تقديم ابن) للمرأة في العقد عليها برضاها، (فابنه) على الأب، فلو عقد الأب مع وجود الابن أو ابنه جاز على الابن، ولا ضرر كما سينص عليه. (فأب) للمرأة فمرتبته بعد الابن وابنه، (فأخ) للأب (فابنه) وإن سفل، (فجدّ) لأب فمرتبته بعد الأخ وابنه، كالولاء والصلاة على الجنازة، بخلاف الفرائض (فعم) لأب (فابنه، فجد أب فعمه): أي عم الأب (فابنه و) الأولى (تقديم الشقيق) من كل صنف على الذي للأب، (و) الأولى تقديم (الأفضل) عند التساوي في الرتبة. (وإن تنازع متساوون) في الرتبة والفضل كإخوة كلهم علماء (نظر الحاكم) فيمن يقدمه (إن كان) حاكم، (وإلا) يكن (أقرع) بينهم. (فمولى أعلى) وهو من أعتق المرأة يلي مرتبة عصبة النسب (فعصبته، فمولاه) وهو من أعتق معتقها وإن علا. (فمولى أبيها) كذلك (فمولى جدها كذلك) وإن علا، وهذا معنى قوله: "فمولاه" ولا حق للمولى الأسفل، قال المصنف: لأنها إنما تستحق بالتعصيب. (فكافل) لها غير عاصب: أي قائم بتربيتها حتى بلغت عنده، ــ المعتمد في هذه المسألة ما ارتضاه المتأخرون من أن المدار على خيفة الفساد متى خيف عليها الفساد في مآلها، أو في حالها زوجت بلغت عشراً أو لا، رضيت بالنكاح أم لا، فيجبرها وليها على التزويج، ووجب مشاورة القاضي في تزويجها، فإن زوجت من غير مشاورته صح النكاح إن دخل، وإن لم يطل، وأما إن لم يخف عليها الفساد وزوجت صح إن دخل وطال اهـ. فإذا علمت ذلك فالمدار على خلوها من الموانع الشرعية، أما رضاهما بالزوج وأنه كفؤها في الدين والحرية والحال، وأن المهر مهر مثلها، وأن الجهاز الذي جهزت به مناسب فليس بلازم على التحقيق ارتكاباً لأخف الضررين، فإن لم يوجد قاض يشاور لعدمه أو لكونه ظالماً كفى جماعة المسلمين. قوله: [بالشروط المذكورة]: قد علمت أن المدار على خلاف الفساد والخلو من الموانع الشرعية فقط. قوله: [أو لم تبلغ عشراً]: ظاهره أنها إذا لم تبلغ عشراً وزوجت مع خوف الفساد يفسخ قبل الدخول والطول، وليس كذلك، بل هو صحيح ابتداء على المعتمد كما تقدم ارتكاباً لأخف الضررين، ولا يفسخ قبل الدخول والطول إلا إذا زوجت من غير خوف فساد. قوله: [ففي المسألة خلاف في التشهير]: وروي عن ابن القاسم قول ثالث بعد الفسخ أصلاً. قوله: [والأولى عند وجود متعدد] إلخ: الراجح أن هذا التقديم واجب غير شرط، وقيل مندوب وهو الذي درج عليه الشارح. قوله: [تقديم ابن]: أي ولو من زنا كما إذا ثيبت بنكاح ثم زنت وأتت بولد فيقدم على الأب، وأما إذا ثيبت بزنا وأتت منه بولد فإن الأب يقدم عليه لأنها في تلك الحالة مجبرة للأب كما يفهم مما مر. قوله: [فأب]: أي شرعي، وأما أبو الزنا فلا عبرة به. قوله: [فأخ للأب]: صادق بأن يكون شقيقاً أو لأب فقط وخرج الأخ للأم فإنه لا ولاية له خاصة، وإن كان له ولاية عامة. قوله: [فابنه]: ما ذكره من تقديم الأخ وابنه على الجد هنا هو المشهور، ومقابله أن الجد وإن علا يقدم على الأخ وابنه. قوله: [كالولاء والصلاة على الجنازة]: أي والغسل والإيصاء والعقل كما قال الأجهوري: بغسل وإيصاء ولاء جنازة ... نكاح أخاً وابناً على الجد قدم وعقل ووسطه بباب حضانة ... وسوه مع الآباء في الإرث والدم قوله: [بخلاف الفرائض]: أي المواريث فإنه مقدم على ابن الأخ. قوله: [فجد أب]: أي وهكذا يقدم الأصل على فرعه، وفرعه على أصل أصله، وقيل إن الجد وإن علا يقدم على العم. قوله: [والأولى تقديم الشقيق]: أي على الأصح عند ابن بشير، والمختار عند اللخمي وهو قول مالك وابن القاسم وسحنون، ومقابله ما رواه ابن زياد عن مالك أن الشقيق وغيره في مرتبة واحدة فيقترعان عند التنازع. قوله: [أقرع بينهم]: وقيل يعقدون معاً. قوله: [فعصبته]: أي المتعصبون بأنفسهم وكذا يقال فيمن أعتق من أعتقها، أو أعتق أباها لأن الكل يصدق عليه أنه مولى أعلى، وترتيب عصبة كل المتعصبين بأنفسهم كترتيب عصبتها. قوله: [لأنها إنما تستحق بالتعصيب] أي والعتيق ليس من عصبتها. قوله: [فكافل لها]: حاصله أن

стр. 383

أو بلغت عشراً بشروطها (إن كانت) المكفولة (دنيئة) لا شريفة كما هو ظاهر المدونة وإلا فوليها الحاكم، (وكفل ما): أي زمناً (يشفق فيه): أي تحصل فيه الشفقة والحنان عليها عادة، ولا يحد بأربعة أعوام ولا بعشرة على الأظهر، ولا بد من ظهور الشفقة عليها منه بالفعل، وإلا فالحاكم هو الذي يتولى عقد نكاحها. (فالحاكم) يلي من ذكر. (فعامة مسلم): أي فإن لم يوجد أحد ممن ذكر تولى عقد نكاحها أي رجل من عامة المسلمين، ومن ذلك الخال والجد من جهة الأم والأخ لأم، فهم من أهل الولاية العامة بإذنها ورضاها. (وصح) النكاح (بالعامة) أي بالولاية العامة (في) امرأة (دنيئة مع وجود) ولي (خاص) كأب وابن وعم، (لم يجبر) لكونها بالغاً ثيباً أو بكراً لا أب لها ولا وصي لها، ولا يفسخ بحال طال زمن العقد أو لا دخل بها الزوج أو لم يدخل، لكونها -لدناءتها وعدم الالتفات إليها- لا يلحقها بذلك معرة. والدنيئة: هي الخالية من الجمال والمال والحسب والنسب؛ فالخالية من النسب: بنت الزنا أو الشبهة أو المعتوقة من الجواري، والحسب: هو الأخلاق الكريمة كالعلم والحلم والتدبير والكرم ونحوها من محاسن الأخلاق، فالغنية ذات الجمال ليست بدنيئة، وإن لم يكن لها حسب ولا نسب، والنسيبة -وإن كانت فقيرة أو قبيحة- ليست بدنيئة بل كل من اتصفت بصفتين من هذه الصفات الأربع فشريفة، بل وبصفة فقط على ما قاله بعضهم. نعم الوقفة في قوم فقراء شأنهم أن يكونوا خدمة للناس ولا ديانة عندهم ولا صيانة، فهم -وإن عرف نسبهم- إلا أنهم لعدم ديانتهم وصيانتهم وكونهم مسخرين تحت أيدي الناس لا يلتفت إليهم، والظاهر دناءتهم وبقي الكلام في الجواز: هل لا يجوز لمطلق مسلم أن يتولى عقد نكاح الدنيئة مع وجود كأبيها؟ ونص عليه بعض الشراح ورجح قول الشيخ ولم يجز لهذه المسألة أيضاً، أو يجوز؟ قال بعضهم: وهو نص المدونة وابن عرفة وابن فتوح وغيرهم، وجعله المذهب. ثم شبه في الصحة قوله: (كشريفة): أي كما يصح نكاح شريفة بالولاية العامة مع وجود خاص غير مجبر، (إن دخل) الزوج بها (وطال) طولاً (كالمتقدم): أي كالطول المتقدم في الصغيرة التي لا أب لها إذا زوجت مع فقد الشروط أو بعضها، وهو أن يمضي زمن تلد فيه الأولاد كثلاث سنين. (ولم يجز) لمن له الولاية العامة أن يتولى عقد نكاح امرأة شريفة مع وجود خاص فقوله: "ولم يجز" راجع لما بعد الكاف. وأما الدنيئة فتقدم أن المذهب الجواز، ولذا لم يفسخ بحال فيها كما تقدم وكان الأولى للشيخ ﵀ ذكره هنا. (وإلا) بأن دخل ولم يطل أو لم يدخل طال أم لا (فللأقرب) من الأولياء عند وجود أقرب وأبعد وللبعيد [١] عند عدم القريب (أو الحاكم إن غاب) الأقرب غيبة بعيدة على ثلاثة أيام فأكثر (الرد) للنكاح، وله الإمضاء فهو مخير في الثلاث صور بين الفسخ والإمضاء. فإن أجازه ثبت. وقيل: يتعين الفسخ إذا لم يدخل، وطال الزمن وهو أحد التأويلين في كلامه. وعليه فحاصل المسألة أنه يفسخ قبل البناء إن طال ويثبت بعده إن طال، فإن قرب فيهما خير الولي الخاص في فسخه وإمضائه، ــ البنت إذا مات أبوها أو غاب وكفلها رجل - أي قام بأمورها حتى بلغت عنده - أو خيف عليها الفساد سواء كان مستحقا لحضانتها شرعاً، أو كان أجنبياً، فإنه يثبت له الولاية عليها ويزوجها بإذنها إن لم يكن لها عصبة، وهل ذاك خاص بالدنيئة؟ وهو ظاهر المدونة، فلذا اقتصر عليه الشارح، أو حتى في الشريفة؟ خلاف. فإن زوجها أولاً ثم مات الزوج فهل تعود الولاية له أو لا؟ ثالثها: تعود إن كان فاضلا، رابعها: تعود إن عادت المرأة لكفالته، وأشعر إتيان المصنف بالوصف مذكراً أن المرأة الكافلة لا ولاية لها وهو المذهب، وقيل: لها ولاية ولكنها لا تباشر العقد بل توكل كالمعتقة. قوله: [أو بلغت عشراً بشروطها]: قد علمت الشروط المتقدمة في اليتيمة وتحقيقها فلا حاجة للإعادة. قوله: [أي فإن لم يوجد أحد ممن ذكر]: أي لم يوجد لها عاصب ولا مولى أعلى ولا كافل ولا حاكم شرعي قوله: [وصح النكاح) إلخ أي وأما الجواز ابتداء فسيأتي أن فيه خلافاً والحق الجواز، لأنه نص المدونة. قوله: [لم يجبر]: أي وأما لو عقد النكاح بالولاية العامة مع وجود المجبر كان النكاح فاسداً، ويفسخ أبداً ولو أجازه المجبر. قوله: [وإن لم يكن لها حسب ولا نسب]: أي كالمعتوقة البيضاء الجميلة. قوله: [والنسيبة] أي ذات النسب العالي وهي التي اتصفت بالحسب والنسب لا ذات النسب فقط، بدليل ما بعده. قوله: [بل وبصفة فقط] إلخ: الظاهر أن الصفة الواحدة لا تكفي بدليل استظهاره الآتي. قوله: [فهم وإن عرف نسبهم]: أي عرف أصولها وأنها ليست من زنا ولا مجهولة النسب، وليس المراد بالنسب علوه لأن النسب يرجع لمعنى الحسب. قوله: [والظاهر دناءتهم]: وحيث كان انفراد النسب لا يكفي في الشرف فأولى انفراد غيره من الصفات. قوله: [كشريفة] إلخ: حاصله أنه إذا عقد للشريفة بالولاية العامة مع وجود الولي الخاص غير المجبر، وطال الزمان بعد الدخول - والطول الذي ذكره الشارح - فإنه يمضي اتفاقاً، وإن كان لا يجوز ابتداء، وأما إن طال بعد العقد وقبل الدخول يتحتم الفسخ أو لا يتحتم، ويخير الولي بين الإجازة والرد، وعلى القول بتحتم الفسخ هل بطلاق وهو القياس أو بغيره خلاف، وأما إن لم يحصل طول فيخير الولي بين الإجازة والرد اتفاقاً حصل دخول أم لا. قوله: [وطال الزمن]: أي بعد العقد وقبل الدخول

стр. 384

فالتخيير في صورتين. (و) صح النكاح (بأبعد) من الأولياء كعم وابنه (مع) وجود (أقرب لا يجبر) كأب وابن في شريفة وغيرها فلا يفسخ بحال، (وإلا) بأن كان الولي مجبراً -كسيد وكأب أو وصيه في بكر أو صغيرة أو مجنونة- (فلا) يصح النكاح بالأبعد مع وجوده في شريفة لا دنيئة. (وفسخ أبداً) متى اطلع عليه ولو بعد مائة سنة. وبقي الكلام في تولي الأبعد العقد مع وجود أقرب غير مجبر، هل يجوز أو لا؟ قال المصنف هنا: "ولم يجز" وهو مبني على أن قوله: "وقدم ابن فابنه" إلخ معناه على سبيل الوجوب الغير الشرطي وقال بعضهم: بل يجوز ابتداء غايته أنه مكروه أو خلاف الأولى، ورجح وهو الذي درجنا عليه بقولنا: "والأولى تقديم ابن" إلخ. واستثنى من قوله: "وإلا فلا يصح" قوله: (إلا أن يجيز): المجبر (عقد من فوض) المجبر (له أموره) من الأولياء كابن وأخ وجد وغيرهم وثبت التفويض له، (ببينة) لا بمجرد دعوى ولا بإقرار من المجبر بعد العقد، (فيمضي) ذلك العقد ولا يفسخ (إن لم يبعد) بأن قرب ما بين العقد من المفوض له والإجازة من المجبر (على الأوجه) من التأويلين، لأن عقد المفوض مع وجود المجبر خلاف الأصل. والطول مما يزيد ضعفاً فلا يمضي معه ويمضي مع القرب، والتأويل الثاني: يمضي مطلقاً. (فإن فقد) المجبر (أو أسر، فكموته) ينقل الحق للولي الأقرب فالأقرب دون الحاكم، أي فلا كلام للحاكم مع وجود غيره من الأولياء وقد تبع المصنف في هذا المتيطي، وحكى ابن رشد الاتفاق على أنه كذي الغيبة البعيدة يزوجها الحاكم دون غيره فيكون هو المذهب. (وإن غاب) المجبر (غيبة بعيدة كإفريقية من مصر) ولم يرج قدومه، (فالحاكم) هو الذي يزوجها بإذنها -وإذنها صماتها- دون غيره من الأولياء (وإن لم يستوطن): أي لم تكن نيته الاستيطان بها (على الأصح) وتؤولت أيضاً على الاستيطان وإنما كان الأمر للحاكم دون غيره، لأن الحاكم ولي الغائب وهو مجبر لا كلام لغيره معه. فإن كان مرجو القدوم كالتجار فلا يزوجها حاكم ولا غيره (كغيبة) الولي (الأقرب) غير المجبر (الثلاث) ففوق، فيزوجها الحاكم دون الأبعد الحاضر، فإن كان على الأقل من الثلاث كتب له؛ إما أن يحضر أو يوكل، وإلا زوج الحاكم لأنه وكيل الغائب، فإن زوج الأبعد صح لأنها غير مجبرة كما تقدم. (وإن غاب) المجبر غيبة قريبة (كعشر) أو عشرين يوماً مع أمن الطريق وسلوكها (لم يزوج) المجبرة (حاكم أو غيره) لأنه في حكم الحاضر، لإمكان إيصال الخبر إليه بلا كبير مشقة (وفسخ) أبداً إن وقع. (إلا إذا ــ وظاهره أنه إذا حصل منه دخول بعد ذلك لا يقول أحدهم بتحتم الفسخ وليس كذلك، بل القول بتحتم الفسخ جار فيما إذا حصل طول بعد العقد، وقبل الدخول، ولو حصل دخول بعد ذلك كما يؤخذ من حاشية الأصل. قوله: [فالتخيير في صورتين]: أي اتفاقاً وتحتم الفسخ على أحد القولين في صورة ووجوب الإمضاء في صورة. قوله: [وصح النكاح]: أي مراعاة للقول بندب الترتيب المتقدم، أو أن الوجوب غير شرطي. وقوله: [بأبعد]: أي ولو كان الأبعد الحاكم مع وجود أخص الأولياء، فإذا لم ترض المرأة بحضور أحد من أقاربها وزوجها الحاكم كان النكاح صحيحاً، وأما لو وكلت أجنبياً غير الحاكم مع حضور أحد من أقاربها جرى فيها قوله السابق: " وصح بالعامة في دنيئة " إلخ، ثم إن المراد بالأبعد: المؤخر في المرتبة، وبالأقرب المتقدم فيها ولو كانت جهتهما متحدة فيشمل تزويج الأخ للأب مع وجود الشقيق، وليس المراد بالقرب والبعد في خصوص الجهة. قوله: [وفسخ أبداً]: أي إلا أن يحكم بصحته حاكم كالحنفي. قوله: [وغيرهم]: أي ولذلك قال ابن حبيب يدخل سائر الأولياء إذا قاموا هذا المقام، قال الأبهري وابن محرز: وكذلك الأجنبي لأنه إذا كانت العلة تفويض المجبر فلا فرق. قوله: [وثبت التفويض له ببينة]: أي تشهد على أن المجبر نص له على التفويض، بأن قال له فوضت لك جميع أموري، أو أقمتك مقامي في جميع أموري، أو تشهد أنهم يرونه يتصرف تصرف الوكيل المفوض له. قوله: [وقد تبع المصنف في هذا المتيطي]: قال في الحاشية: المشهور ما قاله المتيطي وذلك لتنزيل الأسر والفقد منزلة الموت، بخلاف بعيد الغيبة فإن حياته معلومة. قوله: [فيكون هو المذهب]: أي ولذلك صوبه بعض الموثقين قائلا: أي فرق بين الفقد والأسر وبعد الغيبة؟ قوله: [من مصر]: أي ما استظهره ابن رشد لأن ابن القاسم كان بها وبينهما ثلاثة أشهر، وقال الأكثر من المدينة لأن مالكاً كان بها وبينهما أربعة أشهر. قوله: [ولم يرج قدومه]: أي عن قرب. قوله: [فالحاكم هو الذي يزوجها]: أي إذا كانت بالغاً أو خيف عليها الفساد كما تقدم. قوله: [وتؤولت أيضاً على الاستيطان]: أي بالفعل ولا يكفي مظنته. فعليه من خرج لتجارة ونحوها ونيته العود فلا يزوج الحاكم ابنته، ولو طالت إقامته إلا إذا خيف فسادها أو قصد بغيبته الإضرار بها، فإن تبين ذلك كتب له الحاكم، إما أن تحضر تزوجها أو توكل وكيلاً يزوجها وإلا زوجناها عليك، فإن لم يجب بشيء زوجها الحاكم ولا فسخ كما قال الراجراجي. قوله: [كغيبة الولي الأقرب] إلخ: حاصله أن الولي الأقرب

стр. 385

خيفت الطريق) بأن كان لا يمكن سلوكها لعدم الأمن (وخيف عليها) ضياع أو فساد (فكالبعيدة)، يزوجها الحاكم دون غيره وإلا فسخ (وإذن البكر) الغير المجبرة (صمتها) أي إن صمتها إذا سئلت: هل ترضين بأن نزوجك من فلان على مهر قدره كذا، على أن الذي يتولى العقد فلان؟ رضا منها وإذن في ذلك فلا تكلف النطق بذلك. (وندب إعلامها به) أي بأن سكوتها رضا وإذن منها، (فلا تزوج إن منعت) بأن قالت: لا أتزوج أو لا أرضى أو ما في معناه، (أو نفرت) لأن النفور دليل على عدم الرضا، (لا إن ضحكت أو بكت) فتزويج لأن بكاءها يحتمل أنه لفقد أبيها الذي يتولى عقدها. (والثيب) ولو سفيهة (تعرب) عما في ضميرها من رضا أو منع، ولا يكتفي منها بالصمت. ويشاركها في ذلك أبكار ستة لا يكتفي منهن بالصمت، بل لا بد من الإذن بالقول كالثيب أشار لهن مشبهاً لهن بالثيب فقال: (كبكر رشدت) أي رشدها أبوها بأن أطلق الحجر عنها في التصرف المالي وهي بالغ فلا بد من إذنها بالقول، وتقدم أنه لا جبر لأبيها عليها، وذكر هنا أنه لا بد من نطقها عند استئذانها. (أو) بكر (عضلت): أي منعت أي منعها وليها من النكاح، فرفعت أمرها أمرها للحاكم فزوجها الحاكم فلا بد من إذنها بالقول. فإن أمر أباها بالعقد، فأجاب وزوجها لم يحتج لإذن لأنه مجبر (أو) بكر مهملة لا أب لها ولا وصي (زوجت بعرض) وهي من قوم لا يزوجون بالعروض، أو يزوجون بعرض معلوم فزوجها وليها بغيره، فلا بد من نطقها بأن تقول: رضيت [١]، ولا تكفي الإشارة (أو) بكر ولو مجبرة زوجت (برق): أي رقيق فلا بد من إذنها بالقول، لأن العبد ليس بكفء للحرة. (أو) زوجت (لذي عيب) كجذام وبرص وجنون وخصاء فلا بد من نطقها بأن تقول: رضيت به مثلاً. (أو) بكر غير مجبرة (افتيت عليها) الافتيات: التعدي، أي تعدى عليها وليها غير المجبر، فعقد عليها بغير إذنها ثم أنهى إليها الخبر، فرضيت فيصح النكاح ولا بد من رضاها بالقول، فهذه ستة أبكار. وأما اليتيمة التي بلغت عشراً وخيف عليها والصحيح [٢] أنه يكفي صمتها ثم ذكر أن الافتيات مطلقاً يصح إن وقع بشروط بقوله: (وصح الافتيات) على المرأة مطلقاً بكراً أو ثيباً، بل (ولو على الزوج) بشروط ستة أفاد الأول بقوله: (إن قرب الرضا) من العقد [٣] يكون العقد [٤] بالمسجد مثلاً، وينهي إليها الخبر من وقته. واليوم بعد لا يصح معه الرضا، وقيل اليومان قرب وقيل البعد ما فوق الثلاثة. والثاني بقوله: وكان الرضا (بالقول) فلا يكفي الصمت كما تقدم في البكر، وكذا غيرها بالأولى. والثالث بقوله: (بلا رد) للنكاح (قبله): أي قبل الرضا ممن افتيت عليه منهما، فإن رد من افتيت عليه فلا يصح منه رضا بعد ذلك. والرابع بقوله: (وبالبلد): أي وأن يكون من افتيت عليها بالبلد حال الافتيات والرضا، فإن كان بأخرى [٥] لم يصح ولو قربتا وأنهى الخبر إليه [٦] من ساعته. والخامس بقوله: (ولم يقر) الولي (به): أي بالافتيات (حال العقد) بأن سكت أو ادعى أنه مأذون، فإن أقر به لم يصح. وأفاد السادس بقوله: ــ غير المجبر إذا غاب غيبة مسافتها من بلد المرأة ثلاثة أيام ونحوها، وأرادت التزويج فإن الحاكم يزوجها لا الأبعد، ولو زوجها الأبعد في هذه الحالة صح كما يدل عليه قوله: وبأبعد مع أقرب. قوله: [فلا تكلف النطق بذلك]: أي بما ذكر من الرضا بالزوج والمهر والولي وظاهره كانت حاضرة أو غائبة. قوله: [وندب إعلامها به]: فإن لم تعلم بذلك وادعت الجهل فلا تقبل دعواها، وتم النكاح عند الأكثر، وقال الأقل تقبل وهو مبني على وجوب إعلامها به، وقال حمديس: إن عرفت بالبله وقلة المعرفة قبلت دعواها الجهل وإلا فلا تقبل دعواها، فالمسألة ذات أقوال ثلاثة. قوله: [فلا تزوج إن منعت] إلخ: فإن زوجت فسخ نكاحها أبداً ولو بعد البناء والطول، ولو أجازته وهي أولى من المفتات عليها. قوله: [لا إن ضحكت أو بكت] إلخ: أي ما لم تقم القرائن على أن ضحكها استهزاء أو بكاها امتناع وإلا فلا يكون رضاً. قوله: [ولا يكتفى منها بالصمت]: ظاهره في جميع أحوالها وقال ابن حبيب: يكفي صمت الثيب في الإذن للولي حضرت أو غابت، فهي كالبكر في ذلك، وإنما يختلفان في تعيين الزوج والصداق، ففي البكر يكفي الصمت، والثيب لا بد من النطق. قوله: [وهي بالغ]: أي لأن الرشد لا يصح إلا بعد البلوغ كما مر. قوله: [زوجت بعرض]: أي سواء كان كل الصداق أو بعضه. قوله: [بأن تقول رضيت به]: أي بذلك المهر العرض، وأما الزوج فيكفي في الرضا به صمتها كما في الحاشية. قوله: [زوجت برق]: أي أراد وليها أن يزوجها لرقيق فلا بد من رضاها به بالقول، ولو كان عبد أبيها والمزوج لها أبوها لما في تزويجها به من زيادة المعرة. قوله: [لأن العبد ليس بكفء للحرة]: ظاهره ولو أبيض. قوله: [فعقد عليها بغير إذنها]: أي ولو رضيت به وقت الخطبة فلا بد على كل حال من استئذانها في العقد، لأن الخطبة غير لازمة فلا تغني عن استئذانها في العقد وتعيين الصداق. قوله: [وبالبلد]: أي ولو بعد طرفاها لأنه لما كانت واحدة نزل بعد الطرفين منزلة القرب

стр. 386

(ولم يكن) الافتيات (عليهما معاً) فإن كان عليهما معاً لم يصح، ولا بد من فسخه. ولما أنهى الكلام على الولي وتقسيمه إلى مجبر وغيره، وغير المجبر إلى خاص وعام، وعلى ما يتعلق بذلك من الأحكام شرع في بيان شروطه فقال: (وشرطه) أي شرط صحة الولي الذي يتولى العقد للزوجة ستة: (الذكورة) فلا يصح من أنثى ولو مالكة. (والحرية) فلا يصح من عبد ولو بشائبة. (ووكلت مالكة) لأمة، (ووصية) على أنثى، (ومعتقة) لأمة لم يوجد معها عاصب نسب من يتولى العقد عنهن من الذكورة المستوفية للشروط لما علمت أنه لا يصح من أنثى، (وإن) كان وكيل كل (أجنبياً) منها في الثلاثة مع حضور وليها، (كعبد أو صبي) على نكاح أنثى فإنه يوكل من يتولى عقدها، ولو أجنبياً لما علمت أنه لا يصح من عبد، (وإلا) بأن لم يوكل كل ممن ذكر من الأربعة، وتولى العقد بنفسه (فسخ أبداً) قبل الدخول وبعده. (والبلوغ) عطف على الذكورة فهو الشرط الثالث فلا يصح العقد من صبي (والعقل) فلا يصح من مجنون ومعتوه وسكران (والإسلام في) المرأة (المسلمة) فلا يصح أن يتولى عقد نكاحها كافر ولو كان أباها، وأما الكافرة الكتابية يتزوجها مسلم فيجوز لأبيها الكافر أن يعقد لها عليه (والخلو) أي خلو الولي (من الإحرام) بحج أو عمرة، فالمحرم بأحدهما لا يصح منه تولي عقد النكاح وبقي شرط سابع: وهو عدم الإكراه فلا يصح من مكره إلا أن عدم الإكراه لا يختص بولي عقد النكاح، بل هو عام في جميع العقود الشرعية. (لا العدالة) فلا تشترط في الولي إذ فسقه لا يخرجه عن الولاية، فيتولى غير العدل عقد نكاح ابنته أو ابنة أخيه أو معتوقته إذا لم يوجد لها عاصب نسب (و) لا يشترط فيه (الرشد، فيزوج السفيه ذو الرأي) احترازاً من المعتوه (مجبرته) وغيرها بإذنها (بإذن وليه) استحباباً لا شرطاً (وإلا) بأن زوج ابنته مثلاً بغير إذن وليه (نظر الولي) ندباً لما فيه المصلحة، فإن كان صواباً أبقاه وإلا رده، فإن لم ينظر فهو ماض. (بخلاف) السفيه (المعتوه) أي ضعيف العقل، فلا يصح عقده ويفسخ لأنه ملحق بالمجنون. والتحقيق أن السفه لا يمنع الولاية، والعته مانع منها، فقولهم: ذو الرأي، ليس في ذكره كبير فائدة، لأن المعتوه غير السفيه فتقييده بذي الرأي لإخراج المعتوه لا حاجة له. (و) يزوج (الكافر) فهو عطف على السفيه إلا أن التفريع المستفاد من العطف راجع لقوله: "والإسلام في المسلمة"، أي إن الإسلام إذا كان شرطاً في تزويج المسلمة فقط، فالكافر يزوج ابنته الكافرة (لمسلم) كما أشرنا له سابقاً بقولنا: "وأما الكافرة الكتابية يتزوجها مسلم فيجوز" إلخ (وإن زوج مسلم) ابنته (الكافرة) مثلاً أي عقد عليها (لكافر ترك): أي لا نتعرض لفسخه وقد ظلم المسلم نفسه. ولما قدم أن الولي إذا فقد الذكورة أو الحرية، كالمالكة والوصية، والعبد الموصى على أنثى لا بد أن يوكل ذكراً حراً مستوفياً للشروط، بين أنه يصح للزوج إذا وكل من يعقد له أن يوكل جميع من تقدم من ذكر وأنثى وحر ورقيق وبالغ وصبي ومسلم وكافر بقوله: ــ بخلاف البلدين ولو تقاربا فإن شأنهما بعد المسافة كذا في الحاشية. قوله: [ووكلت مالكة لأمة]: أي ولو وجد معها عاصب نسب ومثلها الوصية. قوله: [لم يوجد معها عاصب نسب]: راجع لخصوص المعتقة. قوله: [أجنبياً منها في الثلاثة]: أي بالنسبة للموكلة، وبالنسبة للموكل عليها في غير المعتقة. قوله: [ولو أجنبياً]: أي منها أو منه، ومثل كونه موصي المكاتب في أمته إذا طلب فضلاً في مهرها، بأن كان يزيد على ما يجيز عيب التزويج على صداق مثلها في تزويجها، ويوكل حراً مستوفياً للشروط، وإن كره سيده ذلك لأنه أحرز نفسه وماله مع عدم تبذيره، وأما إذا لم يكن في تزويجها فضل فالأمر لسيده وتوكيله بدون إذنه باطل، فلو جهل الأمر ولم يعلم هل طلب بزواجها فضلاً أم لا؟ حمل على طالب الفضل ما لم يتبين خلافه. قوله: [قبل الدخول وبعده]: أي ولو ولدت الأولاد لكن لا يتأبد به التحريم وفسخه بطلاق لأنه مختلف فيه. قوله: [فلا يصح أن يتولى عقد نكاحها كافر]: أي لقوله تعالى: ﴿ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا﴾ [النساء: ١٤١]. قوله: [فيجوز لأبيها الكافر] إلخ: أي لقوله تعالى: ﴿والذين كفروا بعضهم أولياء بعض﴾ [الأنفال: ٧٣]. والحاصل أنه يمنع تولية الكافر للمسلمة وعكسه، فلا يكون المسلم ولياً للكافرة إلا لأمة له كافرة فيزوجها لكافر فقط، أو معتوقته الكافرة إن أعتقها وهو مسلم ببلاد الإسلام، فيزوجها، ولو لمسلم حيث كانت كتابية. قوله: [فالمحرم بأحدهما لا يصح] إلخ: فإن عقد فسخ أبداً ومثله إحرام أحد الزوجين. قوله: [لا يختص بولي عقد النكاح]: أي ولا يعد من شروط الشيء إلا ما كان خاصاً به هكذا أجاب الشارح، وفي هذا الجواب نظر لأن ما عدا الخلو من الإحرام ليس خاصاً بالنكاح. قوله: [ذو الرأي]: أي العقل والفطنة. قوله: [لأن المعتوه غير السفيه]: أي وليس السفيه أعم كما توهم عبارتهم، فعلى كلام شارحنا السفيه لا بد أن يكون ذا رأي، والمعتوه مباين له فغاية ما فيه أن السفيه لا يحسن التصرف في أمور دنياه. قوله: [أي لا نتعرض لفسخه] إلخ: أي كما قال ابن القاسم، وأما لو عقد لكتابية على مسلم فإنه يفسخ أبداً.

стр. 387

(وصح توكيل زوج) من إضافة المصدر لفاعله، وقوله (الجميع) مفعوله، أي جميع من تقدم ذكره وهذه عبارة الشيخ بلفظها، لكنها عامة فتشمل المحرم والمعتوه مع أنه لا يجوز للزوج توكيلهما فاستثناهما بقوله (إلا المحرم) بحج أو عمرة، (و) إلا (المعتوه): أي ضعيف العقل، فأولى المجنون فلا يصح للزوج توكيلهما لمانع الإحرام وعدم العقل. (لا) يصح (توكيل ولي امرأة) لمن يتولى عقد نكاحها نيابة عنه (إلا مثله) في استيفاء الشروط المتقدمة. ثم شرع في بيان الركن الثالث وهو المحل وشروطه وأحكامه بقوله: (والمحل) هو (الزوج والزوجة) معاً وله شروط تكون فيهما معاً، وشروط تخص الزوج، وشروط تخص الزوجة. أشار للأول بقوله: (وشرطهما) أي الزوج والزوجة معاً أي شرط صحة نكاحهما: (عدم الإكراه)، فلا يصح نكاح مكره أو مكرهة ويفسخ أبداً. (و) عدم (المرض) فلا يصح نكاح مريض أو مريضة، وسيأتي إن شاء الله تعالى ما يتعلق بذلك من الفسخ وغيره. (و) عدم (المحرمية) من نسب أو رضاع أو صهر فلا يصح نكاح المحرم. (و) عدم (الإشكال) فلا يصح نكاح الخنثى المشكل على أنه زوج أو زوجة. (و) عدم (الإحرام) بحج أو عمرة؛ فلا يصح من الزوج المحرم ولا من الزوجة المحرمة، وتقدم أن شرط الولي أن لا يكون محرماً أيضاً وحينئذ (فهو) أي الإحرام (مانع) للنكاح (من أحد الثلاثة): الزوج والزوجة ووليها، لأن الشرط عدمه فيهم وضد الشرط مانع. ثم شرع فيما يختص به الزوج من الشروط بقوله: (وشرطه): أي الزوج (الإسلام) فلا يصح من كافر كتابي أو غيره. (وخلو) له (من أربع) من الزوجات فلا يصح من ذي أربع نكاح. (وشرطها): أي الزوجة (الخلو) لها (من زوج) فلا يصح عقد على متزوجة. (و) خلو (من عدة غيره): فلا يصح عقد على معتدة من غير الزوج، وأما معتدة منه فيصح إذا لم تكن مبتوتة. (و) أن تكون (غير مجوسية) فلا يصح عقد على مجوسية، والمراد بها: غير الكتابية. (و) غير (أمة كتابية): فلا يصح عقد على أمة كتابية لما يلزم من استرقاق ولدها لسيدها الكافر. فالشروط إحدى عشرة: خمسة منها عامة فيهما، ويختص الزوج بشرطين، والزوجة بأربعة. ــ قوله: [وصح توكيل زوج]: أي ويجوز ابتداء، وإنما عبر بالصحة لأجل الإخراج بقوله: لا توكيل ولي امرأة. قوله: [وشروطه]: جميع تلك الشروط مما زاده على خليل فلا تؤخذ منه ولا من شراحه إلا مفرقة فجزاه الله عن المسلمين خيراً. قوله: [تكون فيهما معاً]: سيأتي يصرح بأنها خمسة. قوله: [تخص الزوج]: سيأتي أنها اثنان فمراده بالجمع ما فوق الواحد أو المراد جنس الشروط. قوله: [تخص الزوجة]: سيأتي أنها أربعة. قوله: [فلا يصح نكاح مكره] إلخ: أي إن كان الإكراه غير شرعي وهو يكون بخوف مؤلم من قتل أو ضرب أو سجن أو صفع لذي مروءة بملإ، أو خوف قتل ولد أو أخذه ماله من كل ما يعد إكراهاً في الطلاق، وسيأتي بيان ذلك. قوله: [ويفسخ أبداً]: أي ولو أجيز فلا بد من تجديد عقد واستبراء من الماء الفاسد إن حصل دخول. قوله: [من الفسخ وغيره]: أي كالصداق والميراث فسيأتي أنه يفسخ ما لم يصح المريض منهما، ولا ميراث إن مات أحدهما قبل الفسخ، وللمريضة بالدخول أو الموت المسمى، وعلى المريض إن مات قبل الفسخ الأقل من الثلث والمسمى، وصداق المثل ولها بالدخول المسمى من الثلث مبتدأ. قوله: [فلا يصح نكاح المحرم]: أي بالإجماع ويفسخ أبداً ويحدان إن علما ولا يلحق به الولد. قوله: [فلا يصح نكاح الخنثى المشكل]: لأنه سيأتي في آخر الكتاب أنه لا يكون زوجاً ولا زوجة ولا أباً ولا أماً ولا جداً ولا جدة. قوله: [فلا يصح من الزوج المحرم] إلخ: أي ويفسخ أبداً إلا فيمن قدم سعيه وأفاض ونسي الركعتين وتزوج، فإن كان بالقرب فسخ وإن تباعد جاز كما نقله ابن رشد، وقال القرب أن يكون بحيث يمكنه أن يرجع فيبتدئ طوافه. قوله: [ووليها]: أي الزوجة وكذا وليه أيضاً لكن الكلام في الأركان انتهى تقرير مؤلفه قوله: [فلا يصح من كافر]: أي ولو كان المعقود عليه كافرة لما سيأتي أن أنكحتهم فاسدة، وإنما أقروا عليها بعد الإسلام تأليفاً لهم، وأما الأنثى فلا يشترط في صحة نكاحها إسلامها، بل متى كانت حرة كتابية صح نكاحها للمسلم. قوله: [فلا يصح من ذي أربع] إلخ: أي ولو كانت إحدى الأربع مطلقة طلاقاً رجعياً، فلا يصح عقد على غيرها حتى بينها [١]، أو تخرج من العدة لقوله تعالى: ﴿فانكحوا ما طاب لكم من النساء﴾ [النساء: ٣] الآية. قوله: [فلا يصح عقد على متزوجة]: أي إلا في بعض مسائل سيأتي بيانها منها: ذات الوليين، والمنعي لها زوجها في المفقود ونحوها، وتقدم أنه لو عقد على متزوجة أو مطلقة طلاقاً رجعياً يفسخ ولا يتأبد به التحريم. قوله: [فلا يصح عقد على معتدة من غير الزوج] إلخ: تقدمت أحكام ذلك مفصلة. قوله: [فلا يصح عقد على مجوسية]: أي حرة أو أمة. قوله: [فلا يصح عقد على أمة كتابية]: أي وإنما يجوز وطؤها بالملك لا غير. قوله: [لما يلزم] إلخ: ظاهر في الكافر، وأما المسلم فلأنه يجوز له أن يبيعها لكافر فهو معرض لاسترقاق ولده للكافر.

стр. 388

وبقي ثلاثة شروط: أن لا يتفقا على كتمانه، وأن لا تكون مبتوتة للزوج، وأن لا يكون تحته ما يحرم جمعها معها، وسيأتي الكلام عليها وعلى ما يتعلق بغيرها من الشروط السابقة مفصلاً، وذلك لأنه إذا اختل شرط فتارة يكون مجمعاً على فساده، وتارة يكون مختلفاً فيه. والمختلف فيه تارة يفسخ أبداً وتارة يفسخ قبل الدخول فقط، وتارة يفسخ قبله وبعده ما لم يطل، وسيأتي بيان ذلك وما يتعلق به من الأحكام إن شاء الله تعالى. (وعلى الولي) وجوباً (الإجابة لكفء رضيت به) الزوجة الغير المجبرة. (وإلا) بأن امتنع من كفء رضيت الزوجة به (كان عاضلاً) بمجرد الامتناع، (فيأمره الحاكم) إن رفعت له بتزويجها، (ثم) إن امتنع (زوج) الحاكم، ولا ينتقل الحق لمن بعد العاضل من الأولياء (إلا) أن يكون امتناعه (لوجه) صحيح، فلا يزوج الحاكم ولا يكون الولي عاضلاً. (ولا يعضل أب) لمجبرة أي لا يكون عاضلاً (أو وصي) له بالإجبار (بِرَدِّ) للأزواج (متكررٍ): لأن الأب المجبر -وكذا وصيه- أدرى بأحوال المجبرة منها ومن غيرها، (حتى يتحقق)، العضل، فيأمره الحاكم حينئذ بتزويجها، فإن أجاب وإلا زوج الحاكم وتقدم أنه لا بد من إذنها بالقول. (وإن وكلته) المرأة على أن يزوجها (ممن أحب) الوكيل، وأحب إنساناً (عين) لها قبل العقد وجوباً من أحبه لها لاختلاف أغراض النساء في الرجال، (وإلا) يعين لها وزوجها ممن أحب (فلها الرد) أي رد النكاح (ولو بعد) ما بين العقد واطلاعها عليه، (بخلاف الزوج) يوكل من يزوجه ممن أحب فزوجه (فيلزمه) وليس له رد. فإن طلق لزمه نصف المهر. (وله): أي للولي -ولو بالولاية العامة- إذا طلب أن يتزوج بمن له عليها الولاية (تزويجها من نفسه ــ قوله: [وبقي ثلاثة شروط] إلخ: الأول منها عام فيهما، والثاني خاص بالزوجة، والثالث خاص بالزوج، فتكون جملة الشروط أربعة عشر، ستة عامة، وثلاثة خاصة بالزوج، وخمسة خاصة بالزوجة. قوله: [أن لا يتفقا على كتمانه]: أي لما سيأتي في قوله: وفسخ نكاح السر إن لم يدخل وبطل إلخ. قوله: [وأن لا يكون تحته ما يحرم جمعها] إلخ: أي كالمرأة وأختها أو عمتها لما سيأتي من أن كل اثنتين لو قدرت واحدة منهما ذكراً والأخرى أنثى حرم وطؤه لها يحرم جمعهما في عصمة. قوله: [مجمعاً على فساده]: أي كنكاح الخامسة والمحرم. قوله: [مختلفاً فيه]: أي كنكاح المحرم بحج أو عمرة، والمريض إن لم تحصل صحة. قوله: [يفسخ قبل الدخول فقط]: وهو كل نكاح فسد لصداقه. قوله: [ما لم يطل]: أي وهو نكاح السر. قوله: [وسيأتي بيان ذلك]: أي الشروط ومحترزاتها مع زيادة على ذلك. قوله: [رضيت به] إلخ: أي سواء طلبته للتزوج به أو لم تطلبه، بأن خطبها ورضيت به لأنه لو لم يجب لذلك مع كونها متوقفة على عقده، كان ذلك ضرراً لها، ومفهوم غير المجبرة أن المجبرة لا يجب عليه الإجابة لكفئها لأنه يجبرها ولو لغير كفء إلا لما فيه ضرر كخصي، ومحل كلام المصنف ما لم تكن كتابية وتدعو المسلم، ويمتنع وليها الكافر، وإلا فلا تجاب لأن المسلم غير كفء لها عندهم، فلا يجبرون على تزويجها له قاله في الحاشية. قوله: [ثم إن امتنع زوج الحاكم] إلخ: حاصل الفقه أنه إذا امتنع الولي غير المجبر من تزويجها بالكفء الذي رضيت به، فإن الحاكم يسأله عن وجه امتناعه، فإن أبدى وجهاً ورآه صواباً ردها إليه وإن لم يبد وجهاً صحيحاً أمره بتزويجها، فإن امتنع من تزويجها زوجها الحاكم، ولا ينتقل الحق للأبعد كما نص عليه المتيطي وغيره، وخالف في ذلك ابن عبد السلام فقال: إنما يزوجها الحاكم عند عدم الولي غير العاضل، وأما عند وجوده فينتقل الحق له، لأن عضل الأقرب صيره بمنزله العدم، فينتقل الحق للأبعد، وأما الحاكم فلا يظهر كونه وكيلاً له إلا إذا لم يظهر منه امتناع كما لو كان غائباً مثلاً، إذا علمت ذلك فما قاله شارحنا تابع فيه التوضيح، واستصوبه (بن) واستصوب في الحاشية ما لابن عبد السلام. قوله: [حتى يتحقق العضل]: أي ولو بمرة. قوله: [عين لها]: أي سواء كانت ثيباً أو بكراً. قوله: [فلها الرد]: أي والإجازة وسواء زوجها من نفسه أو من غيره، وهذا قول مالك في المدونة، وفيها لابن القاسم إن زوجها من غيره لزمها ومن نفسه خيرت. قوله: [ولو بعد]: ظاهره أن المبالغة راجعة للرد وليس كذلك، بل هي راجعة للإجازة التي طواها فقط لأن الخلاف إنما هو فيها وظاهره ولو كان البعد جداً، وقد رد بالمبالغة على ابن حبيب القائل إنه يتحتم الرد في حالة البعد إنما كان لها الإجازة على المعتمد في حالة البعد، لأنها وكلت بخلاف المفتات عليها، فإنها لما لم توكل اشترط قرب رضاها وإجازتها. تنبيه: تكلم المصنف على حكم ما إذا وكلته على أن يزوجها ممن أحب، وسكت عن حكم ما إذا وكلته على أن يزوجها ممن أحبت، فزوجها من غير تعيين منها له قبل العقد، والحكم أنها كالمفتات عليها فيصح النكاح إن قرب رضاها بالبلد ولم يقر به حال العقد إلى آخر الشروط، وإنما كانت كالمفتات عليها لاستنادها لمحبتها له وهي خفية على الوكيل مع كونها لم تعينه. قوله: [فيلزمه وليس له رد]: ظاهره ولو كانت غير لائقة به، ولكن قال في الأصل إذا كانت ممن تليق به، وإنما لزمه لأن الرجل

стр. 389

إن عين) لها أنه الزوج (ورضيت) به، وإذنها صمتها إن كانت بكراً، وإلا فلا بد من النطق (وتولي الطرفين) الإيجاب والقبول وهو بكسر اللام، أي وله تولي الطرفين، فلا يحتاج لولي غيره يتولى معه العقد خلافاً لمن قال: لا بد من ولي غيره معه. وأشار لتصوير التزويج لنفسه وتولي الطرفين بقوله: (بتزوجتك بكذا) من المهر، ولا بد من شهادة عدلين على ذلك. ولما كان من تعلقات هذا المبحث مسألة ذات الوليين ذكرها بقوله: (وإن أذنت) غير المجبرة في تزويجها (لوليين) معاً أو مرتبين بأن قالت لكل منهما: وكلتك في أن تزوجني أو قالت لهما معاً: وكلتكما في تزويجي (فعقدا) لها بأن عقد كل منهما على رجل مع الترتيب، وعلم الأول منهما والثاني أخذاً مما سيأتي (فللأول) منهما يقضي له بها، وإن تأخر في الإذن له دون الثاني في العقد؛ لأنه تبين أنه تزوج ذات زوج ومحل كونها للأول (إن لم يتلذذ بها الثاني) حال كونه (غير عالم) بعقد غيره عليها قبله، وهذا صادق بصورتين: أن لا يحصل من الثاني تلذذ أصلاً أو حصل منه تلذذ بها مع علمه بأنه ثان؛ تكون للأول فيهما، ويفسخ الثاني بلا طلاق. (وإلا بأن تلذذ الثاني بوطء) أو مقدماته بلا علم منه بأنه ثان، (فهي له) أي للثاني دون الأول. ومحل كونها للثاني: (إن لم يكن) عقده عليها، (في عدة وفاة الأول) بأن عقد عليها بعد موته، (ولم يتلذذ بها الأول قبله): أي قبل تلذذ الثاني، فإن تبين أنه عقد عليها في عدة الأول كانت للأول جزماً فترد لعدتها منه وترثه، وتأخذ الصداق وكذا إن ثبت تلذذ الأول بها قبل تلذذ الثاني كانت للأول بلا ريب، سواء مات أو كان حياً فتحصل أن شروط كونها للثاني ثلاثة: أن يتلذذ بها غير عالم بأنه ثان، وأن لا يكون عقد الثاني في عدة الأول، ــ إذا كره النكاح قدر على حله لأن الطلاق بيده، بخلاف المرأة، ولا عبرة بضياع المال انتهى. قال في حاشية الأصل ومفهوم قوله: إن كانت ممن تليق به أنه إن زوجه من لا تليق به، والحال أنه لم يعينها له قبل العقد فإن النكاح لا يلزم. قوله: [إن عين لها] إلخ: أي لأن الوكيل على شيء لا يسوغ له أن يفعله مع نفسه إلا بإذن خاص، فليس لمن وكل على بيع أو شراء أن يبيع أو يشتري لنفسه إلا بتعيين فالنكاح أولى. قوله: [بـ تزوجتك بكذا]: أي ولا يحتاج لقوله: قبلت نكاحك لنفسي بعد ذلك لأن قوله: تزوجتك متضمن للقبول، كما قاله الشيخ سالم وبهرام في كبيره. قوله: [ولا بد من شهادة عدلين] إلخ: أي يحضران العقد أو يشهدهما بعده وقبل الدخول. تنبيه: إن أنكرت المرأة العقد بعد التوكيل بأن قالت لوليها: لم يحصل منك عقد، وقال: بل عقدت صدق بلا يمين إن ادعاه الزوج، لأنها مقررة بالإذن وهو قائم مقامها، فإن لم يدعه الزوج صدقت، فلها أن تتزوج غيره إن شاءت، وإن تنازع الأولياء المتساوون في تعيين الزوج بأن يريد كل منهم تزويجها لغير ما يريده الآخر، ولم تعين المرأة واحداً نظر الحاكم فيمن يزوجها له، والذي يباشر العقد أحد الأولياء. قوله: [لوليين]: هذا فرض مثال إذ لو أذنت لأكثر فالحكم كذلك، وأما لو أذنت لولي واحد في أن يزوجها فعقد لها على اثنين فلا بد من فسخ نكاح الثاني، ولو دخل بها غير عالم، وكلام المؤلف شامل لما إذا أذنت لهما معاً أو مرتين، أو يحمل هذا التفصيل على أنه لما عين لها الثاني كانت ناسية للأول، أو اتحد اسم الزوجين أو اعتقدت أن الثاني هو الأول، فاندفع ما يقال ما ذكره المصنف لا يتصور لأن أشهر القولين أنه لا بد أن يعين لها الزوج، وإلا فلها الخيار، فإن عين كل من الوليين الزوج فلا يتصور هذا التفصيل، وتكون للأول مطلقاً لعلمها بالثاني، وإن لم يعين كل منهما الزوج فلها البقاء على من اختارت البقاء عليه، سواء كان الأول أو الثاني من غير تفصيل فتدبره. واعلم أن مسألة ذات الوليين على ثلاثة أقسام، وذلك لأنه إما أن يعقدا لها بزمنين ويعلم السابق أو يجهل، أو بزمن واحد، ففي الأول تكون للأول على التفصيل الذي ذكره المصنف، ويفسخ نكاح الاثنين معاً في القسم الثاني والثالث. قوله: [وهذا صادق بصورتين]: أي لأن السالبة تصدق بنفي الموضوع. قوله: [بلا طلاق]: وقال القوري: بطلاق، قال في الحاشية: ولا يخفى أن كلام القوري هو الظاهر، وعليه فلا حد بدخوله عالماً بالأول كما في المعيار انتهى. قوله: [وتلذذ]: المراد بالتلذذ إرخاء الستور وإن لم يحصل مقدمات كما هو ظاهر نصوصهم، خلافاً للشارح التابع للخرشي كذا في الحاشية. قوله: [أي للثاني] إلخ: أي ولو طلقها، ويلزمه ما أوقعه من الطلاق ويفسخ نكاح الأول بطلاق، لأن ابن عبد الحكم يقول: لا تفوت على الأول بحال. قوله: [في عدة وفاة الأول]: بيان للواقع لا للاحتراز، إذ لا تكون العدة هنا إلا من وفاة، لأن الطلاق الواقع من الأول إنما يكون قبل الدخول والمطلقة قبله لا عدة عليها، ولا يتصور دخول الأول بها وتكون للثاني فتأمل. قوله: [وترثه] إلخ: قال في المقدمات: لأنها بمنزلة امرأة المفقود تتزوج بعد ضرب الأجل وانقضاء العدة، ويدخل بها زوجها فينكشف

стр. 390

وأن لا يسبقه الأول بالتلذذ بها، وقولنا: "عقد عليها في عدة الأول" قال ابن رشد: وكذا إن عقد عليها في حياة الأول ودخل بها غير عالم في عدته، وهو معنى قوله: "ولو تقدم العقد على الأظهر"، وقال ابن المواز: يقر الثاني على نكاحها، ثم إن حصل العقد في العدة وتلذذ الثاني بها فيها، أو حصل منه وطء ولو بعدها تأبد تحريمها عليه كما قدمه المصنف، وإن وقع العقد قبلها وتلذذ بها فيها فعلى ما استظهره ابن رشد يتأبد تحريمها دون ما قاله ابن المواز. (وفسخ) نكاحهما معاً (بلا طلاق إن عقدا بزمن) واحد تحقيقاً أو شكاً دخلا أحدهما أو لا، (كنكاح الثاني) تشبيه في الفسخ بلا طلاق أي كما يفسخ نكاح الثاني بلا طلاق، (ببينة) شهدت (على إقراره قبل دخوله) بها (أنه ثان) أي إذا شهدت بينة على الثاني أنه قبل دخوله عليها أقر على نفسه أنه ثان؛ فإن نكاحه يفسخ بلا طلاق وتكون للأول كما تقدم لأنه ثبت أنه تلذذ بها عالماً. (لا) إن أقر (بعده): أي بعد الدخول أنه دخل بها عالماً بأنه ثان، (فبطلاق): أي فيفسخ بطلاق (كجهل الزمن) مع العلم بوقوعهما في زمنين وجهل المتقدم منهما فيفسخ كل منهما بطلاق إن لم يدخلا، أو دخلا معاً ولم يعلم المتقدم منهما في الدخول أيضاً. فإن دخل أحدهما فهي له، كما لو دخلا وعلم المتقدم ولو أقام كل منهما بينة على أنه الأحق بها لسبقية نكاحه للآخر، تساقطاً لتعارضهما، ولو كانت إحداهما أعدل من الأخرى (وأعدلية) بينتين (متناقضتين) ملغاة هنا أي في النكاح (وإن صدقتها هي) أي المرأة لتنزيل الزيادة منزلة شاهد وهو ساقط في النكاح، بخلاف غيره كالبيع والولاء. (وفسخ نكاح السر): أي الاستكتام قال ابن عرفة: نكاح السر باطل، والمشهور: أنه ما أمر الشهود حين العقد بكتمه. اهـ (إن لم يدخل) الزوج (ويطل) [١] صادق بما إذا لم يدخل طال أم لا، وبما إذا دخل ولم يطل فإن طال بعد الدخول ــ أنها تزوجت قبل وفاة المفقود ودخل بها في العدة بعد وفاته، وقد جزموا بتأبيد حرمتها، ولا فرق بين المسألتين انتهى. والحاصل أنه إن وقع العقد عليها بعد الوفاة فتأبيد حرمتها باتفاق، وإن كان قبل وفاة الأول فتأبيد حرمتها عند ابن رشد نظراً لوقوع الوطء في العدة، لا عند ابن المواز لأن العقد وقع على ذات زوج كما يأتي في الشارح. قوله: [كنكاح الثاني] إلخ: أي فإنه يفسخ بلا طلاق وبحث فيه بأنه من المختلف فيه، لأن بعضهم يقول: إنها للثاني ولو مع علمه بالأول فقضية ذلك أن يكون الفسخ بطلاق. قوله: [لا إن أقر] إلخ: حاصله أن الإقرار بعد الدخول وتحته صورتان: الأولى أن يقر فيقول عقدت وأنا عالم بالأول ثم دخلت، الثانية أن يقول دخلت وأنا عالم بالأول، وحكمهما واحد. قوله: [فيفسخ بطلاق]: أي لاحتمال كذبه في دعواه العلم بالأول ويلزمه المهر كاملاً. والحاصل أنه إذا ادعى كل من الزوج الثاني أو الزوجة أو الولي بعد التلذذ أنه كان عالماً عند العقد أو قبله بأنه ثان، فإنه يفسخ النكاح في المسائل الثلاث، وتكون للأول إن ثبت ذلك العلم بالبينة، وإن لم يثبت فإن كانت الدعوى من الزوجة أو الولي فلا أثر لها، وإن كانت من الزوج فيفسخ نكاح كل بطلاق، أما الأول فلاحتمال كذب الثاني، وأما الثاني فعملاً بإقراره. قوله: [مع العلم] إلخ: أي وأما مع اتحاد زمنهما فهو داخل في قوله: " إن عقدا بزمن " فالفسخ للنكاحين بلا طلاق. قوله: [إن لم يدخلا] إلخ: هذا التفصيل هو المعول عليه كما في الشيخ سالم و (شب) و (ح)، خلافاً لـ (عب) من فسخ النكاحين مطلقاً من غير تفصيل. قوله: [ولو كانت إحداهما أعدل من الأخرى]: أي لأن زيادة العدالة كغيرها من المرجحات الآتية غير معتبرة هنا. وقوله: [وإن صدقتها هي]: رد بالمبالغة قول أشهب من اعتبارها إذا صدقتها المرأة، وإنما ألغيت زيادة العدالة لقيامها مقام شاهد وهو ساقط في النكاح دون غيره، فلذلك تسقط البينتان لتناقضهما وعدم اعتبار المرجح، وحينئذ فيقيد ما يأتي في الشهادات من اعتبار المرجحات بغير النكاح. تنبيه: إذا ماتت المرأة وجهل الأحق من الزوجين فالأكثر من أهل العلم لا إرث وعلى كل من الصداق ما زاد على إرثه، على فرض لو ورث، وقيل يشتركان في نصيب زوج واحد، فعلى كل الصداق كاملاً، وأما إن مات الزوجان فلا إرث ولا صداق لها على واحد، واعتدت عدة وفاة إن كان يفسخ بطلاق لا بغيره فتستبرئ بالدخول حصل موت أم لا كذا في المجموع. قوله: [وفسخ نكاح السر] إلخ: محل ذلك ما لم يكن من خوف ظالم أو ساحر وإلا فلا حرمة ولا فسخ. قوله: [والمشهور] إلخ: الحاصل أن في نكاح السر طريقتين: طريقة الباجي تقول: استكتام غير الشهود نكاح سر أيضاً، كما لو تواصى الزوجان والولي على كتمه ولم يوصوا الشهود بذلك ورجحها البدر القرافي و (بن)، وطريقة ابن عرفة، ورجحها المؤلف تبعاً للـ (ح): أن نكاح السر ما أوصي الشهود على كتمه، أوصي غيرهم أيضاً على كتمه أم لا، ولا بد أن يكون الموصي الزوج انضم له أيضاً غيره كالزوجة أو وليها أم لا. قوله: [حين العقد] إلخ: أي وأما لو وقع الإيصاء بعده فلا يضر لأن العقد وقع بوجه صحيح. قوله: [إن لم يدخل ويطل]: أي ففي هاتين الحالتين يفسخ بطلاق لأنه مختلف فيه، لأن الشافعي وأبا حنيفة يريان جوازه، وبه قال
следующие страницы →