(فوقف) ولا شيء فيه لوارثه، وإن بين أنه ملك فهو لوارثه فيؤمر بنقضه أو بأخذ قيمته منقوضاً بعد إسقاط كلفة لم يتولها كالأجنبي. وهذا إذا كان الوقف لا يحتاج لما بناه، وإلا كان وقفاً ووفي له ما صرفه من غلته؛ كالناظر إذا بنى أو أصلح، فإن لم يكن له غلة فلا شيء له.
(باب)
في الهبة والصدقة وأحكامهما [١]
والهبة من التبرعات المندوبة كالصدقة لما فيها من المحبة وتأليف القلوب، وهذا إن صح القصد. (الهبة): بالمعنى المصدري: وهو فعل العبد (تمليك من له التبرع) من إضافة المصدر لفاعله (ذاتاً) خرج تمليك المنفعة كالإجارة والإعارة والوقف والعمرى وإخدام الرقيق (تنقل شرعاً) خرج به ما لا يقبله شرعاً كأم الولد والمكاتب (بلا عوض) خرج به البيع ومنه هبة الثواب (لأهل) أي مستحق، خرج الحربي ونحو المصحف والعبد المسلم لذمي (بصيغة) صريحة (أو ما يدل) على التمليك، وإن معاطاة، إن كان لذات المعطي فقط. (و) التمليك، (لثواب الآخرة) ولو مع قصد المعطي أيضاً (صدقة) فعلم أن في الكلام تقديراً قبل قوله: "ولثواب الآخرة" دل عليه العطف وخرج بقوله: "من له التبرع" الصبي، والمجنون، والرقيق، والسفيه ومن أحاط الدين بماله، والسكران، وكذا المريض، والزوجة فيما زاد على ثلثهما إلا أن هبتهما فيما زاد على الثلث صحيحة موقوفة على الوارث والزوج، فكذا من أحاط الدين بماله، فإنها موقوفة على رب الدين بخلاف المجنون والسفيه والصغير فباطلة كالمرتد.
ــ
أو الأحداث فإن من زال وصفه بعد سكناه يخرج لأنه علق بوصف وقد زال فيزول الاستحقاق بزواله. وهذا ما يفيده كلام ابن رشد الآتي.
قوله: [فوقف]: استشكل ذلك بأنه لم يحز عن واقفه قبل حصول المانع، ويجاب بتبعيته لما بنى فيه فأعطي حكمه فهو محوز بحوز الأصل. والحاصل: أن الباني في الوقف إما محبس عليه أو أجنبي، وفي كل إما أن يبين قبل موته أن ما بناه ملك أو وقف أو لم يبين شيئاً، فإن بين قبل موته أنه وقف كان وقفاً وإن بين أنه ملك كان له أو لوارثه كما قال الشارح، وإن له لم يبين كان وقفاً إن كان ذلك الباني محبساً عليه وله أو لوارثه إن كان أجنبياً. فالخلاف بين المحبس عليه والأجنبي عند عدم البيان فقط.
قوله: [فيؤمر بنقضه]: بفتح النون أو هدمه وأخذ أنقاضه.
قوله: [ووفي له ما صرفه]: أي جميع ما صرفه.
قوله: [فلا شيء له]: أي ويعد متبرعاً.
باب في الهبة
المناسبة بينها وبين الوقف ظاهرة وهي المعروف والخير ونفي العوضية، وأما هبة الثواب فكالبيع ولذا ذكرها آخر الباب كالتبع، وهي في اللغة مصدر. قال أهل اللغة: يقال وهبت له وهباً بإسكان الهاء وفتحها وهبة. والاسم الموهب بفتح الميم وسكون الواو وكسر الهاء، والموهبة والاتهاب قبول الهبة، والاستيهاب سؤال الهبة وتواهب القوم إذا وهب بعضهم لبعض، ووهبته كذا لغة قليلة والكثير تعديته باللام ورجل وهاب ووهابة، أي كثير الهبة لأمواله.
قوله: [المندوبة] إلخ: أي كما نص عليه اللخمي وابن رشد، وحكى ابن راشد عليه الإجماع. قال (بن) وقد قيل لا ثواب فيها ومن لازم المندوب أنه يثاب عليه، والظاهر أن المهدي إذا قصد الرياء والمدح فلا ثواب له، وإن قصد التودد للمعطي غافلاً عن حديث: «تهادوا تحابوا». فكذلك وإن استحضر ذلك فإنه يثاب قاله بعض الشيوخ اهـ ويؤيد ذلك قول الشارح، وهذا إن صح القصد لأن معنى صحة القصد مطابقته للوجه الشرعي.
قوله: [بالمعنى المصدري]: إنما قال ذلك لأجل الإخبار عنه بقوله " تمليك " إذ هو فعل وهو صفة المملك الذي هو الواهب ليحترز بذلك من الهبة بمعنى الشيء الموهوب، إذ لا يصح الإخبار عنه بتمليك ويصح أن يراد هنا المعنى الاسمي، ويقدر مضاف في الخبر فيقال الهبة ذات تمليك فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه فارتفع ارتفاعه.
قوله: [من له التبرع]: أي من له أن يتبرع بالذات الموهوبة في غير هبة، وإنما قدرنا ذلك لئلا يلزم شرط الشيء في نفسه كأنه قال ممن له التبرع بالهبة وقفاً أو صدقة أي أن من له ذلك فله أن يهب تلك الذات ومن لا فلا.
قوله: [كالإجارة] إلخ: أي وكالنكاح والطلاق والوكالة. فإنه ليس في شيء من ذلك تمليك ذات.
قوله: [كأم الولد والمكاتب]: أي فلا يصح تمليك ذاتهما للغير.
قوله: [خرج الحربي]: أي فلا تصح له الهبة بأي شيء من الأموال ما دام حربياً لأنه لا يجوز نفعه ولا التودد معه.
قوله: [لذمي]: قيد في المصحف والعبد المسلم، وأما هبة غير المصحف والعبد المسلم لذمي فجائزة. والمراد بالذمي ما عدا الحربي.
قوله: [بصيغة] إلخ: متعلق بتمليك والباء بمعنى مع أي تمليك مصاحب لصيغة.
قوله: [فعلم أن في الكلام تقديراً]: أي وهو قوله إن كان لذات المعطى، فقط.
قوله: [دل عليه العطف]: أي لأن العاطف لا بد له من شيء يعطف عليه ولم يوجد في الكلام صريحاً.
قوله: [بخلاف المجنون والسفيه] إلخ
стр. 842
وعلم من تعريف الهبة كالصدقة أن أركانها أربعة: واهب، وموهوب، وموهوب له، وصيغة، وأن شرط الأول: أن يكون أهلاً للتبرع وأن شرط الثاني: أن يكون مملوكاً للواهب وأن شرط الثالث: أن يكون أهلاً لأن يملك ما وهب له، وقد تقدمت الإشارة لذلك فمتى وجدت الشروط صحت الهبة.
(وإن كانت مجهولة) جنساً أو قدراً حيث حصل القبول كوهبتك ما في يدي أو بيتي أو هذه الدنانير (أو كلباً) لصيد أو حراسة وإن كان لا يصح بيعه (وآبقاً وديناً) فتصح هبته لمن هو عليه ولغيره.
(وهو) أي الدين، أي: هبته (إبراء إن وهب لمن هو عليه) فلا بد من القبول لأن الإبراء يحتاج للقبول (وإلا) يهبه لمن هو عليه بل لغيره (فَكَرَهْنِهِ) أي فهو كرهن الدين يتعين فيه الإشهاد، وكذا دفع الوثيقة للموهوب له وقيل: دفع الوثيقة شرط كمال لا صحة، كالجمع بين من عليه الدين وبين الموهوب له وإنما شرط فيه ذلك ليكون كالحوز.
(وبطلت) الهبة (بمانع) أي بحصوله (قبل الحوز) أي قبل حوزها من واهبها وإن بغير إذنه وبين المانع بقوله (من إحاطة دين) بالواهب (أو جنون) له (أو مرض اتصلا) أي كل من الجنون والمرض (بموته) أي الواهب
ــ
إنما كانت باطلة في المجنون والسفيه والصغير؛ لأن الشأن في فعلهم عدم المصلحة بخلاف المريض والزوجة والغريم،
فإن الحجر لحق غيرهم لا لعدم المصلحة، وأما بطلانها في المرتد فلزوال ملكه حال الردة.
قوله: [كالصدقة]: أي كما علم من تعريف الصدقة لأن التعريف جامع لهما، وإنما التغاير بقصد ثواب الآخرة وقصد وجه المعطى.
قوله: [واهب] إلخ: أي ويقال في الصدقة متصدق ومتصدق به ومتصدق عليه وصيغة.
قوله: [وأن شرط الأول]: أي وهو الواهب والمتصدق.
قوله: [أن يكون مملوكاً للواهب]: أي أو للمتصدق. فهبة الفضولي أو صدقته باطلة. بخلاف بيعه فإنه صحيح وإن كان غير لازم فيجوز للمشتري التصرف في المبيع قبل إمضاء المالك البيع؛ لأن صحة العقد ترتب أثره عليه من جواز التصرف في المعقود عليه، والفرق بين بيع الفضولي وهبته أن بيعه في نظير عوض يعود على المالك. بخلاف هبته وصدقته وكل ما ليس فيه معاوضة كعتقه ووقفه فلا تصح هذه الأشياء ولو أجازها المالك كما تقدم في باب الوقف.
قوله: [وقد تقدمت الإشارة لذلك]: أي في شرح قوله "لأهل".
قوله: [وإن كانت مجهولة]: دخل فيه المكاتب بتقدير عجزه وهبة ملك غيره بتقدير ملكه.
قوله: [أو كلباً لصيد]: أي وأما الكلب الغير المأذون في اتخاذه فلا تصح هبته ولا بيعه لكونه غير مملوك شرعاً.
قوله: [وآبقاً]: أي فتصح هبته وإن لم يصح بيعه.
قوله: [فلا بد من القبول]: أي بناء على أنه نقل للملك. وحاصله: أنه اختلف في الإبراء، فقيل إنه نقل للملك فيكون من قبيل الهبة، وهو الراجح، وقيل إنه إسقاط للحق. فعلى الأول يحتاج لقبول، وعلى الثاني فلا يحتاج له كالطلاق والعتق فإنهما من قبيل الإسقاط فلا تحتاج المرأة لقبول فض العصمة ولا العبد لقبول الحرية. واعلم أن ظاهر المذهب جواز تأخير القبول عن الإيجاب كما قال القرافي وهو صريح نقل ابن عرفة ونصه ابن عتاب: ومن سكت عن قبول صدقته زماناً فله قبولها بعد ذلك، فإن طلب غلتها حلف ما سكت تاركاً لها وأخذ الغلة.
قوله: [أي فهو كرهن الدين] إلخ: صورة رهن الدين أن يشتري سلعة من زيد بعشرة لأجل ويرهن المشتري عليها دينه الذي على خالد فيجوز إن أشهد على الرهنية وجمع بين البائع ومن عليه الدين ودفع للبائع ذكر الدين، وأعلم أنه إذا وهبه الدين وقام بذلك الدين شاهد واحد حلف الموهوب له لا الواهب لأن الشخص لا يحلف ليستحق غيره، وأما إن دفع المدين الدين للواهب بعد العلم بالهبة ضمن ويؤخذ من قوله فكرهنه صحة التصرف في الوظائف وهو أن يتجمد لإنسان مال معلوم من وظيفة أو جامكية فينزل عنها لغيره إن كان ذلك النزول من غير مقابلة شيء بل هبة. أما إن كان مقابلة شيء يؤخذ فإن سلم من الربا جاز وإلا منع.
قوله: [كالجمع بين من عليه الدين]: اعلم أن في دفع ذكر الحق والجمع بين الموهوب له ومن عليه الحق قولان في كل قيل شرط صحة، وقيل شرط كمال والمعتمد في الأول أنه شرط صحة، وفي الثاني شرط كمال كما يؤخذ من (بن).
تنبيه: يصح هبة الرهن لأجنبي حيث لم يقبضه المرتهن من الراهن إن كان الراهن موسراً، أو رضي المرتهن بالهبة وإنما أبطلت الهبة من الرهن مع تأخرها عنه لأنا لو أبطلناها لذهب الحق فيها جملة. بخلاف الرهن إذا أبطلناه لم يبطل حق المرتهن.
قوله: [وإن بغير إذنه]: مبالغة في الحوز المانع للبطلان، وتقريره هذا إذا كان الحوز المانع للبطلان بإذن الواهب، بل وإن بغير إذنه ولذلك يجبر الواهب على تمكين الموهوب له من الشيء الموهوب لأن الهبة تملك بالقبول على المشهور فله طلبها منه حيث امتنع ولو عند الحاكم ليجبره على تمكين الموهوب له منها. قال ابن عبد السلام: القبول والحيازة معتبران إلا أن القبول ركن والحيازة شرط كذا في الأصل.
قوله: [بالواهب]: أي بماله ولو كانت الإحاطة بعد عقدها فالمراد ثبوت دين محيط على الواهب كان سابقاً على الهبة أو لاحقاً.
стр. 843
(أو موت) للواهب قبل الحوز، وهو معطوف على "إحاطة دين" (وإن) مات الواهب (قبل إيصالها) للموهوب له (إن استصحبها) أي الواهب معه في سفر (أو أرسلها له) فإنها تبطل، وترجع ميراثاً إذا مات الواهب قبل إيصالها له كان الموهوب له معيناً أم لا وشبه في البطلان قوله: (كموت المرسل إليه المعين) قبل إيصالها له من ربها أو رسوله فتبطل (إن لم يشهد) الواهب حين الاستصحاب أو الإرسال (أنها له) أي لفلان، (وإلا) بأن أشهد أنها له (فلا) تبطل، ويستحقها وارثه كما إذا لم تكن الهبة معينة له، بل حملها أو أرسلها له ولعياله فلا تبطل بموته.
(و) بطلت (بهبة) من واهبها (لثان) أي لشخص ثان غير الأول (وحاز) الثاني قبل الأول فتكون للثاني لتقوي جانبه بالحيازة ولا قيمة على الواهب للأول ولو جدّ في الطلب على المشهور.
(أو تدبير) لما وهبه قبل الحوز (أو استيلاد) لأمة وهبها قبل الحوز، فتبطل الهبة وأولى: العتق والكتابة والمراد بالاستيلاد: حملها من سيدها الواهب بخلاف مجرد الوطء فلا يبطلها.
(ولا قيمة) على الواهب للموهوب له في الفروع الثلاثة.
(لا) تبطل الهبة (ببيع) من واهبها (قبل علم الموهوب له) بالهبة وكذا بعد علمه ولم يفرط في حوزها وإذا لم تبطل خير الموهوب له في رد البيع وفي إجازته وأخذ الثمن (وإلا) بأن باعها واهبها بعد علم الموهوب له أي وفرط في حوزها مضى البيع وإذا مضى (فله) أي للموهوب له (الثمن) وقيل: الثمن للواهب (ولا تقبل دعوى مودع) بفتح الدال المهملة (وهب له) ما أودع عنده فحصل للواهب مانع من موت أو غيره (أنه قبل) الهبة (قبله) أي قبل حصول المانع ولا بد من بينة تشهد له بالقبول قبله وحاصل المسألة: أن الواهب إذا وهب وديعة لمن هي عنده، فإن علم وقبل قبل موت الواهب صحت اتفاقاً، وإن قبل بعد موته بطلت عند ابن القاسم وإن لم يعلم حتى مات بطلت اتفاقاً. فإن ادّعى القبول قبله فعليه البيان، ومثل الوديعة الدين، فإن وهبها لغير من هي في يده ولم يحز حتى مات بطلت
ــ
قوله: [أو موت للواهب قبل الحوز]: أي فهو مبطل للهبة وإن لم يكن عليه دين لانتقال المال لغيره، وهذا معلوم بالأولى من الجنون والمرض المتصلين بالموت، وإنما أتى به لأجل المبالغة بعد بقوله: "وإن قبل إيصالها" إلخ.
قوله: [إذا مات الواهب]: إلخ: الأوضح حذف ذلك ويعقب قوله "وترجع ميراثاً" بقوله "كان الموهوب له معيناً أم لا". فهذه أربع صور وفي كل أشهد أم لا فهذه ثمان كلها باطلة ويضم لتلك الثمان الباطلة. قوله: [كموت المرسل إليه المعين إن لم يشهد]: وتحته صورتان وهما استصحب أو أرسل.
قوله: [كموت المرسل إليه]: حاصل تلك الصور أن الواهب إما أن يستصحب الهدية معه أو يرسلها مع رسول وفي كل إما أن يقصد بالهبة عين الموهوب له أم لا. وفي كل إما أن يموت الواهب أو الموهوب له قبل قبض الهبة فهذه ثمان، وفي كل إما أن يشهد حين الاستصحاب أو الإرسال أنها لفلان أم لا فهذه ست عشرة صورة البطلان في عشرة منها والصحة في ستة تؤخذ من المتن والشرح.
قوله: [وبطلت بهبة من واهبها لثان]: أي ويقضى بها للثاني حيث حاز ولو كان الواهب حياً لم يقم به مانع من موانع الهبة عند أشهب وهو أحد قولي ابن القاسم، وقال في المدونة: الأول أحق بها إن كان الواهب حياً وهو مقابل للمشهور، وشمل كلام المصنف هبة الدين لغير من هو عليه ثم هبته لمن هو عليه قبل قبض الأول المصور بالإشهاد، ودفع ذكر الحق إن كان على أحد القولين وشمل أيضاً طلاق امرأة على براءتها من مؤخر صداقها ثم تبين أنها وهبته قبل ذلك ففيه التفصيل المذكور، فإن كانت أشهدت أنها وهبته لأجنبي ودفعت له ذكر الصداق طلقت بائناً ولزم الزوج دفع مؤخره للموهوب له المذكور، وإن كانت لم تشهد ولم تدفع الذكر للأجنبي فإن الزوج يسقط عنه المؤخر ببراءتها له منه ويطلق عليه ولا يشمل كلام المتن ما إذا وهب للثاني المنفعة فقط بإعارة أو إخدام، وحازه المستعير أو المخدم بعد أن وهب أولاً ذاته ومنفعته لشخص، فإن الحق للموهوب له أولاً في المنفعة والذات دون الثاني لما سيأتي من أن حوز المستعير والمخدم حوز للموهوب له.
قوله: [على المشهور]: قد علمت مقابله.
قوله: [بخلاف مجرد الوطء]: أي الوطء المجرد من الإيلاد فلا يفيت، ومثل الهبة فيما ذكر الوصية فإذا أوصى بأمته لشخص ثم وطئها فإن حملت منه بطلت الوصية وإلا فلا، هذا هو الصواب.
قوله: [ولا قيمة على الواهب] إلخ: اعلم أنهم راعوا في هذه الفروع الثلاثة القول بأن الهبة لا تلزم بمجرد القول مع تشوف الشارع للحرية وتقوى الثاني بالقبض فلذا قيل ببطلان الهبة فيها وعدم القيمة للموهوب له على الواهب.
قوله: [ولم يفرط في حوزها]: أي بأن جد في طلبها.
قوله: [في رد البيع]: أي ويأخذ الشيء الموهوب.
قوله: [أي للموهوب له الثمن]: أي وهو قول مطرف وهو الراجح.
قوله: [وقيل الثمن للواهب]: هو قول أشهب وهو ضعيف وكل من القولين روي عن الإمام.
قوله: [بطلت عند ابن القاسم]: أي وصحت عند أشهب.
قوله: [بطلت اتفاقاً]: أي إلا على القول بأن الهبة لا تفتقر لقبول.
قوله: [ومثل الوديعة الدين]: أي وكذا العارية.
قوله: [فإن وهبها لغير من هي في يده] إلخ: مفهوم قوله "لمن هي عنده" والصواب أن يقول فإن وهبها لغير من هي في يده
стр. 844
في الأقسام الثلاثة. (وصح القبول) بعد المانع (إن) كان (قبض ليتروى) في أمره هل يقبل أو لا، ثم بدا له القبول بعد الموت بخلاف التي قبلها عند ابن القاسم؛ لأنه في التي قبلها استمر على قبض الوديعة الأصلي وفي هذه حصل منه إنشاء قبض بعد الهبة وهو أقوى (كأن جدّ) الموهوب له (فيه) أي في الحوز أي قبض الهبة من الواهب والواهب يسوف به حتى مات (أو) جد (في تزكية شاهده) حيث أنكر الواهب الهبة فأقام الموهوب له بينة عليها فاحتاجت لتزكية فجد في تزكيتها (فمات) الواهب قبل التزكية فتصح الهبة ويأخذها الموهوب له بعد التزكية لتنزيل الجد المذكور منزلة الحوز فالمراد بالشاهد الجنس.
(و) صح (حوز مخدم) لعبد فـ "مخدم" بالفتح (و) حوز (مستعير) لعبد أو غيره (و) حوز (مودع) بالفتح أي أن من أخدم عبده لشخص أو أعاره أو أودع شيئاً عند شخص، ثم وهبه لشخص آخر، فمات الواهب قبل مضي مدة الإخدام أو الإعارة أو قبل أخذ الوديعة من المودع، فإن حيازة من ذكر صحيحة وللموهوب له أخذ الهبة، ولا كلام لوارث الواهب بأن المانع حصل قبل حوز الموهوب له؛ لأن حوز من ذكر صحيح شرعاً إذا علموا بأن ما تحت أيديهم وهبه ربه لزيد، بل (ولو لم يعلموا) على المعتمد قال في المدونة: وأما العبد المخدم والمعار إلى أجل فقبض المخدم والمستعير له قبض للموهوب، وهو من رأس المال إن مات الواهب قبل ذلك. انتهى. والنقل عن ابن رشد وغيره: أنه لا يشترط علم الأولين بذلك ولا رضاهما، وقيد الشيخ المودع بالعلم، وهو قول ابن القاسم ورجحه اللخمي وغيره. ولكن اعتمد بعضهم صحة حوز الثلاثة ولو لم يعلموا بالهبة.
(لا) يصح حوز (غاصب) لشيء وهبه ربه لغير غاصبه؛ لأن الغاصب لم يقبض للموهوب له، بل قبض لنفسه فلا يكون قبضه حوزاً إلا إذا كان الموهوب له غائباً وأمره ربه أي يحوزه له فإنه يصح كما قاله أبو الحسن أخذاً له من المدونة فقول العلامة الخرشي قوله: ولا أمره به، يقتضي أنه لو أمره به لجاز إلخ محمول عند أبي الحسن عن الغائب لا الحاضر الرشيد، فلا يصح حوز غاصب له ولو أمره ربه بالحوز، والله أعلم.
(و) لا حوز (مرتهن) بالكسر، فإذا وهب رب الرهن ما رهنه لغير المرتهن فلا يكون حوز المرتهن حوزاً للموهوب له، فإذا مات الواهب قبل قبض الموهوب له رجع الرهن للوارث إن شاء افتكه وإن شاء تركه للمرتهن في الدين.
(و) لا يصح حوز (مستأجر) بالكسر أي أن من أجر شيئاً لشخص بأجر معلوم، ثم وهبه لغيره لم يكن حوز المستأجر حوز [١] للموهوب له (إلا أن يهب) الواهب (الأجرة) أيضاً للموهوب له (قبل قبضها) من المستأجر، فحينئذ يكون حوز المستأجر حوزاً للموهوب له، لجولان يده في الشيء الموهوب بقبض أجرته بخلاف هبتها بعد قبضها فإنه لا يفيد لأنها صارت مالاً مستقلاً من ماله.
ــ
فسيأتي ويحذف قوله "ولم يحز" إلخ.
قوله: [في الأقسام الثلاثة]: أي وهي ما إذا علم وقبل قبل موته، أو علم قبل موته وقبل بعد أو لم يعلم ولم يقبل إلا بعد موته.
قوله: [فالمراد بالشاهد الجنس]: أي المتحقق في المتعدد.
قوله: [فإن حيازة من ذكر صحيحة]: أي لأن كلاً من المخدم والمستعير حائز لنفسه. وحوزه لنفسه مخرج من حوز الواهب فلذلك صح حوزهما ولو لم يعلما بالهبة اتفاقاً، وألحق بهما المودع على المعتمد، ومحل صحة حوز من ذكر إذا أشهد الواهب على الهبة كما قال ابن شاس وإلا فلا كما يفيده (بن).
قوله: [إذا علموا]: بيان لما قبل المبالغة في المصنف.
قوله: [الأولين]: أي المخدم والمستعير.
قوله: [وقيد الشيخ المودع بالعلم]: إنما قيد بالعلم لأن حوزه لم يكن لنفسه، بل للواهب وهذا هو الفرق بين الأولين، والثالث فالمخدم والمستعير لما كان حوزهما لأنفسهما صح حوزهما مطلقاً ولو لم يرضيا بذلك. والحاصل: أن حوز المخدم والمستعير للموهوب له صحيح مطلقاً علما بالهبة أم لا، تقدم الإخدام والإعارة على الهبة بقليل أو بكثر رضيا بالحوز أم لا بشرط أن يشهد الواهب على الهبة، وألحق بهما المودع على المعتمد.
قوله: [لا يصح حوز غاصب]: أي على المشهور وهو مذهب ابن القاسم في المدونة. قوله: [لم يقبض للموهوب له]: لا شك أن هذا التعليل جار في المخدم والمستعير مع أن حوزهما صحيح فلعل المناسب في التعليل أن يقول لأن هذا قابض لنفسه بغير إذن الواهب فقبضه كـ لا قبض.
قوله: [فقول العلامة الخرشي قوله ولا أمره] إلخ: أي قول مالك في المدونة لأن الخرشي قال نقلاً عن المدونة. قال مالك: لأن الغاصب لم يقبض للموهوب ولا أمره الواهب بذلك ثم قال قوله ولا أمره إلخ.
قوله: [ولا حوز مرتهن] إلخ: إن قلت المرتهن قادر على رد الرهن وإبقاء دينه بلا رهن فكان مقتضاه أن حوزه يكفي. أجيب بأن المرتهن وإن كان قادراً على رد الرهن كما أن المستعير قادر على رد العارية إلا أن المرتهن إنما قبض للتوثق لنفسه. بخلاف المستعير فإنه وإن قبض لنفسه لكن لا لتوثق هكذا أجاب محشي الأصل.
قوله: [ولا يصح حوز مستأجر]: قال في الأصل والفرق بين المستأجر والمستعير أن الإجارة في نظير معاوضة مالية فهي لازمة للمستأجر ليس له الرجوع عنها. بخلاف العارية فليست لازمة للمستعير فله الرجوع عنها فلذا كان حوزه حوزاً للموهوب له وأيضا يد المؤجر جائلة في الشيء المستأجر بقبض أجرته، ولذا لوهب [٢]
стр. 845
(و) لا يصح حوز الموهوب له السابق (إذا رجعت) الهبة (لواهبها بعده) أي بعد الحوز (قبل سنة) وهو مراد الشيخ بالقرب (بإيجار) متعلق بـ "رجعت" أي: رجعت لواهبها بسبب إيجار لها من الموهوب له (أو إرفاق) كإعارة أو إخدام أو عمرى فمات الواهب وهي تحت يده فيبطل الحوز الأول، بمعنى أنه لم يتم، فإذا لم يحصل مانع فللموهوب له أخذها منه بعد الإرفاق قهراً عنه ليتم الحوز الأول ومفهوم "قبل سنة" أنها لو رجعت له بعد سنة أنه لا يضر في الحوز الأول، وهو كذلك، ومفهوم قوله: بإيجار أو إرفاق أنه لو رجعت له بغصب أو سرقة أو نحو ذلك أنه لا يضر أيضاً، وهو كذلك وهو معنى قول الشيخ: "بخلاف سنة أو رجع مختفياً أو ضيفاً فمات" (و) صح (حوز واهب) شيئاً وهبه (لمحجوره) من صغير أو سفيه أو مجنون كان وليه الواهب أباً أو غيره؛ لأنه هو الذي يحوز له.
وهذا (إن أشهد) الواهب لمحجوره أنه وهبه كذا، فالإشهاد قائم مقام الحوز في غير المحجور فهذا القيد لا بد منه ولا يشترط معاينة المحجور لها ولا صرف الغلة له على أحد القولين، والثاني: أنه لا بد من صرف الغلة في مصالحه كما في الوقف فإن صرفها الولي على نفسه بطلت ورجح، وبعضهم رجح الأول (إلا) إذا وهب لمحجوره (ما لا يعرف بعينه) كالدراهم وسائر المثليات من مكيل أو معدود أو موزون ونحو جواهر، فلا تصح حيازته لمحجوره ولا بد من إخراجه عن حوزه قبل المانع وإلا بطلت ورجعت ميراثاً، ولو ختم عليها مع بقائها عنده ولا يكفي فيه الإشهاد كما في الذي يعرف بعينه، لأن ما يعرف بعينه كأنه مع الإشهاد خرج من يده بخلاف ما لا يعرف.
(أو) إلا إذا وهب لمحجوره (دار سكناه) فلا تصح حيازتها لمحجوره وتبطل إذا استمر ساكناً بها حتى مات الواهب ويكفي إخلاؤها من شواغله ومعاينة البينة لذلك ولو بقيت بعد ذلك تحت يده، كما في النقل بخلاف ما لا يعرف فلا بد من إخراجه عن يده كما تقدم (إلا أن يسكن) الواهب (أقلها ويكري له الأكثر) فتصح الهبة في الجميع، وتكون كلها للمحجور بعد المانع؛ لأن الأقل تابع للأكثر مثل دار السكنى غيرها كالثياب يلبسها، والدواب تركب وكذا ما لا يعرف بعينه إذا أخرج بعضه وأبقى البعض بيده،
ــ
الأجرة للموهوب له قبل قبضها من المستأجر صح حوز المستأجر لعدم جولان يد الواهب اهـ.
قوله: [ولا يصح حوز الموهوب له السابق] إلخ: ظاهره سواء كان للهبة غلة أم لا وهو الصواب، وتقييد المواق له بما إذا كان له غلة رده (ر) كما يفيده (بن).
قوله: [أنه لا يضر في الحوز الأول]: ما ذكره من عدم الضرر في رجوعها بعد سنة مقيد بما إذا كانت الهبة لغير محجوره وأما لمحجوره فتبطل برجوعها للواهب مطلقاً كما قال ابن المواز، واختاره ابن رشد وطريقة غيره أن المحجور وغيره سواء في عدم البطلان في الرجوع بعد عام وعلى هذه الطريقة عول المتيطي وبها أفتى ابن لب وجرى العمل انظر المواق اهـ (بن)، ومثل الهبة الصدقة في التفصيل في رجوعها، وهذا بخلاف الرهن فإنه يبطل برجوعه للراهن ولو بعد سنة من حوزه، وأما الوقف إن كان له غلة فكالهبة في التفصيل، فإن لم يكن له غلة كالكتب فإنه لا يبطل وقف ما عاد له بعد صرفه وقد مر ذلك.
قوله: [ولا يشترط معاينة المحجور لها]: أي للحيازة المفهومة من الحوز ولا يشترط معاينة الشهود لها أيضاً. فمتى قال الولي للشهود اشهدوا أني وهبت الشيء الفلاني لمحجوري كفى سواء أحضره لهم أم لا.
قوله: [ورجح]: المرجح له ابن سلمون.
وقوله: [وبعضهم رجح الأولى]: أي وهو المعتمد الذي جرى به العمل، والفرق بين ما هنا وبين الوقف حيث اشترط في الوقف صرف الغلة قولاً واحداً أن الوقف باق على ملك الواقف، والخارج عن ملكه إنما هو الغلة فلذلك اشترط صرفها قولاً واحداً.
واعلم أن الولي إذا وهب لمحجوره فإنه يحوز له إلى أن يبلغ رشيداً فإذا بلغ رشيداً حاز لنفسه، فإن لم يحز لنفسه بعد الرشد وحصل مانع للواهب بطلت، فإن جهل الحال ولم يدر هل بلغ رشيداً أو سفيهاً والحال أن الواهب حصل له مانع والشيء الموهوب تحت يده فقولان المعتمد منهما حمله على السفه وحينئذ فتصح الهبة لما تقدم أن الرشد لا يثبت إلا ببينة.
قوله: [ولا بد من إخراجه عن حوزه]: أي لا بد في صحة الهبة من إخراجه عند أجنبي قبل المانع، سواء أخرجه غير مختوم عليه أو مختوماً عليه. خلافا ًلظاهر (عب) من أنه يقتضي اشتراط الختم.
وقوله: [ويكفي إخلاؤها من شواغله]: حاصله أن دار السكنى لا بد فيها من إخلاء الولي لها من شواغله ومعاينة البينة لتخليتها، سواء أكراها أو لا، ومثلها لو وهبه شيئاً من ملبوسه. وأما غير دار السكنى والملبوس من كل ما يعرف بعينه فيكفي الإشهاد بالصدقة والهبة وإن لم تعاين البينة الحيازة فالإشهاد يغني عنها.
وظاهر المصنف أن هذا التفصيل خاص بدار السكنى وليس كذلك، بل هو جار في هبة الدار مطلقاً كما في (بن).
стр. 846
فالأقل تابع للأكثر، وإن سكن النصف بطل النصف الذي سكن (فقط) وصح ما لم يسكن (و) إن سكن (الأكثر)، وأكرى الأقل (بطل الجميع) لأن الأقل تابع للأكثر كما تقدم وتقدم أن مثل الدار غيرها فتحصل أن حيازة الولي لما وهبه لمحجوره صحيحة، إلا فيما لا يعرف بعينه وإلا في دار سكناه، ما لم يتخل عن الأكثر، فإنه يصح الجميع وإن استعمل النصف بطل فقط وإن استعمل الأكثر بطل الجميع حتى فيما تصح له حيازته، وإلا خرج عن اليد فيما لا يعرف، كالاستعمال في غيره فتدبر في ذلك قال المتيطي: فإن كانت الدار التي سكن تبعاً لما لم يسكن، والثياب الذي لبس تبعاً لما لم يلبس، والناض الذي لم يخرجه تبعاً لما أخرج من يده وحازه الغير، جاز، وإلا لم يجز. انتهى.
(وجاز للأب) فقط لا الجد (اعتصارها) أي الهبة أي أخذها (من ولده) قهراً عنه بلا عوض (مطلقاً) ذكراً أو أنثى، صغيراً أو كبيراً، فقيراً أو غنياً، سفيهاً أو رشيداً، حازها الولد أو لا والحق عند المحققين أن الاعتصار يكون بكل لفظ يدل على استرجاع الهبة من ولده له سواء كان بلفظ اعتصار أو غيره (كأم) يجوز لها الاعتصار لكن إذا (وهبت) صغيراً (ذا أب) فأولى الكبير، لا يتيماً فليس لها الاعتصار منه، ومحل كونها لها الاعتصار من ذي الأب (ما لم يتيتم) بعد الهبة، فإن تيتم فليس لها الاعتصار منه؛ لأن يتمه مفوت للاعتصار على المذهب، خلافاً للخمي فالحاصل أن الأم لها اعتصار ما وهبته لولدها غير اليتيم لا من تيتم ولو بعد الهبة.
(إلا فيما) وهب للولد و (أريد به الآخرة) أي ثوابها لا مجرد ذات الولد، فلا اعتصار لهما؛ لأنها صارت حينئذ كالصدقة وكذا إذا أريد بها الصلة والحنان (كصدقة) على ولد فلا اعتصار فيها (ما لم يشترطه) أي اعتصار الصدقة أو الصلة فإن اشترطه فله ذلك.
ثم ذكر موانع الاعتصار بقوله: (إن لم تفت) الهبة عند الولد، فإن فاتت (لا بحوالة سوق) بل بزيادة أو نقص في ذاتها، فلا اعتصار وأما حوالة الأسواق بغلوّ أو رخص فلا تمنع الاعتصار قال ابن عرفة: تغيير الأسواق لغو (ولم ينكح) الولد (أو يداين) بالبناء للمفعول فيهما فهو بضم ياء المضارعة وفتح الكاف (لها) أي لأجلها قيد فيهما على المعتمد والمراد بالإنكاح العقد، فمتى عقد لذكر أو أنثى لأجل يسرها بالهبة،
ــ
قوله: [فالأقل تابع للأكثر]: أي فيقال إذا كان البعض الذي خرج هو الأكثر صحت كلها وإلا بطلت كلها.
تنبيه: تصح هبة أحد الزوجين للآخر متاعاً معيناً وإن لم ترفع يد الواهب عنه للضرورة حيث حصل الإشهاد في غير دار السكنى، وأما دار السكنى فإن كان الواهب الزوجة لزوجها صح وكفى الإشهاد ووضع يد الزوجة لا يضر لأن السكنى للرجل وهي تبع له. بخلاف العكس كما يؤخذ من خليل وشراحه.
قوله: [صحيحة]: أي مع الإشهاد.
قوله: [كالاستعمال] إلخ: أي فيجري فيه التفصيل المتقدم.
وقوله: [قال المتيطي] إلخ: توضيح له.
قوله: [الذي]: حقه التي وقد يقال ذكر باعتبار الملبوس.
قوله: [والناض]: مراده ما لا يعرف بعينه من المثليات، وإن كان الناض في الأصل معناه النقد.
قوله: [عند المحققين]: أي كما نقل (بن) عن ابن عرفة وابن رشد وليس في قوله ﷺ : «لا يحل لأحد أن يهب هبة ثم يعود فيها إلا الوالد»، ما يدل على شرط لفظ الاعتصار.
قوله: [لكن إذا وهبت صغيراً ذا أب]: أي فمحل جواز اعتصار الأم من الصغير بشرطين إذا كان ذا أب حين الهبة ولم يتيتم حين إرادة الاعتصار، وأما الكبير البالغ فلها الاعتصار مطلقاً كان ذا أب أم لا؛ لأنه لا يتيتم لفقد أبيه ولو جن أحد الأبوين بعد الهبة للولد هل لوليه الاعتصار أم لا قال في حاشية الأصل والظاهر الأول لأن وليه بمنزلته.
قوله: [فالحاصل أن الأم] إلخ: حاصل فقه المسألة أن الأم إذا وهبت لولدها فإن كان وقت الهبة كبيراً كان لها الاعتصار كان للولد أب أم لا، وإن كان صغيراً كان لها الاعتصار إن كان له أب، عاقلاً كان الأب أو مجنوناً موسراً أو معسراً فإن تيتم الصغير بعد الهبة فهل لها الاعتصار نظراً إلى حالة وقت الهبة وليس لها الاعتصار نظراً للحالة الراهنة قولان المعتمد الثاني، وإن كان الولد الصغير حين الهبة يتيماً فليس لها الاعتصار قولاً واحداً ولو بعد بلوغه.
قوله: [وكذا إذا أريد بها الصلة والحنان]: أي فإرادة الصلة والحنان من الأب أو الأم تمنع من الاعتصار، وأما الإشهاد على الهبة فلا يكون مانعاً من اعتصارها خلافاً لما في الخرشي و (عب) قال (بن) وانظر من أين أتيا به.
قوله: [كصدقة]: فيه أن ما أريد به ثواب الآخرة صدقة ففي كلامه تشبيه الشيء بنفسه. وحاصل الجواب أنه شبه الصدقة التي وقعت بلفظها بالصدقة الواقعة بلفظ الهبة.
قوله: [فإن اشترطه فله ذلك]: فإن قلت سنة الصدقة عدم الرجوع فيها فكان مقتضاه عدم العمل بالشرط. يقال وسنة الحبس عدم الرجوع فيه، وإذا اشترط المحبس في نفس الحبس بيعه كان له شرطه.
قوله: [بل بزيادة أو نقص]: كما إذا كبر الصغير أو سمن الهزيل أو هزل الكبير ومن باب أولى العتق أو التدبير.
قوله: [تغيير الأسواق لغو]: أي على المشهور لأن الهبة وزيادة القيمة ونقصها لا تعلق له بها كنقلها من موضع لآخر كما في الخرشي.
قوله: [قيد فيهما]: أي في المداينة والإنكاح
стр. 847
أو أعطى ديناً، أو اشتريا شيئاً في ذمتهما لذلك، فلا اعتصار، لا لمجرد ذاتهما أو لأمر غير الهبة فللوالد الاعتصار على المذهب.
(أو بمرض) الولد الموهوب له فلا اعتصار، لتعلق حق ورثته بالهبة.
(كواهب) أي كمرضه المخوف فإنه مانع من الاعتصار؛ لأن اعتصارها قد يكون لغيره (إلا أن يهب) الوالد لولده (على هذه) أي على حالة من هذه (الأحوال) كأن يكون الولد متزوجاً أو مديناً أو مريضاً أو يكون الوالد مريضاً فله الاعتصار.
(أو يزول المرض) القائم بالواهب أو الموهوب له، فله الاعتصار بخلاف زوال النكاح أو الدين. قال ابن القاسم: لأن المرض لم يعامله الناس عليه، بخلاف النكاح والدين. انتهى. وهذا التعليل يقتضي أن زوال الفوات كزوال المرض.
(وكره) لمن تصدق بصدقة (تملك صدقة) تصدق بها على غيره (بغير إرث) بل بشراء أو هبة أو صدقة، وأما تملكها بالإرث فجبري لا كراهة فيه، وأما الهبة فلا كراهة في تملكها وكما يكره تملك الذات يكره تملك المنفعة؛ أي يكره الانتفاع بها كما أشار له بقوله: (و) كره (ركوبها) ولو تصدق بها على ولده، وأولى الحرث أو الطحن عليها. (و) كره (انتفاع) لمتصدق بها (بغلتها) من ثمرة ولبن وكراء ويشمل ذلك القراءة فيها إن كانت كتاباً (وينفق) أي يجوز لولد تصدق عليه والده بصدقة أن ينفق (على والد افتقر) أباً كان أو أماً (منها) أي من الصدقة التي تصدق بها على ولده لوجوب الإنفاق على الولد حينئذ (وله) أي للوالد المتصدق على ولده بعبد أو أمة (تقويم جارية أو عبد) تصدق به على ولده الصغير أو السفيه ولذا قال (لمحجوره) الصغير أو السفيه وقوله: (للضرورة) متعلق بـ "جاز" المقدر أي: أن محل الجواز إن اقتضت الضرورة ذلك كأن تعلقت نفسه بالجارية أو احتاج لخدمة العبد بحيث إذا لم يقومه على نفسه لتعدى عليه واستخدمه وارتكب الحرمة (ويستقصي) في القيمة بأن يأخذه بأعلى القيم، لا بدون قيمة المثل. واحترز بالمحجور عن الرشيد.
ــ
والتقييد بكونهما لأجلها هو الذي في الموطإ والرسالة وسماع عيسى.
قوله: [أو أعطى] أي من ذكر وحقه الألف.
قوله: [لا لمجرد ذاتهما]: أي لا إن كان الإنكاح أو المداينة لمجرد ذات الذكر والأنثى.
وقوله: [أو لأمر غير الهبة] إلخ: تحصل من كلامه أن المانع من اعتصار الأبوين قصد الأجنبي المداينة أو عقد النكاح لأجل يسر الموهوب له بالهبة، وأما قصد الولد وحده فلا يمنع، وقيل يكفي في منع الاعتصار قصد الولد ذلك وعليه فضبط كلام المصنف بالبناء للفاعل.
قوله: [أو بمرض الولد الموهوب له]: أي مرضاً مخوفاً.
قوله: [إلا أن يهب الوالد لولده على هذه]: استثناء منقطع لأن ما قبله كانت الهبة لغير مدين ومتزوج ومريض بخلاف المستثنى.
قوله: [لم يعامله الناس عليه]: أي بل هو أمر من عند الله فإذا زال عاد الاعتصار. بخلاف النكاح والدين فإن كلاً منهما أمر عامله الناس بعد الهبة عليه فيستمرون على المعاملة لأجله لانفتاح بابها فيستمر على عدم الاعتصار.
قوله: [كزوال المرض]: أي في كونه يسوغ الاعتصار.
قوله: [وكره لمن تصدق] إلخ: ظاهره أنه يكره تنزيهاً، وهو قول اللخمي وابن عبد السلام والتوضيح، وقال الباجي وجماعة بالتحريم وارتضاه ابن عرفة لتشبيهه في الحديث بأقبح شيء وهو عود الكلب في قيئه. ولما «أراد عمر بن الخطاب ﵁ شراء فرس تصدق بها نهاه النبي ﷺ عن ذلك فقال له: لا تشتره ولو أعطاكه بدرهم واحد فإن العائد في صدقته كالكلب يعود في قيئه»، وقول اللخمي إنه مثل بغير مكلف فلا يتعلق به حرمة شنع عليه ابن عرفة، وقال إن القصد من التشبيه الذم وزيادة التنفير وهو يدل على الحرمة اهـ (بن) ولا فرق في كراهة تملك الصدقة بالوجه المذكور بين كونها واجبة كالزكاة والنذر أو مندوبة ولو تداولتها الأملاك ويستثنى من قوله "وكره تملك صدقة" الصدقة المسماة بالعارية لما تقدم في قوله، "وجاز لمعر وقائم مقامه اشتراء ثمرة أعراها" إلخ، والعمرى ففي معين الحكام يجوز للمعمر أو ورثته أن يبتاعوا من المعمر بالفتح ما أعمر له وإن كان حياة المعمر لأنها من المعروف إلا أن تكون معينة فيمنع، ولكل واحد من ورثة المعمر بالكسر أن يشتري قدر ميراثه منها لا أكثر اهـ باختصار ويستثنى منه أيضاً التصدق بالماء على مسجد أو غيره فيجوز له أن يشرب منه لأنه لم يقصد به الفقراء فقط، بل هم والأغنياء كما لبعض شراح الرسالة، وفي العلمي عليها من أخرج كسرة لسائل فلم يجده فلابن رشد إن كان معيناً أكلها مخرجها وإلا فلا، وفي النوادر إن أخرجها له فلم يقبلها فليعطها لغيره وهو أشد من الذي لم يجده.
قوله: [وأما الهبة فلا كراهة] إلخ: أي التي تعتصر بدليل ما يأتي. قوله: [وكما يكره تملك الذات يكره تملك المنفعة] إلخ: أي وأما من تصدق بغلة الحيوان دون ذاته ثم باع الذات فله شراء الذات كما نقله ابن عرفة عن مالك.
قوله: [وينفق] إلخ: هذه المسألة والتي بعدها كالمستثنى من قوله "وكره تملك صدقة".
قوله: [أن ينفق على والد افتقر] إلخ: أي وكذا ينفق على زوجته من صدقة تصدقت بها عليه وإن كانت غنية لوجوب نفقتها عليه للنكاح لا للفقر.
قوله: [تقويم جارية] إلخ: أو شراء ما ذكر لنفسه
стр. 848
فليس لولده ذلك؛ لأنه كأجنبي ومثل الصدقة الهبة التي لا تعتصر.
(وجاز) للواهب (شرط الثواب) على هبته أي العوض عليها وتسمى هبة ثواب، وسواء عين الثواب أم لا (ولزم) الثواب (بتعيينه) إذا قبل الموهوب له؛ فيلزمه دفع ما عين كمائة دينار أو هذا الثوب أو الدابة والمراد التعيين ولو بالوصف كثوب صفته كذا.
(وصدق الواهب) عند التنازع (في قصده) أي الثواب بيمين بعد القبض (إن لم يشهد عرف بضده) أي الثواب، فإن شهد العرف بضده فلا يصدق وأما التنازع قبل قبضها، فالقول للواهب مطلقاً ولو شهد العرف بعدم الثواب وقولنا: "بيمين"، ظاهره: أشكل الأمر أم لا، وهو أحد التأويلين. والثاني: أن الواهب إنما يحلف إذا أشكل الأمر بأن لم يشهد العرف له ولا عليه ولم توجد قرينة ترجح أحد الأمرين، وإلا عمل على العرف أو القرائن ولا يمين ومحل تصديق الواهب في دعوى الثواب (في غير) النقد (المسكوك)، وأما هو فلا يصدق الواهب؛ لأن الشأن فيه عدم الإثابة إلا لشرط أو عرف واستثنى من قوله: "وصدق الواهب" إلخ قوله: (إلا الزوجين والوالدين) ونحوهما من الأقارب الذين بينهم الصلة، فلا يصدق الواهب في دعواه الثواب لقضاء العرف بعدمه فيمن ذكر كالمسكوك (إلا لشرط) حال الهبة فيعمل به مطلقاً حتى في المسكوك، (أو قرينة) تدل على ذلك فإنه يصدق، ويقضى له بالثواب لكن في غير المسكوك وأما هو فلا تكفي فيه القرينة، ولا بد من الشرط ويكون ثواب المسكوك عند الشرط عرضاً أو طعاماً لا مسكوكاً لما فيه من الصرف أو البدل المؤخر.
(ولزم) عند عدم تعيين الثواب (واهبها) مفعول مقدم (لا الموهوب له) عطف عليه بلا (القيمة) فاعل "لزم" أي يلزم الواهب قبول القيمة إذا دفعها له الموهوب له، وأما الموهوب له فلا يلزمه دفعها لأن له أن يقول له: خذ هبتك لا حاجة لي بها وهذا إذا قبضها، وأما قبل قبضها فلا يلزم الواهب قبولها بل له الامتناع ولو دفع له الموهوب له أضعاف القيمة، ولا يلزم الموهوب له دفع القيمة ولو قبض الهبة كما تقدم (إلا لفوت) عند الموهوب له (بزيد) أي زيادة في ذاتها؛ ككبر الصغير أو سمن الهزيل (أو نقص) كعمى وعور وعرج وشلل وهرم، وأولى خروج من يده بموت أو بيع ونحوه، ولا يعتبر حوالة لأسواق [١] فيلزمه حينئذ دفع القيمة يوم قبض الهبة. (وأثيب) الواهب أي أثابه الموهوب له (ما يقضي عنه) أي عن الموهوب (ببيع) أي في البيع، أي ما يصح أن يكون ثمناً في البيع بأن يكون سالماً من الربا والغش، فلا يقضي عن النقد نقداً لما فيه من الصرف أو البدل المؤخر ولا عن الطعام طعاماً ولا عن اللحم حيواناً من جنسه
ــ
وليس بلازم تقويمها بالمعدول، بل المراد يشتري من نفسه لنفسه بالسداد كما في (بن).
قوله: [فليس لولده]: هكذا نسخة المؤلف والمناسب والده.
قوله: [لأنه كأجنبي]: أي وحيث كان حكم الأجنبي فالتصرف في العبد أو الجارية لذلك الرشيد لا لأبيه فله أن يواسيه بهما ببيع أو غيره.
قوله: [ومثل الصدقة الهبة] إلخ: أي في جميع ما تقدم.
قوله: [شرط الثواب]: أي اشتراطه حال كون الاشتراط مقارناً للفظها
وقوله: [عين الثواب أم لا]: أي فالتعيين غير لازم قياساً على نكاح التفويض وهذا هو المعتمد. وقيل إن اشترط العوض في عقدها فلا بد من تعيينه قياساً على البيع.
قوله: [بتعيينه]: أي بتعيين قدره ونوعه كان التعيين من الموهوب له أو الواهب ويرضى الآخر. والحاصل: أنه إذا عين الثواب واحد منهما ورضي الآخر فإنه يلزم الموهوب له دفعه إذا قبل الهبة وليس له الرجوع عن الثواب بعد تعيينه وإن لم يقبض الهبة كما في التوضيح نقله محشي الأصل.
قوله: [فإن [٢] قصده]: أي لا في شرطه لأنه إذا ادعى الواهب اشتراطه فلا بد من إثباته ولا ينظر لعرف ولا غيره.
قوله: [إن لم يشهد عرف]: أي إن انتفت شهادة العرف بضده بأن شهد العرف له أو لم يشهد له ولا عليه.
قوله: [وأما التنازع قبل قبضها]: محترز قوله "بعد القبض".
قوله: [أشكل الأمر]: أي بأن لم يشهد العرف له ولا عليه.
وقوله: [أم لا]: أي بأن شهد العرف له.
قوله: [والثاني] إلخ: هذا هو أظهر القولين كما في المجموع.
قوله: [في دعوى الثواب]: أي دعوى قصده وأشار الشارح بهذا إلى أن قول المصنف في غير المسكوك متعلق بصدق، وفيه أنه يلزم عليه تعلق حرفي جر متحدي اللفظ والمعنى بعامل واحد إلا أن يقال إن الثاني أخص من الأول نحو جلست في المسجد في محرابه وهو جائز كما ذكره في الحاشية.
قوله: [أو قرينة]: من ذلك جريان العرف بها.
قوله: [عند الشرط]: أي أو العرف.
قوله: [لما فيه من الصرف]: أي إن كان من غير صنفه وقوله "أو البدل" أي إن كان من صنفه.
قوله: [المؤخر]: راجع للاثنين.
مسألة: قال في معين الحكام اختلف في الذي يثيب جهلاً عما لا ثواب فيه أو المثيب عن الصدقة فقال مالك يرد إليه ثوابه ولا شيء له إذا فات اهـ (شب).
قوله: [وأما الموهوب له] إلخ: أي والفرض أن الثواب لم يعين، وأما إذا عين ورضي به الموهوب له فإنه يلزمه دفعه قبضها أو لا كما مر.
قوله: [عند الموهوب له]: احترز به عما إذا فاتت بيد الواهب فلا يلزم الموهوب له دفع القيمة ولا يلزم الواهب القبض ولو بذل له أضعاف القيمة.
قوله: [أي ما يصح أن يكون ثمناً في البيع]: أي عوضاً
стр. 849
ولا عكسه، ولا عن العرض عرض [١] من جنسه لما فيه من السلم الفاقد لشرطه، ولما فيه من سلم الشيء في نفسه، فيثاب عن العرض طعام ودراهم ودنانير وعكسه، وعرض من غير جنسه فهبة الثواب كالبيع في غالب الأحوال لأنها تخالفه في البعض كجهل العوض والأجل ولا يفيتها حوالة الأسواق ولا يلزم عاقدها الإيجاب والقبول وإذا أثابه ما يقضي عنه في البيع لزم الواهب قبوله وإن معيباً حيث كان فيه وفاء بالقيمة وليس له أن يقول حينئذ: لا آخذ إلا سليماً (إلا) أن يثيبه (نحو حطب) وتبن مما لا تجري العادة بإثابته [٢] كالطين والآجر بضم الجيم (فلا يلزمه قبوله) فإن جرى عرف بإثابته [٣] لزمه القبول.
(وللمأذون له) في التجارة هبة الثواب من ماله (والأب من مال محجوره) الصغير أو السفيه (هبة الثواب) لا غيرها، فلا يجوز كما لا يجوز له الإبراء من مال محجوره ولا يجوز لوصي ولا حاكم ولا غير مأذون له هبة ثواب وإلا إبراء.
ولما فرغ من بيان الهبة انتقل يتكلم على العمرى وحكمها، لأنها من قبيل الهبة، فقال: (وجازت العمرى) والمراد بالجواز: الإذن فيها شرعاً، فهي مندوبة؛ لأنها من المعروف، وعرفها بقوله: (وهي) أي العمرى (تمليك منفعة) شيء (مملوك) عقاراً أو غيره، إنساناً أو غيره كفرس وبعير (حياة المعطى) بفتح الطاء، والظرف متعلق بتمليك أي مدة حياة المعطى (بغير عوض) فخرج بقوله: "تمليك منفعة" تمليك الذات بعوض وبغيره والأول بيع والثاني هبة أو صدقة وخرج بقوله: "مملوك" ما ليس بمملوك كإقطاع من إمام أو إسقاط حق من نحو وقف وإلا فباطل
ــ
عن الشيء المبيع في السلم بأن يراعى فيه شروط بيع السلم زيادة على أصل شروط البيع ما عدا الأجل فإنه لا يشترط هنا فيقال: يشترط أن لا يكونا طعامين ولا نقدين ولا شيئاً في أكثر منه أو أجود إلا أن تختلف المنفعة كفاره الحمر في الأعرابية.
قوله: [ولا عكسه]: أي بأن يقضي عن الحيوان لحماً من جنسه، ومعلوم أن ذوات الأربع المباحة الأكل كلها جنس كما أن الطيور كلها جنس وحيوانات البحر كلها جنس ومفهوم: " من جنسه " أن قضاءه بغير جنسه يجوز ما لم يكن الحيوان طعاماً حكماً كحيوان قلت منفعته أو لا منفعة فيه إلا اللحم أو لا تطول حياته فلا يجوز القضاء عنه لحماً ولو من غير جنسه ولا القضاء به لأنه طعام بطعام.
قوله: [ولا عن العرض عرض]: نسخة المؤلف نصب "نقداً" وترك النصب في حيوان وعرض وكان مقتضى العربية نصب الجميع وبناء الفعل للفاعل أو رفع الجميع وبناءه للمفعول.
قوله: [الفاقد لشرطه]: أي شروطه هو راجع لقوله "فلا يقضى" إلخ، وكذا قوله "لما فيه من سلم الشيء في نفسه" والأولى عطفه بالواو لأنه علة ثانية أو يقال ترك لأنه علة للعلة.
قوله: [فيثاب عن العرض]: إلخ: تفريع لما استوفى الشروط.
قوله: [وعكسه]: أي يثاب عن الطعام عرض ودراهم ودنانير اجتماعاً وانفراداً.
قوله: [وعرض من غير جنسه]: راجع للإثابة عن العرض.
قوله: [لأنها تخالفه في البعض]: تعليل للتقييد بالغالب.
قوله: [وإذا أثابه ما يقضي عنه في البيع]: من جملة ما خالفت فيه الهبة البيع فتحصل أنها تخالفه في جهل العوض والأجل ولا يفيتها حوالة الأسواق ولا يلزم عاقدها الإيجاب والقبول، وإذا أثابه ما يقضي عنه في البيع لزم الواهب قبوله إذا كان الموهوب له قبض الهبة، وإن كان معيباً إلخ ما قال الشارح.
قوله: [بضم الجيم]: أي مع مد الهمزة.
قوله: [فإن جرى عرف بإثابته لزمه]: هذا كله في غير المعين وأما المعين وقت الهبة فيلزمه قبوله إن جاز شرعاً وإن لم يجر به عرف ولا عادة كما تقدم.
تنبيه: قال (عب): جميع ما مر في الهبة الصحيحة إن كانت قائمة فإن فاتت لزم فيها القيمة ويقضى عنها بما يقضى به عن ثمن المبيع من العين، أما الفاسدة فترد إن كانت قائمة وإن فاتت لزم عوضها مثل المثلي وقيمة المقوم
قوله: [وللمأذون]: خبر مقدم والأب معطوف عليه وهبة الثواب مبتدأ مؤخر.
قوله: [لا غيرها]: أي كالتبرعات.
قوله: [ولا يجوز لوصي ولا حاكم]: محترز الأب.
وقوله: [ولا غير مأذون له]: محترز المأذون فهو لف ونشر مشوش.
قوله: [وإلا إبراء]: هكذا نسخة المؤلف والمناسب حذف الألف لأنه معطوف على هبة.
قوله: [الإذن]: أي وليس المراد به المستوي الطرفين بدليل ما بعده. قوله: [إنسانا أو غيره]: أي كثياب وحلي وسلاح وحيوان. قال في كتاب الهبات من المدونة قيل فإن أعمر ثوباً أو حلياً قال لم أسمع من مالك في الثياب شيئاً، وأما الحلي فأراه بمنزلة الدار وفيها في العارية ولم أسمع في الثياب شيئاً وهي عندي على ما أعارها عليه من الشرط، أبو الحسن يريد أنه إذا بقي من الثوب شيء بعد موت المعمر رده وإن لم يبق منه شيء فلا شيء لربه اهـ.
قوله: [والأول بيع]: أي أو هبة ثواب.
قوله: [كإقطاع من إمام]: أي لأن الإمام لا يملك الأقطاع التي يقطعها لبعض الناس وتقدم اللغز في ذلك.
قوله: [أو إسقاط حق]: أي كساكن بيت موقوف فيسقط حقه لآخر حياته.
قوله: [وإلا فباطل]: انظر ما معنى هذا اللفظ وقد يقال معناه وإلا يكن الشيء الغير المملوك إقطاعاً
стр. 850
وخرج بقوله: "حياة المعطى" الوقف المؤبد، وكذا المؤقت بأجل معلوم، وخرج به الإعارة أيضاً، وقوله: "المعطى" بالفتح يقتضي أنها إذا كانت حياة المعطي بالكسر أو حياة أجنبي كزيد لا تسمى عمرى حقيقة وإن جازت، وهو كذلك؛ لأنها إنما تنصرف عند الإطلاق لحياة المعطى بالفتح فإذا قال المالك: أعمرتك داري مثلاً، حمل على عمر المعطى بالفتح فلا كلام لوارث المعطي بالكسر إذا مات وخرج بقوله: "بغير عوض" الإجارة وهي إجارة فاسدة للجهل بالأجل (كأعمرتك) أو أعمرت زيداً (أو) أعمرت (وارثك) مثلاً ولا يشترط لفظ الإعمار، بل ما دل على تمليك المنفعة: و "أو" مانعة خلو، فتجوز الجمع كأعمرتك ووارثك، فيصدق كلامه بثلاث صور:
(داري أو نحوها) مما يملكه كعبدي أو فرسي أو بعيري وأما الأمة فإن أعمرها لامرأة أو لمحرمها جاز، وإلا فلا لما فيه من إعارة الفروج (ورجعت) العمرى بمعنى الشيء المعمر إذا مات المعمر بالفتح (للمعمر) بالكسر إن كان حياً (أو وارثه يوم موته) إذا مات لا يوم المرجع فلو مات عن أخ حر مسلم وابن كافر أو رقيق فأسلم، أو تحرر ثم مات المعمر بالفتح رجعت للأخ؛ لأنه الوارث يوم موت المعمر بالكسر (وهي) أي العمرى (في الحوز كالهبة) فإن حازها المعمر بالفتح قبل حدوث مانع تمت، وإلا بطلت فيجري فيه قوله وبطلت بمانع قبل الحوز إلخ.
(باب) في اللقطة وأحكامها
(اللقطة) بضم اللام وفتح القاف: اسم عند الفقهاء لما يلتقط بفتح القاف والقياس لغة: أن فُعلة بضم الفاء وفتح العين يستعمل في الفاعل الذي يقع منه الفعل كثيراً؛ كضحكة وهمزة ولمزة: لكثير الضحك والهمز واللمز وأن ما يلتقط بفتح القاف يسمى لقطة بسكونها (مال) فغيره لا يسمى لقطة
ــ
من إمام أو إسقاط حق من نحو وقف بل كان تمليك منفعة ملك الغير بلا شبهة فباطل وإنما كان باطلاً؛ لأن تصرف الفضولي بغير معاوضة باطل.
قوله: [وخرج بقوله حياة المعطى] إلخ: أي فلا يقال لما ذكر عمرى.
قوله: [وخرج به الإعارة أيضاً]: أي مدة معلومة غير مقيدة بحياة المعطى بالفتح وإلا كانت عمرى لأن العمرى لا يشترط فيها لفظ مخصوص.
قوله: [وخرج بقوله بغير عوض] إلخ: إنما كانت إجارة لأنها تمليك منفعة.
قوله: [للجهل بالأجل]: أي لأن مدة حياة المعطى مجهولة.
قوله: [بل ما دل على تمليك المنفعة]: أي بغير عوض مدة حياة المعطى.
قوله: [فيصدق كلامه بثلاث صور]: إلا أنه إن أعمره ووارثه معاً لا يستحق الوارث إلا بعد موته كوقف عليك وولدك على قول مالك حيث كان الوالد أحوج. ولكن المعمول به في الوقف قول المغيرة وهو مساواة الوالد للولد ولو كان أحوج، ولعل الفرق بين العمرى لا تكون للوارث إلا بعد موت المورث وبين الوقف حيث سوي فيه بين الولد والوالد على قول المغيرة إن مدلول العمرى العمر فكأنه إنما أعمر الوارث بعد موت مورثه، وأما إذا أعمره فقط أو وارثه فقط فإن المعمر يستحق المنفعة حالاً.
قوله: [وإلا فلا]: أي بأن أعمرها لرجل أجنبي غير محرم.
قوله: [للمعمر بالكسر]: إلخ فلو حرث المعمر بالفتح أرضاً أعمرت له ومات أخذها ربها ودفع لورثته أجرة الحرث وإن شاء أسلمها لهم بحرثها تلك السنة وأخذ منهم أجرة مثلها فإن فات المعمر بالفتح وبها زرع وفات الإبان فلورثته الزرع الموجود ولا كراء عليهم؛ لأن مورثهم ذو شبهة وقت الزرع والغلة لذي الشبهة فإن لم يفت الإبان كان لهم الزرع وعليهم الأجرة.
قوله: [لأنه الوارث يوم موت المعمر]: أي فقد ملك الذات من يومه.
تتمة: لو قال حبس عليكما حياتكما وهي لآخركما فهو حبس عليهما ما داما حيين فإذا مات أحدهما رجعت للآخر ملكاً يصنع بها ما شاء، وأما لو قال حبس عليكما فقط فإنها ترجع للآخر حبساً فإذا مات الآخر رجعت مراجع الأحباس وقيل ترجع ملكاً للمحبس أو وارثه وهو الراجح، وأما الرقبى فلا تجوز حبساً ولا ملكاً كذوي دارين أو عبدين أو دار وعبد قال كل لصاحبه إن مت قبلي فهما لي وإن مت قبلك فهما لك؛ فالمراد إن مت قبلي فدارك لي مضمومة لداري، وإن مت قبلك فداري لك مضمومة لدارك، وإنما منع لما فيه من الخروج عن وجه المعروف والمخاطرة، فإن وقع ذلك واطلع عليه قبل الموت فسخ، وإن لم يطلع عليه إلا بعد الموت رجعت لوارثهما ولا ترجع مراجع الأحباس لفساد العقد كذا في الأصل، ولكن قال (شب) محل فساد العقد فيما ذكر إن وقع ما ذكر في عقد واحد، وأما من فعل بصاحبه هذا في وقت ففعل به الآخر مثله في وقت آخر من غير دخول على ذلك فهو جائز أي وتصير كالوصية، والله أعلم.
باب في اللقطة
أي في حقيقتها، والمراد بأحكامها مسائلها. ومناسبة هذا الباب لما قبله أن في كل فعل خير؛ لأن الواهب فعل خيراً يعود عليه ثوابه في الآخرة والملتقط فعل خيراً وهو الحفظ والتعريف يعود عليه ثوابه في الآخرة.
قوله: [اسم عند الفقهاء لما يلتقط]: أي وأما في اللغة فوجود الشيء على غير طلب
стр. 851
كالصيد والحر، إلا أنه إذا كان صغيراً يسمى لقيطاً (معصوم) أي محترم شرعاً فخرج الركاز، ومال الحربي (عرض) بفتح العين والراء (للضياع) بأن وجد بمضيعة في غامر بالغين المعجمة أو عامر بالمهملة: ضد الأول، وخرج به السرقة ونحوها مما كان في حفظ صاحبه ولو حكماً، كما لو وضعه في مكان ليرجع إليه، وكالثمر المعلق والحب في الزرع والجرين، وخرج الإبل أيضاً إذا لم يعرض لها ضياع (وإن) كان المال المعصوم (كلباً) مأذوناً فيه وأما غيره فليس بمال، (وفرساً وحماراً) وبالغ على الكلب لئلا يتوهم من منع بيعه أنه ليس بمال، وعلى ما بعده لئلا يتوهم أنه كضالة الإبل لا يلتقط.
(وردت) اللقطة وجوباً (بمعرفة العفاص) بكسر العين المهملة: ظرفها من خرقة صرت بها أو كيس (و) معرفة (الوكاء) بالمد: وهو الخيط الذي ربطت به.
(وقضي له) أي لمن عرفها (على ذي العدد والوزن) أي على من عرفهما دون العفاص والوكاء (بيمين) وأما إن عرف العدد فقط أو الوزن فقط فيقضى لمن عرف العفاص والوكاء بلا يمين.
(وإن وصف) شخص (ثان وصف) شخص (أول ولم ينفصل) الأول (بها) انفصالاً لا يمكن معه إشاعة الخبر (حلفا وقسمت بينهما) وأما لو انفصل انفصالاً لا يمكن معه إشاعة الخبر اختص بها الأول (كنكولهما) معاً فتقسم بينهما وقضي للحالف على الناكل (كبينتين) تساويا في العدالة أقام كل منهما بينة (لم يؤرخا) معاً أي لم تذكر كل منهما تاريخاً، فإنهما يحلفان وتقسم بينهما ويقضى للحالف منهما على الناكل كما يقضى لذي الأعدل (وإلا) -بأن أرخا معاً- (فللأقدم تاريخاً لا للأعدل)، ولو تأخرت تاريخاً.
(ولا ضمان على) ملتقط (دافع بوجه جائز) حيث أتى ثان بأثبت من الأول، ولو ببينة ويصير الكلام بعد ذلك بين المدعي الثاني وبين من أخذها، ويجري الحكم على ما تقدم فذو البينة يقدم على غيره
ــ
وهذه اللغة أشهر لغاتها الأربع. الثانية: ضم اللام وسكون القاف. الثالثة: لقاطة بضم اللام وفتح القاف ممدودة. الرابعة: لقط بفتح اللام والقاف بلا هاء
قوله: [كالصيد] أي فاصطياد السمك من الماء والطير والوحش من البراري؛ قبل دخوله في حوز الغير لا يسمى مالاً فهو خارج بهذا القيد كخروج الحر وقد يقال إنه مشكل بل يقال إنه مال لكنه غير معصوم أي محترم شرعاً فيخرج بما خرج به الركاز ومال الحربي فتأمل.
قوله: [يسمى لقيطاً]: أي لأن اللقيط صغير آدمي لم يعلم أبوه ولا أمه حر أو مشكوك فيه.
قوله: [بفتح العين والراء]: أي مخففاً مبنياً للفاعل لا بالتشديد مبنياً للمفعول لإيهامه أن ما ضاع ولم يقصد ضياعه لا يسمى لقطة، ومعنى عرض للضياع أي عرض له الضياع فهو من باب القلب نحو عرض الحوض على الناقة كما في الحاشية.
قوله: [بالغين المعجمة]: هو الخراب:
قوله: [وخرج به السرقة ونحوها] إلخ: المناسب أن يقول خرج به ما كان في حفظ صاحبه إلخ: فإن أخذه يسمى سرقة لا لقطة.
قوله: [والجرين]: يصلح للتمر والحب.
قوله: [إذا لم يعرض لها ضياع]: أي بأن كانت في محل أمن شأنها توجد فيه.
قوله: [وأما غيره]: أي غير المأذون فيه من الكلاب.
قوله: [من منع بيعه]: أي على مشهور المذهب خلافاً لسحنون حيث قال أبيعه وأحج بثمنه.
قوله: [وعلى ما بعده]: يعني الفرس والحمار وسيأتي الفرق بين الإبل وغيرها.
قوله: [وردت اللقطة] إلخ: أي ولا يجوز لواجدها أن يأخذ من ربها أجرة وهو المسمى بالحلاوة إلا على سبيل الهبة والصدقة قوله: [ظرفها]: إنما سمي عفاصاً أخذاً له من العفص وهو الثني لأن الظرف يثنى على ما فيه.
قوله: [أي على من عرفهما]: أي العدد والوزن ومعناه أن أحد الشخصين عرف العفاص والوكاء والآخر عرف العدد والوزن فيقضي لعارف العفاص والوكاء بيمين.
قوله: [وإن وصف شخص ثان]: حاصله أن اللقطة إذا وصفها شخص وصفاً يستحقها به ولم ينفصل بها انفصالاً يمكن معه إشاعة الخبر بأن لم ينفصل أصلاً أو انفصل بها لكن لا يمكنه معه إشاعة الخبر، ثم جاء شخص آخر ووصفها بوصف مثل الأول في كونه موجباً لاستحقاقها سواء كان عين وصف الأول أو غيره، فإن نكل واحد منهما يحلف أنها له وتقسم بينهما إن حلفا أو نكلا ويقضى للحالف على الناكل، أما لو انفصل بها الأول انفصالاً يمكن معه إشاعة الخير [١] فلا شيء للثاني؛ لاحتمال أن يكون سمع وصف الأول أو رآها معه فعرف أوصافها.
قوله: [فتقسم بينهما]: أي ولا يرجح الأول الذي أخذها بوضع اليد لأن الترجيح بالحوز إنما هو في المجهولات وهذا مال علم أنه لقطة كذا قال ابن القاسم، وقال أشهب: إنها تكون للأول الذي أخذها لترجيح جانبه بالحوز كذا في (بن).
قوله: [كما يقضي لذي الأعدل]: أي إذا أقام كل بينة عادلة لكن إحداهما أشد عدالة فيقضى لصاحبها ولعله بيمين؛ لأن زيادة العدالة بمنزلة شاهد كما يأتي في الشهادات.
قوله: [لم يؤرخا] أي: الملك، وقيل: السقوط.
قوله: [تأخرت تاريخاً]: الجملة حال من أعدل أي لا تقدم الأعدل في حال تأخر تاريخها.
قوله: [حيث أتى ثان بأثبت من الأول]: أي بأن بين الثاني العفاص والوكاء والأول العدد والوزن. وقوله: [ولو ببينة]: أي ولو كان ثبوتها للثاني بالبينة.
قوله: [فذو البينة يقدم على غيره]: أي وتنزع له من
стр. 852
وواصف العفاص والوكاء يقدم على واصف غيرهما أو أحدهما وذو البينة المؤرخة يقدم على ما لم تؤرخ فإن أرَّخا معاً قدم صاحب الأقدم تأريخاً فإن لم يؤرخا لعدم الأعدل فإن تساويا قسمت بينهما إن حلفا أو نكلا؛ هذا مذهب ابن القاسم. (واستؤني) أي يجب التربص وعدم الدفع باجتهاد الحاكم لمن أتى (بالواحدة) فقط من صفتي العفاص والوكاء لا من غيرهما كما في النقل (إن جهل) الواصف (غيرها) أي غير الواحدة لعل غيره أن يأتي بأثبت مما وصفها فيستحقها.
فإن لم يأت أحد بأثبت من الأول أو لم يأت أحد أصلاً أخذها الأول (لا) إن (غلط) أي ادعى الغلط بأن ذكر الصفة الثانية على خلاف ما هي عليه، فقيل له: كذبت، فادعى الغلط؛ فلا يستأنى ولا تدفع له أصلاً، بخلاف الجاهل فإنه معذور حيث قال لا أدري أو نسيته. قال ابن رشد: وهو أعدل الأقوال الثلاثة، وإليه أشار بقوله: على الأظهر، ثانيها: أنهما سواء في القبول، ثالثها: أنهما سواء في عدمه.
(فإن أثبت غيره) أي غير الجاهل بالأخرى (أكثر) بأن عرف العفاص والوكاء معاً (أخذها) دون الأول الآتي بالواحدة فقط، ويبقى ما إذا ذكر الأول العفاص فقط أو الوكاء، وذكر الثاني الصفة الثانية فقط، هل تكون بعد الاستيناء للأول؟ لأن الثاني لم يأت بأثبت -كما يفيده ما تقدم- أو تقسم بينهما بعد حلفهما؟ واستظهر لتعادلهما في الوصف، والأسبقية لا تقتضي استحقاقاً.
(ووجب) على من وجد لقطة (أخذها لخوف خائن) أي عند خوف خائن لا يعرفها ليحفظها لربها من الخائن (إلا أن يعلم خيانته هو فيحرم) أخذها (وإلا) يخف خائناً (كره) أخذها مع علمه أمانة نفسه، وكذا لو شك في خيانة نفسه بالأولى.
(و) وجب (تعريفها) على من التقطها (سنة) كاملة (إن كان لها بال و) يعرّف (نحو الدلو والدينار) فأقل (الأيام) لأنها لا تلتفت إليها النفوس كل الالتفات. قال في المقدمات: ما قل وله قدر ومنفعة ويشح ربه به ويطلبه يعرف اتفاقاً، وفي تعريفه سنة أو أياماً قولان. وما قل ولا يطلبه عادة فلابن القاسم هو لمن وجده ليس عليه تعريفه فإن شاء تصدق به. انتهى.
قال ابن عبد السلام: وعلى القول الثاني أول بعضهم المدونة وهو الذي عليه الأكثر من أهل المذهب وغيرهم. انتهى، فالشيخ رحمه الله تعالى ترك قول الأكثر ورد عليه بـ "لو" بقوله: "ولو كدلو"، ونحن درجنا على قول الأكثر لأنه المعتمد والتعريف يكون (بمظان طلبها وبباب المسجد) لا داخله (في كل يومين أو ثلاثة) مرة
ــ
يد ذلك الغير.
قوله: [على واصف غيرهما]: أي بأن وصف العدد والوزن.
وقوله: [أو أحدهما]: أي بأن اقتصر على العفاص والوكاء فهو معطوف على غيرهما.
قوله: [على ما لم تؤرخ]: "ما" واقعة على "بينة" فالأولى "من".
قوله: [فإن تساويا]: أي في العدالة والتاريخ وجوداً وعدماً.
قوله: [إن حلفا أو نكلا]: أي فنكولهما كحلفهما على مذهب ابن القاسم خلافاً لمن قال إنهما إذا نكلا تبقى بيد الملتقط ولا تعطى لواحد منهما.
قوله: [إن جهل الواصف غيرها]: أي بأن قال حين السؤال لا أدري ما هو أو كنت أعلمه ونسيته ولا يعارض الاستيناء ما مر من دفعها لواصف العفاص دون من عرف الوزن والعدد؛ لأن دفعها لا ينافي الاستيناء.
قوله: [فإن لم يأت أحد بأثبت من الأول]: أي بأن كان وصف الأول أكثر إثباتاً هذا هو المراد، وأما إذا تساويا في الإثبات فإنها تقسم بينهما كما مر.
قوله: [قال ابن رشد وهو أعدل الأقوال]: أي قال وهو أعدل الأقوال عندي. بخلاف ما إذا عرف العفاص والوكاء أو أحدهما وغلط في الصفة فقط كأن قال بنادقة فإذا هي محابيب أو بالعكس، أو قال هي يزيدية فإذا هي محمدية أو العكس، فإنها لا تدفع له اتفاقاً.
قوله: [ووجب على من وجد لقطة]: حاصل هذا المبحث أن مريد الالتقاط إما أن يعلم أمانة نفسه أو خيانتها أو يشك فيها، وفي كل إما أن يخاف الخائن لو ترك الأخذ أو لا فيجب الأخذ بشرطين إن خاف الخائن ولم يعلم خيانة نفسه بأن علم أمانتها أو شك فيها، فإن علم خيانة نفسه حرم الأخذ خاف الخائن أم لا، وإن لم يخف الخائن كره علم أمانة نفسه أو شك فيها فالوجوب في صورتين وكذا الحرمة وكذا الكراهة. هذا حاصل ما يؤخذ من الشارح وهو التحرير.
قوله: [لا يعرفها]: صفة لخائن.
وقوله: [ليحفظها]: علة لقوله " أخذها ".
قوله: [وإلا يخف خائناً كره]: اعلم أنه إذا لم يخف خائناً وعلم أمانة نفسه فثلاثة أقوال: الاستحباب والكراهة والتفصيل، يستحب فيما له بال ويكره في غيره واختار التونسي من هذه الأقوال الكراهة مطلقاً، وأما إذا لم يخف خائناً وشك في أمانة نفسه فالكراهة اتفاقاً.
قوله: [إن كان لها بال]: أي بأن كانت فوق الدلو والدينار.
وقوله: [فأقل]: أي أقلية لا تصل للتافه. قوله: [قال في المقدمات]: أي ابن رشد.
قوله: [وعلى القول الثاني]: أي في تعريف الشيء القليل الذي له قدر ومنفعة أياماً.
قوله: [بقوله ولو كدلو]: أي حيث قال "وتعريفه سنة ولو كدلو".
قوله: [وبباب المسجد]: أي ومثله السوق.
قوله: [لا داخله]: أي فهو مكروه لاحترام المسجد.
قوله: [في كل يومين]: هذا في غير أول زمان التعريف إذ في أوله ينبغي أن يكون أكثر من ذلك. ففي كل يوم مرتين، ثم في كل يوم مرة، ثم في كل يومين مرة، ثم في كل ثلاثة أيام مرة، ثم في كل أسبوع مرة، كما ذكره شارح الموطإ كذا في حاشية الأصل [١].
стр. 853
(بنفسه أو بمن يثق به) لأمانته ولا ضمان عليه إن دفعها لأمين يعرفها.
(أو) يعرفها غيره (بأجرة منها، إن لم يلق) التعريف (بمثله) لكونه من أولي الهيئات؛ وإلا ضمن؛ كما لو تراخى في التعريف حتى هلكت (و) عرفها (بالبلدين إن وجدت بينهما) لأنهما حينئذ من مظان طلبها.
(ولا يذكر) المعرف (جنسها) من ذهب أو فضة أو ثوب أو نحو ذلك، بل بوصف عام كأمانة أو مال أو شيء، لأن ذكر جنسها الخاص ربما أدى بعض أذهان الحذاق إلى ذكر عفاصها ووكائها باعتبار العادة.
(ولا يعرّف) شيء (تافه) وهو ما لا تلتفت إليه النفس عادة؛ كدون الدرهم الشرعي وعصا وسوط، وكقليل من تمر أو زبيب وله أكله إذا لم يعلم ربه، وإلا منع وضمن. وتقدم أن ما فوق التافه إذا لم يكن له بال قوي؛ كالدلو والدينار والدرهم الشرعي يعرف أياماً بمقتضى النظر على قول الأكثر فالأقسام ثلاثة.
(وله): أي للملتقط (حبسها) أي اللقطة عنده (بعدها) أي السنة لعله أن يظهر صاحبها (أو التصدق بها) عن ربها أو عن نفسه (أو التملك) لها بأن ينوي تملكها، (ولو) وجدها (بمكة) فله أحد هذه الأمور الثلاثة. وقيل: إن لقطة مكة يجب تعريفها أبداً عملاً بظاهر الحديث ولا يجوز تملكها ولا التصدق بها.
(وضمن) الملتقط (فيهما) أي في التصدق بها ولو عن ربها وفي نية تملكها إذا جاء ربها (كنية أخذها) أي كما يضمن إذا أخذها بنية تملكها (قبلها) أي قبل السنة؛ لأنه بتلك النية صار كالغاصب فيضمنها لربها ولو تلفت بسماوي بعد تلك النية. وأولى لو نوى التملك عند التقاطها. (و) ضمن في (ردها لموضعها) الذي أخذها منه وأولى لغيره (بعد أخذها للحفظ) والتعريف، سواء ردها بعد بُعد أو قرب، وهو قول ابن رشد، وقال اللخمي: إن ردها بقرب فلا ضمان. وهذا معنى قول الشيخ: "إلا بقرب فتأويلان". ومفهوم للحفظ -أي التعريف- أنه إن أخذها بنية الاغتيال فلا ضمان بردها لموضعها مطلقاً لوجوب ردها عليه وأما لو أخذها ليسأل عنها معيناً فلا ضمان إن ردها بقرب لوجوب الرد عليه فوراً.
ــ
قوله: [بنفسه]: متعلق بتعريفها كما أن قوله "بمظان طلبها" كذلك لاختلاف معنى الباءين لأن الباء الأولى بمعنى في والثانية للآلة.
قوله: [ولا ضمان عليه إن دفعها لأمين] إلخ: أي وإن لم يساوه في الأمانة، والفرق بينه وبين المودع حيث يضمن إن أودع ولو أميناً لغير عذر أن ربها هنا لم يعينه لحفظها بخلاف الوديعة.
قوله: [إن لم يلق التعريف بمثله]: قيد في قوله "أو بأجرة منها".
قوله: [وإلا ضمن]: أي وإلا بأن كان ممن يعرف مثله واستأجر من يعرفها منها وضاعت منه ضمن وهذا القيد تبع فيه المصنف خليلاً التابع لابن الحاجب، ابن عرفة وظاهر اللخمي عن ابن شعبان أن للملتقط أن يدفعها لمن يعرفها بأجرة منها ولو كان ممن يلي تعريفها بنفسه إذا لم يلتزمه اهـ (بن).
قوله: [وعرفها بالبلدين] إلخ: قال اللقاني ظاهر كلامهم ولو كانت إحداهما أقرب من الأخرى، وينبغي إذا كانت أقرب إلى إحداهما من الأخرى قرباً متأكداً بحيث يقطع القاطع بأنها من هذه دون الأخرى أنه إنما يعرفها في التي هي أقرب.
قوله: [كأمانة]: مثل ذلك من ضاع له ضائع.
قوله: [ولا يعرف شيء تافه]: قدم أولاً أن ما له بال مما كان فوق الدينار ونحوه يعرف سنة ونحو الدلو والدينار يعرف الأيام وأفاد هنا أن التافه لا يعرف.
قوله: [وإلا منع]: أي وإلا بأن علم ربه وإنما منع أكله حينئذ لأنه لم يكن لقطة، بل من أكل أموال الناس بالباطل.
قوله: [أي للملتقط حبسها] إلخ: اعلم أن ما ذكره المصنف من تخيير الملتقط بين الأمور الثلاثة إذا كان غير الإمام، وأما الإمام فليس له إلا حبسها أو بيعها لصاحبها ووضع ثمنها في بيت المال، وليس له التصدق بها ولا تملكها لمشقة خلاص ما في ذمته. بخلاف غيره اهـ (عب).
قوله: [وقيل إن لقطة مكة] إلخ: أي كما هو للباجي وفاقاً للشافعي.
قوله: [عملاً بظاهر الحديث]: أي وهو قوله ﵊: «لا تحل لقطة الحاج»، وقوله ﵊: «إن لقطتها لا تحل إلا لمنشد»، فقال الشافعي والباجي: إن الاستثناء معيار العموم ولذكر هذه الجملة بعد جملة لا تحل فيها أبداً وهي: «ولا ينفر صيدها ولا يختلى خلاها»؛ أي لا يقطع حشيشها، والأصل تجانس المعطوفات في النفي الأبدي. وأجاب المشهور: بأن المراد لا تحل قبل السنة، وإنما نبه النبي ﷺ على ذلك في مكة مع أن عدم حلها قبل السنة عام في مكة وغيرها لئلا يتوهم عدم تعريف لقطها بانصراف الحجاج فتأمل.
قوله: [وأولى لو نوى التملك] إلخ: اعلم أن الصور ثلاث: الأولى ما إذا رآها مطروحة فنوى أخذها تملكاً ثم تركها ولم يأخذها فتلفت. الثانية ما إذا نوى تملكها وأخذها فتلفت. الثالثة ما إذا أخذها للتعريف ثم نوى تملكها قبل تمام السنة؛ ففي الصورة الأولى لا ضمان عليه لأن نية الاغتيال وحدها لا تعتبر، وفي الثانية الضمان قطعاً لمصاحبة فعله لنيته، وفي الثالثة لا ضمان عليه عند ابن عبد السلام نظراً إلى أن نية الاغتيال مجردة عن مصاحبة فعله وقال غيره بالضمان نظراً إلى أن نية الاغتيال قد صاحبها فعل وهو الكف عن التعريف، وارتضاه (ح) ومشى عليه شارحنا. قوله: [والتعريف]: عطف تفسير.
قوله: [فلا ضمان بردها لموضعها]: أي بل الضمان بإبقائها لمخالفة
стр. 854
وضمن إن ردها ببعد، وهذا الثالث هو محمل قولنا في شرح كلام الشيخ: "وعن بعد ضمن" أخذها للحفظ أم لا، أي بأن أخذها ليسأل عنها معيناً.
(والرقيق) في الالتقاط (كالحر) في جميع ما تقدم من وجوب أو حرمة أو كراهة وتعريف وغير ذلك وليس لسيده منعه منه (و) الضمان إن وجب عليه بما مر (قبل السنة) يكون (في رقبته) فيباع فيها ما لم يفده سيده، وليس له إسقاطه عنه وبعد السنة يكون في ذمته فيتبع بها إن عتق ولا يباع فيها.
(وله): أي للملتقط -حراً أو رقيقاً- (أكل ما يفسده [١]) لو تركه كثريد ولحم وفاكهة وخضر، بخلاف التمر والزبيب ونحوهما مما لا يفسد، فليس له أكله (ولو) وجده (بقرية) كما لو وجده بفلاة من الأرض (ولا ضمان عليه) في أكله.
(كغيره) أي غير ما يفسده كالتمر والزبيب فله أكله ولا ضمان عليه (إن لم يكن له ثمن) لقلته جدّاً نحو التمرة والزبيبة فإن كان له ثمن فليس له أكله فإن أكله ضمن.
(و) له أكل (شاة) من ضأن أو معز وجدها (بفيفاء) لا بعمران وعسر عليه حملها للعمران، ولا ضمان عليه في أكلها فإن تيسر حملها وجب عليه حملها وتعريفها على المعتمد (فإن حملها) أي الشاة التي يجوز أكلها لعسر حملها، بأن تكلف حملها للعمران (حية عرّفت) وجوباً وعلى ربها أجرة حملها وإن حملها مذبوحة فربها أحق بها إن علم قبل أكلها وعليه أجرة حملها.
(و) له أكل (بقرة بمحل خوف) من سباع أو جوع أو عطش بفيفاء وعسر سوقها للعمران ولا ضمان عليه فإن تكلف سوقها عرفت كالشاة والحاصل: أنه في المدونة سوى بين البقرة والشاة بمحل الخوف في عسر الإتيان بهما إلى العمران فلذا قلنا: (عسر سوقهما) للعمران فإن تيسر وجب حملهما وتعريفهما وقد تقدم أيضاً (و) إن وجدت (بأمن) أي بمحل مأمون (تركت) فإن أكلها ضمن، وإن حملها للعمران عرفت كما لو وجدها به (كإبل) فإنها تترك وجوباً (مطلقاً) وجدها بصحراء أو بالعمران.
ــ
الواجب.
قوله: [وضمن إن ردها ببعد]: إنما ضمن في البعد لأن الشأن أن صاحبها جاء للمكان بقرب وأيس منها فلا يعود في البعد.
قوله: [وهو محمل قولنا في شرح كلام الشيخ] إلخ: لكن قوله فيه "أخذها للحفظ أم لا" خروج عن الموضوع: لأن الموضوع أنه أخذها لا للحفظ بل ليسأل عنها.
قوله: [والرقيق]: أي بجميع أنواعه.
قوله: [من وجوب]: أي وهو في صورتين.
قوله [أو حرمة]: أي وهي في صورتين أيضاً.
وقوله: [أو كراهة]: أي وهي في صورتين أيضاً.
وقوله: [وتعريف]: أي ووجوب تعريف من سنة أو أيام.
وقوله: [وغير ذلك]: أي كالأمور الثلاثة التي يفعلها بعد أمد التعريف وباقي الأحكام التي تقدمت.
قوله: [وليس لسيده منعه منه]: أي الالتقاط لأنه يعرفها حال خدمته فلا تشغله.
قوله: [وبعد السنة]: أي إذا ضاعت بعد السنة بتفريط أو تصدق بها وتملكها
قوله: [بخلاف التمر]: إلخ سيأتي يصرح المتن بهذا المفهوم فلا حاجة لذكره هنا فإنه أوجب التعقيد قوله: [ولو وجده بقرية]: مبالغة على أكل ما يفسد.
وقوله: [كما لو وجده بفلاة من الأرض]: تشبيه في جواز الأكل فالأولى أن يقدر قبل المبالغة لأنه لا يتوهم عدم جواز أكل حيث كان بفلاة من الأرض وإنما يتوهم لو وجد بقرية.
قوله: [ولا ضمان عليه في أكله]: الضمير عائد على ما يفسد، والمعنى لا ضمان عليه في أكله بعد الاستيناء بقدر ما يخاف عليه الفساد ظاهره مطلقاً قل ثمنه أو كثر، ولكن صرح ابن رشد بأنه إن كان له ثمن بيع ووقف ثمنه. وقال في المجموع له أكل ما يفسد وضمن ما له ثمن اهـ.
قوله: [فليس له أكله]: هذا ظاهر إن كان مما يعرف بأنه كان ثمنه يزيد على الدراهم، فإن كان مما لا يعرف فلا وجه لمنع أكله، وإنما إذا أكله ضمنه لربه إن كان له ثمن فتأمل.
قوله: [فإن أكله ضمن]: أي حيث وجد ربه. وحاصل التحرير في هذه المسألة: أنه إذا التقط طعاماً فلا يخلو إما أن يفسد بالتأخير أو لا، وفي كل إما أن يكون مما يعرف أو أقل مما يعرف أو لا ثمن له أصلاً كالتمرة والزبيبة والعنبة. فهذه ست فإن كان مما يفسد أكل بعد الاستيناء قليلاً، فإن ظهر ربه فلا ضمان عليه مطلقاً على ما للمصنف وخليل، وضمن قيمته إن كان له ثمن على ما لابن رشد والمجموع، وأما إن كان مما لا يفسد فإن كان مما يعرف عرفه وجرى فيه أحكام التعريف المتقدمة، وإن كان مما لا يعرف أكله وضمنه لربه إن كان له ثمن فتأمل.
قوله: [ولا ضمان عليه في أكلها]: هذا يؤيد القول بعدم الضمان في الطعام الذي يفسد مطلقاً، بل هو أحروي ولذلك اقتصر عليه شارحنا وخليل.
قوله: [فإن تيسر حملها وجب عليه] إلخ: أي فإن أكلها حينئذ ضمن إن علم ربها.
قوله: [وعلى المعتمد]: أي وما في (عب) من جواز الأكل مطلقاً تيسر حملها أو لا فضعيف كما في (بن).
قوله: [وعلى ربها أجرة حملها]: أي يخير ربها بين أخذها ودفع أجرة حملها أو تركها لمن حملها فحملها كالنفقة عليها لا يتبع به ذمة ربها، بل في عينها إن شاء ربها دفعه أو تركها فيه. خلافاً لما توهمه عبارته أولاً وآخرا من تحتم أجرة الحمل على ربها.
قوله: [وجب حملهما وتعريفهما]: أي ويؤخذ من ربهما أجرة الحمل أو يتركهما لمن جاء بهما كما تقدم فقوله "وقد تقدم أيضاً" أي في مسألة الشاة.
قوله: [وإن حملها للعمران عرفت]: أي إن تجرأ وخالف الواجب من الترك وانظر في هذه
стр. 855
إن خاف عليها أم لا، وقيل: إن خيف عليها من خائن أخذت وعرفت أو بيعت ووقف ثمنها لصاحبها، وقيل: إن خيف عليها من السباع كأنت في حكم الغنم لواجدها أكلها وقيل: بل تؤخذ لتعرّف إذ لا مشقة في حملها.
(فإن أخذت) الإبل للعمران تعدياً (عرفت) سنة (ثم) بعد تعريفها سنة (تركت) بمحلها الذي أخذت منه.
(وله) أي لمن التقط دابة من حمار وبقر وفرس (كراء دابة) التقطها (لعلفها) أي لأجل علفها (منه كراء مأموناً) أي لا يخشى عليها منه وجيبة أو مشاهرة (و) له (ركوبها) من موضع التقاطها (لموضعه) وإن لم يتعسر [١] قودها (وإلا) بأن أكراها لغير علفها أو أزيد منه أو كراء غير مأمون فعطبت أو هلكت أو ركبها لغير موضعه أو في حوائجه (ضمن) قيمتها إن هلكت أو أرش العيب إن تعيبت وما زاد على علفها إن لم تهلك (و) له (غلتها) من لبن وسمن وإن زاد على علفها (لا) أي ليس له (نسلها) وصوفها وشعرها.
(ووجب لقط طفل) أي صغير لا قدرة له على القيام بمصالح نفسه من نفقة وغيرها. والمراد بلقطه: أخذ [٢] للحفظ (كفاية) أي وجوب كفاية إذا وجده جماعة بمضيعة، أو كان المكان مطروقاً للناس وإلا تعين على من وجده لقطه ويسمى الطفل الملقوط لقيطاً، وعرّف ابن عرفة اللقيط بقوله: صغير آدمي لم يعلم أبوه ولا رقه، فخرج ولد الزانية المعلومة ومن علم رقه لقطة لا لقيط. انتهى. (ونفقته) وحضانته واجبة (على ملتقطه)
ــ
الحالة هل يلزم ربها أجرة حملها أو لا لتعديه بالحمل؟
قوله: [خاف عليهما أم لا]: أي ففي (بن) المعتمد من مذهب مالك تركها مطلقاً. قال في المقدمات - بعد أن ذكر عدم التقاط الإبل - قيل إن ذلك في جميع الزمان وهو ظاهر قول مالك في المدونة والعتبية، وقيل هو خاص بزمن العدل وصلاح الناس، وأما في الزمان الذي فسد فالحكم فيه أنها تؤخذ وتعرف، فإن لم يعرف ربها بيعت ووقف ثمنها فإن أيس منه تصدق به كما فعل عثمان ﵁ لما دخل الناس في زمنه الفساد وقد روي عن مالك أيضا اهـ.
قوله: [ثم بعد تعريفها سنة تركت]: قد علمت أن هذا في زمن العدل والصلاح لا في مثل زماننا.
قوله: [كراء دابة] إلخ: إنما جاز له ذلك مع أن ربها لم يوكله فيه لأنها لا بد لها من نفقة عليه فكان ذلك أصلح لربها، والظاهر أنه إذا أكراها وجيبة كراء مأموناً ثم جاء ربها قبل تمامه فليس له فسخه لوقوع ذلك العقد بوجه جائز كذا في حاشية الأصل.
قوله: [ضمن قيمتها إن هلكت]: أي ويقدم في الضمان المستأجر في الكراء لغير المأمون لأنه مباشره والملتقط متسبب. قوله: [وما زاد على علفها]: أي فإذا أكريت لأجل العلف وزاد من كرائها شيء على العلف لم يكن للملتقط أخذه لنفسه، بل يبقيه لربها إذا جاء عند سلامتها.
قوله: [وله غلتها]: أي في مقابلة نفقتها إذا أنفق عليها من عنده ولم يكرها في علفها ولم يستعملها في مصالحه.
قوله: [من لبن وسمن]: بيان للغلة المرادة هنا.
قوله: [وإن زاد على علفها]: أي وهو الموافق لرواية ابن نافع خلافاً لظاهر نقل ابن رشد وسماع القرينين من أن له من الغلة بقدر علفه والزائد عليه لقطة معها. قال في الحاشية وفي كلام الأجهوري ميل لترجيح ما نقله ابن رشد.
قوله: [وصوفها]: أي سواء كان تاماً أو غير تام فهو لربها مثل النسل يكون لقطة معها.
تنبيه: لو أنفق الملتقط على اللقطة من عنده كل النفقة أو بعضها كما لو أكراها فنقص الكراء عن نفقتها وكمل الملتقط نفقتها من عنده فربها مخير بين أن يسلم له اللقطة في نفقته أو يفتديها من الملتقط بدفع النفقة، وذلك لأن النفقة في ذات اللقطة كالجناية في رقبة العبد إن أسلمه المالك لا شيء عليه، وإن أراد أخذه غرم أرش الجناية وحيث قلنا بخيار ربها ورضي بتركها في النفقة، ثم أراد أخذها ثانية ودفع النفقة لم يكن له ذلك، لأنه ملكها للمتلقط بمجرد رضاه، والظاهر - كما قال شيخ مشايخنا العدوي - أن عكسه كذلك أي إذا دفع له النفقة ثم أراد أن يسلمه الشيء الملتقط ويأخذ منه النفقة فليس له ذلك.
قوله: [ووجب لقط طفل]: ظاهره ولو على امرأة وينبغي أن يقيد بما إذا لم يكن لها زوج وقت إرادتها الأخذ أو لها وأذن لها فيه وإلا فلا يجب عليها لأن له منعها، فإن أخذته بغير إذنه كان له رده لمحل مأمون يمكن أخذه منه، فإن لم يرده وكان لها مال أنفقت عليه منه، وإن أذن لها في أخذه فالنفقة عليه ولو كان لها مال لأنه بالإذن صار كأنه الملتقط كذا في حاشية الأصل.
قوله: [بمضيعة]: إنما قال "بمضيعة" لأجل أن يشمل من نبذ قصداً ومن ضل عنه أهله، ويشير إلى أنه لا بد أن يوجد في غير حرز إذ أخذ من في الحرز سرقة.
قوله: [وإلا تعين]: أي وجب عيناً كما في الإشهاد، ولو علم خيانة نفسه في دعوى رقيته مثلاً فيلزم الالتقاط، وترك الخيانة، ولا يكون علمه بالخيانة عذراً يسقط عنه الوجوب لعظم حرمة الآدمي.
قوله: [فخرج ولد الزانية]: أي بقوله "لم يعلم أبواه" وأما هذا فقد علم أحدهما.
قوله: [ومن علم رقه لقطة]: معطوف على "ولد الزانية" وقوله: [لقطة]: خبر مبتدأ
стр. 856
حتى يبلغ قادراً على الكسب ولا رجوع له عليه (إن لم يعط) ما يكفيه (من الفيء) أي بيت المال، فإن أعطي منه لم تجب النفقة على الملتقط (إلا أن يكون له) أي اللقيط (مال من كهبة) أدخلت الكاف: الصدقة والحبس، فإن كان له مال فنفقته من ماله ويجوّزه له ملتقطه، فعلم تقديم ماله ثم الفيء ثم الحاضن (أو يوجد معه) مال مربوط بثوبه (أو) يوجد مال (مدفوناً) بالنصب على الحال والرفع على النعت (تحته) فينفق عليه منه (إن كان معه رقعة) أي ورقة مكتوب فيها أن المال المدفون تحته للطفل فينفق عليه منه، وإلا كان لقطة يعرف على ما تقدم.
(ورجع) الملتقط بما أنفقه على الطفل (على أبيه) إن علم (إن) كان أبوه (طرحه عمداً) وثبت بإقراره أو ببينة فلا رجوع بمجرد دعوى ملتقطه أنه طرحه عمداً. ويشترط أيضاً أن يكون الأب موسراً وقت الإنفاق، وأن لا يكون الملتقط أنفق حسبة لله تعالى (والقول له) أي للملتقط عند التنازع مع الأب (أنه لم ينفق حسبة لله بيمين) فإن حلف رجع وإلا فلا.
(وهو) أي اللقيط (حر) لا رقيق لمن التقطه (وولاؤه للمسلمين) أي أنه إذا مات ولم يعلم له وارث فماله للمسلمين أي يكون ماله في بيت المال لا لملتقطه (وحكم بإسلامه) إن وجد (في بلد المسلمين) ولو كانت بين بلاد الكفار (كأن) وجد ببلد (لم يكن فيها إلا بيت) واحد من المسلمين فأولى بيتان وثلاثة وهذا (إن التقطه مسلم، وإلا) يلتقطه مسلم بل كافر (فكافر كأن وجد في قرية شرك) أي كفر فإنه يحكم بكفره (وإن التقطه مسلم) تغليباً للدار، حيث لم يكن بها بيت للمسلمين. نص عليه أبو الحسن. وقال غيره: إن التقطه مسلم حكم بإسلامه تغليباً للاقطه.
(ولا يلحق) اللقيط (بملتقط أو غيره إلا ببينة) تشهد بأنه ابنه، ولا يكفي قولها: إنه ضاع له ولد.
ــ
محذوف أي هو لقطة فيجري فيه أحكامها.
قوله: [حتى يبلغ قادراً على الكسب]: هذا إذا كان اللقيط ذكراً فإن كان أنثى فإلى دخول الزوج البالغ بها أو الدعوى إليه بعد الإطاقة.
قوله: [ولا رجوع له عليه]: أي لأنه بالتقاطه ألزم نفسه ذلك.
قوله: [فعلم تقديم ماله]: أي فإن أنفق الملتقط عليه مع علمه بماله فإن له الرجوع إن حلف أنه أنفق ليرجع أو أشهد على ذلك كما مر، وأن يكون غير سرف، وأن يدعي أنه وقت الإنفاق قصد الرجوع، وأن يكون وقت الإنفاق مال الطفل متعسر الإنفاق منه لكونه عرضاً أو عقاراً أو في ذمة الناس مثلاً كما مر في النفقات.
قوله: [بالنصب على الحال]: سوغ مجيء الحال من النكرة تخصيصها بالظرف الذي هو قوله "تحته".
قوله: [والرفع على النعت]: أي لموصوف محذوف قدره الشارح بقوله "مال"، قال ابن مالك:
وما من المنعوت والنعت عقل ... يجوز حذفه وفي النعت يقل
قوله: [إن كان معه رقعة]: قيد في الأخيرة فقط دون ما قبلها كما يفيده حل الشارح.
قوله: [ورجع الملتقط بما أنفقه] إلخ: أي بشروط أربعة أفادها المتن والشارح.
قوله: [إن علم]: هذا موضوع الرجوع فلا يعد شرطاً.
قوله: [إن كان أبوه طرحه عمداً]: انظر هل من الطرح عمداً طرحه لوجه أم لا وجعله البساطي خارجاً عن العمد وسلمه (ح) قال (بن): وكلام البساطي فيه نظر وإن سلمه (ح)، بل الحق أنه من العمد واقتصر عليه في المجموع.
قوله: [وثبت بإقراره]: أي الأب.
قوله: [فلا رجوع بمجرد دعوى ملتقطه]: أي لما جبل عليه الأب من الحنان والشفقة.
قوله: [أن يكون الأب موسراً]: أي يثبت بإقراره أو بالبينة يساره وقت الإنفاق.
قوله: [وأن لا يكون الملتقط أنفق حسبة]: أي فمحل رجوعه إن نوى الرجوع أو لم ينو شيئاً كما هو ظاهر الشارح.
قوله: [فإن حلف رجع]: محل حلفه إن لم يكن أشهد أنه ينفق ليرجع وإذا تنازعا في قدر النفقة فلا بد من إثباتها وإلا فالقول قول الأب بيمين؛ لأنه غارم ويعتمد في يمينه على الظن القوي.
قوله: [حر]: أي محكوم بحريته شرعاً ولو أقر اللقيط برقيته لأحد ألغي إقراره سواء التقطه حر أو عبد أو كافر، وإنما حكم بحريته لأن الأصل في الناس الحرية.
قوله: [وولاؤه]: أي ميراثه وليس المراد الولاء الحقيقي الذي هو لحمة كلحمة النسب.
قوله: [فماله للمسلمين]: هذا مقيد بغير المحكوم بكفره لأن المحكوم بكفره لا يرثه المسلمون كذا قيل، وقد يقال: لا مانع من وضع مال الكافر في بيت المال ألا ترى أن المعاهد إذا مات عندنا وليس معه وارث فإن ماله يوضع في بيت المال وهذا هو الظاهر.
قوله: [لم يكن فيها إلا بيت واحد]: أي كما استظهره (ح) وإلا فأصل النص على بيتين وعلى كل حال يحكم بإسلامه ولو سئل أهل ذلك البيت فجزموا بأنه ليس منهم لأنهم قد ينكرونه لنبذهم إياه، واستظهر الأجهوري أنه لا يكون مسلماً حيث أنكروه.
قوله: [وهذا إن التقطه مسلم]: أي قياساً على إسلام المسبي تبعا لإسلام سابيه قوله: [فكافر]: راجع لما بعد الكاف وأما البلد الذي كثر بيوت المسلمين فيه فيحكم بإسلام اللقيط ولو التقطه كافر.
قوله: [وقال غيره إن التقطه مسلم] إلخ: قال (بن)، وهذا هو الظاهر.
قوله: [إلا ببينة]: أي فإن أقامها
стр. 857
(أو وجه) يصدق المدعي: أي يفيد الظن [١] بصدقه كمن عرف أنه لا يعيش له ولد فزعم أنه ولده، وإنما طرحه لما سمع قول الناس إن الجنين إذا طرح يعيش، أو طرحه لغلاء أو خوف عليه من شيء بينه مما يدل على صدقه، فيلحق بصاحب الوجه المدعي أنه ولده.
(ونزع) لقيط (محكوم بإسلامه من كافر) التقطه.
(وندب أخذ) عبد (آبق) ليوصله لربه (لمن عرف ربه) متعلق (بندب) أي ندب لمن وجد آبقاً وعرف ربه أن يأخذه له؛ لأنه من حفظ الأموال، وهذا إذا لم يخش ضياعه إن تركه وإلا وجب أخذه له (وإلا) يعرف ربه (كره) له أخذه فإن أخذه رفعه للإمام ووقف عنده سنة رجاء أن يأتي ربه، ثم بيع له وجعل ثمنه في بيت المال فإن علم ربه أخذه.
(ولربه) أي الآبق (عتقه) حال إباقه والتصدق والإيصاء به (وهبته لغير ثواب) لا له لأنه بيع وبيعه لا يجوز.
(وضمنه) الملتقط (إن أرسله) بعد أخذه لوجوب حفظه لربه بأخذه، فيضمن له قيمته يوم إرساله. (إلا) أن يكون أرسله (لخوف منه) على نفسه أو ماله فلا يضمن، وصدّق في دعواه الخوف منه بقرائن الأحوال. (أو استأجره) أي وضمن من استأجر الآبق من نفسه أو من ملتقطه (فيما) أي في عمل (يعطب فيه) أي شأنه العطب فيه، أي وعطب وإلا ضمن أجرة مثله. وسواء علم المستأجر أنه أبق أم لا. (لا إن أبق منه) أي من ملتقطه (أو تلف) عنده (بلا تفريط) منه فلا يضمن.
(وإن نوى) ملتقطه (تملكه) أي الآبق (قبل السنة فغاصب) فيضمنه لربه ولو تلف بسماوي (واستحقه سيده) من الملتقط (بشاهد ويمين) بلا استيناء، فأولى بشاهدين.
(وأخذه) مدعيه حوزاً لا ملكاً (إن ادعاه وصدقه العبد) بعد الرفع للحاكم والاستيناء، وكذا يأخذه إن وصفه بما هو فيه ولو لم يصدقه العبد فإن جاء غيره بأثبت مما جاء به أخذه منه ولذا قال: "وأخذه" المفيد لمجرد الحوز وقال فيما قبله: "واستحقه" المقتضي للملك.
(وإن جاء) رجل من قطر إلى قاضي قطر آخر عنده عبد آبق (بكتاب قاض) بقطره، مضمونه: (أنه ثبت عندي أن صاحب كتابي هذا أبق له عبد صفته كذا
ــ
واحد لحق به وسواء كان اللقيط محكوماً بإسلامه أو كفره كان المستلحق له الذي شهدت له البينة الملتقط أو غيره كان مسلماً أو كافراً فهذه ثمان.
قوله: [أو وجه]: انظر هل الوجه بمنزلة البينة في الثمان صور المتقدمة وهو ما يفيده ابن عرفة والتتائي، أو في أربع منها فقط وهي ما إذا كان المستلحق مسلماً كان الملتقط أو غيره محكوماً بإسلامه أو كفره وهذا للشيخ أحمد الزرقاني، وأما إذا استلحقه كافر فلا بد من البينة.
قوله: [ونزع لقيط محكوم بإسلامه]: أي بوجه مما تقدم.
تنبيه: لا يجوز رمي اللقيط بعد أخذه لأنه تعين عليه حفظه بالتقاطه إذ فرض الكفاية يتعين بالشروع فيه إلا أن يكون نيته في أخذه رفعه لحاكم فرفعه فلم يقبله والموضع مطروق للناس بحيث يعلم أن غيره يأخذه فله رده حينئذ، فإن لم يكن مطروقاً ورده وتحقق عدم أخذه حتى مات اقتص منه، وإن شك فالدية ومثل نية أخذه للحاكم أخذه ليسأل عنه معيناً هل هو ولده أم لا.
مسألة: لو تسابق جماعة على لقيط أو لقطة وكل أمين قدم الأسبق وهو من وضع يده عليه ابتداء فإن استووا في وضع اليد قدم الأصلح للحفظ فإن استووا فالقرعة.
مسألة أخرى: ليس لعبد أخذ لقيط بغير إذن سيده لأن التقاطه يشغله عن خدمة سيده. بخلاف اللقطة فتقدم أن له أخذها وتعريفها لأنه لا يشغله عن خدمة السيد.
قوله: [متعلق]: أي ولا يقال إن فيه فصلاً بين العامل والمعمول لأن المضر الفصل بالأجنبي.
قوله: [وإلا وجب أخذه له]: أي وإن علم خيانة نفسه فيجب عليه الأخذ وترك الخيانة ولا يكون علمه بخيانته عذراً مسقطا للوجوب.
قوله: [ووقف عنده سنة]: أي وينفق السلطان عليه فيها.
قوله: [ثم بيع له]: أي بعد السنة يباع لربه وهذا ما لم يخش عليه وإلا بيع قبل تمام السنة كما رواه عيسى عن ابن القاسم.
قوله: [إن أرسله]: أي سواء أرسله قبل سنة أو بعدها.
قوله: [لخوف منه على نفسه]: مثل الخوف منه الخوف من السلطان بسبب أخذه أن يقتله، أو يأخذ ماله أو يضربه، قال بعضهم: والظاهر أن عدم الضمان إذا أرسله لخوف منه محله إذا لم يمكن رفعه للإمام وإلا رفعه إليه ولا يرسله فإن أرسله مع إمكان الرفع ضمن ومحله أيضاً إذا لم يمكنه التحفظ منه بحيلة أو بحارس وإلا فلا يرسله ارتكاباً لأخف الضررين، والظاهر رجوعه بالأجرة كالنفقة لأنهما من تعلقات حفظه.
قوله: [بقرائن الأحوال]: من باب أولى البينة.
قوله: [وإلا ضمن أجرة مثله]: أي فيدفعها المستأجر لربه ويرجع على الملتقط إن كان دفع له أو على العبد إن كان دفع له وكانت الأجرة قائمة وإلا فلا رجوع له عليه. قوله: [لا إن أبق]: هو بفتح الباء أفصح من كسرها قال تعالى: ﴿إذ أبق إلى الفلك المشحون﴾ [الصافات: ١٤٠]: وفي مضارعه الضم والفتح والكسر من باب دخل ومنع وضرب.
قوله: [بشاهد ويمين]: أي لأنه مال والمال يثبت بالشاهد واليمين.
قوله: [وصدقه العبد]: أي وسواء وصفه سيده أم لا بقي العبد على تصديقه أم لا قوله: [بعد الرفع للحاكم والاستيناء]: أي الإمهال في الدفع له باجتهاد الحاكم وانظر ما فائدة الاستيناء مع كون
стр. 858
دفع) ذلك العبد (إليه) أي لمن جاء بالكتاب المذكور بلا توقف على بينة ولا غيرها (إن طابق) الوصف المذكور في الكتاب وصفه الخارجي، والله أعلم.
(باب)
في بيان أحكام القضاء وشروطه
القضاء في اللغة يطلق على معان مرجعها إلى انقضاء الشيء وتمامه فيطلق على الأمر، نحو: ﴿وقضى ربك﴾ [الإسراء: ٢٣] أي: أمر ﴿ألا تعبدوا إلا إياه﴾ [الإسراء: ٢٣] وعلى الأداء نحو قضيت الدين، ومنه: ﴿فإذا قضيتم الصلاة﴾ [النساء: ١٠٣] وعلى الفراغ، نحو: ﴿وقضي [١] الأمر﴾ [البقرة: ٢١٠] أي فرغ وعلى الفعل نحو: ﴿فاقض ما أنت قاض﴾ [طه: ٧٢] وعلى الإرادة نحو: ﴿فإذا قضى أمراً﴾ [غافر: ٦٨] وعلى الموت نحو: ﴿قضى نحبه﴾ [الأحزاب: ٢٣]، ومنه: ﴿ليقض علينا ربك﴾ [الزخرف: ٧٧] وعلى الحكم والإلزام، نحو: قضيت عليك كذا.
وفي الشرع: هو حكم حاكم أو محكم بأمر ثبت عنده كدين، وحبس، وقتل، وجرح، وضرب، وسب، وترك صلاة ونحوها، وقذف، وشرب، وزنا، وسرقة، وغصب، وعدالة وضدها، وذكورة، وأنوثة، وموت، وحياة، وجنون، وعقل، وسفه، ورشد، وصغر، وكبر، ونكاح، وطلاق، ونحو ذلك؛ ليرتب على ما ثبت عنده مقتضاه أو حكمه بذلك المقتضى مثاله: لو ثبت عنده دين أو طلاق، فالحكم تارة بالدين أو الطلاق، ليرتب على ذلك الغرم أو فراقها وعدتها أو يحكم بالغرم أو الفراق لما ثبت عنده على حسب ما يقتضيه الحال من الرفع له.
والحكم: الإعلام على وجه الإلزام. والقاضي: الحاكم بالأمور الشرعية أي: من له الحكم حكم أو لم يحكم ولا يستحقه شرعاً إلا من توافرت فيه شروط أربعة، أشار لها بقوله: (شرط القضاء) أي شرط صحته (عدالة) أي كونه عدلاً أي عدل شهادة، ولو عتيقاً عند الجمهور، والعدالة تستلزم الإسلام والبلوغ والعقل والحرية وعدم الفسق (وذكورة)
ــ
الدفع له حوزاً لا ملكاً، وقد يقال فائدته دفع النزاع ممن يطرأ.
قوله: [دفع ذلك العبد إليه]: ما ذكره المصنف هنا لا يخالف ما يأتي في القضاء من أن كتاب القاضي وحده لا يفيد؛ لاحتمال تخصيص ما يأتي بهذا وذلك لخفة الأمر هنا لأن له أخذه حوزاً من غير كتاب بمجرد الوصف.
باب في بيان أحكام القضاء
أي مسائله وقوله: [وشروطه]: أي الأربعة الآتية، وهو من العقود الجائزة من الطرفين كالجعالة والقراض قبل الشروع في كل منهما، والمغارسة والتحكيم والوكالة وأصله قضاي لأنه من قضيت إلا أن الياء لما جاءت بعد الألف قلبت همزة والجمع الأقضية والقضايا.
قوله: [يطلق على معان]: ذكر الشارح منها سبعة فهو من المشترك اللفظي كعين.
قوله: [أي أمر] إلخ: أي أمراً جازماً. وقد اختلف أهل التفسير في معنى قوله تعالى: ﴿وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه﴾ [الإسراء: ٢٣] فالأكثر على أنه بمعنى أمر لا حكم إذ لو كان بمعنى حكم لم يقع غير ما حكم به، ابن عطية، ويصح أن يكون بمعنى حكم على أن الضمير في ألا تعبدوا إلا إياه، للمؤمنين.
قوله: [نحو ﴿فاقض ما أنت قاض﴾ [طه: ٧٢]]: أي افعل الذي تريده وهو من كلام السحرة لفرعون حين آمنوا بالله.
قوله: [نحو ﴿قضى نحبه﴾ [الأحزاب: ٢٣]]: النحب في الأصل النذر أي قضى نذره، وذلك كناية عن الموت، لأن النذر لازم الحصول كالموت.
قوله: [ومنه]: أي من معنى الموت، فمعنى: ﴿ليقض علينا ربك﴾ [الزخرف: ٧٧] أنهم يطلبون الموت لأنفسهم من الله، قال تعالى: في الآية الأخرى: ﴿ويأتيه الموت من كل مكان وما هو بميت﴾ [إبراهيم: ١٧]، وفي آية: ﴿لا يموت فيها ولا يحيا﴾ [الأعلى: ١٣]، وبقي من المعاني اللغوية إتيانه بمعنى العلم نحو قضيت لك بكذا أعلمتك به، ومن هنا يسمى المفتي والمدرس قاضياً لأنه معلم بالحكم والكتابة ومنه ﴿وكان أمراً مقضياً﴾ [مريم: ٢١]، والفصل ومنه: ﴿وقضي بينهم بالحق﴾ [الزمر: ٦٩]، والخلق ومنه: ﴿فقضاهن سبع سماوات﴾ [فصلت: ١٢]، كذا في (بن).
قوله: [حاكم أو محكم] الحاكم ما كان مقاماً من طرف السلطان، والمحكم ما كان مقاماً من طرف الأخصام، وحكم المحكم لا يكون في جميع المسائل بخلاف حكم الحاكم، وسيأتي ذلك.
قوله: [كدين] إلخ: جميع ما ذكره يأتي فيه قضاء الحاكم ولا يأتي قضاء المحكم إلا في البعض، لقوله فيما يأتي "وجاز تحكيم عدل" إلخ.
قوله: [ليرتب]: متعلق بمحذوف علة غائية لقوله "حكم حاكم" إلخ، تقديره هو إنما جعل له الحكم فيما ذكر ليرتب.
قوله: [أو حكمه بذلك المقتضى]: هذا التنويع غير ظاهر بل التعريف تام المعنى بدون هذا التنويع وتمثيله الآتي لا يظهر منه صحة هذا التنويع فتأمل.
قوله: [والحكم الإعلام] إلخ: راجع لقوله أول التعريف "حكم حاكم".
قوله: [والقاضي] إلخ: أي المشتق من القضاء بالمعنى الاصطلاحي قوله: [أي من له الحكم]: أي استحقاق الحكم.
قوله: [عدالة]: أي فغير العدل لا يصح قضاؤه ولا ينفذ حكمه.
قوله: [عدل شهادة]: أي لا رواية وسيأتي شروط عدل الشهادة.
قوله: [عند الجمهور]: أي خلافاً لسحنون حيث قال: يمتنع تولية العتيق قاضياً لاحتمال أن يستحق فترد أحكامه.
قوله: [تستلزم] إلخ: أي من استلزام الكل لأجزائه لأن
стр. 859
فلا يصح من أنثى ولا خنثى (وفطنة) فلا يصح من بليد مغفل ينخدع بتحسين الكلام ولا يتنبه لما يوجب الإقرار أو الإنكار وتناقض الكلام فالفطنة: جودة الذهن وقوة إدراكه لمعاني الكلام.
(وفقه) أي علم بالأحكام الشرعية التي ولي للقضاء بها (ولو مقلداً): لمجتهد عند وجود مجتهد مطلق (وزيد للإمام الأعظم) شرط خامس وهو (قرشي) أي كونه قرشياً: أي من قريش، لأن النبي ﷺ جعل الخلافة في قريش. وقريش هو فهر، وقيل: هو النضر. وفهر هو ابن مالك بن النضر. ولا يشترط أن يكون عباسياً ولا علوياً، ولم يقم دليل على أن الأولى أن يكون عباسياً. فدعوى أن الأولى كونه عباسياً خالية عن دليل. وقد اجتمعت الصحابة على خلافة الصديق وهو تيمي، ثم عمر بن الخطاب وهو عدوي، ثم عثمان وهو أموي، ثم علي وهو هاشمي، والكل من قريش. ثم استقرت الخلافة في بني أمية أولهم معاوية ﵁، ثم في بني العباس، ثم اختلطت حتى جعلت في العتقاء، والله أعلم.
(فحكم) المقلد من خليفة أو قاض وجوباً (بقول مقلده) بفتح اللام يعني بالراجح من مذهبه سواء كان قوله أو قول أصحابه، لا بالضعيف ولا بقول غيره من المذاهب، وإلا نقض حكمه، إلا أن يكون للضعيف مدرك [١] ترجح عنده وكان من أهل الترجيح. وكذا المفتي. ويجوز للإنسان أن يعمل بالضعيف لأمر اقتضى ذلك عنده، وقيل: بل يقلد قول الغير إذا كان راجحاً في مذهب ذلك الغير. فإن قيل: ما فائدة ذكر الأقوال الضعيفة في كلامهم إذا كان لا يجوز العمل بها ولا الفتوى؟ قلنا: أمور ثلاثة: الأول: اتساع النظر والعلم بأن الراجح المذكور ليس بمتفق عليه.
ــ
العدالة وصف مركب من هذه الأمور الخمسة.
قوله: [فلا يصح من أنثى ولا خنثى]: أي ولا ينفذ حكمهما.
قوله: [ينخدع بتحسين الكلام]: أي كلام الأخصام.
قوله: [جودة الذهن]: أي العقل أي فمجرد العقل التكليفي لا يكفي لمجامعته للغفلة، بل لا بد من أصل الفطنة ويستحب كونه غير زائد فيها كما يأتي.
قوله: [التي ولي للقضاء بها]: أي فلا يشترط علمه بجميع أحكام الفقه إلا إن كان مولى في جميع الأحكام، ويسمى عند الفقهاء بقاضي الجماعة، فإن كان مولى في شيء خاص كالأنكحة اشترط علمه بها فقط، وهكذا قوله: [ولو مقلداً لمجتهد]: أي على المعتمد خلافاً لما مشى عليه خليل، حيث قال مجتهد إن وجد وإلا فأمثل مقلد، والمراد بالمجتهد المطلق كالشافعي ومالك. واعلم أن المجتهد ثلاثة أقسام: مجتهد مطلق، ومجتهد مذهب، ومجتهد فتوى؛ فالمطلق كالصحابة وأهل المذاهب الأربعة، ومجتهد المذهب هو الذي يقدر على إقامة الأدلة في مذهب إمامه كابن القاسم وأشهب، ومجتهد الفتوى هو الذي يقدر على الترجيح ككبار المؤلفين من أهل المذهب، والأصح أن الترتيب بين هذه المراتب في القضاء مندوب.
قوله: [وزيد للإمام الأعظم]: اعلم أن تلك الشروط إنما تعتبر في ولاية الإمام الأعظم ابتداء لا في دوام ولايته إذ لا ينعزل بعد مبايعة أهل الحل والعقد له بطرو فسق غير كفر كما يأتي.
قوله: [جعل الخلافة في قريش]: أي لأمره بذلك في جملة أحاديث كثيرة صحيحة متواترة.
قوله: [وقريش هو فهر]: أي لقول العراقي في السيرة:
أما قريش فالأصح فهر ... جماعها والأكثرون النضر
قوله: [ولا يشترط أن يكون عباسياً] إلخ: أي ولا يندب بدليل ما بعد.
قوله: [فدعوى أن الأولى كونه عباسياً]: أي كما قال بهرام والتتائي، وتبعهما على ذلك الأجهوري.
قوله: [وهو تيمي]: أي من بني تيم الله، بيت مشهور في قريش أيضاً.
قوله: [وهو عدوي]: أي من بني عدي، بيت مشهور في قريش أيضاً.
قوله: [وهو أموي]: بضم الهمزة وفتح الميم أي من بني أمية، بيت مشهور في قريش أيضاً.
قوله: [وهو هاشمي]: نسبة لبني هاشم سادات قريش.
قوله: [أولهم معاوية]: أي بعد نزول الحسن بن علي عنها له، ثم تغلب عليها ولده اليزيد، ثم من بعده ولد اليزيد وهو الوليد وهكذا، ثم انتزعها منهم بنو العباس فمكثت فيهم دهراً طويلاً، ثم اختلطت حتى جعلت في العتقاء كما قال الشارح
قوله: [يعني بالراجح]: دفع بهذا التقييد ما يوهم أن المراد خصوص قول مالك مثلاً وإن كان ضعيفاً.
قوله: [ولا بقول غيره من المذاهب]: أي لا يجوز له أن يحكم بقول غير مذهبه، وإن حكم به لم ينفذ حكمه.
قوله: [مدركاً]: هكذا بالنصب في نسخة المؤلف والمناسب الرفع لأنه اسم "يكون" مؤخر عن خبرها.
قوله: [وكذا المفتي]: أي لا يجوز له بالإفتاء إلا بالراجح من مذهبه لا بمذهب غيره ولا بالضعيف من مذهبه إلا إذا كان قوي المدرك وكان من أهل الترجيح.
قوله: [لأمر اقتضى ذلك عنده]: أي لضرورة في خاصة نفسه ولا يفتى به لغيره؛ لأنه لا يتحقق الضرورة بالنسبة لغيره كما يتحققها من نفسه سداً للذريعة كما يفيده (بن).
قوله: [وقيل: بل يقلد قول الغير] إلخ: أي وهو المعتمد لجواز التقليد وإن لم تكن ضرورة.
قوله: [أمور]: خبر مبتدأ محذوف تقديره هي أمور الكلام على حذف
стр. 860
والثاني: معرفة مدارك الأقوال، فلمن له الترجيح ترجيح ما ضعف لقوة المدرك عنده.
والثالث: العمل به في نفسه إذا اقتضت الضرورة ذلك ثم إن الخليفة إذا ولي مستوفياً للشروط لا يجوز عزله إذا تغير وصفه كأن طرأ عليه الفسق وظلم الناس، بخلاف غيره من قاض ووال وكذا الوصي بعد موت الموصي وجاز للموكل عزل وكيله مطلقاً.
ولا يجوز تعدد الخليفة إلا إذا اتسعت وبعدت الأقطار ويجب أن يكون الحاكم سميعاً بصيراً متكلماً.
(ووجب عزل أعمى أو أصم أو أبكم) ولو طرأ عليه بعد توليته (ونفذ حكمه) إن وقع صواباً لأن اتصافه بالثلاثة واجب غير شرط وفقد اثنين منها مضر لا ينفذ به حكمه إذ لا تنعقد ولايته بفقد اثنين وأما فاقد الثلاثة فلا تصح معاملته وفي معاملة فاقد الاثنين خلاف الأظهر عدم صحتها لعدم انضباطه.
(وتعين القضاء على منفرد) في عصره (بشروطه أو) على (خائف فتنة) على نفسه أو ماله أو ولده أو على الناس إن لم يتول القضاء (أو) على خائف (ضياع حق) له أو لغيره (إن لم يتول) ومعنى "تعين" بالنسبة للأخيرين: وجب. وإذا وجب، هل يجوز بذل مال عليه؟ قيل: نعم، لأنه لتحصيل أمر واجب. وقيل: لا، واستظهر. وأما بذل مال في طلب ما لم يجب فحرام قطعاً، وولايته باطلة، وقضاؤه مردود. وقضاة مصر يبذلون الأموال في نظير أكل أموال الناس بالباطل بلا شبهة، ولا سيما إذا كانوا يتامى أو ضعفاء فلا يبقي لهم القضاة من أموالهم إلا ما قل نسأل الله العافية، فأحكامهم لا تنفذ بالضرورة على أن قاضي القاهرة في الغالب لا يسمع دعوى ولا يعرف حقيقتها، وإنما يضبط الشاهد من شهود المحكمة القضية ويكتبها، ثم يمضي بها إلى القاضي فيكتب اسمه ويضع ختمه من غير زيادة.
(وحرم) على القاضي أو غيره من خليفة أو عامله (أخذ مال من أحد الخصمين) لأنه من أكل أموال الناس بالباطل بخلاف أخذ مال من وقف على القضاء أو من بيت المال فلا يحرم.
(و) حرم عليه (قبول هدية) من أحد من الناس إلا أن يكون ممن يهاديه قبل توليته القضاء لقرابة أو صحبة أو صلة.
(وندب غني ورع) أي كونه غنياً، لا فقيراً ورعاً، لأنه مظنة التنزه عن الطمع لما في أيدي الناس (نزه) أي كثير النزاهة والبعد عن شوائب الطمع وما لا يليق من سفاسف الأمور بأن يكون كامل المروءة (حليم) لأن الحلم مظنة الخير والكمال، وسوء الخلق مظنة الشر والظلم وأذية الناس بغير حق.
(نسيب) أي معروف النسب؛ لأن مجهوله لا يهاب ويتسارع الناس في الطعن فيه.
ــ
مضاف تقديره عدة أمور.
قوله: [والثاني معرفة مدارك الأقوال]: هذا أيضاً لازم لاتساع النظر والمراد بمدارك الأقوال أدلتها.
قوله: [كأن طرأ عليه الفسق]: أي بغير الكفر قال صاحب الجوهرة:
إلا بكفر فانبذن عهده ... فالله يكفينا أذاه وحده
بغير هذا لا يباح صرفه ... وليس يعزل إن أزيل وصفه
وإنما لم يعزل بالفسق ارتكاباً لأخف الضررين لما في عزله من عظم الفتن.
قوله: [بخلاف غيره من قاض ووال]: أي فيعزله الإمام لزوال وصفه؛ لأنه لا يخشى من عزله فتن كما يخشى من عزل السلطان.
قوله: [مطلقاً]: أي زال وصفه أم لا بسبب وبغيره.
قوله: [إلا إذا اتسعت وبعدت الأقطار]: أي كما في زماننا.
قوله: [ويجب أن يكون الحاكم سميعاً] إلخ: دخول على كلام المصنف أي فتجب له هذه الصفات ابتداء ودواماً.
قوله: [فلا تصح معاملته]: أي لعدم تكليفه إن ولد بهذا الأمر وعجزه عن غالب الأحكام إن طرأت عليه بعد التكليف.
قوله: [أو على خائف فتنة]: أي وإن لم ينفرد بالشروط بدليل عطفه على ما قبله، وفتنة إما بالنصب معمول لخائف أو بالجر بالإضافة.
قوله: [ومعنى تعين بالنسبة للأخيرين وجب]: إن قلت كلامه يوهم أن الأول غير واجب مع أنه أولوي في الوجوب. والجواب أن الأخيرين يقتضيان الوجوب الغير الشرطي، وأما الأول ففيه الوجوب الشرطي المتوقف الصحة عليه بدليل أنه يجبر عليه ولو بالضرب.
قوله: [واستظهر]: أي استظهر (ح) أنه لا يجوز له
قوله: [فأحكامهم لا تنفذ بالضرورة]: أي وإنما سكوت المفتين عنها لعجزهم عن التكلم بالحق كما قال بعض العارفين: هذا الزمان زمان السكوت ولزوم البيوت والرضا بأدنى القوت ومن يقول الحق فيه يموت.
قوله: [على أن قاضي القاهرة] إلخ: استدراك على بطلان حكمه وإن لم يأخذ رشوة لخلو الحكم عن جميع الشروط كما هو معلوم لأهل البصائر.
قوله: [فلا يحرم]: أي بل يندب إذا كان في ضيق عيش وأراد التوسعة على عياله من ذلك.
قوله: [وحرم عليه قبول هدية]: مثله كل صاحب جاه وقد تقدم ذلك في باب القرض.
قوله: [ورع]: هو من يترك الشبهات خوف الوقوع في المحرمات، وأما الأورع فهو من يترك بعض المباحات خوف الوقوع في الشبهات.
قوله: [أي كثير النزاهة]: أشار بذلك إلى أن نزه صيغة مبالغة.
قوله: [أي معروف النسب]: أي وإن لم يكن قرشياً قال ابن رشد: من الصفات المستحسنة أن يكون معروف النسب ليس بابن لعان اهـ. ولذلك جوز سحنون تولية ولد الزنا، ولكن لا يحكم
стр. 861
(بلا دين) عليه (و) بلا (حد) لأن المدين منحط الرتبة عند الناس، وأحط منه المحدود في زنا أو سرقة أو غيرهما (و) بلا (زائد في الدهاء) بفتح الدال المهملة والمد هو جودة الذهن، فجودته هي المطلوبة؛ لأن الفطانة شرط صحة كما تقدم، وزيادتها ربما أدته للحكم بين الناس بالفراسة بكسر الفاء وترك القوانين الشرعية (و) ندب (منع الراكبين معه والمصاحبين) له بلا ركوب معه إذ لا خير في كثرة اجتماع الناس، وللحميدي رحمه الله تعالى:
لقاء الناس ليس يفيد شيئاً ... سوى الهذيان من قيل وقال
فأقلل من لقاء الناس إلا ... لأخذ العلم أو إصلاح حال
إلا الأعوان من خادم وكاتب وشهود ورسول وسجان ونحو ذلك (و) ندب (تخفيف الأعوان) والاقتصار على قدر الحاجة (و) ندب (اتخاذ من يخبره) [١] أهل الصدق والصلاح (بما يقال فيه) من خير أو شر، ليحمد الله على ما يقال فيه من خير ويتباعد عما يقال فيه من شر إن وقع، أو يبين أنه لم يقع أو يبين الوجه، فقد يعترض عليه بفعل شيء. وهو في الواقع قد يكون واجباً عليه لضرورة اقتضته (أو) بما يقال (في شهوده) من خير أو شر ليبقي عنده أولي الخير ويعزل الأشرار (و) ندب (تأديب من أساء عليه) أي على القاضي (بمجلسه) للحكم كأن يقول له: حكمك باطل، أو: أنت تحكم بغير الحق، أو تأخذ الرشوة، أو لو كان في جا [٢] أو أعطيتك مالاً لحكمت لي، أو لقبلت شهادتي، ونحو ذلك.
(إلا في نحو) قوله له: (اتق الله)، أو: خف الله، أو: اذكر وقوفك بين يدي الله، فلا يؤدبه، بل يرفق به، ويقول له: رزقنا الله تقواه، ونحو ذلك.
ومن الإرفاق أن يقول له: أنت قد لزمك الإقرار بالحق بقولك: قد وفيته، أو أرسل لي رسولاً أو كتاباً يدفعه لفلان، أو بقولك: إن شهد على فلان فدعواه صحيحة وقد شهد عليك فلا يقبل منك تجريحه بعد ذلك، أو: بنكولك عن اليمين، أو: بردك اليمين على المدعي وتحليفه ونحو ذلك. وقولنا: "بمجلسه" احترازاً عما إذا أساء عليه بغير مجلس الحكم فلا يؤدبه، بل يرفعه لغيره إن شاء والعفو أولى. (و) ندب للقاضي (إحضار العلماء) في مجلس الحكم لظهور الصواب (أو مشاورتهم) لذلك وهذا في مشكلات المسائل وأما الضروريات فلا يحتاج فيها لذلك.
(وله): أي للقاضي إذا ولي على القضاء ببلاد (أن يستخلف إن اتسع عمله) لا إن لم يتسع، فلا يجوز له استخلاف ولا ينفذ حكم من استخلفه إلا أن ينفذه هو (بجهة) أي في جهة (بعدت) عنه
ــ
في الزنا لعدم شهادته فيه.
قوله: [بلا دين]: لا يغني عن هذا قوله "غني"، لأنه قد يكون غنياً وعليه الدين.
قوله: [وبلا حد]: علم منه أن تولية المحدود جائزة وأن حكمه نافذ وظاهره قضى فيما حد فيه أو في غيره، وهو خلاف ما لسحنون. بخلاف الشاهد فإنه لا تقبل شهادته فيما حد فيه ولو تاب وتقبل في غيره إذا تاب، والفرق بين القاضي والشاهد استناد القاضي لبينة فبعدت التهمة فيه دون الشاهد.
قوله: [بفتح الدال المهملة والمد]: وهمزته منقلبة عن الياء لا عن الواو.
قوله: [ربما أدته] إلخ: أي فلذلك كرهت زيادتها فيه وهذا بخلاف الأمير فزيادتها فيه لا كراهة فيها لوسع عمله.
قوله: [وندب منع الراكبين معه]: إلخ: أي يندب للقاضي أن يمنع الركاب معه والمصاحبين له من غير حاجة وإن كان شأنه ذلك قبل القضاء.
قوله: [وللحميدي ﵀] إلخ: هذان البيتان من بحر الوافر وأجزاؤه مفاعلتن مفاعلتن فعولن.
قوله: [الهذيان]: هو الكلام الساقط الذي لا يعود على صاحبه منه خير دنيوي ولا أخروي.
قوله: [ونحو ذلك]: أي كالترجمان.
قوله: [أو يبين]: معطوف على يتباعد. وقوله: [إن وقع]: معترض بين المعطوف والمعطوف عليه.
قوله: [وندب تأديب من أساء عليه]: ما ذكره المصنف من ندب تأديب من أساء عليه هو ظاهر كلام ابن رشد وظاهر كلام ابن عبد السلام وجوب التأديب لحرمة الشرع، وهذا كله إذا أساء على القاضي، وأما إذا أساء على غيره كشاهد أو خصم فالأدب واجب قطعاً كما في (بن).
قوله: [بل يرفق به]: أي لئلا يدخل في وعيد قوله تعالى: ﴿وإذا قيل له اتق الله أخذته العزة بالإثم﴾ [البقرة: ٢٠٦] الآية وقد كان بعض العارفين إذا قيل له اتق الله مرغ خديه على التراب
قوله: [أن يقول له]: أي يقول القاضي لأحد الخصمين.
قوله: [أو أرسل لي رسولاً]: معطوف على "قد وفيته" مسلط عليه القول.
قوله: [أو بقولك إن شهد] إلخ: معطوف على "بقولك" الأول.
قوله: [والعفو أولى]: قال تعالى: ﴿فمن عفا وأصلح فأجره على الله﴾ [الشورى: ٤٠].
قوله: [وندب للقاضي إحضار العلماء]: أي فإن أحضرهم أو شاورهم ووافقوه على ما يريد الحكم به، فالأمر واضح، وإن خالفوه وأظهروا له فساد ما أراد الحكم به وافقهم، وندب إحضار العلماء والمشاورة في المشكلات، ولو كان القاضي مجتهداً فإن أصحاب رسول الله ﷺ كانوا يفعلون ذلك لاحتمال أن يكون الظاهر له في هذه النازلة غير الظاهر لهم، فإذا أحضرهم فيحتمل أن يظهر له ما ظهر لهم ويرجع عن
стр. 862
بأميال كثيرة يشق حضور الخصمين والشهود منه إلى محل القضاء، لا إن قربت فلا يجوز. (من) مفعول يستخلف أي يستخلف رجلاً عدلاً (علم ما استخلف فيه)، وإن لم يعلم جميع أبواب الفقه فإذا ولاه على الأنكحة فقط اشترط أن يكون عالماً بمسائل النكاح وما يتعلق بها. وإن استخلفه في القسمة والمواريث وجب علمه بذلك، وهكذا ولا يصح أن يستخلف جاهلاً بما ولي فيه (أو أذن له) في الاستخلاف، بأن أذن له السلطان فيه فله الاستخلاف ولو لم يتسع عمله أو في جهة قربت.
(و) إذا أذن له في الاستخلاف واستخلف (لا ينعزل) الخليفة (بموته) أي بموت من استخلفه، وكذا إن جرى العرف بالاستخلاف؛ لأن الإذن له في ذلك أو جريان العرف به كأنه تولية من السلطان فلا ينعزل بموت القاضي المستخلف له وأما إن استخلف لاتساع عمله بجهة بعدت فينعزل بموت من ولاه وهو معنى قول الشيخ: "وانعزل بموته"؛ لأن كلامه ﵀ في ذلك فلا اعتراض عليه، فتأمل. (ولا) ينعزل (غيره) أي غير خليفة القاضي المأذون له في الاستخلاف من قاض ووال وعامل (بموت من ولاه) من الأمراء، ولو كان الذي ولاه هو الخليفة كما قال الشيخ، والحاصل: أن الخليفة أو غيره إذا استخلف قاضياً أو غيره لم ينعزل المولى بموت من ولاه، إلا خليفة القاضي إذا ولاه القاضي بجهة بعدت لاتساع عمله فإنه ينعزل بموت القاضي الذي ولاه، هذا حاصل كلامهم فتأمله. وأما إذا عزله من ولاه فإنه ينعزل قطعاً، إلا الخليفة؛ فلا يعزل إن أزيل وصفه إذا ولي مستجمعاً لشروطها. .
(ولا تقبل شهادته) أي القاضي إذا شهد عند قاض آخر (أنه قضى بكذا) وسواء شهد بذلك قبل عزله أو بعده، لأنها شهادة على فعل نفسه وهي باطلة وأما الإخبار فيقبل منه قبل العزل لا بعد، والحاصل أن إخباره بذلك إن كان على وجه الشهادة لم تقبل مطلقاً وإن كان على وجه الإعلام فيقبل قبل العزل لا بعده.
(وجاز) للخصمين (تحكيم) رجل (عدل) عدل شهادة بأن يكون مسلماً، حراً، بالغاً، عاقلاً، غير فاسق.
ــ
اجتهاده كما كان يقع لكبار الصحابة.
قوله: [بأميال كثيرة]: أي زائدة على مسافة القصر.
قوله: [أو أذن له في الاستخلاف]: معطوف على قوله "اتسع". وحاصل المسألة أن الصور اثنتا عشرة صورة لأن السلطان إما أن ينص للقاضي على الاستخلاف أو على عدمه أو يسكت، وفي كل إما أن يستخلف لعذر أو لراحة نفسه، وفي كل إما أن يستخلف في جهة قريبة أو بعيدة، فإن نص على استخلاف جاز مطلقاً لعذر أو لغيره في القريبة والبعيدة، وإن نص على عدمه منع مطلقاً، وإن سكت فإن كان العرف الاستخلاف فكالنص عليه، وإن لم يكن عرف أو كان العرف عدمه فإن كانت الجهة قريبة فالمنع إن كان الاستخلاف لغير عذر، وإن كان لعذر فقولان، وإن كانت الجهة بعيدة فالجواز كان لعذر أو لغيره، ولا يشترط في استخلاف كون المستخلف بالكسر وقت الاستخلاف في محل ولايته، ومثل الاستخلاف العزل فيجوز أن يعزل واحداً من أهل ولايته وهو في غير محل ولايته. بخلاف حكمه فإنه لا يصح في غير محل ولايته.
قوله: [لا ينعزل الخليفة بموته]: مثله من قدمه القاضي للنظر في أيتام فإنه لا ينعزل بموت القاضي الذي قدمه ولا يعزله.
قوله: [فينعزل بموت من ولاه]: أي والموضوع أن استخلافه بسبب اتساع العمل بغير إذن ولا عرف جار بالإذن وإلا فيكون داخلاً فيما قبله.
قوله: [إلا خليفة القاضي]: أي والموضوع أنه ولاه بغير إذن من الإمام، والفرق كما في الأصل أن القاضي ليس نائباً عن نفس الخليفة. بخلاف نائب القاضي فإنه نائب عن نفس القاضي، فلذا انعزل بموته وبحث (بن) في هذا الفرق بقوله: إذ لو لم يكن القاضي نائباً عن الخليفة لم يكن للخليفة عزله، كيف. وأصل القضاء للخلفاء، ولو سلم أن القاضي ليس نائباً عن الخليفة، فلم لا يقال مثله في نائب القاضي. فإن قلت: إن ذلك للتخفيف عن القاضي. قلت: السلطان أيضاً إنما جاز له أن يستقضي لأجل التخفيف عن نفسه اهـ.
قوله: [فتأمله]: أمر بالتأمل لما فيه من البحث المتقدم.
قوله: [إلا الخليفة]: أي السلطان.
وقوله: [فلا يعزل إن أزيل وصفه]: أي ارتكاباً لأخف الضررين، ومحله ما لم يكفر وإلا وجب عزله كما تقدم.
قوله: [ولا تقبل شهادته]: إلخ: صورتها أن القاضي حكم في قضية ومضى زمنها ثم تنازع الخصمان وأنكر أحدهما الحكم، فإن القاضي لا تقبل شهادته على حكمه ولا بد من شهادة عدلين لمن ادعى الحكم، ويقوم مقام شهادة العدلين وجود القضية في السجل الكائن بيد العدول، ولذلك جعلت سجلات القضاء لرفع النزاع في المستقبل.
قوله: [أنه قضى بكذا]: أي وأولى في عدم القبول ما إذا قال بعد عزله: شهد عندي شاهدان بكذا. وقد كنت قبلت شهادتهما غير أني لم يصدر مني حكم.
قوله: [إن كان على وجه الشهادة]: أي بأن تقدم الإخبار دعوى من الأخصام.
وقوله: [وإن كان على وجه الإعلام]: أي بأن لم يتقدم إخباره دعوى، بل إنما قصد مجرد الإعلام. .
قوله: [تحكيم رجل عدل]: لما كان التعريف المتقدم أول
стр. 863
(غير خصم) أي غير أحد الخصمين المتداعيين بحيث يحكم لنفسه أو عليها ولا يجوز تحكيم الخصم، فإن وقع مضى إن حكم صواباً، وقيل: يجوز ابتداء. ابن عرفة: والقول بعد مضيه مطلقاً لا أعرفه. انتهى. (و) غير (جاهل) بأن يكون [١] عالماً بما حكم به إذ شرط الحاكم أو المحكم العلم بما يحكم به وإلا لم يصح ولم ينفذ حكمه (في مال) من دين وبيع وشراء فله الحكم بثبوت ما ذكر أو عدم ثبوته ولزومه وعدم لزومه وجوازه وعدمه (وجرح) ولو عظم، كجائفة وآمة ومنقلة وموضحة أو قطع لنحو يد.
(لا [٢]) في (حد) من الحدود كقصاص أو جلد أو رجم (و) لا في (قتل) في ردة أو حرابة أو قصاص (و) لا في (لعان و) لا في (ولاء) لشخص على آخر (و) لا في (نسب) كذلك (و) لا في (طلاق و) لا في (فسخ) لنكاح ونحوه (و) لا في (عتق و) لا في (رشد وسفه و) لا في (أمر غائب) مما يتعلق بماله وزوجته وحياته وموته.
(و) لا في (حبس و) لا في (عقد) مما يتعلق بصحته وفساده؛ لأن هذه الأمور إنما يحكم فيها القضاة، فلا يجوز التحكيم فيها لتعلق الحق فيها بغير الخصمين إما لله تعالى كالحدود والقتل والعتق والطلاق، وإما لآدمي كاللعان والولاء والنسب. ففي اللعان حق الولد بقطع نسبه وفي الولاء والنسب ترتيب أحكامها من نكاح وعدمه وإرث وعدمه وغير ذلك على الذرية التي ستوجد (فإن حكم) المحكم في هذه الأمور التي لا يجوز له الحكم فيها بأن جعل فيها حكماً فحكم (صواباً مضى) حكمه ولا ينقض لأن حكم المحكم يرفع الخلاف.
(وأدب) لافتياته على الحاكم ومحل تأديبه إن نفذ حكمه بأن اقتص أو حد أو طلق، لا بمجرد قوله: حكمت، ونحوه. مفهوم [٣] قولنا: "عدل" أنه لا يجوز تحكيم غيره. لكن إن كان كافراً فلا يمضي قطعاً، وكذا إن كان صبياً لا تمييز له أو كان مجنوناً فإن كان مميزاً أو كان امرأة أو فاسقاً أو عبداً فهل يمضي أو لا؟ أو يمضي في غير الصبي والفاسق، وأما هما فلا يمضي؟ أقوال: الأول: لأصبغ، والثاني: لمطرف، والثالث: لأشهب، والرابع: لابن الماجشون. وهذا معنى قوله: وفي صبي وعبد وامرأة وفاسق: ثالثها: إلا الصبي، ورابعها: وفاسق ومفهوم "غير خصم" أن الخصم لا يجوز، لكنه إن وقع مضى إن كان صواباً وقيل: بل يجوز ابتداء وقال ابن عرفة: والقول بعدم مضيه مطلقاً لا أعرفه، وقد تقدم ومفهوم غير جاهل: أن الجاهل لا يجوز تحكيمه، فإن حكم لا يمضي حكمه وقد تقدم أيضاً، وأعدناه لمعرفة حاصل المسألة وسهولة ضبطها.
ــ
الباب شاملاً لحكم المحكم حيث قال فيه: "حكم حاكم أو محكم" إلخ، تعرض المصنف له هنا. قال بعضهم: ولا يحتاج التحكيم لإشهاد على كونه حكماً.
قوله: [غير خصم] إلخ: هذا الوصف وما بعده زيادة على وصف عدل الشهادة.
قوله: [فإن وقع مضى] إلخ: سيأتي إعادة تلك الأقوال في آخر العبارة وإيضاحها.
قوله: [وإلا لم يصح ولم ينفذ]: أي إن حكم بالجهل، وأما لو شاور العلماء وحكم فيصح وينفذ ولا يقال له حينئذ حكم جاهل.
قوله: [في مال]: أي غير متعلق بغائب بدليل ما يأتي.
قوله: [بثبوت ما ذكر]: إلخ: الثبوت وعدمه واللزوم وعدمه والجواز وعدمه يصلح كل لكل من الدين والبيع والشراء فتأمل.
قوله: [وجرح]: أي عمداً أو خطأ.
قوله: [أو قطع]: انظر ما حكمة العطف بأو مع أنها من جملة الجراحات العظيمة.
قوله: [كقصاص]: أي في النفس لا في الأطراف لأنه تقدم أنه يحكم فيها، وقوله بعد ذلك "أو قصاص" مكرر فالأولى حذف إحداهما، ودخل في الحدود قطع السرقة فلا يحكم فيه. والحاصل أنه يحكم في الأموال والجراحات عمدها وخطئها لا في الحدود، ومنها قطع اليد في السرقة ولا في النفوس.
قوله: [كالحدود]: أي لأن المقصود من الحدود الزجر وهو حق الله.
قوله: [والقتل]: أي لأنه إما لردة أو حرابة وكله حق لله لتعدي حرماته.
قوله: [والعتق]: أي لأنه لا يجوز رد العبد إلى الرق ولو رضي بذلك، وكذا الطلاق البائن لا يجوز رد المرأة إلى العصمة ولو رضيت بذلك.
قوله: [فحكم صواباً]: أي وأما إن لم يصب فعليه الضمان، فإن ترتب على حكمه إتلاف عضو فالدية على عاقلته وإن ترتب عليها إتلاف ما كان الضمان في ماله كذا في حاشية الأصل.
قوله: [وأدب لافتياته على الحاكم]: أي إن كان هناك حاكم شرعي وأما في زماننا هذا فوجوده كالكبريت الأحمر.
قوله: [فهل يمضي]: هذا هو القول الأول.
وقوله: [أو لا]: هذا هو القول الثاني. فالمعنى فهل يمضي مطلقاً في الأربعة أو لا يمضي في واحد منها.
وقوله: [أو يمضي في غير الصبي]: هذا هو الثالث ووجه هذا القول أن البالغ عنده كمال العقل والصبي بخلاف ذلك.
وقوله: [أو يمضي في غير الصبي والفاسق]: هذا هو القول الرابع ووجه عدم مضيه في الفاسق عدم ديانته فألحق بالصبي.
قوله: [وقد تقدم]: أي هذا المفهوم.
قوله: [وقد تقدم أيضاً]: أي وتقدم أننا قيدنا عدم حكمه بما إذا لم يشاور العلماء ويحكم وإلا كان حكم عالم.
قوله: [وأعدناه]: أي ما ذكر من مفهوم غير الخصم وغير الجاهل.
стр. 864
وأن ما خالف ذلك مما في بعض الشراح لا يعول عليه.
(و) جاز لحاكم أو محكم (خفيف تعزير بمسجد) هو محيط [١] الجواز، أي: ولو ضرباً خفيفاً شأنه عدم النجاسة (لا) يجوز (حد) بالمسجد، ولا تعزير ثقيل خشية خروج نجاسة منه.
(و) جاز للقاضي (اتخاذ حاجب وبواب) يحجب الداخل بلا حاجة، وتأخير من جاء بعد غيره حتى يفرغ السابق من حاجته.
(و) جاز له (عزل) لمن ولاه بمحل (لمصلحة) اقتضت عزله، ككون غيره أفقه أو أقوى منه (و) إذا عزله (برأه) بأن يقول للناس: ما عزلته لظلم ولا جنحة، ولكني رأيت من هو أقوى منه على القضاء، كما وقع لشرحبيل لما عزله عمر ﵁ فقال: أعن سخط يا أمير المؤمنين؟ فقال: لا، ولكن وجدت من هو أقوى منك، فقال: إن عزلك لي عيب فأخبر الناس بعذري، ففعل (إلا) أن يكون عزله (عن ظلم) أي لأجله فلا يبريه بل له إظهاره إن خف، فإن كثر تعين إظهاره خشية توليته مرة أخرى من غير من عزله.
(و) جاز للقاضي (تولية) لأحد على ما تقدم وكذا العزل (ولو) كان (بغير ولايته) بخلاف الحكم فلا يحكم إلا إذا كان بولايته لا بغيرها، ولو كان الخصم من أهل ولايته كما يأتي آخر الباب. (ورتب) القاضي وجوباً (كاتباً) يكتب وقائع الخصوم (ومزكياً) يخبره بحال الشهود الذين يشهدون على الخصم من عدالة وغيرها سراً، فالمراد بالمزكي: مزكي السر (وشهوداً) يشهدون على الإقرار من الخصم إذا أقر عنده، وقيل يندب ترتيب من ذكر وقوله: (عدولاً شرطاً) راجع للكاتب ومن بعده أي يشترط فيهم العدالة وليس المراد أن الترتيب شرط، بل قيل بوجوبه، وقيل: بندبه.
و"شرطاً" حال أي: حال كون العدالة فيهم شرطاً (والترجمان) وهو الذي يخبر الحاكم بمعنى لغة الخصم، ويخبر الخصم بمعنى كلام القاضي عند اختلاف اللغة (كالشاهد) في اشتراط العدالة (وكفى إن رتب الواحد) "الواحد" فاعل "كفى" و"رتب" بالبناء للمفعول، يعني: يكفي الواحد إن رتبه القاضي وأما غير المرتب بأن أتى به أحد الخصمين أو طلبه القاضي للتبليغ فلا بد فيه من التعدد؛ لأنه صار كالشاهد وقيل: لا بد من تعدده ولو رتب، وكذا المحلف الذي يحلف الخصم عند توجه اليمين عليه يكفي فيه الواحد قال المصنف: والمترجم مخبر كالمحلف أي: فيكفي الواحد فيهما.
(وبدأ) القاضي (أول ولايته بالكشف عن الشهود) المرتبين للقضاة السابقين ليبقي من كان منهم عدلاً عارفاً ويطرد من كان بخلاف ذلك (فالمسجونين)؛ لأن السجن عذاب، فينظر في حالهم، فمن استحق الإفراج عنه ككونه معسراً خلى سبيله وأفلته، ومن وجب عليه يمين حلفه، ومن استحق الإبقاء أبقاه (فأولياء الأيتام) من وصي أو مقدم، هل هو مستقيم في تربيتهم والتصرف في شأنهم؟ لأن اليتيم قاصر عن الرفع للحاكم (و) الكشف عن (مالهم) ألهم عليه وصي أم لا؟
ــ
قوله: [وأن ما خالف ذلك مما في بعض الشراح]: مراده ببعض الشراح التتائي و (عب): فإنهما جعلا الخلاف في الصحة وعدمها لا في الجواز وعدمه الذي اختاره شارحنا وهو المنقول عن ابن رشد كما أفاده (بن).
قوله: [خفيف تعزير]: أي بيده أو أعوانه.
قوله: [ولا تعزير ثقيل]: هذا مفهوم خفيف وهل هو حرام أو مكروه انظر في ذلك.
قوله: [اتخاذ حاجب وبواب]: أي عدلين والمراد بالحاجب بواب المحل الذي يجلس فيه، والمراد بالبواب الملازم لباب البيت.
قوله: [لمصلحة]: أي وإن لم تكن جرحة فإن عزل لا لمصلحة، فالنقل أنه لا ينعزل لكن بحث فيه ابن عرفة بقوله عقبه، قلت في عدم نفوذ عزله نظر لأنه يؤدي إلى لغو تولية غيره فيؤدي ذلك إلى تعطيل أحكام المسلمين.
قوله: [لشرحبيل] هو بضم الشين وفتح الراء وسكون الحاء وكسر الموحدة بعدها تحتية وهو ابن حسنة.
قوله: [يكتب وقائع الخصوم]: أي التي يريد أن يحكم فيها.
قوله: [وقيل يندب ترتيب من ذكر]: مقابل لقوله "وجوباً" والقول بالوجوب للشيخ أحمد الزرقاني والندب إلخ.
قوله: [بل قيل بوجوبه] إلخ أي كما علمت.
قوله: [والترجمان]: مثلث التاء.
قوله: [عند اختلاف اللغة]: أي وأما عند اتحادها فلا حاجة له.
قوله: [في اشتراط العدالة]: أي والذكورة.
قوله: [الواحد]: فاعل كفى أي وجواب الشرط محذوف دل عليه المذكور.
قوله: [فلا بد فيه من التعدد]: أي اتفاقاً.
قوله: [وقيل لا بد من تعدده]: القائل به ابن شاس لكن حمل (ح) كلام ابن شاس على إذا أتى به أحد الخصمين.
قوله: [وكذا المحلف]: أي ولا بد فيه من العدالة.
قوله: [قال المصنف]: أي خليل وكثيراً ما يخالف اصطلاحه.
قوله: [بالكشف عن الشهود]: أي الموثقين الذين يكتبون الوثائق ويسمعون الدعاوى، وتوضع شهادتهم في الوثائق، وإنما أمر بالبدء به لأن المدار كله عليهم، وكيفية الكشف أن يدعو صلحاء أهل البلد ويسألهم عن عدالتهم، فمن شهدوا له بالعدالة أبقاه ومن نفوها عنه عزله.
قوله: [فالمسجونين]: أي سواء كانوا مسجونين في الدماء أو غيرها، ولكن يقدم المسجونين في دعاوى الدماء؛ لأنها أول ما يقضى فيها يوم القيامة.
قوله: [فأولياء الأيتام]: أي فيستخبر من عدول أهل هذا المكان عن
стр. 865
(ونادى) أي أمر منادياً ينادي (بمنع معاملة يتيم وسفيه) من بيع وشراء منه أو له ومداينته، ومن عامل يتيماً أو سفيهاً لا ولي له فهو مردود (و) نادى (برفع أمرهما) أي اليتيم والسفيه (له) بأن ينادي أن من عامل يتيماً أو سفيهاً لا ولي له فليرفعه إلينا لنولي عليه من يصون ماله.
(ثم) ينظر (في الخصوم فيبدأ بالأهم) فالأهم (كالمسافر): يقدمه على غيره لضرورة سفره، ولو تأخر في المجيء عن غيره. (و) يقدم [١] (ما يخشى فواته) لو قدم غيره عليه لضرورة الفوات، فإذا اجتمع مسافر وما يخشى فواته قدم الأهم منهما ومثال ما يخشى فواته: الطعام الذي يتغير بالتأخير والنكاح الفاسد يفسخ قبل الدخول (فالأسبق) أي فإذا فرغ من أمر المسافر أو ما يخشى فواته أو لم يوجدا قدم الأسبق في المجيء إليه على المتأخر مجيئاً (وإلا) يكن أحدهما أو أحدهم سابقاً بأن جاءا معاً أو جهل الأسبق (أقرع) بينهما أو بينهم، فمن خرج اسمه بالتقديم قدم.
(وينبغي) للقاضي (أن يفرد يوماً أو وقتاً) كبعد العصر (للنساء).
ولو مع رجال لأنه أستر لهن (كالمفتي والمدرس) تشبيه في كل ما تقدم، فيقدم المسافر وما يخشى فواته فالأسبق ثم أقرع وينبغي أن يفرد النساء بوقت أو يوم، وكذا أرباب الحرف كالخباز والطحان.
(ولا يحكم) الحاكم وكذا لا يفتي المفتي ولا يدرس المدرس (مع ما يدهش) العقل كمرض وضجر وخوف وضيق نفس (ومضى) حكمه إن حكم مع ما يدهش، ولا ينقض، إلا أن يعظم المدهش فلا يجوز معه حكم قطعاً، وليتعقب.
(وليسوِّ) القاضي (بين الخصمين) فلا يقدم أحدهما على الآخر (وإن) كان أحدهما (مسلماً و) الآخر (كافراً) لأن التسوية من العدل.
(وعزر) وجوباً (شاهد الزور) وهو من شهد بما لم يكن يعلمه ولو صادف الواقع (في الملأ) بالهمزة مع القصر أي جماعة الناس (بنداء) أي يعزره بضرب مؤلم مع ندائه وطوافه في الأسواق والأزقة لإشهار أمره وارتداع غيره (لا) يعزره (بحلق لحيته و) لا (تسخيم وجهه) بطين أو سواد. ثم لا تقبل له شهادة ولو تاب وحسنت توبته اتفاقاً، إن كان حين شهادته ظاهر العدالة وعلى أحد القولين: إن لم يكن ظاهرها. وقيل بالعكس، وهو مراده بالتردد.
والقاضي إذا عزل لجنحة فلا تجوز توليته بعد ولو صار أعدل أهل زمانه والسخام بضم السين المهملة هو الدخان اللاصق بأواني الطبخ.
ــ
تصرفهم في شأن الأيتام.
قوله: [ونادى]: فائدة المناداة انكفاف الناس عنهما لكن في السفيه تمضي معاملاته الحاصلة قبل النداء، وأما الحاصلة بعده فمردودة، وأما اليتيم فمردودة قبل النداء وبعده. واعلم أن رتبة المناداة في رتبة النظر في أمرهما فهي مؤخرة عن النظر في المحبوس، وحكم المناداة المذكورة الندب على ما يفهم من كلام بهرام والتتائي والوجوب على ما يفهم من كلام التبصرة.
قوله: [ثم ينظر في الخصوم]: هذه مرتبة رابعة.
قوله: [قدم الأهم منهما]: أي ولو كان الآخر سابقاً في الحضور.
قوله: [يفسخ قبل الدخول]: صفة للنكاح الفاسد أي النكاح الذي شأنه يفسخ قبل الدخول ويمضي بعده فإنه أهم من غيره للتعجيل بالفسخ امتثالاً لحكم الله وخوف الغفلة عنه فيمضي بالدخول، وذلك كالنكاح الفاسد لصداقه وكمن خطب على خطبة أخيه ثم عقد.
قوله: [أقرع بينهما]: أي بأن يأتي القاضي بأوراق بعددهم يكتب في واحدة يقدم وفي الأخرى لا يقدم ويأمر كل واحد بأخذ ورقة فمن خرج سهمه بالتقديم قدم.
قوله: [كبعد العصر للنساء]: أي اللاتي يخرجن لا المخدرات اللاتي يمنع من سماع كلامهن فإنهن يوكلن أو يبعث القاضي لهن في منزلهن واحداً من طرفه يسمع دعواهن كما قرر الأشياخ.
قوله: [ولو مع رجال]: أي هذا إذا كانت دعاويهن مع نساء، بل ولو كانت مع رجال.
قوله: [كالمفتي والمدرس]: أي وكذا المقرئ الذي يقرئ القرآن للناس.
قوله: [كالخباز والطحان]: أي فيقدم المسافر، ثم الأسبق، ثم القرعة، هذا مقتضى كلامه، والذي في ابن غازي عن ابن رشد أنه يقدم الأول فالأول، وإن لم يكن عرف وإلا عمل به، والذي في المواق عن البرزلي أن أرباب الصنائع إن كان بينهم عرف عمل به، وإلا قدم الآكد فالآكد كالأشد جوعاً أو الأقرب لفساد شيئه وفي الحقيقة عبارات الجميع متقاربة.
قوله: [ولا يحكم الحاكم] إلخ: أي يكره أو يحرم قولان.
قوله: [فلا يجوز]: أي يحرم اتفاقاً.
قوله: [وليتعقب]: أي فإن كان صواباً أمضي وإلا رد.
قوله: [وليسو القاضي]: أي وجوباً. قوله: [وإن كان أحدهما مسلماً] إلخ: أي هذا إذا كانا مسلمين أو كافرين، بل وإن كان أحدهما مسلماً إلخ، ورد بالمبالغة على ابن الحاجب القائل بجواز رفع المسلم على الذمي ونسبه في التوضيح لمالك كذا في (بن).
قوله: [بما لم يكن يعلمه]: صادق بأن يكون علم خلافه أو لا علم عنده بشيء.
قوله: [بضرب مؤلم]: أي على حسب اجتهاده.
قوله: [مع ندائه]: أي بأن هذا شاهد زور وانظر هل الوجوب منصب على التعزير والنداء عليه أو منصب على خصوص التعزير وكونه في الملأ والنداء عليه مندوب فقط كذا في الحاشية.
قوله: [بحلق لحيته ولا تسخيم وجهه]: أي يحرم ذلك ومثله في الحرمة ما يفعل في الأفراح من تسخيم الوجه بسواد أو دقيق لأنه تغيير لخلق الله.
قوله: [وهو مراده بالتردد] أي فمراد
стр. 866
وقيل: له حلق لحيته وتسخيم وجهه، قال ابن مرزوق: وهو ظاهر المدونة.
(و) عزر (من أساء على خصمه) في مجلس القضاء بقبيح، نحو: فاجر وظالم وفاسق وكذاب، وأولى ما كان أعظم من ذلك كالسب القبيح، ولا يحتاج في ذلك لبينة، بل يستند في ذلك لعلمه؛ لأن مجلس القضاء يصان عن ذلك. والحق في ذلك لله فلا يجوز للقاضي تركه، وأما في غير مجلس القضاء فلا بد من الثبوت ببينة أو إقرار. (أو) أساء على (مفت) نحو أنت تفتي بالباطل أو: بهواك ونحو ذلك. (أو) أساء على (شاهد) نحو: مزور وتشهد بالزور. (لا بشهدت): أي لا يعزر بقوله لمن شهد عليه شهدت (بباطل) بخلاف زور؛ لأنه لا يلزم من الباطل الزور إذ الباطل أعم من الزور؛ لأن الباطل بالنسبة للواقع والزور بالنسبة لعلم الشاهد، فقد يشهد بشيء يعلمه ويكون المدعى عليه قد قضاه أو أحيل عليه به أو أبرئ منه أو عفي عنه، ولا ضرر على الشاهد بذلك، بخلاف الزور فإنه تعمد الإخبار بما لم يعلم (ولا بكذبت لخصمه) أي ولا يعزر بقوله لخصمه: كذبت أو: ظلمتني، بخلاف كذاب وظالم كما تقدم.
(وأمر) القاضي أولاً عند إقامة الدعوى (مدعياً) وهو من (تجرد عن أصل أو معهود بالكلام) متعلق "بأمر" أي: يأمر المدعي ابتداء بالكلام بإقامة دعواه، والمدعي: هو الذي تجرد قوله عن أصل أو معهود عرفاً يصدقه حين دعواه، فلذا طلبت منه البينة لتصديقه كطالب دين على آخر أو جناية، أو ادعى على غيره بفعل من الأفعال، كطلاق أو عتق أو قذف فإن الأصل والمعهود عدم ما ذكر. وإنما يأمر المدعي إذا علمه ولو بقوله لهما: من المدعي منكما؟ فقال أحدهما: أنا، وسلم له الآخر. وسيأتي أن المدعى عليه هو من ترجح قوله بأصل أو معهود (وإلا) يعلم المدعي منهما بأن قال كل: أنا المدعي (فالجالب) لصاحبه عند القاضي هو الذي يؤمر بالكلام ابتداء؛ لأن الشأن أن الجالب هو الطالب (وإلا) يكن جالب بأن جاءا معاً (أقرع) بينهما، فمن خرج سهمه بالتقدم قدم.
ــ
خليل بالتردد الطريقتان، الطريقة الأولى تقول: إن كان ظاهر الصلاح حين شهد بالزور لا تقبل له شهادة بعد ذلك اتفاقاً، لاحتمال بقائه على الحالة التي كان عليها، وإن كان غير مظهر للصلاح حين الشهادة ففي قبول شهادته بعد ذلك إذا ظهرت توبته قولان. وهذه طريقة ابن عبد السلام، والطريقة الثانية عكسها لابن رشد قال في الحاشية نقلاً عن التتائي: وطريقة ابن عبد السلام أنسب بالفقه وطريقة ابن رشد أقرب لظاهر الروايات، فإن شهد قبل التوبة لم تقبل اتفاقاً، لأنه فاسق. وإن شهد بعدها وقبل التعزير فمقتضى العلة جرى التردد فيه، وكذا هو ظاهر كلام المواق وأفاد ذكر التردد فيمن فسقه بالزور أنه لو كان فسقه بغيره ثم شهد بعد ما تاب فإنه يقبل اهـ وهو مقتضى قوله تعالى في سورة النور: ﴿إلا الذين تابوا﴾ [النور: ٥] الآية.
قوله: [وقيل له حلق لحيته] أي لقول عمر بن عبد العزيز: تحدث للناس أقضية على حسب ما أحدثوه من الفجور والبدع.
قوله: [بقبيح]: متعلق بأساء والتعزير يكون على حكم مقتضى الشرع، فإن كان فيه قذف لعفيف أقام عليه الحد.
قوله: [وفاسق]: الأولى تأخيره وجعله مثالاً للسب القبيح.
قوله: [ولا يحتاج في ذلك لبينة]: اسم الإشارة عائد على ما ذكر من الإساءة.
قوله: [بل يستند في ذلك لعلمه]: اعلم أن هذه المسائل الأربع وهي تأديب القاضي لمن أساء عليه، أو على خصمه، أو على الشاهد، أو على المفتي بمجلسه مستنداً لعلمه، تزاد على قولهم: لا يجوز للقاضي أن يستند لعلمه إلا في التعديل والتجريح.
قوله: [وأما في غير مجلس القضاء]: أي ولا يستند فيهما القاضي لعلمه.
قوله: [بخلاف زور]: في المواق ابن كنانة لو قال: شهدت علي بزور فإن عنى أنه شهد عليه بباطل لم يعاقب، وإن قصد أذاه وإشهاره بأنه مزور نكل بقدر حال الشاهد والمشهود عليه اهـ ويقبل قوله فيما أراده إلا لقرينة تكذبه اهـ (عب).
قوله: [بالنسبة لعلم الشاهد]: أي فبين الزور والباطل عموم وخصوص وجهي، فإذا شهد بما هو خلاف الواقع كان باطلاً وزوراً، وإذا شهد بخلاف الواقع وكان يعتقد أنه الواقع كان باطلاً لا زوراً، وإذا شهد بما هو مطابق للواقع وهو لا يعلم به كان ذلك زوراً لا باطلاً.
قوله: [بما لم يعلم]: أي بثبوته بل إما علم عدمه أو لم يعلم شيئاً؛ لأن الشهادة مع الشك زور.
قوله: [بخلاف كذاب وظالم]: الفرق بينه وبين ما قبله أن قوله: كذبت تعلق بخصوص دعوته وليس فيه انتهاك لمجلس الشرع. بخلاف كذاب وظالم فإنه لا تعلق له بالخصومة، بل فيه مشاتمة للخصم عامة وهذا انتهاك لحرمة الشرع.
قوله: [وأمر القاضي]: أي وجوباً.
قوله: [بالكلام]: متعلق بـ "أمر" والباء للتعدية.
وقوله: [بإقامة]: متعلق بـ "أمر" أيضاً والباء للتصوير فاختلف معنى الباءين.
قوله: [تجرد قوله عن أصل أو معهود]: أي وليس مجرداً عن كل شيء فإن المدعي متمسك بالبينة فلا يقال: إن دعواه مجردة عن جميع المستندات، بل عن شيء خاص وهو الأصل أو المعهود.
قوله: [فإن الأصل والمعهود عدم ما ذكر]: أي لأن الأصل في الأشياء العدم.
قوله: [ولو بقوله لهما]: أي هذا إذا كان علمه بأمر سابق بل ولو بقوله لهما إلخ.
قوله: [من ترجح قوله بأصل] إلخ: أي لكونه ضد المدعي.
قوله: [أقرع بينهما]: أي فيمن
стр. 867
وإذا أمر بالكلام (فيدعي بمعلوم محقق من مال أو غيره) نحو: لي عليه دينار من قرض أو بيع، واحترز: "بمعلوم " من نحو لي عليه شيء و"بمحقق " من نحو قوله: في ظني أو أظن أن لي عليه كذا.
(وبين في) دعوى (المال: السبب): كالقرض والبيع والنكاح والغصب والسرقة. (وإلا) يبين السبب (سأله الحاكم عنه): أي عن السبب وجوباً. (وإلا) بأن ادعى بمجهول أو بمعلوم غير محقق، أو لم يبين السبب (لم تسمع دعواه كأظن) أن لي عليه ديناراً، لعدم تحقق المدعي به ولو قال: أظن ظناً قوياً وما يأتي من أن البات يعتمد في يمينه على الظن القوي فذاك في اليمين وما هنا في الدعوى. وإذا لم تسمع دعواه لم يطلب من المدعى عليه جواب. (إلا أن ينسى السبب): أي يدعي نسيانه فيعذر بذلك، وتسمع دعواه؛ فيطلب الجواب من المدعى عليه، بخلاف قوله: لا أبينه، أو لا أعرفه.
(ويتهم المدعى عليه) هذا الاستثناء ناظر لمفهوم قوله: "وبين السبب" الداخل تحت: "وإلا" إلخ: أي فإن لم يبين لم تسمع دعواه -إلا أن يدعي نسيانه أو يتهم المدعى عليه كأظن أنك سرقت لي كذا أو: غصبته مني، أو: فرطت فيه حتى تلف فتسمع دعواه وتتوجه اليمين على المتهم على القول المشهور إذا أنكر المتهم؛ فإن قوله: "أظن" إلخ فيه ذكر السبب، لكن لا على وجه البيان بل الظن. فالسرقة مثلاً سبب للمدعى به لكنه مظنون لا محقق. وجعلنا بيان السبب من بيان صحة الدعوى، هو الراجح. وقيل: ليس هو من تمام صحتها وقوله: "وبين في المال السبب" مفهومه: أن غير المال لا يبين فيه سبب كالطلاق والنكاح وهو ظاهر.
(ثم) بعد أن يذكر المدعي دعواه على ما تقدم يأمر القاضي (مدعى عليه) وهو من (ترجح قوله بمعهود) شرعي كالأمانة، فإنه عهد شرعاً أن ربها مصدق في قوله، كالوديع وعامل القراض والمساقاة (أو أصل) كالمدين فإن الأصل عدم الدين، وكذا الحرية؛ فإنها الأصل. فإذا ادعى شخص على غيره بأنه رقيق فعليه البيان. والأصل في معلوم الرق عدم الحرية فإن ادعى العتق فعليه البيان (بالجواب)
ــ
يبتدئ بالكلام.
قوله: [فيدعي بمعلوم محقق]: اعلم أن المراد بعلم المدعي به تصوره وتميزه. في ذهن المدعي والمدعى عليه والقاضي. وأما تحققه فهو راجع لجزم المدعي لأنه مالك له.
قوله: [بمجهول]: محترز "معلوم".
وقوله: [أو بمعلوم غير محقق]: محترز قوله "محقق".
وقوله: [أو لم يبين السبب]: محترز قوله "وبين في المال السبب".
قوله: [كأظن أن لي عليه ديناراً]: مثال للمعلوم الغير المحقق وتقدم مثال المجهول في قوله "لي عليه شيء".
قوله: [فذاك في اليمين وما هنا في الدعوى]: وقد يقال يلزم من الظن في اليمين الظن في الدعوى. فالإشكال باق والمأخوذ من كلام (بن) والحاشية جواب آخر أوضح من هذا وهو أن ما هنا طريقة. وما يأتي في الشهادات من سماع دعوى الاتهام المفيد عدم اشتراط كون المدعى به محققاً طريقة أخرى، ويترتب على كل الخلاف في توجه يمين التهمة على المدعى عليه توجهها والمعتمد ما يأتي، فإذا علمت ذلك فذكر المصنف هذا الشرط وتقييده بدعوى الاتهام فيه نوع تناقض ويؤيد ما قلنا قوله في الحاشية باحثاً مع الخرشي فيه أن دعوى الاتهام ترجع للظن أو الشك، فالمناسب أن يقول مشى هنا على قول وهناك على قول.
قوله: [لم يطلب من المدعى عليه جواب]: أي وسواء بين السبب أم لا على المشهور. ومقابلة ما قاله المازري من أنه إذا ادعى بمجهول لم يقبل إن لم يبين السبب، فإن بين السبب أمر المدعى عليه بالجواب إما بتعيينه أو الإنكار، قال (شب) فقد ذكر ابن فرحون في تبصرته ما حاصله أن للمدعي بشيء ثلاثة أحوال: الأول أن يعلم قدر الذي يدعي به ويقول شيئاً ويأبى من ذكر قدره وفي هذه لا تقبل دعواه اتفاقاً. الثانية أن يدعي جهل المدعى به وتدل على ذلك قرينة كشهادة بينة بأن له حقاً لا يعلمون قدره وفي هذه تقبل دعواه اتفاقاً. الثالثة أن يدعي جهل قدره من غير شهادة قرينة بذلك فهي محل الخلاف الذي اختار فيه المازري سماع الدعوى به اهـ.
قوله: [هذا الاستثناء]: أي الكائن في المسألتين أعني قوله إلا أن ينسى السبب أو يتهم المدعى عليه هكذا ظاهر حله، والظاهر أن يقال: هذا الاستثناء راجع لمفهوم محقق وبيان السبب على سبيل اللف والنشر المشوش، فإن الاتهام عائد على مفهوم محقق ونسيان السبب راجع لمفهوم بيان. فتأمل. فقد علمت بما تقدم من أنهما طريقتان أن الأولى حذف هذا الاستثناء الثاني.
قوله: [كالطلاق والنكاح]: أي فإذا ادعت المرأة على زوجها الطلاق فلا تسأل عن بيان السبب.
وقوله: [والنكاح]: أي إذا ادعى رجل أو امرأة الزوجية للآخر فلا يلزم بيان السبب.
قوله: [على ما تقدم]: أي في قوله "فيدعي بمعلوم محقق".
وقوله: [أن ربها]: المراد به من هي تحت يده.
قوله: [في قوله]: متعلق بـ "مصدق". وقوله: [كالوديع]: وما بعده أمثلة للأمانة أي فالوديع وعامل القراض والمساقاة ترجح قوله بمعهود شرعي حيث قال: رددت الوديعة أو مال القراض أو ثمر الحائط.
قوله: [فإنها الأصل]: أي الأصل في الناس شرعاً الحرية
стр. 868
متعلق بأمر المقدر إما بإقرار أو إنكار. (فإن أقر فله): أي المدعي (الإشهاد عليه) وللحاكم إن غفل المدعي تنبيهه عليه بأن يقول للعدول: اشهدوا بأنه أقر. (وإن أنكر قال) القاضي للمدعي: (ألك بينة) تشهد لك عليه؟ (فإن نفاها) بأن قال: ليس عندي بينة (فله): أي للمدعي (استحلافه): أي طلب حلف المدعى عليه المنكر. هذا إذا ثبتت بينهما خلطة من معاملة أو غيرها بل (وإن لم تثبت) بينهما (خلطة) بدين أو تكرر بيع، وقيل: ليس له استحلافه إلا إذا ثبتت بينهما خلطة بذلك ولو بامرأة، وهو الذي مشى عليه الشيخ، وهو ضعيف.
(فإن حلف) المدعى عليه بعد أن طلب المدعي منه اليمين برئ، وليس للمدعي بعد ذلك مطالبة عليه. وإذا برئ (فلا بينة) تقبل للمدعي بعد ذلك (إلا لعذر كنسيان) لها عند تحليفه المدعى عليه، وحلف إن أراد القيام بها أنه نسيها (وعدم علم) بها قبل تحليفه، فله إقامتها وحلف. وكذا إذا ظن أنها لا تشهد له أو أنها ماتت (كأن حلف) المدعى عليه (لرد) شهادة (شاهد) أقامه المدعي، وكانت الدعوى لا تثبت إلا بشاهدين، فطلب منه الثاني، فقال: ليس عندي إلا هذا، وحلف المدعى عليه يميناً لرد شهادة هذا الشاهد فوجد ثانياً، كأن نسيه أو لم يعلم به، فله أن يقيمه ويضمنه [١] للأول.
(وإن أقامها) عطف على قوله: "فإن نفاها"، يعني إذا قال القاضي للمدعي حين أنكر عليه: ألك بينة؟ فإن نفاها فقد تقدم وإن أقامها (أعذر إلى المطلوب) وهو المدعي، بأن يسأله القاضي عن عذر (بأبقيت لك حجة) أي يقول القاضي للمطلوب بعد سماع بينة الطالب: أبقيت لك حجة وعذر في هذه البينة؟ فإما أن يقول: نعم، وإما أن يعجز وسيأتي الكلام في ذلك.
واستثنى من الإعذار أربعة لا إعذار فيهم بقوله: (إلا شاهد الإقرار)
ــ
وإنما طرأ لهم الرق من جهة السبي بشرط الكفر والأصل عدم السبي.
قوله: [متعلق بأمر]: المناسب أن يقول متعلق بـ يأمر.
قوله: [إن غفل المدعي]: أي إذا غفل المدعي عن الإشهاد على إقرار المدعى عليه ينبهه الحاكم ليرتاح من كثرة النزاع.
قوله: [بأن يقول] إلخ: تصوير لمقالة المدعي إما من نفسه أو بتنبيه الحاكم له.
قوله: [بل وإن لم تثبت بينهما خلطة]: أي كما هو قول ابن نافع وصاحب المبسوط.
قوله: [وقيل ليس له استحلافه]: هو قول مالك وعامة أصحابه ولكن جرى العمل بقول نافع [٢] فلذلك ضعف الشارح هذا، واستثني من اشتراط الخلطة على القول الضعيف ثمان مسائل تتوجه فيها اليمين وإن لم تثبت خلطة اتفاقاً: الأولى: الصانع يدعى عليه بما له فيه صنعة فتتوحه عليه اليمين ولو لم تثبت خلطة لأن نصب نفسه للناس في معنى الخلطة، ومثله التاجر ينصب نفسه للبيع والشراء. الثانية: المتهم بين الناس يدعى عليه بسرقة أو غصب فتتوجه عليه اليمين ولو لم تثبت خلطة، وفي مجهول الحال قولان. الثالثة: الضيف يدعي أو يدعى عليه. الرابعة: الدعوى في شيء معين كثوب بعينه. الخامسة: الوديعة على أهلها بأن يكون المدعي ممن يملك تلك الوديعة والمدعى عليه ممن يودع عنده مثلها والحال يقتضي الإيداع كالسفر والغربة. السادسة: المسافر يدعي على رفقته. السابعة: مريض يدعي في مرض موته على غيره بدين مثلاً. الثامنة: بائع يدعي على شخص حاضر المزايدة أنه اشترى سلعته بكذا والحاضر ينكر الشراء كذا في خليل وشراحه.
قوله: [ولو بامرأة]: بالغ على ذلك لبيان أن الخلطة على القول باشتراطها تثبت ولو بالعدل الواحد ولو كان امرأة فلا يشترط تعدد العدول.
قوله: [بعد أن طلب المدعي منه اليمين]: أي وأما لو حلف من نفسه قبل أن يطلب فلا يعتد بحلفه.
قوله: [بعد ذلك]: أي بعد أن نفى بينة نفسه وطلب من المدعى عليه اليمين وحلف.
قوله: [إنه نسيها]: معمول لقوله "حلف".
قوله: [وحلف]: أي ما لم يشترط أنه إن ظهرت له بينة يقيمها ولا يحلف فإنه يعمل بذلك ولا يحلف.
قوله: [وكذا إذا ظن أنها لا تشهد له]: مثل ذلك إذا كانت بعيدة الغيبة.
قوله: [فله أن يقيمه]: أي بعد حلفه إنه نسيه مثلاً ويلغى اليمين الذي رد به شهادة الشاهد لكونه لم يصادف محلاً.
قوله: [عطف على قوله فإن نفاها]: أي على وجه المقابلة.
قوله: [أعذر إلى المطلوب]: أي أزال عذره فالهمزة للسلب وليس المراد أثبت عذره وحجته إنما هو كقوله: أعجمت الكتاب، أي أزلت عجمته بالنقط، وشكا إلي زيد فأشكيته، أي أزلت شكايته كما في الحاشية، والإعذار واجب إن ظن القاضي جهل من يريد الحكم عليه بأن له الطعن أو ضعفه، وأما إن ظن علمه بأن له الطعن وأنه قادر على ذلك لم يجب بل له أن يحكم بدونه وحيث وجب الإعذار وحكم بدونه نقض الحكم واستؤنف الإعذار.
قوله: [بأبقيت لك حجة]: تصوير لما يزيل به عذره و "حجة" فاعل "أبقيت" وكلامه يحتمل أن القاضي ليس له سماع البينة قبل حضور المطلوب وهو ما قاله ابن الماجشون، ومذهب ابن القاسم أن له سماع البينة قبل الخصومة، فإذا جاء الخصم ذكر له أسماء الشهود وأنسابهم ومساكنهم فإن ادعى مطعناً كلفه إثباته وإلا حكم عليه وإن طلب إحضار البينة ثانياً لم يجب لذلك.
قوله: [وسيأتي الكلام في ذلك]: أي في قوله "فإن قال: نعم أنظره لها" إلخ.
стр. 869
من المطلوب الكائن (بالمجلس) أي مجلس القاضي، فلا إعذار فيه لمشاركة القاضي له في سماع الإقرار. (و) إلا (من): أي مطلوباً (يخشى منه) الضرر على من شهد عليه أو طالباً يخشى منه الضرر على من يجرح بينته، فلا إعذار له، بل لا تسمى البينة للأول ولا من جرح بينة الثاني (و) إلا (مزكي السر) وهو من يخبر القاضي سراً بعدالة الشهود أو تجريحهم فلا إعذار فيه، وليس على الحاكم تسميته بل لو سئل عنه لم يلتفت للسائل (و) إلا (المبرز) في العدالة: أي الفائق فيها لا إعذار فيه (بغير عداوة) للمشهود عليه (أو قرابة) للمشهود له، وأما بهما، فيعذر (فإن قال) المدعى عليه (نعم) لي حجة ومطعن في هذه البينة (أنظره) القاضي (لها) أي للحجة أي لبيانها بإقامة البينة بها (بالاجتهاد) منه فليس للإنظار حد معين، وإنما هو موكول لاجتهاد الحاكم.
(ثم) إذا لم يأت بحجة معتبرة شرعاً (حكم) عليه بمقتضى الدعوى من مال أو غيره (كنفيها) أي كما يحكم إذا نفى حجته وقال: لا حجة عندي.
(وعجزه): أي حكم بعجزه بعد إنظاره (وسجله) أي التعجيز أي كتبه في سجله بأن يكتب فيه: إنا طلبنا منه حجة في البينة وأنظرناه فلم يأت بها فحكمنا عليه، فلا تقبل له حجة بعد ذلك. وفائدة التسجيل مخافة أن يدعي أنه باق على حجته وأن القاضي لم ينظره. واستثنى من التعجيز خمس مسائل ليس للقاضي فيها تعجيز فقال: (إلا في) دعوى (دم) كأن يدعي عليه بأنه قتل وليه عمداً وله بينة بذلك، فأنظر القاضي ليأتي بها، فلم يأت بها فلا يعجزه فمتى أتى بها حكم بقتل المدعى عليه (وعتق) ادعاه الرقيق على سيده المنكر، وقال: عندي بينة، فأنظره لها فلم يأت بها، فلا يعجزه بل متى أقامها حكم بعتقه (وطلاق) ادعته المرأة على زوجها وأن لها بينة بذلك ولم تأت بها فلا يعجزها، فمتى أقامتها حكم بطلاقها (وحبس) ادعاه إنسان على الواقف أو واضع اليد المنكر، وقال: لي بينة على وقفه، فأنظره الحاكم فلم يأت بها، فلا يعجزه، فمتى أتى بها حكم بالوقف (ونسب) ادعاه إنسان، وأنه من ذرية فلان وله بذلك بينة، فإن لم يأت بها بعد الإنظار لم يحكم بتعجيزه، وهو باق على حجته، متى أقامها حكم بنسبه. فهذه المستثنيات إنما هي مفروضة في كلام الأئمة في الطالب وأما المطلوب فيعجزه فيها وفي غيرها كما ذكره بعضهم.
(وإن لم يجب) عطف على "إن أقر" أي وإن لم يجب المدعى عليه بإقرار ولا إنكار، بل سكت
ــ
قوله: [من المطلوب]: متعلق بمحذوف حال من الإقرار.
وقوله: [بالمجلس]: متعلق بمحذوف صفة للإقرار قدره بقوله الكائن، وإنما قدره صفة لأن الظرف والمجرور الواقع بعد المقرون بأل الجنسية يجوز جعله صفة أو حالاً.
قوله: [فلا إعذار فيه]: أي فلا يبقي القاضي للمطلوب حجة فيه لأنه علم ما علمه الشاهد فلو أعذر فيه لكان إعذاراً في نفسه.
تنبيه: قال (شب) مما لا إعذار فيه شهود الإعذار لما في ذلك من التسلسل كما ذكره في العاصمية، ومثل ذلك من شهد بوكالة في شيء كما ذكره (ح) أول باب الوكالة، وكذا من شهد بجرحة القاضي كما في مختصر البرزلي نقلاً عن ابن الحاج، وعلله بقوله لأن طلب الإعذار طلب لخطة القضاء وإرادة لها وحرص عليها وذلك جرحة، وكذا الشهود الذين يحضرون تطليق المرأة وأخذها بشرطها في مسائل الشروط في النكاح ومن يوجهه القاضي لسماع دعوى أو لتحليف أو حيازة؛ لأنه أقامهم مقام نفسه.
قوله: [أي الفائق فيها]: أي على أقرانه.
قوله: [وأما بهما فيعذر]: الحاصل أن المبرز لا يسمع القدح فيه إلا بالعداوة أو القرابة وأما بغيرهما فلا يسمع القدح فيه، وأما ما قبل المبرز فيقبل القدح فيه بأي قادح ولو بغير العداوة أو القرابة.
قوله: [بالاجتهاد]: أي ما لم يتبين لدده وإلا حكم عليه من حين تبين اللدد، ومثل ذلك لو قال: لي بينة بعيدة الغيبة هي التي تجرح بينة المدعي فإنه يحكم عليه من الآن إلا أنه في هذه يكون باقياً على حجته، إذا قدمت بينته ويقيمها عند القاضي أو عند غيره كما في الخرشي.
قوله: [فلا تقبل له حجة بعد ذلك]: اعلم أنه اختلف في الذي كتب عجزه إذا أتى ببينة بعد ذلك على ثلاثة أقوال: قيل لا تسمع منه سواء كان طالباً أو مطلوباً وهو قول ابن القاسم في العتبية، وقيل: تقبل مطلقاً إذا كان له وجه كنسيانها أو عدم علمه بها أو غيبتها وهو قول ابن القاسم في المدونة. ثالثها صرح في البيان بأن المشهور أنه إذا عجز المطلوب وقضي عليه أن الحكم يمضي ولا يسمع منه ما أتى به بعد ذلك، وأما إذا عجز الطالب فإن تعجيزه لا يمنع من سماع ما أتى به بعد ذلك.
قال ابن رشد وهذا الخلاف إنما هو إذا عجزه القاضي بإقراره على نفسه بالعجز، وأما إذا عجزه بعد التلوم والإعذار وهو يدعي أن له حجة فلا تقبل له حجة بعد ذلك اتفاقاً، ولو ادعى نسيانها وحلف اهـ (بن). قوله: [وليس للقاضي فيها تعجيز]: أي اتفاقاً ولو حكم بالتعجيز بطل حكمه وضابط ذلك في غير مسألة الدم أن كل حق ليس لمدعيه إسقاطه بعد ثبوته، فإن الحكم بالتعجيز لا يقطع الحجة فيه، وقولنا في غير الدم، وأما هو فلولي الدم إسقاطه إن لم يكن القتل غيلة وإلا فليس للولي إسقاطه لأنه حق الله، فالضابط يشمله.
قوله: [وأما المطلوب]: أي المدعى عليه كما إذا أقيمت بينة على القاتل أو على المعتق أو المطلق أو المحبس
стр. 870
(حبس وضرب) ليجيب (ثم) إن استمر على عدم الجواب (حكم) عليه بالحق (بلا يمين) من المدعي؛ لأن اليمين فرع الجواب وهو لم يجب (وإن أنكر) المدعى عليه (المعاملة) من أصلها فقال: لا معاملة بيني وبينه (فأقيمت عليه البينة) بالحق المطلوب فأقام بينة تشهد له بالقضاء (لم تقبل بينته بالقضاء) لذلك الحق؛ لأن إنكاره المعاملة تكذيب لبينته بالقضاء (بخلاف) قوله: (لا حق لك علي) فأقام عليه بينة به فأقام هو بينة بالقضاء، فتقبل لأنه لم ينكر أصل المعاملة، وإنما أنكر الحق المطلوب منه فقط وليس فيه تكذيب لبينته بالقضاء.
(وكل دعوى لا تثبت إلا بعدلين، فلا يمين) على المدعى عليه (بمجردها) وذلك (كنكاح) وطلاق وعتق وقذف وقتل، بل حتى يقيم المدعي شاهداً واحداً ويعجز عن الثاني فتتوجه اليمين على المدعى عليه لرد شهادة الشاهد عليه وهذا معنى قوله: (وإلا) تتجرد بل أقام المدعي شاهداً فقط (توجهت) اليمين على المدعى عليه لرد شهادة الشاهد فإن حلف ترك وإن نكل حبس فإن طال حبسه دين ومحل توجهها على المدعى عليه (في غير نكاح) كعتق وطلاق وأما في النكاح فلا تتوجه، كما لو ادعى أن فلاناً زوجه بنته فأنكر أبوها، فأقام الزوج شاهداً، فلا يمين على أبيها لربه ولا يثبت النكاح.
(ولا يحكم) الحاكم (لمن لا يشهد له) أبيه [١] وابنه، كأخيه [٢] وزوجته وجاز أن يحكم عليه وكذا لا يحكم على من لا يشهد عليه كعدوه وجاز أن يحكم له (إلا بإقرار) من المدعى عليه له في مجلسه (اختياراً) بلا إكراه، فيجوز أن يحكم له حينئذ؛ إذ لا يتهم القاضي إذا أقر الخصم اختياراً، فعلم أن قوله: "ولا يحكم" إلخ فيما إذا كان الحكم يحتاج لبينة؛ لأنه الذي يتهم فيه بالتساهل في الحكم لمن ذكر.
ــ
أو المنكر للنسب فقال: إن لي فيها مطعناً ثم عجز عن الإتيان به فللقاضي تعجيزه.
قوله: [حبس وضرب]: أي باجتهاد القاضي في قدر الحبس والضرب.
قوله: [ثم إن استمر]: مثل استمراره على عدم الجواب في الحكم عليه بلا يمين شكه في أنه له عنده ما يدعيه، فإذا أمر القاضي المدعى عليه بالجواب فقال: عندي شك فيما يدعيه فإنه يحكم عليه به بلا يمين من المدعي كما في التوضيح، وظاهره ولو طلب المدعى عليه يمين المدعي وكذا في مسألة المصنف، وأما لو أنكر المدعى عليه ما ادعى عليه به وقال يحلف المدعي ويأخذ ما ادعى به فإنه يجاب لذلك.
قوله: [فأقيمت عليه البينة]: إلخ: مثل قيامها إقراره بعد ذلك بأنه كان عليه كذا وقضاه إياه ثم أقام على القضاء بينة فلا تقبل بينة القضاء كما في النوادر؛ لأن إنكاره أولاً تكذيب لها كذا في حاشية الأصل.
قوله: [بخلاف قوله لا حق لك علي]: ظاهره لا فرق بين العامي وغيره، ولكن في (ح) أن هذا ظاهر في غير العامي، وأما هو فيعذر وتقبل بينته في الصيغتين انظر (بن).
قوله: [بل حتى يقيم المدعي شاهداً]: أي في دعوى الطلاق وما بعده. ويستثنى من قوله: "فلا يمين بمجردها" مسائل: منها لو اعترف المدعى عليه بالحق وادعي الإعسار وأن الطالب يعلم عسره، وأنكر الطالب العلم بعسره ولا بينة للمطلوب، فإن الطالب يحلف أنه لا يعلم بعسره ويؤمر المطلوب، بإثبات عسره. ومنها لو قال المطلوب للطالب: إنك عالم بفسق شهودك. ومنها أن الطالب لو أراد تحليف المطلوب فقال له: حلفتني فأنكر ذلك الطالب. ومنها لو ادعى القاتل أن الولي عفا عنه وأنكر الولي ذلك. ومنها المتهم يدعى عليه الغصب أو السرقة لأجل ثبوت موجبهما من أدب أو قطع فينكر، مع أن أدب الغاصب وقطع السارق لا يكون إلا بعدلين، وإن كان المال يثبت بالشاهد واليمين. ومنها من ادعى على آخر أنه قذفه وأنكر فتوجه اليمين على المدعى عليه أنه لم يقذفه إن شهدت بينة بمنازعة بينهما وإلا لم تتوجه، ومفهوم قوله "لم تثبت إلا بعدلين" أن الدعوى التي تثبت بشاهد وامرأتين أو أحدهما ويمين تتوجه عليه اليمين بمجردها وترد على المدعي، إن أراد المدعى عليه ردها عليه وكذا اليمين التي يحلفها المدعي مع الشاهد أو المرأتين إذا نكل عنها ترد على المدعى عليه. فإن نكل غرم بنكوله وشهادة الشاهد وليس للمدعى عليه ردها على المدعي لأن اليمين المردودة لا ترد، ويستثني من ذلك المفهوم من ادعى على شخص أنه عبده فأنكر فلا يمين على ذلك المدعى عليه. مع أن الرق مما يثبت بشاهد ويمين، وذلك لأن الأصل في الناس الحرية فدعوى ذلك المدعي رقية المدعى عليه خلاف الأصل مع تشوف الشارع للحرية، فمن أجل ذلك ضعفت دعواه جداً فلم تتوجه عليه اليمين لإبطالها اهـ ملخصا من حاشية الأصل.
قوله: [في غير نكاح]: الفرق بين النكاح وغيره أن الغالب في النكاح الشهرة فشهادة الواحد فيه ريبة ولذا لم يطلب الولي باليمين لرد شهادة الشاهد. بخلاف غيره من عتق وطلاق فإنه ليس الغالب فيه الشهر فلا ريبة في شهادة الواحد فيه فلذا أمر المدعى عليه باليمين لرد شهادته كذا في الحاشية.
قوله: [ولا يحكم الحاكم لمن لا يشهد له]: أي على مختار اللخمي ومقابله يجوز إن لم يكن من أهل التهمة وهو لأصبغ.
стр. 871
(وأمر) الحاكم ندباً (ذوي الفضل) كأهل العلم عند مخاصمتهم (و) ذوي (الرحم) أي الأقارب عند مخاصمة بعضهم بعضاً (بالصلح) لأنه أقرب لجمع الخواطر وتأليف النفوس المطلوب شرعاً، بخلاف القضاء فإنه أمر يوجب الشحناء والتفرق. (فإن خشي) الحاكم (تفاقم الأمر) أي شدة العداوة بين المتخاصمين (وجب) أمرهم بالصلح سدّاً للفتنة.
(ونبذ حكم جائر) في أحكامه وهو الذي يميل عن الحق عمداً، ومنه من يحكم بمجرد الشهادة من غير نظر لتعديل ولا تجريح فينقضه من تولى بعده، ولا يرفع الخلاف ولو كان ظاهر الصحة في ظاهر الحال، ما لم تثبت صحة باطنه كما قال ابن رشد (و) نبذ حكم (جاهل لم يشاور) العلماء، ولا يرفع الخلاف ولو كان ظاهره الصحة لأن الحكم بالحدس والتخمين لا يفيد، فإن ثبت صحة باطنه لم ينقض كالجائر، وقيل: ينقض مطلقاً. (وإلا) بأن شاور العلماء (تعقب) فما كان خطأ نبذ (ومضى الصواب) كذا قال الشيخ تبعاً لابن عبد السلام والكلام في الجاهل العدل، والذي قاله ابن يونس واللخمي والمتيطي وابن عرفة وغيرهم أن محل تعقبه إن لم يشاور العلماء، فإن شاورهم مضى قطعاً ولم يتعقب، وظاهر كلامهم أن هذا هو المذهب، وما مشى عليه الشيخ ضعيف ويمكن أن يقال: قوله: "وجاهل" أي غير عدل لم يشاور، فإن شاور تعقب لأن عدم عدالته تؤديه إلى الحكم بغير ما دله العلماء عليه ويبعده أنه حينئذ يكون جائراً فهو داخل فيما قبله، إلا أن يقال الجائر المتقدم يحمل على العالم وهذا جاهل فاسق فتأمل.
(ولا يتعقب حكم العدل العالم) أي لا ينظر فيه من تولى بعده لئلا يكثر الهرج والخصام المؤدي إلى تفاقم الأمر والفساد وحمل عند جهل الحال على العدالة إن ولاه عدل (ورفع) حكم العدل العالم (الخلاف) الواقع بين العلماء وكذا غير العدل العالم إن حكم صواباً كما يعلم مما تقدم فإنه يرفع الخلاف ولا ينقض، وكذا المحكم والمراد: أنه يرتفع الخلاف في خصوص ما حكم به أخذاً من قوله الآتي "ولا يتعدى لمماثل" فإذا حكم بفسخ عقد أو صحته لكونه يرى ذلك لم يجز لقاض غيره يرى خلافه ولا له نقضه ولا يجوز لمفت علم بحكمه أن يفتي بخلافه، وإذا حكم حاكم بصحة عقد لكونه يراه وحكم آخر بفساد مثله لكونه يراه، صار كل منهما كالمجمع عليه في خصوص ما وقع الحكم به. ولا يجوز لأحد نقضه ولا له. قال عمر ﵁ في الحمارية: ذاك على ما قضينا وهذا على ما نقضي ولم ينقض حكمه الأول وهل يرتفع الخلاف فيما بنى عليه الحكم؟ كما لو قال إنسان في مسجد جامع
ــ
قوله: [وأمر الحاكم ندباً ذوي الفضل] إلخ: ظاهره أنه يأمر من ذكر بالصلح ولو ظهر وجه الحكم فيكون مخصصاً لقول خليل، ولا يدعو لصلح إن ظهر وجهه ثم الأمر بالصلح فيما يتأتى فيه ذلك لا في نحو طلاق من كل أمر الصلح فيه يغضب الله تعالى. .
قوله: [وقيل ينقض مطلقاً]: هذا القول لبهرام المازري.
قوله: [وظاهر كلامهم أن هذا هو المذهب]: أي بناء على أن العلم شرط كمال في توليته لا شرط صحة، وأما الطريقة الأولى فعلى أن العلم شرط صحة في أصل التولية.
قوله: [فتأمل]: أي في هذا الجواب الأخير الدافع للتكرار وقد تأملناه فوجدناه وجيهاً.
قوله: [ولا يتعقب حكم العدل]: إلخ لكن إن عثر على خطئه من غير تفحص وجب نقضه على من عثر عليه كان هو أو غيره وسيأتي ذلك.
قوله: [ورفع حكم العدل العالم الخلاف]: ظاهره أن حكم الحاكم يرفع الخلاف ولو لم يكن هناك دعوى وهو كذلك، وبه صرح اللقاني والقرافي، ويدل عليه أن الوصي يرفع للحاكم إذا أراد زكاة مال الصبي كما يأتي في الوصية كذا في الحاشية وسيأتي تحرير ذلك.
قوله: [وكذا غير العدل]: إلخ تفصيل في مفهوم العدل العالم والمفهوم إذا كان فيه تفصيل لا يعترض به عليه.
قوله: [فإذا حكم بفسخ عقد]: أي كما إذا عقد رجل على امرأة مبتوتة ونيته التحليل ورفع للمالكي وحكم بفسخ النكاح فليس للحنفي تصحيحه.
وقوله: [أو صحته]: أي كما إذا سبق حكم الحنفي بصحة عقد من نيته التحليل فليس للمالكي نقضه.
قوله: [ولا يجوز لمفت]: أي في خصوص تلك المسألة كما هو السياق.
قوله: [وإذا حكم حاكم بصحة عقد] إلخ: أي كما في المثال المتقدم الذي ذكرناه.
قوله: [قال عمر ﵁]: إلخ شاهد على قوله "ولا له" لأنه القاضي في الحمارية أولاً وثانياً وهي المسألة المشتركة التي قال فيها صاحب الرحبية:
وإن تجد زوجاً وأماً ورثا ... وإخوة للأم حازوا الثلثا
وإخوة أيضاً لأم وأب ... واستغرقوا المال بفرض النصب
فاجعلهم كلهم لأم ... واجعل أباهم حجراً في اليم
واقسم على الإخوة ثلث التركة ... فهذه المسألة المشتركة
فكان أولاً قضى فيها بحرمان الأشقاء لاستغراق الفروض التركة ومتى استغرقتها سقط العاصب. ثم رفعت مسألة أخرى نظيرتها فأراد القضاء فيها كالأول فقام عليه الأشقاء وقالوا له: هب أن أبانا كان
стр. 872
بناه غير العتيق: إن صحت الجمعة في مسجدي هذا فعبدي فلان حر، فرفع العبد أمره لحنفي [١] يرى صحة تعدد الجامع، فحكم بعتقه، فالعتق محل الحكم فيرتفع فيه الخلاف قطعاً. وأما صحة الصلاة فيه للمالكي فيرتفع فيها الخلاف أيضاً، أفتى الناصر اللقاني برفعه وسلمه له المتأخرون عنه وفيه نظر. إذ حكم الحاكم بالعتق -لكونه يرى صحة الجمعة- لا يستلزم الصحة عند غير الحاكم في ذلك المسجد، إذ حكمه بالعتق لا يتعدى لصحة الجمعة ففتواه ﵀ غير صواب.
(لا أحل) حكمه (حراماً) في الواقع بحيث لو اطلع الحاكم عليه ما حكم.
وحاصله: أن حكمه صحيح في ظاهر الحال إلا أنه يلزم عليه في الباطن فعل الحرام، فحكمه المذكور لا يحل ذلك الحرام. كما لو ادعى إنسان على رجل بدين دعوى باطلة، وأقام عليها بينة زور، فطلب الحاكم من المدعى عليه تجريحها فلم يقدر على تجريحها، فحكم له به، فالحكم صحيح في الظاهر، ولكن لا يحل للمدعي أخذ ذلك الدين في الواقع وكذا إذا لم يقم بينة فطلب الحاكم من المدعى عليه اليمين فردها على المدعي فحلف وكذا لو ادعى على امرأة بأنها زوجته، وهو يعلم بأنها ليست بزوجة له أقام على ذلك بينة زور، فطلب الحاكم منها تجريحها فعجزت فحكم له بها، فلا يجوز له وطؤها لعلمه بأنها ليست بزوجته وإن كان حكمه صحيحاً في ظاهر الحال. وقال الحنفية: يجوز له وطؤها وكذا إذا طلق رجل زوجته طلاقاً بائناً فرفعته للحاكم وعجزت عن إقامة البينة الشرعية فحكم له بالزوجية وعدم الطلاق، لم يحل له وطؤها في الباطن لعلمه بأنه طلقها وهكذا (إلا ما خالف إجماعاً) هذا استثناء منقطع من قوله: "ورفع الخلاف" أي: لكن حكمه المخالف للإجماع لا يرفع خلافاً ويجب نقضه عليه وعلى غيره كما لو حكم بأن الميراث كله للأخ دون الجد فهذا خلاف الإجماع؛ لأن الأمة على قولين: المال كله للجد أو يقاسم الأخ، وأما حرمان الجد بالكلية فلم يقل به أحد من الأمة (أو) خالف (نصاً) كأن يحكم بالشفعة للجار، فإن الحديث الصحيح وارد باختصاصها بالشريك دون الجار ولم يثبت له معارض صحيح، وكأن يحكم بشهادة كافر على مثله أو على مسلم، لأنه مخالف لقوله تعالى: ﴿وأشهدوا ذوي عدل منكم﴾ [الطلاق: ٢].
(أو) خالف (جلي قياس)
ــ
حماراً أو حجراً ملقى في اليم أليست أمنا واحدة فقضى لهم بالتشريك في الثلث مع الإخوة للأم في الفرض لا بالتعصيب فقيل له: قضيت في السابقة بحرمانهم فقال ذاك على ما قضينا، وهذا على ما نقضي.
قوله: [بناه]: صفة ثانية لمسجد، وقوله "غير العتيق" صفة ثالثة.
قوله: [إن صحت الجمعة] إلخ: مقول القول.
قوله: [الحنفي]: أي قاض حنفي وقوله "يرى صحة تعدد الجامع" أي من غير ضرورة، لأن المدار عندهم في صحة الجمعة على وجود الحكام المنصبة لإقامة الشريعة وإن لم يقيموها بالفعل، فمتى وجدت تلك الهيئة وجبت الجمعة ولا يضر تعددها.
قوله: [فيرتفع فيه الخلاف قطعاً]: أي فليس لمالكي ولا شافعي منع العتق ولا فرق بين كون هذا الحكم قبل الصلاة أو بعدها.
قوله: [وأما صحة الصلاة فيه للمالكي]. أي وغيره.
قوله: [فيرتفع فيها الخلاف]: فيه حذف حرف الاستفهام، والأصل فهل يرتفع؟ .
قوله: [أيضاً]: كما ارتفع الخلاف في الحكم بصحة العتق.
قوله: [أفتى الناصر اللقاني برفعه]: أي لبعض ملوك مصر.
وقوله: [وسلمه المتأخرون]: أي كالأجهوري وأتباعه.
قوله: [وفيه نظر] إلخ: من كلام شارحنا.
قوله: [إلا أنه يلزم عليه] إلخ: المناسب إلا إن لزم عليه إلخ ويكون جواب الشرط قوله فحكمه المذكور.
قوله: [فلم يقدر على تجريحها]: أي لو كان الحاكم لا يرى البحث عن العدالة.
قوله: [وقال الحنفية: يجوز له وطؤها]: قال في الأصل كأنهم نظروا إلى أن حكمه صيرها زوجة كالعقد.
قوله: [وهكذا]: أي فقس على تلك الأمثلة من ذلك لو كان لرجل على آخر دين ثم وفاه إياه بدون بينة فطلبه عند القاضي فقال: وفيته لك فطلب منه القاضي البينة على الوفاء فعجز وحلف المدعي أنه لم يوفه فحكم الحاكم له بالدين فلا يحل للمدعي أخذه ثانية في نفس الأمر؛ فالمراد بقوله: "لا أحل حراماً" بالنسبة للمحكوم له. والحاصل كما في (بن) أن ما باطنه مخالف لظاهره بحيث لو اطلع الحاكم على باطنه لم يحكم، فحكم الحاكم في هذا يرفع الخلاف ولا يحل الحرام، وهذا محمل قول المصنف: "لا أحل حراماً". وأما ما باطنه كظاهره كحكم الشافعي بحل المبتوتة بوطء الصغير فحكمه رافع للخلاف ظاهراً وباطناً ولا حرمة على المقلد له في ذلك وهي المسألة الملفقة. وفي الحاشية نقلاً عن بعض الشيوخ: أن المضر في التلفيق الدخول عليه، وأما إذا لم يحصل الدخول عليه وإنما حصل أمر اتفاقي جاز، كما لو عقد مالكي لصبي في حجره على امرأة مبتوتة، ودخل بها وأصابها ثم رفع أمره لحاكم مالكي فطلق على الصبي لمصلحة، ثم رفع الأمر لحاكم شافعي فحكم بحلية وطء الصغير للمبتوتة فيجوز للبات المالكي العقد على زوجته المبتوتة قاله بعض شيوخنا انتهى.
قوله: [ولم يثبت له معارض صحيح]: استبعد المازري وغيره نقض الحكم في شفعة الجار لورود الحديث فيها وأجيب بأن عامة أهل العلم لا سيما
стр. 873
أي قياساً جلياً؛ وهو ما قطع فيه بنفي الفارق: كقياس الأمة على العبد في التقويم على من أعتق نصيبه منه أحد الشريكين وهو موسر، فإن حكم بعدم التقويم في الأمة نقض. (أو) إلا ما (شذ) أي ضعف (مدركه) أي دليله: كالحكم بغير العدول أو بالأقوال الضعيفة المردودة في مذهبه. ومن ذلك: الحكم بتوريث ذوي الأرحام والشفعة للجار واستسعاء العبد إذا أعتق بعض الشركاء فيه نصيبه منه وهو معسر. (فينقض) ما خالف الإجماع -وما عطف عليه- وجوباً منه ومن غيره.
وتقدم أن العدل العالم لا تتعقب أحكامه لكن إن ظهر منها شيء مما تقدم نقض، وأما الجائر والجاهل فتتعقب أحكامهما وينقض منها ما ليس بصواب ويمضي [١] ما كان صواباً. والصواب: ما وافق قولاً مشهوراً أو مرجحاً ولو كان الأرجح خلافه. (و) إذا نقض (بين) الناقض (السبب) الذي نقض الحكم من أجله، لئلا ينسب الناقض للجور والهوى بنقضه الأحكام التي حكم بها القضاة.
ثم بين أن حكم الحاكم لا يتوقف على قوله: حكمت بل كل ما دل على الإلزام -فهو حكم- بقوله. (و) قول الحاكم: (نقلت الملك) لهذه السلعة لزيد أو ملكتها لمدعيها ونحو ذلك، حكم. (وفسخت هذا العقد) من نكاح أو بيع أو أبطلته أو رددته (أو قررته) ونحوها ومن الألفاظ الدالة على نفي أو إثبات بعد حصول ما يجب في شأن الحكم من تقدم دعوى وإقرار أو ثبوت ببينة وإعذار وتزكية - وهو معنى قولهم: لا بد للحكم من تقدم دعوى صحيحة، وصحتها لكونها تقبل وتسمع ويترتب عليها مقتضاها من إقرار أو بينة عدول إلى غير ذلك -: (حكم) وإن لم يقل حكمت ومن ذلك: خذوه فاقتلوه، أو: حدّوه، أو: عزروه. (لا) إن قال في أمر رفع إليه، كتزويج المرأة نفسها بلا ولي وكبيع وقت نداء الجمعة: (لا أجيزه): فلا يكون حكماً ولا يرفع خلافاً؛ لأنه من باب الفتوى كما قاله ابن شاس، فلغيره الحكم بما يراه من مذهبه.
(أو أفتى) بحكم سئل عنه بأن قيل له: يجوز كذا؟ أو: يصح أو لا؟ فأجاب بالصحة أو عدمها فلا يكون إفتاؤه حكماً يرفع الخلاف؛ لأن الإفتاء إخبار بالحكم لا إلزام. والحق أن قول الحاكم: لا أجيزه - إن كان بعد تقدم الدعوى - فهو حكم يرفع الخلاف، وإن كان بمجرد إخبار، كما لو قيل له: إن امرأة زوجت نفسها بلا ولي؟ فقال: لا أجيزه فهو من الفتوى. وعبارة الخرشي تشير إلى ذلك؛
ــ
علماء المدينة، لم يقولوا بها.
قوله: [أي قياساً جلياً]: أشار بذلك إلى أنه من إضافة الصفة للموصوف.
قوله: [ومن ذلك الحكم بتوريث ذوي الأرحام]: أي والحال أن بيت المال منتظم وإلا فلا نقض وإنما نقض الحكم بميراث ذوي الأرحام عند انتظام بيت المال لمخالفته لقوله ﵊: «ألحقوا الفرائض بأهلها فما بقي فلأولى رجل ذكر».
قوله: [والشفعة للجار]: أي إذا حكم بها حنفي فللمالكي نقضه وإن حكم بها مالكي فله ولغيره نقضه.
قوله: [وهو معسر]: إنما قيد بذلك لأنه إن كان المعتق موسراً كمل عليه ولا يلزم العبد استسعاء في جميع المذاهب، والمعنى أن الشريك المعتق إذا كان معسراً، وقلنا: لا يكمل عليه فحكم على العبد حاكم بالسعي وياتي للشريك الذي لم يعتق بقيمة نصيبه نقض حكمه، لكن إن كان يرى ذلك كالحنفي نقضه غيره، وإن كان لا يرى ذلك نقضه هو أو غيره، وإنما نقض في الاستسعاء والشفعة للجار، وتوريث ذوي الأرحام مع انتظام بيت المال وإن كان الحاكم فيها حنفياً؛ لأن حكم الحنفي فيها لا يرفع الخلاف لضعف مداركها بين الأئمة، ونظير ذلك حكمه بحلية شرب النبيذ قال ابن القاسم: أحد شارب النبيذ وإن قال: أنا حنفي.
قوله: [منه ومن غيره]: ظاهره يؤمر بنقضه وهو وإن كان يراه مذهباً وبه قال الشيخ أحمد الزرقاني، ولكن الذي مشى عليه الشيخ كريم الدين إن كان يراه مذهباً نقضه غيره لا هو.
قوله: [مما تقدم]: أي من مخالفة الإجماع أو النص أو القياس وإلخ.
قوله: [بين الناقض السبب] أي وسواء كان الحكم الأول له أو لغيره.
قوله: [نقلت الملك]: وهو وما عطف عليه مقول قول محذوف قدره الشارح بقوله: "وقول الحاكم" وهو مبتدأ خبره قوله الآتي "حكم".
قوله: [وهو معنى قولهم لا بد للحكم من تقدم دعوى] إلخ: فيه أن الحكم عندنا لا يشترط فيه تقدم دعوي ألا ترى أن القاضي له أن يسمع البينة على الغائب ويحكم عليه وإذا جاء سمى له البينة وأعذر له فيها؛ فإن أبدى مطعناً نقض الحكم وإلا فلا. وأجيب أن قوله "لا بد في الحكم" إلخ محمول على الحاضر وقريب الغيبة بأن كان على مسافة يومين مع الأمن، وأما بعيد الغيبة فيجوز الحكم عليه في غيبته كما يأتي كذا في حاشية الأصل.
قوله: [خذوه فاقتلوه] إلخ: أي عند ثبوت موجب القتل أو الحد أو التعذير.
قوله: [بأن قيل له يجوز كذا]: أي على سبيل الاستفهام فحذف الهمزة تخفيفاً.
وقوله: [أو لا]: مقابل لكل من يجوز أو يصح.
وقوله: [فأجاب بالصحة أو عدمها]: راجع لقوله "أو يصح" وحذف جواب الأول.
قوله: [وعبارة الخرشي تشير إلى ذلك]: أي حيث قال: وأما إذا رفع إليه قضية هذه المرأة فلم يزد على قوله لا أجيز نكاحاً بغير ولي من غير قصد إلى فسخ هذا النكاح بعينه فإن هذا
стр. 874
وقال ابن عرفة: مقتضى جعله فتوى أن لمن ولي بعده أن ينقضه ضرورة أنه لم يحكم به الأول. والظاهر أنه لا يجوز للثاني نقضه. اهـ.
(ولا يتعدى) حكم الحاكم في نازلة (لمماثل) لها (بل إن تجدد) المماثل (فالاجتهاد) منه أو من غيره إن كان من أهل الاجتهاد فإن كان مقلداً فليحكم بما حكم به أولاً من راجح قول مقلده، ولغيره من أرباب المذاهب أن يحكم بضده، كما لو حكم مالكي بفسخ نكاح من زوجت نفسها بلا ولي، ثم تجدد مثلها فرفعت الأخرى لحنفي فإنه يحكم بصحته وكل منهما ارتفع فيها الخلاف ولم يجز لأحد نقضه. وقولنا: "ولا يتعدى لمماثل" إلخ: أي ولو في الذات المحكوم فيها أولاً؛ كما إذا فسخ نكاح من زوجت نفسها لكونه يرى ذلك. ثم زوجت نفسها بعد الفسخ لنفس ذلك الزوج بلا ولي؛ فإنه معرض للاجتهاد منه أو من غيره، فله تصحيح الثاني إن تغير اجتهاده، ولغيره - كالحنفي - الحكم بتصحيحه ويرتفع الخلاف أيضاً.
و(كأن حكم في نازلة بمجرد الفسخ) دون التأبيد، وإن كان يرى حين حكمه بمجرد الفسخ تأبيد التحريم (كفسخ) لنكاح (برضع) طفل (كبير) أي بسببه؛ والكبير: من زاد عمره على عامين وشهرين، فلو تزوج ببنت من أرضعته كبيراً فرفع لمن يرى التحريم برضع الكبير ففسخه، ثم تزوجها ثانياً، كان النكاح الثاني مماثلاً لا يتعدى له الحكم الأول وصار هذا معرضاً للاجتهاد، فلمن حكم بفساده إن تغير اجتهاده أو لغيره الحكم بصحته. (أو) فسخ بسبب (عقد نكاح بعدة): أي في عدة وإن كان يرى هو تأبيد التحريم حين فسخه، فإذا عقد عليها ثانياً بعد الفسخ (فهي): أي المنكوحة ثانياً المفسوخ نكاحها أولاً في المسألتين (كغيرها) ممن لم يتقدم عليها فسخ (في المستقبل): فله أو لغيره أن يزوجها لمن فسخ نكاحه ويحكم بصحته إذا تغير اجتهاده.
(ولا يستند) الحاكم في حكمه (لعلمه): بل لا بد من بينة أو إقرار (إلا في العدالة): كشاهد علم القاضي بعدالته فيستند لعلمه (والجرح) بفتح الجيم: فيستند لعلمه (كالشهرة بذلك) أي بالعدالة والجرح فيستند لها، إلا أن يعلم القاضي منه خلاف ما اشتهر. شهد المزني عند القاضي بكار فقال له: من أنت؟ فقال المزني: صاحب الشافعي. فقال القاضي: الاسم اسم عدل، ومن يشهد أنك المزني؟ فقال الحاضرون: هو المزني، فحكم بشهادته. فقال المزني: سترني القاضي ستره الله تعالى. (أو إقرار الخصم) المشهود عليه (بالعدالة) لمن شهد عليه فيحكم بها، ولو علم القاضي خلاف ذلك، لأن إقرار الخصم بعدالة الشاهد كالإقرار بالحق.
ــ
ليس بحكم انتهى، فمفهوم قوله "من غير قصد إلى فسخ هذا النكاح" إن قصد الفسخ بهذا اللفظ يعد حكماً.
قوله: [وقاله ابن عرفة] إلخ: هذا فيه إجمال لأنه يحتمل أنه موافق للمفصل أو للمطلق، فعلى طريقة المفصل يقال فيه إن تقدمه دعوى فحكم قطعاً ولا يجوز نقضه وإن لم يتقدمه دعوى فجواز نقضه ظاهر لأنه فتوى.
تنبيه: قول القاضي ثبت عندي صحة البيع أو فساده أو ملك فلان بسلعة كذا ونحو ذلك لا يعد حكماً كما في التوضيح خلافاً لبعض القرويين وقد ألف المازري جزءاً في الرد عليه قال ابن عرفة والحق أنه مختلف فيه على قولين كذا في (بن).
قوله: [فالاجتهاد منه]: أي مثل واقعة عمر في الحمارية.
قوله: [من راجح قول مقلده]: أي ما لم يكن من أهل الترجيح وظهر له أرجحية غير ما حكم به أولاً فيحكم ثانياً بغير ما حكم به أولاً.
قوله: [ثم تجدد مثلها]: أي ولو في عين تلك المرأة كما يأتي في الشارح.
قوله: [ثم زوجت نفسها]: أي جددت عقداً آخر.
قوله: [وكأن حكم]: قدر الواو لأجل المثال الذي قدمه في قوله "كما لو حكم مالكي" إلخ فمزجه مع المتن وجعل مثاله معطوفاً عليه وإلا فالمصنف في حد ذاته غير محتاج لتقدير الواو، وهذه الأمثلة للمتجدد المعرض للاجتهاد.
قوله: [وإن كان يرى] إلخ: أي لكن لم يقصد بعد بالحكم عند الفسخ التأييد وإلا فليس لغيره حكم بالتحليل في المستقبل.
قوله: [فلو تزوج ببنت من أرضعته كبيراً]: لا مفهوم بالتزوج ببنتها بل كذلك التزوج بها لأن من يرى التحريم في التزوج ببنتها يقول: إنها أخته وفي التزوج بها يقول: إنها أمه.
قوله: [في المسألتين]: هكذا قال الشارح تبعاً لأصوله قال ابن عرفة: هذا هو صواب في مسألة العدة لا في مسألة رضاع الكبير فإن الحكم بالفسخ في رضاع الكبير يمنع من تجدد الاجتهاد فيها؛ لأن مستنده فيها أن رضع الكبير يحرم ومن المعلوم أن ثبوت التحريم لا يكون إلا مؤبداً. بخلاف فسخ النكاح في العدة فإن مستنده تحريم النكاح فيها، وقد وقع الخلاف في كونه مؤبداً أو لا انتهى.
قوله: [ولا يستند الحاكم في حكمه لعلمه]: أي ولو مجتهداً ولو كان من أهل الكشف، ومن الضلال البين الاعتماد في التهم على ضرب المندل ونحوه.
قوله: [إلا أن يعلم القاضي منه خلاف ما اشتهر] إلخ: حاصل التحرير في هذه المسألة أن القاضي إذا علم عدالة شاهد تبع علمه ولا يحتاج لطلب تزكية ما لم يجرحه أحد وإلا فلا يعتمد على علمه لأن غيره علم ما لم يعلمه وإذا علم جرحة شاهد فلا يقبله ولو عدله غيره ولو كان المعدل له كل الناس لأنه علم
стр. 875
(وقريب الغيبة): كاليومين والثلاثة مع الأمن حكمه (كالحاضر) في سماع الدعوى عليه والبينة، ثم يرسل إليه بالأعذار فيها وأنه إما أن يقدم أو يوكل وكيلاً عنه في الدعوى. فإن لم يقدم ولا وكل عنه وكيلاً حكم عليه في كل شيء وبيع عقاره في الدين ويعجزه إلا في دم وعتق ونسب وطلاق وحبس على ما تقدم (و) الغائب (البعيد جداً) كإفريقية من المدينة (يقضى عليه) في كل شيء بعد سماع البينة وتزكيتها (بيمين القضاء) من المدعي: أن حقه هذا ثابت على المدعى عليه، وأنه ما أبرأه به ولا وكل الغائب من يقضيه عنه ولا أحاله به على أحد في الكل ولا البعض.
ويمين القضاء واجبة لا يتم الحكم إلا بها على المذهب (كالميت يدعى عليه بشيء) فلا بد من يمين القضاء بعد البينة بالدين. (واليتيم) يدعى عليه بشيء تحت يده، فلا بد من يمين القضاء من المدعي بعد إقامة البينة عليه أنه ملكه وأنه ما تصدق به عليه ولا وهبه ولا حبسه عليه. (أو الفقراء) كذلك.
ثم أشار للغيبة المتوسطة بقوله:
(والعشرة) الأيام مع الأمن (واليومان [١] مع الخوف كذلك): أي يقضى عليه فيها مع يمين القضاء (في غير استحقاق العقار) من دين أو غيره. وأما في دعوى استحقاق عقار فلا يقضى به بل تؤخر الدعوى حتى يقدم لقوة المشاحة في العقار، بخلاف بعيد الغيبة جداً فإن في الصبر لقدومه شدة ضرر على المدعي. (وسمى) القاضي (له): أي للغائب البعيد أو المتوسط (الشهود إذا قدم) من غيبته. وكذا من عدّ لهم إن احتاجوا للتعديل. (وإلا) يسم له الشهود ولم يحلف المدعي يمين القضاء (نقص) حكمه. قال بعضهم: ما لم يشتهر القاضي بالعدالة وإلا فلا ينقض. واعلم أن متوسط الغيبة كبعيدها حتى في بيع [٢] عقاره لدين أو نفقة إلا في دعوى استحقاق العقار فيفترقان. ولما ذكر الحكم على الغائب ذكر الحكم بالغائب بقوله:
ــ
ما لم يعلمه غيره اللهم إلا أن يطول ما بين علمه بجرحته وبين الشهادة بتعديله وإلا قدم المعدل له على ما يعلمه القاضي، هذا هو الصواب كما في (بن).
قوله: [وقريب الغيبة] إلخ: اعلم أن محل كون القاضي يحكم على الغائب إذا كان غائباً عن محل ولايته إن كان متوطناً بولايته أو له بها مال أو وكيل أو حميل وإلا لم يكن له سماع الدعوى عليه ولا حكم كما في (عب).
قوله: [والثلاثة]: أي وما قاربها.
قوله: [ويعجزه]: أي يحكم عليه بعدم قبول حجته إذا قدم كما في المواق والتوضيح، وأما قول الخرشي إنه باق على حجته إذا قدم فهو سهو منه كما في (بن).
قوله: [إلا في الدم]: هذا الاستثناء مشكل مع ما تقدم من أن هذه المستثنيات في تعجيز الطالب لا المطلوب كما تقدم له في قوله فهذه المستثنيات إنما هي مفروضة في كلام الأئمة في الطالب، وأما المطلوب فيعجزه فيها وفي غيرها كذا ذكره بعضهم.
قوله: [ويمين القضاء واجبة]: أي سواء كانت بينة المدعي تشهد بدين له في ذمة الغائب من بيع أو قرض أو تشهد بأن الغائب أقر أن عنده لفلان كذا لأنه قد يقضيه بعد إقراره أو يبرئه أو يحيل شخصاً عليه، هذا هو الحق كما في (بن) خلافاً لـ (عب) حيث قال بعدم الاحتياج ليمين القصاء في الصورة الثانية.
قوله: [المذهب]: ومقابله أنها استظهار أي مقوية للحكم فلا ينقض الحكم بدونها على هذا.
قوله: [كالميت يدعى عليه بشيء]: أي كما إذا ادعى شخص على من مات أن له عنده كذا من بيع أو قرض ولم يقر ورثته به فلا يحكم القاضي لذلك الشخص المدعي بهذا الدين إلا إذا حلف يمين القضاء بعد إقامة البينة فإن أقر ورثته الكبار قبل رفع المدعي للحاكم فلا يتوجه عليه يمين وأما إن أقروا بعد الرفع ورضوا بعدم حلفه فهل كذلك لا تتوجه اليمين أو لا؟ قولان لبعض الشيوخ أفاده محشي الأصل.
قوله: [واليتيم]: مثله الصغير والسفيه.
قوله: [أنه ملكه]: أي باق على ملكه إلى الآن.
قوله: [أو الفقراء كذلك]: أي فإذا ادعى عليهم أن ما حبسه فلان عليهم لم يجز عنه حتى مات فلا بد من يمين القضاء بعد شهادة البينة، ومثل ذلك الدعوى على بيت المال كما إذا ادعى إنسان أنه معدم ليأخذ حقه من بيت المال أو أنه ابن فلان الذي مات ووضع ماله في بيت المال لظن أنه لا وارث له فلا بد من يمين القضاء مع البينة.
قوله: [والعشرة الأيام مع الأمن]: أي وما قاربها، فما قارب كلاً من الغيبات الثلاث يعطى حكمه، فالأربعة أيام تلحق بالقريبة والثمانية والتسعة تلحق بالمتوسطة، والخمسة والستة تلحق بالأحوط أفاده في الحاشية.
قوله: [لقوة المشاحة في العقار]: أي تشاحح النفوس بسببه وحصول الضغائن والحقد والنزاع عند أخذه فتؤخر الدعوى ليكون حضوره أقطع للنزاع.
قوله: [نقض حكمه]: هذا يفيد أن تسمية الشهود شرط لصحة الحكم على الغائب وهو أحد قولين وقيل: تسمية الشهود مستحبة.
قوله: [قال بعضهم]: أي كما يفيده كلام الجزيري وابن فرحون كما في (بن).
стр. 876
(وحكم) الحاكم (بغائب): أي بشيء غائب عن بلد الحكم ولو كان في غير محل ولايته (يتميز) نعت لـ "غائب" أي: إذا كان الغائب يتميز (بالصفة) من حيوان؛ كعبد وغيره كثوب (ولو عقاراً) من سائر المقومات. ولا يطلب حضوره، فلو كان لا يتميز بالصفة كقطن وحرير، فإن شهدت البينة بقيمته -سواء كان من المقومات أو المثليات- حكم به أيضاً، وإلا فلا. وإنما اعتبرت القيمة في المثلي للجهل بصفته. واحترز بالغائب من الحاضر في البلد، فلا بد من إحضاره مجلس الحكم بتميزه بالصفة أم لا، إلا أن يعسر إحضاره فلا بد من بينة الحيازة. وإذا كان له الحكم بالغائب -ولو عقاراً- (فالدعوى حيث المدعى عليه على الأرجح) فلا عبرة بقوله: حتى تحضر محل المدعى به، فللطالب إقامة الدعوى على خصمه حيث وجده.
وقيل: محل الدعوى حيث المدعى به فيجاب المدعى عليه إذا طلب الدعوى فيه. والخلاف في العقار وغيره من المعينات. وأما الدين فحيث المدعى عليه اتفاقاً. والخلاف فيما إذا كان المدعى عليه متوطناً بغير ولاية القاضي فدخل بلد القاضي فتعلق به خصمه. وأما قاضي بلده فيحكم عليه وهو غائب إذا كان الغيبة بعيدة جداً ولو في استحقاق العقار أو متوسطة في غير استحقاق العقار، والقريب كالحاضر وقد تقدم الكلام على ذلك. وأما متوطن ببلد القاضي ادعى عليه بغائب فهو داخل تحت قولنا: "وحكم بغائب يتميز بالصفة" (ومكن مدع لغائب بلا توكيل) له من الغائب بل حسبة لله (إن خيف ضياع المال) أي مال الغائب، بأن كان من له المال غائباً فخاف حاضر أن يضيع ماله فرفع الحاضر الأمر للقاضي وادعى عن الغائب حسبة لحفظ مال الغائب فيمكن من الدعوى عند ابن القاسم. وقال ابن الماجشون: لا يمكن. (ولا حكم له): أي للقاضي (بغير ولايته): بل هو كآحاد الناس والله أعلم.
(باب)
في الشهادة وما يتعلق بها من الأحكام
وتطلق لغة على الإعلام وعلى الحضور، نحو: شهد زيد مجلس القوم. وعلى العلم نحو: "شهد الله أنه لا إله إلا هو"
ــ
قوله: [حكم الحاكم بغائب] إلخ: حاصله أن المدعى به إذا كان غائباً عن بلد الحكم وهو مما يتميز بالصفة في غيبته كالعقار والعبيد والدواب والثياب فإنه لا يتوقف الحكم على حضوره، بل تميزه البينة بالصفة ويصير حكمه حكم الدين على المشهور، فإذا ادعى زيد على عمرو وهما برشيد مثلاً أن له عنده كتاباً مثلاً بالجامع الأزهر وشهدت البينة أن الكتاب الفلاني الذي صفته كذا ملك لذلك المدعي، فإن القاضي يحكم له به كما يحكم بالدين المتميز بالصفة، وإن كان تمييزه نوعياً لا شخصياً كما إذا شهدت البينة أن له عنده في ذمته من المحابيب أو الريالات كذا أو أن له عنده إردب قمح سمراء أو محمولة قدرها كذا فإنه يحكم له بذلك.
قوله: [حكم به أيضاً]: أي بما ذكر من القيمة لا بالمقوم كما هو ظاهره، ولو قال حكم بها أيضاً كان أولى.
قوله: [فلا بد من إحضاره مجلس الحكم]: هكذا قال الشارح تبعاً للخرشي قال في الحاشية: ليس بشرط، والمناسب أن لو قال فلا بد من الشهادة على عينه كما أفاده بعض من حقق.
قوله: [فلا بد من بينة الحيازة]: انظر ما معنى هذه العبارة.
قوله: [على الأرجح]: أي وبه العمل وهو قول مطرف وأصبغ وسحنون.
قوله: [من المعينات]: أي ولو مثليات.
قوله: [حسبة]: بكسر الحاء وسكون السين على وزن قربة.
قوله: [فيمكن من الدعوى عند ابن القاسم] إلخ: محل القولين إذا كان من يريد الدعوى لا حق له في ذلك المال ولا ضمان عليه فيه، أما ما له فيه حق كزوجة الغائب وأقاربه الذين تلزمه نفقتهم فيمكنون من الدعوى اتفاقاً، وكذلك إذا كان عليه فيه ضمان كمستعير لما يغاب عليه ومرتهن كذلك وحميل مدين أراد فراراً أو سفراً بعيداً فإنه يمكن من الدعوى اتفاقاً.
قوله: [بل هو كآحاد الناس]: أي فقاضي رشيد لا حكم له بصوم مثلاً في إسكندرية كان في محل ولايته أو نازلاً بها، فلو أرادت امرأة التزوج وليس لها ولي إلا القاضي فلا يزوجها إلا القاضي الذي هو بمحل ولايته؛ مثلاً لو كانت امرأة بإسكندرية لا ولي لها إلا القاضي فلا يزوجها قاضي رشيد وإنما يزوجها قاضي إسكندرية، وإن كان قاضي رشيد نازلاً بإسكندرية بل هو كعامة المسلمين وكل هذا ما لم ترتحل المرأة لمحل ولايته وتريد التزوج بها وإلا فالحق له، وقس على هذا. واعلم أن محل ولاية قاضي القاهرة جميع البلاد التي لم يكن لها قاض مستقل من السلطان فجميع البلاد التي تأخذ قضاتها النيابة منه يقال لها: محل ولايته.
تتمة: يجلب القاضي الخصم بخاتم أو رسول أو ورقة أو أمارة إن كان على مسافة القصر فأقل بمجرد الدعوى عليه، فإن كان على أكثر من مسافة القصر والحال أنه بمحل ولايته وأراد جلبه فلا يلزمه الحضور لدعوى المدعي إلا بشاهد يشهد بالحق فيجلبه ولكن لا يجبره على ذلك وإنما يكتب له إما أن تحضر أو توكل أو ترضي خصمك فإن لم تفعل قضينا عليك.
باب في الشهادة
أي في شروطها وقوله: [وما يتعلق بها من الأحكام]: أي المسائل قوله: [وتطلق لغة على الإعلام وعلى الحضور]: قال في التنبيهات: الشهادة معناها البيان وبه سمي الشاهد أي لأنه يبين الحكم والحق من
стр. 877
وهي عرفاً: إخبار عدل حاكماً بما علم ولو بأمر عام ليحكم بمقتضاه، فقد لا تتوقف على تقدم دعوى؛ كإعلام العدول برؤيتهم الشهر فيحكم بثبوتها. ويترتب على حكمه أمور، كوجوب الصيام والوقوف بعرفة وتمام عدة أو كفارة أو تمام أجل لدين ونحو ذلك: وقولهم: حكم الحاكم يتوقف على دعوى صحيحة، مرادهم في المعاملات والخصومات؛ كالدين والقذف والقتل والعتق والنسب، وقد لا يتوقف؛ كرؤية الهلال وشرب الخمر والزنا، فإن البينة تكفي في ذلك وإن لم تتقدم دعوى من غيرها.
وأشار بشرط الشهادة بقوله: (شرط) صحة (الشهادة) عند الحاكم (العدالة) وهي الاتصاف بما يأتي ذكره (والعدل) هنا (الحر) ولو أنثى في بعض الأمور؛ كالمال والولادة فلا تصح شهادة رقيق ولو ذكراً. (المسلم) فلا تصح شهادة كافر ولو لكافر على كافر. (البالغ): فلا تصح من صبي إلا إذا شهد الصبيان بعضهم على بعض في القتل بشروط تأتي. (العاقل) فلا تصح من معتوه ومجنون لعدم ضبطه.
(بلا فسق) بجارحة؛ فلا تصح من الزاني والشارب والسارق ونحوهم وكذا مجهول الحال. (و) بلا (حجر) عليه لسفه فلا تصح من سفيه محجور عليه. (و) بلا (بدعة) ولو تأول (كقدري) وخارجي.
ــ
الباطل، وهو أحد معان تثنيته شاهدان وإليه أشار بعضهم في معنى قوله تعالى: ﴿شهد الله أنه لا إله إلا هو﴾ [آل عمران: ١٨] أي بين، وقيل هي فيها بمعنى العلم انتهى قوله: [وهي عرفا إخبار عدل إلخ]: تعرض لتعريفها اصطلاحاً للرد على ابن عبد السلام القائل لا حاجة لتعريف حقيقتها لأنها معلومة، ورده ابن عرفة بقول القرافي أقمت ثمان سنين أطلب الفرق بينها وبين الرواية وأسأل الفضلاء عنه بتحقيق ماهية كل منهما فيقولون: الشهادة يشترط فيها التعدد والذكورة والحرية فأقول لهم اشتراط ذلك فرع تصورها حتى طالعت شرح البراهين للمازري فوجدته حقق المسألة فقال: هما خبران غير أن المخبر عنه إن كان عاماً لا يختص بمعين فالرواية كخبر: " إنما الأعمال بالنيات "، و: " الشفعة فيما ينقسم " بخلاف قول العدول عند الحاكم لهذا على هذا كذا إلزام لمعين لا يتعداه فالشهادة، ابن عرفة: حاصل ما قرره المازري أن الشهادة هي الخبر المتعلق بجزئي والرواية المتعلق بكلي وهو مردود بأن الرواية قد تتعلق بجزئي كخبر: «يخرب الكعبة ذو السويقتين من الحبشة» وخبر تميم الداري في السفينة التي لعب بهم الموج فيها وذكر قصة الدجال إلى غيرها من أحاديث متعلقة بجزئي وكآية: ﴿تبت يدا أبي لهب﴾ [المسد: ١] ونحوها كثير انتهى.
إذا علمت ذلك فالحق في الفرق ما قاله (بن) وهو أن الخبر إما أن يقصد أن يرتب عليه فصل قضاء وإبرام حكم أم لا، فإن قصد به ذلك فهو الشهادة وإن لم يقصد به ذلك فإما أن يقصد به تعريف دليل حكم شرعي يشرعه أو لا فإن قصد به ذلك فهو الرواية وإلا فهو سائر أنواع الخبر انتهى وتعريف شارحنا يفيد ذلك. وقوله: "إخبار عدل" من إضافة المصدر لفاعله و "حاكماً" مفعوله وقوله: [بما علم]: أي إخبار ناشئ عن علم لا عن ظن أو شك. وهل يشترط في تأدية الشهادة لفظ أشهد بخصوصه أو لا يشترط؟ قولان: أظهرهما عدم الاشتراط بل المدار فيها على ما يدل على حصول علم الشاهد بما شهد به كرأيت كذا أو سمعت كذا أو لهذا عند هذا كذا فلا يشترط لأدائها صيغة معينة قوله: [حاكماً]: أي أو محكماً قوله: [ولو بأمر عام]: رد بالمبالغة على المازري ومن وافقه حيث خصوها بالجزئي. قوله: [كإعلام العدول برؤيتهم الشهر]: مثال للأمر العام. قوله: [يتوقف على دعوى]: أي على تقدم دعوى. قوله: [مرادهم في المعاملات إلخ]: أي من كل أمر لم يتمحض الحق فيه لله، وأما الأمور التي تمحض الحق فيها لله فلا تتوقف الشهادة فيها على تقدم دعوى، كما أفاده بعد، لأن الشهادة فيها حسبة فعليه أن يشهد وإن لم يستشهد.
قوله: [من غيرها]: أي من غير تلك البينة.
قوله: [بما يأتي ذكره]: أي وهي التي شرع فيها بقوله: "والعدل الحر" إلخ، ولو قال: وهي الاتصاف بما ذكره بقوله إلخ لكان أظهر.
قوله: [هنا]: يحترز به عن العدالة عند المحدثين فإنه لا يشترط فيها الحرية.
وقوله: [الحر]: أي ولو عتيقاً لكن إن شهد لمعتقه فله شرط آخر وهو التبريز.
قوله: [في بعض الأمور]: راجع للمبالغ عليه أي فالأنثى تعد من العدول وتقبل شهادتها في بعض الأمور التي مثل لها.
قوله: [والولادة]: أي ونحوها من كل ما لا يظهر للرجال.
قوله: [فلا تصح شهادة رقيق]: أي من فيه شائبة رق ولو قلت.
قوله: [ولو لكافر على كافر]: أي خلافاً لأبي حنيفة والشافعي حيث، قالا: يجوز شهادة الكافر على مثله.
قوله: [بشروط تأتي]: أي في قوله "وجاز شهادة الصبيان بعضهم على بعض في جرح وقتل فقط" إلخ.
قوله: [العاقل]: أي حال التحمل والأداء معاً. بخلاف الحرية والإسلام والبلوغ فتشترط حال الأداء لا حال التحمل.
قوله: [وكذا مجهول الحال]: إنما خرج مجهول الحال بقوله "بلا فسق"، لأن الأصل في الناس الجرحة فيستصحب الأصل إلا لدليل يثبت الضد.
قوله: [فلا تصح من سفيه محجور عليه]: أي لأنه مخدوع. ومفهوم قوله: "محجور عليه" أن شهادة السفيه الغير المحجور عليه صحيحة.
قوله: [كقدري وخارجي]: القدري هو القائل بأن الأسباب تؤثر بقوة أودعها الله فيها وهو عاص وفي كفره قولان
стр. 878
(ذو المروءة) وهي: كمال النفس بصونها عما يوجب ذمها عرفاً ولو مباحاً في ظاهر الحال، كأكل بسوق لغير أهله، ولذا قال: (بترك) أي بسبب ترك شيء (غير لائق من لعب بكحمام) بتخفيف الميم: هو الطير المعروف، وأدخلت الكاف غيره من الحيوان الذي يلعب به طيراً أو غيره: كالعصافير وتيوس الغنم. (وشطرنج) والشطرنج بالشين المعجمة وبالمهملة مكسورة ومفتوحة وقيل الفتح من لحن العوام وسيجة وطاب ونرد ومنقلة بلا قمار، وإلا فهو من الكبائر لأنه من أكل أموال الناس بالباطل، وهو داخل في الفسق. (و) بترك (سماع غناء) متكرر إذا لم يكن بقبيح القول أو بآلة، وإلا حرم، ولو في عرس وكان من الفسق.
(و) بترك (سفاهة) من القول، كالهزل الخارج عن عرف أهل الكمال من المجون والدعابة. (و) بترك (صغيرة خسة): كتطفيف بحبة وسرقة لقمة ونحوها، إذ فاعل ذلك لا مروءة عنده، ومما يخل بها: الرقص والصفق بالأكف بلا موجب يقتضيه، وكذا سائر اللعب. إلا ما استثناه الشارع كالمسابقة، واللعب مع الزوجة والطفل الصغير إذا لم يكثر، والكلام في اللعب بما ذكر، إنما هو إذا أدمن ذلك. قال الأبهري في الفرق بين الإدمان وعدمه: إن الإنسان لا يسلم من يسير اللهو فالعدل المذكور تقبل شهادته. (وإن) كان (أعمى في القول) وقال أبو حنيفة والشافعي: لا تقبل فيه. ومثل القول غيره مما عدا المبصرات، كالمشمومات والملموسات. وإنما بالغ على القول لأنه محل الخلاف
ــ
والمعتمد عدمه، والخارجي هو الذي يكفر بالذنب ولا فرق بين كونه متعمداً للبدعة أو متأولاً لأنه لا يعذر بالتأويل وهو فاسق، وفي كفره قولان أيضاً والمعتمد عدمه.
قوله: [ذو المروءة]: هو بضم الميم وفتحها مع الهمزة وبغيرها مع تشديد الواو. ففيها أربع لغات وإنما اشترطت المروءة في العدالة لأن من تخلق بما لا يليق وإن لم يكن حراماً جره ذلك لعدم المحافظة على دينه واتباع الشهوات. واعلم أنه إذا تعذر وجود العدل الموصوف بتلك الأوصاف كما في زماننا هذا اكتفي بالحر المسلم البالغ العاقل المستور الحال الذي لا يعرف عليه فسق، وقيل: يؤمر بزيادة العدد.
قوله: [لغير أهله]: الضمير عائد على السوق أي فأهل السوق الجالسون فيه لا يخل بمروءتهم الأكل فيه للضرورة.
قوله: [من لعب بكحمام]: أي وإن لم يكن محرماً كاللعب به على وجه المسابقة لأنه يخل بالمروءة وقد روى أبو داود بسنده عن أبي هريرة: أن رسول الله ﷺ «رأى رجلا يتبع حمامة فقال: شيطان يتبع شيطانة».
قوله: [وتيوس الغنم]: أي لأنه ورد في الحديث النهي عن التحريش بين البهائم كتسليط الكباش بعضها على بعض ونحو ذلك.
قوله: [وشطرنج]: في (بن) قال ابن غازي قال أبو عبد الله بن هشام اللخمي في لحن العامة يقولون شطرنج بفتح الشين، وحكى ابن جني أن الصواب كسرها على بناء جردحل وذكر قبل ذلك أنه يقال بالشين وبالسين لأنه إما مشتق من المشاطرة أو التسطير انتهى. وفي المجموع نقلا عن (ح) أنه معرب ششرنك ومعناه ستة ألوان: الشاة والفرز والفيل والفرس والرخ والبيدق، فعلى هذا لا يقال مشتق من المشاطرة بالمعجمة ولا من التسطير بالإهمال على ما في (بن) انتهى، والمذهب أن لعبه حرام وقيل مكروه، وفي (ح) قول بجواز لعبه في الخلوة مع نظيره لا مع الأوباش، وعلى كل من القول بالحرمة والكراهة ترد الشهادة بلعبه لكن عند الإدامة لقول ابن رشد لا خلاف بين مالك وأصحابه أن الإدمان على اللعب بها جرحة وإنما اشترط الإدمان في الشطرنج دون ما عداه من النرد والطاب والمنقلة لاختلاف الناس في إباحته. بخلاف غيره فجرحة مطلقاً.
قوله: [بلا قمار]: أي بلا أخذ مال في لعبه.
قوله: [أو بآلة]: أي كعود وقانون.
قوله: [وإلا حرم]: أي بأن تخلف شرط من هذين الشرطين كان حراماً ولو في الأعراس، وهل ترد به الشهادة ولو فعله مرة في السنة؟ وهو ما للتتائي أو لا بد من التكرر في السنة وهو ما يفيده المواق وتقدم هذا المبحث في الوليمة مستوفى.
قوله: [كالهزل الخارج عن عرف أهل الكمال]: أي كما إذا كان يضحك القوم بالأكاذيب لما في الحديث: «ويل للذي يحدث فيكذب ليضحك به القوم ويل له ويل له».
قوله: [من المجون والدعابة]: بيان لمعنى الهزل فمن ذلك النطق بألفاظ الخنا في المجالس.
قوله: [كتطفيف بحبة]: ظاهره أنها صغيرة مطلقاً ولو كان المسروق منه فقيراً وقيد بعضهم ذلك بأن لم يكن المسروق منه فقيراً وإلا كان كبيرة.
قوله: [فالعدل المذكور]: دخول على كلام المصنف.
قوله: [في القول]: أي تقبل شهادته في الأقوال مطلقاً سواء تحملها قبل العمى أم لا لضبطه الأقوال بسمعه.
قوله: [وقال أبو حنيفة والشافعي] إلخ: لكن عند الحنفية لا تقبل مطلقاً ولو تحملها قبل العمى وعند الشافعي ما لم يتحملها قبل العمى وإلا قبلت.
قوله: [مما عدا المبصرات]: أي الأمور التي تتوقف على البصر كالأفعال والألوان فلا تجوز شهادته فيها مطلقاً علمها قبل العمى أم لا، وفي الإرشاد تجوز شهادته على الفعل إن علمه قبل العمى أو بحبس كما في الزنا
стр. 879
وغيرها محل اتفاق. وكذا قوله: (أو) كان (أصم في الفعل): كالضرب والأكل والأخذ والإعطاء واحترز بذلك عن المسموعات لا عن المشمومات والملموسات والمطعومات فإنها اتفاق. وأما الأعمى الأصم فلا تجوز شهادته في شيء ولا معاملته كالمجنون، وإنما يولى عليهما من يتولى أمرهما بالمصلحة.
(وشرطه): أي العدل؛ أي شرط قبول شهادته (أن يكون فطناً) لا مغفلاً (جازماً) في شهادته (بما أدى) لا شاكاً أو ظاناً (غير متهم فيها) أي في شهادته (بوجه) من الوجوه الآتية؛ إذا علمت ذلك (فلا شهادة) تقبل (لمغفل) تلتبس عليه الأمور العادية (إلا فيما لا يلبس) بفتح التحتية وكسر الباء الموحدة، وماضيه بفتحها: أي يختلط ومنه قوله تعالى: ﴿وللبسنا عليهم ما يلبسون﴾ [الأنعام: ٩]. وأما لبس الثوب فبالعكس. إلا في الأمور الواضحة التي لا لبس فيها، فإنها تقبل شهادته. (ولا) شهادة (لمتأكد القرب) لاتهامه بجر النفع لقريبه (كوالد) لولده (وإن علا): (كالجد وأبيه وولد) لوالده (وإن سفل) كابن الابن أو البنت (وزوجهما): أي الوالد والولد، فلا يشهد الوالد لزوجة ابنه، ولا لزوج بنته، ولا الولد لزوجة أبيه وزوج أمه؛ فأولى أن لا يشهد لزوجته. (بخلاف) شهادة (أخ) لأخيه (أو مولى) لعتيقه (و) صديق (ملاطف) فتجوز (إن برز) الشاهد منهم في العدالة، بأن فاق أقرانه فيها واشتهر بها. (ولم يكن) الشاهد (في عياله): أي عيال المشهود له، وإلا لم يجز ولو برز.
(كأجير) فتجوز شهادته لمن استأجره إن برز ولم يكن في عياله. (وشريك) تجوز شهادته لشريكه (في غيرها): أي في غير مال الشركة إن برز، ولم يكن في عياله، لا في مال الشركة ولو برز. وقيدها المصنف تبعاً للمدونة بشركة المفاوضة، فظاهره أن شركة العنان لا يشترط فيها التبريز. وقال بعضهم: الشركة مطلقاً يشترط فيها التبريز فلذا أطلقنا. (وزائد) في شهادته على ما شهد به بأن شهد أولاً بعشرة ثم قال: بل هو أحد عشر فتقبل إن برز (ومنقص) عنها بعد أن أداها فتقبل إن برز. وأما لو شهد ابتداء بأزيد مما ادعاه المدعي أو بأنقص فتقبل مطلقاً ولو لم يبرز،
ــ
واقتصر على هذا في المجموع.
قوله: [وغيرها]: المناسب غيره لأن الضمير عائد على القول أي محل الخلاف بين مالك وغيره الأقوال، وأما الملموسات والمطعومات والمشمومات فهي محل اتفاق بين مالك وغيره في القبول.
قوله: [أو كان أصم في الفعل]: أي وهو بصير لأن الأصم البصير يضبط الأفعال ببصره دون الأقوال لتوقف ضبطها على السمع وهو معدوم فلا تقبل شهادته في الأقوال ما لم يكن سمعها قبل الصمم وإلا جازت، قال ابن شعبان: وتجوز شهادة الأخرس ويؤديها بإشارة مفهمة أو كتابة.
قوله: [فإنها اتفاق]: أي بين مالك وغيره كما تقدم التنبيه عليه قبل.
قوله: [وإنما يولي عليهما]: هكذا بالتثنية في نسخة المؤلف، والضمير عائد على الأعمى الأصم والمجنون، والمناسب أن يقول بعد ذلك أمرهما أو يفرد الضمير في عليه ويكون عائداً على الأعمى الأصم فقط، والمجنون تقدم حكمه في باب الحجر قال (بن): قال (عب) في الأعمى الأصم: لا يتزوج إلخ يعني والله أعلم لا يلي ذلك بنفسه وإلا فيجوز أن يأتي عليه من ينظر له بالأصلح له، كما يقيم الحاكم على المجنون والسفيه من ينظر لهما انتهى. وقد أفاد هذا شارحنا بالتشبيه.
قوله: [لمغفل]: هو من لا يستعمل القوة المنبهة مع وجودها فيه، وأما البليد فهو خال منها بالمرة فمراده بالمغفل ما يشمله بالأولى.
قوله: [وماضيه بفتحها]: أي فهو من باب ضرب.
قوله: [فبالعكس]: أي فهو من باب علم وتعب.
قوله: [أي إلا في الأمور الواضحة]: هذا إيضاح لقول المتن إلا فيما لا يلبس.
قوله: [وصديق ملاطف]: قال (ح): الملاطف هو المختص بالرجل الذي يلاطف كل واحد منهما صاحبه، ومعنى اللطف الإحسان والبر والتكرمة قال في التنبيهات وقال ابن فرحون: الملاطف هو الذي قيل فيه:
إن أخاك الحق من كان معك ... ومن يضر نفسه لينفعك
ومن إذا ريب الزمان صدعك ... شتت فيك نفسه ليجمعك
وهذا الذي قاله بعيد قل أن يوجد أحد بهذه الصفات فالأولى تفسيره بما في التنبيهات انتهى (بن).
قوله: [إن برز]: في (بن) الصواب أن برز بفتح الباء وتشديد الراء فعل لازم مبني للفاعل واسم الفاعل منه مبرز بكسر الراء المشددة أي ظاهر العدالة، وفي القاموس برز ككرم، وبرز تبريزاً: فاق أصحابه فضلاً وشجاعة، وبرز الفرس على الخيل سبقها انتهى. فقد علمت أنه يستعمل مشدداً ومخففاً على وزن فعل المضموم العين وليست هناك لغة بفتح الفاء والعين مع التخفيف.
قوله: [ولم يكن الشاهد في عياله]: بقي شرط وهو أن تكون الشهادة بغير جرح عمد فيه قصاص وإلا فلا تقبل على المشهور؛ لأن الحمية تأخذ في القصاص وإنما يشهد في الأموال أو في الجراح التي فيها مال كما في الخرشي
قوله: [وقال بعضهم: الشركة مطلقاً]: إلخ: مراده به الأجهوري ورده (بن) تبعاً لربما حاصله أن الأقسام ثلاثة: مردودة مطلقاً مبرزاً أو غير مبرز في شهادة الشريك لشريكه فيما فيه الشركة كان معيناً أو غيره
стр. 880
وإن كان المدعي لا يقضى له بالزائد لعدم ادعائه له. (وذاكر) لما شهد به (بعد شك) بأن قال أولاً: لا أدري أو لا علم عندي، ثم قال: تذكرت، فتقبل إن برز (أو) تذكر بعد (نسيان) فتقبل إن برز. وأما الزائد أو المنقص المتقدم فجزم بما شهد ثم تذكر فزاد أو نقص (وبخلافهما): أي الشهادة من ولد (لأحد أبويه) على الآخر فتقبل. (أو) من والد لأحد (ولديه) على الآخر فتقبل لعدم التهمة (إن لم يظهر ميل) من الولد أو الوالد لمن شهد له، فإن ظهر ميل لمن شهد له لم تقبل شهادته (ولا) شهادة (لعدو على عدوه في) أمر (دنيوي) متعلق بعدو أي عداوة دنيوية ولو كانت من مسلم على كافر، احترازاً من الأخروية؛ كشهادة مسلم على كافر ليس بينهما عداوة دنيوية فتجوز. (أو) شهادة عدو لرجل (على ابنه): أي ابن العدو فلا تقبل.
(ولا) شهادة لشاهد (إن حرص بشهادته): أي إن كان فيها حرص (على إزالة نقص): يعني إن اتهم على الحرص لقبول شهادته عند إزالة نقص (فيما رد فيه) أولاً، بأن أدى سابقاً شهادة فردت (لفسق، أو صبا، أو رق) فلما زال المانع - بأن تاب الفاسق أو بلغ الصبي أو عتق الرقيق - أداها، فلا تقبل لاتهامه على الحرص على قبولها عند زوال المانع، لأن الطبع قد جبل على دفع المعرة التي حصلت بالرد أولاً. ولذا لو لم يحكم بردها حتى زال المانع فأداها، قبلت لعدم الحرص، وكذا إن ردت لمانع فأدى عند زواله شهادة بحق آخر فإنه يقبل. (أو) حرص (على التأسي): أي مشاركة غيره في المعرة القائمة به ليهون عليه مصيبتها؛ لأن المصيبة إذا عمت هانت، وإذا خصت هالت (كشهادة ولد الزنا فيه): أي في الزنا أو شهادة (من حد) لسكر أو قذف أو زنا (فيما): أي في مثل ما (حد فيه) بخصوصه، فلا تقبل للتأسي. ومثل الحد: التعزير، فلا يشهد في مثل ما عزر فيه، وأما في غيره فتصح. (أو حرص على القبول؛ كأن شهد وحلف) على صحة شهادته أو على ثبوت الحق. لكن قال ابن عبد السلام: ينبغي أن يعذر العوام في ذلك. (أو) حرص (على الأداء: كأن رفع) شهادته للحاكم قبل الطلب (في محض حق الآدمي) وهو ما له إسقاطه كالدين والقصاص. (أما في حق الله): وهو ما ليس للمكلف إسقاطه (فتجب المبادرة) بالرفع للحاكم (بالإمكان): أي بقدره،
ــ
لأنها تجر نفعاً لنفسه. ومقبولة بشرط التبريز اتفاقاً وهي شهادة شريك المفاوضة في غير ما فيه الشركة، ومقبولة مطلقاً مبرزاً أو غير مبرز على المعتمد في شهادة شريك غير المفاوضة في غير ما فيه الشركة.
قوله: [وإن كان المدعي لا يقضي له بالزائد]: أي وكذا في شهادته بأنقص في دعوى المدعي فلا يقضى للمدعي بالزائد إلا بشهود أخر غير هذا.
قوله: [وأما الزائد]: جواب عن سؤال وارد على المصنف.
قوله: [فتقبل]: أي ولا يشترط فيها التبريز على المعتمد.
قوله: [فإن ظهر ميل] إلخ: أي كشهادة الأب لولده البار على العاق أو الصغير على الكبير أو السفيه على الرشيد وتجوز شهادة الولد على أبيه بطلاق أمه إن كانت منكرة للطلاق. واختلف إن كانت هي القائمة بذلك فمنعها أشهب وأجازها ابن القاسم، وإن شهد بطلاق أبيه لغير أمه لم تجز إن كانت أمه في عصمة أبيه أو مطلقة ويرجو رجوعها لأبيه، ولو شهد لأبيه على جده أو لولده على ولد ولده لم تجز قولاً واحداً، وبالعكس جاز قولاً واحداً كما ذكره محشي الأصل نقلاً عن الأجهوري.
قوله: [لعدو على عدوه]: أي ولو كان مبرزاً في العدالة.
قوله: [إذا عمت هانت]: إنما هانت بالعموم لذكر مصيبة غيره فيتسلى عن مصيبته. بخلاف ما إذا خصت فلم يجد مصيبة غيرها نظيرتها لغيره يتسلى بها فتعظم عليه مصيبته.
قوله: [من حد]: أي بالفعل احترازاً عما إذا عفي عنه وشهد في مثله إن كان قذفاً فيقبل كما في المدونة، لا إن كان قتلاً فلا يشهد في مثله كما في الواضحة عن الأخوين، وانظر لو جلد البكر في الزنا هل له الشهادة باللواط لاختلافهما في الحد أو لا نظراً لدخوله في الزنا؟ والظاهر الثاني كما في الحاشية.
قوله: [كأن شهد وحلف]: قال في التبصرة وأما الحرص على القبول فهو أن يحلف على شهادته إذا أداها وذلك قادح فيها لأن اليمين دليل على التعصب وشدة الحرص على نفوذها اهـ. تنبيه: قال ابن فرحون للقاضي تحليف الشاهد ولو بالطلاق إن اتهمه، أي لقاعدة: تحدث للناس أقضية بقدر ما أحدثوه من الفجور، وهو من كلام عمر بن عبد العزيز استحسنه مالك لأن من قواعد مذهبه مراعاة المصالح العامة كذا أفاده في الحاشية.
قوله: [لكن قال ابن عبد السلام]: أي وسلمه له المتأخرون.
قوله: [كأن رفع شهادته للحاكم قبل الطلب] إلخ: حاصله أن رفع الشاهد للحاكم قبل أن يطلبه المشهود له لا يجوز ومبطل لشهادته نعم يجب على الشاهد أن يعلم صاحب الحق بأنه شاهد له وجوباً عينياً إن توقف الحق على شهادته وكفائياً إن لم يتوقف.
قوله: [وهو ما له إسقاطه]: أي وليس المراد بمحض حق الآدمي ما لا حق فيه لله كما هو المتبادر إذ ما من حق لآدمي إلا ولله فيه حق.
قوله: [بالإمكان]: أي فإن أخر الرفع زيادة على القدر الذي يمكن فيه الرفع كان جرحة في شهادته وبهذا القسم والذي قبله اندفع التعارض بين قوله ﷺ في معرض الذم: «ثم يكون قوم