← Фикх малики

Фикх малики · id 150969

حاشية الصاوي على الشرح الصغير ط الحلبي

أحمد الصاوي

Полный текст (1 079 стр.). Показаны 806–845 · переход к 811.

стр. 806

وجب البيان. ثم انتقل يتكلم على ضمانه وعدم ضمانه، فقال: (وهو): أي المستأجر لشيء - من حيوان أو عرض - وكذا الأجير كالراعي. وجعل بعضهم الضمير عائداً على من تولى العين المؤجرة؛ فيشمل المؤجر بالفتح كالراعي والمستأجر، كمكتري دابة ونحوها (أمين؛ فلا ضمان) عليه إن ادعى الضياع أو التلف، كان مما يغاب عليه أم لا. ويحلف إن كان متهماً: لقد ضاع وما فرطت. ولا يحلف غيره وقيل: يحلف ما فرط. وبالغ على عدم الضمان بقوله: (ولو شرط) عليه (إثباته): أي الضمان، ولا عبرة بهذا الشرط، لكن هذا الكلام يوهم صحة عقد الإجارة مع الشرط المذكور مع أنه يفسدها لأنه شرط يناقض العقد. فإن وقع فله أجرة مثله زادت على المسمى أو نقصت - قاله ابن القاسم. ومحل الفساد إن لم يسقط الشرط قبل الفوات، وإلا صحت، والفوات هنا بانقضاء العمل فانقضاؤه في أثنائه كإسقاطه قبله في إفادة الصحة. والحاصل: أنه شرط مفسد للعقد ما لم يسقط، لكن لو عثر عليه بعد العمل فله أجر مثله ولا يعمل بالشرط. (أو عثر): بفتح المثلثة عطف على المقدر، فلا ضمان، أي إن ادعى التلف أو عثر أجير حمل أو عثرت دابته (بدهن أو غيره أو) عثر (بآنية فانكسرت أو انقطع الحبل) الذي ربط به الأمتعة فتلفت فلا ضمان عليه. (ما لم يتعد) في فعله أو سوقه الدابة فإنه يضمن لتعديه. فإن كذبه ربه فلا يصدق في الطعام والإدام إلا ببينة، ويصدق في غيره، والسفينة كالدابة، قال في المدونة: وإن كان الكراء وحده فلا يصدق في الطعام والإدام إذا قال: سرق مني، حمله على نفسه أو دابته أو سفينته. وفيها: ومن استأجرته ليحمل لك دهناً أو طعاماً فحمله فعثر به فأهراقه لم يضمن؛ لأنه أجير والأجير لا يضمن إلا أن يتعدى، فإن كذبته في ذلك وقلت له: لم تعثر ولم يذهب لك شيء فهو ضامن في الطعام والإدام وأما البرز والعروض إذا حملها، فالقول قوله إلا أن يأتي بما يدل على كذبه اهـ. وقال ابن القاسم: لا يضمن الأكرياء سائر العروض ولا شيئاً غير الطعام. وعلى هذا فكان الأنسب بعد قوله: "وهو أمين فلا ضمان" أن يقول: إلا في الطعام والإدام. وعبارة ابن عرفة وفيها مع غيرها لزوم ضمان الأكرياء كالطعام والإدام إلا أن تقوم بينة بهلاكه أو يكون معه ربه. والسفينة كالدابة. وعبارة ابن الحاجب: وفي حمل الطعام يضمن مطلقاً إلا ببينة أو يصحبه ربه. (أو) لم (يغر بفعل) بأن لم يغر أصلاً أو غر بقوله، فلا ضمان عليه ــ تنبيه: قال ابن عبد السلام: ومما يرجع فيه إلى العرف في هذا الباب في المكان كما رجع إليه هنا في الزمان ما قاله بعض الشيوخ: من اكترى على متاع دواب إلى موضع، وفي الطريق نهر لا يجاز إلا على المركب، وقد عرف ذلك كالنيل وشبهه فجواز المتاع على ربه والدواب على ربها، وإن كان يخاض في المخاض فاعترضه حملان بكسر الحاء، أي: سيل كثير لم يعلموا به فحمل المتاع على صاحب الدابة وتلك جائحة نزلت به، وكذلك إذا كان النهر شتويا يحمل بالأمطار إلا أن يكون وقت الكراء قد علموا جريه وعلى ذلك دخلوا فيكون كالنهر الدائم (اهـ). قوله: [وجب البيان]: أي فإن لم يبين كانت فاسدة. قوله: [وجعل بعضهم الضمير]: أي في كلام خليل. قوله: [عائد]: هكذا نسخة المؤلف والمناسب عائداً بالنصب مفعول ثان لجعل. قوله: [فلا ضمان عليه]: محل كونه أميناً في غير الطعام والإدام كما يأتي. قوله: [وقيل يحلف ما فرط]: الضمير عائد على غير المتهم أي فيقتصر في يمينه على قوله: ما فرطت، ولا يحلف على الضياع والفرق أن غير المتهم إذا وقع منه ضياع إنما يكون من تفريطه غالباً فيكفي حلفه ما فرطت، وهناك قول ثالث: إنه كالمتهم يحلف لقد ضاع وما فرطت. قوله: [لكن هذا الكلام يوهم صحة عقد الإجارة]: أي فكان المناسب للمصنف أن يعبر بعبارة أخرى كأن يقول: وفسدت بشرطه والعذر له في أنه تابع لخليل. قوله: [فانقضاؤه في أثنائه] إلخ: صوابه فإسقاطه إلخ، كما هو عبارة أصوله. قوله: [بفتح المثلثة]: أي مبنياً للفاعل. قوله: [عطف على المقدر]: أي الذي قدره بعد قوله: فلا ضمان عليه. قوله: [أو عثر أجير حمل]: أي حمل على نفسه كالعتالين. قوله: [وإن كان الكراء]: أي الشخص المكتري على الحمل. قوله: [فهو ضامن في الطعام والإدام]: أي لحمله على عدم الأمانة فيهما. قوله [وأما البرز]: هكذا نسخة المؤلف براء وزاي بعد الباء وفي (بن) بزاي بعد الباء فقط فيكون عطف العروض عليها من عطف العام على الخاص. قوله: [إلا أن يأتي بما يدل على كذبه]: أي كما إذا قال ضاع مني في اليوم الفلاني، وقالت البينة رأيناه معه بعد. قوله: [غير الطعام]: أي ومنه الإدام. قوله: [فكان الأنسب] إلخ: أي وكانت هذه المقالة تغنيه عن قوله أو عثر بدهن أو غيره؛ لأن ذكره للدهن يوهم أنه محمول فيه على الأمانة وليس كذلك. قوله: [الأكرياء]: مفعول أول للزوم وكالطعام والإدام مفعول ثان له والكاف زائدة وإضافة لزوم للضمان بيانية، والمعنى أن الشرع ضمن الأكرياء الطعام والإدام. فإن قلت ما الفرق بين الطعام والإدام وغيرهما حيث حمل في الطعام والإدام على غير الأمانة وحمل عليها في غيرهما. قلت: الفرق تعبدي. قوله: [والسفينة كالدابة]: أي في التفصيل بين حمل

стр. 807

إذ لا أثر للغرور القولي، كأن يأتي بشقة لخياط ويقول له: إن كانت تكفي ثوباً ففصلها، فقال: تكفي. ففصلها فلم تكف، فلا ضمان على الخياط وإن علم عدم كفايتها، إلا أن يشترط عليه بأن قال له: إن علمت أنها تكفي ثوباً ففصلها وإلا فلا. فقال: تكفي، مع علمه بأنها لا تكفي فيضمن. ومن الغرر القولي قول الصيرفي في دنانير أو دراهم إنها جيدة - مع علمه بأنها رديئة - فلا ضمان عليه ولو بأجرة. وقيل: يضمن مطلقاً، وقيل: إن كان بأجرة واستظهر. فإن غر بفعل كربطه بحبل رث أو مشيه بمكان زلق ضمن. (كحارس) تشبيه في عدم الضمان: أي أن حارس الدار أو البستان أو الزرع أو حارس طعام أو عرض لا ضمان عليه لأنه أمين. (ولو حمامياً) إلا أن يتعدى أو يفرط. ومن التفريط ما لو قال: رأيت رجلاً يلبس الثياب فظننت أنه صاحبها، فعلم أنه لا ضمان على الخفراء في الحارات والأسواق. ولا عبرة بما كتب أو شرط عليهم من الضمان ما لم يفرطوا. وكذا البوابون في الخانات وغيرها. (وأجير لصانع) لا ضمان عليه لأنه أمين للصانع، كأن [١] يعمل بحضرة صانعه أم لا. (وسمسار) يطوف بالسلع في الأسواق ليبيعها (خير) بفتح الخاء وكسر الياء مشددة: أي ذي خير وأمانة، لا ضمان عليه إذا ادعى ضياع شيء مما بيده بغير تعديه وبلا تفريط منه. وغير ما [٢] ظهر خيره يضمن. كذا أفتى به ابن رشد، وقيل: لا ضمان عليه مطلقاً. قال: عياض: وهو المعروف من قول مالك وأصحابه، قال: لأنهم وكلاء وليسوا بصناع. (ونوتي غرقت سفينته بفعل سائغ) لا ضمان عليه في نفس ولا مال (وإلا) إن غرقت بفعل لا يسوغ في سيرها أو حملها (ضمن) وإن تعمد الفعل فالقصاص. (كراع خالف مرعى شرط) عليه فهلكت أو ضاعت الماشية، فيضمن (أو أنزى) الراعي: أي أطلق الفحل على الإناث (بلا إذن) من ربها فعطبت أو ماتت تحت الفحل أو عند الولادة فيضمن، إلا لعرف بأن الرعاة تنزي ولا تستأذن فلا ضمان. (أو غر بفعل) فإنه يضمن كالغرور القولي إن انضم له شرط كما تقدم. وإذا ضمن: (فالقيمة) يضمنها (يوم التلف) لا يوم التعدي ولا يوم الحكم. وهذا راجع لراع وما بعده. ــ الطعام وغيره ومثلهما حمله بنفسه. قوله: [إذ لا أثر للغرور القولي]: أي: ما لم ينضم به عقد أو شرط فمثال العقد كما إذا قال له: اشتر مني السلعة الفلانية فإنها سالمة من العيوب فظهر الأمر بخلافه والشرط سيأتي في الشارح. قوله: [مع علمه بأنها لا تكفي]: أي ولا يعلم هذا الأمر إلا منه. قوله: [واستظهر]: قال في الحاشية أقول ومن المصالح العامة القول بالضمان حيث أخذ أجراً كما سيأتي عن الأجهوري في الخفراء ثم بعد ذلك وجدت عن شيخنا عبد الله ما نصه فيه نظر، بل الصواب الضمان إذا انضم لغروره عقد كما إذا عقد معه بجديد مثلاً وقلبه ووزنه وقال له طيب وأزن وهو على خلاف ذلك؛ لأن الغرور القولي إذا انضم له عقد صار من الفعلي فالضمان. اهـ. قوله: [ولو حمامياً]: أي ما لم يجعل رب الثياب ثيابه رهناً عنده في الأجرة وإلا ضمن وما لم يجعل حارساً لاتقاء شره كما إذا كان مشهوراً بالحرام وجعل حارساً لتتقي سرقته وإلا فيضمن كما إذا ظهر كذبه. قوله: [ومن التفريط] إلخ: ومنه أيضاً ما لو نام في وقت لا ينام فيه الحارس، واعلم أن ما قاله شارحنا هو أصل المذهب من عدم تضمين الخفراء والحراس والرعاة، واستحسن بعض المتأخرين كالأجهوري تضمينهم من غير ثبوت تفريط منهم نظراً لكونه من المصالح العامة وارتكاباً لأخف الضررين. قوله: [وأجير لصانع]: أي وأما الصانع نفسه فسيأتي ضمانه بالشروط. قوله: [كان يعمل بحضرة صانعه أم لا]: أي على ما قال التتائي وقال أشهب: في الغسال تكثر عنده الثياب فيؤاجر آخر يبعثه للبحر بشيء منها يغسله فيدعي تلفه إنه ضامن. اهـ، وكلام التوضيح يفيد أن كلام أشهب تقييد للمشهور ولا مقابل له خلافاً للتتائي. قوله: [لا ضمان عليه]: أي لا في الثوب مثلاً ولا في ثمنه إذا ضاع بعد البيع، ولا فيما يحصل فيها من تمزيق أو خرق بسبب نشر أو طي إذا لم يخرج عما أذن له فيه كما إذا ادعى أنه باع سلعة لرجل وأنكر ذلك الرجل الشراء ولم يكن له بينة عليه فيضمن لتفريطه بترك الإشهاد، وقيد بعضهم عدم ضمان من ظهر خيره بما إذا لم ينصب نفسه للسمسرة وإلا ضمن كالصانع، وقد اعتبر ابن عرفة هذا القيد كما في (بن). قوله: [بفعل سائغ]: أي كتحويل الراجع ونشر القلع ومشي في ريح أو موج إذا كان ذلك معتاداً، وكذا وسقها الوسق المعتاد لأمثالها بحيث لا يقرب الماء من حافتها، وإذا كان لا ضمان عليه في الفعل السائغ فأولى إذا غرقت بغير فعل كهيجان البحر واختلاف الريح مع عجزه عن صرفها. قوله: [وهذا راجع لراع وما بعده]: أي خلافاً لما في الخرشي من أن الراعي يضمن يوم التعدي تبع في ذلك الأجهوري، قال في الحاشية وبحث فيه بعض الشيوخ بأن الظاهر أن الضمان يوم التلف في الجميع ويوافقه بهرام، ثم إن الذي غر بالفعل له من الكراء بحسابه طعاماً أو غيره وهل لربه أن يلزمه

стр. 808

(أو صانع) يضمن (في مصنوعه) فقط، كثوب يخيطه أو حلي يصوغه أو خشبة ينشرها أو حب يطحنه. (لا) في (غيره) فلا ضمان فيه. كما لو جعل الشيء المصنوع في ظرف فادعى الصانع ضياعها، فإنه يضمن ما له فيه الصنعة لا الظرف (و) لو كان الغير (محتاجاً له) في العمل، فلا يضمنه كقفة الطحين والكتاب الذي ينسخ منه، هذا قول سحنون. وقال ابن حبيب: يضمن الصانع ما لا يستغنى عنه سواء احتاج له الصانع أو المصنوع. وقال ابن المواز: يضمن الصانع ما يحتاج إليه في علمه كالكتاب الذي ينسخ منه دون ما يحتاج إليه المصنوع كظرف القمح والعجين ويضمن الصانع مصنوعه (وإن) كان يصنعه (ببيته): أي في بيته (أو) كان يصنعه (بلا أجر) فأولى بأجر في حانوته وسواء تلف بصنعته أو بغيرها، إلا أن يكون في صنعته تغرير كثقب اللؤلؤ، ونقش الفصوص، وتقويم السيوف. وكذا الختان وقلع الضرس والطب فلا ضمان إلا بالتفريط. وإنما يضمن الصانع مصنوعه بشرطين أشار لهما بقوله: (إن نصب نفسه) للصنعة للناس، احترازاً عن الأجير لشخص خاص أو جماعة مخصوصين فلا ضمان عليه. (وغاب) الصانع (عليه): أي على الشيء المصنوع احترازاً مما إذا صنعه بحضور ربه ولو في غير بيته أو بيت ربه -وإن لم يكن حاضراً- فلا ضمان عليه. وبقي ثلاثة شروط أيضاً: وهو أن يكون المصنوع مما يغاب عليه، احترازاً من عبد يدفعه سيده لمعلم نصب نفسه فادعى هروبه فلا ضمان عليه. وأن لا يكون في صنعته تغرير كما تقدم. وأن لا تكون له بينة بتلفه بلا تفريط. وإذا ضمن: (فالقيمة) يضمنها (يوم دفعه) للصانع لا يوم التلف ولا يوم الحكم (إلا أن يرى) المصنوع عند الصانع (بعده): أي بعد يوم الدفع، فإن رئي بعده (فبآخر رؤية) وإذا كانت القيمة تعتبر يوم الدفع فلا أجرة للصانع. وكذا إذا اعتبرت بآخر رؤية ولم يكن مصنوعاً فإن كان مصنوعا ضمن قيمته مصنوعاً وعلى ربه الأجرة. (ولو شرط) الصانع (نفيه): أي نفي الضمان عن نفسه فإنه يضمن ولا يفيده شرطه. (وهو) شرط (مفسد) للعقد، ولأنه يناقض مقتضى العقد، (ففيه) إن وقع وعثر عليه بعد العمل (أجر المثل) قل أو كثر دون ما سمى (إلا أن تقوم له): أي للصانع (بينة) بضياعه أو تلفه بلا تفريط؛ فلا ضمان عليه وحينئذ (فتسقط الأجرة) عن ربه، لأنه لا يستحقها إلا بتسليمه لربه مصنوعاً. (أو يحضره) الصانع لربه مصنوعاً (على الصفة) المشترطة، فتركه عنده فادعى ضياعه فلا ضمان عليه؛ لأنه خرج حينئذ إلى حكم الإيداع. وهذا ما لم يتركه عنده رهناً في نظير الأجرة، وإلا كان حكمه حكم الرهن. (وصدق) راع (إن ادعى ضياعاً) لبعض الماشية بلا تفريط (أو) ادعى (خوف موت) لبعضها (فنحر) أو ذبح، وخالفه ربه، وقال له: بل تعديت. (أو ادعى سرقة منحوره): أي قال: نحرتها لخوف موتها فسرقت، وخالفه ربها، وقال: بل أكلتها. (وحلف) الراعي إن اتهم. ثم شرع في بيان ما يطرأ على الإجارة من فسخ وعدمه فقال: ــ حمل مثله بقية المسافة ويعطيه بقية الأجرة وهو الظاهر أو يفسخ العقد. اهـ. قوله: [أو صانع] إلخ: معطوف على كراع. قوله: [وإن كان يصنعه ببيته]: بالغ عليه دفعاً لما يتوهم من عدم ضمانه في هذه الحالة؛ لأنه لما عمل في بيته صار كأنه لم ينصب نفسه للعمل للناس. قوله: [تغرير]: أي تعريض للإتلاف وهذا استثناء من قوله: وضمن صانع في مصنوعه، وكان الأولى للشارح أن يؤخر هذا الاستثناء بعد قوله: إلا أن تقوم له بينة فتسقط الأجرة أو يحضره على الصفة لأجل أن تكون الحالات التي لا يضمن فيها مجتمعة بعضها مع بعض. قوله: [كثقب اللؤلؤ]: أي: وكذا خبز العيش في الفرن. قوله: [إلا بالتفريط]: هذا إذا كان الخاتن والطبيب من أهل المعرفة ولم يخطئ في فعله، فإن أخطأ فالدية على عاقلته، فإن لم يكن من أهل المعرفة عوقب وفي كون الدية على عاقلته أو في ماله قولان: الأول لابن القاسم، والثاني لمالك وهو الراجح؛ لأن فعله عمد والعاقلة لا تحمل عمداً. قوله: [فلا ضمان عليه]: محل عدم الضمان إذا ادعى التلف بالفعل المستأجر عليه وأتى بها تالفة، أما لو ادعى ضياعها أو تلفها ولم يأت بها فالضمان. قوله: [إلا أن تقوم له] إلخ: فيه إشارة إلى أن ضمان الصناع ضمان تهمة ينتفي بإقامة البينة. قوله: [لأنه لا يستحقها إلا بتسليمه]: أي وهو منتف فانتفت الأجرة. قوله: [لأنه خرج حينئذ إلى حكم الإيداع]: أي ولا تسقط الأجرة لأنها بالتسليم وقد حصل. قوله: [وإلا كان حكمه حكم الرهن]: أي يضمنه ضمان الرهان ولا تسقط الأجرة سواء ضمنه بالفعل أم لا. قوله: [فنحر أو ذبح]: مقتضى تصديقه أنه إن خاف موتها وترك زكاتها حتى ماتت ضمنها بالأولى مما تقدم في باب الزكاة في قول خليل وضمن مار أمكنته ذكاته وترك. قوله: [أو ادعى سرقة منحوره]: أي وأما لو قال: ذبحتها خوف الموت وأكلتها لم يصدق إذا كان محل الرعي قريباً وإلا صدق وينبغي أن محل عدم تصديقه ما لم يجعل له ربها أكلها وإلا صدق.

стр. 809

(وفسخت) الإجارة (بتعذر ما يستوفى منه) المنفعة: كدار وحانوت وحمام وسفينة ونحوها - وإن لم تعين حال العقد - ودابة عينت. والتعذر أعم من التلف؛ فيشمل الضياع والمرض والغصب وغلق الحوانيت قهراً وغير ذلك مما يأتي. وإذا فسخت رجع للمحاسبة باعتبار ما حصل من المنفعة وما لم يحصل وباعتبار المسافة طولاً وقصراً وسهولة وصعوبة. (لا) تنفسخ بتعذر ما يستوفى (به): كالساكن والراكب وما حمل. وظاهره تعذر بسماوي؛ كموت لراكب أو ساكن أو بغيره بتفريط من الحامل؛ بأن فرط فتلف ما حمله من طعام أو غيره أم لا، وتقدم أنه إن فرط ضمن. وإذا لم تنفسخ قيل للساكن والراكب ورب الأحمال أو لوارثه: عليك جميع الأجرة وائت بمثل الأول لتمام المسافة أو المدة، وهو المشهور عند ابن رشد في المقدمات. والذي له في البيان: أن المشهور قول ابن القاسم في المدونة؛ وهو الفرق بين التلف بسماوي فلا تنقض الإجارة، ويأتيه المستأجر بمثله وعليه جميع الكراء، وبين تلفه من جهة الحامل فتنتقض ولا كراء له، وقيل: له من الكراء بقدر ما سار. وظاهره فرط أم لا، فانظره. وظاهر أن قول ابن القاسم في المدونة مقدم على غيره، فلو مشى عليه فقال: لأنه إن كان بسماوي. وبالغ على قوله: "وفسخت" إلخ بقوله: (ولو) كان التعذر (بغصب) لما يستوفى منه - داراً كانت أو غيرها - (أو غصب منفعة) لما يستوفى منه ولو لم يغصب الذات إذا كان الغاصب لا تناله الأحكام (أو أمر ظالم) لا تناله الأحكام (بإغلاق الحوانيت) المكتراة بحيث لا يتمكن مستأجرها من الانتفاع بها، ويلزم الظالم أجرتها لربها إذا قصد غصب المنفعة فقط. ــ تنبيه: مثل الراعي الملتقط فيصدق إن ادعى خوف موت فنحر، وأما المستأجر والمستعير والمرتهن والمودع والشريك فلا يصدق واحد منهم في دعوى التذكية لخوف الموت إلا بلطخ أو بينة، وإن كانوا يصدقون في التلف أو الضياع، ولعل الفرق بين هؤلاء والراعي مع كون الجميع أمناء تعذر الإشهاد من الراعي غالباً بخلاف هؤلاء فإنه لا مشقة عليهم في الإشهاد غالباً وأحرى من هؤلاء في الضمان من مر على دابة شخص فذكاها وادعى أنه فعل ذلك خوف موتها أو سلخ دابة غيره وادعى أنه وجدها ميتة فلا يصدق إلا ببينة أو لطخ. قوله: [وفسخت الإجارة] إلخ: أشار بهذا إلى قول أهل المذهب أن كل عين يستوفي منها المنفعة فبهلاكها تنفسخ الإجارة كموت الدابة المعينة، وكانهدام الدار، وكل عين يستوفي بها المنفعة فبهلاكها لا تنفسخ الإجارة على الأصح كموت الشخص المستأجر للعين المعينة، ويقوم وارثه مقام مورثه إلا في أربع مسائل: صبيان وفرسان صبيا التعليم والرضاعة، وفرسا النزو والرياضة فحيث مات صبي التعليم أو الرضاعة انفسخت الإجارة ورجعا للمحاسبة، وكذلك فرس النزو إذا استؤجر الفحل على أربع مرات فحملت من مرتين أو ماتت قبل التمام انفسخت ورجعا للمحاسبة، وكذلك إذا استؤجر لفرس يروضها ويعلمها كيفية الجري فماتت فتنفسخ ويرجعان للمحاسبة. قوله: [وإن لم تعين حال العقد]: أي فالتفصيل بين المعينة وغيرها إنما هو في الدابة، وأما الدار والحانوت والحمام والسفينة ونحو ذلك مما ليس بدابة فلا يشترط التعيين فيه ابتداء، بل متى تعذر شيء مما يستوفى منه انفسخت قالوا: لأن العقد عليها لا يكون إلا في معين، ولكن هذا لا يظهر في السفينة بل هي بالدابة أشبه، وكلام الشارح يقتضي تسويتها بالعقارات. قوله: [أعم من التلف]: أي الذي عبر به خليل. قوله: [رجع للمحاسبة] إلخ: أي فما حصل من المنفعة يلزمه أجرته بحسابه وما لم يحصل لا شيء عليه فيه، ولا فرق في هذا بين الدابة وغيرها. وقوله: [وباعتبار المسافة]: خاص بتعذر السفينة والدابة المعينة، أي: فيرجعان فيهما إلى المحاسبة أيضاً وينظران لقيمة المسافة الماضية والباقية صعوبة وسهولة إلى غير ذلك. قوله: [وما حمل]: أي المحمول غير الراكب. قوله: [وتقدم أنه إن فرط ضمن]: أي ولا تنفسخ الإجارة على كل حال. قوله: [أو لوارثه]: أي إذا مات الراكب أو رب الأحمال. قوله: [فانظره]: قال (بن) نقلاً عن ابن رشد في المقدمات: إن في هلاك المستأجر عليه أربعة أقوال: أحدها وهو المشهور أن الإجارة لا تنتقض وإليه ذهب ابن المواز. والثاني تنتقض بتلفه، وهو قول أصبغ وروايته عن ابن القاسم ويكون له من كرائه بقدر ما سار من الطريق، والثالث الفرق بين تلفه من قبل الحامل فتنتقض وله من الكراء بقدر ما سار وبين تلفه بسماوي فلا تنتقض ويأتيه المستأجر بمثله وهو قول مالك في أول رسم من سماع أصبغ. والرابع إن كان تلفه من قبل الحامل انفسخت ولا كراء له، وإن كان من السماء أتاه المستأجر بمثله ولم ينفسخ الكراء، وهو مذهب ابن القاسم في المدونة وروايته عن مالك. اهـ. قوله: [ويلزم الظالم أجرتها] إلخ: أي كما تقدم في الغصب، ثم اعلم أن محل فسخ الإجارة بغصب العين المستأجرة إذا شاء المستأجر وإن شاء بقي على إجارته فإن فسخها كان لمالك الذات المغصوبة الأجرة على الغاصب وإن أبقاها من غير فسخ صار ذلك المستأجر الغاصب بمنزلة المالك فتكون الأجرة له فمعنى الفسخ في هذه المسائل أنها معرضة للفسخ لا أنها

стр. 810

(أو حمل ظئر): أي مرضع، لتعذر الرضاع عادة إذا حملت؛ لأن لبن الحامل يضر الرضيع. (أو) حدوث (مرض) لها (لا تقدر معه على رضاع) فتنفسخ الإجارة في جميع ما تقدم. والمراد أن لهم الفسخ، لا الفسخ بالفعل، فالحق في هذه المسائل حق للمستأجر فله البقاء على الإجارة. (ومرض عبد أو دابة) لا قدرة لهما على فعل ما استؤجرا عليه (أو هربه): أي العبد (لكالعدو) من كل مكان بعد وتعذر رجوعه منه (إلا أن يرجع) العبد من هربه (أو يصح) من مرضه (في المدة): أي مدة الإجارة (قبل الفسخ): أي قبل أن يتفاسخا، فيلزمه بقية العمل ولا تنفسخ. وقوله: "أو يصح" يرجع للظئر أو الدابة إذا مرضا. وإذا رجع أو صح من ذكر قبل انقضاء المدة ولزمهم بقية العمل سقط من الأجرة عن المستأجر ما يقابل أيام الهرب أو المرض. وقوله: "قبل الفسخ" مفهومه أنه لو حصل الفسخ بينهما قبل الرجوع أو الصحة لم يلزم من ذكر عمل فيما بقي وهو كذلك. وجاز أن يرجع الاستثناء لجميع ما تقدم كأنه قال: إلا أن يرجع الشيء المستأجر عن حالته من غصب أو غيره إلى حالته التي كان عليها قبل المانع فلا تنفسخ إذا لم يقع بينهما قبل ذلك تفاسخ، لأن الحق في هذه المسائل للمستأجر كما تقدم. (وخير) المستأجر في الفسخ وعدمه (إن تبين) له (أنه): أي الأجير من عبد أو غيره (سارق): أي شأنه السرقة، لأنها عيب يوجب الخيار في الإجارة والبيع. (أو رشد) فعل ماض معطوف على "تبين" و (صغير): فاعله، ويلزم من الرشد البلوغ: أي وخير إن رشد صغير (عقد عليه أو على سلعة وليه): من أب أو وصي أو حاكم أو مقدم له، أي: أجره وهو صغير ثم بلغ رشيداً قبل انقضاء المدة، فإنه يخير بين الإبقاء لتمام المدة والفسخ. (إلا لظن عدم بلوغه) قبل تمام المدة وقت العقد فبلغ (و) قد (بقي اليسير) منها - (كالشهر - فيلزم في العقد عليه) بقاء المدة بهذين القيدين، ولا خيار له، فالخيار فيما إذا ظن وليه بلوغه فيها أو لا ظن عنده مطلقاً أو ظن عدمه، وبقي في العقد عليه الكثير، قال فيها: ومن آجر يتيماً في حجره ثلاث سنين فاحتلم بعد سنة ولم يظن ذلك به فلا يلزمه باقي المدة، إلا أن يبقى كالشهر ويسير الأيام انتهى. وشبه في اللزوم قوله: (كالعقد): أي عقد ولي الصغير (على سلعه): أي الصغير - كدابته وداره وغيرهما - فيلزم فيما إذا ظن عدم بلوغه مطلقاً (ولو بقي) من المدة (سنين) بعد رشده (على الأرجح). ومقابله قول أشهب: أن العقد على سلعه كالعقد عليه لا يلزمه إلا إذا ظن الولي عدم بلوغه وبقي كالشهر. وحاصل المسألة: أن الصغير إذا عقد وليه عليه أو على سلعه فبلغ رشيداً في أثناء المدة فله الخيار إذا ظن الولي بلوغه أو شك فيه مطلقاً، بقي القليل أو الكثير، فإن ظن عدم بلوغه أثناء المدة فبلغ رشيداً لزمه في العقد على نفسه إن بقي اليسير دون الكثير ولزمه في العقد على سلعه الكثير واليسير وقد تقدم. (كسلع السفيه مطلقاً): أي كعقد ولي سفيه على سلعه فإنه لازم له إذا رشد في أثناء مدة الإجارة، بقي منها الكثير أو اليسير، ظن وليه رشده ــ تنفسخ بالفعل وسيأتي ما يفيده الشارح. قوله: [أو حمل ظئر]: أي سواء كان الحمل قبل عقد الإجارة وظهر بعده أو طرأ بعد العقد كما قال ابن ناجي. قوله: [لا تقدر معه على رضاع] إلخ: مفهومه أنها لو قدرت معه على الرضاع لم تنفسخ إلا أن يضرَّ به ففي المفهوم تفصيل كما قال (عب). قوله: [فالحق في هذه المسائل]: المناسب فالفسخ. قوله: [قبل الفسخ]: أي بالفعل. قوله: [سقط من الأجرة عن المستأجر ما يقابل أيام الهرب]: جواب إذا أي ولا يجوز أن يتفقا على قضاء مدة الهرب أو المرض بعد انقضاء مدة الإجارة ويدفع الأجر بتمامه إن كان المستأجر نقد الأجرة حين العقد، لما فيه من فسخ الدين في الدين أما إذا كان لم ينقدها فيجوز الاتفاق على ذلك لانتفاء علة الفسخ المذكورة. قوله: [عن حالته]: أي التي يتعذر معها الاستيفاء وبينها بقوله: من غصب إلخ. قوله: [لأنها عيب يوجب الخيار]: هذا حيث كان استئجاره لخدمة في داره أو حانوته مثلاً مما لا يمكن التحفظ فيه منه، وأما لو آجره داراً ليسكنها ونحو ذلك فلا تنفسخ الإجارة بتبين سرقته لإمكان التحفظ منه. قوله: [معطوف على تبين]: أي فهو مسلط عليه قوله خير. قوله: [ويلزم من الرشد البلوغ]: أي لأن الرشد أخص فكل رشيد بالغ ولا عكس. قوله: [أي أجره وهو صغير]: أي كما إذا استأجره لخدمة مثلاً ثلاث سنين فبلغ رشيداً في تلك المدة فله الخيار كما قال الشارح فإن بلغ سفيهاً فلا خيار له. قوله: [بهذين القيدين]: أي اللذين هما ظن عدم البلوغ وبقاء اليسير. قوله: [مطلقاً]: أي بقي الكثير أو القليل كان العقد عليه أو على سلعه وهو راجع لهما هذه ثمان صور، وقوله: أو ظن عدمه وبقي في العقد عليه الكثير صورة تاسعة ومفهومها لو بقي اليسير لا خيار له وكذلك لو كان العقد على سلعه وظن عدمه لا خيار له بقي الكثير أو القليل فجملة الصور اثنتا عشرة الخيار في تسع واللزوم في ثلاث أفادها الشارح والمصنف. قوله: [ولو بقي من المدة سنين]: مقتضاه رفع سنين بالواو على أنه فاعل بقي إلا أن يقال إنه مشى على طريقة من يعربها إعراب حين. قوله: [وحاصل المسألة] إلخ: هذا الحاصل موضح للاثنتي عشرة صورة التي تقدم التنبيه عليها. قوله: [بقي منها الكثير أو اليسير]: أي خلافاً لتقييد خليل

стр. 811

أم لا؛ إذ الرشد لم تعلم له غاية بخلاف الصبا. (وللسفيه أن يؤاجر نفسه لعيشه فقط): أي دون سلعة؛ لأنه محجور عليه بالنسبة لسلعه دون نفسه. (ولا كلام لوليه) في ذلك (إلا أن يحابي) فلوليه الكلام من حيث المحاباة، بأن آجر نفسه بدرهم والشأن درهمان. (و) كذا (لا) كلام (له إن رشد) لأنه في نفسه كالرشيد، ولو آجره وليه لغير عيشه فله هو الفسخ، لأن الولي لا تسلط له على نفسه. وإن آجره لعيشه فلا كلام له. (و) فسخت الإجارة (بموت مستحق وقف أجر) ذلك الوقف مدة معينة (ومات قبل تقضيها) وانتقل الاستحقاق فيه لمن في طبقته أو لمن يليه ولو ولده وبقي يسير من المدة (ولو) كان ذلك المستحق الذي آجر (ناظراً على الأصح، بخلاف ناظر غير المستحق [١]) أجر مدة معلومة بأجرة المثل ثم مات، فلا تنفسخ. ومقابل الأصح قول ابن شاس: لا تنفسخ. (وجاز) كراء دابة (على أن عليك) أيها المكري (علفها) مع دراهم معلومة أو مجرد العلف. (أو) عليك (طعام ربها) مع شيء آخر كدراهم أو لا. و "أو" مانعة خلو فيجوز [٢] الجمع. وله الفسخ إن وجدها أو وجد ربها أكولاً، ما لم يرض ربها بالوسط، بخلاف وجود الزوجة أكولة فيلزم الزوج شبعها. (و) جاز كراؤها بدارها مثلاً معلومة على أن (عليه) أي على رب الدابة (طعامك) يا مكري كما يقع للحجاج كثيراً، فتكون الدراهم في نظير الركوب والطعام معاً ما لم يكن الكراء طعاماً وإلا منع لما فيه من الطعام بطعام نسيئة (أو على أن يركبها في حوائجه) ــ بثلاث سنين ولا فرق بين كون سلعه عقاراً أو غيره. قوله: [أم لا]: تحته صورتان وهما ظن عدم رشده أو لم يظن شيئاً فتكون صور العقد على سلع السفيه ستاً العقد فيها لازم لا خيار له؛ وإيضاحها أن تقول إذا عقد ولي السفيه على سلعه إما أن يظن رشدها أو يظن عدمه أو يشك وفي كل: إما أن يبقى بعد الرشد الكثير أو اليسير. قوله: [إذ الرشد لم تعلم له غاية]: هذا هو الفرق بين العقد على سلع الصبي والسفيه فلا يعد فيه الولي مفرطاً. قوله: [وللسفيه أن يؤاجر نفسه] إلخ: أي وسواء ظن رشده أو ظن عدمه أو لم يظن شيء بقي اليسير أو الكثير فهذه ست أيضاً تمام اثنتي عشرة. قوله: [لأن الولي لا تسلط له على نفسه]: أي في غير عيشه وإنما تسلطه على ماله وإذا وقع ذلك فهو مفسوخ ابتداء. قوله: [بموت مستحق]: إلخ: مثل ذلك من يتقرر في رزقه مرصدة آجرها مدة ومات قبل تقضيها فإن لمن يتقرر بعده فسخ إجارته، ذكره القرافي ومثل موته فراغه عنها لإنسان فللمفروغ له إذا تقرر فيها فسخ إجارته؛ وذلك لأن الإفراغ أسقط حق الأصلي ولا يثبت الحق للثاني إلا بتقرير من ولي الأمر، فإن مات المفروغ له قبل المفرغ صارت محلولاً. قوله: [قول ابن شاس لا تنفسخ]: أي وهو ضعيف لأنه لا يعرف لغيره. تنبيه: لا تنفسخ الإجارة بإقرار المالك للذات المؤجرة بأنه باعها أو وهبها أو أجرها لآخر قبل الإجارة المذكورة ونازعه المكتري لا بينة لاتهامه على نقضها، ويلزمه الإقرار فيأخذها المقر له بعد انقضاء المدة، وله الأكثر من المسمى الذي أكريت به، كراء المثل على المقر، وكذلك لا ينفسخ الكراء بتخلف رب دابة معينة أو غير معينة عقد عليها شخص لملاقاة رجل أو ليشيع بها رجلاً فتخلف ربها عن الإتيان بها، وإن فات ما يقصده ويرومه من التلقي أو التشييع إن لم يكن الزمن معيناً ولم يكن حجاً، أما إن كان الزمن معيناً كأكتري منك دابتك أركب عليها في هذا اليوم، أو تخدمني أو تخيط لي في هذا اليوم، أو قال: أحج عليها، فلم يأت المكري بالشيء المكرى إلى أن انقضى ذلك الزمن المعين، أو فات الحج فإن الكراء ينفسخ وليس للمكتري حينئذ التراضي مع المكري بالتمادي على الإجارة إذا نقده الكراء للزوم فسخ الدين في الدين. كذا في الخرشي وغيره، وكذلك لا تنفسخ بظهور فسق مستأجر للدار يضر بها أو بالجار وإنما يؤمر بالكف، فإن لم يكف أجرها الحاكم عليه وأخرج منها وكذلك لا تنفسخ بعتق عبد حصل بعد الإجارة ويستمر على حكم الرقبة إلى تمام المدونة وأجرته لسيده إن أراد أنه حر بعد مدة الإجارة لأنه بمنزلة من أعتقه واستثنى منفعته مدة معينة، فإن أراد أنه حر من يوم عتقه فأجرته لنفسه مع بقائه إلى تمامها على كل حال. قوله: [وجاز كراء دابة] إلخ: نبه على جواز تلك المسائل لدفع توهم المنع فيها للجهالة وإنما أجيزت للضرورة. قوله: [أيها المكري]: صوابه المكتري. قوله: [بالوسط]: أي بطعام وسط وهذا بالنسبة لطعامه، وأما الدابة فلا بد من الفسخ حيث طلب المستأجر ذلك ولو رضي ربها بطعام وسط إلا أن يكمل لها ربها، كما في المجموع. قوله: [وجود الزوجة أكولة]: أي لأن النكاح مبني على المكارمة، وأما لو وجدها قليلة الأكل أو وجد رب الدابة قليل الأكل أو الدابة قليلة الأكل فلا يلزمه إلا الأكل ولا يزاد عليه خلافاً لقول أبي عمران أن لهما الزائد يصرفانه فيما أحبا. قوله: [يا مكري]: صوابه يا مكتري فإن وجده أكولاً كان لرب الدابة الخيار في الفسخ وعدمه ما لم يرض بالوسط، وإن كان قليل الأكل فلا يلزمه إلا ما يأكل. قوله: [في نظير الركوب والطعام معاً]: أي وإن لم توصف

стр. 812

شهراً مثلاً بكذا (أو ليطحن عليها شهراً مثلاً) بكذا (إذا كان) ما ذكر من الركوب والطحن (معروفاً) بالعادة، وإلا لم يجز لمزيد الجهالة، بأن كان الركوب إلى سوق معلوم أو بلد معلوم والطحن كل يوم كذا. (و) جاز الكراء (على حمل آدمي لم يره) رب الدابة حال العقد. (ولا يلزمه) إذا جاءه بإنسان (الفادح): أي الغليظ الجافي وإنما يلزمه الوسط (بخلاف ولد ولدته) المرأة المحمولة فيلزمه حمله لأنه كالمدخول عليه ويفهم منه أنه لا يلزمه حمل صغير معها إلا لشرط أو عرف. (و) جاز (حمل) بكسر الحاء: أي المحمول أي اكتراء دابة ليحمل عليها أو كراؤه لمن يحمله (برؤيته) وإن لم يكل أو يوزن اكتفاء بالرؤية (أو كيله): كإردب قمح أو فول، وإن لم يره (أو وزنه) كقنطار من كذا؛ فلا بد من بيان النوع لأن قنطار القطن ليس كقنطار الحطب أو الحجر (أو عدده إن لم يتفاوت) العدد: كالبطيخ والرمان إلا أن يكون التفاوت يسيراً كالبيض فيغتفر. وأما نحو البطيخ فلا بد من بيان قدره. وعلم أنه لا بد من بيان النوع في الثلاثة لا مطلق إردب أو قنطار أو عدد. (و) جاز (حمل مثله) كيلاً أو وزناً من جنسه (أو دونه) قدراً كنصف إردب أو قنطار بدل كامل، أو خفة كإردب شعير بدل إردب قمح أو فول. بخلاف الأكثر أو الأثقل فلا يجوز ويضمن على ما سيأتي، ومثل الحمل الركوب بخلافة المسافة، فلا يجوز المساوى، وكذا الدون على قول وسيأتي. (و) جاز (الرضا): أي رضا المكتري لدابة معينة أو عبداً أو ثوباً معيناً (بغير): أي بذات أخرى غير (المعينة إن هلكت) المعينة أو ضاعت، ومحل الجواز (إن اضطر) المكتري، كما لو كان في فلاة من الأرض ولو نقد الكراء لربها إذ الضرورات تبيح المحظورات - أو لم يضطر (و) كان (لم ينقد) الكراء. فإن نقده لم يجز الرضا ببدلها، لما فيه من فسخ ما وجب له من الأجرة في منافع يتأخر قبضها، وهو من فسخ الدين في الدين. ــ النفقة لأنها معروف. قوله: [شهراً مثلاً]: أي فلا مفهوم لتقييد خليل بالشهر، بل المراد زمناً معيناً، وبعضهم اعتبر مفهومه فلا يجوز أكثر من شهر للغرر ولكن لا وجه له كما في الحاشية. قوله: [بأن كان للركوب] إلخ: المناسب زيادة الكاف وتقديم هذا التصوير على قوله: وإلا لم يجز لأن هذا مثال للجائز لكونه معلوماً بالعادة أو التسمية. قوله: [لم يره]: أي ولم يوصف له أيضاً وإن لم يكن على خيار بالرؤية. قوله: [وإنما يلزمه الوسط]: أي ذكراً أو أنثى خلافاً لابن عرفة حيث استظهر وجوب تعيين كون الراكب رجلاً أو امرأة؛ لأن ركوب النساء أشق فعلى كلام ابن عرفة تكون المرأة ملحقة بالفادح فلا تلزمه إن لم تعين، ومثل الفادح المريض والميت، فإذا استؤجر على حمل آدمي فأتي له بمريض أو ميت لم يلزمه حمله حيث جزم أهل المعرفة بأنه يتعب الدابة، وينبغي أن يكون مثله من يغلب عليه النوم أو عادته عقر الدواب. قوله: [فيلزمه حمله]: أي سواء كان في بطنها حين العقد أو حملت به في السفر. قوله: [برؤيته]: المتبادر من مقابلته بالكيل وما بعده أن الرؤية بصرية، ولكن قال شيخ مشايخنا العدوي تبعاً لشيخه عبد الله إنها عليه فيصدق بجسه. قوله: [أي اكتراء دابة] إلخ: المقصود من هذه العبارة التعميم في الاستئجار على الحمل أي فلا فرق بين كون المستأجر عليه دابة أو شخصاً يحمله على نفسه كالعتالين فيكفي رؤية الحمل على كل حال. قوله: [فلا بد من بيان النوع]: اعلم أن بيان النوع لا بد منه في صحة العقد اتفاقاً، وأما بيان قدر المحمول فلا بد منه أيضاً وهو مذهب ابن القاسم عند القرويين، وقال الأندلسيون: لا يشترط ويصرف القدر للاجتهاد فإذا قال: أكتري دابتك لأحمل عليها إردباً قمحاً أو قنطاراً زيتاً أو مائة بيضة جاز اتفاقاً ولو قال أحمل عليها إردباً أو قنطاراً أو مائة بطيخة منع اتفاقاً لعدم ذكر النوع في الإردب والقنطار وللتفاوت البين في البطيخ، وأما لو قال: أحمل عليها قمحاً أو قطناً أو بطيخاً ولم يذكر القدر فممنوع عند القرويين وجائز عند الأندلسيين، ويصرف القدر الذي يحمل على الدابة إلى الاجتهاد، فإذا علمت ذلك فشارحنا ماش على طريقة القرويين. قوله: [في الثلاثة]: أي ويزاد في المعدود بيان الوصف. قوله: [أو خفة]: معطوف على قدراً. قوله: [بخلاف الأكثر]: أي في الكيل أو العدد وإن كان أخف ثقلاً. وقوله: [أو الأثقل]: أي وإن كان أقل عدداً أو كيلاً. قوله: [ومثل الحمل الركوب]: أي في التفصيل المتقدم فيجوز حمل المثل والدون لا الأثقل. قوله: [وسيأتي]: أي في قوله: وانتقال مكتر لبلد وإن ساوى إلا بإذن. قوله: [أي رضا المكتري لدابة] إلخ: هكذا نسخة المؤلف يجر دابة باللام ونصب عبداً وما بعده ومقتضى العربية إما حذف اللام من دابة أو جر عبداً وما بعده. قوله: [إذ الضرورات تبيح المحظورات]: أي فحيث كان نقد الكراء لا يجوز الرضا بغير المعينة إلا بقدر الضرورة فبعد زوالها لا يجوز، فالجواز ليس مطلقاً قال (عب): وانظر هل الاضطرار المشقة الشديدة أو خوف المرض أو ضياع المال أو الموت. قوله: [لما فيه من فسخ ما وجب له] إلخ: أي بناء على أن

стр. 813

فالجواز في صور ثلاث والمنع في واحدة، وسواء كانت الأجرة معينة أو مضمونة وأما غير المعينة إذا هلكت، فالجواز مطلقاً، بل هو الواجب به القضاء. (و) جاز (دار غائبة): أي جاز كراؤها كذا الحانوت والفرن ونحو ذلك (كالبيع) لها المتقدم ذكره، فلا بد من رؤية سابقة لا يتغير بعدها ولو بعدت أو بوصف شاف ولو من مكريها أو على الخيار بالرؤية (أو نصفها أو نصف كعبد): يعني أنه يجوز كراء بعض الشيء والبعض الثاني إما لربه أو شريكه. ثم يستعملانه أو يقتسما أجرته على قدر الحصص. (و) جاز الكراء (مشاهرة) وهو ما عبر فيه بلفظ: "كل"، نحو: كل يوم أو كل جمعة أو كل شهر أو كل سنة بكذا. (ولا يلزمهما) عقدها؛ فلكل منهما حله عن نفسه متى شاء ولا كلام للآخر والكراء فيه بعد كل يوم أو جمعة إلخ أو على ما اتفقا. وجاز تقديمه وتأخيره لبعد العمل، وعلى كل حال ليست بلازمة. (إلا بنقد) من المكري (فبقدره): أي فيلزم بقدر ما نقد. فإذا قال: كل يوم بدرهم ونقد مائة درهم لزم مائة يوم وهكذا، ولو قال كل شهر بعشرة ونقد خمسة لزم نصف شهر. (كالوجيبة): فإنها تلزم، نقد أو لم ينقد، بقدر ما سمى من المدة، ومن أراد الفسخ منهما عن نفسه فلا يجاب له إلا بتراضيهما معاً. وهي ما لم يعبر فيها بلفظ "كل" كما لو وقعت (بشهر كذا) كرجب (أو هذا الشهر) أو سنة كذا أو هذه السنة بالمعرفة (أو): أكتريها (شهراً أو سنة) أو جمعة أو يوم أو نصف [١] كل بالنكرة أو نصف ما ذكر من المعرفة (أو): أكتريها منك (إلى كذا) إن كان معلوماً، نحو: إلى شهر كذا أو سنة كذا أو قدوم زيد، وهو معلوم كل ذلك وجيبة يلزم بالعقد إلى الغاية. (و) جاز (عدم بيان الابتداء، وحمل) إذا لم يبينه (من حين العقد) وجيبة أو مشاهرة. (و) جاز (أرض مأمونة الري): أي كراؤها (سنين كثيرة): كالثلاثين والأربعين (وإن بشرط النقد) لعدم التردد بين السلفية والثمنية. والمأمونة: هي المتحقق ريها عادة، كمنخفض أرض النيل، وكالمعينة بكسر - العين المهملة - وهي تسقى بالعيون والآبار، وكأرض المشرق المتحقق ريها بالمطر. (و) جاز (غيرها): أي المأمونة (إن لم ينقد): أي لم يشترط النقد، فإن اشترط النقد لم يجز (وإن سنة) للتردد بين السلفية والثمنية، وأما النقد تطوعاً بعد العقد لم يضر. (ووجب) الكراء (في أرض النيل إذا رويت) بالفعل: ــ قبض الأوائل ليس كقبض الأواخر. قوله: [فالجواز في صور ثلاث]: واحدة فيما إذا لم ينقض ولم يضطر واثنتان عند الاضطرار وهما نقد أم لا والمنع فيما إذا نقد ولم يضطر وكل من الجائز والممنوع كانت الأجرة فيه معينة أو مضمونة فالجواز في ست والمنع في اثنتين. قوله: [فالجواز مطلقاً]: أي نقد أم لا، اضطر أم لا كانت الأجرة معينة أو مضمونة. قوله: [ونحو ذلك]: أي من باقي العقارات. قوله: [ولو من مكريها]: أي كما يقال في البيع يكفي الوصف ولو من بائعه خلافاً لمن يمنع ذلك. قوله: [بالرؤية]: أي عند الرؤية أي فيجوز العقد على دار أو حانوت أو نحو ذلك من غير رؤية لما ذكر ولا وصف ويجعل له الخيار عند رؤيتها. قوله: [ثم يستعملانه]: إما معاً إن أمكن ذلك أو يقتسمانه مهايأة. قوله: [أو يقتسما أجرته]: هكذا نسخة المؤلف بغير نون والمناسب إثباتها لعدم الناصب والجازم، ومعنى قسمة الأجرة أنهما يكريانه للغير ثم يقتسمان ما يأتي. قوله: [حله عن نفسه متى شاء]: هذا قول ابن القاسم في المدونة، وهو أحد أقوال ثلاثة. حاصلها: أن القول الأول لا يلزم الكراء في الشهر الأول ولا فيما بعده وللمكتري أن يخرج متى شاء ويلزمه من الكراء بحساب ما سكن. والثاني يلزمهما المحقق الأقل كالشهر الأول لا ما بعده. والثالث يلزم الشهر إن سكن بعضه. قال الشيخ ميارة: وبهذا الأخير جرى العمل عندنا، وهذه الأقوال الثلاثة داخلة في الكراء مساناة كذا في (بن) وفيه أن محل كون كراء المشاهرة منحلاً في غير المطامير التي يخزن فيها الطعام، وأما هي فليس للمكري إخراج الطعام منها قبل أوانه الذي يخرجه المكتري فيه كغلو الأسعار وإخراجها للبذر ويغتفر جهل المدة للضرورة. قوله: [إلا بنقد من المكري]: المناسب المكتري أو تجعل من بمعنى اللام. قوله: [أو يوم]: هكذا نسخة المؤلف من غير ألف والمناسب نصبه. قوله: [أو نصف كل بالنكرة]: الأخصر أو نصف ما ذكر من المعرف والمنكر. قوله: [لعدم التردد بين السلفية والثمنية]: حاصله أن ما كان مأموناً من أرض النيل والمطر والآبار والعيون يجوز فيها اشتراط النقد ولو لأعوام كثيرة، وما كان غير مأمون منها لا يجوز فيه اشتراط النقد. قوله: [وهي تسقى]: هكذا نسخة المؤلف، وقد سقط منه الموصول والأصل وهي التي تسقى. قوله: [وكأرض المشرق]: أي كالشام والأندلس. قوله: [وإن سنة]: مبالغة في محذوف قدره الشارح بقوله: فإن اشترط النقد لم يجز، والمعنى: أن شرط النقد في غير المأمونة مفسد ولو لسنة واحدة. وقوله: [للتردد بين السلفية والثمنية]: وجه ذلك: أنها إن رويت صارت الأجرة ثمناً أي تمت في نظير المنافع وإن لم ترو ردها المكتري لصاحبها كانت سلفاً من المكتري للمكري، ثم عادت له وإنما كان هذا حراماً لأن فيه سلفاً جر نفعاً والسلف لا يجوز إلا إذا كان لوجه الله والنفع الذي يجره هو احتمال كونها تروى فينتفع بها رب الدراهم. قوله: [وأما النقد تطوعاً]: مقابل قوله أي لم يشترط النقد.

стр. 814

أي يقضي به على المستأجر. (و) يجب (في غيرها): أي غير أرض النيل، وهي أرض المطر والسقي (إذا تم الزرع) واستغنى عن الماء؛ لأن أرض النيل لا تفتقر لماء بعد الزرع بخلاف غيرها. (و) جاز كراء الأرض (على أن يحرثها ثلاثاً) مثلاً، ويزرعها في الرابعة، والكراء إما [١] الحرث وحده أو مع كدراهم. وكذا يقال في الزبل الآتي. وهذا في الأرض المأمونة إذ غيرها يفسد فيها الكراء باشتراط ذلك لأنه من شرط النقد. (أو) على شرط (أن يزبلها) بتشديد الباء (إن عرف) ما يزبلها به نوعاً وقدراً؛ كعشرة أحمال، وإلا منع للجهل لأنه من الأجرة. (و) جاز في كراء الدور ونحوها (بشرط كنس مرحاض) على غير من قضى العرف بلزومه له من مكر أو مكتر. وعرف مصر أن المملوكة على المكري والموقوفة على الوقف. (أو) شرط (مرمة) على المكتري: أي إصلاح ما تحتاج إليه الدار مثلاً من كراء وجب. (أو) شرط (تطيين) للدار مثلاً على المكتري (من كراء وجب) على المكتري، إما في مقابلة سكنى مضت، أو باشتراط تعجيل الأجرة، أو لجريان العرف بتعجيله؛ احترازاً من شرط رمها أو تطيينها الآن على أن تحسبه مما سيجب عليك، فلا يجوز لفسخ ما في الذمة في مؤخر. وهذا معنى قوله: (لا إن لم يجب أو) كان التطيين أو المرمة (من عند المكتري) بأن شرط عليه ربها: بأن ترمها أو تطينها من عندك، بحيث لا يحسب من الأجرة؛ فلا يجوز ويفسخ العقد للجهالة. إذ الترميم في الحقيقة من الأجرة، ولا يعلم قدر ما يصرف فيه. وأما إذا لم يقع شرط في العقد - وكان الساكن يرم من عنده تبرعاً - فذلك جائز. وشبه في عدم الجواز المستفاد من النفي قوله: (كحميم): أي كاشتراط حميم (أهل ذي الحمام أو نورتهم) بضم النون أي كراء حمامه بكذا على أن المكتري يحمم أهله ويأتيهم بالنورة فلا يجوز (مطلقاً) علم عددهم أم لا للجهالة. ولذا لو علم عددهم وعلم أنهم يدخلون في الشهر مرة مثلاً، وأن قدر نورتهم كذا جاز، كما لو شرط شيء معلوم فيجوز. (أو لم يعين) بالبناء للمفعول (في الأرض) المكتراة (بناء) نائب فاعل يعين، أي حيث اكتريت للبناء فيها (أو غرس) إذا اكتريت للغرس (وبعضه)، أي والحال أن بعض البناء أو الغرس (أضر) من بعض (ولا عرف) بينهم يصار إليه، فلا يجوز، ويفسخ للجهالة، فإن بين نوع البناء أو ما يبنى فيها من دار أو معصرة أو رحى وكذا الغرس، جاز. كما لو جرى عرف بشيء معين. (و) لا (كراء وكيل وإن مفوضاً) أرض أو دار أو دابة موكله (بمحاباة أو بعرض): أي فلا يجوز ويفسخ؛ لأن العادة كراء ما ذكر بالنقد بكراء المثل فلموكله الفسخ إن لم يفت وإلا رجع على الوكيل بالمحاباة وكراء المثل في العرض فإن أعدم الوكيل رجع على المشتري ولا رجوع له على الوكيل ــ قوله: [أي يقضي به على المستأجر]: أي إن شح رب الأرض؛ وحاصله أنه إذا عقد الكراء في أرض الزراعة وسكت عن النقد حين العقد فإنه يقضي به في أرض النيل إذا رويت وتمكن من الانتفاع بها لكشف الماء عنها، وأما أرض المطر والعيون والآبار فلا يقضي بالنقد فيها إلا إذا تم زرعها واستغنى عن الماء. قوله: [ويجب في غيرها]: أي إن شح رب الأرض كما تقدم. قوله: [لأن أرض النيل لا تفتقر لماء] إلخ: أي افتقاراً تاماً وهذا في غالب الزروعات وغالب الأراضي، فلا ينافي أن بعض الزروعات كالأرز والقصب لا بد له من الماء بعد الزرع وبعض الأراضي العالية لا بد لها من السقي بعد الزرع في أي زرع. وظاهر كلامه أنه يقضي لرب الأرض بالأجرة بمجرد الري في جميع تلك المسائل نظراً للغالب فتأمل. قوله: [وكذا يقال في الزبل الآتي]: أي يجوز أن يكون أجرة وحده أو مع كالدراهم. قوله: [لأنه من شرط النقد]: أي سواء كان الحرث والتزبيل هو كل الكراء أو بعضه. قوله: [أو على شرط أن يزبلها]: أي يضع فيها سباخاً زبلاً أو غيره وإنما صح كونها أجرة؛ لأن له منفعة تبقى في الأرض بعد ذلك. قوله: [على الوقف]: أي يؤخذ لها من ريعه. قوله: [أو شرط مرمة] إلخ: اعلم أن المرمة والتطيين إن كانا مجهولين لا يجوز اشتراطهما على المكتري إلا من كراء وجب لا من عنده كأن يقول كلما احتاجت لمرمة أو تطيين كالتبييض فرمه أو طينه أو بيضه من الكراء. وأما إن كانا معلومين كأن يعين للمكتري ما يرمه أو يشترط عليه التبييض في السنة مرة أو مرتين فيجوز مطلقاً كان تبرعاً من عند المكتري أو من كراء وجب. قوله: [لفسخ ما في الذمة] إلخ: ظاهر العلة المنع ولو كان التطيين والمرمة معلومي القدر خلافاً لمن فهم خلاف ذلك. قوله: [بأن شرط عليه]: المناسب للسياق أن يقول عليك. قوله: [ويفسخ العقد للجهالة]: أي لكن إذا وقع ونزل فللمكري قيمة ما سكن المكتري وللمكتري قيمة ما رمَّ أو طين من عنده. قوله: [ولذا لو علم عددهم] إلخ: أي: فيجوز بتلك القيود الثلاثة علم عددهم وقدر دخولهم وقدر نورتهم. قوله: [كما لو شرط شيء معلوم]: أي من المرات في كل شهر أو من النورة. قوله: [أو لم يعين] إلخ: يعني: أنه لا يجوز أن يستأجر أرضاً على أن يعمل فيها ما شاء من بناء أو غرس من غير تعيين واحد منهما أو تعيينه ولا يبين نوعه والحال أن بعض ذلك أضر من بعضه وليس هناك عرف فيما يفعل في المكتراة وظاهر كلامه المنع، ولو قال رب الأرض للمكتري: اصنع بها كيف شئت وقيل يجوز حينئذ لأنه داخل على الأضر. قوله: [فلا يجوز ويفسخ للجهالة] إلخ: الذي يفيده كلام التوضيح أن ابن القاسم يقول بجواز العقد المذكور

стр. 815

ومثل الوكيل ناظر الوقف والوصي بجامع التصرف بغير المصلحة الواجبة عليه. (و) لا (انتقال مشتر) لدابة يركبها أو يحمل عليها (لبلد) أخرى [١] غير المعقود عليها [٢] إذ لا يجوز المخالفة في المسافة (وإن ساوت) المعقود عليها [٣] في السهولة أو الصعوبة أو المساحة، لأن أحوال الطرق تختلف بها الأغراض كعدو وغاصب في طريق دون أخرى - وقد يكون العدو لخصوص رب الدابة- ولذا قيل بالمنع للدون وهو الأظهر (إلا بإذن) من ربها. وتقدم جواز الحمل المساوي وإن لم يأذن. والفرق ما علمت من أن أحوال الطرق تختلف بها الأغراض. (وضمن) إذا انتقل بلا إذن (إن عطبت) الدابة ولو بسماوي لأنه صار كالغاصب. (كان أكرى) المكتري ما اكتراه (لغير أمين) فإنه يضمن، (أو) أكرى (لأثقل) منه (أو أضر) في الحمل، فإنه يضمن، ومن الأضر: حمل المرأة بالنسبة للرجل. ولربها اتباع الثاني إذا علم بتعدي الأول ولو عطبت بسماوي، وكذا إذا لم يعلم حيث تعمد الجناية. وفي الخطأ قولان: قيل: له اتباعه، وهو الأظهر. وقيل: يتبع الأول فقط كالسماوي. والحاصل: أن الدابة إذا تلفت عند الثاني فإما عمداً أو خطأ أو بسماوي، وفي كل: إما أن يعلم بتعدي الأول أو يعلم بأنه مكتر فقط أو يظن أنه المالك، فهذه تسعة. فإن علم بتعدي الأول ضمن مطلقاً حتى السماوي لأنه كالغاصب، وإن لم يعلم بالتعدي ضمن العمد، وكذا الخطأ على أحد القولين لا السماوي، لكن إذا علم بأنه مكتر فقط فلربها اتباعه حيث أعدم الأول، ثم يرجع على الأول إن أيسر، وإن ظن أنه المالك فليس لربها اتباعه. وقد علمت من هذا الحاصل حكم مفهوم لغير أمين إلخ. (أو زاد) المكتري (في المسافة) المشترطة (ولو ميلاً) فإنه يضمن والمراد أن الزيادة في المسافة توجب الضمان ولو كانت قليلة ليس الشأن العطب بمثلها، قال أبو الحسن: وأما مثل ما يعدل الناس إليه في المرحلة فلا ضمان فيه. (أو) زاد في الحمل (حملاً) بفتح الحاء بمعنى محمول (تعطب به وعطبت) في المسألتين، أي في زيادة المسافة مطلقاً وفي زيادة ما تعطب به في الحمل، فإنه يضمن: أي أن ربها يخير بين أخذ كراء ما زاد مع الكراء الأول وأخذ قيمتها يوم التعدي. فإن أخذ قيمتها فلا كراء له. ــ وصحته عند الإجمال لكن يمنع المكتري من فعل ما فيه ضرر وغير ابن القاسم يقول بعدم الجواز والفساد كما قال الشارح. فبهذا تعلم أن الشارح مشى على غير مذهب ابن القاسم. قوله: [ومثل الوكيل ناظر الوقف]: أي فإذا حابى الناظر في الكراء خير المستحقون في الإجازة والرد إن لم يفت الكراء فإن فات كان للمستحقين الرجوع على الناظر بالمحاباة إن كان ملياً ولا رجوع له على المكتري، فإن كان الناظر معدماً رجع المستحقون على المكتري ولا رجوع له على الناظر، وأما إن أكرى الناظر بغير محاباة، فإن كان بأجر المثل فلا يفسخ كراؤه ولو بزيادة زادها شخص على المشتري، وأما إن أكرى بأقل من أجرة المثل فإنه يفسخ كراؤه ولو بزيادة زادها عليه شخص آخر أجرة المثل وإلا فلا يفسخ وهذا معنى قولهم الزيادة في الوقف مقبولة، وما قيل في ناظر الوقف يقال في الوصي. قوله: [أو الصعوبة أو المساحة]: أي في المحلين بمعنى الواو، والمعنى لا يجوز وإن تساوت في كل الأوصاف. قوله: [ولذا قيل بالمنع]: أي لأجل هذا التعليل. قوله: [ولو بسماوي]: أي هذا إذا كان عطبها بفعله عمداً أو خطأ، بل ولو كان بسماوي. قوله: [فإنه يضمن]: أي ولو كان نفس المكتري غير أمين؛ إذ قد يدعي ربها أن الأول يراعي حقه ويحفظ متاعه بخلاف الثاني. قوله: [أو أضر في الحمل]: أي ولو كان دونه في النقل بأن كان من عادته عقر الدواب. قوله: [ومن الأضر حمل المرأة]: أي فإذا اكترى الدابة على أن يركبها بنفسه فحمل عليها زوجته مثلاً فإنه يضمن إن عطبت ظاهره ولو كانت المرأة أخف منه. قوله: [ولربها اتباع الثاني]: أي وإذا اكترى المكتري لغير أمين أو لأضر كان لربها اتباع الثاني بقيمتها إذا تلفت، وبأرش عيبها إذا تعيبت وله البقاء على اتباع الأول. قوله: [إذا علم] إلخ: أي بأن علم الثاني أن الأول يعطيها له بغير إذن ربها. قوله: [وكذا إذا لم يعلم]: أي بأن ظن أنه مالك لها أو مكتر فقط. قوله: [لكن إذا علم بأنه مكتر فقط]: أي من غير علم بالتعدي في إعطائها له إنما كان لربها اتباعه في هذه الحالة حيث أعدم الأول؛ لأن عنده نوع تفريط، بخلاف ما إذا ظن أنه المالك فليس عنده تفريط. قوله: [أي في زيادة المسافة مطلقاً]: أي قليلة أو كثيرة. قوله: [أي أن ربها يخير]: أي في المسائل الثلاث. قوله: [فإن أخذ قيمتها فلا كراء له]: أي فلا شيء له من كراء أصلي ولا زائد إن زاد في الحمل من أول المسافة، فإن زاد أثناءها خير بين أخذ قيمتها يوم التعدي مع كراء ما قبل الزيادة وبين الكراء الأول والزيادة، وأما زيادة المسافة فإن اختار القيمة فله كراء أصل المسافة الأولى؛ لأن الضمان يوم التعدي وهو طار بعد المسافة الأولى فهي على ملك ربها في تلك الحالة.

стр. 816

(وإلا) بأن لم تعطب في المسألتين أو زاد في الحمل ما لا تعطب به، وعطبت (فالكراء): أي كراء الزيادة مع الأول، ولا يخير ربها. (ولك) إذا اكتريت دابة لحمل أو ركوب (فسخ) كراء دابة (عضوض): أي تعض من قرب منه لأنه عيب وليس المراد المبالغة في العض (أو جموح): أي عسرة الانقياد، تعرف بالحرون (أو أعشى) لا يبصر ليلاً (أو ما دبره فاحش) يضر بسيرها أو براكبها ولو بشدة رائحته، بخلاف اليسير الذي لا يضر فلا فسخ به. (والسنة) في كراء أرض الزراعة تكون (في أرض النيل والمطر بالحصاد): فمن اكترى فداناً ليزرعه أيام نزول المطر أو أيام ذهاب النيل سنة فزرعه، فمنتهى الأجل الحصاد ولو كانت المدة أربعة أشهر أو أقل. والمراد بالحصاد: أخذ الزرع منها، فيشمل الرعي. فإن كان الزرع يخلف كالبرسيم فبآخر بطن. (وفي) أرض (السقي) من العيون والآبار (بالشهور) اثني عشر شهراً من يوم العقد، فإن تمت السنة وله فيها زرع أخضر، لزم رب الأرض إبقاؤه لحصاده وعلى المكتري كراء مثل الزائد على السنة بما تقوله أهل المعرفة. (ولزوم الكراء): أي كراء أرض الزراعة (بالتمكن) من الزرع وإن لم يزرع. ما لم يكن المانع له من الزرع أكل دود أو فأر له إبان الزرع فلا يلزمه الكراء. ثم بالغ على لزوم الكراء بالتمكن: (وإن فسد الزرع لجائحة) لا دخل للأرض فيها؛ كجراد وجليد وبرد وجيش وغاصب وعدم نبات بذر، بخلاف ما لها فيه دخل كدود كما يأتي. (أو غرق بعد) فوات (الإبان): أي وقت الحرث فإنه يلزمه الكراء ــ قوله: [بأن لم تعطب في المسألتين]: أي مسألة المسافة مطلقاً ومسألة الحمل فهذه ثلاث صور، وقوله: أو زاد في الحمل ما لا تعطب به وعطبت صورة رابعة وأولى في الحكم إذا سلمت فهذه الخمس ليس لصاحبها إلا كراء الزائد مع الأول فتحصل أن الصور ثمان يخير بين القيمة وكراء الزائد في الثلاثة الأول وكراء الزائد مع الأصلي في تلك الخمس. تنبيه: يخير المكري أيضاً فيما إذا حبسها المكتري بعد مدة الإجارة زمناً كثيراً حتى تغير سوقها بيعاً أو كراء بين كراء الزائد الذي حبسها فيه أو قيمتها يوم التعدي مع الكراء الأول، ومفهوم قولنا كثيراً أنه لو حبسها يسيراً كاليومين فليس له إلا كراء الزائد. قوله: [فسخ كراء دابة عضوض]: المراد أنه طلع على كونها عضوضاً بعد العقد. قوله: [من قرب منه]: ذكر باعتبار الوصف بعضوض. قوله: [وليس المراد المبالغة في العض]: أي بل المراد النسبة، ويصح بقاء المبالغة على ظاهرها باعتبار تعدد الساعات حتى صار شأناً لها، وأما لو وقع العض فلتة في العمر مثلاً فليس بعيب قطعاً. قوله [أو أعشى لا يبصر ليلاً]: أي وسواء اكتراه ليسير به ليلاً أو نهاراً أو فيهما فيثبت له الخيار على كل حال، إما أن يرد أو يتماسك بجميع الكراء المسمى، كما أن عليه جميع الكراء إذا اكتراه ليسير به ليلاً ونهاراً ولم يسر به إلا نهاراً، وما في (عب) من أنه إذا علم به وتماسك يحط عنه أرش العيب فهو خلاف النقل كما في (بن) نعم إذا لم يطلع المكتري على كونه أعشى إلا بعد انقضاء المسافة المستأجر عليها فإنه يحط عنه من الأجرة بحسبه كما في المجموع. قوله: [أو ما دبره فاحش]: الدبر بفتحتين جرح في الظهر كما قال الأعرابي: أقسم بالله أبو حفص عمر ... ما مسها من نقب ولا دبر قوله: [بما تقوله أهل المعرفة]: أي ولا يعتبر الكراء بالنظر للسنة الماضية، بل ينظر له في حد ذاته إذ قد يكون أغلى أو أرخص، وهذا قول سحنون. وقال ابن يونس: يلزمه أجرة ما زاد على السنة على حسب ما أكرى به فيها، وذلك بأن يقوم كراء الزيادة فإذا قيل دينار قيل وما قيمة السنة كلها، فإذا قيل خمسة فقد وقع للزيادة مثل كراء خمس الثمن فيكون عليه الكراء المسمى ومثل خمسه. قوله: [وإن لم يزرع]: أي فمتى تمكن من المنفعة سواء استعمل أو عطل كما إذا بوّر الأرض لزمه الكراء والتمكن من منفعة أرض النيل بريها وانكشافها ومن منفعة أرض المطر باستغناء الزرع عن الماء وليس المراد التمكن من التصرف كما قال الأصل و (عب) والخرشي؛ لأنه كان متمكناً منه حين العقد قاله المسناوي كذا في (بن). قوله: [ما لم يكن المانع له من الزرع أكل دود] إلخ: أي: وكذا لو كان المانع له من التمكن فتنة أو خوفاً من غاصب لا تناله الأحكام. تنبيه: إذا تنازعا في التمكن وعدمه كان القول قول المكتري بيمين أنه لم يتمكن إن أقر المكتري بالتمكن لكن ادعى أنه منعه مانع بعد ذلك فالقول للمكري وعلى المكتري إثبات المانع لأن الأصل عدمه. قوله: [ثم بالغ على لزوم الكراء بالتمكن وإن فسد] إلخ: هكذا نسخة المؤلف وقد أسقط لفظ بقوله. قوله: [أي وقت الحرث]: أي وسواء حصل الغرق بعد الحرث أو قبله وإنما لزمه الكراء في هذه

стр. 817

وسيأتي مفهوم بعد الإبان (أو لم يزرع) المكتري (لعدم بذر): فيلزمه الكراء، ولا يعذر بعدمه لتمكنه من إيجارها لغيره. ولذا لو عدم البذر من المحل لسقطت الأجرة لعموم العذر. (أو سجن) عطف على: "عدم"، أي أو لم يزرع لسجن فيلزمه الكراء، سجن ظلماً أو لا، ما لم يقصد من سجنه منعه به عن الزرع. وإلا فالكراء على من سجنه كما لو أكرهه على عدمه. (بخلاف تلفه): أي الزرع (بآفة الأرض) أي الناشئة منها (كدودها أو فأرها أو عطش) في أرض المطر لعدم نزوله عليه كعدم الري في النيل (أو غرق) للأرض (قبل الإبان واستمر) الغرق عليها حتى فات وقت ما تراد له فلا يلزمه الكراء (ولو عطش البحر [١]) دون البعض (أو غرق) البعض واستمر دون البعض (فلكل حكمه): وهو أن ما عطش أو لم يرو أو غرق قبل الإبان واستمر فلا كراء له، وما لم يعطش ولم يغرق فعليه فيه الكراء. (ولو جر السيل) أو النيل (حباً) بذر في أرض (أو) جر (زرعاً) نبت في أرض لمالكها أو مالك منفعتها (لأرض) أخرى (فلربها): أي فالحب المجرور أو الزرع لرب الأرض المجرور إليها، لا لربه؛ لأنه لما انجر إلى أرض غير أرضه قهراً عنه كان ضائعاً فيثبت لمن نبت في أرضه، ولا شيء عليه لربه من مثل ولا قيمة. (ولا يجبر مؤجر) لدار أو غيرها (على إصلاح) للمكتري منه إذا حصل في الدار أو الحانوت أو الحمام أو البئر المكتراة خلل (مطلقاً) كان يمكن معه الانتفاع أم لا، يضر بالمكتري أم لا. باتفاق في الكثير المضر، وعلى مذهب ابن القاسم في اليسير. فالخلاف إنما هو في اليسير ولو مضراً. (و) إذا لم يجبر المكري على الإصلاح فإذا لم يصلح (خير الساكن) بين الفسخ والإبقاء (في) حدوث خلل (مضر) ولو مع نقص منافع، كهطل: أي تتابع المطر من السقف للخلل الحادث به، وكهدم ساتر أو بيت من بيوتها أو الباذهنج. (فإن بقي فالكراء) كله لازم له. ومفهوم: " مضر " أنه إذا كان لا يضر فلا خيار له ويلزمه السكنى. إلا أنه إذا كان لا ينقص من الكراء شيئاً فظاهر، كسقوط بعض شرفات البيت ونحوه مما لا يعتنى به عادة. وإن كان ينقص من الكراء حط عنه بقدره وإن قل؛ كسقوط تجصيصها أو ذهاب بلاطها أو هدم بيت من بيوتها وكان لا يضر وسقوط شرفاتها مع تنقيصه من الكراء. فإن أصلح المكتري بلا إذن كان متبرعاً لا شيء له في الأقسام الثلاثة. فإن انقضت المدة خير رب الدار بين دفع قيمته منقوضاً أو أمره بنقضه كالغاصب، بخلاف ما لو أذن فله قيمته قائماً إذا لم يقل ربها: عمر وما صرفته فعلي، فيلزمه جميع ما صرفه. وقولنا: "وخير الساكن في مضر": أي إذا لم يصلح المؤجر كما قدمنا، فإن أصلح له قبل خروجه لم يكن له خيار، ــ الحالة لأن ذلك الغرق بمنزلة الجراد الطارئ على الزرع. قوله: [وسيأتي مفهوم بعد الإبان]: أي في قوله أو غرق قبل الإبان. قوله: [ولذا لو عدم البذر] إلخ: أي عدموه ملكاً وتسلفاً حتى من البلد المجاورة لهم. قوله: [ما لم يقصد من سجنه] إلخ: ويعلم قصده بقرينة أو بقول. قوله: [فلكل حكمه]: أي ما لم يكن الباقي قليلاً بالنسبة للتالف كخمسة أفدنة من مائة إذا كانت مفرقة الفدادين فلا أجرة لها لأنها كالهالك، وقيل لا يلزمه لها أجرة مطلقاً وإن كانت غير مفرقة كما يؤخذ من الحاشية، ومثل عطش البعض باقي آفات الأرض التي تمنع الكراء. قوله: [ولو جر السيل]: مثل ذلك ما إذا انتثر للمكتري أرضاً حب من زرعه في تلك الأرض زمن الحصاد فنبت فيها في العام القابل فلا يكون لصاحبه، بل لرب الأرض لإعراض ربه عنه بانقضاء مدته، ولذا لو بقيت مدة الكراء كان الزرع له، وأما لو بذره في الأرض التي اكتراها فلم ينبت في سنته بل في قابل كان لربه وعليه كراء الأرض، كما أن عليه كراء العام الماضي إن كان عدم النبات لغير عطش ونحوه وإلا فلا كما تقدم. قوله: [أو الزرع لرب الأرض المجرور إليها]: أي وهو مالك ذاتها أو منفعتها. قوله: [ولا يجبر مؤجر]: أخذ بعض الأشياخ من هذه المسألة أنه لا يجبر من له خربة في جوار شخص يحصل له منها ضرر على عمارتها ولا على بيعها ويقال له: ادفع عن نفسك الضرر بما تقدر عليه ولا ضمان على ربها إن حصل بسببها تلف، وبه أفتى الشيخ سالم السنهوري وأفتى بعضهم بلزوم رب الخربة بما يدفع الضرر من عمارة أو بيع، وهذا هو الذي ارتضاه شيخ مشايخنا العدوي. قوله: [وعلى مذهب ابن القاسم في اليسير]: أي وأما ابن حبيب فيقول: يجبر المكري على الإصلاح فيها قال ابن عبد السلام وبه العمل. قوله: [أو الباذهنج]: أي وهو المسمى بالملقف. قوله: [فالكراء كله لازم له]: أي لأن خيرته تنفي ضرره. قوله: [بعض شرفات البيت]: الشين مضمومة والراء مضمومة أو مفتوحة أو ساكنة. قوله: [كان متبرعاً] إلخ: هذا إذا كان العقار ملكاً وأما من استأجر وقفاً يحتاج لإصلاح فأصلحه المكتري بغير إذن ناظره فإنه يأخذ قيمة بنائه قائماً لقيامه عنه بواجب للوقف على الناظر لا لأجل المستأجر فالوجوب لحق الله لا لخصوص الساكن. قوله: [في الأقسام الثلاثة]: أي وهي المضر وغير المضر ولا ينقص الكراء وغير المضر وينقص.

стр. 818

بل يجبر على السكنى بقية المدة، وهو معنى قوله ﵁: "بخلاف ساكن أصلح له بقية المدة قبل خروجه". ومفهوم قوله: "قبل خروجه" أنه لو أصلح له بعد أن خرج، فلا يلزمه العود لها حتى تنقضي المدة. (والقول) عند التنازع بين الأجير ومستأجره (للأجير أنه أوصل ما أرسل به) مما استؤجر على إيصاله من كتاب أو غيره بيمينه إن أشبه؛ بأن كان الأمد يبلغ في مثله عادة فيستحق الأجرة لأنه أمين. فإن لم يحلف حلف المستأجر ولا أجرة له، وإن كان يضمن إذا أنكر المرسل إليه الوصول إليه؛ لأن الكلام هنا في استحقاق الأجرة لا في نفي [١] الضمان، فلا ينافي ما تقدم في الوديعة من الضمان. (أو أنه استصنع) أي: والقول للأجير إذا كان صانعاً ودفع له شيء له فيه صنعته كخياط دفع له ثوب فخاطه وادعى أنه دفع له ليصنعه، وقال ربه: بل دفعته لك وديعة عندك؛ لأن الشأن فيما يدفع للصناع الاستصناع والإيداع نادر فيلزم ربه الأجرة. (أو أنه على الصفة): التي قلت لي عليها، وقال ربه: بل ذكرت لك صفة أخرى؛ فالقول للأجير كخياط وصباغ ونجار ونحوهم (إن أشبه) الأجير في دعواه، فإن لم يشبه حلف ربه وثبت له الخيار في أخذه ودفع أجرة المثل وتركه وأخذ قيمته غير مصنوع، فإن نكل اشتركا؛ هذا بقيمة ثوبه مثلاً غير مصبوغ وهذا بقيمة صبغه. فقوله: "أو أنه على الصفة"، معناه أنهما اتفقا على الاستصناع واختلفا صفتها. وكذا القول للأجير في قدر الأجرة إن أشبه بيمينه، أشبه ربه أم لا. فإن انفرد ربه بالشبه، فالقول له بيمينه، فإن لم يشبها حلفا، وكان للأجير أجرة مثله. كأن نكلا معاً وقضي للحالف على الناكل، وهذا إذا كان المصنوع تحت يد الصانع، فإن حازه ربه، أو كان الصانع إنما يصنعه في بيت ربه. ولا يمكنه من الخروج به، أو كالبناء، فالقول في قدر الأجرة لربه إذا لم ينفرد الصانع بالشبه، وإلا فالقول له. (لا في رده): أي المصنوع لربه (وهو مما يغاب عليه). كالثوب والحلي: أي فليس القول قول الصانع إنه رده لربه، بل القول لربه بيمينه. وأما ما لا يغاب عليه - كدابة دفعها ربها لمن يعلمها بأجر وادعى ردها - فالقول للأجير في ردها. ولما كان لهم مسائل من الإجارة تشبه الجعالة، من حيث إنه لا يستحق فيها الأجير أجرته إلا بتمام العمل نبه عليها بقوله: (والأصح) الذي هو قول ابن القاسم وروايته في المدونة عن مالك (أن كراء السفن)، إنما يستحق (بالبلاغ) إلى المحل المشترط: أي مع إمكان إخراج ما فيها فإن غرقت في الأثناء أو بعد البلاغ قبل التمكن من إخراج ما فيها فلا أجرة لربها ــ قوله: [بل يجبر على السكنى]: أي حيث كانت وجيبة أو نقد كراءها وإلا فلا يجبر مطلقاً. قوله: [حتى تنقضي المدة]: حتى غائية بمعنى "إلى" مفرع على المنفي. تنبيه: إن غارت عين المكري لأرض زراعة سنين بعد زرعها وأبى المكري من التعمير أنفقت أيها المكتري أجرة سنة ليتم زرعك في تلك السنة ويلزم المكري ما أنفقت لأنك قمت عنه بواجب، فلو كان لا يصلحها إلا أكثر من أجرة سنة وأبى ربها من الإصلاح ومن الإذن فأنفق المكتري كان متبرعاً بالزائد، فإن أبى من الإنفاق أيضاً كان له ذلك ولا يلزمه الكراء؛ لأن هلاك الزرع من العطش كذا في الأصل. قوله: [فإن لم يحلف]: راجع لقوله بيمينه. قوله: [حلف المستأجر]: أي إن حقق عليه الدعوى وإلا فلا يمين ولا أجرة. قوله: [لا في نفي الضمان]: أي ضمان الشيء المستأجر عليه. قوله: [فلا ينافي ما تقدم في الوديعة من الضمان]: قال خليل في الوديعة عاطفاً على ما فيه الضمان أو المرسل إليه المنكر ولا بينة. وقال في الوكالة: وضمن إن أقبض الدين ولم يشهد قال شراحه ومثل الدين غيره. قوله: [إن أشبه]: أي بالنسبة لمالكه في استعماله كصبغه شاشاً أخضر لشريف أو أزرق لنصراني فلا يقبل دعوى شريف أنه أمره بصبغه أزرق ليهديه لنصراني، ولا دعوى نصراني أنه أمره بصبغه أخضر ليهديه لشريف، وكل هذا ما لم تقم قرينة قوية تؤيد قول المالك. وقوله: [إن أشبه]: راجع للفروع الثلاثة فحذفه من الأولين لدلالة الثالث عليه كما يستفاد من الشارح. قوله: [وكذا القول] إلخ: زيادة من الشارح على المتن. قوله: [كأن نكلا معاً]: أي ففيه أجرة المثل. قوله: [وهذا إذا كان المصنوع] إلخ: تقييد للتفصيل المتقدم في التنازع في قدر الأجرة. قوله: [لا في رده]: حاصله أنه إذا ادعى الصانع رد المصنوع لربه وأنكر ربه أخذه كان القول قول ربه، سواء كان الصانع قبضه ببينة أو بغيرها، وهذا إذا كان المصنوع مما يغاب عليه، والفرق بين ما هنا وبين الوديعة أن المودع بالفتح قبض الوديعة على غير وجه الضمان والصانع قبض ما فيه صنعته ويغاب عليه على وجه الضمان. قوله: [فالقول للأجير في ردها]: أي إلا أن يكون قبضها ببينة مقصودة للتوثيق وإلا فلا يقبل دعواه ردّاً ولا تلفاً. تنبيه: إن ادعى الصانع الاستصناع كصباغ صبغ الثوب، وقال ربه: سرق مني، فإن أراد ربه أخذه دفع قيمة الصبغ بعد حلفه أنه ما استصنعه إن زادت دعوى الصانع على قيمة الصبغ وإلا أخذه بلا يمين ودفع للصانع ما ادعاه من الأجرة وإن اختار تغريمه قيمة الثوب، فإن دفع الصانع قيمته أبيض يوم الحكم على الأظهر فلا يمين على واحد منهما، وإن امتنع من دفعها حلفاً وبدئ الصانع، وقيل

стр. 819

وهي إجارة لازمة بالعقد لا جعالة (إلا أن يتمم [١] العمل غيره): أي غير الأول. فإذا عطبت في أثناء الطريق، فجاء رب سفينة أخرى فحمل ما فيها إلى المحل المقصود بأجرة كثيرة أو قليلة (فللأول) الذي غرقت سفينته (بحسب كرائه) لا بحسب الكراء الثاني. فإن غرق بعض ما فيها ونجا البعض فحمله غيره إلى المحل فلا كراء لما غرق، وإنما له كراء ما بقي إلى محل الغرق على حسب الكراء الأول لا بنسبة الثاني. وهذا فيما إذا لم يعقد على الجعالة وهي غير لازمة كما يأتي. فإن عقدا عليها؛ كما لو قال: إن حملت متاعي هذا أو: كل من حمله إلى القاهرة فله كذا، فحمله إنسان في سفينته فغرقت فحمله غيره بكراء أو جعل فله بحساب الثاني كما يأتي في الجعالة. وسيأتي أيضاً أن ما جاز جعالة جاز إجارة ولا عكس. (كمشارطة طبيب على البرء) فلا يستحق الأجرة إلا بحصوله، فإن ترك قبل البرء فلا شيء له، إلا أن يتمم غيره فله بحساب كرائه الأول، فإن لم يجعل الأجرة على البرء فله بحساب ما عمل. (و) مشارطة (معلم على حفظ قرآن) كلاً أو بعضاً، فلا أجرة له إلا بالحفظ وكذا معلم صنعة: على أنه إن تعلمها فللمعلم كذا. (و) مشارطة (حافر بئر على استخراج الماء) فلا يستحق الحافر أجرة إلا بالتمام واعترض هذا الفرع ابن عبد السلام: بأنه من الجعالة لا من الإجارة، ويجاب: بأنه يمكن جعله من الإجارة إذا كان بأرض مملوكة ودخلا على الإجارة. (وإن فرط) رب الأمتعة (بعد البلاغ): أي بلاغ السفينة للمحل المقصود (في إخراج ما فيها): أي السفينة من الأمتعة (فتلف) ما فيها بغرق أو غيره (فالكراء) لازم لربها (كأن أخرج) ما فيها (في الأثناء): أي في أثناء الطريق أي أخرجه ربه اختياراً منه (لغير علة) تقتضي الإخراج: أي لغير علة حدثت بالسفينة من غرق أو عطب أو غصب لها، فيلزم ربه جميع الكراء لأنه عقد لازم. (وجاز إن خيف) عليها (الغرق [٢] ما به): أي فعل ما في طرحه منها (النجاة) من الغرق (غير آدمي) وأما الآدمي فلا يجوز طرحه ولو عبداً أو كافراً فلا يجوز طرح ذمي لنجاة مسلم ولا طرح عبد لنجاة حر. (وبدئ) في الطرح (بما ثقل): كالحديد والرصاص، وبدئ منه بما قل ثمنه كالحجر (أو عظم جرمه) وإن لم يثقل: كالتبن والكتان والقطن. (ووزع) ما طرح (على مال التجارة فقط): أي دون غيره، كفرش الإنسان وغطائه وزاده مما ليس في التجارة فيه مدخل ــ يبدأ ربه واشتركا إن حلفا أو نكلا وقضى للحالف على الناكل بخلاف ما لو اختلفا في لت السويق فقال اللات: أمرتني أن ألته بخمسة أرطال من سمن، وقال ربه: ما أمرتك بشيء أصلاً بل سرق مني أو غصب فلا يحلفان ولا يشتركان، بل يقال لربه: ادفع له قيمة ما ادعاه فإن أبى قيل للات ادفع له مثل السويق غير ملتوت. كذا في الأصل. قوله: [وهي إجارة لازمة بالعقد لا جعالة]: أي ما لم يصرح عند العقد بالجعالة وإلا كانت جعالة غير لازمة ولها حكم يخصها كما يأتي. قوله: [فإذا عطبت في أثناء الطريق]: المراد منعها من السفر مانع قهري، وأما لو أخرج ما في السفينة باختياره فأكرى ربه عليه فلا شيء للأول من الأجر، كما أنه لو خرج الراكب في السفينة قبل البلاغ باختياره لزمه جميع الأجر وسيأتي إيضاحه في الشارح. قوله: [بحسب كرائه] إلخ: أي كما إذا كان كراء، الأول عشرة وغرقت في نصف الطريق فاستأجر عليها بعشرين فليس للأول إلا خمسة، ولو كان له بنسبة الثاني لكان له عشرون. قوله: [فله بحساب الثاني كما يأتي في الجعالة]: أي في قوله إلا أن يتمه غيره فبنسبة الثاني. قوله: [وسيأتي أيضاً أن ما جاز جعالة] إلخ: أي في قوله وكل ما جاز فيه الجعل جازت فيه الإجارة ولا عكس. قوله: [فله بحساب ما عمل]: أي وإن لم يحصل برء به ولا بغيره. قوله: [فلا أجرة له إلا بالحفظ]: أي فإن لم يجعل الأجرة على الحفظ، بل على التعليم كان له الأجر بحساب ما عمله حصل حفظ أم لا. قوله: [ويجاب بأنه يمكن] إلخ: أي لما يأتي من أن كل ما جازت فيه الجعالة جازت فيه الإجارة. قوله: [فيلزم ربه جميع الكراء] إلخ: لا فرق في هذا بين كون العقد جعالة أو إجارة. قوله: [ما به]: أي فعل ما به النجاة من طرح أو غيره، ومراده بالجواز الإذن الصادق بالوجوب؛ لأن هذا الأمر واجب إذا تحقق العطب بالترك. قوله: [وأما الآدمي فلا يجوز طرحه]: أي خلافاً للخمي القائل بجواز طرح الآدميين بالقرعة؛ لأن هذا كالخرق للإجماع؛ لأنه لا يجوز إماتة أحد من الآدميين لنجاة غيره. قوله: [وبدئ في الطرح بما ثقل] إلخ: أي وجوباً لأجل المحافظة على المال لأنه يجب المحافظة بقدر الإمكان. قوله: [جرمه]: بكسر الجيم أي جسمه. قوله: [وإن لم يثقل]: أي لأن عظم الشيء يكون سبباً في الغرق. قوله: [ووزع ما طرح على مال التجارة]: أي إن كان فيها مال تجارة وغيره، وأما إذا لم يكن فيها مال تجارة وإنما فيها ذوات الآدميين وغطاؤهم ووطاؤهم فيرمي الغطاء والوطاء ويوزع على باقي أموالهم على الظاهر. قوله: [في التجارة فيه مدخل]: هكذا نسخة المؤلف والكلام فيها على التقديم والتأخير والأصل مما ليس فيه مدخل

стр. 820

(طرح) مال التجارة (أو لا بقيمته) أي بقيمة المطروح متعلق بوزع (يوم التلف): متعلق بقيمته، فيقال: ما قيمة المطروح يوم طرحه؟ فإذا قيل: مائة، وما قيمة ما لم يطرح؟ فإذا قيل مائتان، فصار قيمة الجميع ثلاثمائة فقد ضاع ثلث المال، فيرجع على من لم يطرح ماله بثلث قيمته. ولو قيل بعكس ما تقدم رجع على من لم يطرح ماله بالثلثين؛ ولو كان اثنان لأحدهما ما يساوي ثلاثمائة وللثاني ما يساوي ستمائة، وطرح من الأول ما يساوي مائة ومن الثاني ما يساوي مائتين، فلا رجوع لأحدهما على الآخر؛ لأن ما طرح ثلث الجميع وعلى كل ثلث ما بيده، وقد حصل. ولو كان الطرح بالعكس، بأن طرح لذي الستمائة ما يساوي مائة ولذي الثلثمائة ما يساوي مائتين، لرجع على ذي الستمائة بمائة. (والقول) عند التنازع (لمن طرح متاعه فيما يشبه) بيمينه، فإن لم يشبه فقول غيره. ولو وجد إنسان ما طرح، فهل يملكه؟ لأنه بطرحه زال ملك ربه عنه، أو لقطة يرد لربه إن علم؟ وهو الأصح. (فصل) [١] الجعالة في العرف: (التزام أهل الإجارة): وهو المتأهل لعقدها؛ وهو العاقل (عوضاً علم): خرج المجهول، فلا يصح جعالة ولا إجارة؛ كالبيع، (لتحصيل أمر) من أمور؛ كإتيان بشيء وحمل وحفر، وخرج بذلك البيع، (يستحقه السامع) للملتزم العوض ولو لم يخاطبه (بالتمام) للعمل المطلوب وتمامه: بتحصيل ثمرته. وخرج بذلك الإجارة. ومفهومه أنه إذا لم يتم العمل فلا يستحق شيئاً، وهو كذلك. واستثنى من ذلك المفهوم قوله: (إلا أن يتمه غيره): أي بأجر قل أو كثر بدليل قوله: (فبنسبة الثاني): أي فإن أتمه غيره فللأول من الأجر بنسبة أجر عمل العامل الثاني، ولو كان الثاني أكثر من الأول؛ لأن الجاعل حينئذ قد انتفع بما عمله له الأول، مثاله: أن يجعل للأول خمسة على أن يحمل له خشبة لمكان معلوم، فحملها لنصف الطريق وتركها. فجعل لآخر عشرة على أن يوصلها لذلك المكان فأوصلها؛ فللأول عشرة مثل الثاني لأن الثاني لما استؤجر من نصف الطريق بعشرة علم أن أجرة الطريق كلها عشرون، وكان النظر أن ينظر لكراء المثل لأن رب الخشبة قد يخاف عليها الضياع ــ في شأن التجارة. قوله: [طرح مال التجارة]: هكذا لفظ المتن والشرح في نسخة المؤلف ولعل المتن سقط منه ما والأصل ما طرح وسقط من الشارح من الأصل ووزع على مال التجارة فقط ما طرح من مال التجارة أولاً، وبعد ذلك فلا مفهوم لمال التجارة بل يوزع على مال التجارة ما طرح للنجاة كان من مال التجارة أو غيره فتأمل. قوله: [ولو قيل بعكس ما تقدم]: أي بأن قيل قيمة المطروح مائتان وقيمة ما لم يطرح مائة. قوله: [رجع على من لم يطرح ماله بالثلثين]: أي فيصير الباقي لكل ثلث ماله. قوله: [وهو الأصح]: أي لأن الطرح أمر قهري فليس صاحبه معرضاً عنه اختياراً. فصل في الجعالة أفرده عن الإجارة لاختصاصه ببعض أحكام. والجعالة بفتح الجيم وكسرها وضمها ما يجعل على العمل وهو رخصة فهو أصل منفرد لا يقاس عليه، وقد أنكره جماعة من العلماء ورأوا أنه من الغرر والخطر؛ ورد عليهم بوروده في قوله تعالى: ﴿ولمن جاء به حمل بعير وأنا به زعيم﴾ [يوسف: ٧٢] مع العمل من كافة المسلمين، وقوله ﵊ يوم حنين: «من قتل قتيلاً فله سلبه». قوله: [في العرف]: أي وأما في اللغة فهو المال المجعول. قوله: [التزام أهل الإجارة]: قد تقدم أنه أحال عاقد الإجارة على البيع وأحال الجعل هنا على الإجارة؛ لأن الجعل للإجارة أقرب. وأشار إلى أن الأصل في بيع المنافع الإجارة والجعل تابع لها. قوله: [وهو العاقل]: أي المكلف الرشيد الطائع، وهذا شرط في اللزوم لدافع العوض. وأما أصل الصحة فيتوقف على التمييز وتقدم ذلك في باب الإجارة واكتفى بشرط الجاعل عن شرط المجعول له؛ لأن ما كان شرطاً في الجاعل كان شرطاً في المجعول له فاكتفى بأحد المتعاقدين، وإلا لقال عوضاً وعملاً ليكون قوله التزام إلخ شرطاً في المجعول له أيضاً. قوله: [علم]: أي قدره وباقي صفاته التي تميزه وهذا شامل للعين وغيرها، وإنما نص على علم العوض دون غيره من بقية شروطه مثل كونه طاهراً منتفعاً به مقدوراً على تسليمه لدفع توهم عدم اشتراط علمه لحصول الصحة بالعوض المجهول كما لا يشترط العلم بالمجاعل عليه، بل تارة يكون مجهولاً كالآبق فإنه لا بد في صحة الجعل على الإتيان به من عدم علم مكانه كما يأتي، وتارة يكون معلوماً كالمجاعلة على حفر بئر فإنه يشترط فيه خبرة الأرض ومائها. كذا في حاشية الأصل. قوله [وخرج بذلك البيع]: أي بقوله لتحصيل أمر؛ لأن التحصيل فعل من الأفعال لا ذات والبيع في الذوات. قوله: [يستحقه السامع]: أي ولو بواسطة ولو حددت الوسائط إن ثبت أن الجاعل وقع منه ذلك، وقوله: يستحقه في قوة الحصر، أي لا يستحقه إلا بالتمام. قوله: [وهو كذلك]: أي: وكان القياس أن له أجر عمله جرياً على الإجارة، ولكن جاءت السنة بعدم لزوم أجرة عمل لم يتم في الجعالة، وبقيت الإجارة على حالها. قوله: [فبنسبة الثاني]: هذا الذي قاله المصنف قول مالك وقال ابن القاسم له قيمة عمله. قوله: [أن ينظر لكراء المثل]: أي كما

стр. 821

وهي تساوي ألفاً فيجعل لمن يأتي بها العشرين والمائة فتأمل. وقوله: "بنسبة الثاني" أي بخلاف السفينة بالمحاسبة فيها بنسبة الكراء الأول كما تقدم لأن الكراء فيها لازم بخلاف الجعالة. (وركنها): أي الجعالة أي أركانها أربعة (كالإجارة): العاقد، والمعقود عليه، وبه، وما [١] يدل من صيغة. (وشرطها): أي شرط صحتها أمران: الأول: (عدم شرط النقد) للجعل فشرط النقد يفسدها للتردد بين السلفية والثمنية وأما تعجيله بلا شرط فلا يفسدها. (و) الثاني: عدم شرط (تعيين الزمن) بأن شرط عدم التعيين أو سكت عنه فإن شرط تعيينه، كإن تأتني بالآبق أو تحفر لي البئر أو نحو ذلك في مدة كذا فسدت؛ لأن العامل لا يستحق الجعل إلا بتمام العمل، فقد ينقضي الزمن قبل التمام فيذهب عمله باطلاً ففيه زيادة غرر، مع أن الأصل فيها الغرر. وإنما أجيزت لإذن الشارع بها. (إلا بشرط الترك متى شاء): أي أن محل كون شرط تعيين الزمن مفسداً ما إذا لم يشترط العامل أن له الترك متى شاء، فإن شرط ذلك أو شرط له ذلك لم تفسد؛ لأنه قد رجع فيها حينئذ لأصلها من عدم تعيين الزمان: أي من حيث إنه قد صار تعيينه ملغى. واشترط ابن رشد في نحو الآبق أن لا يكونا عالمين بمحله، ومن علمه دون صاحبه فهو غار، فإن علم العامل فله الأقل من قيمة عمل مثله والمسمى ولم يشترط ذلك اللخمي. (ولكليهما الفسخ) قبل الشروع في العمل؛ لأن عقدها ليس بلازم. (ولزمت الجاعل فقط) دون العامل (بالشروع) في العمل. وتقدم أن الجعل يستحقه السامع بالتمام. (ولمن لم يسمع) قول الجاعل: من أتاني بعبدي أو بعيري أو نحو ذلك، فله كذا. وهو صادق بصورتين: أن يقع من الجاعل قول بذلك ولم يسمعه هذا الذي أتى به من القائل ولا بالواسطة، وبما إذا لم يقع منه قول أصلاً. ففي الصورتين. (جعل مثله إن اعتاده): أي كان عادته الإتيان بالأباق أو غيرها؛ فالمعنى أن من اعتاد جلب ما ضل إذا أتى بشيء منها فله جعل مثله إذا لم يسمع ربها فإن سمعه فله ما سمى. (ولربه): أي الآبق مثلاً (تركه له): أي للعامل الذي شأنه طلب الضوال إن لم يلتزم ربه له جعل المثل. فإن التزم له الجعل لزمه فله أن يتركه له سواء كانت قيمته قدر جعل المثل أو أكثر أو أقل. ــ هو قول ابن القاسم. قوله: [وهي تساوي ألفاً]: أي والحال أن تلك الخشبة تساوي ألفاً، أي: وشأن الشيء الغالي إذا كان في مضيعة يكرى عليه بالأثمان الغالية فكيف يقاس عليه الكراء الأول؟ هذا مراد الشارح. قوله: [بخلاف الجعالة]: أي فلما كان عقدها منحلاً من جانب العامل بعد العمل صار تركه للإتمام إبطالاً للعقد من أصله وصار الثاني كاشفاً لما يستحقه الأول كما ذكره الشراح. قوله: [العاقد]: أي وتحته شخصان الجاعل والمجاعل. وقوله: [والمعقود عليه]: هو تحصيل الشيء المطلوب. وقوله: [وبه]: هو العوض. وقوله: [من صيغة]: بيان لما يدل ولا يشرط فيها اللفظ كالإجارة. قوله: [وشرطها]: أي الجعالة المحتوية على تلك الأركان. قوله: [للتردد بين السلفية والثمنية]: أي والتردد بينهما من أبواب الربا؛ لأنه سلف جر نفعاً احتمالاً. قوله: [فإن شرط تعيينه]: أي أو كان العرف تعيينه؛ لأن العرف كالشرط. قوله: [لأن العامل] إلخ: تعليل لوجه الفساد. قوله: [لإذن الشارع بها]: أي: ورود النص فيها بالخصوص كما تقدم. قوله: [فإن شرط ذلك]: تأمل في هذا القيد، فإن العامل له الحل عن نفسه مطلقاً اشترط له الحل أم لا، فكيف يصح عند الشرط ويفسد عند السكوت عليه؟ وأجاب عنه الخرشي بأن المجعول له عند عدم الشرط دخل على التمام، وإن كان له الترك وحينئذ فغرره قوي، وأما عند الشرط فقد دخل ابتداء على أنه مخير فغرره خفيف. اهـ. قوله: [فله الأقل] إلخ: هذا خلاف ما قاله ابن القاسم، إنما الذي قاله ابن القاسم أن له بقدر تعبه، وقيل: لا شيء له فإن علمه ربه فقط لزمه الأكثر مما سمى وجعل المثل، وإن علماه معاً فينبغي أن له جعل مثله نظراً لسبق الجاعل بالعداء. قوله: [ولكليهما الفسخ]: أي الترك لأن العقد غير اللازم لا يطلق على تركه فسخ إلا بطريق التجوز، إذ حق الفسخ إنما يستعمل في ترك الأمر اللازم والعلاقة المشابهة في الجميع. قوله: [ولزمت الجاعل]: المراد به ملتزم الجعل لا من تعاطى عقده فقط كالوكيل الذي لم يلتزم جعلاً وظاهره اللزوم للجاعل بالشروع ولو فيما لا بال له. قوله: [ولا بالواسطة]: عطف على محذوف تقديره لا بنفسه لا بالواسطة. قوله: [بالإباق]: بتشديد الباء جمع آبق. قوله: [أو غيرها]: أي كالإتيان بالضوال. قوله: [فإن سمعه فله ما سمى]: أي كان قدر جعل المثل أو لا كان عادته طلب الإباق أو لا. قوله: [فله أن يتركه] إلخ: جواب الشرط الذي هو قوله إن لم يلتزم ... إلخ. وقوله: [فإن التزم له الجعل لزمه]: شرط وجواب معترض بين الشرط وجوابه فالأولى إسقاطه من هنا لإيهامه خلاف المراد مع كونه سيأتي في آخر العبارة ما يفيده. واختلف إذا التزم ربه جعلاً ولم يسمعه الآتي به فهل كذلك لربه تركه لمن جاء به عوضاً عما يستحقه؟ وهو ما قاله الأجهوري ونازعه (ر) بأن له في هذه الحالة جعل مثله إن اعتاد طلب الإباق وإلا فالنفقة وليس

стр. 822

ولا كلام للعامل حيث لم يسمع قول ربه، بخلاف ما إذا سمعه سمى شيئاً ولو بواسطة فله ما سماه ولو زاد على قيمة العبد مثلاً؛ لأن ربه ورطه. (وإلا) يكن من لم يسمع معتاداً لطلب الضوال (فالنفقة) فقط: أي فله ما أنفقه عليه من أكل وشرب وركوب احتاج له وما أنفقه العامل على نفسه زمن تحصيله أو على دابته ولا جعل له. (وكل ما جاز فيه الجعل): كحفر بئر بموات، وبيع ثوب أو شرائه، وحمل خشبة لمكان أو حمل شيء بسفينة، واقتضاء دين، ونحو ذلك (جازت فيه الإجارة) بشرطها (ولا عكس): أي ليس كل ما جازت فيه الإجارة تجوز فيه الجعالة، كخياطة ثوب، وخدمة شهر، وبيع سلع كثيرة، وحفر بئر يملك، وسكنى بيت، فالإجارة أعم باعتبار المحل، وقيل: بل بينهما العموم الوجهي لانفراد الجعالة فيما جهل حاله ومكانه كالآبق. وأجيب: بأن ما جهل تجوز فيه الإجارة بشرط العلم واستبعد فتدبر. (وفي) الجعالة (الفاسدة) لفقد شرط (جعل المثل) إن تم العمل لا أجرته رداً له إلى صحيح نفسه. فإن لم يتم العمل فلا شيء فيه هذا هو المشهور. (إلا) أن تقع الجعالة (بجعل مطلقاً) تم العمل أو لم يتم، كأن يقول له: إن أتيتني بعبدي الآبق فلك كذا، وإن لم تأت به فلك كذا (فأجرته): أي فله أجرة مثله تم العمل أم لا لخروجهما [١] حينئذ عن حقيقتها، لأن سنتها أنه لا جعل إلا بتمام العمل، والله أعلم. ولما كان موات الأرض يشبه الشيء الضائع وإحياؤه يشبه الجعالة أتى به بعد الجعالة فقال: (باب إحياء الموات) من الأرض أي: في بيان إحياء الموات وأسبابه وأحكامه. ولما كان ذلك يتوقف على بيان الموات بينه بقوله (موات الأرض): أي الموات منها ــ لربه أن يتركه له في هذه الحالة كما يؤخذ من (بن). قوله: [ولا كلام للعامل]: مرتب على قوله فله أن يتركه له، ومعناه حيث لم يسمع العامل المعتاد لطلب الإباق قول ربه من يأتيني بعبدي الآبق فله كذا وأتى به فاختار ربه تركه فليس للعامل كلام بحيث يقول: لا آخذ إلا جعل المثل. قوله: [لأن ربه ورطه]: أي أوقعه في التعب. قوله: [فالنفقة فقط]: أي وإن شاء تركه له. قوله: [ولا جعل له]: أي أجرة زائدة على ما أنفقه العامل في تحصيله. قوله: [بشرطها]: أي بشروطها فهو مفرد مضاف فيعم. قوله: [كخياطة ثوب] إلخ: أي فلا يصح في العقد على تلك المسائل أن يكون جعالة؛ لأنه إذا لم يحصل تمام انتفع رب الشيء وضاع عمل العامل هدراً في الجميع وهو من أكل أموال الناس بالباطل. قوله: [وبيع سلع كثيرة]: كلام الشارح يوهم جواز الجعل على بيع السلع القليلة والحق أنه لا فرق بين القليلة والكثيرة في أنه متى انتفع الجاعل بالبعض بأن دخلا على أن العامل لا يستحق شيئاً إلا بالتمام منع الجعل كانت السلع قليلة أو كثيرة، كما قال ابن رشد في المقدمات كذا في (بن). قوله: [باعتبار المحل]: أي الذي تعلقا به، وأما باعتبار حقيقتهما ومفهومهما فمتباينان. قوله: [وقيل] قائله الأجهوري. قوله: [واستبعد]: أي بأن هذا التوجيه لا يتم؛ لأن الجعالة لم تنفرد عن الإجارة بمحل وما جهل حاله ومكانه كما يصح فيه الجعل تصح فيه الإجارة كأن يؤاجره على التفتيش على عبده الآبق كل يوم بكذا أتى به أم لا. والحاصل: أن العقد على الآبق إن كان على الإتيان به وأنه لا يستحق الأجرة إلا بالتمام فهو جعالة، وإن كان على التفتيش عليه كل يوم بكذا أتى به أم لا فهو إجارة، فالحق ما في المدونة من أن بينهما عموماً وخصوصا مطلقاً وأن الإجارة أعم. قوله: [رداً له إلى صحيح نفسه]: أي الذي لم يكن فيه مسمى والأولى تأخيره عن قوله، فإن لم يتم العمل إلخ لأجل أن يكون راجعاً للأمرين. قوله: [هذا هو المشهور]: ومقابله له أجر مثله تم العمل أم لا. قوله: [لخروجها حينئذ عن حقيقتهما [٢]]: أي ومتى خرج عن حقيقة الباب كان فيه أجرة المثل كما تقدم نظيره في القراض والمساقاة. تتمة: لو كان الجعل عيناً ذهبا أو فضة معينة امتنع وللجاعل الانتفاع بها ويغرم المثل إذا حصل المجاعل عليه وإن كان مثلياً أو موزوناً لا يخشى تغيره إلى حصول المجاعل عليه أو ثوباً جاز ويوقف، وإن خشي تغيره كالحيوان امتنع للغرر. كذا يؤخذ من الخرشي نقلاً عن اللخمي. قوله: [يشبه الشيء الضائع]: أي من حيث عدم الانتفاع بكل، وقوله وإحياؤه يشبه الجعالة أي من حيث تحصيل ما ينتفع به. باب إحياء الموات باب: الموات بضم الميم قال الجوهري هو الموت، وبفتحها ما لا روح فيه وأيضاً هو الأرض التي لا مالك لها ولا ينتفع بها. اهـ، وقد علمت ضبط الموات هنا بأنه بفتح الميم وأنه من الألفاظ المشتركة. قوله: [أي في بيان إحياء الموات]: المراد: بيان الحقيقة في قوله: ما سلم عن اختصاص ... إلخ. وقوله: [وأسبابه]: أي السبعة الآتية في قوله والإحياء بتفجير ماء ... إلخ. وقوله: [وأحكامه]: أي مسائله التي احتوى عليها الباب والأصل فيه قوله ﷺ : «من أحيا أرضاً ميتة فهي له». قوله: [أي الموات منها]: أشار بذلك

стр. 823

(ما سلم): أي خلا (عن اختصاص بإحياء): لها أي عن الاختصاص بسبب إحياء لها بشيء مما يأتي، فالباء سببية متعلقة باختصاص. (وملكها): أي الأرض، من أحياها (به): أي بإحيائه لها (ولو اندرست) بعد الإحياء، فاندراسها بعد الإحياء لا يزيل ملكها عنه. (إلا لإحياء من غيره) بعد اندراسها لا بقرب الاندراس بل (بعد طول) يرى العرف أن من أحياها أولاً قد أعرض عنها، فإنها تكون للثاني ولا كلام للأول؛ بخلاف إحيائها بقرب. لكن إن عمرها الثاني جاهلاً بالأول فله قيمة عمارته قائماً للشبهة. وإن كان عالماً فله قيمتها منقوضاً. وهذا ما لم يسكت الأول بعد علمه بالثاني بلا عذر، وإلا كان سكوته وهو حاضر بلا عذر دليلاً على تركها له. وقولنا: "بعد طول" هذا هو المعتمد. وقيل: تكون للثاني ولو لم يطل، وهو ظاهر قول ابن القاسم، وعليه درج الشيخ. وقيل: لا تكون للثاني أبداً، بل هي لمن أحياها ولو طال الزمن قياساً على من ملكها بشراء أو إرث أو هبة أو صدقة فاندرست، فإنها لا تخرج عن ملكه ولا كلام لمن أحياها اتفاقاً، إلا لحيازة بشروطها كما يأتي. (أو بحريم عمارة): عطف على "بإحياء"، فالباء سببية لأن الحريم سبب في الاختصاص كالإحياء: أي ما سلم عن الاختصاص بإحياء أو بكونه حريماً لعمارة لبلد أو دار أو شجر أو بئر، فلكل حريم يخصه. فبين حريم البلد بقوله: (كمحتطب) بفتح الطاء المهملة: المكان الذي يقطع منه الحطب (ومرعى) محل رعي الدواب (لبلد) فإذا عمر جماعة بلداً اختصوا بها وبحريمها، وحريمها [١]: ما يمكن الاحتطاب منه والمرعي [٢] فيه على العادة من الذهاب والإياب مع مراعاة المصلحة والانتفاع بالحطب وحلب الدواب ونحو ذلك غدواً ورواحاً في اليوم، فيختصون به. ولهم منع غيرهم منه ولا يختص به بعضهم دون بعض، لأنه مباح للجميع، ومن أتى منهم بحطب منه أو حشيش أو نحو ذلك ملكه وحده. نعم للإمام أن يقطع منه ما شاء لمن شاء بالنظر كما سيأتي. وبين حريم البئر بقوله: (وما يضيق على وارد) لشرب أو سقي (ويضر بماء) لو حفرت بئر أخرى (لبئر) قال عياض: حريم البئر ما يتصل بها من الأرض التي من حقها أن لا يحدث فيها ما يضر بها، لا باطناً من حفر بئر ينشف ماءها أو يذهبه أو يغيره بطرح نجاسة يصل إليها وسخها. ولا ظاهراً كالبناء والغرس. وبين حريم الشجر بقوله: (وما فيه مصلحة) عرفاً (لشجرة) من نخل أو غيره، فلربها منع من أراد إحداث شيء بقربها يضر بها من بناء أو غرس أو حفر بئر ونحو ذلك. وبين حريم الدار الغير [٣] المحفوفة بالدور بقوله: (ومطرح تراب ومصب ميزاب لدار): فحريمها ما يرتفق أهلها به من ذلك، فلهم منع من أراد إحداث شيء من بناء أو غيره في ذلك الحريم. (ولا تختص) دار (محفوفة بأملاك بحريم ولكل) من أرباب الدور المتجاورة (الانتفاع) بالزقاق المتسع أو الرحبة بينهم (ما لم يضر بغيره) من الجيران فإنه يمنع. (أو بإقطاع الإمام) ــ إلى أن الإضافة على معنى من نظير: باب ساج. قوله: [ما سلم]: ما واقعة على أرض وذكر الفعل نظراً للفظ ما. قوله: [وملكها] إلخ: جملة معترضة بين المعطوف والمعطوف عليه قصد بها بيان بعض أحكام الإحياء وليست من جملة التعريف. قوله: [لا يزيل ملكها عنه]: هكذا نسخة المؤلف والمناسب لا يزيل ملكه عنها. قوله: [لكن إن عمرها الثاني] إلخ: استدراك على الإحياء بالقرب، والمعنى فإن أحيا بالقرب فلا تكون له لكن إن عمرها ... إلخ. قوله: [وقيل: لا تكون للثاني أبداً]: أي كما هو قول سحنون، وللثاني قيمة البناء قائماً إن كان جاهلاً للشبهة أو منقوضاً إن كان عالماً. قوله: [كما يأتي]: أي في آخر باب الشهادات. قوله: [عطف على بإحياء]: أي فهو من تتمة التعريف، والمعنى: أن موات الأرض ما سلم عن الاختصاص بوجه من الوجوه الآتية التي هي: الإحياء، وحريم العمارة، وإقطاع الإمام، وحماه. قوله: [لبلد]: متعلق بكل من محتطب ومرعى. قوله: [غدواً ورواحاً]: راجع لقوله من الذهاب والإياب على سبيل اللف والنشر المرتب. وقوله: [في اليوم]: ظرف لجميع ما تقدم من الاحتطاب والمرعى وما بعدهما ويقدر بأقصر الأيام على الظاهر. قوله: [ولا يختص به بعضهم دون بعض]: أي فلو أراد أحدهم أن يحييه بعمارة ونحوها فلهم منعه إلا بإذن الإمام كما سيقول. قوله: [ملكه وحده]: لأن من سبق إلى مباح يكون له. قوله: [لبئر]: متعلق بـ يضيق ويضر، ومثل البئر في الحريم النهر فحريمه ما يضيق على وارد أو يضر بمائه، وقيل: حريم النهر ألفا ذراع من كل جهة وقد وقعت الفتوى قديماً بهدم ما بني بشاطئ النهر وحرمة الصلاة فيه إن كان مسجداً كما في المدخل وغيره، ونقل البدر القرافي عن سحنون وأصبغ ومطرف أن البحر إذا انكشف عن أرض وانتقل عنها فإنها تكون فيئاً للمسلمين كما كان البحر لا لمن يليه ولا لمن دخل البحر أرضه، وقال عيسى بن دينار: إنها تكون لمن يليه وعليه حمديس والفتيا والقضاء على هذا، خلافاً لقول سحنون ومن معه كما يفيده محشي الأصل تبعاً لشيخه العدوي. قوله: [ومصب ميزاب]: أي ونحوه كمرحاض. قوله: [فلهم منع من أراد] إلخ: حاصله أنه إذا بنى جماعة بلداً في الفيافي مثلاً فما كان مجاوراً للدار فهو حريم لها يختص بها من كل جهة بحيث

стр. 824

عطف على "بإحياء" أي: ما سلم عن الاختصاص بإقطاع الإمام تلك الأرض لأحد أو لجماعة من الناس من غير معمور العنوة، بدليل ما يأتي. فإذا أقطع الإمام أرضاً لأحد ملكها - أي كانت ملكاً له وإن لم يعمرها بشيء مما يأتي - فله بيعها وهبتها وتورث عنه، وليس هو من الإحياء بل هو تمليك مجرد. وهل الإرث يحتاج لحيازة أو لا؟ ورجح. ولو اقتطعه الإمام لأحد على أن عليه كذا أو كل عام كذا، عمل به، وكان المأخوذ في بيت المال، لا يختص به الإمام لعدم ملكه لما اقتطعه، وإن ملكه المقطوع له باقتطاعه. (ولا يقطع) الإمام (معمور) أرض (العنوة) وأرض العنوة كمصر والشام والعراق - أي: الصالحة لزرع الحب ملكاً لأنها وقف كما تقدم، بل يقطعها إمتاعاً وانتفاعاً. وأما ما لا يصلح لزرع الحب وإن صلح لغرس الشجر وليس من العقار فإنه من الموات، يقطعه ملكاً وانتفاعاً. وأما أرض الصلح فلا يقطعها الإمام لأحد مطلقاً لأنها مملوكة لأربابها. (أو بحماه): أي وما سلم عن الاختصاص بحمى الإمام له (محتاجاً) أي أرضاً محتاجاً (إليه) لا إن لم يحتج إليه؛ فلا يجوز له الحمى (قل) المحمي لا إن كثر. والقليل: ما لا يضيق فيه على الناس (من بلد عفا): أي خلا عن البناء والغرس. لا لنفسه؛ إذ لا يجوز أن يحمي شيئاً لنفسه، وإن احتاج، بل يحمي ما قل من بلد عفا. (لكغزو): أي لدواب الغزاة والصدقة، وضعفة المسلمين. ومثل الإمام في الحمى نائبه. وإن لم يأذن له الإمام بخلاف الإقطاع فليس لنائب السلطان إقطاع إلا بإذن. والفرق: أن الإقطاع يحصل به التمليك فلا بد فيه من الإذن بخلاف الحمى - بالقصر ليس إلا - وقيل: يجوز مده وهو يائي اللام من حميت. وتثنيته حميان. وقد علمت أن الاختصاص أنواع: الأول: ما كان بإحياء، والثاني: ما كان حريماً لبلد أو بئر أو شجر أو دار، والثالث: ما كان بإقطاع الإمام، والرابع: ما كان بحماه. (والإحياء) يكون بأحد أمور سبعة: الأول: (بتفجير ماء) ــ يطرح فيه التراب ويصب فيه ماء الميزاب أو ماء المرحاض. قوله: [عطف على إحياء]: أي لأنه من تتمة التعريف كما تقدم التنبيه عليه والأولى أن يقول عطف على "بحريم" لأن العطف بـ "أو". قوله: [من غير معمور العنوة] إلخ: أي وأما هو فإنه لا يقطعه الإمام ملكاً بل إمتاعاً. قوله: [وليس هو من الإحياء]: أي لأن الإحياء بأمور سبعة ليس هذا منها. قوله: [بل هو تمليك مجرد]: أي عن معاوضة، وعن سبب من أسباب الإحياء. قوله: [ورجح]: أي عدم احتياجه لحيازة وعليه لو مات المقطوع له قبل حوزه استحقه وارثه. قوله: [وإن ملكه المقطوع له]: أي فيلغز بها فيقال شخص جعل له الشارع أصالة أن يملك غيره ما لا ملك فيه لنفسه. قوله: [العنوة]: أي التي فتحت قهراً. قوله: [كما تقدم]: أي في الجهاد، قال خليل: ووقفت الأرض كمصر والشام والعراق. قوله: [وانتفاعاً]: عطف تفسير. واعلم أن ما اقتطعه الإمام من أرض العنوة إن كان لشخص بعينه انحل عنه بموته واحتاج لإقطاع بعده، وإن كان لشخص وذريته وعقبه استحقته ذريته بعده الأنثى كالذكر إلا لبيان تفضيل كالوقف وبقي النظر في الالتزام المعروف عندنا بمصر أو غيرها هل هو من الإقطاع فللملتزم أن يزيد في الأجرة المعلومة عندهم على الفلاحين ما شاء وبه أفتى بعض من سبق، أو ليس من الإقطاع وإنما الملتزم جاب على الفلاحين لبيت مال المسلمين ليس له زيادة ولا تنقيص لما ضرب عليهم من السلطان، وهو الظاهر، وليس هو من الإجارة في شيء كذا في الأصل. قوله: [وأما ما لا يصلح لزرع الحب] إلخ: أي كأرض الجبال والرمال والتلال. قوله: [يقطعه ملكاً وانتفاعاً]: أي فهو مخير بين أن يعطيه ملكاً بحيث يورث عن المقطوع له أو انتفاعاً فليس له فيه إلا الانتفاع ولا يملك الذات فعطف الانتفاع على الملك مغاير. والحاصل: أن أرض العنوة التي لا تصلح إلا لزراعة الحب لا يقطعها الإمام إلا انتفاعاً ومثلها عقار الكفار، وأما أرض الصلح فليس للإمام تصرف فيها بوجه، وأما أرض العنوة التي لا تصلح لزراعة الأرض وأرض الفيافي والجبال والأرض التي انجلي عنها أهلها فيقطعها الإمام على ما يريد ملكاً وانتفاعاً. قوله: [مطلقاً]: أي لا ملكاً ولا انتفاعاً سواء أسلم أهلها أو لا. قوله: [أو بحماه]: عطف على قوله بإقطاع وبه التعريف. قوله: [بحمى الإمام له]: أصل الحمى عند الجاهلية أن الرئيس منهم إذا نزل بأرض مخصبة يستعوي كلباً بمحل عال فحيث ينتهي إليه صوته من كل جانب حماه لنفسه فلا يرعى غيره فيه معه، ويرعى هو في غيره مع غيره وهذا لا يجوز شرعاً وإنما الشرعي يكون بأربعة شروط أفادها المصنف. قوله: [من بلد]: أي أرض. قوله: [لا لنفسه]: دخول على قوله: لكغزو، والأوضح تأخيره عنه ليكون محترزاً له. قوله: [نائبه]: أي المفوض له لا قوله وإن لم يأذن له الإمام أي في الحمى بالخصوص. قوله: [إلا بإذن]: أي خاص. قوله: [بخلاف الحمى]: أي ففيه امتناع فقط. قوله: [بالقصر]: أي بمعنى المحمي فهو مصدر بمعنى المفعول. قوله: [وقد علمت]: أي من التعريف المتقدم.

стр. 825

لبئر أو عين فتملك به، وكذا تملك الأرض التي تزرع بها. (و) الثاني: (بإزالته): أي الماء منها حيث كانت الأرض غامرة بالماء. (و) الثالث: (ببناء) بأرض. (و) الرابع: بسبب (غرس) لشجر بها. (و) الخامس: بسبب (تحريك أرض) بحرثها ونحوه. (و) السادس: يكون بسبب (قطع شجر) بها بنية وضع يده عليها. (و) السابع: بسبب (كسر حجرها مع تسويتها) أي الأرض. (لا) يكون الإحياء (بتحويط) للأرض بنحو خط عليها (و) لا (رعي كلإ) بها (و) لا (حفر بئر ماشية) بها (إلا أن يبين الملكية) حين حفرها. فإن بينها فإحياء. (وافتقر) الإحياء (إن قرب) للعمران - بأن كان حريم بلدة - قال الحطاب: والقريب هو حريم العمارة مما يلحقونه غدواً ورواحاً. وقال ابن رشد: وحد البعيد من العمران ما لم ينته إليه مسرح العمران واحتطاب المحتطبين إذا رجعوا إلى المبيت في مواضعهم، (لإذن) من الإمام. ولا يأذن إلا لمسلم لا ذمي على المشهور. وقول الباجي: لو قيل حكمه حكم المسلمين لم يبعد، ضعيف. (وإلا) بأن تعدى المسلم وأحيا فيما قرب بغير إذن الإمام (فللإمام إمضاؤه) له فيملكه (وجعله متعدياً) فيرده للمسلمين ويعطيه قيمة غرسه أو بنائه أو حفره منقوضاً لتعديه، ولا يرجع عليه فيما أغله فيما مضى، نظراً إلى أن له شبهة في الجملة. (بخلاف البعيد) من العمران بأن خرج عن حريمه كما تقدم عن ابن رشد فلا يفتقر لإذن من الإمام، وما أحياه فهو له (ولو ذمياً) حيث كان إحياؤه في البعيد (بغير جزيرة العرب): وهي أرض الحجاز مكة والمدينة واليمن وما والاها كما تقدم في الجزية. فقوله: "بغير جزيرة العرب"، قيد في الذمي خاصة، لأنه الذي ليس له سكنى في جزيرة العرب، والله أعلم. (باب) في الوقف وأحكامه (الوقف) مبتدأ خبره " مندوب "، فهو من التبرعات المندوبة ويعبر عنه بالحبس. وقد حبس النبي ﷺ والمسلمون من بعده قال النووي: وهو مما اختص به المسلمون. قال الشافعي: لم يحبس أهل الجاهلية داراً ولا أرضاً فيما علمت. ورسمه بقوله: (وهو) أي الوقف (جعل منفعة مملوك) من إضافة المصدر لمفعوله ــ قوله: [لبئر أو عين]: أي كأن يحفر بئراً أو يفتق عيناً في أرض الفيافي. قوله: [غامرة بالماء]: أي يبقى عليها الماء صيفاً وشتاءاً فتحيل في زواله وصار متمكناً من منافع تلك الأرض. قوله: [ببناء بأرض] إلخ: اختلف هل يشترط في البناء أو الغرس بالأرض عظم المؤنة أو لا فظاهر المصنف وخليل عدم اشتراطه، وفي الجواهر اشتراطه واعتمده في الحاشية واقتصر عليه في المجموع. قوله: [لا يكون الإحياء بتحويط للأرض] إلخ: السبعة المتقدمة متفق على كونها إحياء، وهذه الثلاثة مختلف فيها والصحيح أنها ليست إحياء، وانظر لو فعل في الأرض تلك الأمور الثلاثة جميعها هل يكون إحياء لها؛ لأنه لا يلزم من كون كل واحد من هذه لا يحصل بها إحياء أن يكون مجموعها كذلك لقوة الهيئة المجتمعة عن حالة الانفراد كما هو ظاهر كلامهم، ومقتضى ما في الحاشية أن يكون إحياء. قوله: [وقال ابن رشد] إلخ: مآل القولين واحد فلا تنافي بينهما. قوله: [مسرح العمران]: أي أهله على حد ﴿واسأل القرية﴾ [يوسف: ٨٢]. قوله: [وقول الباجي]: مبتدأ، وقوله ضعيف خبر وما بينهما مقول القول. قوله: [إلى أن له شبهة في الجملة]: أي لكونه من جملة المسلمين الذين لهم فيه حق. قوله: [بغير جزيرة العرب]: اعلم أن الجزيرة مأخوذة من الجزر الذي هو القطع ومنه الجزار لقطعه الحيوان؛ سميت بذلك لانقطاع الماء وسطها إلى أجنابها لأن البحر محيط بها من جهاتها الثلاث التي هي المغرب والجنوب والمشرق، ففي مغربها بحر جدة بضم الجيم وفتح الدال مشددة ويسمى بالقلزم، وبحر السويس، وفي جنوبها بحر الهند وفي مشرقها خليج عمان بضم العين وتخفيف الميم، وأما عمان بفتح العين وتشديد الميم فهي قرية بناحية الشام. قوله: [لأنه الذي ليس له سكنى] إلخ: أي لقوله ﵊: «لا يبقين دينان بجزيرة العرب». تتمة: إن سال مطر بأرض مباحة سقي الأقرب إليها إن تقدم في الإحياء أو تساويا حتى يبلغ الماء الكعب ثم يرسل للأخرى على الترتيب، وأمر بالتسوية للأرض إن أمكن، أما ما لا يمكن التسوية فيسقى الأعلى وحده والأسفل وحده وإن استوت نسبة الأرض التي حول الماء قرباً وبعداً قسم بقلد ونحوه كما لو اجتمع جماعة وأجروا ماء لأرضهم فيقسم بينهم بالقلد ونحوه ويقرع بينهم للتشاحح في السبق ولا فرق في تلك المسائل بين ماء النيل والمطر والعيون. باب في الوقف وأحكامه عقب هذا الباب للإحياء لكون العين فيهما بغير عوض يدفعه المستحق للوقف والمحيي للأرض. وقال في التنبيه: الوقف مصدر وقفت الأرض وغيرها أقفها، هذه هي اللغة الفصيحة المشهورة. قوله: [ويعبر عنه بالحبس]: أي فيسمى وقفاً لأن العين موقوفة، وحبساً؛ لأن العين محبسة كما يفيده التنبيه. قوله: [لم يحبس أهل الجاهلية] إلخ: أي على وجه التبرر، وأما بناء الكعبة وحفر زمزم فإنما كان على وجه التفاخر. قوله: [جعل منفعة مملوك] إلخ: تعريف له بالمعنى المصدري وأما المعنى الاسمي فهو الذات المملوكة

стр. 826

أي جعل مالك منفعة ذلك المملوك له لذاته، كما هو الغالب. بل (ولو) كان مملوكاً (بأجرة أو) جعل (غلته) كدراهم في نظير إجارة الوقف (لمستحق) متعلق بـ "جعل" (بصيغة) دالة عليه كـ حبست، ووقفت (مدة ما يراه المحبس) فلا يشترط فيه التأبيد. (مندوب) لأنه من البر وفعل الخير. وشمل قوله: "ولو بأجرة" ما إذا استأجر داراً مملوكة أو أرضاً مدة معلومة وأوقف منفعتها " - ولو مسجداً في تلك المدة - وما إذا استأجر وقفاً وأوقف منفعته على مستحق آخر غير الأول في تلك المدة: وأما المحبس عليه فليس له تحبيس المنفعة التي يستحقها؛ لأن الحبس لا يحبس. نعم له أن يسقط حقه في ذلك الحبس مدة حياته أو مدة استحقاقه، فإذا مات أو انقضت مدة استحقاقه رجع لمن يليه في الرتبة. وأما ما يقع عندنا بمصر من أن المستحق لوقف أو الناظر على مسجد ونحوه يبيع الوقف بدراهم كثيرة ويجعل المشتري على نفسه لجهة المستحقين أو المسجد حكراً، ثم يوقف ذلك الوقف على زوجته وعتقائه، وإذا لم يوقفه باعه وورث عنه - ويسمونه خلواً - فهذا باطل بإجماع المسلمين. وبعض من يدعي العلم يفتيهم بجوازه ويسند الجواز للمالكية، وهي فتوى باطلة قطعاً. وحاشى المالكية أن يقولوا بذلك. وهذا معنى قول الخرشي: وهذا [١] ما لم يكن منفعة حبس لتعلق الحبس بها وما تعلق به الحبس لا يحبس كالخلوات، وأيضاً هي لا تدخل في قوله: "مملوك" إذ المراد مملوك لم يتعلق به حق لغيره [٢] اهـ. وهو كلام حق لا شبهة فيه وتوضيحه على ما شاهدناه من أهل مصر؛ أن الحوانيت الموقوفة على المسجد الغوري والأشرفي والناصري وغيرها، يبيعها الناظر بثمن كثير، فيبيع الحانوت الواحد بنحو خمسمائة دينار لا لغرض سوى حب الدنيا والإعراض عن حب الآخرة. ثم إن المشتري منه يجعل على نفسه حكراً كل شهر نصفين فضة من الدراهم العددية ويسكنه أو يكريه كل يوم بعشرة أنصاف. وقد يوقفه على نفسه وزوجته وذريته من بعده وقد يبيعه وقد يوفي به ديناً عليه، فانظر إلى هذا الخبط [٣] الخارج عن قوانين الشريعة. ومن العجيب أن الشيخ أحمد الغرقاوي جعل لبعض القضاة رسالة في ذلك وجوز فيها مثل ما تقدم وصار الناس يفتون بجواز ما ذكر معتمدين على ما في الرسالة من الكلام الباطل، وهذا هو الذي قصد الخرشي رده بما تقدم عنه وبعضهم لم يفهم مراده ــ المجعول منفعتها إلخ، وشمل قوله المملوك ما جاز بيعه وما لا يجوز بيعه كجلد الأضحية وكلب الصيد والعبد الآبق خلافاً لبعضهم. قوله: [أي جعل مالك منفعة] إلخ: لفظ مالك هو الفاعل المحذوف. وقوله: [له]: متعلق بالمملوك. وقوله: [لذاته]: متعلق بمالك، والمعنى أن مالك ذات الشيء يجعل منفعته لمستحق ... إلخ، هذا إذا كان مالكاً للذات بثمن أو هبة أو إرث، بل ولو كان مالكاً لمنفعته بأجرة، فإن قلت وقف السلاطين على الخيرات صحيح مع عدم ملكهم لما حبسوه، قلت: هذا لا يرد على المصنف؛ لأن السلطان وكيل عن المسلمين فهو كوكيل الواقف، وللقرافي في الفروق إذا حبس الملوك معتقدين أنهم وكلاء الملاك صح الحبس، وإن حبسوه معتقدين أنه ملكهم بطل، وبذلك أفتى العبدوسي ونقله ابن غازي في تكميل التقييد، واحترز بقوله: "منفعة مملوك" من وقف الفضولي، فإنه غير صحيح ولو أجازه المالك لخروجه بغير عوض بخلاف بيعه فصحيح لخروجه بعوض، ومثل وقف الفضولي هبته وصدقته وعتقه فباطل ولو أجازه المالك كما في الخرشي خلافاً لبعضهم من جعل هذه الأشياء كالبيع إن أمضاه المالك مضى ولكن يرد على هذا الفرق طلاق الفضولي، فإنه كبيعه كما تقدم لنا في النكاح مع كونه بغير معاوضة إلا أن يقال يحتاط في الفروج ما لا يحتاط في غيرها. قوله: [أو غلته]: معطوف على منفعة أي إن كان له غلة. قوله: [فلا يشترط فيه التأبيد]: أي ولو كان الموقوف مسجداً كما يأتي. قوله: [وفعل الخير]: تفسير لمعنى البر، قال تعالى: ﴿وافعلوا الخير لعلكم تفلحون﴾ [الحج: ٧٧]. قوله: [وما إذا استأجر] إلخ: معطوف على قوله ما إذا استأجر مسلط عليه شمل. قوله: [لأن الحبس لا يحبس]: أي: ولأنه لا يملك تلك المنفعة لما تقرر أن الموقوف عليه إنما يملك الانتفاع لا المنفعة. قوله: [نعم له أن يسقط حقه] إلخ: ظاهره جواز ذلك ولو بمال يأخذه لنفسه. قوله: [رجع لمن يليه في الرتبة]: أي فيأخذه مجاناً بغير شيء وإن كان واضع اليد دافعاً لشيء من الدراهم ضاع عليه. قوله: [من أن المستحق] إلخ: أي في الحالة الراهنة. قوله: [لجهة المستحقين]: أي أن الذين يتجددون بعد هذا المستحق البائع. وقوله: [أو المسجد]: راجع للناظر. وقوله: [حكراً]: أي شيئاً قليلاً كالنصف والنصفين كل شهر كما يأتي. قوله: [على زوجته وعتقائه]: أي مثلاً. قوله: [إذ المراد مملوك]: إلخ: أي والموقوف تعلق به حق للموقوف عليه. قوله: [وتوضيحه]: أي توضيح ما قاله الخرشي. قوله: [لا لغرض]: أي شرعي. قوله: [نصفين فضة]: كناية عن الشيء القليل. قوله: [ويسكنه]: أي بنفسه وقوله بعشرة أنصاف راجع ليكريه. قوله: [وقد يوقفه على نفسه]: أي مثلاً. قوله: [الخارج عن قوانين الشريعة]:

стр. 827

فاعترض عليه، والحاصل أنه شاع عندنا بمصر أن الخلو يجوز عند المالكية دون غيرهم، ويجعلون منه ما تقدم ذكره، حتى لزم على ذلك إبطال الأوقاف وتخريب المساجد وتعطيل الشعائر الإسلامية. وكثيراً ما يقع في الرزق الكائنة بين الجيزة؛ تكون مرصدة على منافع زاوية الإمام الليث بن سعد أو على منافع زاوية الإمام الشافعي، فيبيعها الناظر على الوجه المتقدم. ثم إن المشتري قد يوقفها على نحو زاوية الإمام الشعراني وقد يوقفها على نفسه أيام حياته وبعده على ذريته، وربما باعها الناظر لذمي فأوقفها الذمي على كنيسة. وقد وقع هذا فإن رزقه [١] كانت موقوفة على مدرسة السلطان حسن باعها ناظرها على الوجه المتقدم لذمي ثم إن الذمي أوقفها على كنيسة، وكان المسلمون يزرعونها ويدفعون خراجها لأهل الكنيسة، ثم تغلب النصارى على المسلمين بواسطة أمراء مصر الضالين فنزعوها من أيدي المسلمين وصاروا يزرعونها. هذا في زماننا وانحط الأمر على ذلك ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. نعم الخلو الذي وقعت الفتوى بجواز بيعه وهبته وإرثه، إنما هو في وقف خرب لم يجد الناظر أو المستحق ما يعمره به من ريع الوقف ولا أمكنه إجارته بما يعمره به، فيأذن لمن يعمره ببناء أو غرس على أن ما عمره به يكون ملكاً للمعمر وتفض الغلة بالنظر عليه وعلى الوقف؛ فما ناب الوقف يكون للمستحق وما ناب العمارة يكون لربها، فهذا ليس فيه إبطال الوقف ولا إخراجه عن غرض الواقف، وليس هذا مراد الشيخ الخرشي بما تقدم حتى يعترض به عليه فافهم ذلك، والله الموفق للصواب. وإذا علمت أن حقيقة الوقف ما ذكر: (فأركانه أربعة): الأول: (واقف وهو المالك للذات أو المنفعة) التي أوقفها قال في المدونة: ولا بأس أن يكري أرضه على أن تتخذ مسجداً عشر سنين فإذا انقضت كان النقض للذي بناه. وشرط صحة وقفه: أن يكون من أهل التبرع كما نبه عليه بقوله: (إن كان) الواقف (أهلاً للتبرع): وهو البالغ الحر الرشيد المختار، فلا يصح من صبي ولا مجنون ولا عبد ولا سفيه ولا مكره. (و) الثاني: (موقوف: وهو ما ملك) من ذات أو منفعة (ولو حيواناً) رقيقاً أو غيره يوقف على مستحق للانتفاع بخدمته أو ركوبه أو الحمل عليه (أو طعاماً وعيناً) يوقف كل منهما (للسلف) وينزل رد بدله منزلة بقاء عينه. وجواز وقف الطعام والعين نص المدونة فلا تردد فيه. نعم قال ابن رشد: إنه مكروه، وهو ضعيف، فلذا اعترض على الشيخ في ذكر التردد. وأضعف منه قول ابن شاس: لا يجوز؛ إن حمل قوله لا يجوز على المنع: وعلى كل حال كلام ابن رشد وابن شاس خلاف مذهب المدونة فكان على الشيخ أن لا يلتفت لقولهما. (و) الثالث: (موقوف عليه: وهو الأهل): أي المستحق لصرف المنافع عليه سواء كان حيواناً عاقلاً كزيد أو العلماء أو الفقراء أو غيره (كرباط وقنطرة) ومسجد، فإنها تستحق صرف غلة الوقف أو منافعه عليها لإصلاحها وإقامة منافعها (ونحو من سيولد) في المستقبل لزيد مثلاً فيصح الوقف عليه. وهو لازم لعقده على ما لابن القاسم، فتوقف الغلة إلى أن يوجد، فيعطاها. فإن حصل مانع من موت أو يأس منه رجعت للواقف أو وارثه، (ولو) كان الموقوف عليه ــ أي فهو مجمع على تحريمه. قوله: [فاعترض عليه]: أي حيث مثل للوقف الفاسد بالخلوات قائلاً إن هذا التمثيل لا يصح؛ إذ المراد بالخلوات التي لا يصح وقفها هي التي استوفت الشروط مع أن التي استوفت الشروط يجوز فيها البيع والوقف والإرث والهبة ويقضى منها الدين وليس ذلك مراد الخرشي، بل مراده الخلوات الفاسدة التي بيعت لا لغرض شرعي. قوله: [على منافع زاوية الإمام] إلخ: أي مثلاً. قوله: [بجواز بيعه وهبته]: إلخ: أي وقفه. قوله: [وإذا علمت]: أي من التعريف. قوله: [أو المنفعة]: أي لما تقدم له أنه لا يشترط ملك الذات. قوله: [على أن تتخذ مسجداً]: أي فالمكتري يوقفها مسجداً وقصد به الاستشهاد على وقف المنفعة. قوله: [كان النقض للذي بناه]: ظاهر يفعل به ما شاء لكون الوقف انتهى أجله فلا يعطى حكم أنقاض المساجد المؤبدة. قوله: [وهو البالغ]: أي المكلف لأنه سيخرج به الصبي والمجنون وباقي المحترزات على ترتيب اللف. قوله: [ولو حيواناً]: رد بلو على ما حكاه ابن القصار من منع وقف الحيوان. قال ابن رشد: ومحل الخلاف في المعقب أو على قوم بأعيانهم وأما تحبيس ذلك ليوضع بعينه في سبيل الله أو لتصرف غلته في وجه قربة فجائز اتفاقاً كذا في (بن). قوله: [رقيقاً]: أي فيجوز وقف عبد على مرضى مثلاً لخدمتهم حيث لم يقصد السيد ضرره بذلك وإلا لم تصح، ومثل العبد الأمة على إناث وليس للواقف حينئذ الاستمتاع بها لأن منفعتها صارت بوقفها للغير كالمستعارة والمرهونة. قوله: [يوقف كل منهما للسلف]: أي: وأما إن وقف مع بقاء عينه كوقفه لتزيين الحوانيت مثلاً فلا يجوز اتفاقاً إذ لا منفعة شرعية تترتب على ذلك. قوله: [إن حمل قوله]: إلخ: قيد في قوله: أضعف منه. قوله: [أو غيره]: معطوف على "حيواناً" وهو دخول على قوله: "كرباط" والمراد بالرباط: الثغر. قوله: [ونحو من سيولد]: كلام مستأنف أي فلا فرق في الأهل بين أن يكون صالحاً

стр. 828

الموجود أو من سيوجد (ذمياً) فيصح الوقف عليه وسواء ظهرت قربة (أو لم تظهر قربة) كما لو كان الموقوف عليه غنياً. (و) الرابع: (صيغة) صريحة (بـ وقفت أو حبست أو سبلت، أو) غير صريحة نحو: (تصدقت، إن اقترن بقيد) يدل على المراد نحو: لا يباع، ولا يوهب، أو تصدقت به على بني فلان طائفة بعد طائفة، أو عقبهم ونسلهم. فإن لم يقيد تصدقت بقيد يدل على المراد فإنه يكون ملكاً لمن تصدق به عليه فإن لم يحصر، كالفقراء والمساكين، بيع وتصدق بثمنه عليهم بالاجتهاد. والحاصل أن التحقيق أن حبست ووقفت يفيدان التأبيد مطلقاً قيد أو أطلق. وكذا سبلت - كان على معينين أم لا - حتى يقيد بأجل أو جهة تنقطع وأما تصدقت؛ فلا يفيد الوقف إلا بقيد يدل عليه. (أو) على (جهة لا تنقطع): عطف على "مقدر" أي: على معين أو جهة إلخ كالفقراء أو المساجد فإن كان بـ حبست أو وقفت فظاهر، وإن كان بـ تصدقت أو منحت فلا بد من قيد يفيد الوقف والتأبيد، وإلا كان ملكاً لهم على ما تقدم. (أو لمجهول حصر) كعلى فلان وعقبه ونسله، ولو بلفظ تصدقت لأن قوله: "وعقبه" وما في معناه يدل على التأبيد. والمراد بالمحصور ما يحاط بأفراده وبغيره ما لا يحاط بها كالفقراء والعلماء. (وناب عنها): أي عن الصيغة (التخلية) بين الناس (بكالمسجد) من رباط ومدرسة ومكتب وإن لم يتلفظ بها. (ولا يشترط فيه): أي في الحبس (التنجيز)، فيجوز أن يقول: هو حبس على كذا بعد شهر أو سنة. (وحمل في الإطلاق عليه): أي على التنجيز للعتق. (كتسوية ذكر لأنثى)، فإنه يحمل إذا أطلق عليها، فإن قيد بشيء عمل به. ــ في الحال كالحيوان العاقل ونحو الرباط أو الاستقبال كمن سيولد. قوله: [الموجود]: أي الصالح في الحال. وقوله: [أو من سيوجد]: أي الصالح في الاستقبال. قوله: [كما لو كان الموقوف عليه]: أي وهو من أهل الذمة وأما المسلم فالقربة فيه ظاهرة ولو غنياً. قوله: [والرابع صيغة]: أي وما ناب عنها كما سيأتي في قوله وناب عنها التخلية بكالمسجد. قوله: [طائفة بعد طائفة] إلخ: أي فهذه الألفاظ قرينة على الوقف لا على الصدقة الحقيقية التي هي التمليك بغير عوض. قوله: [فإنه يكون ملكاً لمن تصدق به عليه]: أي فإن كان محصوراً صنع بها ما شاء بدليل ما بعده. قوله: [بالاجتهاد]: أي فلا يلزم التعميم بل لمتولي التفرقة أن يعطي من شاء، ويمنع من شاء، وإنما كانت تباع؛ لأن بقاءها يؤدي للنزاع. قوله: [مطلقاً]: من جملة معنى الإطلاق كان على معينين أو غيرهم الآتي بعد وإنما أفرد مسألته رداً على المخالف. قوله: [حتى يقيد بأجل]: أي بأن يضرب للوقف أجلاً كعشر سنين مثلاً. وقوله: [أو جهة تنقطع]: أي كما لو قيده بحياة شخص موقوف عليه. قوله: [فلا يفيد الوقف]: أي أصل الوقف مؤبداً أو غير مؤبد. قوله: [عطف على مقدر]: إنما قال عطف على مقدر ولم يجعله عطفاً على قوله بقيد؛ لرجوعه لجميع الصيغ الصريحة وغيرها فلذلك فصل الشارح الأحكام بعد. قوله: [فلا بد من قيد يفيد الوقف]: أي كقوله: لا يباع ولا يوهب وكقوله على بني فلان طائفة بعد طائفة. قوله: [والتأبيد]: لا حاجة له؛ لأن الوقف لا يشترط فيه التأبيد. قوله: [أو لمجهول حضر]: معطوف على جهة واللام بمعنى على. قوله: [كعلى فلان وعقبه]: وجه كونه مجهولاً أن العقب والنسل غير معلومين الصادق بمن وجد ومن سيوجد. قوله: [يدل على التأبيد]: أي ما لم يقيد بأجل. قوله: [كالفقراء والعلماء]: مثال لغير المحصور. قوله: [وإن لم يتلفظ بها]: أي كما لو بنى مسجداً وخلى بينه وبين الناس ولم يخص قوماً دون قوم لا فرضاً دون نفل، ويثبت الوقف بالإشاعة بشروطها بأن يطول زمن السماع. قال ابن سهل: وصفة شهادة السماع في الأحباس أن يشهد الشاهد أنه يعرف الدار التي بموضع كذا، وحدّها كذا وأنه لم يزل يسمع منذ أربعين سنة أو عشرين سنة متقدمة التاريخ عن شهادته هذه سماعاً فاشياً مستفيضاً من أهل العدل وغيرهم أن هذه الدار حبس على كذا أو حبس فقط، ويشهد الآخر بذلك بهذا جرى العمل. اهـ. وإنما يقع الحكم بها بعد أن يعذر الحاكم لمن ينازع في ذلك ولم يبد رافعاً شرعياً. كذا في الحاشية، ويقوم مقام الصيغة أيضاً كتابة الوقف على الكتب إن كانت وقفيتها مقيدة بمدارس مشهورة وإلا فلا، ويقوم مقام الصيغة أيضاً الكتابة على أبواب المدارس والربط والأشجار القديمة وعلى الحيوان. قال في حاشية الأصل: وحاصله أنه إذا وجد مكتوباً على كتاب وقف لله تعالى على طلبة العلم فإنه لا يثبت بذلك وقفيته حيث كانت وقفيته مطلقة، فإن وجد مكتوباً عليه وقف على طلبة العلم بالمدرسة الفلانية فإن كانت مشهورة بالكتب ثبتت وقفيته، وإن لم تكن مشهورة بذلك لم يثبت وقفيته. قوله: [فيجوز أن يقول هو حبس] إلخ: أي ويلزم إذا جاء الأجل، كما إذا قال لعبده: أنت حر إلى أجل كذا فإنه يكون حراً إذا جاء الأجل الذي عينه ولا إشكال في لزوم العقد بالنسبة إلى الوقف والعتق، فإن حدث دين على الواقف أو على المعتق في ذلك الأجل فإنه لا يضر عقد العتق لأن الشارع متشوف للحرية ويضر عقد الحبس إذا لم يحز عن الواقف في ذلك الأجل، أما إن حيز عنه أو كانت منفعته لغير الواقف في ذلك الأجل فإنه لا يضر حدوث الدين. كذا في الخرشي. قوله: [كتسوية ذكر لأنثى]: أي كما إذا قال الواقف داري مثلاً وقف على أولادي أو أولاد زيد ولم يبين تفضيل أحد على

стр. 829

(ولا) يشترط فيه (التأبيد) بل يجوز وقفه سنة أو أكثر لأجل معلوم ثم يرجع ملكاً له أو لغيره. (ولا) يشترط فيه (تعيين المصرف) في محل صرفه فجاز أن يقول: أوقفته لله تعالى، من غير تعيين من يصرف له. (وصرف في غالب): أي فيما يصرف له في غالب عرفهم، (وإلا) يكن غالب في عرفهم (فالفقراء) يصرف عليهم. وهذا إذا لم يختص الموقوف بجماعة معينة، وإلا صرف لهم ككتب العلم (ولا) يشترط (قبول مستحقه) إذ قد يكون غير محصور أو غير موجود أو لا يمكن قبوله كمسجد (إلا المعين الأهل) أي إلا أن يكون المستحق معيناً وكان أهلاً للقبول، بأن كان رشيداً، وإلا فالعبرة بوليه؛ فإن رد المعين الأهل أو ولي صبي أو مجنون أو سفيه (فللفقراء) ولا يرجع ملكاً لربه، وقال مطرف: يرجع ملكاً لربه أو لوارثه، وقال بعضهم: المتبادر من قول مالك إن رد المعين يكون لغيره أن ذلك باجتهاد الحاكم لا لخصوص الفقراء فتأمله. ثم شرع في بيان مبطلات الوقف بقوله: (وبطل) الوقف (بمانع): أي بحصول مانع للواقف (قبل حوزه): أي قبل أن يحوزه الموقوف عليه، فإذا لم يحزه الموقوف عليه - ولو سفيهاً أو صغيراً أو وليه - حتى حصل للواقف مانع من موت أو فلس أو مرض متصل بموته، بطل الوقف ورجع للغريم في الفلس وللوارث في الموت، إن لم يجزه الوارث، وإلا نفذ. وهذا إذا حبس في صحته، وأما من حبس في مرضه فهو كالوصية يخرج من الثلث إذا كان لغير وارث وإلا بطل كما يأتي. وللواقف في المرض الرجوع فيه لأنه كالوصية بخلاف الواقف في الصحة فلا رجوع له فيه قبل المانع، ويجبر على التحويز إلا إذا شرط لنفسه الرجوع فله ذلك. (أو) بحصول مانع له (بعد عوده) أي الوقف (له) أي لواقفه (قبل عام) بعد أن حيز عنه (وله) أي والحال أن للواقف (غلة كدار) وحانوت وحمام ودابة، فإنه يبطل الوقف بحصول المانع للواقف حال استيلائه عليه قبل العام، وسواء أوقفه على محجوره أو غيره عاد إليه بعوض؛ كإجارة أو بغيره ما لم يحز عنه ثانياً قبل المانع؛ وإلا لم يبطل. ومفهوم: "قبل عام" أنه لو عاد إليه بعد العام فحصل المانع، لم يبطل؛ لأنه المدة التي يحصل بها اشتهار الوقف غالباً بخلاف الرهن إذا عاد للراهن فإنه يبطل بالمانع ولو طالت حيازة المرتهن له. وذكر مفهوم "وله غلة" بقوله: (بخلاف) ما لا غلة له (نحو كتب) للعلم (وسلاح) فإنه لا يبطل بالمانع إذا عاد ليد الواقف قبل عام وأولى بعده (إذا صرفه) قبل عوده له (في مصرفه) بأن حيز عنه لمن يقرأ فيه بالنسبة للكتاب أو لمن يقاتل به بالنسبة للسلاح أو لمن ينجر به في نحو القدوم ولو كانت الحيازة له بنحو تغييرة الكراس فما بعده إلخ فإنه كاف ولا يبطل بالمانع قبل العام. وما ذكرناه من قولنا " بخلاف " إلخ هو المعول عليه خلافاً لمن قال: هما سواء في البطلان. وقولنا: "ومفهوم "قبل عام"، أنه لو عاد إليه بعد العام" إلخ شامل للوقف على غير المحجور ــ أحد فإنه يحمل على تسوية الأنثى بالذكر في المصرف فإن بين شيئاً عمل به إلا في المرجع فإنه يستوي في المرجع الذكر والأنثى ولو كان الواقف شرط في أصل وقفه للذكر مثل حظ الأنثيين لأن مرجعه ليس كإنشائه وإنما هو بحكم الشرع وسيأتي. قوله: [ولا يشترط فيه التأبيد]: يؤخذ منه أن اشتراط التغيير والتبديل والإدخال والإخراج معمول به وفي المتيطي ما يفيد منع ذلك ابتداء، ويمضي إن وقع وفي (ح) عن النوادر وغيرها أنه إن اشترط في وقفه إن وجد فيه رغبة بيع واشترى غيره لا يجوز له ذلك. فإن وقع ونزل مضى وعمل بشرطه كذا في (بن). قوله: [في غالب عرفهم]: أي فإن كان الغالب في عرفهم الصرف لأهل العلم أو للغزاة عمل به. قوله: [وإلا يكن غالب في عرفهم]: أي بأن لم يكن لهم أوقاف أو كان ولا غالب فيها. قوله: [فالفقراء يصرف عليهم]: أي بالاجتهاد سواء كانوا في محل الوقف أو غيره. قوله: [وقال بعضهم]: حاصله: أنه إن قبله المعين الرشيد أو ولي غيره فالأمر ظاهر، وإن رده كان حبساً على غيره باجتهاد الحاكم، وهذا إذا جعله الواقف حبساً مطلقاً قبله من عينه له أم لا، وأما إن قصد المعين بخصوصه فإن رده عاد ملكاً للمحبس كما ذكره ابن رشد في نوازله قال المسناوي: وبهذا يجمع بين ما ورد في ذلك من الروايات المختلفة. اهـ ملخصاً من (بن). قوله: [ولو سفيهاً] إلخ: مبالغة في محذوف تقديره فإن حازه صح هذا إذا كان الحائز له رشيداً، بل ولو سفيهاً ... إلخ. وقوله: [حتى حصل للواقف مانع]: غاية في قوله لم يحزه. قوله: [أو فلس]: المراد بالفلس هنا ما يشمل الأخص والأعم الذي هو إحاطة الدين. وقوله: [بطل الوقف]: جواب إذا والمراد بالبطلان عدم التمام؛ لأن عدم إمضاء ذلك حق للغرماء في الفلس وللورثة في الموت. قوله: [إن لم يجزه الوارث]: أي أو الغريم والمراد بالإجازة الإمضاء. قوله: [وسواء أوقفه على محجوره]: وسيأتي بشروط مسألة الوقف على المحجور الآتية. قوله: [ما لم يحز عنه ثانياً قبل المانع]: حاصله أنه إن عاد لانتفاعه بما وقفه قبل عام وحصل المانع قبل أن يحاز عنه ثانياً بطل الوقف مطلقاً كان على محجوره أو على غيره عاد بكراء أو إرفاق، وإن عاد بعد عام بكراء أو إرفاق فلا يبطل إذا كان على غير محجوره، وإن كان على محجوره ففيه خلاف إن عاد له بكراء وأشهد على ذلك، وإن عاد له بإرفاق بطل اتفاقاً. قوله: [فإنه يبطل] إلخ: أي لقوله تعالى:

стр. 830

وعلى المحجور اتفاقاً في الأول، وعلى الأرجح في الثاني قال المتيطي: وإن عاد إليها أي الدار الموقوفة بعد العام نفذت، وإن مات فيها إذا كان رجوعه إليها بالكراء وأشهد على ذلك، هذا قول ابن القاسم وعبد الملك وهو المشهور وبه العمل، وسواء في هذا الصغير والكبير ومقابله طريقة ابن رشد القائلة بالبطلان إذا عاد لما حبس على محجوره ولو بعد أعوام وليس العمل عليها قال المحشي: وقد نظم ذلك سيدي أحمد الزواوي فقال: رجوع واقف لما قد وقفا ... بعد مضي سنة قد خفا على صبي كان أو ذي رشد ... واعترضت طريقة ابن رشد وقول المتيطي: إذا كان رجوعه إليها بالكراء [١] وأشهد يقتضي أنه إذا عاد إليها لا بكراء، بل بإرفاق بطل، أي في المحجور بعد العام وبه جزم بعضهم وقد علم من قولنا: "وبطل بمانع قبل الحوز" أن الحوز شرط في صحة الحبس وهو الإخراج عن يد المحبس وكذا الهبة والصدقة. ولا بد من معاينة البينة لحوزه كما في المدونة قال فيها: ولو أقر المعطي في صحة أن المعطى قد حاز وقبض وشهدت عليه بإقراره بينة ثم مات لم يقض بذلك إن أنكرت ورثته حتى تعاين البينة الحوز. انتهى. واستثني من ذلك المحجور إذا وقف عليه وليه، فإنه لا يشترط فيه الحيازة الحسية بقوله: (إلا) أن يوقف الولي من أب أو وصي أو حاكم أو مقدم. (لمحجوره) الصغير أو السفيه فلا يشترط فيه الحوز الحسي بل يكفي الحكمي، فيصح وقف الولي عليه إذا استمر الوقف تحت يده حتى حصل المانع، لكن بشروط ثلاثة أفادها بقوله: (إن أشهد) الولي (على الوقف) على محجوره، وإن لم يشهد على الحوز له، فإن لم يشهد بطل بالمانع (وصرف) وليه (له): أي للمحجور (الغلة): أي في مصالحه كلاً أو بعضاً مما يحتاج إليه، فإن لم يصرف منها عليه بطل بالمانع. (ولم يكن الموقوف) على المحجور (دار سكناه) أي الواقف، فإن كانت دار سكناه بطل بالمانع إلا إذا تخلى الواقف عنها وعاينت البينة فراغها من شواغل المحبس. (إلا أن يسكن) الولي منها (الأقل ويكري له): أي لمحجوره (الأكثر) للصرف عليه فيكفي ولا يبطل لأن الأقل تابع للأكثر (وإن سكن النصف بطل فقط) إن حصل مانع، وصح النصف الذي لم يسكنه. وإن سكن الأكثر بطل الجميع، وفهم منه أن حيازة الأم ما حبسته على ولدها الصغير لا يكفي، إلا إذا كانت وصية. وتقدم أن السفيه أو الصغير لو حاز لنفسه لصحت حيازته فلا يبطل الحبس بالمانع بعده. (و) بطل الوقف (على وارث بمرض موته) لأن الوقف في المرض كالوصية ولا وصية لوارث. (وإلا) يكن الوقف في المرض على وارث بل على غيره (فمن الثلث) يخرج فإن حمله الثلث صح وإلا فلا يصح منه إلا ما حمله الثلث. ثم استثنى من بطلان وقف المريض على الوارث مسألة تعرف بمسألة ولد الأعيان فقال: (إلا) وقفاً (معقباً): كان له غلة أم لا أوقفه المريض على أولاده ونسله وعقبه (خرج من ثلثه): أي حمله الثلث فيصح، فإن حمل الثلث بعضه جرى فيه ما سيذكر فيما يحمله الثلث. (فكميراث للوارث): في القسم مما يخص الوارث، وليس ميراثاً حقيقة إذ لا يباع ولا يوهب ــ ﴿فرهان مقبوضة﴾ [البقرة: ٢٨٣]، فجعل القبض وصفاً لها. قوله: [وعلى المحجور]: أي إلا في المسألة الآتية. قوله: [قال المحشي]: مراده به (بن). قوله: [قد خففا]: أي فلا يبطل الوقف. قوله: [على صبي كان] إلخ: تعميم فيما قبله. قوله: [واعترضت طريقة ابن رشد]: أي حيث قال بالبطلان في المحجور ولو كان الرجوع بعد أعوام ولو مع الإشهاد والكراء له. قوله: [وبه جزم بعضهم]: أي بهذا التفصيل. قوله: [وقد علم من قولنا] إلخ: بهذا تعلم أن من أوقف دار سكناه مثلاً على ذريته وبقي ساكناً فيها حتى مات يكون وقفه باطلاً باتفاق أهل المذهب ويرجع ميراثاً. قوله: [حتى تعاين البينة الحوز]: أي والإشهاد على إقراره بالحوز لا يكفي. قوله: [وصرف وليه]: أي ولا بد من الشهادة على ذلك. قوله: [كلاً أو بعضاً]: قال اللقاني: وصرف الغلة له أي كلها أو جلها قياساً على الهبة. أما إذا لم يصرف الغلة بالمرة أو لم يصرف له إلا الأقل أو النصف بطل الوقف اهـ إذا علمت ذلك فالمراد بالبعض الجل. قوله: [ويكري له] إلخ: مفهومه لو أبقى الأكثر خالياً من غير كراء بطل الوقف، ومثله ما إذا أكراه لنفسه. قوله: [وإن سكن النصف بطل فقط]: وهذا بخلاف صرف الغلة فإنه تقدم أن صرف النصف المحجور مبطل للوقف في الجميع لأن النصف الذي تعلق بالسكنى متميز. بخلاف صرف الغلة فلا تمييز فيه كما يفيده في الحاشية. قوله: [وفهم منه]: أي من قوله "إلا لمحجوره". قوله: [بمرض موته]: أي المرض الذي يعقبه الموت ولو خفيفاً ويبطل ولو حمله الثلث لأنه كالوصية ولا وصية لوارث ومحل البطلان فيما يبطل فيه الوقف حيث لم يجزه الوارث غير الموقوف عليه فإن أجازه مضى ولذا كان دخول الأم والزوجة فيما للأولاد حيث لم يجيزا، فإن أجازا لم يدخلا كذا في الحاشية. قوله: [تعرف بمسألة ولد الأعيان]: أي في المذهب. قال بعضهم: في هذه التسمية قصور لأن الحكم في هذه المسألة لا يختص بالوقف على ولد الأعيان، بل الوقف على غيرهم من الورثة كذلك فلو وقف في مرضه على إخوته وأولادهم وعقبهم، أو على إخوته وأولاد عمه وعقبهم، وأخواته وعقبهن، أو أولاد عمه وعقبهم. فالحكم لا يختلف وضابط تلك المسألة أن يوقف المريض على وارث وغير وارث وعقبهم. قوله: [معقباً]: أي

стр. 831

فيكون للذكر مثل حظ الأنثيين وللزوجة الثمن في المثال من مناب الأولاد وللأم السدس، فيدخل في الوقف جميع الورثة وإن لم يوقف عليهم. وبين ذلك بالمثال، فقال: (كثلاثة أولاد) لصلبه هم أولاد الأعيان (وأربعة أولاد أولاد) أوقف عليهم في مرضه شيئاً من ماله كدار وعقبه بأن قال: وعقبهم، فالتعقيب شرط في هذه المسألة كالخروج من الثلث، فإن لم يعقبه بطل على الأولاد وصح على أولاد الأولاد. (وترك) مع السبعة ممن يرث (زوجة وأماً، فيدخلان في مال الأولاد) وكذا كل من يرث ممن لم يوقف عليه كالأب فما ينوب الأولاد ثلاثة أسهم من سبعة سواء كانوا ذكوراً أو إناثاً أو بعضهم أطلق أو سوّى بين الذكر والأنثى أو جعل للذكر مثل حظ الأنثيين، إذ شرطه لا يعتبر فيما لأولاد الأعيان، بل للذكر مثل حظ الأنثيين على كل حال كما يؤخذ من قوله: "فكميراث للوارث؛ فللزوجة من الثلاثة أسهم الثمن وللأم منها السدس (وأربعة أسباعه لولد الولد وقف) عليهم يعمل فيها بشرط الواقف من تفاضل أو غيره، بخلاف مال أولاد الصلب فإنه كالميراث للذكر فيه مثل حظ الأنثيين ولو شرط خلافه. ويدخل فيه من يرث، إلا إذا لم يوقف عليه ولكونه معقباً لم يبطل ما ناب الأولاد لتعلق حق غيرهم به، ولكون الوقف عليهم في المرض لا يصح شاركهم غيرهم من بقية الورثة. وحاصل قسم المسألة على طريقة الفرضيين: أن المسألة من سبعة لأولاد الأعيان، منها ثلاثة للأم منها السدس من ستة وللزوجة الثمن من ثمانية وبين المخرجين موافقة بالأنصاف، فيضرب نصف أحدهما في كامل الآخر بأربعة وعشرين؛ للأم سدسها أربعة وللزوجة ثمنها ثلاثة، يبقى سبعة عشر على ثلاثة أولاد الأعيان لا تنقسم وتباين، فتضرب الرؤوس الثلاثة المنكسرة عليها سهامها في أصل المسألة الأربعة وعشرين [١] باثنين وسبعين، ثم يقال: من له شيء من أصل المسألة أخذه مضروباً في ثلاثة؛ فللأم أربعة في ثلاثة باثني عشر وللزوجة ثلاثة في ثلاثة بتسعة وللأولاد سبعة عشر في ثلاثة بواحد وخمسين لكل واحد سبعة عشر، وأما أولاد الأولاد فأربعتهم منقسمة عليهم. (وانتقض القسم) المذكور (بحدوث ولد) أو أكثر للفريقين أو لأحدهما فإذا حدث واحد صارت القسمة من ثمانية واثنان صارت من تسعة وهكذا. (كموته) أي كموت ولد من الفريقين أو أكثر فتنتقض. فإذا مات واحد من أولاد الأعيان فالقسمة من ستة لأولاد الأعيان سهمان للأم سدسها وللزوجة ثمنهما ــ أدخل في الوقف عقباً. قوله: [فيكون للذكر مثل حظ الأنثيين]: أي ولو شرط الواقف تساويهما. قوله: [وللأم السدس]: أي والباقي للأولاد. قوله: [وبين ذلك بالمثال]: وهذا المثال للمدونة فلذا اقتصر عليه المصنف كخليل، وإلا فحقيقة المسألة أن يوقف الواقف في مرض موته على وارث وعلى غير وارث وعلى عقبهم فلا مفهوم لما ذكره المصنف. قوله: [هم أولاد الأعيان]: أي وهم الذين سميت المسألة بهم. قوله: [وعقبه]: بالتشديد فعل ماض: أي والحال أنه عقبه بأن قال إلخ. قوله: [بطل على الأولاد وصح على أولاد الأولاد]: أي وحينئذ تقسم ذات الوقف بين الأولاد وأولاد الأولاد، فما ناب الأولاد تكون ذاته إرثاً وما ناب أولاد الأولاد يكون وقفاً كما في (بن) عن التوضيح. قوله: [فيدخلان]: أي إن منعتا ما فعله مورثهما من وقفه في المرض، وأما إن أجازتا فعله فلا يدخلان أصلاً كما في (بن). قوله: [على كل حال]: أي شرط ذلك أو لم يشترطه. قوله: [من تفاضل أو غيره]: أي كان التفضيل للذكور أو للإناث. قوله: [ولو شرط خلافه]: أي لكونه بالنسبة لهم كالميراث فلا يخرج عن قسمة الميراث. قوله: [إذا لم يوقف عليه]: هذا القيد اعتبره (عب) وتبعه في الحاشية، فقال: ومحل كونه كالميراث إذا حبس على أولاده وأولاد أولاده دون الأم والزوجة فإن حبس عليهما مع من ذكر فإن الوقف يكون بين الجميع بالسوية لا بحسب الفرائض في الوراثة حيث لم يكن من الواقف تفضيل فلا يقال حينئذ فلا يدخلان فيما للأولاد اهـ قال (بن): هذا غير صحيح لأنه حيث علم أن نصيب الورثة يقسم بينهم على حكم الإرث لأنه لا وصية لوارث لزم قسمه على الفرائض، وعدم تسوية الأم والزوجة مع الأولاد سواء أدخلهما حسب رءوسهما في القسم بين الأولاد أو لا تأمله اهـ. قوله: [لتعلق حق غيرهم به]: أي وهم أولاد الأولاد. قوله: [شاركهم غيرهم]: أي الذي هو الزوجة والأم أي إنما قسم كالميراث وشاركهم فيه الأم والزوجة لعدم صحة الوقف عليهم في المرض. قوله: [على طريقة الفرضيين]: أي الذين لا يعطون كسراً. قوله: [منها]: أي من الثلاثة التي تخص أولاد الأعيان لأن الزوجة والأم لا دخول لهما فيما لأولاد الأولاد لصحة الوقف فيه. قوله: [وبين المخرجين]: أي الذي هو الستة والثمانية. قوله: [المنكسرة عليها سهامها]: أي التي هي سبعة عشر. قوله: [الأربعة والعشرين]: بدل أو عطف بيان. قوله: [من أصل المسألة]: أي التي هي الأربعة والعشرون. قوله: [أخذه مضروباً في ثلاثة]: أي التي هي عدد رءوس أولاد الأعيان. قوله: [وانتقض القسم المذكور]: أي الذي هو على سبعة. قوله: [فإذا حدث واحد]: يتصور

стр. 832

والباقي يقسم على ثلاثة الاثنين الباقيين من أولاد الأعيان وأخيهم الميت فإنه يقدر حياته، ونصيبه يكون لوارثه على حسب الفرائض. فإذا كانت زوجة الواقف المذكورة أمه كان لها من نصيبه الثلث أو السدس، إن كان أولاد الأولاد أو بعضهم أبناءه ولا شيء منه لأم الواقف لأنها جدته حجبت بأمه. وإن كانت الزوجة ليست بأمه كان لأم الواقف السدس منه لأنها جدته. وإن كان أولاد الأولاد أبناءه كان لهم الباقي. وإن كان أبناؤه بعضهم اختص به. وإن كانوا كلهم أبناء أخيه اختص به أخواه الباقيان، وكذا لو مات اثنان من أولاد الأعيان. فلو مات الثلاثة رجع الوقف جميعه لولد الولد مع ما بيد الزوجة والأم؛ لأن أخذهما كان بالتبع لأولاد الأعيان. ولو ماتت أم المحبس أو زوجته أو وارث الابن الميت مما لا دخل له في الوقف -كزوجته وأخيه لأمه- فسهمه على ورثته على حسب الفرائض، إلى أن يموت أولاد الأعيان جميعهم فينتقل الوقف لأولاد الأولاد، ولو مات واحد من أولاد الأولاد كانت القسمة من ستة؛ لأولاد الأعيان النصف ثلاثة. ولو مات اثنان كانت القسمة من خمسة لأولاد الأعيان ثلاثة وللأم سدسها وللزوجة ثمنها. ولو مات أولاد الأولاد كلهم بقي الوقف لأولاد الأعيان كلهم؛ فإن ماتوا أيضاً رجع مراجع الأحباس لأقرب عصبة فقراء المحبس. (لا) ينتقض القسم (بموت إحداهما) أي الزوجة أو الأم ويرجع مناب من مات منهما لورثته كان وارثهما من أهل ذلك الوقف أو غيره ما بقي أحد من أولاد الأعيان فإن لم يكن لهما وارث فلبيت المال حتى تنقرض أولاد الأعيان وعلم من جميع ما تقدم أن الطبقة العليا وهي أولاد الأعيان لا تحجب الطبقة السفلى لا من نفسها ولا من غيرها، وأن الأم والزوجة قد يعتريهما النقص والزيادة باعتبار الحدوث والموت، وقد يسقطان عند موت أولاد الأعيان. (و) بطل الوقف (على معصية ككنيسة) وكصرف غلته على خمر أو شراء للسلاح لقتال حرام (أو) على (حربي) وتقدم صحته على ذمي (أو) وقف (على نفسه ولو بشريك) أي يبطل على نفسه ولو مع شريك غير وارث، كأوقفته على نفسي مع فلان، فإنه يبطل ما يخصه وكذا ما يخص الشريك. (إلا أن يحوزه الشريك قبل المانع) فإن كان شائعاً فإن حاز الجميع قبل المانع صح له منابه وإلا فلا، ــ حدوث ولد من أولاد الأعيان فيما إذا كان للواقف ولد غائب لم يعلم به حين القسم ثم حضر بعد القسمة وشهدت البينة بأنه ابن الواقف فتنقض القسمة. قوله: [والباقي يقسم على ثلاثة] إلخ: أي فتكون المسألة من اثنين وسبعين كما تقدم. قوله: [فإذا كانت زوجة الواقف] إلخ: تفصيل لما أجمل قبله. قوله: [كان لها من نصيبه الثلث]: لا يظهر في هذا المثال بل لها السدس على كل حال لوجود جمع من الإخوة لأنه معلوم في الفرائض أن المراد بالجمع الذي يحجب الأم من الثلث إلى السدس ما فوق الواحد فلا يظهر التفصيل الذي قاله إلا إن كان الميت من أولاد الأعيان اثنين كالمثال الآتي. قوله: [لأنها جدته]: أي من جهة أبيه وليس له أم تحجبها. قوله: [ليست بأمه]: أي بل زوجة أبيه فقط. قوله: [كان لهم الباقي]: أي لأن جهة البنوة تحجب جهة الأخوة. قوله: [اختص به أخواه] إلخ: أي لأن جهة الأخوة تقدم على جهة بنيها. قوله: [فسهمه على ورثته]: أي الذي نابه من الشيء الموقوف. قوله: [فينتقل الوقف لأولاد الأولاد]: أي فيحوزون جميع الشيء الموقوف، فكل من كان أخذ من ورثة أولاد الأعيان أو ورثة الأم أو الزوجة شيئاً رده لأولاد الأولاد وقد فاز بالغلة الماضية. قوله: [ولو مات واحد] إلخ: مقابل لقوله "فإذا مات واحد من أولاد الأعيان" قوله: [لأولاد الأعيان النصف ثلاثة]: أي وتأخذ الأم والزوجة نصيبهما منها والعمل على ما تقدم. قوله: [بقي الوقف لأولاد الأعيان]: أي بأيديهم وتأخذ الأم والزوجة نصيبهما منها والعمل على ما تقدم. قوله: [رجع مراجع الأحباس]: أي ونزع ما كان بيد الزوجة والأم أو ورثتهما، ويصير الجميع لأقرب فقراء عصبة المحبس ولامرأة لو كانت ذكراً عصبت ويستوي فيه الذكر والأنثى ولو شرط في أصل الوقف التفضيل وسيأتي إيضاح ذلك في قوله: "وإن انقطع مؤبد رجع حبساً لأقرب فقراء عصبة المحبس" إلخ. قوله: [ما بقي أحد من أولاد الأعيان]: ظرف لقوله: "يرجع". أي يرجع مناب من مات منهما لورثته مدة بقاء أحد من أولاد الأعيان. قوله: [حتى تنقرض أولاد الأعيان]: غاية في بقائه لبيت المال أي فإن انقرضت رده بيت المال لأولاد الأولاد. قوله: [لا من نفسها ولا من غيرها]: راجع للسفلى والمعنى أن السفلى لا تحجب بالعليا كانت السفلى من نفس العليا كأولاد صلبهم أو من غير صلبهم كأولاد إخوتهم. قوله: [باعتبار الحدوث]: راجع للنقص والزيادة. وقوله: [والموت]: راجع للنقص والزيادة أيضاً. قوله: [وقد يسقطان]: قد للتحقيق لا للتقليل. قوله: [ككنيسة]: ظاهره كان على عبادها أو مرمتها كان الواقف مسلماً أو كافراً وهذا هو الذي مشى عليه في المجموع، وسيأتي عن ابن رشد قول بالصحة إن كان من ذمي على مرمتها أو المرضي بها. قوله: [وتقدم صحته على ذمي]: أي في قوله "ولو ذمياً" وسواء كان الواقف مسلماً أو ذمياً.

стр. 833

فإن أوقفه على نفسه ثم على أولاده وعقبه رجع حبساً بعد موته على عقبه، إن حازوا قبل المانع، وإلا بطل، هذا إن أوقف في صحته فإن أوقف في مرضه صح، إن حمله الثلث، ورجع الأمر للتفصيل المتقدم في مسألة أولاد الأعيان. (أو على أن النظر له) أي للواقف؛ فإنه يبطل لما فيه من التحجير، هذا إن حصل مانع له فإن اطلع عليه قبل حصول مانع كان صحيحاً وأجبر على جعل النظر لغيره. (أو جهل سبقه) أي الوقف (لدين إن كان) الوقف (على محجوره)، وهذا فيما إذا حازه الواقف لمحجوره، مع وجود الشروط الثلاثة المتقدمة من الإشهاد، وصرف الغلة، وكون الوقف غير دار سكناه، وإلا بطل، ولو علم تقدمه على الدين، والمعنى: أن من وقف على محجوره وقفاً وحازه له بالشروط المتقدمة وعلى الواقف دين ولم يعلم هل الدين قبل الوقف أو بعده، فإن الوقف يبطل ويباع ككدين [١] تقديماً للواجب على التبرع عند الجهل مع ضعف الحوز، ولذا لو حازه للمحجور أجنبي بإذن الولي لصح ولم يبطل عند جهل سبقه للدين؛ كالولد الكبير والأجنبي يحوز لنفسه قبل المانع فلا يبطل بجهل السبق بل بتحققه وأما لو حاز المحجور لنفسه، فهل يعتبر حوزه فلا يبطل الوقف عند جهل السبق؟ وهو الصحيح، سفيهاً كان أو صبياً وقد تقدم. (أو لم يخل) بسكون الخاء: أي لم يترك الواقف (بين الناس وبين كمسجد) ورباط ومدرسة (قبله) أي قبل المانع؛ فإنه يبطل، ويكون ميراثاً. فإن أخلى قبل المانع صح لأن الإخلاء المذكور حوز حكمي. (و) بطل الوقف (من كافر لكمسجد) ورباط (ومدرسة) من القرب الإسلامية. وأما وقف الذمي على كنيسته [٢] فإن كان على مرمتها أو على المرضى بها فالوقف صحيح معمول به. فإن ترافعوا إلينا حكم بينهم بحكم الإسلام أي من إمضائه وإن كان على عبادها حكم ببطلانه كذا نقل عن ابن رشد. (وكره) الوقف (على بنيه) الذكور (دون بناته) فإن وقع مضى ولا يفسخ (على الأصح) وهو مذهب المدونة. ومقابله ما مشى عليه الشيخ من أنه لا يجوز ويفسخ إن وقع، وهو قول ابن القاسم في العتبية. ــ قوله: [فإن أوقفه على نفسه ثم على أولاده]: حاصله أن الوقف على النفس باطل وعلى غيره يصح تقدم الوقف على النفس أو تأخر أو توسط، كأن قال: وقفت على نفسي ثم عقبي، أو وقفت على زيد ثم على نفسي، أو وقفت على زيد ثم على نفسي ثم على عمرو. فالأول يقال له منقطع الأول، والثاني منقطع الآخر. والثالث منقطع الوسط. وكذا يكون منقطع الطرفين كالوقف على نفسه ثم على أولاده ثم على ميت لا ينتفع بالوقف. والحاصل: أن الظاهر من مذهبنا أنه يبطل فيما لا يجوز الوقف عليه ويصح فيما يصح عليه ولا يضر الانقطاع. وقال الشافعي: لا يصح منقطع الابتداء والانتهاء أو الابتداء فقط. وقال أبو حنيفة: يبطل منقطع الانتهاء. وقال أحمد: يبطل منقطع الانتهاء والوسط كذا في الحاشية. قوله: [أو على أن النظر له]: محل بطلان الوقف إن جعل النظر لنفسه ما لم يكن وقفه على محجوره وإلا فله النظر، ويكون الشرط مؤكداً كذا ذكره شيخ مشايخنا السيد البليدي في حاشيته على (عب). قوله: [ولم يعلم هل الدين] إلخ: أي وأولى إذا علم تقدم الدين على الوقف، فإن تحقق تقدم الوقف على الدين فلا بطلان وتتبع ذمة الواقف بالدين. والحاصل: أنه إن علم تقدم الدين على الوقف بطل سواء كان الوقف على محجوره أو غيره، فإن علم تقدم الوقف على الدين فلا بطلان كان الوقف على محجوره أو على غيره، وإن جهل سبقه له فإن كان الوقف على محجوره بطل إن حازه له وإن كان على غيره فلا بطلان إن حازه الموقوف عليه قبل المانع. قوله: [بل بتحققه]: أي بتحقق سبق الدين على الوقف. قوله: [أي لم يترك الواقف]: مفعوله محذوف تقديره الحجر، والمعنى أنه حصل له مانع وهو باق على حجره وتحت حوزه. قوله: [حوز حكمي]: أي عن الواقف. قوله: [كذا نقل عن ابن رشد]: وهناك قول ثان بالبطلان مطلقاً. وقول ثالث بالصحة مطلقاً، وأنه غير لازم وسواء أشهد على ذلك الوقف أم لا، بأن من تحت يد الواقف أم لا، وللواقف الرجوع فيه متى شاء. قوله: [وكره الوقف] إلخ: اعلم أن في هذه المسألة وهي الوقف على البنين دون البنات أقوالاً: أولها: البطلان مع حرمة القدوم على ذلك. ثانيها: الكراهة مع الصحة والكراهة على بابها. ثالثها: جوازه من غير كراهة. رابعها: الفرق بين أن يحاز عنه فيمضي على ما حبسه عليه أو لا يحاز فيرد للبنين والبنات معاً. خامسها: ما رواه عيسى عن ابن القاسم حرمة ذلك، فإن كان الواقف حياً فسخه وجعله للذكور والإناث، وإن مات مضى. سادسها: فسخ الحبس وجعله مسجداً إن رضي المحبس عليه فإن لم يرض لم يجز فسخه ويقر على حاله حبساً وإن كان الواقف حياً والمعتمد من هذه الأقوال ثانيها الذي مشى عليه المصنف، ومحل الخلاف إذا حصل الوقف على البنين دون البنات في حال الصحة وحصل الحوز المانع. أما لو كان الوقف في حالة المرض فباطل اتفاقاً ولو حيز لأنه عطية لوارث، أو كان في حال الصحة وحصل المانع قبل الحوز كما لو بقي الواقف ساكناً فيه حتى مات فباطل اتفاقاً أيضاً فليحفظ

стр. 834

(واتبع شرطه): أي الواقف وجوباً (إن جاز)، والمراد بالجواز: ما قابل الممنوع فيشمل المكروه، فإن لم يجز لم يتبع. ومثل للجائز بقوله: (كتخصيص) أهل (مذهب) من المذاهب الأربعة بصرف الغلة لهم أو بتدريس في مدرسته أو بكونه إماماً في مسجده (أو) تخصيص (ناظر) معين وله عزل نفسه، فيولي الواقف غيره ممن شاء؛ وإلا فالحاكم. فإن لم يجعل له ناظراً فالمستحق إن كان معيناً رشيداً هو الذي يتولى أمره، فإن لم يكن رشيداً فوليه. وإن كان المستحق غير معين كالفقراء فالحاكم يولي من شاء، وأجرته من ريعه، وكذا إن كان الواقف على مسجد ونحوه، وقارع [١] بين رشداء معينين. (أو تبدئة فلان): من المستحقين (بكذا) من غلته ثم يقسم الباقي على البقية، فيجب العمل به لأن شرط الواقف كنص الشارع. (أو) شرط أنه: (إن احتاج من حبس عليه) إلى البيع من الوقف (باع) فيعمل بشرطه، ولا بد من إثبات الحاجة والحلف عليها، إلا أن يشترط أن يصدق بلا يمين (أو) شرط أنه (إن تسور عليه) أي على الوقف (ظالم رجع) الوقف ملكاً (له) إن كان حياً (أو لوارثه) إن مات (أو) رجع (لفلان ملكاً) فإنه يعمل بشرطه. وقوله: "ملكاً" راجع للثلاثة قبله. ثم شرع في بيان حكم ما إذا انقطع المحبس عليه، فقال: (وإن انقطع) وقف (مؤبد) على جهة بانقطاع الجهة التي وقف عليها (رجع حبساً لأقرب فقراء عصبة المحبس) فيقدم الابن فابنه فالأب فالأخ فابنه فالجد فالعم فابنه، ولا يدخل فيه الوقف ولو فقيراً ولا مواليه. فإن كان الأقرب غنياً فلمن يليه في الرتبة، ــ هذا المقام، وكلام المؤلف في بنيه وبناته لصلبه، وأما بنو بنيه دون بنات بنيه فيصح وقفه اتفاقاً، وأما هبة الرجل لبعض ولده ماله كله أو جله فمكروه اتفاقاً، وكذا يكره أن يعطي ماله كله لأولاده يقسم بينهم بالسوية إن كانوا ذكوراً وإناثاً، وإن قسمه بينهم على قدر مواريثهم فذلك جائز وكذلك يصح الوقف باتفاق في العكس كوقفه على بناته دون بنيه، وإنما بطل الوقف على البنين دون البنات على القول به لقول مالك إنه من عمل الجاهلية، أي يشبه عملهم لأن الجاهلية كانوا إذا حضر أحدهم الموت ورثوا الذكور دون الإناث فصار فيهم حرمان الإناث دون الذكور. فالوقف على هذا الوجه يشبه عمل الجاهلية اهـ ملخصاً من الحاشية وحاشية الأصل. قوله: [واتبع شرطه إن جاز]: أي إن كان باللفظ أو بالكتابة. قوله: [فيشمل المكروه]: أي وذلك كتخصيص الذكور دون الإناث. وكفرش المسجد بالبسط وكأضحية عنه كل عام بعد موته. قوله: [فإن لم يجز لم يتبع]: أي إن كان ممنوعاً باتفاق. وأما المختلف فيه كاشتراط إخراج البنات من وقفه إذا تزوجن فهذا لا يجوز الإقدام عليه، فإذا وقع مضى كما في (ح) نقله (بن). قوله: [أو تخصيص ناظر معين]: أي بأن شرط الواقف أن فلاناً ناظر وقفه فيجب اتباع شرطه ولا يجوز العدول عنه لغيره وليس له الإيصاء بالنظر لغيره إلا أن يجعل له الواقف ذلك، وحيث لم يكن له إيصاء به، فإن مات الناظر والواقف حي جعل النظر لمن شاء وإن كان ميتاً فوصيه إن وجد وإلا فالحاكم. قوله: [وإلا فالحاكم]: أي إن لم يكن الناظر حياً ولا وصي له فالحاكم. تنبيه: ذكر البدر القرافي أن القاضي لا يعزل الناظر إلا بجنحة وللواقف عزله مطلقاً. قوله: [وأجرته من ريعه]: أي يجوز للقاضي أن يجعل للناظر أجرة من ريع الوقف على حسب المصلحة خلافاً لقول ابن عتاب إنه لا يحل له أخذ شيء من غلة الوقف، بل من بيت المال إلا إذا عين الواقف شيئاً. قوله: [وكذا إن كان الوقف على مسجد]: أي فإن الحاكم يولي عليه من يشاء ممن يرتضيه إن لم يكن الواقف حياً ولا وصي له. واعلم أنه إذا مات الواقف وعدم كتاب الوقف قبل قول الناظر في الجهات التي يصرف عليها إن كان أميناً، وإذا ادعى الناظر أنه صرف الغلة صدق إن كان أميناً ما لم يكن عليه شهود في أصل الوقف فلا يصرف إلا باطلاعهم، ولا يقبل بدونهم وإذا ادعى أنه صرف على الوقف مالاً من عنده صدق من غير يمين إن لم يكن متهماً وإلا فيحلف. ولو التزم حين أخذ النظر أن يصرف على الوقف من ماله إن احتاج لم يلزمه ذلك وله الرجوع بما صرفه، وله أن يقترض لمصلحة الوقف من غير إذن الحاكم ويصدق في ذلك نقله محشي الأصل عن (شب). قوله: [أو تبدئة فلان]: أي كأن يقول يبدأ بفلان من غلة وقفي كل سنة أو كل شهر بكذا فيعطى ذلك مبدأ على غيره وإن من غلة ثاني عام إن لم يقل من غلة كل عام. فإن قال ذلك لا يعطى من ريع المستقبل عن الماضي إذا لم يف بحقه لأنه أضاف الغلة إلى كل عام. قوله: [فيعمل بشرطه]: اعلم أن الاحتياج شرط لجواز اشتراط البيع لا لصحة اشتراطه إذ يصح شرط البيع بدون قيد الاحتياج. وإن كان لا يجوز ابتداء فيعمل بالشرط بعد الوقوع. قوله: [وقوله ملكاً]: المناسب التفريع بالفاء. وقوله: [للثلاثة قبله]: أي التي هي قوله "له أو لوارثه أو لفلان". قوله: [مؤبد]: أي وأما المؤقت فسيأتي في قوله "وإن لم يؤبد بأن قيد بحياتهم" إلخ. قوله: [فالأخ فابنه فالجد]: أي كالنكاح. قوله: [ولا يدخل فيه الواقف] إلخ

стр. 835

كما إذا لم يوجد (و) رجع (لامرأة لو كانت ذكراً عصبت) كالبنت والأخت والعمة (يستوي فيه) أي في الرجوع (الذكر والأنثى) ولو شرط في أصل وقفه على المحبس عليهم للذكر مثل حظ الأنثيين أو عكسه، لأن المرجع ليس بإنشاء، وإنما هو بحكم الشرع. (لا) يرجع لأنثى لو كانت ذكراً لم تعصب (كبنت بنت) بخلاف بنت الابن (فإن ضاق) الوقف (عن الكفاية قدم الأقرب من الإناث) فلا يدخل معهن الأبعد من العصبة فإذا كان له بنات وإخوة وضاق الوقف عن كفاية الجميع قدم البنات؛ أي اختصصن بما يغنيهن لا إيثارهن بالجميع. ولو زاد على ما يكفيهن وأما المساوي للأنثى فيشاركها مطلقاً قال ابن هارون: المشهور أن البنت إن كانت مساوية للعاصب شاركته في السعة والضيق، وإن كان أقرب منه قدمت عليه في الضيق. وإن كانت أبعد منه قدم العاصب عليها في السعة والضيق وهو كقول الشارح. واعلم أن الأقسام ثلاثة: مشاركة في الضيق والسعة إذا تساوى النساء مع العصبة كأخ وأخوات، وعدم مشاركة في الضيق والسعة إذا كان النساء أبعد من العاصب كأخ وعمة، ومشاركة في السعة دون الضيق إذا كان النساء أقرب. (وإن وقف على معينين) كزيد وعمرو وخالد (وبعدهم) يكون (للفقراء، فنصيب كل من مات) من المعينين يكون (للفقراء) لا للحي منهم وسواء قال: حياتهم، أم لا. وأما لو قال: وقف على أولادي وأولادهم، سواء قال: الطبقة العليا تحجب السفلى أم لا، فإن من مات من الطبقة العليا انتقل نصيبه لولده وإلا فلإخوته؛ كذا أفتى ابن رشد بناء على الترتيب في الوقت باعتبار كل واحد على حدته، كأنه قال: على فلان ثم ولده، وعلى فلان ثم ولده وهكذا. فكل من مات انتقل نصيبه لولده لا لإخوته، فيكون معنى: "الطبقة العليا تحجب الطبقة السفلى" من فرعها دون فرع غيرها. ومعنى "على أولادي ثم على أولادهم": أي على ولدي فلان ثم من بعده على ولده إلى آخر ما تقدم. وخالفه ابن الحاج وقال: بل يكون نصيب من مات لإخوته بناء على أن الترتيب باعتبار المجموع أي لا ينتقل للطبقة الثانية إلا إذا لم يبق أحد من الأولى. انتهى. وهذا إذا لم يصرح بشيء أو لم يجر العرف به وإلا عمل عليه وبالعرف عندنا بمصر على فتوى ابن رشد. ثم ذكر مفهوم: "مؤبد" بقوله: (وإن لم يؤبد) الوقف؛ فلا يخلو إما أن يقيد بشيء أو لا: (فإن قيد بحياتهم) أو حياتي (أو حياة فلان) كزيد (أو) قيد (بأجل) كعشرة أعوام والوقف على معينين كقوله: وقفته على أولادي أو على أولاد فلان مدة حياته أو مدة حياتي إلى آخره (فللباقي): أي فمن مات منهم فنصيبه لبقية أصحابه حتى ينقرضوا، (ثم) إذا انقرضوا ولم يبق منهم أحد (يرجع ملكاً) لربه أو لوارثه إن مات (وإلا) يقيد بشيء مما تقدم بأن أطلق (فمرجع الأحباس) أي فيرجع بعد انقراض جميعهم مرجع الأحباس لأقرب عصبة المحبس ولامرأة لو فرضت ذكراً عصبت إلى آخر ما تقدم. فإن لم يكن له عصبة أو انقرضوا فللفقراء بالاجتهاد من الناظر. والفرق بين هذه يرجع نصيب من مات لأصحابه ــ أي لأنه لا يرجع ملكاً، بل باق على الوقفية والوقف لا يكون على النفس. قوله: [كما إذا لم يوجد]: أي فيقدر هذا الغنى عدماً. قوله: [ورجع لامرأة] إلخ: معناه يرجع لأقرب امرأة من فقراء أقارب المحبس لو خلقت ذكراً لكانت عصبة. قوله: [وإنما هو بحكم الشرع]: أي والأصل في إطلاق الوقف التسوية بين الموقوف عليهم. قوله: [قدم الأقرب]: حاصل المسألة أنهم إن كانوا ذكوراً فقط قدم في الكفاية الأقرب فالأقرب وإن كن إناثاً فقط اشتركن سعة وضيقاً إلا البنات فيقدمن في الضيق، وإن كن ذكوراً وإناثاً فإن كان الذكور أقرب قدموا على الإناث سعة وضيقاً، وإن كانوا متساوين اشترك الكل سعة وضيقاً على المعتمد، وإن كان الإناث أقرب اشترك الكل في السعة وعند الضيق تقدم البنات كذا في الحاشية. قوله: [ولو زاد] إلخ: راجع للنفي والواو للحال ولو زائدة، والمعنى لا إيثارهن بالجميع في حال الزيادة بل في حالها تعطى الزيادة للأخوات. قوله: [وهو كقول الشارح]: المراد به بهرام. وقوله: [واعلم] إلخ: مقول قول الشارح وهذه العبارة أصلها للبناني. قوله: [وإلا فلإخوته]: أي وإلا يكن له ولد. قوله: [واعتبار كل واحد]: أي فهو من باب الكلية لا الكل. قوله: [وخالفه ابن الحاج]: أي وكان معاصراً لابن رشد. قوله: [باعتبار المجموع]: أي فهو من باب الكل لا من باب الكلية. قوله: [لا ينتقل للطبقة الثانية] إلخ: فعلى هذه الطريقة إذا انقرضت العليا وانتقل الوقف هل يسوي فيه بين أفراد السفلى. وبه قال (ح) أو يعطي لكل سلسلة ما لأصلها وبه قال الناصر كذا في (بن). قوله: [والوقف على معينين]: أي وأما لو كان الوقف على غير معينين كالفقراء فلا يتأتى انقطاعه بل هو مؤبد. قوله: [إلى آخره]: أي بأن قال حياة فلان أو قيد بأجل كعشرة أعوام. قوله: [وإلا يقيد بشيء مما تقدم]: أي من قوله حياتي أو حياة فلان أو بأجل والموضوع أنه على معينين. قوله: [لأقرب عصبة المحبس]: أي من فقرائهم. قوله: [يرجع نصيب من مات لأصحابه]: أي للباقي من أصحابه ولا يرجع ملكاً أو مراجع

стр. 836

وبين ما قبلها يرجع نصيبه للفقراء؛ أنه لما كان الوقف فيما قبلها مستمراً احتيط لجانب الفقراء، فكان لهم نصيب كل من مات، وفي هذه لما كان يرجع ملكاً احتيط لجانب الموقوف عليهم ليستمر الوقف بتمامها طول حياتهم. (و) رجع الوقف (في) التحبيس على (كقنطرة) ومسجد ومدرسة خربت و (لم يرج عودها في مثلها) حقيقة إن أمكن، فيصرف في قنطرة أخرى أو مسجد آخر أو مدرسة أخرى. فإن لم يمكن ففي مثلها نوعاً؛ أي في قرية ومن ذلك مدارس مصر ومساجدها التي كانت بالقرافة. (وإلا) بأن رجي عودها (وقف لها) ليصرف في ترميمها وتجديدها وما يتعلق بإصلاحها. (وبدأ) الناظر وجوباً من غلته (بإصلاحه) إن حصل به خلل. (والنفقة عليه) إن كان يحتاج لنفقة كالحيوان (من غلته) متعلق بـ: "بدأ" (وإن شرط) الواقف (خلافه) فلا يتبع شرطه في ذلك لأنه يؤدي إلى إتلافه وعدم بقائه وهو لا يجوز. (وأخرج [١] ساكن موقوف عليه) دار (للسكنى) فيها إذا حصل بها خلل (إن لم يصلح) بأن أبى الإصلاح بعد أن طلب منه (لتكرى له): أي للإصلاح، وهذا علة للإخراج: أي أخرج لأجل أن تكرى للإصلاح بذلك الكراء، فإذا أصلحت رجعت بعد مدة الإجارة للموقوف عليه، فإن أصلح ابتداء لم يخرج (وأنفق على كفرس) وبعير وبغل وقف (لكغزو) ورباط وخدمة مسجد (من بيت المال) ولا يلزم المحبس نفقته ولا يؤاجر لينفق عليه من غلته، فعلى السلطان أو نائبه إجراء النفقة عليه من بيت مال المسلمين. واحترز بقوله: "لكغزو" مما إذا وقف على معين فإن نفقته على الموقوف عليه، (وإلا) يكن بيت مال أو لم يمكن التوصل إليه (بيع وعوض به سلاح)، ونحوه مما لا نفقة له (وبيع ما لا ينتفع به) فيما حبس عليه وينتفع به في غيره إذا شرط المبيع الانتفاع به (من غير عقار) بيان لـ "ما": كثوب وحيوان وعبد يهرم وكتب علم تبلى أو لا ينتفع بها في تلك المدرسة (وجعل في مثله) كاملاً إن أمكن (أو شقصه) أي في جزء من ذلك الشيء إن لم يمكن شراء كامل، بأن يشارك به في شيء. فإن لم يمكن تصدق بالثمن. (كأن أتلف) الحبس، فإن من أتلفه يلزمه القيمة ويشتري بها مثله أو شقصه وهذا ظاهر إن كان غير عقار وأما العقار فيعاد بقيمته فنقضه وقف؛ فيقوم سالماً ومهدوماً ويؤخذ من متلفه ــ الأحباس إلا بانقراض جميعهم. قوله: [وبين ما قبلها]: أي التي هي قوله "وإن وقف على معينين" إلخ. وهذا الفرق الذي ذكره الشارح موضوعه فيما إذا وقف على معينين وقيد بقيد مما تقدم، ولم يذكر الفرق بين المسألة الأولى وبين الوقف على معينين ولم يقيد الداخل تحت قوله "وإلا فمرجع الأحباس". وحاصل الفرق أنه في المسألة الأولى إنما كان نصيب من مات للفقراء، ولا يرجع لباقي أصحابه للنص على الفقراء فيها، وأما في الوقف على معينين ولم يقيد إنما رجع نصيب من مات للباقي مع أنه بعدهم يكون لأقرب فقراء عصبة المحبس لأنه لم ينص عليهم، بل إنما الرجوع لهم بحكم الشرع بعد انقراض الموقوف عليهم فتأمل. قوله: [في مثلها حقيقة إن أمكن]: أي كما في (عب) وقيل المدار على نوعها لا شخصها وهما قولان في المسألة إلا أن في كلام الأجهوري ما يفيد تأييد ما قاله شارحنا تبعا لـ (عب). تنبيه: يؤخذ من ذلك أن من حبس على طلبة العلم بمحل عينه ثم تعذر ذلك المحل فإن الحبس لا يبطل بل ينقل لمثله. قوله: [ومن ذلك مدارس مصر] إلخ: يناقض هذا ما يأتي في شرح قوله "لا عقار وإن خرب". والحق ما يأتي من أن مساجد القرافة ومدارسها وقف باطل يجب هدمها قطعاً ونقضها محله بيت المال يصرف في مصالح المسلمين. قوله: [وأخرج ساكن] إلخ: هذا محمول على ما إذا لم يوجد للوقف ريع كما لو وقف داراً على فلان يسكن فيها. وأما لو جعل وقف المسجد بيتاً من بيوته الموقوفة لإمام ونحوه يسكن فيه، فإن مرمته من ريع الوقف لا على الإمام ونحوه ولا يكرى البيت لذلك كذا في (عب). قوله: [لتكرى له]: إن قلت إكراؤها بغير الموقوف عليه تغيير للحبس لأنها. لم تحبس إلا للسكنى لا للكراء. قلت لو سلم أنها لم تحبس إلا للسكنى لأن المحبس يعلم أنها تحتاج للإصلاح ولم يوقف لها ما تصلح به فبالضرورة يكون آذناً في كرائها لغير من حبست عليه عند الحاجة لذلك كذا في الحاشية، نقل (بن) عن اللخمي أن نفقة الوقف ثلاثة أقسام: فدور الغلة والحوانيت والفنادق تصلح من غلتها ودور السكنى يخير من حبست عليه بين إصلاحها وإكرائها بما تصلح بها منه والبساتين إن حبست على من لا تسلم إليه، بل تقسم غلتها عليه تساقى أو يستأجر عليها من غلتها وإن كانت على معينين هم يلونها بالنفقة عليها والإبل والبقر والغنم كالثمار اهـ. قوله: [ولا يلزم المحبس نفقته]: أي ولا الحبس عليه سواء كان معيناً أو غير معين. قوله: [مما إذا وقف على معين]: أي في غير الجهاد بل ينتفع به في أمور نفسه. قوله: [وعوض به سلاح] إلخ: أي لأنه أقرب لغرض الواقف. قوله: [فإن لم يمكن تصدق بالثمن]: أي إذا لم يمكن إبداله شقصاً أو كلاً.

стр. 837

قيمة النقض يقوم بها مع النقض الحبس. فقوله: (ولو عقاراً) ناظر لأخذ القيمة التي تضمنها ما قبله، كأنه قال: كأن أتلف، فالقيمة ولو عقاراً يؤخذ بها مثله أو شقصه في غير العقار ويقام العقار بها، وقصد بذلك الرد على قول الشيخ: "ومن هدم وقفاً فعليه إعادته" إذ المشهور أنه يلزمه القيمة كسائر المتلفات ويقام بها الوقف. (وبيع فضل الذكور) عن النزو (و) بيع (ما كبر) بكسر الباء (من الإناث) وجعل [١] ثمنها (في إناث) لتحصيل اللبن والنتاج منها ليدوم الوقف؛ يعني: أن من أوقف شيئاً من الأنعام لينتفع بألبانها وأصوافها وأوبارها، فنسلها كأصلها في التحبيس. فما فضل من ذكور نسلها عن النزو وما كبر من إناثها فإنه يباع ويعوض عنه إناث صغار لتمام النفع بها. (لا) يباع (عقار) حبس أي لا يجوز بيعه ولا يصح (وإن خرب) بكسر الراء وصار لا ينتفع به وسواء كان داراً أو حوانيت أو غيرها (ولو بغيره) من جنسه كاستبداله بمثله غير خرب، فلا يجوز. ولا يجوز بيع نقضه من أحجار أو أخشاب؛ فإن تعذر عودها فيما حبست فيه جاز نقلها في مثله على ما تقدم. هذا في الوقف الصحيح، وأما الباطل كالمساجد والمدارس التي بناها الملوك والأمراء بقرافة مصر ونبشوا مقابر المسلمين وضيقوا عليهم فهذه يجب هدمها قطعاً ونقضها محله بيت المال يصرف في مصالح المسلمين. وأما مساجدهم ومدارسهم التي بوسط البلد فنافذة لأنها من مصالح المسلمين. وإذا منع بيع الوقف وأنقاضه -ولو خرب- فهل يجوز للناظر إذا تعذر عوده من غلة وأجرة أن يأذن لمن يعمره من عنده على أن البناء يكون للباني ملكاً وخلواً، ويجعل في نظير الأرض حكراً يدفع للمستحقين أو لخدمة المسجد؟ أفتى بعضهم بالجواز وهذا هو الذي يسمى خلواً، لا ما يفعله أهل مصر من المفاصلة التي تقدم بعضها، وكثيراً ما يقع من النظار بيع مواقف المسجد وخلواته ليتوصلوا بذلك إلى الاستيلاء على نفس المساجد ويدخلون فيها دوابهم، وبالجملة متى أمكنهم شيء فعلوه لبئس ما كانوا يفعلون. (إلا) أن يبيع العقار الحبس (لتوسيع مسجد) جامع فيجوز (أو) توسعة (مقبرة أو طريق) لمرور الناس فيجوز بيع بالوقف لذلك (ولو جبراً) على المستحقين أو الناظر وإذا كان ذلك في الحبس فالملك أولى. (وأمروا) أي المستحقون وجوباً (بجعل ثمنه في حبس غيره) ووجب عليهم ذلك (ولا جبر) أي لا يجبرهم الحاكم على الجعل في حبس غيره: أي لا يقضي عليهم به. ثم شرع في بيان ما تتناوله ألفاظ الواقف بقوله: (وتناول الذرية) فاعل تناول ــ قوله: [قيمة النقص]: بفتح النون وبالصاد. وقوله: [مع النقض]: بضم النون وبالضاد المعجمة. قوله: [ويقام بها الوقف]: أي على حسب الطاقة. قوله: [وبيع فضل الذكور] إلخ: أي يباع ما زاد منها على الحاجة نزواً أو غيره. قوله: [بكسر الباء]: أي لأن ضمها يكون في المعاني كقوله تعالى: ﴿كبر مقتاً عند الله﴾ [غافر: ٣٥] الآية، وأما الفتح فمعناه الطبل الكبير. قوله: [ويعوض عنه إناث صغار]: أي يرجى منها النسل واللبن وتجعل حبساً كأصلها. قوله: [لا يباع عقار]: مفهوم قوله "من غير عقار". قوله: [وإن خرب]: أشار بذلك لقول مالك في المدونة ولا يباع العقار المحبس ولو خرب، وبقاء أحباس السلف دائرة دليل على منع ذلك، ورد بـ "لو" على رواية أبي الفرج عن مالك إن رأى الإمام بيع ذلك لمصلحة جاز ويجعل ثمنه في مثله وهو مذهب أبي حنيفة فعندهم يجوز بيع الوقف إذا خرب ويجعل ثمنه في مثله. قوله: [يصرف في مصالح المسلمين]: قال في الأصل تباع لمصالح المسلمين أو يبنى بها مساجد في محل جائز أو قناطر لنفع العامة ولا تكون لوارثهم إذ هم لا يملكون منها شيئاً، وأنى لهم ملكها وهم السماعون للكذب الأكالون للسحت يكون الواحد منهم عبداً مملوكاً لا يقدر على شيء وهو كل على مولاه، فإذا استولى بظلمه على المسلمين سلبهم أموالهم وصرفها فيما يغضب الله ورسوله ويحسبون أنهم مهتدون، وأما ما رتبوه عليها من الوظائف فيجوز تناوله بوصف الاستحقاق من بيت المال ولو لم يعمل بما رتب فيه من أذان أو قراءة أو تدريس أو نحو ذلك اهـ. قوله: [أفتى بعضهم بالجواز]: المراد به الناصر اللقاني وعليه الأجهوري وأتباعه كما تقدم. قوله: [وخلواته]: بفتحات جمع خلوة وهو عطف خاص لأن المرافق تشمله. قوله: [فيجوز]: أي فيجوز البيع لتوسيع المسجد الجامع وما بعده كان الوقف على معينين أو غيرهم، ومعنى الجامع الذي تقام فيه الجمعة قال في المواق ابن رشد ظاهر سماع ابن القاسم أن ذلك جائز في كل مسجد وهو قول سحنون أيضاً وفي النوادر عن مالك والأخوين وأصبغ وابن عبد الحكم أن ذلك في مساجد الجوامع إن احتيج لذلك لا في مساجد الجماعات إذ ليست الضرورة فيها كالجوامع اهـ (بن). قوله: [وأمروا] إلخ: ذكر المسناوي في فتوى أبي سعيد بن لب أن ما وسع به المسجد من الرباع لا يجب أن يعوض فيه ثمن إلا ما كان ملكاً أو حبساً على معين، وأما ما كان حبساً على غير معين كالفقراء فلا يلزم تعويضه أي دفع ثمن فيه؛ لأنه إذا كان على غير معين لم يتعلق به حق لمعين وما يحصل من الأجر لواقفه إذا دخل في المسجد أعظم مما قصد تحبيسه لأجله أولاً اهـ (بن).

стр. 838

أي لفظ الذرية في قوله: ذريتي أو ذرية فلان (الحافد) مفعوله: وهو ولد البنت فيدخل الأولاد وأولادهم ذكوراً وإناثاً (كولد فلان وفلانة) وأولادهم أو ولدي (الذكور والإناث وأولادهم) فإنه يتناول الحافد (أو) قال: (أولادي وأولادهم) فإنه يتناول الحافد. بخلاف قوله: (ولدي وولد ولدي) فلا يتناول الحافد، بل أولاده ذكوراً وإناثاً وأولاد أولاده الذكور دون الإناث، رواه ابن وهب عن مالك ورجحه ابن رشد في المقدمات. وقال أبو الحسن: يدخل في ولدي وولد ولدي: الحافد، وتأول كلام الإمام. (و) بخلاف (أولادي وأولاد أولادي) لا يدخل الحافد على الراجح، وقيل بدخوله كالذي قبله. (وبخلاف بنيّ وبني بني): بتشديد الياء في الطرفين، فلا يدخل الحافد (كنسلي): لا يدخل فيه الحافد (وعقبي): لا يدخل فيه حافد لأن النسل أو العقب لا يتناوله عرفاً كالثلاثة قبله فإذا كان العرف عندهم شموله، دخل؛ لأن مبنى هذه الألفاظ العرف. ثم الألفاظ المتقدمة التي ذكرنا فيها أنها تتناول الحافد، قال بعضهم: وإن سفل، ورده المحشي بأنه ليس بصحيح، لقول ابن رشد في المقدمات ما نصه: ولو كرر التعقيب لدخل ولد البنات إلى الدرجة التي انتهى إليها المحبس على ما ذهب إليه الشيوخ. ثم استظهره، وقال: إنه المعمول به، وتبعه أبو الحسن واقتصر عليه ابن عرفة والقرافي وغيرهما. وجرى به العمل قديماً وحديثاً. انتهى. (وتناول الإخوة) أي لفظ الإخوة، كوقف على إخوتي أو إخوة زيد (الأنثى) منهم. (و) تناول (رجال إخوتي ونساؤهم: الصغير) منهم ذكراً أو أنثى. (و) تناول (بني أبي) أي هذا اللفظ (إخوته الذكور) أشقاء أو لأب دون الأخوات (وأولادهم) الذكور خاصة. ويدخل أيضاً ابن الواقف دون بناته لتعبيره ببني. (و) تناول (آلي وأهلي العصبة) الذكور (ومن): أي وامرأة، (لو رجلت): أي فرضت رجلاً (عصبت): كالبنت وبنت الابن والعمة دون بنت البنت والخالة. (و) تناول (أقاربي): أو أقارب فلان: (أقارب جهتيه): أي جهة أبيه وجهة أمه (مطلقاً) ذكوراً وإناثاً، كان من يقرب لأمه في جهة أبيها وأمها أي ذكوراً وإناثاً. هذا هو المشهور، وقال ابن حبيب: وهو قول جميع أصحاب مالك. انتهى. وقال ابن القاسم: لا يدخل الخال ولا الخالة ولا قرابته من قبل أمه إلا إذا لم يكن له قرابة من جهة الأب، أي حين الإيقاف. والمعتمد دخول الجهتين (وإن كانوا ذميين و) تناول (مواليه) أي لفظ الموالي (كل من) له ولاؤه ولو بالجر (أو) كل من (لأصله) كأبيه وأمه ــ قوله: [أي لفظ الذرية]: قدر لفظ إشارة إلى أن كلام المصنف على حذف مضاف حذف ذلك المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه فارتفع ارتفاعه. قوله: [وهو ولد البنت]: كلامهم هنا يفيد أن الحافد مقصور على ولد البنت والذي يفيده البيضاوي في تفسير قوله تعالى: ﴿وجعل لكم من أزواجكم بنين وحفدة﴾ [النحل: ٧٢]، أن المراد بهم أولاد الذكور وأولاد البنات، وفي القاموس السبط ولد الولد ظاهره ذكراً كان أو أنثى فهو مرادف للحفيد. قوله: [فلا يتناول الحافد] إلخ: أي لأن الولد في العرف مقصور على الذكر وإن كان في اللغة عاماً. قوله: [الذكور]: صفة لأولاده وسواء كان أولاد هؤلاء الذكور ذكوراً أو إناثاً. وقوله: [دون الإناث]: أي دون أولاد الإناث كانوا ذكوراً أو إناثاً. قوله: [وقال أبو الحسن]: إلخ: قال ابن غازي وهو المشهور. قوله: [دخل]: أي في جميع الألفاظ المتقدمة. قوله: [قال بعضهم وإن سفل]: مراده به (عب) والخرشي وتبعهما المجموع. قوله: [ورده المحشي]: مراده به (بن). قوله: [وتناول رجال إخوتي] إلخ: إنما تناول الصغير من الذكور والإناث لأن العطف قرينة التعميم. بخلاف ما لو أفرد أحدهما من غير عطف فلا يتناول الصغير. قوله: [وتناول الرجال إخوتي] إلخ: أي بخلاف ما لو قال رجال إخوتي فقط فلا يتناول الصغير. قوله: [ويدخل أيضاً ابن الواقف] إلخ: أي وأما دخول الواقف نفسه إن كان ذكراً ففيه قولان، قال بعضهم ولعلهما مبنيان على الخلاف في دخول المتكلم في عموم كلامه وعدم دخوله، ولا يرد على القول بدخوله ما مر من بطلان الوقف على النفس لأنه في القصدي ولو بشريك، وما هنا تبع لعموم كلامه فليس مقصوداً دخوله كذا أجاب بعضهم ورده الأجهوري بأن ظاهر النصوص بطلان الوقف على النفس مطلقاً لا فرق بين القصد والتبع اهـ، وعرف مصر الآن لا يدخل الواقف ولا ولده. قوله: [والعمة]: أي ومثلها بنت العم. قوله: [ذكوراً وإناثاً]: المناسب أو وتجعل مانعة خلو والمقصود التعميم. قوله: [ولا قرابته من قبل أمه]: عطف عام على ما قبله. قوله: [وإن كانوا ذميين]: أي وإن كان أقارب جهتيه ذميين، فلا فرق بين المسلم والكافر لصدق اسم القرابة عليه. هذا هو الذي اختاره البابي عن أشهب ومفهوم "ذميين" أن الحربيين لا يدخلون اتفاقاً. قوله: [ولو بالجر] بولادة أو عتق مثال الجر بالولادة ولادة العتيق الذي أعتقه الواقف. فإن أولاده جاءهم الولاء من المعتق بالجر أي بواسطة ولادة العتيق لهم ومثال الجر بالعتق أن يعتق العتيق عتيقاً فإن العتيق الثاني منسوب للأول بواسطة عتيقه، ولا فرق بين كون هذا العتيق الذي حصل منه إيلاد أو أعتق عتيقاً للمعتق أو لأبيه أو لفرعه، وهو معنى قول المصنف "كل من له أو لأصله أو

стр. 839

وجده (أو) كل من (لفرعه) كأولاده وأولادهم (ولاؤه ولو بالجر) بولادة أو عتق (لا) يتناول (الأعلون) كمن أعتقه أو أعتق أصله كما هو مذهب المدونة (إلا لقرينة) فيعمل بها. وخرج من لا ولاء له عليه: كعتيق جده لأمه وعتيق حفدته (و) تناول (قومه عصبته) الذكور (فقط) لا النساء، ولو من لو رجلت عصبت، إذ القوم حقيقة في الذكور دون النساء. (و) تناول (الطفل والصبي والصغير) أي لفظ كل من هذه الألفاظ: (من لم يبلغ)، فإن بلغ فلا شيء له. (و) تناول (الشاب والحدث منه): أي من البلوغ أي من بلغ (للأربعين): أي لتمامها، فإن تم الأربعين فلا شيء له. (و) تناول (الكهل): أي لفظه: (منها): أي من تمام الأربعين (للستين) أي لتمامها. (و) تناول (الشيخ): أي لفظه: (من فوقها): أي الستين لآخر العمر، وليس فوق الشيخ شيء. (وشمل) ما ذكر من الطفل وما بعده: (الأنثى): فلا يختص بالذكر؛ (كالأرامل) فإنه يشمل الأنثى لأن المراد الشخص الأرمل أي الخالي من زوج. (وملك الذات): أي ذات الوقف مبتدأ (فقط): أي دون الغلة كالأجرة واللبن والصوف والثمرة، كائن وثابت (للواقف) خبره. وإذا كان ملك العين للواقف (فله) إن كان حيّاً (ولوارثه) إن مات (منع من أراد إصلاحه): أي إذا احتاج للإصلاح وهذا (إن أرادوه): أي الإصلاح؛ وإلا فليس له المنع. (وأكرى) الوقف (ناظره): أي جاز له أن يكري (السنة والسنتين إن كان) أرضاً (على معين) كزيد أو عمرو أو أولادي (وإلا) يكن على معين بأن كان على الفقراء أو العلماء أو نحو ذلك (فكالأربعة) من الأعوام ــ لفرعه ولاؤه" فافهم. قوله: [وجده]: أي من جهة أبيه لا من جهة أمه فإنه لا يجر. قوله: [كأولاده]: المراد بهم الذكور والإناث. وقوله: [وأولادهم]: المراد خصوص أولاد الذكور ذكوراً أو إناثاً لا أولاد البنات لأنهم حفدة وسيخرجهم مع إخراج الجد للأم. قوله: [إلا لقرينة]: أي على دخول المولى الأعلى. بقي لو قال وقف على مماليكي فإنه لا يتناول إلا الأبيض حيث كان العرف كذلك كما عندنا بمصر. وكذا لو قال عبيدي فلا يتناول إلا الأسود للعرف الجاري. قوله: [إذ القوم حقيقة في الذكور] إلخ: أي لقوله تعالى: ﴿لا يسخر قوم من قوم﴾ [الحجرات: ١١] وعطف النساء بعد ذلك والعطف يقتضي المغايرة، وقول الشاعر: وما أدري ولست إخال أدري ... أقوم آل حصن أم نساء فقابل القوم بالنساء. قوله: [أي لفظ كل] إلخ: أي بأن قال على أطفال قومي أو أطفالي أو صغار قومي أو صغاري أو صبيان قومي أو صبياني، وفي عبارة الشارح قلب والأصل أي كل لفظ. قوله: [فإن بلغ فلا شيء له]: أي فيستحق من الوقف ما لم يبلغ. قوله: [فإن تم الأربعين] إلخ: أي يبطل حقه بتمام الأربعين وكذا يقال فيما بعده. قوله: [فلا يختص بالذكر]: أي بخلاف لفظ قومي فإنه يختص بالذكر كما تقدم، وعبارة الفقهاء في هذا المعنى غير المشهور المتعارف بين الناس، فإن المتعارف بين الناس أن الشيخ من الأربعين ويروونه عن علي فالظاهر أن هذا المبحث يعمل به على طبق ما قال المصنف إن كان الواقف ملاحظاً اصطلاح الفقهاء وإلا فالعبرة بالعرف الشائع فيدخل في الشيوخ من الأربعين إلى ما لا نهاية له. قوله: [خبره]: أي خبر قوله ملك. قوله: [منع من أراد إصلاحه]: أي لأنه ليس لأحد أن يتصرف في ملك غيره إلا بإذنه؛ ولأن إصلاح الغير مظنة الضرر. وإذا قلنا بالمنع له وللوارث فإن لم يمنع هو ولا الوارث قال (عب) فللإمام المنع اهـ ورده (بن) قائلاً انظر من قال هذا والذي يظهر أن الإمام ليس له منع من أراد التبرع بإصلاح الوقف. قوله: [وإلا فليس لهم المنع]: أي بل الأولى لهم تمكين من أراده لأنه من التعاون على الخير، ومحل كون الملك للواقف في غير المساجد. وأما هي فقد ارتفع ملكه عنها قطعاً. قال في الذخيرة: باتفاق العلماء على أنها من باب إسقاط الملك كالعتق، قيل: إن الملك للواقف حتى في المساجد وهو ظاهر الشرح ونحوه في النوادر. وحاصل ما في المسألة: أن المشهور أن الواقف ليس من باب إسقاط الملك وقيل إنه من بابه وحينئذ فلا يحنث الحالف إنه لا يدخل ملك فلان بالدخول في وقفه على الثاني، ويحنث على الأول وهذا الخلاف قيل في غير المساجد وأما فيها فهو إسقاط قطعاً كما قال القرافي وتبعه في الأصل، وقيل: الخلاف جار فيها أيضاً. فإن قلت القول بأن الملك للواقف حتى في المساجد مشكل بإقامة الجمعة فيها والجمعة لا تقام في المملوك. أجيب أنه ليس المراد بملك الواقف للوقف الملك الحقيقي حتى تمنع إقامة الجمعة فيه بل المراد منع الغير من التصرف فيه كما أفاده الشارح. قوله: [وأكرى الوقف ناظره]: المراد بالناظر من كان من جملة الموقوف عليهم وسيأتي في آخر العبارة. قوله: [إن كان أرضاً]: أي إنما يفرق بين المعنيين وغيرهم إن كان الموقوف أرضاً للزراعة، فإن كان داراً ونحوها فلا تؤاجر غير إصلاح ولغير من مرجعها له أكثر من سنة كالموقوف عليهم معينين أو غيرهم. قوله: [كزيد أو عمرو] إلخ: مثله لو قال

стр. 840

لا أكثر. هذا إذا لم يكن مرجعه للمكري ولا ضرورة أن يكري. (و) جاز أن يكري (لمن مرجعها): أي الذات الموقوفة (له) وقفاً أو ملكاً (كالعشرة) من السنين لخفة الأمر فيه. وصورتها أنه حبسها على زيد ثم ترجع بعده لعمرو ملكاً أو وقفاً، فجاز لزيد أن يكريها لعمرو عشرة أعوام (و) جاز كراؤها (لضرورة إصلاح) لوقف خرب (كالأربعين) سنة. وأدخلت الكاف عشرة فالجملة خمسون لا أزيد فأرض الزراعة لا تكرى لأكثر من أربعة أعوام إن كانت على مسجد أو على غير معين إذ لا خراب يلحقها، بخلاف نحو الدور فإنه قد يلحقها الخراب. فإن كانت على معين فالسنتان ومضى الأكثر إن كان ناظراً كما قال ابن القاسم وإلا فسخ. قال بعضهم: والمراد بالناظر هو الموقوف عليه. وأما إذا كان غيره؛ كالناظر على وقف الفقراء أو معينين -وليس هو منهم- فإن له أن يكري بأزيد مما ذكر؛ لأنه بموته لا تنفسخ الإجارة. (ولا يفسخ الكراء) لوقف إذا وقع وجيبة أو نقد المكري كراء مدة محدودة (لزيادة) أي لأجل طروِّ زيادة من آخر (إن وقع) الكراء للأول (بأجرة المثل) وقت العقد، فإن كانت وقت العقد أقل من أجرة المثل قبلت الزيادة وفسخ الأول لها. ولو التزم الأول تلك الزيادة التي زيدت عليه لم يكن له ذلك، إلا أن يزيد على زيادة من زاد إذا لم يبلغ من زاد أجرة المثل؛ فإن بلغها لم يلتفت لزيادة من زاد بعده. (ولا يقسم) أي لا يجوز أن يقسم من أجرة الوقف على المستحقين (إلا ماض زمنه) فلو أكرى مدة مستقبلة وتعجل قبض أجرتها لم يجز قسمها على الحاضرين (خشية موت) من أخذ فيؤدي إلى إعطاء من لا يستحق وحرمان غيره ممن يستحق (أو) خشية (طرو مستحق) في تلك المدة فيحرم من حقه وهذا إذا كان الوقف على معينين أو على خدمة مسجد أو على مدرسين ونحوهم. وأما على فقراء فيجوز للأمن من إحرام مستحق وإعطاء من لا يستحق لعدم لزوم تعميمهم. (وفضل) الناظر (أهل الحاجة وأهل العيال) أي زاده على غيره إذا كان الوقف على غير معينين كالفقراء وأبناء السبيل والغزاة وأهل العلم أو على قوم وأعقابهم أو على كإخوته أو بني عمه (في غلة وسكنى) متعلق بفضل (بالنظر) أي بالاجتهاد مما يقتضيه الحال (إلا أن يعينهم) كفلان وفلان فلا تفضيل. (ولا يخرج ساكن) بوقف سكن بوصف استحقاقه أو فضل بالسكنى لحاجته كان الوقف معقباً أم لا (لغيره) ممن طرأ عليه (وإن استغنى) الأول إذا كان الوقف على محصور كبني فلان (إلا لشرط) من الواقف كأن يقول: ما دام فقيراً أو محتاجاً، ومثله العرف والقرينة لقول ابن رشد: من حبس على الفقراء لفقرهم فسكن فقير أخرج إن استغنى (أو سفر انقطاع أو سفر بعيد) فيسقط حقه من السكنى، والبعيد ما يحمل صاحبه على عدم العود؛ فإن جهل حال سفره حمل على سفر العود ما لم تظهر قرينة على خلافه. (وإن بنى محبس عليه) بناء في الوقف (أو غرس) فيه شجراً (فإن مات ولم يبين) أنه وقف أو ملك ــ قال وقف على زيد وأولاده. قوله: [لا أكثر]: أي كما قال المواق واستحسنه قضاة قرطبة خلافاً لمن قال يجوز خمسة أعوام. قوله: [هذا إذا لم يكن مرجعه للمكري]: المناسب المكتري. قوله: [كالعشرة من السنين]: الكاف استقصائية لا تدخل شيئاً كما في الحاشية. قوله: [فأرض الزراعة لا تكرى لأكثر من أربعة أعوام] إلخ: أي إذا لم يشترط الواقف مدة وإلا عمل عليها كثرت أو قلت. قوله: [فإنه قد يلحقها الخراب]: أي فإن له أن يزيد في كرائها على الخمسين بحسب المصلحة. قوله: [فإن كانت على معين]: مفهوم قوله "على مسجد" أو على غير معين والضمير في كانت عائد على أرض الزراعة. قوله: [قال بعضهم] إلخ: أي كما في (عب) وكبير الخرشي قال في الحاشية ولم أره منصوصاً وظاهر كلامهم الإطلاق تأمل. قوله: [وجيبة]: أي مدة معينة نقد الكراء أم لا. قوله: [أو نقد المكري]: أي في المشاهرة. قوله: [ولو التزم الأول] إلخ: هذا محمول على غير المعتدة فإنها إذا كانت في وقف ثم زاد شخص عليها أجرة المثل وطلبت البقاء بالزيادة فإنها تجاب لذلك. والظاهر أنها إذا كانت الزيادة عليها تزيد على أجرة المثل وطلبت البقاء بأجرة المثل فقط فإنها تجاب لذلك كما في (عب). قوله: [إلا ماض زمنه]: صفة لموصوف محذوف هو نائب الفاعل وزمنه مرفوع بماض، أي ولا يقسم إلا خراج أو كراء ماض زمنه. وحاصله: أن الحبس إذا كان على معينين ونحوهم فإن الناظر عليهم لا يقسم من غلته إلا الغلة التي مضى زمنها فإذا آجر الدار أو الأرض مدة فلا يفرق الأجرة إلا بعد مضي المدة سواء قبضت الأجرة من المستأجر بعد تمام المدة أو عجلها المستأجر. قوله: [وأهل العيال]: ظاهره وإن لم يكن ذا حاجة وهو كذلك لأنه مظنة الاحتياج. قوله: [في غلة]: أي إن كان المقصود من الوقف تفريق الغلة عليهم. وقوله: [وسكنى]: أي إن كان المقصود سكناهم. قوله: [مما يقتضيه الحال]: أي فتارة يكون التفضيل في السكنى بالتخصيص أو بالزيادة. وكذا الغلة إن قبلت الاشتراك كان التفضيل بالزيادة وإلا فبالتخصيص، وما ذكره المصنف من تفضيل ذي الحاجة والعيال هو قول سحنون ومحمد بن المواز، وصرح ابن رشد بمشهوريته. قوله: [ولا يخرج ساكن]: إلخ: مثل السكنى في ذلك الغلة. قوله: [إذا كان الوقف على محصور]: أي وأما الوقف على الفقراء أو طلبة العلم أو الشباب

стр. 841

(فوقف) ولا شيء فيه لوارثه، وإن بين أنه ملك فهو لوارثه فيؤمر بنقضه أو بأخذ قيمته منقوضاً بعد إسقاط كلفة لم يتولها كالأجنبي. وهذا إذا كان الوقف لا يحتاج لما بناه، وإلا كان وقفاً ووفي له ما صرفه من غلته؛ كالناظر إذا بنى أو أصلح، فإن لم يكن له غلة فلا شيء له. (باب) في الهبة والصدقة وأحكامهما [١] والهبة من التبرعات المندوبة كالصدقة لما فيها من المحبة وتأليف القلوب، وهذا إن صح القصد. (الهبة): بالمعنى المصدري: وهو فعل العبد (تمليك من له التبرع) من إضافة المصدر لفاعله (ذاتاً) خرج تمليك المنفعة كالإجارة والإعارة والوقف والعمرى وإخدام الرقيق (تنقل شرعاً) خرج به ما لا يقبله شرعاً كأم الولد والمكاتب (بلا عوض) خرج به البيع ومنه هبة الثواب (لأهل) أي مستحق، خرج الحربي ونحو المصحف والعبد المسلم لذمي (بصيغة) صريحة (أو ما يدل) على التمليك، وإن معاطاة، إن كان لذات المعطي فقط. (و) التمليك، (لثواب الآخرة) ولو مع قصد المعطي أيضاً (صدقة) فعلم أن في الكلام تقديراً قبل قوله: "ولثواب الآخرة" دل عليه العطف وخرج بقوله: "من له التبرع" الصبي، والمجنون، والرقيق، والسفيه ومن أحاط الدين بماله، والسكران، وكذا المريض، والزوجة فيما زاد على ثلثهما إلا أن هبتهما فيما زاد على الثلث صحيحة موقوفة على الوارث والزوج، فكذا من أحاط الدين بماله، فإنها موقوفة على رب الدين بخلاف المجنون والسفيه والصغير فباطلة كالمرتد. ــ أو الأحداث فإن من زال وصفه بعد سكناه يخرج لأنه علق بوصف وقد زال فيزول الاستحقاق بزواله. وهذا ما يفيده كلام ابن رشد الآتي. قوله: [فوقف]: استشكل ذلك بأنه لم يحز عن واقفه قبل حصول المانع، ويجاب بتبعيته لما بنى فيه فأعطي حكمه فهو محوز بحوز الأصل. والحاصل: أن الباني في الوقف إما محبس عليه أو أجنبي، وفي كل إما أن يبين قبل موته أن ما بناه ملك أو وقف أو لم يبين شيئاً، فإن بين قبل موته أنه وقف كان وقفاً وإن بين أنه ملك كان له أو لوارثه كما قال الشارح، وإن له لم يبين كان وقفاً إن كان ذلك الباني محبساً عليه وله أو لوارثه إن كان أجنبياً. فالخلاف بين المحبس عليه والأجنبي عند عدم البيان فقط. قوله: [فيؤمر بنقضه]: بفتح النون أو هدمه وأخذ أنقاضه. قوله: [ووفي له ما صرفه]: أي جميع ما صرفه. قوله: [فلا شيء له]: أي ويعد متبرعاً. باب في الهبة المناسبة بينها وبين الوقف ظاهرة وهي المعروف والخير ونفي العوضية، وأما هبة الثواب فكالبيع ولذا ذكرها آخر الباب كالتبع، وهي في اللغة مصدر. قال أهل اللغة: يقال وهبت له وهباً بإسكان الهاء وفتحها وهبة. والاسم الموهب بفتح الميم وسكون الواو وكسر الهاء، والموهبة والاتهاب قبول الهبة، والاستيهاب سؤال الهبة وتواهب القوم إذا وهب بعضهم لبعض، ووهبته كذا لغة قليلة والكثير تعديته باللام ورجل وهاب ووهابة، أي كثير الهبة لأمواله. قوله: [المندوبة] إلخ: أي كما نص عليه اللخمي وابن رشد، وحكى ابن راشد عليه الإجماع. قال (بن) وقد قيل لا ثواب فيها ومن لازم المندوب أنه يثاب عليه، والظاهر أن المهدي إذا قصد الرياء والمدح فلا ثواب له، وإن قصد التودد للمعطي غافلاً عن حديث: «تهادوا تحابوا». فكذلك وإن استحضر ذلك فإنه يثاب قاله بعض الشيوخ اهـ ويؤيد ذلك قول الشارح، وهذا إن صح القصد لأن معنى صحة القصد مطابقته للوجه الشرعي. قوله: [بالمعنى المصدري]: إنما قال ذلك لأجل الإخبار عنه بقوله " تمليك " إذ هو فعل وهو صفة المملك الذي هو الواهب ليحترز بذلك من الهبة بمعنى الشيء الموهوب، إذ لا يصح الإخبار عنه بتمليك ويصح أن يراد هنا المعنى الاسمي، ويقدر مضاف في الخبر فيقال الهبة ذات تمليك فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه فارتفع ارتفاعه. قوله: [من له التبرع]: أي من له أن يتبرع بالذات الموهوبة في غير هبة، وإنما قدرنا ذلك لئلا يلزم شرط الشيء في نفسه كأنه قال ممن له التبرع بالهبة وقفاً أو صدقة أي أن من له ذلك فله أن يهب تلك الذات ومن لا فلا. قوله: [كالإجارة] إلخ: أي وكالنكاح والطلاق والوكالة. فإنه ليس في شيء من ذلك تمليك ذات. قوله: [كأم الولد والمكاتب]: أي فلا يصح تمليك ذاتهما للغير. قوله: [خرج الحربي]: أي فلا تصح له الهبة بأي شيء من الأموال ما دام حربياً لأنه لا يجوز نفعه ولا التودد معه. قوله: [لذمي]: قيد في المصحف والعبد المسلم، وأما هبة غير المصحف والعبد المسلم لذمي فجائزة. والمراد بالذمي ما عدا الحربي. قوله: [بصيغة] إلخ: متعلق بتمليك والباء بمعنى مع أي تمليك مصاحب لصيغة. قوله: [فعلم أن في الكلام تقديراً]: أي وهو قوله إن كان لذات المعطى، فقط. قوله: [دل عليه العطف]: أي لأن العاطف لا بد له من شيء يعطف عليه ولم يوجد في الكلام صريحاً. قوله: [بخلاف المجنون والسفيه] إلخ

стр. 842

وعلم من تعريف الهبة كالصدقة أن أركانها أربعة: واهب، وموهوب، وموهوب له، وصيغة، وأن شرط الأول: أن يكون أهلاً للتبرع وأن شرط الثاني: أن يكون مملوكاً للواهب وأن شرط الثالث: أن يكون أهلاً لأن يملك ما وهب له، وقد تقدمت الإشارة لذلك فمتى وجدت الشروط صحت الهبة. (وإن كانت مجهولة) جنساً أو قدراً حيث حصل القبول كوهبتك ما في يدي أو بيتي أو هذه الدنانير (أو كلباً) لصيد أو حراسة وإن كان لا يصح بيعه (وآبقاً وديناً) فتصح هبته لمن هو عليه ولغيره. (وهو) أي الدين، أي: هبته (إبراء إن وهب لمن هو عليه) فلا بد من القبول لأن الإبراء يحتاج للقبول (وإلا) يهبه لمن هو عليه بل لغيره (فَكَرَهْنِهِ) أي فهو كرهن الدين يتعين فيه الإشهاد، وكذا دفع الوثيقة للموهوب له وقيل: دفع الوثيقة شرط كمال لا صحة، كالجمع بين من عليه الدين وبين الموهوب له وإنما شرط فيه ذلك ليكون كالحوز. (وبطلت) الهبة (بمانع) أي بحصوله (قبل الحوز) أي قبل حوزها من واهبها وإن بغير إذنه وبين المانع بقوله (من إحاطة دين) بالواهب (أو جنون) له (أو مرض اتصلا) أي كل من الجنون والمرض (بموته) أي الواهب ــ إنما كانت باطلة في المجنون والسفيه والصغير؛ لأن الشأن في فعلهم عدم المصلحة بخلاف المريض والزوجة والغريم، فإن الحجر لحق غيرهم لا لعدم المصلحة، وأما بطلانها في المرتد فلزوال ملكه حال الردة. قوله: [كالصدقة]: أي كما علم من تعريف الصدقة لأن التعريف جامع لهما، وإنما التغاير بقصد ثواب الآخرة وقصد وجه المعطى. قوله: [واهب] إلخ: أي ويقال في الصدقة متصدق ومتصدق به ومتصدق عليه وصيغة. قوله: [وأن شرط الأول]: أي وهو الواهب والمتصدق. قوله: [أن يكون مملوكاً للواهب]: أي أو للمتصدق. فهبة الفضولي أو صدقته باطلة. بخلاف بيعه فإنه صحيح وإن كان غير لازم فيجوز للمشتري التصرف في المبيع قبل إمضاء المالك البيع؛ لأن صحة العقد ترتب أثره عليه من جواز التصرف في المعقود عليه، والفرق بين بيع الفضولي وهبته أن بيعه في نظير عوض يعود على المالك. بخلاف هبته وصدقته وكل ما ليس فيه معاوضة كعتقه ووقفه فلا تصح هذه الأشياء ولو أجازها المالك كما تقدم في باب الوقف. قوله: [وقد تقدمت الإشارة لذلك]: أي في شرح قوله "لأهل". قوله: [وإن كانت مجهولة]: دخل فيه المكاتب بتقدير عجزه وهبة ملك غيره بتقدير ملكه. قوله: [أو كلباً لصيد]: أي وأما الكلب الغير المأذون في اتخاذه فلا تصح هبته ولا بيعه لكونه غير مملوك شرعاً. قوله: [وآبقاً]: أي فتصح هبته وإن لم يصح بيعه. قوله: [فلا بد من القبول]: أي بناء على أنه نقل للملك. وحاصله: أنه اختلف في الإبراء، فقيل إنه نقل للملك فيكون من قبيل الهبة، وهو الراجح، وقيل إنه إسقاط للحق. فعلى الأول يحتاج لقبول، وعلى الثاني فلا يحتاج له كالطلاق والعتق فإنهما من قبيل الإسقاط فلا تحتاج المرأة لقبول فض العصمة ولا العبد لقبول الحرية. واعلم أن ظاهر المذهب جواز تأخير القبول عن الإيجاب كما قال القرافي وهو صريح نقل ابن عرفة ونصه ابن عتاب: ومن سكت عن قبول صدقته زماناً فله قبولها بعد ذلك، فإن طلب غلتها حلف ما سكت تاركاً لها وأخذ الغلة. قوله: [أي فهو كرهن الدين] إلخ: صورة رهن الدين أن يشتري سلعة من زيد بعشرة لأجل ويرهن المشتري عليها دينه الذي على خالد فيجوز إن أشهد على الرهنية وجمع بين البائع ومن عليه الدين ودفع للبائع ذكر الدين، وأعلم أنه إذا وهبه الدين وقام بذلك الدين شاهد واحد حلف الموهوب له لا الواهب لأن الشخص لا يحلف ليستحق غيره، وأما إن دفع المدين الدين للواهب بعد العلم بالهبة ضمن ويؤخذ من قوله فكرهنه صحة التصرف في الوظائف وهو أن يتجمد لإنسان مال معلوم من وظيفة أو جامكية فينزل عنها لغيره إن كان ذلك النزول من غير مقابلة شيء بل هبة. أما إن كان مقابلة شيء يؤخذ فإن سلم من الربا جاز وإلا منع. قوله: [كالجمع بين من عليه الدين]: اعلم أن في دفع ذكر الحق والجمع بين الموهوب له ومن عليه الحق قولان في كل قيل شرط صحة، وقيل شرط كمال والمعتمد في الأول أنه شرط صحة، وفي الثاني شرط كمال كما يؤخذ من (بن). تنبيه: يصح هبة الرهن لأجنبي حيث لم يقبضه المرتهن من الراهن إن كان الراهن موسراً، أو رضي المرتهن بالهبة وإنما أبطلت الهبة من الرهن مع تأخرها عنه لأنا لو أبطلناها لذهب الحق فيها جملة. بخلاف الرهن إذا أبطلناه لم يبطل حق المرتهن. قوله: [وإن بغير إذنه]: مبالغة في الحوز المانع للبطلان، وتقريره هذا إذا كان الحوز المانع للبطلان بإذن الواهب، بل وإن بغير إذنه ولذلك يجبر الواهب على تمكين الموهوب له من الشيء الموهوب لأن الهبة تملك بالقبول على المشهور فله طلبها منه حيث امتنع ولو عند الحاكم ليجبره على تمكين الموهوب له منها. قال ابن عبد السلام: القبول والحيازة معتبران إلا أن القبول ركن والحيازة شرط كذا في الأصل. قوله: [بالواهب]: أي بماله ولو كانت الإحاطة بعد عقدها فالمراد ثبوت دين محيط على الواهب كان سابقاً على الهبة أو لاحقاً.

стр. 843

(أو موت) للواهب قبل الحوز، وهو معطوف على "إحاطة دين" (وإن) مات الواهب (قبل إيصالها) للموهوب له (إن استصحبها) أي الواهب معه في سفر (أو أرسلها له) فإنها تبطل، وترجع ميراثاً إذا مات الواهب قبل إيصالها له كان الموهوب له معيناً أم لا وشبه في البطلان قوله: (كموت المرسل إليه المعين) قبل إيصالها له من ربها أو رسوله فتبطل (إن لم يشهد) الواهب حين الاستصحاب أو الإرسال (أنها له) أي لفلان، (وإلا) بأن أشهد أنها له (فلا) تبطل، ويستحقها وارثه كما إذا لم تكن الهبة معينة له، بل حملها أو أرسلها له ولعياله فلا تبطل بموته. (و) بطلت (بهبة) من واهبها (لثان) أي لشخص ثان غير الأول (وحاز) الثاني قبل الأول فتكون للثاني لتقوي جانبه بالحيازة ولا قيمة على الواهب للأول ولو جدّ في الطلب على المشهور. (أو تدبير) لما وهبه قبل الحوز (أو استيلاد) لأمة وهبها قبل الحوز، فتبطل الهبة وأولى: العتق والكتابة والمراد بالاستيلاد: حملها من سيدها الواهب بخلاف مجرد الوطء فلا يبطلها. (ولا قيمة) على الواهب للموهوب له في الفروع الثلاثة. (لا) تبطل الهبة (ببيع) من واهبها (قبل علم الموهوب له) بالهبة وكذا بعد علمه ولم يفرط في حوزها وإذا لم تبطل خير الموهوب له في رد البيع وفي إجازته وأخذ الثمن (وإلا) بأن باعها واهبها بعد علم الموهوب له أي وفرط في حوزها مضى البيع وإذا مضى (فله) أي للموهوب له (الثمن) وقيل: الثمن للواهب (ولا تقبل دعوى مودع) بفتح الدال المهملة (وهب له) ما أودع عنده فحصل للواهب مانع من موت أو غيره (أنه قبل) الهبة (قبله) أي قبل حصول المانع ولا بد من بينة تشهد له بالقبول قبله وحاصل المسألة: أن الواهب إذا وهب وديعة لمن هي عنده، فإن علم وقبل قبل موت الواهب صحت اتفاقاً، وإن قبل بعد موته بطلت عند ابن القاسم وإن لم يعلم حتى مات بطلت اتفاقاً. فإن ادّعى القبول قبله فعليه البيان، ومثل الوديعة الدين، فإن وهبها لغير من هي في يده ولم يحز حتى مات بطلت ــ قوله: [أو موت للواهب قبل الحوز]: أي فهو مبطل للهبة وإن لم يكن عليه دين لانتقال المال لغيره، وهذا معلوم بالأولى من الجنون والمرض المتصلين بالموت، وإنما أتى به لأجل المبالغة بعد بقوله: "وإن قبل إيصالها" إلخ. قوله: [إذا مات الواهب]: إلخ: الأوضح حذف ذلك ويعقب قوله "وترجع ميراثاً" بقوله "كان الموهوب له معيناً أم لا". فهذه أربع صور وفي كل أشهد أم لا فهذه ثمان كلها باطلة ويضم لتلك الثمان الباطلة. قوله: [كموت المرسل إليه المعين إن لم يشهد]: وتحته صورتان وهما استصحب أو أرسل. قوله: [كموت المرسل إليه]: حاصل تلك الصور أن الواهب إما أن يستصحب الهدية معه أو يرسلها مع رسول وفي كل إما أن يقصد بالهبة عين الموهوب له أم لا. وفي كل إما أن يموت الواهب أو الموهوب له قبل قبض الهبة فهذه ثمان، وفي كل إما أن يشهد حين الاستصحاب أو الإرسال أنها لفلان أم لا فهذه ست عشرة صورة البطلان في عشرة منها والصحة في ستة تؤخذ من المتن والشرح. قوله: [وبطلت بهبة من واهبها لثان]: أي ويقضى بها للثاني حيث حاز ولو كان الواهب حياً لم يقم به مانع من موانع الهبة عند أشهب وهو أحد قولي ابن القاسم، وقال في المدونة: الأول أحق بها إن كان الواهب حياً وهو مقابل للمشهور، وشمل كلام المصنف هبة الدين لغير من هو عليه ثم هبته لمن هو عليه قبل قبض الأول المصور بالإشهاد، ودفع ذكر الحق إن كان على أحد القولين وشمل أيضاً طلاق امرأة على براءتها من مؤخر صداقها ثم تبين أنها وهبته قبل ذلك ففيه التفصيل المذكور، فإن كانت أشهدت أنها وهبته لأجنبي ودفعت له ذكر الصداق طلقت بائناً ولزم الزوج دفع مؤخره للموهوب له المذكور، وإن كانت لم تشهد ولم تدفع الذكر للأجنبي فإن الزوج يسقط عنه المؤخر ببراءتها له منه ويطلق عليه ولا يشمل كلام المتن ما إذا وهب للثاني المنفعة فقط بإعارة أو إخدام، وحازه المستعير أو المخدم بعد أن وهب أولاً ذاته ومنفعته لشخص، فإن الحق للموهوب له أولاً في المنفعة والذات دون الثاني لما سيأتي من أن حوز المستعير والمخدم حوز للموهوب له. قوله: [على المشهور]: قد علمت مقابله. قوله: [بخلاف مجرد الوطء]: أي الوطء المجرد من الإيلاد فلا يفيت، ومثل الهبة فيما ذكر الوصية فإذا أوصى بأمته لشخص ثم وطئها فإن حملت منه بطلت الوصية وإلا فلا، هذا هو الصواب. قوله: [ولا قيمة على الواهب] إلخ: اعلم أنهم راعوا في هذه الفروع الثلاثة القول بأن الهبة لا تلزم بمجرد القول مع تشوف الشارع للحرية وتقوى الثاني بالقبض فلذا قيل ببطلان الهبة فيها وعدم القيمة للموهوب له على الواهب. قوله: [ولم يفرط في حوزها]: أي بأن جد في طلبها. قوله: [في رد البيع]: أي ويأخذ الشيء الموهوب. قوله: [أي للموهوب له الثمن]: أي وهو قول مطرف وهو الراجح. قوله: [وقيل الثمن للواهب]: هو قول أشهب وهو ضعيف وكل من القولين روي عن الإمام. قوله: [بطلت عند ابن القاسم]: أي وصحت عند أشهب. قوله: [بطلت اتفاقاً]: أي إلا على القول بأن الهبة لا تفتقر لقبول. قوله: [ومثل الوديعة الدين]: أي وكذا العارية. قوله: [فإن وهبها لغير من هي في يده] إلخ: مفهوم قوله "لمن هي عنده" والصواب أن يقول فإن وهبها لغير من هي في يده

стр. 844

في الأقسام الثلاثة. (وصح القبول) بعد المانع (إن) كان (قبض ليتروى) في أمره هل يقبل أو لا، ثم بدا له القبول بعد الموت بخلاف التي قبلها عند ابن القاسم؛ لأنه في التي قبلها استمر على قبض الوديعة الأصلي وفي هذه حصل منه إنشاء قبض بعد الهبة وهو أقوى (كأن جدّ) الموهوب له (فيه) أي في الحوز أي قبض الهبة من الواهب والواهب يسوف به حتى مات (أو) جد (في تزكية شاهده) حيث أنكر الواهب الهبة فأقام الموهوب له بينة عليها فاحتاجت لتزكية فجد في تزكيتها (فمات) الواهب قبل التزكية فتصح الهبة ويأخذها الموهوب له بعد التزكية لتنزيل الجد المذكور منزلة الحوز فالمراد بالشاهد الجنس. (و) صح (حوز مخدم) لعبد فـ "مخدم" بالفتح (و) حوز (مستعير) لعبد أو غيره (و) حوز (مودع) بالفتح أي أن من أخدم عبده لشخص أو أعاره أو أودع شيئاً عند شخص، ثم وهبه لشخص آخر، فمات الواهب قبل مضي مدة الإخدام أو الإعارة أو قبل أخذ الوديعة من المودع، فإن حيازة من ذكر صحيحة وللموهوب له أخذ الهبة، ولا كلام لوارث الواهب بأن المانع حصل قبل حوز الموهوب له؛ لأن حوز من ذكر صحيح شرعاً إذا علموا بأن ما تحت أيديهم وهبه ربه لزيد، بل (ولو لم يعلموا) على المعتمد قال في المدونة: وأما العبد المخدم والمعار إلى أجل فقبض المخدم والمستعير له قبض للموهوب، وهو من رأس المال إن مات الواهب قبل ذلك. انتهى. والنقل عن ابن رشد وغيره: أنه لا يشترط علم الأولين بذلك ولا رضاهما، وقيد الشيخ المودع بالعلم، وهو قول ابن القاسم ورجحه اللخمي وغيره. ولكن اعتمد بعضهم صحة حوز الثلاثة ولو لم يعلموا بالهبة. (لا) يصح حوز (غاصب) لشيء وهبه ربه لغير غاصبه؛ لأن الغاصب لم يقبض للموهوب له، بل قبض لنفسه فلا يكون قبضه حوزاً إلا إذا كان الموهوب له غائباً وأمره ربه أي يحوزه له فإنه يصح كما قاله أبو الحسن أخذاً له من المدونة فقول العلامة الخرشي قوله: ولا أمره به، يقتضي أنه لو أمره به لجاز إلخ محمول عند أبي الحسن عن الغائب لا الحاضر الرشيد، فلا يصح حوز غاصب له ولو أمره ربه بالحوز، والله أعلم. (و) لا حوز (مرتهن) بالكسر، فإذا وهب رب الرهن ما رهنه لغير المرتهن فلا يكون حوز المرتهن حوزاً للموهوب له، فإذا مات الواهب قبل قبض الموهوب له رجع الرهن للوارث إن شاء افتكه وإن شاء تركه للمرتهن في الدين. (و) لا يصح حوز (مستأجر) بالكسر أي أن من أجر شيئاً لشخص بأجر معلوم، ثم وهبه لغيره لم يكن حوز المستأجر حوز [١] للموهوب له (إلا أن يهب) الواهب (الأجرة) أيضاً للموهوب له (قبل قبضها) من المستأجر، فحينئذ يكون حوز المستأجر حوزاً للموهوب له، لجولان يده في الشيء الموهوب بقبض أجرته بخلاف هبتها بعد قبضها فإنه لا يفيد لأنها صارت مالاً مستقلاً من ماله. ــ فسيأتي ويحذف قوله "ولم يحز" إلخ. قوله: [في الأقسام الثلاثة]: أي وهي ما إذا علم وقبل قبل موته، أو علم قبل موته وقبل بعد أو لم يعلم ولم يقبل إلا بعد موته. قوله: [فالمراد بالشاهد الجنس]: أي المتحقق في المتعدد. قوله: [فإن حيازة من ذكر صحيحة]: أي لأن كلاً من المخدم والمستعير حائز لنفسه. وحوزه لنفسه مخرج من حوز الواهب فلذلك صح حوزهما ولو لم يعلما بالهبة اتفاقاً، وألحق بهما المودع على المعتمد، ومحل صحة حوز من ذكر إذا أشهد الواهب على الهبة كما قال ابن شاس وإلا فلا كما يفيده (بن). قوله: [إذا علموا]: بيان لما قبل المبالغة في المصنف. قوله: [الأولين]: أي المخدم والمستعير. قوله: [وقيد الشيخ المودع بالعلم]: إنما قيد بالعلم لأن حوزه لم يكن لنفسه، بل للواهب وهذا هو الفرق بين الأولين، والثالث فالمخدم والمستعير لما كان حوزهما لأنفسهما صح حوزهما مطلقاً ولو لم يرضيا بذلك. والحاصل: أن حوز المخدم والمستعير للموهوب له صحيح مطلقاً علما بالهبة أم لا، تقدم الإخدام والإعارة على الهبة بقليل أو بكثر رضيا بالحوز أم لا بشرط أن يشهد الواهب على الهبة، وألحق بهما المودع على المعتمد. قوله: [لا يصح حوز غاصب]: أي على المشهور وهو مذهب ابن القاسم في المدونة. قوله: [لم يقبض للموهوب له]: لا شك أن هذا التعليل جار في المخدم والمستعير مع أن حوزهما صحيح فلعل المناسب في التعليل أن يقول لأن هذا قابض لنفسه بغير إذن الواهب فقبضه كـ لا قبض. قوله: [فقول العلامة الخرشي قوله ولا أمره] إلخ: أي قول مالك في المدونة لأن الخرشي قال نقلاً عن المدونة. قال مالك: لأن الغاصب لم يقبض للموهوب ولا أمره الواهب بذلك ثم قال قوله ولا أمره إلخ. قوله: [ولا حوز مرتهن] إلخ: إن قلت المرتهن قادر على رد الرهن وإبقاء دينه بلا رهن فكان مقتضاه أن حوزه يكفي. أجيب بأن المرتهن وإن كان قادراً على رد الرهن كما أن المستعير قادر على رد العارية إلا أن المرتهن إنما قبض للتوثق لنفسه. بخلاف المستعير فإنه وإن قبض لنفسه لكن لا لتوثق هكذا أجاب محشي الأصل. قوله: [ولا يصح حوز مستأجر]: قال في الأصل والفرق بين المستأجر والمستعير أن الإجارة في نظير معاوضة مالية فهي لازمة للمستأجر ليس له الرجوع عنها. بخلاف العارية فليست لازمة للمستعير فله الرجوع عنها فلذا كان حوزه حوزاً للموهوب له وأيضا يد المؤجر جائلة في الشيء المستأجر بقبض أجرته، ولذا لوهب [٢]

стр. 845

(و) لا يصح حوز الموهوب له السابق (إذا رجعت) الهبة (لواهبها بعده) أي بعد الحوز (قبل سنة) وهو مراد الشيخ بالقرب (بإيجار) متعلق بـ "رجعت" أي: رجعت لواهبها بسبب إيجار لها من الموهوب له (أو إرفاق) كإعارة أو إخدام أو عمرى فمات الواهب وهي تحت يده فيبطل الحوز الأول، بمعنى أنه لم يتم، فإذا لم يحصل مانع فللموهوب له أخذها منه بعد الإرفاق قهراً عنه ليتم الحوز الأول ومفهوم "قبل سنة" أنها لو رجعت له بعد سنة أنه لا يضر في الحوز الأول، وهو كذلك، ومفهوم قوله: بإيجار أو إرفاق أنه لو رجعت له بغصب أو سرقة أو نحو ذلك أنه لا يضر أيضاً، وهو كذلك وهو معنى قول الشيخ: "بخلاف سنة أو رجع مختفياً أو ضيفاً فمات" (و) صح (حوز واهب) شيئاً وهبه (لمحجوره) من صغير أو سفيه أو مجنون كان وليه الواهب أباً أو غيره؛ لأنه هو الذي يحوز له. وهذا (إن أشهد) الواهب لمحجوره أنه وهبه كذا، فالإشهاد قائم مقام الحوز في غير المحجور فهذا القيد لا بد منه ولا يشترط معاينة المحجور لها ولا صرف الغلة له على أحد القولين، والثاني: أنه لا بد من صرف الغلة في مصالحه كما في الوقف فإن صرفها الولي على نفسه بطلت ورجح، وبعضهم رجح الأول (إلا) إذا وهب لمحجوره (ما لا يعرف بعينه) كالدراهم وسائر المثليات من مكيل أو معدود أو موزون ونحو جواهر، فلا تصح حيازته لمحجوره ولا بد من إخراجه عن حوزه قبل المانع وإلا بطلت ورجعت ميراثاً، ولو ختم عليها مع بقائها عنده ولا يكفي فيه الإشهاد كما في الذي يعرف بعينه، لأن ما يعرف بعينه كأنه مع الإشهاد خرج من يده بخلاف ما لا يعرف. (أو) إلا إذا وهب لمحجوره (دار سكناه) فلا تصح حيازتها لمحجوره وتبطل إذا استمر ساكناً بها حتى مات الواهب ويكفي إخلاؤها من شواغله ومعاينة البينة لذلك ولو بقيت بعد ذلك تحت يده، كما في النقل بخلاف ما لا يعرف فلا بد من إخراجه عن يده كما تقدم (إلا أن يسكن) الواهب (أقلها ويكري له الأكثر) فتصح الهبة في الجميع، وتكون كلها للمحجور بعد المانع؛ لأن الأقل تابع للأكثر مثل دار السكنى غيرها كالثياب يلبسها، والدواب تركب وكذا ما لا يعرف بعينه إذا أخرج بعضه وأبقى البعض بيده، ــ الأجرة للموهوب له قبل قبضها من المستأجر صح حوز المستأجر لعدم جولان يد الواهب اهـ. قوله: [ولا يصح حوز الموهوب له السابق] إلخ: ظاهره سواء كان للهبة غلة أم لا وهو الصواب، وتقييد المواق له بما إذا كان له غلة رده (ر) كما يفيده (بن). قوله: [أنه لا يضر في الحوز الأول]: ما ذكره من عدم الضرر في رجوعها بعد سنة مقيد بما إذا كانت الهبة لغير محجوره وأما لمحجوره فتبطل برجوعها للواهب مطلقاً كما قال ابن المواز، واختاره ابن رشد وطريقة غيره أن المحجور وغيره سواء في عدم البطلان في الرجوع بعد عام وعلى هذه الطريقة عول المتيطي وبها أفتى ابن لب وجرى العمل انظر المواق اهـ (بن)، ومثل الهبة الصدقة في التفصيل في رجوعها، وهذا بخلاف الرهن فإنه يبطل برجوعه للراهن ولو بعد سنة من حوزه، وأما الوقف إن كان له غلة فكالهبة في التفصيل، فإن لم يكن له غلة كالكتب فإنه لا يبطل وقف ما عاد له بعد صرفه وقد مر ذلك. قوله: [ولا يشترط معاينة المحجور لها]: أي للحيازة المفهومة من الحوز ولا يشترط معاينة الشهود لها أيضاً. فمتى قال الولي للشهود اشهدوا أني وهبت الشيء الفلاني لمحجوري كفى سواء أحضره لهم أم لا. قوله: [ورجح]: المرجح له ابن سلمون. وقوله: [وبعضهم رجح الأولى]: أي وهو المعتمد الذي جرى به العمل، والفرق بين ما هنا وبين الوقف حيث اشترط في الوقف صرف الغلة قولاً واحداً أن الوقف باق على ملك الواقف، والخارج عن ملكه إنما هو الغلة فلذلك اشترط صرفها قولاً واحداً. واعلم أن الولي إذا وهب لمحجوره فإنه يحوز له إلى أن يبلغ رشيداً فإذا بلغ رشيداً حاز لنفسه، فإن لم يحز لنفسه بعد الرشد وحصل مانع للواهب بطلت، فإن جهل الحال ولم يدر هل بلغ رشيداً أو سفيهاً والحال أن الواهب حصل له مانع والشيء الموهوب تحت يده فقولان المعتمد منهما حمله على السفه وحينئذ فتصح الهبة لما تقدم أن الرشد لا يثبت إلا ببينة. قوله: [ولا بد من إخراجه عن حوزه]: أي لا بد في صحة الهبة من إخراجه عند أجنبي قبل المانع، سواء أخرجه غير مختوم عليه أو مختوماً عليه. خلافا ًلظاهر (عب) من أنه يقتضي اشتراط الختم. وقوله: [ويكفي إخلاؤها من شواغله]: حاصله أن دار السكنى لا بد فيها من إخلاء الولي لها من شواغله ومعاينة البينة لتخليتها، سواء أكراها أو لا، ومثلها لو وهبه شيئاً من ملبوسه. وأما غير دار السكنى والملبوس من كل ما يعرف بعينه فيكفي الإشهاد بالصدقة والهبة وإن لم تعاين البينة الحيازة فالإشهاد يغني عنها. وظاهر المصنف أن هذا التفصيل خاص بدار السكنى وليس كذلك، بل هو جار في هبة الدار مطلقاً كما في (بن).
следующие страницы →