(أو بقائه): أي العالم لأنه يستلزم إنكار القيامة، ولو اعتقد حدوثه وهو تكذيب للقرآن. (أو شك فيه): أي فيما ذكر من القدم والقضاء بل والوهم. (أو) قول (بتناسخ الأرواح): أي إن من قال بأن من يموت تنتقل روحه إلى مثله أو لأعلى منه إن كانت في مطيع أو لأدنى منه أو مثله إن كانت في عاص فهو كافر؛ لأن فيه إنكار البعث.
(أو أنكر مجمعاً عليه) كوجوب الصلاة أو تحريم الزنا، أو حل مجمع على عدم إباحته (مما علم) من الدين ضرورة (بكتاب) القرآن (أو سنة): متواترة؛ فلا يكفر بإنكار إعطاء السدس لبنت الابن مع البنت وإن كان مجمعاً عليه لعدم علمه ضرورة، ولا بإنكار خلافة علي ﵁ ونحوه، أو وجود بغداد؛ لأنه ليس من الدين ولا يتضمن تكذيب قرآن. بخلاف إنكار المسجد الحرام أو الأقصى أو فرعون من كل ما جاء به القرآن وعلم إلخ. (أو جواز [١] اكتساب النبوة): أي تحصيلها بسبب رياضة لأنه يستلزم جواز وقوعها بعد النبي. (أو سب نبياً) مجمعاً على نبوته أو ملكاً مجمعاً على ملكيته.
(أو عرض) بسب لنبي أو ملك بأن قال عند ذكره: أما أنا فلست بزان أو بساحر.
(أو ألحق به): أي بنبي أو ملك (نقصاً وإن ببدنه): كعرج، وشلل (أو وفور علمه): إذ كل نبي أعلم أهل زمانه وسيدهم ﷺ أعلم الخلق (أو زهده).
(وفصلت الشهادة فيه): أي في الكفر وجوباً؛ فإذا شهد بأنه كفر، فيقول القاضي: بأي شيء؟ فيقول الشاهد: بقول كذا أو بفعل كذا، لئلا يكون في الواقع ليس كفراً واعتقد الشاهد أنه كفر.
(يستتاب) المرتد وجوباً (ثلاثة أيام) بلياليها وابتداء الثلاثة (من يوم الحكم): أي ثبوت الردة عليه، لا من يوم الكفر، ولا من يوم الرفع
ــ
وأنواع الحيوانات والنباتات والمعادن قديمة بالزمان لا بالذات، وإنما كانت هذه عندهم غير مسبوقة بالعدم لأن ذات الواجب أثرت فيها بالعلة فلا أول لها كذا في حاشية الأصل.
قوله: (أو بقائه): أي أنه لا يفنى لما تقول الدهرية، وإنما عطف البقاء بـ "أو" وإن استلزمه القدم لأن أحد العقيدتين كاف في الكفر وإن لم تلاحظ العقيدة الأخرى.
قوله: [ولو اعتقد حدوثه]: أي لأنه لا يلزم من ثبوت البقاء ثبوت القدم بخلاف العكس.
قوله: [لأن فيه إنكار البعث]: أي بالأجساد مع الأرواح إن كان هذا الأمر إلى غير نهاية، وقيل إلى أن تصل الروح الطائعة إلى الجنة والعاصية إلى النار وهذه طريقة من ينكر البعث الجسماني ويثبت الروحاني وكل كفر.
قوله: [أو حل مجمع على إباحته]: معطوف على "وجوب" أي أنكر حل مجمع على إباحته قال صاحب الجوهرة:
ومن لمعلوم ضرورة جحد ... من ديننا يقتل كفراً ليس حد
لا مثل هذا من نفى لمجمع ... أو استباح كالزنا فلتسمع
قوله: [القرآن]: بدل من "كتاب" ويجوز إبدال المعرفة من النكرة.
قوله: [ولا بإنكار خلافة علي]: أي لأنه لم يدل دليل عليها من كتاب ولا سنة.
قوله: [لأنه يستلزم جواز وقوعها] إلخ: واللازم باطل لوجود النصوص مع إجماع المسلمين على خلافه، وأما الولاية فقيل إنها تحصل بالكسب وقد تكون وهبية. وقال الشيخ إبراهيم اللقاني: الولاية لا تكتسب بحال كالنبوة ولنا في ذلك مزيد تحقيق فانظره في كتابتنا على الجوهرة عند قوله:
ولم تكن نبوة مكتسبه ... ولو رقى في الخير أعلى عقبه
قوله: [مجمعاً على نبوته]: خرج نحو الخضر ولقمان وذي القرنين فسبهم يوجب التعزير الشديد فسيأتي آخر الباب.
قوله: [أو ملكاً مجمعاً على ملكيته]: خرج نحو هاروت وماروت فسبهم يوجب التعزير الشديد أيضاً.
قوله: [أو عرض]: أي قال قولاً وهو يريد خلافه اعتماداً على قرائن الأحوال من غير واسطة في الانتقال للمراد كما مثل الشارح.
قوله: [بسب لنبي أو ملك]: أي مجمع على ما ذكر.
قوله: [أو ألحق به]: أي بالمجمع على نبوته أو ملكيته.
قوله: [وإن ببدنه]: أي لا فرق بين كونه في بدنه بأن قال: أسود أو أعور، أو في أخلاقه بأن قال: أحمق أو جبان أو بخيل أو في دينه بأن قال: فاسق أو تارك الصلاة، أو مانع الزكاة ومثل ذلك ذكر الملائكة بالأوصاف القبيحة.
قوله: [أو وفور علمه]: أي بأن قال: لم يكن على غاية من العلم والزهد.
قوله: [وجوباً]: أي صوناً للدماء ودرءاً للحدود بالشبهات.
تنبيه: لا بد في الشاهدين من اتحاد المشهود به فلا يلفق شاهداً فعل مختلف كشهادة شاهد عليه بإلقاء مصحف بقذر وآخر بشد زنار لا شاهد بفعل كالإلقاء المذكور، والآخر بقول وإنما يلفق القولان المختلفا اللفظ المتفقا المعنى كشاهد عليه أنه قال لم يكلم الله موسى تكليماً وآخر بقوله ما اتخذ الله إبراهيم خليلاً كذا في (عب)، ووجه الاتحاد في المعنى أن شهادة كل آلت إلى أن هذا الرجل مكذب للقرآن.
قوله: [يستتاب المرتد وجوباً]: أي يجب على الإمام أو نائبه استتابته ثلاثة أيام وإنما كانت ثلاثة أيام؛ لأن الله أخر قوم صالح ذلك القدر لعلهم أن يتوبوا فيه، فلو حكم الإمام بقتله قبلها مضى لأنه
стр. 947
ويلغى يوم الثبوت إن سبق بالفجر.
(بلا جوع وعطش): بل يطعم ويسقى من ماله ولا ينفق على ولده وزوجته منه؛ لأنه يوقف فيكون معسراً بردته. (و) بلا (معاقبة): بكضرب ولو أصر على عدم الرجوع.
(فإن تاب) ترك. (وإلا) يتب (قتل): بغروب الثالث.
(وماله) أي المقتول بسبب الردة (فيء) يجعل في بيت المال ولو ارتد لدين وارثه.
(إلا الرقيق) المرتد ولو بشائبة؛ كمكاتب ومبعض؛ إذا قتل مرتداً (فلسيده) ولا يؤخذ حالة الردة بل يوقف؛ إن أسلم رجع له، وإن قتل أخذه ملكاً لا إرثاً.
(وأخرت) وجوباً (المرضع): المرتدة بلا قتل (لوجود مرضع) يقبله الولد، وإلا أخرت لتمام رضاعه.
(و) أخرت (ذات زوج وسيد): وشمل الرجعية؛ أما البائن إن ارتدت بعد حيض بعد الطلاق فلا تؤخر وإلا أخرت (لحيضة): إن كانت من ذوات الحيض، ولو كانت عادتها في كل خمس سنين مرة، وما زاد على الحيضة في العدة تعبد لا يحتاج إليه هنا.
(وقتل الزنديق): بعد الاطلاع عليه بلا استتابة: وهو من أسر الكفر وأظهر الإسلام. وكان يسمى في زمن النبي ﷺ وأصحابه: منافقاً (بلا) قبول (توبة) من حيث قتله. ولا بد من توبته، لكن إن تاب قتل حداً، وإلا كفراً.
(إلا أن يجيء): قبل الاطلاع عليه فلا يقتل.
(وماله): أي مال الزنديق (إن تاب) وجاء تائباً أو بعد الاطلاع عليه، أو مات قبل الاطلاع عليه ثم ثبتت زندقته (لوارثه): أما لو اطلع عليه فلم يتب حتى قتل أو مات فماله لبيت المال.
(كالساب) لنبي مجمع عليه؛ فيقتل بدون استتابة ولا تقبل توبته، ثم إن تاب قتل حداً. (ولا يعذر) الساب (بجهل): لأنه لا يعذر أحد في الكفر بالجهل (أو سكر) حراماً (أو تهور): كثرة الكلام بدون ضبط، ولا يقبل منه سبق اللسان (أو غيظ) فلا يعذر إذا سب حال الغيظ بل يقتل إلخ. (أو بقوله: أردت كذا): أي أنه إذا قيل له: بحق رسول الله فلعن، ثم قال: أردت العقرب: أي لأنها مرسلة لمن تلدغه
ــ
حكم بمختلف فيه؛ لأن ابن القاسم يقول: يستتاب ثلاث مرات ولو في يوم واحد.
قوله: [ويلغى يوم الثبوت]: أي ولا يلفق الثلاثة الأيام احتياطاً لعظم الدماء خلافاً للشيخ أحمد الزرقاني القائل: إن يوم الثبوت يكمل من الرابع ولا يلغى إذا كان الثبوت مسبوقاً بالفجر.
قوله: [بلا جوع وعطش]: أي وسواء وعد بالتوبة أو لم يعد.
قوله: [من ماله]: أي فإن لم يكن له مال فمن بيت المال
قوله: [قتل بغروب الثالث]: أي بعد غروب شمس اليوم الثالث.
قوله: [كمكاتب]: قال الأقفهسي في شرح الرسالة: ولو ارتد المكاتب وقتل على ردته وترك ولداً كان معه في عقد الكتابة أو حدث له بعده فهل ينتفع الولد بذلك المال الذي خلفه أبوه فيخرج به حراً أو لا ينتفع به ويسعى في نجوم الكتابة فإذا أدى خرج حراً وإن عجز رجع رقيقاً؟ قولان، وعلى أنه لا ينتفع به فهل يكون ذلك المال لسيده بناء على أنه مات عبداً أو لبيت المال بناء على أنه مات حراً؟ قولان.
قوله: [يقبله الولد]: المناسب يقبلها.
قوله: [وإلا أخرت لتمام رضاعه]: أي إن لم يوجد مرضع أو لم يقبلها الولد.
قوله: [إن كان من ذوات الحيض]: أي وأما إن كانت ممن لا تحيض لضعف أو إياس مشكوك فيه استبرئت بثلاثة أشهر إن كانت ممن يتوقع حملها، إلا أن تحيض أثناءها فإن كانت ممن لا يتوقع حملها قتلت بعد الاستتابة، فإن لم يكن لها زوج ولا سيد لم تستبرأ إلا إن ادعت حملاً، واختلف أهل المعرفة أو شكوا والفرق بينها هنا وبين القصاص من أنها لا تؤخر بدعواها الحمل، بل لا بد من قرينة صدقها كظهور الحمل أو تحركه أو شهادة النساء أن القتل هنا حق لله، وفي القصاص حق آدمي وهو مبني على المشاحة بخلاف ما هنا.
قوله: [لا يحتاج إليه]: أي في الردة ومثلها الاستبراء لحد الزنا واعتماد الزوج في اللعان ونظمها بعضهم بقوله:
والحرة استبراؤها كالعده ... لا في لعان وزنا ورده
فإنها في كل ذا تستبرا ... بحيضة فقط وقيت الضرا
قوله: [بلا استتابة]: أي بلا طلب توبة منه.
قوله: [ولا بد]: معطوف على محذوف تقديره فيقتل.
قوله: [قتل حداً]: أي ويحكم له بالإسلام فيغسل ويصلى عليه.
قوله: [أو مات قبل الاطلاع عليه] إلخ: تحصل أن الصور خمس ثلاث ماله فيها لوارثه وهي ما إذا جاءنا تائباً أو تاب بعد الاطلاع عليه أو لم تثبت زندقته إلا بعد موته، وثنتان ماله فيها لبيت المال وهما ما إذا اطلعنا عليه قبل الموت وقتلناه بغير توبة أو مات بغير توبة. إن قلت كيف ترثه ورثته مع ثبوت كفره بعد الموت أجيب بأنه مات على الإسلام ظاهراً ولو كان حياً ربما أبدى مطعناً في البينة فاحتيط للإسلام والورثة فتأمل.
قوله: [كالساب لنبي]: السب هو الشتم وكل كلام قبيح، وحينئذ فالقذف والاستخفاف بحقه أو إلحاق النقص له داخل في السب، ومحل قتل الساب إن كان مكلفاً وأما المجنون فلا شيء عليه وكذا الصغير ما لم يبلغ الحلم من غير رجوع عما قال.
قوله: [حراماً]: المناسب الجر لأنه صفة لسكر وهو مجرور بالعطف على جهل ويحترز به عن السكر بحلال فكالمجنون.
قوله: [فلا يعذر إذا سب حال الغيظ]: ومن هنا حرم على
стр. 948
فلا يقبل منه ويقتل (إلا أن يسلم) الساب (الكافر): الأصلي، فلا يقتل لأن الإسلام يجب ما قبله.
أما الساب المسلم إذا ارتد بغير السب ثم أسلم فلا يسقط قتله.
(وسب الله كذلك): أي كسبِّ النبي يقتل الكافر ما لم يسلم.
(وفي استتابة المسلم خلاف): هل يستتاب فإن تاب ترك وإلا قتل؟ أو يقتل ولو تاب؟ والراجح الأول.
(وأسقطت): الردة، في الحقيقة المسقط هو الإسلام (صلاة وصوماً وزكاة) إن كانت عليه أو ثوابها إن كان فعلها، فلا يطلب منه فعلها بعد رجوعه للإسلام، إلا أن يسلم قبل خروج وقت الصلاة.
(وطهارة) صغرى قطعاً، وعلى الراجح في الكبرى (وحجاً تقدم) منه؛ فيجب عليه إعادته إن أسلم لبقاء وقته وهو العمر.
(و) أسقطت (نذراً ويميناً بالله) كقوله: والله لا أكلم زيداً، ثم كلمه بعد ردته أو بعد إسلامه؛ فلا كفارة عليه.
(أو بعتق) كان معيناً أم لا: نحو: إن دخلت الدار فعلي عتق عبد أو عبدي سعيد، على الراجح ثم دخل كذلك.
(أو ظهار) كقوله: إن دخلت الدار فأنت علي كظهر أمي، ثم ارتد فدخل بعد ردته أو إسلامه.
(أو طلاق) أي يميناً بطلاق؛ كإن دخلت الدار فأنت طالق ثم دخل بعد ردته أو توبته.
(و) أبطلت (إحصاناً): فإذا ارتد المحصن بطل إحصانه فإذا أسلم وزنى لا يرجم.
(و) أبطلت (وصيته): هو أحد قولين، وهو الذي اقتصر عليه الأصل. وفي الحطاب -وأقره البناني- صحتها إذا رجع للإسلام، كما في المجموع.
(لا طلاقاً): لا تسقط الردة طلاقاً صدر منه قبلها؛ فإذا طلق ثلاثاً ثم ارتد ثم رجع للإسلام فلا تحل له إلا بعد زوج، ما لم يرتدا معاً ثم يرجعا للإسلام، فتحل بدون زوج ويلغز به فيقال: طلق زوجته ثلاثاً وحلت قبل زوج.
(و) لا تسقط الردة (إحلال محلل) فإذا ارتد المحلل للمبتوتة فلا يبطل إحلاله بل تحل لمن أبتها.
(بخلاف حل المرأة): فإنه تبطله ردتها؛ فإذا حللها شخص، ثم ارتدت ورجعت للإسلام؛ لا تحل لمبتها حتى تنكح زوجاً؛ لأنها أبطلت النكاح الذي أحلها كما أبطلت الذي صيرها محصنة.
ــ
من يقول لمن قام به غيظ صل على النبي.
قوله: [فلا يقبل منه ويقتل]: أي لعبد تلك الإرادة التي ادعاها.
قوله: [إلا أن يسلم الساب الكافر]: أي ولو كان إسلامه خوفاً من القتل.
قوله: [أما الساب المسلم] إلخ: مفهوم قوله "الأصلي" وإنما لم يجعل سب الكافر من جملة كفره بحيث إنه لا يقتل بذلك السب؛ لأننا لم نعطهم العهد على ذلك فسبه من جملة ما ينقض به عهده كما تقدم في الجزية والأوضح في العبارة أن يقول: أما المسلم إذا ارتد بغير السب ثم سب زمن الردة ثم أسلم فلا يسقط قتل السب.
قوله: [والراجح الأول]: أي قبول توبته كما هو مذهب الشافعي حتى في سب الأنبياء والملائكة، والفرق بين سب الله فيقبل وبين سب الأنبياء والملائكة لا يقبل أن الله لما كان منزها عن لحوق النقص له عقلاً قبل من العبد التوبة، بخلاف خواص عباده فاستحالة النقص عليهم من إخبار الله لا من ذواتهم فشدد فيهم.
قوله: [في الحقيقة المسقط هو الإسلام]: أي لقوله تعالى: ﴿قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف﴾ [الأنفال: ٣٨] وهذا ظاهر بالنسبة لإسقاط القضاء، وأما إحباط ثواب العمل السابق فبالردة قطعاً لقوله تعالى: ﴿لئن أشركت ليحبطن عملك﴾ [الزمر: ٦٥].
قوله: [وعلى الراجح في الكبرى]: أي على ما اعتمده في الحاشية في باب نواقض الوضوء. قال في المجموع هناك وفي (بن) ترجيح عدم الغسل إلا بموجب لم يغتسل له. قال: والفرق أن الوضوء علق بالقيام للصلاة والإحباط العام في الثواب لإمضاء ما فعل.
قوله: [فيجب عليه إعادته]: أي إن وجدت فيه شروطه.
قوله: [عبد أو عبدي سعيد]: لف ونشر مشوش.
قوله: [على الراجح]: أي خلافاً لحمل ابن الكاتب المدونة على غير المعين، وأما المعين فلا يسقط الحلف به.
قوله: [ثم دخل بعد ردته]: أي زمن الردة.
وقوله: [أو توبته]: أي عوده للإسلام.
قوله: [وفي الحطاب]: صوابه كما في الحطاب ويقول: وفي المواق عن المدونة أن محل بطلان الوصية إذا مات على ردته لا إن عاد للإسلام وأقره البناني.
قوله: [لا طلاقاً] أي ثلاثاً أو أقل. ومثل الطلاق العتق والحاصل بغير تعليق وما تقدم من إسقاطها العتق واليمين بالله فهو في الأيمان المعلقة.
قوله: [فتحل بدون زوج]: أي ما لم يقصد بالردة الإحلال وإلا فلا يحلان والفقيه الذي يأمرهما بها مرتد.
تنبيه: قد علم أن العتق الغير المعلق بجميع أنواعه أو الطلاق لا تبطلهما الردة، عاد للإسلام أو قتل على ردته. ومثلهما الهبة والوقف إذا حيزا قبلها عاد للإسلام أو مات على ردته، وأما لو تأخر الحوز حتى ارتد ومات على ردته بطلا وانظر لو تأخر الحوز بعدها وعاد للإسلام هل يحكم بالبطلان أو بعدمه اهـ من حاشية الأصل.
قوله: [فإنه تبطله ردتها]: أي وذلك لأن الردة إنما تبطل وصف من تلبس بها لا وصف غيره، وإن نشأ عن وصف من تلبس بها فردة الزوج إنما تبطل إحصانه لا إحصانها، وكذلك العكس، وردة المحلل إنما تبطل وصفه وهو كونه محللاً ولا تبطل وصفها
стр. 949
(وأقر كافر انتقل لكفر آخر): فلا نتعرض له وأما حديث: «من بدل دينه فاقتلوه» محمول على الدين الحق.
(وقبل عذر من أسلم) من الكفار ثم رجع للكفر (وقال) معتذراً، حين أردنا قتله إن لم يتب: كنت (أسلمت عن ضيق): من خوف على نفس أو مال (إن ظهر) عذره بقرينة، وإلا حكم فيه حكم المرتد.
(وأدب من تشهد): أي نطق بالشهادتين (ولم يقف على الدعائم): أي لم يلتزم أركان الإسلام، فإذا رجع لا يكون حكمه حكم المرتد. لكن هذا في غير من بين أظهرنا ويعلم أن علينا صلاة وصوماً إلخ، وإلا فهو مرتد.
(و) أدب (ساحر ذمي) سحر مسلماً (إن لم يدخل) بسحره (ضرراً على مسلم): فإن أدخل على مسلم أي ضرر كان ناقضاً للعهد يفعل فيه الإمام القتل أو الاسترقاق ما لم يسلم. فإن أدخل ضرراً على أهل الكفر أدب ما لم يقتل منهم أحداً وإلا قتل.
(وشدد) بالضرب والسجن (على من سب من لم يجمع على نبوته): كالخضر ولقمان، وكذلك مريم بغير الزنا، أو خالد بن سنان فإنه قيل إنه نبي أهل الرس.
(أو) سب (صحابياً): شمل عائشة بغير الزنا. (أو) سب (أحداً من ذريته ﵊: فإنه يشدد عليه في التأديب بالضرب السجن إلخ (إن علمه): أي علم أنه من آله عليه أفضل الصلاة والسلام، لا إن سب من لم يعلم أنه من آله. (كأن انتسب له) ﷺ بغير حق، بأن لم يكن من ذريته وادعى صراحة أو احتمالاً أنه من ذريته؛ كلبس عمامة خضراء، أو قوله لمن آذاه: مثلك يؤذي آل البيت؟ (أو قال: كل صاحب كذا): نحو صاحب خان أو طاحونة أو فرن (قرنان): ممنوع من الصرف للوصفية وزيادة الألف والنون: أي يقرن بين الرجل وامرأته (ولو كان نبياً) هذا هو الموجب للتشديد في الأدب فإن لم يزد ولو كان إلخ لا شيء عليه (أو شهد عليه عدل) فقط (أو لفيف) جماعة من الناس غير مقبولين (بسب) لنبي مجمع على نبوته مثلاً (أو قال) متضجراً: (لقيت) من شدة المشقة (في مرضي هذا ما لو قتلت أبا بكر ما استوجبته) أما لو قصد الاعتراض على الله فمرتد بدون خلاف، لأنه نسب الحيف إلى ملك الأملاك وهو الذي أوجب كفر إبليس والعياذ بالله.
ــ
وهو كونها محللة بالفتح وإن كان ناشئاً عن وصفه وكذا العكس.
قوله: [انتقل لكفر آخر]: أي كنصراني انتقل لليهودية أو المجوسية.
قوله: [إن ظهر عذره بقرينة]: قيد بما إذا لم يستمر على الإسلام بعد ذهاب الخوف عنه وإلا فيعد كالمرتد أيضاً.
قوله: [سحر مسلماً]: الأوضح حذفه.
قوله: [فإن أدخل ضرراً على أهل الكفر]: يعني به من أهل الذمة فإن لم يدخل عليه ضرراً فمقتضاه لا أدب.
قوله: [من يجمع [١] على نبوته]: أي أو ملكيته، وأما من أجمع على نبوته أو ملكيته فتقدم أنه يقتل سابه من غير توبة ومثلهما الحور العين.
قوله: [وكذلك مريم بغير الزنا]: أي وأما به فيكفر لتكذيبه القرآن.
قوله: [لأنه قيل: إنه نبي أهل الرس]: أي وكان بين عيسى ومحمد ﷺ وأصحاب الرس هم المذكورون في قوله تعالى: ﴿كذبت قبلهم قوم نوح وأصحاب الرس﴾ [ق: ١٢] وهو الراجح وأما الخضر ولقمان ومريم وذو القرنين فالراجح عدم نبوتهم.
قوله: [أو سب صحابياً]: قال الأجهوري: أي جنسه أي فيشمل سب الكل، ومثل السب تكفير بعضهم ولو من الخلفاء الأربعة، بل كلام السيوطي في شرحه على مسلم يفيد عدم كفر من كفر الأربعة، وأنه المعتمد فيؤدب فقط. وقال سحنون: من كفر الأربعة فهو مرتد، وقد عول عليه أشياخنا وأما من كفر جميع الصحابة فإنه يكفر باتفاق، كما في الشامل لأنه أنكر معلوماً من الدين بالضرورة وكذب الله ورسوله.
قوله: [بغير الزنا]: أي لأن الله برأها منه لقوله جل من قائل: ﴿أولئك مبرءون مما يقولون﴾ [النور: ٢٦] وظاهره أن رميها بالزنا كفر ولو بغير واقعة صفوان.
قوله: [إلخ]: لا معنى لهذه اللفظة وقد جرت عادته بذكرها كثيراً من غير فائدة.
قوله: [لا إن سب من لم يعلم أنه من آله]: أي فلا يبالغ في تعزيره.
قوله: [بأن لم يكن من ذريته]: أي لا من جهة الأب ولا من جهة الأم.
قوله: [وادعى صراحة]: أو قولاً أو فعلاً فمثل للفعل بقوله: "كلبس عمامة خضراء"، ولم يذكر صراحة القول بوضوحها ومثل للاحتمال بقوله: "أو قوله لمن آذاه" إلخ، وإنما عزر المنتسب لقوله ﷺ : «لعن الله الداخل فينا من غير نسب والخارج عنا بغير سبب» ولقول مالك: من ادعى الشرف كاذباً ضرب ضرباً وجيعاً ثم شهر ويحبس مدة طويلة حتى تظهر لنا توبته؛ لأن ذلك استخفاف بحقه ﷺ وأدب ولم يحد مع أنه يلزم عليه حمل غير أبيه على أمه؛ لأن القصد بانتسابه له شرفه لا الحمل المذكور، ولأن لازم المذهب ليس بمذهب.
قوله: [كلبس عمامة خضراء]: أي ولو من صوف، وأما الائتزار بها فلا بأس به؛ لأن علامة الشريف إنما هي العمامة فقط.
قوله: [مثلاً]: أي أو ملكاً مجمعاً على ملكيته.
قوله: [أو قال متضجراً]: أي فيعزر على الراجح لحمله على الشكوى لا على الاعتراض على الله تعالى.
قوله: [وأما لو قصد] إلخ: أي والقصد لا يعلم إلا منه.
قوله: [الحيف]: بالحاء المهملة والفاء الظلم والجور.
стр. 950
(باب)
ذكر فيه حد الزنا وأحكامه
وهو بالقصر لغة أهل الحجاز قال تعالى: ﴿ولا تقربوا الزنا﴾ [الإسراء: ٣٢]. وبالمد لغة نجد ولذا حد بعض القضاة من قال لشخص يا ابن المقصور والممدود لأنه تعريض بالزنا الذي يقصر ويمد قاله شيخنا الأمير. (الزنا) الذي فيه الحد الآتي (إيلاج): أي تغييب (مسلم) لا كافر، فليس زنا شرعاً يترتب عليه الحد. (مكلف) حراً أو عبداً يحترز عن المجنون والصبي. (حشفة) أو قدرها ولو بغير انتشار أو مع حائل خفيف لا يمنع اللذة. (في فرج آدمي) خرج الإيلاج في غير الآدمي كحيوان بهيمي والجني إن تصور بصورة غير آدمي أو كان على جهة التخيل لا التحقق. (مطيق): للوطء عادة لواطئها فيحد الواطئ وإن كان المطيق غير مكلف (عمداً): خرج الناسي طلاقها والجاهل. (بلا شبهة): خرج وطء أمة الشركة والقراض إلى آخر ما يأتي.
(وإن) كان الفرج المولج فيه (دبراً) لذكر أو أنثى حياً (أو ميتاً): فإن تغييب الحشفة في دبر الذكر يسمى زنا شرعاً؛ مملوكاً أو غيره، ولا شبهة للسيد فيه من جهة الإيلاج ففيه الحد الآتي، حال كان المغيب في دبره أو بعد موته.
(غير زوج): ويأتي محترزه.
(أو مستأجرة): مطلقاً فيحد، إلا من السيد للوطء.
(أو مملوكة تعتق عليه): بالملك، كبنته فإنه إذا اشتراها مثلاً ووطئها فيحد إن علم بالتحريم. (أو مرهونة): أي بدون إذن الراهن وإلا فلا حد. (أو ذات مغنم): قبل القسم ولو حيزت. (أو حربية): في بلاد الحرب. أو دخلت بأمان، لا إن خرج بها لأنه ملكها بخروجه بها أو دخلت بدون أمان فحازها.
(أو مبتوتة) له (وإن) غيب الحشفة (بعدة) بنكاح فأولى بدونه وبعد العدة كان البت في مرة أو مرات على الراجح.
(أو خامسة): علم بتحريمها
ــ
باب ذكر فيه حد الزنا
قوله: [وهو بالقصر لغة أهل الحجاز]: أي وعليه فيكتب بالياء لوقوع الألف ثالثة.
قوله: [وبالمد لغة نجد]: أي وهم تميم وعليه فيكتب بالألف قال الخرشي نقلاً عن التنبيهات: الزنا يمد ويقصر فمن مده ذهب إلى أنه فعل من اثنين كالمقاتلة والمضاربة، ومن قصره جعله اسم الشيء نفسه انتهى وهو محرم كتاباً وسنة وإجماعاً وجاحد حرمته كافر.
قوله: [لا كافر]: أي وسواء وطئ كافرة أو مسلمة، وإن كانت المسلمة تحد لأنه يصدق على زناها وطء مسلم كما أنها تحد إذا مكنت مجنوناً أو أدخلت ذكر نائم بالغ في فرجها.
قوله: [فليس زنا شرعاً]: أي وإن كان حراماً وفيه العقاب.
قوله: [مكلف]: أي ولو سكران حيث أدخل السكر على نفسه وإلا فكالمجنون.
قوله: [فرج آدمي]: أي غير خنثى مشكل فلا حد على واطئه في قبل لأنه كثقبة فإن وطئ في دبره فالظاهر أنه يقدر أنثى فيكون فيه الجلد كإتيان أجنبية بدبر. ولا يقدر ذكراً ملوطاً به بحيث يكون فيه الرجم وإن كان بكراً وأما إن وطئ هو غيره بذكره فلا حد عليه للشبهة إذ ليس ذكراً محققاً إلا أن يمني من ذكره فلا إشكال.
قوله: [أو كان على جهة التخيل]: أي كان بصورة آدمي على جهة التخيل.
قوله: [والجاهل]: أي للحكم كحديث عهد بإسلام أو لذاتها.
قوله: [دبر الذكر] إلخ: لكن دبر الذكر فيه الرجم مطلقاً وإن كان الفاعل بكراً.
قوله: [ولا شبهة للسيد فيه من جهة الإيلاج]: أي وأما قوله تعالى: ﴿إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم﴾ [المؤمنون: ٦] فقد أجمع المسلمون على أن المراد منه النساء ولا مفهوم للإيلاج، بل التلذذ بالمملوك الذكر محرم إجماعاً.
قوله: [أو مستأجرة مطلقاً]: أي سواء كان الاستئجار من نفسها حرة أو أمة، أو من ولي الحرة للوطء أو للخدمة أو من سيد الأمة للخدمة.
قوله: [إلا من السيد للوطء]: أي نظراً لقول عطاء بجواز نكاح الأمة التي أحل سيدها وطأها للواطئ وهو صادق بما إذا كان بعوض وبدونه، وحينئذ فالمستأجرة من سيدها محللة فلا حد فيها كذا في (بن) وقال أبو حنيفة: لا حد في وطء المستأجرة للوطء، وظاهره كان المؤجر وليها أو سيدها أو نفسها لأن عقد الإجارة عنده شبهة تدرأ الحد وإن حرم عنده الإقدام على ذلك.
قوله: [تعتق عليه بالملك]: أي إلا أن يكون مجتهداً يرى أن عتق القرابة إنما يكون بالحكم لا بنفس الملك أو قلد من يرى ذلك وإلا فلا حد عليه نقله في التوضيح عن اللخمي، وانظر لم لم يدرأ عنه الحد إذا لم يكن مجتهداً ولا مقلداً لمن يرى ذلك مراعاة للقول بذلك، وقد استشكله ابن مرزوق وكذا خليل في توضيحه عن شيخه اهـ (بن).
قوله: [وإلا فلا حد]: أي مراعاة لقول عطاء.
قوله: [ولو حيزت]: أي بأن قدرنا عليهم وهزمناهم وظاهره كان الجيش كثيراً أو يسيراً ابن عبد السلام والأقرب سقوط الحد لتحقق الشركة على أصل المذهب لإرث نصيبه عنه سيما مع كثرة الغنيمة وقلة الجيش اهـ. ويترتب على ذلك ما لو أعتق نصيبه في عبد من الغنيمة هل يقوم عليه الباقي أم لا وهذا فيمن له سهم منها وإلا حد ولو قل الجيش. إن قلت ما الفرق بين حده مطلقاً في الزنا وحد السارق منها إن حيز المغنم مع أن الخلاف في ملكها هل بمجرد حصولها أو حتى تقسم جاز في الجميع؟ قلت: أجيب بأن حد السرقة إنما يكون بالإخراج من الحرز وهي قبل الحوز ليست في حرز مثلها كذا في (عب).
قوله: [بعدة بنكاح] إلخ: معناه أن البات لزوجته إذا وطئها بعد البتات متعمداً يحد سواء كان الواطئ مستنداً لعقد في العدة أو في العدة بدون
стр. 951
ولا التفات لمن زعم جوازها من الخوارج.
(أو محرمة صهر بنكاح): فيحد بإيلاج الحشفة فيها، ومفهوم "بنكاح" لو كانت بملك وتعتق عليه فيحد كما تقدم، وإلا فلا كما يأتي ولم يقل مؤبد كالأصل لما [١] ورد عليه أنه متى حصلت الصهارة لا تكون إلا مؤبدة مثل أن يدخل بأم ثم يعقد على البنت ويولج. (أو مطلقة) منه (قبل البناء) فأولج الحشفة فيها بدون عقد. (أو معتقة) له فأولج إلخ. (أو مكنت مملوكها): فأولج الحشفة. (بلا عقد): راجع للثلاثة، أما بعد العقد فجائز في المطلقة قبل البناء والمعتقة. وأما في المالكة فيدرأ الحد ولو كان فاسداً كما أشار إليه بقوله: (لا إن عقد) فلا حد.
(أو وطئ معتدة منه) في عدة الرجعي فلا حد بل عليه الأدب، حيث لم ينو الرجعة كفي عدة بائن منه غير مبتوتة. أما بعد العدة فعليه الحد على الراجح كفي عدة من غيره. (أو من غيره): أي معتدة [٢] من غيره (وهي مملوكته) فلا حد (أو زوجته) إذا وطئها في حال عدتها من غيره، أي استبرائها فلا حد عليه.
(أو مشتركة) وطئها أحد الشريكين أو الشركاء، فلا حد للشبهة، لكنه يؤدب.
(أو محرمة) بتشديد الراء المهملة المفتوحة: أي كان تحريمها (لـ) أجل (عارض) كحائض فلا حد ويؤدب.
(أو غير مطيقة) فيؤدب. (أو حليلة): أي زوجته إذا غيب حشفته بدبرها فيؤدب.
(أو مملوكة لا تعتق): أي اشترى مثلاً من لا تعتق عليه بمجرد الشراء ووطئها؛ وهي عمته أو بنت أخيه مثلاً من نسب أو رضاع، فلا حد ويؤدب ويلحق به الولد.
(أو بنتاً بعقد) على أم لم يدخل بها، فإذا وطئ البنت بعد عقده عليها حالة عقده على أمها الغير [٣] المدخول بها، فإنه يؤدب ولا يحد.
(أو) وطئ (أختاً) تزوجها (على أختها أو) وطئ (بهيمة) مأكولة اللحم أو غيرها بقبل أو دبر فلا حد. (وأدب [٤]) في الجميع الذي لا حد فيه.
(كمساحقة) فعل شرار النساء بعضهن ببعض، ففيه الأدب فقط. (وأمة محللة) فإن من وطئها بإذن سيدها له في الوطء لا حد عليه ويؤدب، مراعاة لقول عطاء بجواز التحليل؛ فالمحللة من يقول سيدها لغيره: أذنت لك في وطئها أو أبحته لك إلخ. (وقومت) المحللة (عليه): أي على الواطئ بمجرد الوطء وتعتبر القيمة يوم الوطء حملت أم لا، فإن أعدم بيعت عليه إن لم تحمل وله الزيادة وعليه النقص وإن حملت فالقيمة في ذمته والولد حر لاحق به وتكون أم ولد.
ــ
عقد أو بعدها، ولو قال في حل المتن هذا إذا كان وطئها بعد العدة بل وإن كان بعدة بدون عقد بل وإن كان به لكان أولى.
قوله: [ولا التفات لمن زعم جوازها من الخوارج]: أي فإن الخوارج أجازوا تسعاً مستدلين بجمع النبي ﷺ لهن وبقوله تعالى: ﴿فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع﴾ [النساء: ٣] ورد عليهم بأن الزيادة على أربع من خصوصيات الأنبياء وأن الواو في الآية بمعنى أو التي للتخيير.
قوله: [أو محرمة صهر بنكاح]: أي وذلك كأم الزوجة وبنتها وزوجة الأب وزوجة الابن.
قوله: [وتعتق عليه]: أي كما إذا اشترى أم أمته وعلق عتقها على نفس الشراء.
قوله: [كما تقدم]: أي في قوله "أو مملوكة تعتق عليه" والتشبيه في مطلق الحد.
قوله: [لما ورد عليه]: أي فالقيد ضائع.
قوله: [أو مطلقة منه قبل البناء]: أي ولو طلقة واحدة لأن الطلاق قبل البناء بائن بالإجماع لا بد له من عقد.
قوله: [فأولج] إلخ: أي الحشفة فيها بدون عقد.
قوله: [كفي عدة من غيره]: أي كانت العدة من طلاق بائن أو رجعي أو من وفاة، والحال أن المعتدة غير مملوكة له بدليل ما بعده.
قوله: [أي استبرائها]: إنما قال ذلك لأن حقيقة العدة إنما تكون من طلاق زوج أو وفاته وما عداه يقال له استبراء، ولو قال إذا وطئها في حال استبرائها من غيره لكان خيراً له من هذا التعقيد.
قوله: [كحائض]: أي ومحرمة ونفساء ومعتكفة.
قوله: [أو غير مطيقة]: أي كبنت أربع سنين ولو أجنبية.
قوله: [أي زوجته]: مثلها أمته لأن الأدب مرتب على التغييب في الدبر.
قوله: [أو مملوكة لا تعتق]: المعنى أو محرم مملوكة.
قوله: [ويؤدب]: أي إن علم بالحرمة وإلا فيعذر بالجهل.
قوله. [فإنه يؤدب ولا يحد]: أي لأن العقد على الأم يحرم البنت ما دامت الأم في عصمته فهو تحريم عارض، فإذا طلق الأم قبل الدخول بها حلت له ابنتها فصار العقد شبهة تدرأ عنه الحد، ومفهوم قوله "الغير المدخول بها" أنه إن كان مدخولاً بها حد لضعف الشبهة.
قوله: [أو وطئ أختاً] إلخ: أي فالعقد على الأخت الموطوءة شبهة تدرأ عنه الحد، لأن حرمتها ما دامت الأخت الأولى في العصمة فالتحريم عارض، وسواء دخل بالأخت السابقة أو لا.
قوله: [وأدب في الجميع]: المناسب حذف أل ومحل الأدب ما لم يعذر بجهل والبهيمة الموطوءة كغيرها في الذبح والأكل.
قوله: [كمساحقة]: أي لأنه لا إيلاج فيه فلا يقال إنه زنا.
قوله: [وأمة محللة]: أي سواء كانت قناً أو فيها شائبة حرية. قال الخرشي بلغنا عن بعض البربر وبعض بلاد فرباش أنهم يحللون أزواجهم للضيفان يعتقدونه كرماً جهلاً منهم فعليهم الأدب إن جهلوا ذلك.
قوله: [أو أبحته لك إلخ]: لا معنى لقوله "إلخ" فالمناسب حذفه.
قوله: [وله الزيادة]: أي إن زاد ثمنها يوم البيع عن قيمتها يوم الوطء.
وقوله: [وعليه النقص]: أي إن نقص ثمنها يوم البيع عن قيمتها يوم الوطء.
стр. 952
(وإن أبيا): امتنع كل من المحلل والمحلل له من التقويم فلا بد من التقويم دفعاً لإعارة الفروج. (بخلاف المكرهة) فلا تؤدب لعذرها بالإكراه أما المكره -بفتح الراء- فالمشهور يحد ويدفع الصداق للمكرهة -بفتح الراء- ثم يرجع به على المكره بكسر الراء.
(وثبت) الزنا (بإقراره) ولو مرة (إن لم يرجع): عن إقراره، فإن رجع فلا يثبت، كان رجوعه بشبهة، كقوله: وطئت زوجتي في حيضها وظننت أنه زنا، أو بدون شبهة؛ ولذا قال: (مطلقاً).
وقوله: (أو يهرب) هذا إذا كان الهروب قبل الحد بل (وإن في أثنائه) لكن المناسب قلب المبالغة؛ لأن النزاع في هروبه قبل الحد، كما قال البساطي والتتائي وابن مرزوق، لا فرق في الهروب قبل أو فيه.
(وبالبينة) العادلة أربعة رجال يرونه كالمرود في المكحلة في وقت واحد إلى آخر ما تقدم. ومتى ثبت بالبينة فلا يسقط الحد بشهادة أربع [١] رجال أو نساء ببقاء بكارتها وقيل يسقط؛ هذا هو التحقيق.
(أو بحمل): أي وثبت أيضاً بظهور حمل (غير متزوجة) بمن يلحق به الولد، بأن لا تكون متزوجة أصلاً أو متزوجة بصبي أو مجبوب أو أتت به كاملاً لدون ستة أشهر من دخول زوجها.
(و) غير (ذات سيد مقر به): أي بالوطء، بأن أنكر وطأها، فخرج ظهوره بمتزوجة بمن يلحق [٢] وبذات سيد مقر بالوطء.
(ولا يقبل دعواها): أي من ظهر بها الحمل (الغصب بلا قرينة) تصدقها، بل تحد. بخلاف ما لو تعلقت بالمدعى عليه، واستغاثتها عند النازلة فلا تحد.
ثم فرع على ثبوت الزنا ترتب الحد بأنواعه فقال:
(فيرجم المحصن): وهو من وطئ مباحاً بنكاح لازم مع انتشار بلا نكرة، وهو حر مسلم مكلف، ومتى اختل شرط لا يكون محصناً فلا يرجم.
(بحجارة): متعلق بـ "يرجم" (معتدلة): بين الصغر والكبر قدر ما يطيق الرامي بدون تكلف.
ــ
قوله: [وإن أبيا]: مبالغة في التقويم أي هذا إذا رضيا بل وإن أبيا.
قوله: [فالمشهور يحد]: أي مطلقاً سواء انتشر أم لا كما في ابن عرفة والشامل وظاهر كلامه أنه يحد ولو كانت هي المكرهة له على الزنا بها وهو كذلك إلا أنه لا صداق لها عليه حينئذ، ومحل الخلاف في حده إذا أكره على الزنا بها وكانت طائعة ولا زوج لها ولا سيد وإلا حد اتفاقاً نظراً لحق الزوج والسيد وقهرها بالإكراه.
قوله: [ولو مرة]: أي خلافاً لأبي حنيفة وأحمد حيث قالا: لا يثبت الزنا بالإقرار إلا إذا أقر أربع مرات.
قوله: [أو بدون شبهة]: أي على ما لابن القاسم وابن وهب وابن عبد الحكم خلافاً لأشهب حيث قال: لا يعذر إلا إذ رجع لشبهة. واعلم أن رجوعه عن الإقرار بالزنا إنما ينفعه في سقوط الحد لا في لزوم الصداق فلا يسقط عنه مهر المغصوبة التي أقر بوطئها ثم رجع.
قوله: [أو يهرب]: معطوف على "يرجع" مسلط عليه لم أي فمحل لزوم الإقرار إن لم يكن منه رجوع عنه بالإنكار إلخ، أو هروب إلخ. وزيادة الشارح لفظ. "وقوله" قبل المتن لا معنى لها، وسقوط الحد بالهروب إنما هو إذا كان ثبوت الزنا عليه بإقراره كما هو الموضوع، أما لو كان ثبوته ببينة أو حمل فلا يسقط عنه الحد بالهروب مطلقاً.
قوله: [لكن المناسب قلب المبالغة] إلخ: ويمكن أن يجاب ببقاء المبالغة على ظاهرها لدفع ما يتوهم أن فراره في الحد من شدة الألم لا رجوعاً منه عن الإقرار كما قرره ابن مرزوق، وفي حديث «ماعز بن مالك: لما هرب في أثناء الحد فاتبعوه فقال: ردوني إلى رسول الله ﷺ فلم يردوه ورجموه حتى مات، ثم أخبروا رسول الله ﷺ بقوله فقال: هلا تركتموه لعله يتوب فيتوب الله عليه»، دليل على أن الهروب في أثناء الحد نافع، وأما قبله فشيء آخر فلذلك اختلفوا فيه.
قوله [إلى آخر ما تقدم]: أي في قول المصنف وللزنا واللواط أربعة إن اتحدا كيفية ورؤيا وأداء بأنه أولج الذكر في الفرج كالمرود في المكحلة.
قوله: [فلا يسقط الحد]: أي على مذهب المدونة.
قوله: [وقيل يسقط]: قصده بـ "قيل" النسبة لا التضعيف بدليل ما بعده
قوله: [هذا هو التحقيق]: أي لأن شهادتهم شبهة وهي طريقة اللخمي أفاده (بن) نقلاً عن التوضيح وابن عرفة.
قوله: [لدون ستة أشهر]: أي إلا ستة أيام فأكثر، وأما الخمسة الأيام فملحقة بالستة الأشهر.
قوله: [ولا يقبل دعواها] إلخ: أي ولا دعواها أن هذا الحمل من مني شربه فرجها في حمام ولا من وطء جني وأما دعواها الوطء بشبهة أو غلط وهي نائمة فتقبل لأن هذا يقع كثيراً كذا في الحاشية.
قوله: [بخلاف لو تعلقت]: "لو" مصدرية بدليل ما بعده أي بخلاف تعلقها واستغاثتها.
قوله: [فيرجم المحصن]: أي يرجمه الإمام أو نائبه وليس له أن يرجم نفسه؛ لأن من فعل موجب القتل لا يجوز له أن يقتل نفسه، بل ذلك للإمام أو نائبه والأولى أن يستر على نفسه ويخلص التوبة فيما بينه وبين الله.
قوله: [المحصن]: وشروط الإحصان عشرة أفاد الشارح منها تسعة. والعاشر أن تكون موطوءته مطيقة ولو لم تكن بالغاً وسيأتي بأنواع أخر ثلاثة. رجم لمحصن أو لائط مطلقاً، وجلد مع تغريب للبكر الحر الذكر، وجلد فقط للأنثى البكر والعبد.
قوله: [بين الصغر والكبر]: أي لا بحجارة عظام خشية التشويه ولا بحصيات صغار خشية التعذيب
стр. 953
ومحل الرجم الظهر والبطن (حتى يموت و) يرجم (اللائط) والملوط به (مطلقاً) أحصن أم لا بشرط التكليف؛ فلا يشترط في الفاعل أن يكون مفعوله بالغاً بل مطيقاً، وشرط رجم المفعول: بلوغ فاعله فلا يرجم من مكن صبياً. (وإن عبدين وكافرين): كالحرين المسلمين ولا يسقط الحد بإسلام الكافر.
(ويجلد) المكلف (البكر): أي غير المحصن (الحر): ذكراً أو أنثى (مائة وتشطر للرق): فعليه خمسون جلدة (وإن قل) الجزء الرقيق، وكذلك المكاتب وأم الولد ومعتق لأجل ومدبر.
(أو تزوج) الرقيق وزنى حال رقه فعليه نصف ما على الحر (وتحصن): أي صار (كل) من الزوجين الرقيقين على البدلية محصناً (دون صاحبه) إذا لم يحصل له سبب الإحصان، وقوله: (بالعتق) متعلق بـ "تحصن" (والوطء بعده): أي بعد العتق فإذا عتق وزوجته مطيقة غير بالغة، أو كانت كتابية أو أمة وأصابها بعد العتق، تحصن دونها. وقد يتحصنان إذا عتقا معاً وحصل وطء بعد العتق إلى آخر شروط الإحصان المتقدمة.
(كإسلام الزوج): فإنه إذا أسلم وأصاب زوجته يتحصن ولا يصح العكس.
(وغرب) بعد الحد (الذكر) البكر (الحر فقط): دون العبد ولو رضي سيده، ودون الأنثى ولو رضيت ورضي زوجها.
(فيسجن): في البلد الذي غرب إليه (عاماً) كاملاً من يوم سجنه (كفدك) بالصرف وعدمه: قرية بينها وبين المدينة على ساكنها أفضل الصلاة وأتم التسليم وعلى آله وصحبه يومان وقيل ثلاث مراحل (وخيبر): قرية أيضاً على ثلاثة أيام (من المدينة) على ساكنها أفضل الصلاة وأتم السلام وعلى آله وأصحابه وقد ثبت أنه عليه أفضل الصلاة والسلام
ــ
بل بقدر ما يحمل الرامي بلا كلفة كما قال ابن شعبان لسرعة الإجهاز عليه.
قوله: [ومحل الرجم الظهر والبطن]: أي ويخص بالمواضع التي هي مقاتل من الظهر وغيره من السرة إلى ما فوق، ويتقي الوجه والفرج والمشهور أنه لا يحفر للمرجوم حفرة، وقيل يحفر للمرأة فقط، وقيل للمشهود عليه دون المقر؛ لأنه يترك إن هرب ويجردا على الرجل دون المرأة لأنه عورة ولا يربط المرجوم، ولا بد من حضور جماعة قيل ندباً وقيل وجوباً لقوله تعالى: ﴿وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين﴾ [النور: ٢] فإنه في مطلق الزاني، وأقل الطائفة أربعة على أظهر الأقوال قيل ليشتهر الزجر وقيل ليدعوا لهما بالرحمة والتوبة ولم يعرف مالك بداءة البينة بالرجم ثم الحاكم به ثم الناس عقبه والحديث الدال على ذلك لم يصح عند الإمام وإن تمسك به أبو حنيفة.
قوله: [فلا يرجم من مكن صبياً]: أي وإن كان هو بالغاً ويشترط في المفعول أيضاً طوعه فتحصل أنه يشترط فيهما التكليف، ويزاد في المفعول طوعه وكون الفاعل به بالغاً.
قوله: [وإن عبدين وكافرين]: قال (عب) لم يكتف بدخولهما تحت الإطلاق للرد على من يقول: إن العبد يجلد خمسين وأن [١] الكافر يرد إلى حكام ملته.
قوله: [أي غير المحصن]: أي من لم يستوف شروط الإحصان.
قوله: [وكذلك المكاتب] إلخ: أي فمتى كان في الشخص شائبة رق كان حده الجلد وتشطر.
قوله: [أو تزوج الرقيق]: في حيز المبالغة لأن تزوجه لا يصيره محصناً لفقد الحرية.
قوله: [وقد يتحصنان]: الحاصل أن الذكر المكلف الحر المسلم يتحصن بوطء زوجته المطيقة ولو صغيرة أو كافرة أو أمة أو مجنونة، والأنثى الحرة البالغة تتحصن بوطء زوجها إن كان بالغاً ولو عبداً أو مجنوناً فعلم أن شرط تحصن الذكر زيادة على الشروط المتقدمة إطاقة موطوءته وشرط تحصين الأنثى زيادة على الشروط المتقدمة بلوغ واطئها فقط، ولا يقال: وإسلامه لأن الكافر لا يصح نكاحه لمسلمة فهو خارج بالنكاح الصحيح.
قوله: [فإنه إذا أسلم وأصاب زوجته يتحصن]: أي ولو كانت هي كتابية.
قوله: [ولا يصح العكس]: أي فلا يصح أن المسلمة في عصمة الكافر.
قوله: [وغرب بعد الحد]: أي بعد الجلد مائة، وإنما غرب زيادة في عقوبته لأجل أن ينقطع عن أهله وولده ومعاشه وتلحقه الذلة، ومحل تغريب الحر الذكر إذا كان متوطناً في البلد الذي زنى فيه، وأما الغريب الذي زنى بفور نزوله في بلد فإنه يجلد ويسجن به لأن سجنه في المكان الذي زنى فيه تغريب له، وأشعر قوله "غرب" أنه لو غرب نفسه لا يكفي لأن تغريب نفسه قد يكون من شهواته فلا يكون زاجراً له.
قوله: [ولو رضيت ورضي زوجها]: أي لما يخشى عليها من الزنا بسبب ذلك التغريب وظاهره أنها لا تغرب ولو مع محرم وهو المعتمد خلافاً لقول اللخمي تنفى المرأة إذا كان لها ولي أو تسافر مع جماعة رجال ونساء كخروج الحج، فإن عدم جميع ذلك سجنت بموضعها عاماً لأنه إذا تعذر التغريب لم يسقط السجن هذا كلامه وقد علمت ضعفه.
قوله: [عاماً كاملاً من يوم سجنه]: ظاهره ولو كان عليه دين وهو كذلك؛ لأن الدين يؤخذ من ماله إن كان له مال وإلا فهو معسر ينظر، وأجرة حمله في الغربة ذهاباً وإياباً ومؤنته بموضع سجنه عليه، فإن لم يكن له مال فمن بيت المال إن كان وإلا فعلى المسلمين فإن عاد الذي غرب إلى وطنه قبل مضي السنة
стр. 954
نفى من المدينة إلى خيبر.
(وجاز للسيد إقامته): أي إقامة حد الزنا على رقيقه الذكر أو الأنثى (إن لم يتزوج) رقيقه (بغير ملكه): أي ملك سيده، بأن لم يكن عنده زوجة أصلاً، أو عنده زوجة هي ملك لسيده؛ فإن كان عنده زوجة حرة أو أمة لغير سيده فلا يقيم الحد عليه سيده (وثبت) الزنا على الرقيق (بغيره): أي غير سيده؛ بأن ثبت بإقراره، أو ظهور حمل، أو أربعة عدول ليس السيد أحدهم، فإن كان السيد أحدهم رفع للإمام.
(باب) في القذف [ ١]
مبتدأ: ويسمى فرية ورمياً وهو من الكبائر (رميُ) خبر (مكلف): هو فاعل الرمي، مجرور بالإضافة. (ولو) كان الرامي (كافراً) أو سكران بحرام، وخرج غير المكلف من صبي ومجنون وسكران بحلال وقوله: (حراً) مفعول المصدر: وهو المقذوف.
(مسلماً) مستمر إسلامه لوقت إقامة الحد؛ فإن ارتد المقذوف فلا حد على قاذفه ولو أسلم، كما لا حد على قاذف عبد أو كافر أصلي.
وقوله: (بنفي نسب) مرتبط بـ "رمي": أي قطعه (عن أب) دنية (أو جد) من جهة الأب وإن علا، ولو كان أبو المقذوف الحر المسلم عبداً أو كافراً
ــ
أخرج مرة ثانية إلى الموضع الأول أو غيره لإكمال السنة.
قوله: [نفى من المدينة إلى خيبر]: أي ونفى علي من الكوفة إلى البصرة.
قوله: [فلا يقيم الحد عليه سيده]: أي وإنما يقيمه الحاكم.
قوله: [وثبت الزنا على الرقيق بغيره]: أي فالسيد يجوز له أن يقيم الحد على عبده بهذين الشرطين: الأول أن لا يكون متزوجاً بغير ملكه. والثاني أن لا يكون موجب الحد ثابتاً بعلمه، والأول منهما قيد في إقامة السيد والثاني قيد فيه وفي كل حاكم.
تتمة: إن ثبت الزنا على امرأة متزوجة مضى لها مع زوجها عشرون سنة فأريد رجمها، فقالت: لست بمحصنة، وأنكرت وطء زوجها في تلك المدة وخالفها الزوج وادعى وطأها فلا عبرة بقولها وترجم، وعن الإمام في الرجم يقيم مع زوجته مدة طويلة ثم تشهد عليه البينة بالزنا فينكر الإحصان لعدم وطئه زوجته يسقط عنه الرجم ويجلد ما لم يقر به بعد ذلك أو يولد له منها، ثم اختلف الأشياخ في المحلين فمنهم من حملهما على الخلاف. واختلف في تعيين المذهب فعينه يحيى بن عمر في حكم الثانية وهو المعتمد وعينه سحنون في حكم الأولى، ومنهم من وفق بينهما والمعتمد الخلاف؛ وإن قالت امرأة: زنيت معه، فادعى الوطء والزوجية من غير بينة تشهد له أو وجدا ببيت وأقرا بالوطء وادعيا النكاح معاً وصدقهما الولي وقالا: لم نشهد حداً إلا أن يكونا طاريين أو يحصل فشو في المسألة الثانية.
خاتمة: إذا أقر الرجل بعد ولادة زوجته منه بمفسد لوطئه من غير ثبوت له، كأن قال: عقدت عليها عالماً بأنها رقيقة أو أنها خامسة، فإنه يحد لحق الله ويلحق الولد به، قال النفراوي على الرسالة: وحده ولحوق الولد به مستغرب؛ لأن مقتضى الحد أنه زنا ومقتضى اللحوق أنه ليس بزنا، أفاده في المجموع.
باب في القذف
هو بالذال المعجمة وأصله الرمي بالحجارة ونحوها ثم استعمل مجازاً في الرمي بالمكاره.
قوله: [ويسمى فرية ورمياً]: أما تسميته فرية كأنه من الافتراء والكذب وأما تسميته رمياً فقال تعالى: ﴿والذين يرمون المحصنات﴾ [النور: ٤].
قوله: [وهو من الكبائر]: أي ولذلك أوجب الله فيه الحد. فإن قلت: لو نسب شخص غيره للكفر لم يحد ولو نسبه للزنا حد فمقتضاه أن النسبة للزنا أشد من النسبة للكفر، وليس كذلك لأن الكفر يوجب الخلود في النار.
وأجيب بأن النسبة للكفر لا تسلم ويكذب فيها بخلاف النسبة للزنا فيمكن التسليم وتلحقه المعرة نظير ما قالوه فيمن سب النبي ﷺ يقتل مطلقاً. بخلاف من سب الله تعالى يقتل ما لم يتب أفاده في الحاشية.
قوله: [كافراً]: أي تحت ذمتنا.
قوله: [وخرج غير المكلف] إلخ: أي فلا يلزمه حد القذف.
قوله: [مفعول المصدر]: أي لقول ابن مالك:
وبعد جره الذي أضيف له ... كمل بنصب أو برفع عمله
قوله: [مستمر إسلامه]: المناسب نصبه لأنه نعت سببي لـ "مسلماً".
قوله: [كما لا حد على قاذف عبد]: أي بزنا أو بنفي نسب إلا أن يكون أبواه حرين مسلمين فيحد لهما، وكذا إن كان أبوه حراً مسلماً وأمه كافرة أو أمة عند ابن القاسم؛ لأنه إذا قال له: لست ابناً لفلان فقد قذف فلاناً بأنه أحبل أمه في الزنا قبل نكاحها فيصدق عليه أنه قذف حراً مسلماً، وقد توقف مالك في الحد في هذه الصورة نظراً لاحتمال اللفظ أن أم ذلك المقذوف حملت به من غير أبيه فلان المذكور فيكون القاذف قذف كافرة أو أمة.
قوله: [عن أب]: أي وأما قطعه عن الأم كقوله لست ابناً لفلانة فلا يسمى قذفاً لأنه لا يمكن قطعه عنها ويؤدب قائل ذلك.
قوله: [من جهة الأب]: مقتضاه أن نفيه عن جده لأمه كنفيه.
стр. 955
على الراجح.
(أو بزنا) عطف على "بنفي": أي رمى المكلف حراً بزنا.
(إن كلف) المقذوف -بأن كان بالغاً عاقلاً- زيادة على شرطي الحرية والإسلام، فمن جن من وقت البلوغ إلى وقت القذف فلا يحد قاذفه بالزنا (وعف عنه): أي عن الزنا قبل القذف وبعده لوقت إقامة الحد على القاذف، والراجح حمل المقذوف على العفة حتى يثبت القاذف خلافها بأربعة، ولا ينفع القاذف عدلاً على أن الإمام حد المقذوف فيما قذفه به بل يحد هو والشاهدان. (ذا آلة) حال من نائب فاعل "كلف": أي حالة كون المقذوف ملتبساً بآلة الزنا، فمن قذف مقطوع الذكر بالزنا فلا حد عليه إن قطع قبل البلوغ أو بعده ورماه بوقت كان فيه مجبوباً. فإن رماه بالزنا قبل الجب حد.
(أو أطاقت) المقذوفة (الوطء) والذكر المطيق إن رمي بكونه مفعولاً به يحد قاذفه.
(بما): أي بلفظ (يدل) على نفي النسب أو الزنا (عرفاً، ولو تعريضاً كـ أنا معروف النسب) فكأنه قال للمخاطب: أبوه ليس معروفاً (أو) قال: أنا (لست بزان) فكأنه قال للمخاطب: إنه زان، وكذلك قوله: (وأنا عفيف الفرج) فعليه - لو لم يزد الفرج. لا حد عليه بل الأدب إلا لقرينة تدل عليه فيحد كما يأتي.
(وكقحبة) أي زانية، وأدخلت الكاف نحو: فاجرة وعاهرة، لكن العرف الآن لا يدل فيهما على الزنا، فيحمل على وجود قرينة. (وصبية) بضم الصاد المهملة: لأنه يدل عرفاً على الزنا (وعلق) بكسر العين المهملة (ومخنث): يدلان على أنه مفعول به فيحد قائل ذلك حيث كان المقذوف مطيقاً كما تقدم.
(بجلد) من ثبت عليه القذف (ثمانين جلدة) لنص القرآن.
(والرقيق): ذكراً أو أنثى ولو بشائبة [١]
ــ
قوله: [على الراجح]: أي كما في المدونة.
قوله: [إن كلف المقذوف]: قيد في الثاني وأما نفي النسب فلا يشترط تكليف المقذوف، بل يشترط حريته وإسلامه فقط وإن مجنوناً أو رضيعاً بل ولو حملاً.
قوله: [فمن جن] إلخ: مفهومه لو تقطع جنونه أن يحد راميه وهو ظاهر إن كان رميه حالة الصحة والبلوغ.
قوله: [وعف عنه]: أي كان سالماً من الزنا. قال ابن عرفة: وعفاف المقذوف الموجب لحد قاذفه هو السلامة من فعل الزنا قبل القذف وبعده ومن ثبوت حده لاستلزامه إياه.
قوله: [بأربعة]: أي عدول لقوله تعالى: ﴿والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء﴾ [النور: ٤] الآية. فالآية دليل على أن القاذف لا ينتفي عنه الحد إلا بأربعة عدول تشهد برؤية الزنا، ومقابل الراجح ما قاله (عب) من أن على المقذوف أن يثبت العفاف.
قوله: [بل يحد هو والشاهدان]: وأصل ما قاله الشارح في المجموع ونصه في النفراوي ولا ينفع القاذف عدلان على أن الإمام حد المقذوف فيما قذفه به، بل يحد هو والشاهدان وإنما ينفعه أربع على الفعل وفيه يعني النفراوي إذا شهد شاهد بأنه قذفه يوم الجمعة وآخر بأنه قذفه يوم الخميس لفق كالعتق والطلاق اهـ. ولكن مؤاخذة العدلين وحدهما مشكل.
تنبيه: قال الأجهوري: والظاهر أن قذف الخنثى المشكل تابع لحده كما سبق فإذا رماه شخص بالزنا بفرجه الذكر أو في فرجه الذي للنساء فلا حد عليه؛ لأنه إذا زنى بهما لا حد عليه وإن رماه بأنه أتي في دبره حد راميه لأنه إذا زنى به حد حد الزنا.
قوله: [أو أطاقت المقذوفة]: حاصله أن الأنثى يحد قاذفها متى كانت حرة مسلمة عفيفة مطيقة للوطء وإن لم تكن بالغة، والذكر المقذوف بكونه. مفعولاً مثلها.
والحاصل أن شروط إقامة الحد بالقذف تسعة: اثنان في القاذف، وهما البلوغ والعقل، وأحد أمرين في المقذوف به وهما نفي النسب والزنى، وستة في المقذوف لكن إن كان بنفي النسب اشترط فيه الحرية والإسلام فقط، ويزاد عليهما في القذف بالزنا أربعة البلوغ في الذكر الفاعل والإطاقة في الأنثى والذكر المفعول به والعقل والعفة والآلة.
قوله: [فعليه]: مفرع على محذوف تقديره فحده بقيد زيادة الفرج فعليه إلخ.
قوله: [لا حد عليه بل الأدب]: أي لأن العفة تكون في الفرج وغيره كالمطعم ونحوه.
قوله: [تدل عليه]: أي على الفرج.
قوله: [وكقحبة]: القحب في الأصل فساد الجوف أو السعال أطلق هذا اللفظ على الزانية لأنها ترمز لأصحابها بالقحب الذي هو السعال.
قوله: [وأدخلت الكاف نحو فاجرة] إلخ: أي يحد بأحد هذه الألفاظ الثلاثة إذا قالها لامرأة سواء كانت زوجة له أو أجنبية منه، وكذا إذا قالها لأمرد، وأما إن قال ذلك لرجل كبير نظر للقرائن فإن دلت على أن القصد رميه بالأبنة حد وإلا فلا هذا ما استحسنه في الحاشية.
قوله: [لكن العرف الآن] إلخ: أي فهذه الألفاظ تدور مع العرف.
قوله: [وعلق]: هو في الأصل الشيء النفيس واشتهر الآن في القذف بالمفعولية ففيه الحد، ولو حلف أنه لم يقصد قذفاً.
قوله: [حيث كان المقذوف مطيقاً]: أي وإن لم يكن مكلفاً.
قوله: [بجلد من ثبت عليه القذف]: جملة مستأنفة قصد بها بيان عدد الحد في القذف ومن التي قدرها الشارح نائب فاعل يجلد.
قوله: [لنص القرآن]: أي في قوله تعالى: ﴿والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء﴾ [النور: ٤] الآية والمراد بالمحصنات الحرائر العفيفات وإن لم يتزوجن. فإن قلت: إن الدليل أخص من المدعى لأنها في شأن من يرمي النساء والمدعى عام في الرجال والنساء. أجيب بأن الرجال مقيسون
стр. 956
والعبرة بحال القذف، ولو تحرر قبل إقامة الحد عليه (نصفها): أي نصف الثمانين.
(وإن كرر) القذف مراراً (لواحد أو جماعة) قال لهم: يا زناة فلا يتكرر الجلد بتكرر القذف ولا يتعدد [١] المقذوف (إلا) أن يكرر القذف (بعده): أي بعد الحد، فإنه يعاد عليه ولو لم يصرح، بأن قال بعد الحد: ما كذبت أو: لقد صدقت فيما قلت.
(وإن قذف) شخصاً كان هو المقذوف الأول أو غيره (في أثنائه): أي الحد ألغي ما مضى و (ابتدئ لهما): أي للقذفين حد واحد.
(إلا أن يبقى) من الأول (اليسير) ما دون النصف أو خمسة عشر فدون (فيكمل الأول) ثم يستأنف للثاني الحد.
(وأدب في: فاجر) حيث لم تقم قرينة على إرادة الزنا، فلا يعارض ما تقدم في: "كقحبة" (وحمار وابن النصراني أو ابن الكلب) أو اليهودي، أو الكافر؛ فإنه يؤدب لارتكابه القول المحرم الذي لم يدل عندنا على أنه نفي نسب ولا قرينة تدل عليه.
(وأنا عفيف) بدون زيادة لفظ الفرج، ولا قرينة تدل عليه كما تقدم.
(وإن قال) رجل (لامرأة): ليست زوجته: (زنيت، فقالت) في جوابه: (بك، حدت للقذف)؛ لأنها قذفته في قولها: "بك" (والزنا): أي: وتحد حد الزنا لتصديقها له؛ فهو إقرار منها ما لم ترجع.
(وله القيام به، وإن علمه من نفسه): أي للمقذوف القيام بحد قاذفه، وإن علم المقذوف أن ما رمي به متصف به؛ لأنه أفسد عرضه.
وليس للقاذف تحليف المقذوف على أنه بريء مما رماه به (كوارثه) ولو قام به مانع من الإرث فله القيام بحق مورثه المقذوف قبل الموت، بل (وإن قذف بعد الموت) لأن المعرة تلحق الوارث بقذف مورثه. وله أن لا يقوم به بل يعفو ما لم يوص الميت بالحد فليس للوارث عفو. (وللأبعد): من الورثة -كابن الابن- القيام بطلب حق مورثه من الحد فيقدم ابن فابنه إلخ إن سكت إلخ (مع وجود الأقرب) كالابن حيث سكت ولا كلام للزوجين.
(وله) أي [٢]: للمقذوف (العفو) عن قاذفه (إن لم يطلع الإمام أو) نائبه، وليس له العفو بعد علم من ذكر (إلا أن يريد) المقذوف (الستر): على نفسه من كثرة اللغط فيه.
(وليس له): أي لمن قذفه أبوه أو أمه تصريحاً (حد والديه) على الراجح.
ــ
على النساء بالمساواة.
قوله: [والعبرة بحال القذف]: أي العبرة بكونه رقيقاً في حال القذف.
قوله: [نصفها]: أي لأن جميع حدود الأحرار تتشطر بالرق.
قوله: [وإن كرر القذف] إلخ: أي وسواء كان القذف بكلمة واحدة أو بكلمات، ابن الحاجب ولو قذف قذفين لواحد فحد واحد على الأصح وهو مذهب المدونة، ومقابله يحد بعدد ما قذف وسواء كان بكلمة أو كلمات اهـ (بن).
قوله: [أو جماعة]: أي أو كان القذف لجماعة فهو عطف على واحد وسواء قذفهم في مجلس أو مجالس بكلمة أو كلمات. قال في المدونة: من قذف جماعة في مجلس أو متفرقين في مجالس شتى فعليه حد واحد فإن قام به أحدهم وضرب له كان ذلك الضرب لكل قذف كان عليه ولا حد لمن قام منهم بعد ذلك.
قوله: [حيث لم تقم قرينة]: أي ولم يكن العرف ذلك.
قوله: [ما لم ترجع]: أي عن الإقرار بالزنا فلا تحد له وتحد لقذفه على كل حال، ونص ابن عرفة من قال لامرأة يا زانية فقالت له بك زنيت فقال مالك: تحد للرجل وللزنا، ولا يحد لأنها صدقته إلا أن ترجع عن قولها فتحد للرجل فقط، وقال أشهب: إن رجعت وقالت: ما قلت ذلك إلا على وجه المجاوبة ولم أرد قذفاً ولا إقراراً فلا تحد ويحد الرجل اهـ هكذا في (بن) ولو قال شخص لآخر: يا زاني فقال له الآخر: أنت أزنى مني لم يحد القائل الأول لأنه قذف غير عفيف وحد الثاني للزنا والقذف، فإن قال له: يا معرص فقال له: أنت أعرص مني حد الأول لزوجة الآخر وأدب له، وحد الثاني لزوجته ولزوجة الأول حداً واحداً، وأدب له، هذا إذا لم يلاعن الثاني لزوجته، فإن لاعن لها حد لزوجة الأول إن قامت به بعد أن لاعن زوجته، فإن قامت به قبل فحده لها حد لزوجته ذكره محشي الأصل.
قوله: [وإن علمه من نفسه]: أي ولو علم بأن القاذف رآه يزني لأنه مأمور بالستر على نفسه لخبر: «من أتى منكم شيئاً من هذه القاذورات فليستتر فإنه من يبد لنا صفحة وجهه أقمنا عليه الحد»، ولأنه وإن كان في الباطن غير عفيف فهو عفيف في الظاهر قاله أبو الحسن اهـ (عب).
قوله: [كوارثه]: مثله وصي الميت المقذوف الذي أوصاه بالقيام باستيفاء الحد كما في الشامل.
قوله: [فليس للوارث عفو]: أي بل يجب على الحاكم تنفيذه.
قوله: [حيث سكت]: هذا التقييد لأشهب والمناسب بقاء المتن على إطلاقه من أن للأبعد القيام مع وجود الأقرب، وإن لم يسكت الأقرب لأن المعرة تلحق الجميع.
قوله: [ولا كلام للزوجين]: أي لأن أحدهما ليس ولياً للآخر ما لم يكن أحدهما أوصاه الآخر بإقامة الحد كما تقدم.
قوله: [إلا أن يريد المقذوف الستر على نفسه]: أي كأن يخشى أنه إن ظهر ذلك قامت عليه بينة بما رماه به أو يقال لم حد فلان؟ فيقال لقذفه فلاناً فيشتهر الأمر وربما يساء بالمقذوف الظن لقولهم من يسمع يخل ولقول الشارح:
قد قيل ما قيل إن صدقاً وإن كذباً ... فما اعتذارك من قول إذا قيلا
فيئول الأمر إلى أن إقامة الحد على القاذف أشنع من قذفه له.
قوله: [أبوه أو أمه]: مراده الأب وإن علا والأم كذلك.
قوله: [على الراجح]: أي وهو مذهب المدونة ومقابله يقول له حدهما في التصريح ويحكم
стр. 957
(باب)
ذكر فيه أحكام السرقة وتعريفها
فقال: (السرقة): التي يترتب عليها القطع (أخذ مكلف): من إضافة المصدر لفاعله (نصاباً) مفعول المصدر، وسيبينه بقوله: "والنصاب" إلخ (فأكثر) من نصاب (من مال محترم لغيره): سيذكر ﵁ المحترزات موضحة، ويدخل في المحترم: مال الحربي الذي دخل بأمان، فيقطع سارقه. (بلا شبهة قويت) للسارق. وليس من الشبهة السرقة من سارق، بل الشبهة ما ذكره في المحترزات. فمن سرق نصاباً ثم سرقه منه آخر فإنهما يقطعان. (خفية؛ بإخراجه من حرز غير مأذون فيه): أي في دخوله. وهذا إذا خرج السارق بالنصاب بل. (وإن لم يخرج هو): فالمدار على إخراج النصاب دخل السارق الحرز أم لا، خرج -إذا دخل- أم لا. (بقصد واحد) شمل ما إذا سرق أقل من نصاب وكرر الأخذ بقصد واحد حتى كمل النصاب، فيقطع كما في سماع أشهب. (أو حراً) عطف على "نصاباً" أخرجه من بيته إن كان لا يخرج منه أو من البلد، إن كان يخرج من البيت، أو سرقه من كبير حافظ له وسواء كان ذكراً أو أنثى (لا يميز لصغر أو جنون فقطع [١] يده اليمنى): من الكوع، لما بينه ﷺ من عموم الآية. وظاهره: ولو أعسر، لكن الذي في المجموع والحطاب والأجهوري: يبدأ بقطع يده اليسرى (إلا لشلل): باليمنى أو قطع بسماوي أو قصاص سابق (أو نقص أكثر الأصابع) من اليمين كثلاثة (فرجله اليسرى): أي فينتقل الحكم لقطع رجله اليسرى، وتكون ثانية المراتب. وهذا هو المذهب.
ثم إن سرق بعد قطع رجله اليسرى: (فيده) اليسرى تقطع ثم إن سرق (فرجله) اليمنى. (ثم) إن سرق سالم الأعضاء
ــ
بفسقه، وأما في التعريض فلا يحد الأبوان اتفاقاً واستشكل تفسيقه على القول بجواز حده لهما لأنه لم يفعل حراماً. وأجيب بأن المراد بتفسيقه عدم قبول شهادته وهذا يحصل بارتكاب مباح يخل بالمروءة كأكل في سوق لغير غريب.
باب ذكر فيه أحكام السرقة إلخ
هي بفتح السين مع كسر الراء ويجوز إسكانها يقال سرق بفتح الراء يسرق بكسرها سرقاً بسكون الراء وسرقة بكسرها وفتح القاف فهو سارق والشيء مسروق وصاحبه مسروق منه.
قوله: [أخذ مكلف]: أي بالغ عاقل وهو تعريف لها بالمعنى المصدري، ولو عرفها بالمعنى الاسمي لقال نصاب مأخوذ من المال إلخ أو صبي إلخ.
قوله: [فيقطع سارقه]: أي إن استوفى شروط القطع.
قوله: [ما ذكره في المحترزات]: أي في قوله "وإلا إن قويت الشبهة كوالد" إلخ.
قوله: [ثم سرقه منه آخر]: أي بأن أخرجه الثاني من حرز السارق بعد أن أخرجه السارق من حرز صاحبه.
قوله: [أم لا]: أي أم لم يدخل كما إذا أخرجه بعصا وهو خارج الحرز.
قوله: [خرج إذا دخل أم لا]: أي أم لم يخرج كما إذا رمى لغيره وأمسك وهو داخل الحرز.
قوله: [وكرر الأخذ بقصد واحد]: أي إذا أدخل يده في صندوق وصار يأخذ نصفاً بعد نصف حتى كمل النصاب، فإن كان قصده من أول الأمر تكميل النصاب قطع وإلا فلا وهذا القصد لا يعلم إلا منه.
قوله: [أو حراً]: أي حياً بدليل ما يأتي، وأما العبد فقد دخل في قوله: "نصاباً" لأنه مال فينظر لقيمة العبد المسروق، فإن كانت قدر النصاب قطع وإلا فلا، وأما الحر فيقطع سارقه ولا ينظر لقيمته.
قوله: [أو من البلد] إلخ: محله إن كان يمشي في جميعها عادة، فإن كان البلد كبيراً وشأنه لا يخرج من ناحية مخصوصة فإخراجه من تلك الناحية لجهة أخرى يعد سرقة.
قوله: [وسواء كان ذكراً أو أنثى]: تعميم في الحر المسروق.
قوله: [فتقطع يده اليمنى]: الضمير عائد على المكلف السارق للنصاب أو الحر، وسواء كان ذلك المكلف مسلماً أو كافراً حراً أو عبداً ذكراً أو أنثى.
قوله: [من عموم الآية]: أي وهي قوله تعالى: ﴿والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما﴾ [المائدة: ٣٨] فالآية شاملة لليمنى واليسرى من الكوع أو غيره.
قوله: [لكن الذي في المجموع]: استدراك على قوله "ولو أعسر"، وما حكاه عن المجموع و (ح) والأجهوري أصله للخمي، وكتب الشيخ عبد الله عن شيخه سيدي محمد الزرقاني أن ما قاله اللخمي هو المذهب، قال في حاشية الأصل: والظاهر أن كلام اللخمي محمول على أعسر لا يتصرف باليمين إلا نادراً بدليل ما يأتي في الشارح، وأما الأضبط فتقطع يمناه اتفاقاً.
قوله: [إلا لشلل باليمنى]: أي لفساد فيها وظاهره ولو كان ينتفع بها وهو كذلك خلافاً لابن وهب لكنه مقيد بما إذا كان الشلل بيناً أما إذا كان خفيفاً فلا يمنع القطع قاله (ح).
قوله: [أو قطع بسماوي] إلخ: أي وأما لو قطعت بسرقة سابقة فإنها تقطع رجله اليسرى اتفاقاً. والحاصل أنه إن كانت يده اليمنى بها شلل أو قطع بسماوي أو قصاص أو نقص لأكثر الأصابع فالراجح أنه تقطع رجله اليسرى لا يده اليسرى، وإن كانت يده اليمنى قطعت بسرقة سابقة قطعت رجله اتفاقاً.
قوله: [وتكون ثانية المراتب]: أي بأن ينزل منزلة من قطعت يده اليمنى لسرقة ثم عاد للسرقة.
стр. 958
بعد الرابعة أو سرق الأشل مرة رابعة (عزر) باجتهاد الحاكم (وحبس) إلى أن تظهر توبته، ولا يقتل على المشهور. فلو تعمد الإمام قطع يسراه أولاً بدون عذر أجزأ على الراجح خلافاً لما في الأصل.
(والنصاب) المتقدم الذي يقطع بسرقته (ربع دينار) شرعي (أو ثلاثة دراهم) شرعية (خالصة) من الغش، أو ناقصة راجت كالكاملة، أو مجمع منهما أو من أحدهما مع عرض. (أو ما يساويها): من العرض والحيوان، رقيقاً أو غيره ولو تعدد مالك النصاب، فمتى سرق ما قيمته ثلاثة دراهم قطع، فإن لم يساوها ولو ساوى ربع دينار لا يقطع، إلا أن لا يوجد في البلد، إلا الذهب. والمساواة معتبرة (بالبلد) التي بها [١] السرقة، فإن لم يكن بالبلد أحد النقدين قومه بالدراهم بالنظر لأقرب بلد يوجد فيها دراهم إلخ.
والمعتبر قيمة الشيء وقت إخراجه من الحرز لا قبله ولا بعده. والعبرة بالتقويم شرعاً بأن تكون المنفعة شرعية (وإن) كان المسروق محقراً (كماء) أو حطب أو تبن مما أصله مباح، خلافاً لأبي حنيفة في عدم القطع في المباح الأصل المملوك بوضع اليد عليه. وكذلك لو كان فاكهة رطبة خلافاً له رضي الله عن الجميع (أو جارح): يساوي ثلاثة دراهم (لتعليمه) الصيد؛ لأنه منفعة شرعية، ولم ينه ﷺ عن بيعه.
(أو سبع لجلده بعد ذبحه): أي لكون جلده يساوي بعد ذبحه ثلاثة دراهم. ولا يراعى قيمة لحمه؛ لأنه لو سرق لحمه وحده لا يقطع ولو ساوى نصاباً (أو جلد ميتة) ولو غير مأكولة فمن سرقه بعد الدبغ فيقطع (إن زاده الدبغ): على قيمة أصله (نصاباً): كما لو كانت قيمته قبل الدبغ درهمين على تقدير جواز بيعه وبعد الدبغ خمسة، فيقطع سارقه لا أقل. أو سرقه قبل الدبغ ولو على فرض أن قيمته نصاب.
(أو شاركه): أي السارق المكلف (غير مكلف): كصبي ومجنون فيقطع المكلف وحده (لا) إن شاركه (والد): لرب المال فلا قطع لدخوله مع ذي شبهة قوية ولو الجد للأم.
ثم شرع في محترزات ما قدمه زيادة في الإيضاح فقال: (فلا قطع لغير مكلف): دخل في الغير: من سكر بحلال.
(ولا) قطع (في) سرقة (أقل من نصاب) حين إخراجه من الحرز.
(ولا) قطع في سرقة (غير محترم كخمر): وخنزير ولو لكافر سرقه مسلم أو ذمي. نعم يغرم قيمتها للذمي إن أتلفها وإلا رد عينها
ــ
قوله: [بعد الرابعة]: أي التي قطعت فيها رجله اليمنى وصار مقطوع الأطراف الأربعة، فقوله "سالم الأعضاء" أي باعتبار ما كان.
قوله: [أو سرق الأشل مرة رابعة]: أي بعد قطع رجله اليمنى أي لأن المراد أشل اليد اليمنى كما هو موضوع الكلام السابق ومعلوم أن أشل اليد اليمنى إذا سرق أولاً تقطع رجله اليسرى، ثم يده اليسرى، ثم رجله اليمنى، ثم الرابعة عزر، وأما أشل اليد اليسرى فتقطع أولا يده اليمنى ثم رجله اليسرى ثم رجله اليمنى ففي الرابعة يحصل التعزير أيضاً فقوله "الأشل" صادق بأشل اليسرى أيضاً بل وبأحد الأعضاء الأربعة.
قوله: [وحبس]: أي وأجرة الحبس عليه إن كان له مال كنفقته وإلا فمن بيت المال إن وجدوا وإلا فعلى المسلمين.
قوله: [فلو تعمد الإمام]: لا مفهوم له بل مأموره كذلك، وأما الأجنبي فلا يجزي والحد باق ويلزمه القصاص في العمد والدية في الخطأ.
قوله: [ربع دينار شرعي]: أي وهو أكبر من المصري والربع بالوزن لا بالقيمة.
قوله: [أو ثلاثة دراهم شرعية]: أي كاملة ولو على حسب اختلاف الموازين فإن نقصت باتفاق الموازين لم يقطع إن كان التعامل بها وزناً فإن كان التعامل بالعدد فإن لم يرج كالكامل لم يقطع أيضاً وإن كان النقص لاختلاف الموازين، وتقدم أن الدرهم الشرعي خمسون وخمسا حبة من مطلق الشعير.
قوله: [ولو تعدد مالك النصاب]: أي فلا يشترط اتحاد المالك له.
قوله: [إلا أن يوجد في البلد إلا الذهب]: أي وإلا فالعبرة به.
قوله: [بالنظر لأقرب بلد]: أي كما قال عبد الحق نقلاً عن بعض شيوخ صقلية وصوبه ابن مرزوق.
واعلم أنه يكفي في التقويم واحد إن كان موجهاً من طرف القاضي لأنه من باب الخبر لا الشهادة، فإن لم يكن المقوم موجهاً من طرف القاضي فلا بد من اثنين ويعمل بشهادتهما وإن خولفا بأن قال غيرهما لا يساويها كما هو مذهب المدونة، ولا يقال مقتضى درء الحد بالشبهات عدم القطع إذا خولفا لأن النص متبع ولأن المثبت مقدم على النافي.
قوله: [خلافاً له]: أي لأبي حنيفة ووافقه الشافعي في الأول، ووافقنا في الثاني.
قوله: [أو جارح]: أي من الطير.
وقوله: [لتعليمه الصيد]: أي وإن كان لا يساويها بالنظر للحمه وريشه، فإن لم يكن معلماً قطع سارقه إن ساوى لحمه فقط أو ريشه فقط، أو لحمه وريشه معاً نصاباً وإلا فلا ومثل تعليم الجارح الصيد تعليم الطير حمل الكتب للبلدان كما أفاده (بن).
قوله: [لا يقطع ولو ساوى نصاباً]: أي لما مر من النظر لكراهته أو من مراعاة القول بحرمته.
قوله: [فمن سرقه بعد الدبغ فيقطع]: أي لأنه ينتفع به شرعاً في اليابسات والماء، وإن كان الدبغ لا يطهر على المعتمد فيقطع المكلف وحده أي ولو كان ذلك المجنون أو الصبي صاحب المال المسروق كما إذا كان تحت يد الولي لأن مصاحبة الصبي والمجنون كالعدم.
قوله: [ولو الجد للأم]: قال ابن الحاجب: وفي الجد قولان، قال في التوضيح: اختلف في الأجداد من قبل الأم والأب فقال ابن القاسم: أحب إلي أن لا يقطع لأنه أب لأنه ممن تغلظ عليه الدية وقد ورد: «ادرءوا الحدود بالشبهات» وقال أشهب: يقطعون لأنه لا شبهة لهم في مال أولاد
стр. 959
لا إن كانت لمسلم لوجوب إراقتها عليه.
(و) لا قطع في سرقة (آلة لهو) كطنبور (إلا أن تساويه): أي النصاب (بعد) تقديره (كسرها ولا) يقطع من سرق (كلباً مطلقاً): ولو معلماً أو للحراسة، لأنه نهى ﷺ عن بيعه. بخلاف غيره من الجوارح المعلمة، ولو كانت قيمة الكلب نصاباً.
(كأضحية ذبحت): وسرقت وهي تساوي نصاباً، فلا يقطع سارقها لخروجها لله بالذبح: وكذلك الهدي. أما لو سرقت قبل الذبح لقطع سارقها ولو نذرها ربها. كما لو سرق قدر نصاب من لحمها أو جلدها الذي ملكه الفقير بصدقة أو هبة فيقطع.
(ولا) قطع في سرقة ما هو مستمر (في ملكه كمرهون): أي كشيء يساوي نصاباً مرهوناً عند غيره (كان ملكه) بنحو إرث (قبل إخراجه) من الحرز ثم خرج به، فلا قطع بخلاف لو ملكه بعد إخراجه فيقطع.
(ولا إن قويت الشبهة؛ كوالد) سرق نصاباً من ملك ولده، فلا قطع بخلاف العكس (وجد وإن لأم) سرق من مال ولد ولده.
(بخلاف بيت المال) سرق منه نصاباً فيقطع، ومنه الشون (والغنيمة): بعد حوزها إن كثر الجيش، كأن قل [١] وأخذ فوق حقه نصاباً.
(و) بخلاف (مال الشركة إن حجب عنه): بأن كان عند أمين أو كان مفتاحه مع غيره (وسرق فوق حقه): الذي يخصه من جميع المال إن كان مثلياً (نصاباً) كأن سرق من اثني عشر درهماً مشتركة بينهما تسعة، فإن كان مقوماً، فمما سرق، لا من جميع المال.
(ولا) قطع (إن اختلس): أي أخذه بحضرة صاحبه جهراً هارباً به سواء جاء جهاراً أو سراً.
(أو كابر): أي ادعى أنه ملكه وأخذه قهراً؛ فإنه ليس بسارق بل غاصب.
(أو هرب) بالمسروق (بعد أخذه) أي القدرة عليه (في الحرز)
ثم فسر الحرز بقوله:
ــ
أولادهم ولا نفقة لهم عليهم، ولا خلاف في قطع باقي القرابات اهـ. وقال (بن) وقد تبين به أن الخلاف في الجد مطلقاً لا في خصوص الجد للأم.
قوله: [لا إن كانت لمسلم]: أي فلا يغرم له شيئاً.
وقوله: [لوجوب إراقتها عليه]: علة للنفي.
قوله: [إلا أن تساويه]: أي تلك الآلة كالخشبة ونحوها.
قوله: [بخلاف غيره من الجوارح المعلمة]: أي فمراده بالجارح المتقدم غير الكلب وهذا هو مذهب المدونة خلافاً لأشهب القائل بالقطع في المأذون في اتخاذه.
قوله: [وكذلك الهدي]: مثله الفدية وانظر لو سرق الهدي بعد التقليد أو الإشعار هل يقطع سارقه أم لا.
قوله: [ولو نذرها ربها]: أي لأنها لا تتعين بالنذر.
قوله: [كمرهون]: مثله المستأجر وإنما لم يقطع لأنه سارق لملكه، وهذا في سرقة الراهن أو المؤجر، وأما سرقة المرتهن الرهن من الراهن قبل قبضه منه والمستأجر من المؤجر قبل قبضه فإنه يوجب القطع كذا في حاشية الأصل.
قوله: [بخلاف لو ملكه بعد إخراجه فيقطع]: أي لحق الله في انتهاك الحرمة وإن كان لا ضمان عليه في المال ولا فرق بين كونه ملكه بإرث أو شراء أو هبة.
قوله: [كوالد]: أي أباً أو أماً، وإنما لم يقطع لقوله في الحديث: «أنت ومالك لأبيك».
قوله: [بخلاف بيت المال]: أي منتظماً أو لا.
قوله: [إن كثر الجيش] إلخ: هذا التفصيل هو المعتمد كما لابن يونس خلافاً لما يقتضيه ظاهر كلام خليل من أن السارق من الغنيمة يقطع مطلقاً.
قوله: [وبخلاف مال الشركة] إلخ: حاصله أنه لا بد أن يسرق فوق حقه نصاباً من جميع مال الشركة ما سرق وما لم يسرق، وإن كان مثلياً كما إذا كان جملة المال المشترك بينهما اثني عشر لكل منهما ستة وسرق منه تسعة دراهم، وأما إذا كان مقوماً كثياب يسرق منها ثوباً فالمعتبر أن يكون فيما سرق نصاب فوق حقه في المسروق فقط كما إذا كانت الشركة في ثياب جملتها تساوي اثني عشر فسرق منها ثوباً يساوي ستة فيقطع، لأن حقه في نصفه فقد سرق فوق حقه في ذلك المسروق نصاباً، والفرق بين المثلي والمقوم حيث اعتبروا في المثلي كون النصاب المسروق فوق حقه في جميع المال المشترك ما سرق وما لم يسرق، واعتبروا في المقوم فوق حقه فيما سرق فقط أن المقوم لما كان ليس له أخذ حظه منه إلا برضا صاحبه لاختلاف الأغراض فيه كان ما سرقه بعضه حظه وبعضه حظ صاحبه وما بقي كذلك، وأما المثلي فلما كان له أخذ حظه منه وإن أبى صاحبه لعدم اختلاف الأغراض فيه غالباً لم يتعين أن يكون ما أخذه منه مشتركاً بينهما بل يقدر له بقدر نصيبه ولا يقطع إلا في النصاب الزائد عن جميع نصيبه.
قوله: [أي أخذه بحضرة صاحبه] إلخ، حاصله أن المختلس هو الذي يخطف المال بحضرة صاحبه في غفلته ويذهب بسرعة جهرة سواء كان مجيئه سراً أو جهراً كما قال الشارح.
قوله: [أي ادعى أنه ملكه]: ليس هذا بلازم، بل ولو اعترف بالغصب. والحاصل أن المكابر هو الآخذ للمال من صاحبه بقوة من غير حرابة سواء ادعى أنه ملكه أو اعترف بأنه غاصب.
قوله: [أي القدرة عليه في الحرز]: أي أنه بعد أن أمسك في داخل الحرز بالمال وقدر عليه فيه هرب منهم بالمال المسروق؛ لأنه صار هروبه على الوجه المذكور اختلاساً على ما لابن القاسم ومالك خلافاً لأصبغ القائل بالقطع بناء على أنه سرقة وهناك قول ثالث لبعض المتأخرين وهو أن السارق إن رأى رب المال خرج ليأتي له بالشهود فأخذ المال وهرب كان مختلساً لا يقطع وإن هرب بالمال
стр. 960
(والحرز: ما لا يعد الواضع فيه مضيعاً عرفاً): وهو يختلف باختلاف ما يجعل فيه كما يأتي. والمدار على إخراج النصاب، ولو في جوفه إذا كان لا يفسد كما قال:
(ولو ابتلع فيه): أي في الحرز (ما لا يفسد) بالابتلاع: كجوهر قدر نصاب ثم خرج فيقطع، بخلاف لو ابتلع فيه نحو لحم وعنب يساوي نصاباً، فلا قطع. بل عليه الضمان. كما لو أتلف شيئا في الحرز بحرق أو كسر.
(أو) كان السارق خارج الحرز و (أشار إلى حيوان بكعلف فخرج) من حرز مثله فيقطع.
(كخباء): الخيمة المنصوبة في سفر أو حضر، كان فيه أهله أم لا. فإنه حرز لما فيه، وحرز لنفسه أيضاً فإذا أخذ شيئاً منها أو أخذها وكان المأخوذ يساوي نصاباً فيقطع.
(أو حانوت): فإذا سرق منه نصاباً فيقطع، لأنه حرز لما فيه، ما لم يكن عليه قيسارية تغلق كالشرب والجمالون [١] بمصر، فلا قطع بالإخراج من الحانوت حتى يخرج من القيسارية (وفنائهما): أي الخباء والحانوت فإنه حرز لما فيه.
(وكل موضع اتخذ منزلاً) لشيء فإنه حرز لما فيه ولنفسه؛ كصندوق الصيرفي فمن أخرج منه نصاباً فإنه يقطع.
(ومحمل): فإنه حرز لما فيه ولنفسه، كان على ظهر الدابة أم لا. لكن التحقيق أنه إن لم يكن على ظهرها فينظر لما فيه إن كان المحمل حرزاً له كفرشه أو ليس حرزاً كدراهم.
(وظهر دابة): حرز لما عليه من سرج وخرج ودراهم كان رب الدابة حاضراً عندها أو غائباً، إلا المختلس والمكابر كما تقدم. لكن التحقيق يشترط أن يكون معها حافظ.
(وجرين): لأنه حرز لما فيه من زرع وثمر ولو بعد عن البلد
(وساحة دار) فإنه إن سرق منه غير الساكن فيها -ولو ملك ذات الدار وكان لا يدخل إلا بإذن- فيقطع، كان المسروق شأنه الوضع في الساحة كالأثقال، أو لا كثوب.
فإن كان ساكناً في الدار فيقطع إن سرق نحو الأثقال والدواب بنقله من محله نقلاً بيناً ولو لم يخرجه لا نحو ثوب؛ فإن سرق من بيت في الدار فأخرجه لساحته فيقطع إن كان ساكناً اتفاقاً، وعلى الراجح إن لم يكن من السكان.
(وقبر لكفن) شرعي كان القبر قريباً من البلد أم لا، كبحر لغريق.
(وسفينة): سرق من كخنها نصاباً ولو لم يخرجه منها، كان من الركاب أم لا، بحضرة ربه أم لا. كمن غير الخن بحضرة ربه مطلقاً، كغير حضرته، وكان أجنبياً أخرج منها، لا إن كان من الركاب وسرق من غير نحو الخن مع غير ربه ولو أخرج منها. .
(ومسجد): فإنه حرز (لنحو حصره) وبسطه، حيث كانت تترك فيه فإن كانت تفرش نهاراً فقط فتركت ليلة فسرق منها
ــ
من غير أن يرى رب المال خرج ليأتي بالشهود فهو سارق يجب قطعه ابن عبد السلام وهذا هو التحقيق أفاده (بن).
قوله: [ما لا يعد الواضع] إلخ: أي هو المكان الذي لو وضع فيه ذلك الشيء قصداً لا يقال إن صاحبه عرضه للضياع فيقطع السارق المخرج له منه سواء كان صاحبه وضع ذلك الشيء قصداً أم لا كما أفاده (بن).
قوله: [والمدار على إخراج النصاب] أي وإن لم يخرج السارق من الحرز.
قوله: [في الحرز]: أي وأما لو أخرجه سالماً وتلف بعد الخروج فيقطع.
قوله: [كخباء]: أدخلت الكاف كل محل اتخذ منزلاً وترك به متاع وذهب صاحبه لحاجة مثلاً قال (بن) وهو مقيد بما إذا ضربه بمحل لا يعد ضاربه فيه مضيعاً له.
قوله: [حتى يخرج من القيسارية]: لعل هذا التقييد مقيس على الإخراج من المحل المحجور عليه إلى محل الإذن العام، وما قاله الشارح مذكور في حاشية السيد البليدي ونصه فرع في التوضيح عن ابن عبد البر أن السوق المجعول عليها قيسارية تغلق بأبواب ويحيط بها ما يمنع وذلك كالجملون والشرب والتربيعة بمصر لا يقطع من سرق من حوانيته لا إذا أخرجه خارج القيسارية لأنه حرز واحد لجميع ما فيه قال وهو فرع مهم.
قوله: [حرز لما عليه]: أي وسواء كانت سائرة أو نازلة في ليل أو نهار ومحل القطع بسرقة ما على ظهر الدابة إذا كانت الدابة بحرز مثلها وإلا لم تكن حرزاً لما عليها فقوله "لكن التحقيق" إلخ المناسب أن يقول لكن بشرط أن تكون في حرز مثلها.
قوله: [وجرين]: قال ابن القاسم وإذا جمع في الجرين الحب أو التمر وغاب ربه وليس عليه باب ولا غلق ولا حائط قطع من سرق منه؛ وفي حاشية السيد البليدي سرقة الفول من الساحل مغطى بحصير فيها القطع ليلاً أو نهاراً غاب عنه ربه أم لا كما في المدونة، وقال محمد: لا قطع ثم قال: راجع التوضيح.
قوله: [وقبر لكفن]: أي فهو حرز بالنسبة للكفن لا بالنسبة للميت فلا يقطع سارق الميت نفسه بغير كفن، ومفهوم قوله "شرعي" أن غير المأذون فيه شرعاً لا يكون ما ذكر حرزاً له فمن سرق من كفن شخص ما زاد على الشرعي لا يقع على المعتمد كما مشى عليه في المجموع.
قوله: [كان القبر قريباً من البلد أم لا]: أي وسواء بقي الميت أم لا.
قوله: [كبحر لغريق]: أي إن بقي الغريق في الكفن فإن أزاله البحر منه فانظر هل يكون البحر حرزاً له أم لا؟ فقوله "كبحر لغريق" كلام مجمل موهم خلاف المراد فالمناسب أن يقول كبحر لمن رمي به مكفناً فالبحر حرز للكفن كما قال غيره قال في الأصل: واحترز بقوله: "رمي به" عن الغريق فلا قطع لسارق ما عليه.
قوله: [وسفينة] إلخ: حاصله أن الصور ست عشرة صورة يؤخذ تفصيلها من الشارح فيقطع في السرقة من الخن وما ألحق به
стр. 961
فلا قطع. ولا يشترط في قطع من سرق من المسجد أن يخرجه منه بل (ولو بإزالتها) عن محلها إزالة بينة. وشمل بلاطه وقناديله وبابه وسقفه.
(وخان) فإنه حرز (للأثقال) التي في ساحته؛ كالزلع، فيقطع ولو لم يخرجها، بل نقلها إن كانت تباع بما فيها وكان من السكان، وإلا فلا بد من الإخراج. ومفهوم "الأثقال" أن نحو الثوب في ساحة الخان لا يقطع مخرجه. أما من بيت في الخان أخرج ما فيه للحوش فيقطع، كان من السكان أم لا.
(وقطار) بكسر القاف وتخفيف الطاء المهملة آخره راء مهملة: وهو المربوط من نحو إبل بعضه ببعض، فإذا حل حيواناً وبان به قطع. وشرط الإبانة به في البراذعي والأمهات فيعتبر كما نقله أبو الحسن وغير المربوطة كالسائرة إلى المرعى كذلك متى أبان شيئاً منها قطع حيث كانت قيمته نصاباً كما قال (ونحوه) أي القطار (ومطمر): محل يجعل في الأرض يخزن فيه فمن سرق منه ما العادة أن يخزن فيه: كالطعام، فإنه يقطع حيث (قرب) من المساكن بحيث يكون تحت نظر ربه وإلا فلا.
(وموقف دابة البيع): فإنه حرز لها يقطع من أبانها منه (أو) وقفت (لغيره) بزقاق اعتيدت فيه ليلاً أو نهاراً كانت مع صاحبها أم لا.
(وما حجر فيه): أي والمكان الذي حجر فيه (أحد الزوجين عن الآخر) فإنه حرز لما فيه إذا سرق أحد الزوجين منه نصاباً يقطع، لا إن سرق أحدهما متاع الآخر من مكان غير محجور عنه فلا قطع؛ لأنه خائن لا سارق وليس المنع بالكلام حجراً بل بغلق.
(ككل شيء بحضرة حافظه) بأن غافله وسرق نصاباً، كان في فلاة أو غيرها، كان حافظه نائماً أم لا. وليس المراد أنه أخذه وهو ناظر له، لأنه يكون إما مختلساً أو غاصباً فلا يقطع.
(وحمام): بتشديد الميم يقطع من أخرج منه نصاباً من ثياب الداخلين أو مما فيه (إن دخل للسرقة): بأن اعترف بأنه دخل لها
ــ
في ثمان وهي أخرجه منها أم لا كان من الركاب أم لا بحضرة ربه أم لا، ويقطع في السرقة من غير الخن في خمس وهي: إن كان بحضرة ربه أخرجه منها أم لا أجنبياً أو من ركابها، والخامسة أجنبي أخرجه منها بغير حضرة ربه وبقي ثلاث لا قطع فيها، وهي ما إذا كان بغير حضرة ربه وكان من ركابها أخرجه أم لا أو أجنبياً ولم يخرجه منها.
قوله: [فلا قطع]: أي على سارقها وإن كان على المسجد غلق لأنه لم يمكن لأجلها كما أنه لا قطع على من سرق متاعاً نسيه ربه بالمسجد ومن سرق شيئاً من داخل الكعبة، فإن كان في وقت أذن له بالدخول فيه لم يقطع وإلا قطع إن أخرجه لمحل الطواف، ومما فيه القطع حليها وما علق بالمقام ونحو الرصاص المسمر في الأساطين أفاده في حاشية الأصل نقلاً عن (ح).
قوله: [بما فيها]: صوابه أن يقول إن كانت تباع فيه أي في الخان.
قوله: [لا يقطع مخرجه]: أي لأن الساحة ليست حرزاً له كان السارق أجنبياً أو ساكناً.
قوله: [في البراذعي]: أي وهو مختصر المدونة.
وقوله: [والأمهات]: أي الواضحة والموازية والعتبية فيكون في الأمهات الأربع.
قوله: [كالسائر إلى المرعى]: أي وذلك كالإبل والغنم التي تسير مع بعضها من غير ربط ولا مفهوم للمرعى، بل السائرة المنضمة لبعضها في أي مقصد كذلك.
قوله: [حيث قرب من المساكن] إلخ: لعل الفرق بين المطمر والجرين حيث اشترط في المطمر القرب دون الجرين أن الجرين مكشوف فهو أقوى في الحرزية ولو بعد، والفرق بين المطمر والقبر حيث جعل القبر حرزاً مطلقاً أن القبر تأنف النفوس في الغالب عن سرقة ما فيه، بخلاف المطمر لأنه مأكول وحينئذ فلا يكون في البعد حرز لعظم التفات النفوس إليه أفاده محشي الأصل.
قوله: [البيع]: أي بالسوق أو غيره كانت مربوطة أم لا كان معها ربها أم لا.
قوله: [اعتيدت]: أي فصار بالاعتياد حرزاً لها، وأما أخذه من موقف غير معتاد فلا قطع فيه ما لم يكن معها حارس.
قوله: [إذا سرق أحد الزوجين منه نصاباً يقطع]: أي فيقطع كل بسرقته من مال الآخر وحكم أمة الزوجة في السرقة من مال الزوج كالزوجة وحكم عبد الزوج إذا سرق من مال الزوجة كالزوج، وسواء كان ذلك المكان الذي حجر عن الآخر خارجاً عن مسكنهما أو داخلاً فيه بلا خلاف في الأول، وعلى ما لابن القاسم في الثاني خلافاً لما في الموازية اللخمي، وعدم القطع أحسن إن كان القصد من الغلق التحفظ من الأجنبي وإن كان لتحفظ كل من الآخر قطع أفاده (بن).
قوله: [بحضرة حافظه]: أي الحي المميز لا إن كان ميتاً أو مجنوناً أو غير مميز، ويشير لما ذكر قول المصنف "بحضرة حافظه" لأن الحضرة والحفظ تقتضي الشعور ولو حكماً كالنائم لسرعة انتباهه، وذكر ابن عاشر أن هذا محله إذا لم يكن الحافظ له في حرز وإلا فلا يقطع السارق إلا بعد خروجه به من الحرز، فحرز الإحضار إنما يعتبر عند فقد حرز الأمكنة كذا في (بن)، ويستثنى من القطع في الأخذ بحضرة حافظ المواشي إذا كانت في المرعى، فإنه لا قطع على من سرق منها في حضرة حافظها كما هو ظاهر الرسالة والنوادر وسيأتي ذلك.
قوله: [إن دخل للسرقة]: أي من الباب بدليل قوله:
стр. 962
(أو نقب) وأخذ منه لا بمجرد النقب (أو تسور): من سطحه مثلاً، وأخذ ما قيمته نصاباً. وليس في جميع ما تقدم حارس.
(أو بحارس لم يأذن له) أي للآخذ (في تقليب) ثيابه، فإن أذن فأخذ ثياب غيره فلا قطع، ولو أقر بأنه دخل للسرقة لأنه خائن. ومثل الإذن العرف كما في مصر؛ فإن الناس يلبسون ثيابهم بدون إذن من الحارس، وحيث دخل الحمام من بابه ولبس ثياب غيره فاطلع عليه فقال: إن أخذي فيها لظني أنها ثيابي، فإنه يصدق، كما أشار له بقوله: (وصدق مدعي الخطأ) ومحل تصديقه (إن أشبه) ملبوسه، وإلا فلا يصدق ويترتب عليه الحكم.
(لا) يقطع (إن أخذ دابة) أوقفها ربها (بباب مسجد) بدون حافظ (أو) أوقفها (بسوق) لغير بيع بدون حافظ، لأنه غير معتاد. وفي شارح المؤلف: وكذا إن أخذ دابة بمرعى.
(أو) أخذ (ثوباً) منشوراً على حائط الدار (بعضه بالطريق) وبعضه داخل الدار فلا يقطع آخذه من خارج الدار تغليباً لما ليس في الحرز، فإن جذبه من داخلها فيقطع.
(ولا إن أذن له في دخوله): كضيف دخل بإذن رب الدار، أو مرسل لحاجة، فأخذ نصاباً فلا قطع؛ لأنه خائن لا سارق ولو أخذ من بيت فيها محجور عليه (أو نقله): أي النصاب (ولم يخرجه): عن حرزه (أو) أخذ (ما على صبي): غير مميز من حلي وثياب (أو معه) في جيبه مثلاً (بلا حافظ) مع الصبي، وليس الصبي بدار أهله، لأن غير المميز ليس حرزاً لما عليه، ومثل الصبي: المجنون.
(ولا) قطع (على داخل) في حرز (تناول) النصاب (منه) أي من الداخل (الخارج): بأن مد الخارج يده لداخل الحرز وأخذه من يد الداخل فيه؛ فيقطع الخارج فقط، فلو مد الداخل يده بالشيء إلى خارج الحرز وتناوله غيره من خارج فالقطع على الداخل فقط.
(وإن التقيا): أي الداخل في الحرز والخارج عنه بأيديهما (وسط النقب): أي في أثنائه، فأخرج الخارج الشيء بمناولة الداخل (أو ربطه) الداخل بحبل ونحوه (فجذبه الخارج) عن الحرز (قطعا) معاً في المسألتين ومن جعل على ظهر غيره في الحرز شيئاً، فخرج به -ولولا الجاعل ما قدر على حمله- فيقطعان. فإن كان يقدر دونه قطع الخارج فقط.
(ولا) قطع (على من سرق من) بيوت (ذي الإذن العام) لجميع الناس؛ كبيت الحاكم والعالم والكريم الذي يدخله الناس بدون إذن، وأخرجه من الباب، فلا قطع لأنه خائن (إلا) إذا سرق (مما حجر منه): كحاصل أو حانوت داخل البيت العام (فبإخراجه): أي عن محل ذي الإذن العام، بأن يخرجه من باب الدار فيقطع، فإن أخرجه للحوش فلا قطع.
(ولا) قطع (في سرقة ثمر): بمثلثة من نخل أو غيره معلق خلقة بأصله (إلا أن يكون) في بستان ملتبساً (بغلق): بفتح اللام وبسكونها (فقولان) في عدم قطع سارق الثمر
ــ
"بأن اعترف" إلخ.
قوله: [وأخذ منه]: أي أخرج منه أي أخرج المسروق من النقب.
وقوله: [لا بمجرد النقب]: أي لا يقطع بمجرده ولا بنقل المسروق من غير إخراج.
قوله: [وليس في جميع ما تقدم حارس]: أي في الصور الثلاث.
قوله: [أو بحارس لم يأذن له]: أي في الصور الثلاث أيضاً.
قوله: [فإن الناس يلبسون ثيابهم]: أي فجريان العرف بذلك منزل منزلة الإذن.
قوله: [ويترتب عليه الحكم]: أي فإن كان خائناً لا قطع وإن خرج بها وكان سارقاً واستوفى شروطها قطع. فإن قلت: ما الفرق بين المواضع المأذون فيها لكل أحد حيث نفوا القطع مطلقاً، وبين الحمام حيث قالوا: إذا دخل للسرقة قطع؟ قلت أجاب أبو الحسن عن عياض بأنه في الحمام حيث اعترف بأن دخوله للسرقة لا غير فقد اعترف بأنه لا إذن له في ذلك أفاده (بن). قلت: وهذا الجواب لا يدفع الإشكال.
قوله: [لا يقطع إن أخذ دابة]: إلخ مقتضى ما تقدم تقييد عدم القطع بما إذا لم يصر معتاداً لها.
قوله: [وكذا إن أخذ دابة بمرعى]: أي فلا قطع عليه ولو بحضرة راعيها أو مالكها كما مر، واحترز بقوله "بمرعى" عما إذا أخذها من المراح فإنه يقطع ولو لم يكن معها أحد
قوله: [ومثل الصبي المجنون]: أي وكذا السكران بحلال، وأما السكران بحرام فهو منزل منزلة العاقل لتكليفه.
قوله: [فيقطع الخارج فقط]: أي لأنه هو الذي أخرجه من حرزه.
قوله: [فالقطع على الداخل فقط]: أي لأنه الذي أخرجه من حرزه.
قوله: [قطعا معاً في المسألتين]: أي مسألة الالتقاء وسط النقب ومسألة ربط الداخل مع جذب الخارج، وإنما قطعا معاً لاشتراكهما في الإخراج من الحرز والفرق بين ما هنا وبين قوله: "ولا على داخل تناول منه الخارج" إن [١] فعل الرابط مصاحب لفعل الجاذب حال الخروج من الحرز ولا كذلك فعل المناول أفاده (عب).
تنبيه: إذا نقب الحرز ولم يخرج النصاب منه فلا يقطع، فإن أخرجه غيره فلا قطع أيضاً لذلك الغير؛ لأن النقب يصير المال في غير حرز وهذا إذا لم يتفقا على أن أحدهما ينقب والآخر يخرجه من الحرز وإلا قطع المخرج فقط معاملة له بنقيض مقصوده حفظاً لمال الناس، فلا يقال: إن المكان صار غير حرز بسبب النقب. وقيل: يقطعان معاً عند الاتفاق وعليه ابن شاس أفاده (بن).
قوله: [فلا قطع لأنه خائن]: ظاهره ولو جرت العادة بوضع ذلك المسروق في المحل العام فهو مخالف للخان المعد للأثقال.
قوله: [فإن أخرجه للحوش فلا قطع]: ظاهره كان من السكان أم لا فقد خلف الخان
стр. 963
وهو المنصوص وقطعه، وقولنا: "في بستان" احتراز عن نخل في دار، فيقطع سارق ثمره اتفاقاً؛ لأنه في حرزه.
وقولنا "معلق خلقة" احترازاً عما لو قطع وعلق على الشجر، فلا قطع ولو بغلق فلو قطع الثمر وجعل في محل في [١] البستان اعتيد وضعه فيه قبل نقله للجرين فسرق منه نصاب، فثالث الأقوال: يقطع إن جمع بعضه على بعض، لا إن كان مفرقاً. وقيل: يقطع مطلقاً، وقيل: لا مطلقاً.
(وتثبت) السرقة (ببينة) عدلين (أو بإقرار) من السارق (طوعاً وإلا) بأن أكره على الإقرار، ولو بضرب -وأما الإقدام على السرقة فلا يجوز ولو بالقتل على الراجح- (فلا) قطع ولا يلزمه شيء.
(ولو أخرج السرقة): أي الشيء المسروق لاحتمال وصول المسروق إليه من غيره (أو) أخرج (القتيل) المتهم في قتله: فلا يقطع ولا يقتل، إلا إذا أقر بعد الإكراه آمناً (إلا ذا التهمة): فيؤخذ بإقراره حالة الإكراه عند سحنون على المعتمد، وبه الحكم إن ثبت أنه متهم عند حاكم. ولكن المشهور قول ابن القاسم: لا [٢] يلزم المكره شيء ولو متهماً، وهو الموافق لقواعد الشرع.
(و) إذا أقر طائعاً ورجع عن إقراره (قبل رجوعه) فلا يقطع وإن لزمه المال حيث عينه وعين صاحبه، نحو سرقت دابة زيد، بخلاف: سرقت أو سرقت دابة (ولو) كان رجوعه (بلا شبهة) كقوله: كذبت في إقراري، فأولى لشبهة كقوله: أخذت مالي المرهون خفية وسميته سرقة (كزان) أقر بأنه زنى (وشارب) أقر بأنه شرب خمراً (ومحارب) أقر بأنه قاطع الطريق، ثم رجعوا عن إقرارهم فيقبل (إلا في المال) فلا يقبل رجوعه بل يغرم.
(وإن شهد) على السارق -حراً أو عبداً- بالسرقة (رجل) واحد (أو) شهد (امرأتان، وحلف) المدعي مع الرجل أو مع المرأتين (أوهما) أو شهد رجل وامرأتان ولا يحتاج ليمين المدعي (فالغرم) للمسروق (بلا قطع) في الفروع الثلاثة (كأن رد المتهم اليمين): حيث حقق المدعي الدعوة فلما ردها على المدعي (فحلفها الطالب): فالغرم على المدعى عليه بدون قطع، فلو لم يحقق الطالب الدعوى بل اتهم المدعى عليه فبمجرد نكوله يغرم بدون حلف الطالب، ولا قطع أيضاً.
وإن أقر سيد على عبده بسرقة شيء من شخص فالغرم للمال يلزم السيد للمقر له بدون يمين من المقر له.
(وإن أقر رقيق) بسرقة نصاب (فالعكس): أي القطع بدون غرم؛ لأن إقراره لا يفيد بالنظر للمال؛ لأن الغرم في الحقيقة على سيده.
(ووجب) على السارق (الغرم) للمسروق فيرده بعينه إن بقي أو قيمة المقوم ومثل المثلي إن فات (إن لم يقطع) لمانع
ــ
في تفصيله والحق أنه مثله.
قوله: [وهو المنصوص]: أي أن القول بعدم القطع منصوص والقول بالقطع غير منصوص، بل هو مخرج للخمي على السرقة من الشجرة التي في الدار.
قوله: [وعلق على الشجر]: أي والحال أنه بالبستان، وأما في الدار فيقطع.
قوله: [فثالث الأقوال] إلخ: هذا الاختلاف محله إذا لم يكن حارس وإلا فلا خلاف في قطع سارقه.
قوله: [وإلا بأن أكره]: اعلم أن القطع يسقط بالإكراه مطلقاً ولو كان بضرب أو سجن؛ لأنه شبهة تدرأ الحد.
قوله: [فلا يجوز ولو بالقتل] إلخ: أي كما صرح به ابن رشد وحكى عليه الإجماع، ونقل ذلك (ح) في باب الطلاق خلافاً لما ذكره (عب) هنا من جواز القدوم عليها بخوف القتل كذا في (بن) والمناسب تأخير هذه الجملة بعد جواب الشرط.
قوله: [وبه الحكم إن ثبت] إلخ: أي به القضاء كما في معين الحكام ومتن التحفة لابن عاصم ونسبه فيها لمالك حيث قال:
وإن يكن مطالباً من يتهم ... فمالك بالسجن والضرب حكم
وحكموا بصحة الإقرار ... من ذاعر يحبس لاختيار
والذاعر بالذال المعجمة الخائف وبالمهملة المفسد، وبالزاي الشرس واعتمد (عب) ما لسحنون وحمل ما في المدونة على غير المتهم على أنه وقع فيها محلان: أحدهما صريح في عدم العمل بإقرار المكره، ثانيهما حلف المتهم وتهديده وسجنه، وبهذا علم أن ما لسحنون موافق للمدونة على أحد التأويلين.
قوله: [بخلاف سرقت]: إلخ أي فلا قطع ولا غرم حيث رجع.
قوله: [ولو كان رجوعه بلا شبهة]: أي كما في المدونة.
قوله: [إلا في المال]: أشار بهذا إلى أن رجوع السارق وقاطع الطريق إنما يقبل بالنسبة لحق الله فينتفي الحد عنه الذي هو حق له لا بالنسبة لغرم المال الذي هو حق لآدمي.
قوله: [بلا قطع في الفروع الثلاثة]: أي لأن القطع لا يثبت إلا بشهادة عدلين من الذكور.
قوله: [كأن رد المتهم اليمين]: تشبيه في الفروع الثلاثة قبله.
قوله: [ولا قطع أيضاً]: هذا فرع خامس.
قوله: [فالغرم للمال يلزم السيد]: أي ولا قطع للعبد وهو فرع سادس.
قوله: [أي القطع بدون غرم]: أي للعبد.
وقوله: [لأن إقراره لا يفيد]: تعليل لعدم الغرم.
قوله: [فيرده بعينه إن بقي]: أي إجماعاً وليس للسارق أن يتمسك به ويدفع له غيره.
قوله: [أو قيمة المقوم]: مثله المثلي المجهول القدر أو المعدوم المثل.
стр. 964
كسقوط العضو بعد السرقة، أو لعدم كمال نصاب في الشهود أو المسروق (مطلقاً) سواء أعسر أو أيسر بقي المسروق أو تلف، ويحاصص ربه غرماء السارق إن كان عليه دين ولم يف ما عنده بالديون.
(أو قطع) لأجل السرقة المستكملة للشروط (وأيسر): أي استمر يساره (إليه) أي إلى وقت القطع (من يوم الأخذ)؛ لأن اليسار المتصل كالمال القائم بعينه. فلم يجتمع عليه عقوبتان بل القطع فقط؛ فلو أعسر في أي وقت بين الأخذ والقطع سقط الغرم ولو أيسر بعد الوقت القطع.
(وسقط الحد) أي القطع (إن سقط العضو) الذي يجب قطعه (بعدها): أي بعد السرقة، سواء كان سقوطه بعد السرقة بسماوي أو بقصاص أو بجناية أجنبي. ولا يلزم الأجنبي الذي قطع عضو السارق بعد السرقة إلا الأدب حيث تعمد فلا يقتص منه. واحترز بقوله: "بعدها" عما لو سقط العضو بشيء ومما [١] ذكر قبل السرقة فلا يسقط القطع، بل ينتقل للعضو بل في الحقيقة لا انتقال إذ الباقي هو المطلوب قطعه.
(لا) يسقط الحد (بتوبة): أي ندم وعزم على عدم العود (و) لا يسقط بـ (عدالة): أي صيرورة السارق عدلاً، (ولو طال الزمن): أي زمن التوبة والعدالة بعد السرقة: ومحل عدم سقوط القطع: إذا بلغ الإمام بدليل قوله ﷺ : «هلا كان قبل أن تأتينا» أما إذا لم يبلغ الإمام فيسقط بنحو شفاعة أو هبة الشيء للسارق؛ لأنه تجوز الشفاعة للسارق قبل بلوغ الإمام حيث لم يعرف بالفساد وإلا فلا تجوز الشفاعة فيه.
(وتداخلت الحدود) فإذا أقيم واحد سقط الآخر ولو لم يقصد إلا الأول أو لم يثبت إلا بعد الفراغ من الأول أو قال: هو لهذا دون هذا. وأما لو ضرب ثمانين بدون نية حد فلا يصح صرفه لحد بعد.
(إن اتحدت) قدراً (كحد شرب وقذف): لأن كلاً ثمانون جلدة، وكما لو جنى شخص على آخر فقطع يمينه ثم سرق الجاني أو عكسه فيكفي القطع لأحدهما. (واندرجت) الحدود (في القتل) كردة وقصاص وحرابة (إلا حد الفرية) أي القذف فلا بد منه، ثم يقتل.
(باب)
ذكر فيه الحرابة وما يتعلق بها من الأحكام
وعرف المحارب المشتق من الحرابة، فيعلم منه تعريفها؛ لأنه إذا كان المحارب قاطع الطريق إلخ كانت الحرابة قطع الطريق إلخ (المحارب): الذي يترتب عليه أحكام الحرابة (قاطع الطريق): أي مخيفها (لمنع سلوك): أي مرور فيها، ولو لم يقصد أخذ مال المارين، كانت الطريق في فلاة أو عمران كما يأتي في الأزقة. (أو آخذ) بالمد: اسم فاعل معطوف على "قاطع". (مال محترم): من مسلم أو ذمي أو معاهد، ولو لم يبلغ نصاباً، والبضع أحرى. (على وجه): أي حال (يتعذر معه): أي مع حاله (الغوث): أي الإغاثة والإعانة والتخليص منه، فشمل جبابرة الظلمة الذين يسلبون أموال الناس ولا يفيد فيهم الاستغاثة بعلماء وغيرهم. (أو مذهب عقل)
ــ
قوله: [كسقوط العضو بعد السرقة]: سيأتي مفهومه ودخل تحت الكاف سقوطه بقصاص أو جناية عمداً أو خطأ.
قوله: [أو لعدم كمال النصاب في الشهود]: أي بأن كانا غير عدلين من الذكور.
وقوله: [أو المسروق]: أي بأن كان دون نصاب.
قوله: [أو قطع] إلخ: أي والموضوع أن عين المسروق ذهبت وإلا فيؤخذ مطلقاً أعسر أو أيسر.
قوله: [فلم يجتمع عليه عقوبتان]: أي وهما القطع واتباع ذمته.
قوله: [أو بجناية أجنبي]: أي عمداً أو خطأ.
قوله: [ولا يلزم الأجنبي] إلخ: إنما أدب لافتياته على الإمام.
وقوله: [فلا يقتص منه]: الأولى إسقاطه لعلمه مما قبله.
وقوله: [حيث تعمد]: قيد في الأدب وأما الخطأ فلا شيء فيه لأنها لما خانت هانت.
قوله: [ولا يسقط بعدالة]: هذا أخص من التوبة لأنه يلزم من ثبوت العدالة ثبوتها ولا عكس.
قوله: [أو قال] إلخ: أي الحاكم.
قوله: [فلا يصح صرفه لحد بعد]: أي بعد مضي الضرب لأن شرط النية مقارنتها للمنوي ولو كان موجب الحد الذي يصرف له ثابتاً من قبل.
قوله: [إن اتحدت قدراً]: مفهومه لو اختلف قدرهما كحد زنا بكر وشرب فلا يغني أحدهما عن الآخر وهو كذلك كما في المجموع.
قوله: [واندرجت الحدود في القتل]: هذا كقول المدونة وكل حق لله أو قصاص اجتمع مع القتل فالقتل يأتي على ذلك كله إلا حد القذف اهـ.
باب ذكر فيه الحرابة
أي حدها ضمناً وإنما أتى بها بعد السرقة لاشتراكها معها في بعض حدودها الذي هو القطع في الجملة.
قوله: [من الأحكام]: أي من المسائل المتعلقة بها.
قوله: [فيعلم منه تعريفها]: أي ضمناً لأن الحرابة جزء من مفهوم المحارب والكل يتضمن الجزء.
قوله: [لمنع سلوك]: خرج قطعها لطلب إمارة أو عداوة بينه وبين جماعة.
قوله: [ولو لم يقصد أخذ مال المارين]: أي بل قصد مجرد منع الانتفاع بالمرور فيها.
قوله: [والبضع أحرى]: أي من المال كما للقرطبي وابن العربي، فمن خرج لإخافة السبيل قصداً لهتك الحريم فهو محارب كما هو الآن عندنا بمصر. قوله: [فشمل جبابرة الظلمة]: قال في الأصل وجبابرة أمراء مصر ونحوها يسلبون أموال المسلمين ويمنعونهم أرزاقهم ويغيرون على بلادهم ولا تتيسر استغاثة
стр. 965
عطف على "قاطع". ولا يشترط تعدد المحارب بل يعد محارباً (ولو انفرد ببلد) وقصد أذية بعض الناس، فلا يشترط قصد عموم الناس ففيه مبالغتان. (كمسقي نحو سيكران) بسين مهملة مع فتح الكاف أو معجمة مع ضم الكاف: نبت معلوم، وأدخل بـ "نحو": البنج، وهو أشد من السيكران، والداتورة أشد الجميع (لذلك): أي لأجل أخذ المال. (ومخادع مميز لأخذ ما معه): فإنه محارب، وسواء كان المميز صغيراً أو بالغاً، خدعه وأدخله موضعاً وأخذ ماله ولو لم يقتله. وبقوله: "مميز" خرجت السرقة بتعذر غوث.
(وداخل زقاق): أي وكداخل فهو عطف على: "مسقي" (أو دار ليلاً أو نهاراً لأخذ مال بقتال): على وجه يتعذر معه الغوث: أي الإغاثة والإعانة فقاتل حتى أخذه. أما لو أخذه قبل العلم به، ثم بعد علمنا به قاتل لينجو بعد أخذه، فإذا قدر عليه فليس محارباً، بل سارق [١] إن اطلع عليه خارج الحرز، أما فيه فليس سارقاً.
(فيقاتل) المحارب جوازاً ويندب أن يكون قتاله (بعد المناشدة) بأن يقول له ثلاث مرات: ناشدتك الله إلا ما خليت سبيلي. ومحل ندب المناشدة: (إن أمكن) بأن لم يعاجل المحارب بالقتال، وإلا فيعاجل بالقتال بالسيف ونحوه. وثمرة القتال كما قال: (فيقتل) المحارب.
(وتعين قتله): أي المحارب (إن قتل): سواء كان المقتول مكافئاً كمسلم حر بل (ولو كافراً ورقيقاً) قتله مسلم حر، أو أعان على قتله ولو بجاهه؛ فيقتل للحرابة بلا صلب أو مع صلب. ولا يجوز قطعه ولا نفيه وليس لولي الدم عفو عنه قبل مجيئه تائباً. فإن جاء تائباً فللولي العفو لأن قتله حينئذ قصاص لا يسقط بمجيئه تائباً بل بعفو الولي عنه كما أشار إلى ذلك بقوله: (إلا أن يجيء تائبا فالقصاص وإلا) يقتل المحارب أحداً. وقدر عليه فيخير الإمام في أمور أربعة ويندب له العمل بالمصلحة كما قال: (فللإمام قتله): بدون صلب (وله صلبه) على نحو جذع غير منكس (فقتله): مصلوباً فالصلب من صفات القتل، فالنوع الثاني: الصلب والقتل وهو مصلوب. ثم إذا خيف تغيره بعد القتل والصلب أنزل وصلى عليه غير فاضل.
(وقطع يمينه): أي وللإمام قطع يمينه أي المحارب من الكوع. (و) قطع (رجله اليسرى) من مفصل الكعب، وهذا هو الحد الثالث.
ويقطعهما ولاء
ــ
منهم بعلماء ولا بغيرهم اهـ أي فهم محاربون لا غصاب.
قوله: [عطف على قاطع]: أي فهو محارب وإن لم يحصل منه قطع طريق.
قوله: [ففيه مبالغتان]: أي مبالغة على كونه لا يشترط تعدد القاطع ومبالغة على كونه لا يشترط قطعه الطريق عن الناس عموماً، بل يكفي ولو كان قاصداً أناساً مخصوصين وكلام الشارح لا يحسن إلا لو زاد قبل قوله: "بل يعد محارباً" إلخ ولا يشترط قصد عموم الناس.
قوله: [نبت معلوم]: أي وهو المسمى بالحشيشة وله حب تأكله الناس ولا يغيب العقل يسمى بالشرانق.
قوله: [البنج]: بفتح الباء الموحدة وسكون النون نبت معروف.
قوله: [فإنه محارب]: أي حيث كان يتعذر معه الغوث.
قوله: [خرجت السرقة]: أي فأخذ الصبي الغير المميز أو أخذ ما عليه سرقة.
قوله: [بتعذر غوث]: مرتبط بقوله "أو مذهب عقل" وما بعده.
قوله: [فهو عطف على مسقي]: المناسب عطف "مخادع" وما بعده على قوله: "أو مذهب عقل"؛ لأنه ليس من أمثلة مذهب العقل.
قوله: [بل سارق إن اطلع عليه] إلخ: أي فيجري عليه حكم السرقة.
قوله: [أما فيه فليس سارقاً]: أي بل هو مختلس.
قوله: [فيقاتل المحارب جوازاً]: محل كون المقاتلة جائزة إذا لم يكن دافعاً عن نفسه القتل أو الجرح أو عن أهله القتل أو الجرح أو الفاحشة وإلا كانت واجبة.
قوله: [إلا ما خليت سبيلي]: "ما" مصدرية والاستثناء من محذوف، أي ناشدتك بالله ألا تفعل شيئاً إلا تخلية سبيلي.
قوله: [وتعين قتله] إلخ: أي ما لم تكن المصلحة في إبقائه بأن يخشى بقتله فساد أعظم من قبيلته المتفرقين مثلاً بل يطلق ارتكاباً لأخف الضررين كما أفتى به الشبيبي وأبو مهدي وابن ناجي كذا في (عب).
قوله: [ولو بجاهه]: أي وإن لم يأمر بقتله ولا تسبب فيه وذلك كما لو انحاز شخص لقاطع طريق وقتل ذلك الشخص أحداً فيقتلان.
قوله: [فالقصاص]: أي فيقتل إن قتل مكافئاً ولم يعف ولي المكافئ.
تنبيه: قال في غاية الأماني لو قتل المحارب أحد ورثته فقيل يرثه وقيل لا، واستظهر (عب) الأول وقاسه على ما تقدم في الباغية من قول خليل، وكره للرجل قتل أبيه ووارثه.
قوله: [في أمور أربعة]: حاصله أن الحدود الأربعة واجبة لا يخرج الإمام عنها مخيرة لا يتعين واحد منها إلا أنه يندب للإمام أن ينظر ما هو الأصلح واللائق بحال ذلك المحارب، فإن ظهر له ما هو اللائق ندب له فعله فإن خالف وفعل غير ما ظهر له أصلحيته أجزأ مع الكراهة.
قوله: [الصلب والقتل]: أي لقوله تعالى: ﴿إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فساداً أن يقتلوا﴾ [المائدة: ٣٣] معناه بغير صلب وقوله: (أو يصلبوا) معناه: " ثم يقتلوا " فهو معنى قول الشارح "الثاني الصلب" إلخ وليست الآية على ظاهرها من أن أحد الأربعة الصلب فقط كما علمت.
قوله: [والقتل وهو مصلوب]: أي يقتل على هذه الحالة ولا ينزل ثم يقتل.
قوله: [أنزل] إلخ: أي وجوباً لوجوب دفنه والصلاة عليه وصلاة
стр. 966
ولو خيف عليه الموت. فإن كان مقطوع اليد اليمنى أو أشلها قطعت يده اليسرى ورجله اليمنى، وإن كان مقطوع الرجل اليسرى فيده اليسرى ورجله اليمنى، فإن لم يكن له إلا يد أو رجل قطعت، فإن كان له يدان فقط أو رجلان فقط قطعت اليد اليمنى فقط أو الرجل اليسرى فقط.
وأشار إلى الحد الرابع بقوله: (ونفي الذكر الحر كـ ما ينفى في الزنا): إلى مثل فدك وخيبر ويحبس للأقصى من السنة وظهور التوبة.
(وضرب) قبل النفي (اجتهاداً) بحسب ما يراه الحاكم.
وهذه الحدود الأربع يخير فيها الإمام وليس الكلام لمن قطعت يده مثلا؛ لأن ما يفعله الإمام بالمحارب ليس لخصوص هذا الشخص المصاب بل لأجل الحرابة والتخيير بين الأربع في حق المحارب الذكر، أما المرأة فلا تصلب ولا تنفى إنما حدها القتل أو القطع من خلاف. وأما حد الرقيق فما عدا النفي.
(ودفع ما بأيديهم): أي المحاربين (لمدعيه) حيث وصفه كاللقطة (بعد الاستيناء) لعل أن يأتي غيره بأثبت مما وصف (بيمين) من المدعي لذلك الشيء ولا يؤخذ منه حميل. نعم إن جاء غيره بأثبت منه نزعه الإمام له (أو ببينة) رجلين (من الرفقة): أي رفقة المأخوذ منه، وأولى غيرهم ما لم يكن أباه أو ابنه ومثلهما الرجل والمرأتان أو أحدهما بيمين.
والمحاربون حملاء: فمن قدر عليه أخذ منه جميع ما سلبه هو وأصحابه ولو لم يأخذ منه شيئاً - كالبغاة والغصاب واللصوص- ويتبع المحارب كالسارق إذا لم يحد أو أيسر من الأخذ للحد.
(ولا يؤمن) المحارب أي لا يعطيه الإمام أماناً (إن سأله) الأمان فإن امتنع بنحو حصن حتى أمن فهل لا يتم له الأمان؟ خلاف.
(ويثبت الحد) المتقدم من قتل [١] إلخ (بشهادة عدلين أنه) أي هذا الشخص هو (المشهور بها): أي بالحرابة بين الناس، وإن لم يعايناه حالة الحرابة.
(ويسقط) حدها فقط دون حد الزنا والقذف والشرب والقتل (بإتيانه): أي المحارب (الإمام) أو نائبه (طائعاً) قبل القدرة عليه؛ فلا يسقط حكمها بتوبته بعد القدرة عليه، كما لا يسقط الضمان بإتيانه طائعاً مطلقاً، وعطف على قوله بإتيانه (أو بترك) المحارب (ما هو عليه) من الحرابة ولو لم يأت الإمام.
ــ
غير الفاضل، عليه مندوبة في كل من قتل في حد من حدود الله.
قوله: [ولو خيف عليه الموت]: أي لأنه أحد حدوده.
قوله: [قطعت يده اليسرى]: إلخ: إنما فعل ذلك ليكون القطع من خلاف لمطابقة الآية.
قوله: [قطعت]: أي اليد أو الرجل لقوله في الحديث: «إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم».
قوله: [قطعت اليد اليمنى فقط] إلخ: لف ونشر مرتب ولا يجمع بين قطع اليدين ولا الرجلين لأنه ليس بحد شرعي.
قوله: [للأقصى من السنة وظهور التوبة]: أي للأبعد منهما، ومعناه أنه إن ظهرت توبته قبل السنة كمل بحبسه السنة وإن مضت السنة ولم تظهر توبته بقي حتى تظهر توبته أو يموت، وظهور التوبة لا بد أن يكون ظهوراً بيناً لا مجرد كثرة صومه وصلاته كما أفاده في الحاشية.
قوله: [وضرب قبل النفي اجتهاداً]: الضرب لم يؤخذ صريحاً من القرآن لأن ظاهره النفي فقط.
قوله: [فلا تصلب ولا تنفى]: أي لما في الصلب من الفضيحة وفي النفي زيادة مفاسد، وسكت عن الصبي وحكمه أنه يعاقب ولا يفعل معه شيء من هذه الحدود ولو حارب بالسيف والسكين كذا في الحاشية.
قوله: [حيث وصفه كاللقطة]: حاصله أن مدعي المال الذي بأيدي المحاربين لا يدفع له إذا لم يثبته بالبينة إلا بشروط ثلاثة: بعد الاستيناء، وبعد اليمين، وبعد وصفه كاللقطة، ومحل أخذ المدعى له بتلك الشروط كما قال ابن شاس نقلاً عن أشهب إذا أقر اللصوص أن ذلك المتاع مما قطعوا فيه الطريق، فإن قالوا هو من أموالنا كان لهم وإن كان كثيراً لا يملكون مثله، ونقله ابن عرفة مقتصراً عليه أفاده (بن).
قوله: [ولا يؤخذ منه حميل]: قال في التوضيح هو ظاهر المدونة، وقال سحنون بل بحميل. وقال في مختصر الوقار إن كان من أهل البلد فبحميل وإن كان من غيرهم فبلا حميل لأنه لا يجد حميلاً أفاده (بن).
قوله: [رجلين من الرفقة]: أي المقاتلين للمحاربين واشترط في المدونة عدم التهمة كما في المواق وغيره وقول التحفة:
ومن عليه وسم خير قد ظهر. . . إلخ يقتضي أن العمل على الاكتفاء بتوسم الخير كما في (بن).
قوله: [كالبغاة] إلخ: أي متى ظفر بواحد فإنه يغرم عن الجميع كما في الرسالة، ومشى عليه ابن رشد.
قوله: [ويتبع المحارب السارق] إلخ: هذا هو المشهور.
قوله: [ولا يؤمن المحارب]: أي بخلاف المشرك لأن المشرك يقر على حاله إذا أمن ولو كان بيده أموال المسلمين بخلاف المحارب.
قوله: [ويسقط حدها] إلخ: أي إذا كان لم يقتل أحداً وإلا وجب قتله قصاصاً وإن جاء تائباً إن لم يعف ولي الدم كما تقدم.
قوله: [طائعاً]: أي ملقياً سلاحه وإن لم تظهر توبته، وفهم منه أن وعده بأنه يأتي طائعاً لا يسقط عنه حده وهو كذلك، والفرق بين سقوطها بما ذكر وإن لم يتب وبين عدم سقوط حد السرقة بتوبته وعدالته أن السرقة أخذ المال خفية والتوبة أمر خفي فلا يزال حد شيء خفي بأمر خفي، والحرابة ظاهرة للناس فإذا كف أذاه لم يبق لنا فائدة في قتله لأن الأحكام تتبع المصالح.
стр. 967
(باب)
ذكر فيه حد الشارب وأشياء توجب الضمان
فقال: (يجلد): ثمانين على ظهره كما يأتي (المسلم) فلا يحد الشارب الكافر، ويؤدب إن أظهره (المكلف) الحر ذكراً أو أنثى بعلم منه أنه طائع، إذ المكره ليس مكلفاً وخرج أيضاً الصبي والمجنون ويؤدب الصبي.
(بـ) سبب (شرب) ولا يكون إلا بالفم إذا وصل لحلقه ولو لم يصل لجوفه، لا ما وصل من أنف ونحوه ولو سكر بالفعل.
(ما يسكر جنسه): ولو لم يسكر بالفعل لقلته، أو لاعتياده، لا بما لا يسكر جنسه، ولو اعتقده مسكراً. نعم عليه إثم الجراءة.
(مختاراً) قد علمت أنه يغني عنه التكليف (بلا عذر) احترازاً عمن ظنه غير مسكر.
(و) بلا (ضرورة): فلا حرمة على من شربه لغصة كما يأتي، وهي من العذر فيغني عنه ما قبله.
(وإن قل) جداً بل ولو غمس إبرة في مسكر ووضعها في فيه وبلع ريقه، فيحد كمن شرب كقنطار. وقيل: لا يحد لأنه ليس شرباً، واستظهر.
(أو جهل وجوب الحد) مع علم الحرمة، أو جهل الحرمة لقرب عهد بإسلام، فإنه يحد، ولو كان حنفياً يشرب النبيذ وهو ما كان من غير ماء العنب وشرب منه قدراً لا يسكر، ورفع لمالكي، فيحد (ثمانين) جلدة: معمول "يجلد" (بعد صحوه): فإن جلد قبل صحوه فيكفي إن كان عنده شعور بألم الجلد، وإلا أعيد.
(وتشطر) الحد (بالرق) وإن قل الرق فيجلد أربعين.
(إن أقر): بالشرب، لكن إن رجع بعد إقراره يقبل ولو لغير شبهة (أو شهد عدلان بشرب أو شم) لرائحته في فمه لعلمهم ذلك، إذ قد يعرفها من لا يشربها (أو) شهد (أحدهما بواحد): كشهادة عدل برؤية الشرب (و) شهادة (الثاني بالآخر): أي رائحتها (أو بتقايئه): أي الخمر. ومتى شهدا بالشرب إلخ فيحد الشارب
ــ
باب ذكر فيه حد الشارب
أي بين فيه حقيقة الشارب وقدر حده وكيفيته.
قوله: [على ظهره]: أي وكتفيه.
قوله: [ويؤدب إن أظهره]: أي إن كان ذمياً.
قوله: [الحر]: زاده الشارح أخذاً له من قول المصنف الآتي "وتشطر بالرق".
قوله: [ويؤدب الصبي]: أي المميز للإصلاح لا لكونه فعل حراماً.
قوله: [بسبب شرب]: يؤخذ منه أن الحد مختص بالمائعات، أما اليابسات التي تؤثر في العقل فليس فيها إلا الأدب كما أنه لا يحرم منها إلا القدر الذي يؤثر في العقل لا ما قل؛ لأنها طاهرة بخلاف الخمر في جميع ذلك أفاده (بن).
قوله: [ولا يكون إلا بالفم]: أي كالنظر فإنه لا يكون إلا بالعين، والسمع فإنه لا يكون إلا بالأذن.
قوله: [ولو لم يصل لجوفه]: أي بأن رده بعد وصوله لحلقه.
قوله: [ونحوه] أي كالأذن والعين.
قوله: [ولو اعتقده مسكراً]: أي فإذا شرب شيئاً يعتقد أنه خمر فتبين أنه غير خمر فلا يحد وعليه إثم الجراءة.
قوله: [احترازاً عمن ظنه غير مسكر]: أي بأن ظنه خلاً مثلاً.
قوله: [فلا حرمة على من شربه]: أي على الراجح ولا حد أيضاً، ولو سكر منه قال (عب) والظاهر كراهة قدومه على شربه مع ظنه غيره وأما مع شكه فيحرم والظاهر أنه لا يحد لدرئه بشبهة الشك.
قوله: [وهي من العذر فيغني عنه ما قبله]: أجيب بأن المراد بالعذر الغلط وهو غير الضرورة.
قوله: [وإن قل جداً]: أي لخبر: «ما أسكر كثيره فقليله حرام».
قوله: [وقيل لا يحد] إلخ: قائله الشيخ إبراهيم اللقاني وأفاد أن الحد فيه من التعمق في الدين.
قوله: [فإنه يحد]: فإن قيل: لِمَ لم يعذر هنا وعذر في الزنا بجهل الحكم إن جهل مثله؟ فالجواب أن الشرب أكثر وقوعاً من غيره، ولأن مفاسده أشد من مفاسد الزنا لكثرتها لأنه ربما حصل بشربه زنا وسرقة وقتل ولذا ورد أنها أم الخبائث أفاده (عب).
قوله: [يشرب النبيذ]: أي يرى حل شرب القدر الذي لا يسكر منه. وحاصل الفقه أن الخمر وهو ما اتخذ من عصير العنب ودخلته الشدة المطربة شربه من الكبائر وموجب للحد إجماعاً لا فرق بين كثيره وقليله الذي لا يسكر، وأما النبيذ وهو ما اتخذ من ماء الزبيب أو البلح ودخلته الشدة المطربة فشرب القدر المسكر منه كبيرة، وموجب للحد إجماعاً، وأما شرب القدر الذي لا يسكر منه لقلته فقال مالك: هو كذلك. وقال الشافعي: هو صغيرة ولا يوجب حداً ولا ترد به الشهادة. وعن أبي حنيفة: لا إثم في شربه بل هو جائز فلا حد فيه ولا ترد به الشهادة، فإن كان لا يسكر الشخص إلا أربعة أقداح فلا يحرم عنده إلا القدح الرابع، وقيد بعض الحنفية الجواز بما إذا كان الشرب للتقوي على الجهاد ونحوه لا لمجرد اللهو.
قوله: [ورفع لمالكي]: أي فيحده المالكي، ولو قال له: أنا حنفي لضعف مدرك حله وقيل لا يحد مراعاة للخلاف.
قوله: [معمول يجلد]: وذكره الشارح فيما تقدم بلصقه بطول الفصل.
قوله: [وإلا أعيد]: أي من أوله وهذا إذا لم يحصل له إحساس حال الضرب أصلاً، وأما إن لم يحس في أوله وأحس في أثنائه حسب من أول ما أحس كما قال اللخمي.
قوله: [وتشطر الحد بالرق]: أي ولا فرق بين الذكر والأنثى.
قوله: [إن أقر] إلخ: شرط في قوله "يجلد".
قوله: [إذ قد يعرفها من لا يشربها]: جواب عما يقال إنه لا يعرف رائحتها إلا من شربها ومن شربها لا تقبل شهادته فيها لأنه إن لم يتب
стр. 968
ولو شهد فلان بخلاف شهادتهما؛ كأن شهدا على الرائحة فشهد غيرهما على أنها ليست رائحة خمر فلا تعتبر المخالفة؛ لأن المثبت يقدم على النافي ولم يجعلوا المخالفة شبهة تدرأ الحد.
(وجاز): أي انتفت حرمته فيصدق [١] بوجوب الشرب (لإساغة غصة إن خاف) الهلاك منها (ولم يجد غيره): أي المسكر فله شربه على الراجح. ولا يجوز استعمال الخمر لدواء ولو خاف الموت؛ لأنه لا شفاء فيه ولا لعطش بل لحرارته يزيد، ولو طلاء في ظاهر الجسد.
(والحدود كلها): كالزنا والقذف والشرب تكون (بسوط) من جلد (لين بلا رأسين) بل برأس واحد، فلا يكون بقضيب ولا شراك ولا درة. وما كانت لسيدنا عمر فهي للتأديب لا للحد.
(وضرب) عطف على سوط (متوسط) لا خفيف ولا شديد حالة كون المحدود (قاعداً) فلا يمد على ظهره أو بطنه (بلا ربط) على نحو جذع (إلا لعذر): ككونه لا يستقر أو يضطرب اضطراباً شديداً بحيث لا يقع الضرب موقعه فيربط. (ولا شديد): أي وبلا ربط يد أو رجل إلا لعذر أيضاً ولو أخر قوله إلا لعذر لكان أولى.
(بظهره وكتفيه): أي إن الجلد على الظهر والكتفين لا غيرهما من البدن. وشرط الضارب أن يكون عدلاً.
(وجرد الرجل من) كل شيء عليه في جميع بدنه (ما سوى العورة) ما بين السرة والركبة.
(والمرأة) تجرد (مما يقي الضرب): أي ألمه.
(وندب): لأجل الستر عليها فيما يخرج منها (جعلها) حال الضرب (في كقفة بتراب) مبلول ويوالي الضرب إلا لخوف هلاك فيفرق.
(وعزر الحاكم): باجتهاده -لاختلاف الناس في أقوالهم، وأفعالهم وذواتهم (لمعصية الله) تعالى: وهي ما ليس لأحد إسقاطها؛ كأكل في نهار رمضان وتأخير صلاة.
(أو لحق آدمي): وهو ما له إسقاطه كسبٍّ وضرب وكل حق لمخلوق؛ فله فيه حق.
وليس لغير الحاكم تأديب إلا للسيد في رقيقه والزوج في زوجته أو ولد في والده [٢] غير البالغ أو معلم، ولا يجوز لحاكم أو غيره لعن ولا سب للمؤدب أو لوالديه أو ضرب على وجه أو شين عضو. ويكون التعزير: (حبساً) مدة ينزجر بها بحسب حاله (ولوماً) ينزجر به؛ كتوبيخ بكلام. وهما منصوبان على الظرفية، وقيل بنزع الخافض، بدليل قوله: (وبالقيام من المجلس وبنزع العمامة) من فوق رأسه (وضرباً بسوط
ــ
كان فاسقاً، وإن تاب وحد لا تقبل شهادته فيما حد فيه. وحاصل الجواب أنا لا نسلم أنه لا يعرف رائحتها إلا من شربها، بل قد يعرف رائحتها من لم يكن شربها قط كمن رآها مراقة أو رأى إنساناً يشربها مع علمه بها وغير ذلك.
قوله: [ولو شهد فلان]: أي ولو خالفهما غيرهما من العدول بأن قال عدلان آخران شرب خلاً مثلاً.
قوله: [ولو خاف الموت]: أي فإن وقع ونزل وتداوى به شرباً حد. ابن العربي تردد علماؤنا في دواء فيه خمر والصحيح المنع والحد انتهى وما ذكره من الحد إذا سكر بالفعل وإلا لم يحد ولا يرد. قولهم ما يسكر جنسه وإن لم يسكر بالفعل لأن كلامهم في غير المخلوط بدواء.
قوله: [ولا لعطش]: مثله الجوع فلا يجوز شربه لخوف الموت من جوع أو عطش، لأنهما لا يزولان به لما في طبعه من الحرارة والهضم.
قوله: [ولو طلاء في ظاهر الجسد]: مبالغة في حرمة التداوي وحقه التقديم على قوله "ولا لعطش". لكن قال (عب): محل منع الطلاء به منفرداً أو مختلطاً بدواء ما لم يخف الموت بتركه وإلا جاز.
قوله: [كالزنا] إلخ: الأوضح أن يقول كانت لزنا أو لقذف أو لشرب.
قوله: [فلا يكون بقضيب]: أي وهو المسمى بالنبوت.
وقوله: [ولا شراك]: هو السير الرفيع من الجلد.
وقوله: [ولا درة]: هي سوط رفيع مجدول من الجلد فإن وقع وضرب في الحد بقضيب أو شراك أو درة لم يكف وأعيد.
قوله: [وما كانت لسيدنا عمر] إلخ: "ما" واقعة على درة أي والدرة التي كانت لسيدنا عمر إنما كانت للتأديب لا للحد وهو جواب عن سؤال مقدر، وكانت من جلد مركب بعضه فوق بعض.
قوله: [لا غيرهما من البدن]: أي فلو جلد على أليتيه أو رجليه لم يكف والحد باق يعاد ثانياً فإن تعذر الجلد بظهره وكتفيه لمرض ونحوه أخر، فإن أمكن فعله شيئاً فشيئاً فعل، وأما التأديب فموكول محله للإمام.
قوله: [وجرد الرجل] إلخ: فإن لم يجرد الرجل مطلقاً ولا المرأة مما يقي الضرب فانظر هل يجتزئ بذلك إن تألم منه كما يتألم المجرد أو قريباً منه وهو الظاهر كما قاله الأشياخ.
قوله: [وتأخير صلاة]: أي عن وقتها ولو اختيارياً.
قوله: [وكل حق لمخلوق]: المناسب وإلا فكل حق إلخ فتدبر.
قوله: [والزوج في زوجته]: ظاهره ولو بالغة رشيدة وكذلك قوله "أو معلماً".
وقوله: [غير البالغ]: ظاهره أن الولد [٣] ليس له تعزير البالغ ولو كان سفيهاً وهذا ظاهر إن وجد الحاكم العدل.
قوله: [وهما منصوبان على الظرفية]: لا يظهر ذلك لأن الحبس واللوم مصدران، فالأولى جعلهما خبرين ليكون كما حل به أولاً وأيضاً ظرف المكان لا يكون مختصاً فلا يقال جلست الحبس ولا الدار.
قوله: [وبالقيام من المجلس]: يحتمل أن المراد إيقافه بأن يأمره الحاكم بوقوفه على قدميه ثم يقعده ويحتمل أن المراد أمره بالذهاب من المجلس.
стр. 969
وغيره) كقضيب ودرة وصفع بالقفا، وقد يكون بالنفي؛ كالمزورين، وبإخراج من الحارة؛ كمؤذي الجار، وبالتصدق عليه بما غش به.
(وإن زاد) التعزير (على الحد) بالجلد كأن زاد عن [١] مائة (أو أتى على النفس): بأن نشأ عنه موت، فلا إثم ولا دية (إن ظن السلامة) من فعله. وإنما قصد التشديد لما صدر منه كسب الصحابة (وإلا) يظن السلامة، فإن شك منع و (ضمن) ما سرى على نفس أو عضو: أي ضمن الدية على العاقلة وهو كواحد منهم فإن ظن عدم السلامة فالقود: فتحصل أنه إن ظن السلامة فخاب ظنه وسرى لموت أو عضو فهدر، وإن ظن عدمها فالقصاص، وإن شك فالدية على العاقلة. هذا هو الراجح. ويعلم ظن السلامة أو الشك من إقرار الحاكم ونحوه وقرائن الأحوال (كتأجيج نار بريح عاصف): أي شديد فأحرقت مالاً فيضمنه في ماله أو نفساً، فالدية على عاقلته ما لم يكن بمكان بعيد لا يظن فيه الوصول إلى المحروق عادة فلا ضمان.
(وكسقوط جدار) على شيء من مال أو نفس فأتلفه، فيضمن المال في ماله والدية على العاقلة، بشروط ثلاثة أشار لها بقوله:
(مال): بعد أن كان مستقيماً (وأنذر صاحبه) بأن قيل له: أصلح جدارك ويشهد عليه بالإنذار، ويكفي عند جماعة المسلمين ولو مع وجود حاكم، وهذا إن لم يظهر ميلانه، وإلا فلا يحتاج للإنذار، كما لو بناه من الأصل مائلاً واحترز عن "غير صاحبه" كمستأجر ومستعير فلا شيء عليهم ولو أنذروا (وأمكن تداركه): أي إصلاحه قبل السقوط؛ ولم يصلحه حتى سقط، فيضمن. لا إن لم يمكن تداركه بأن سقط قبل زمن يمكنه الإصلاح فلا ضمان عليه. وقد علمت أن الشروط حيث لم يظهر لصاحبه ميلانه ولم يبنه من الأصل مائلاً.
(أو عضه) شخص (فسل) المعضوض (يده) عن فم العاض (فقلع) المعضوض (أسنانه): أي العاض (قصد [٢]) لقلع أسنانه، فيضمن دية الأسنان في ماله فإن لم يقصد ولم يمكن تخليص يده إلا بقلع أسنانه فلا ضمان عليه، وهو محمل قوله ﷺ لما عض رجل آخر فنزع يده فقلع سنه: «أيعض أحدكم أخاه كما يعض الفحل؟ لا دية له».
(أو نظر له من كوة) طاقة أو غيرها كباب (فقصد عينه): بأن رماه بحجر قاصداً قلع عينه فقلعها أو أذهب بصرها فيقتص منه.
(وإلا) يقصد قلع عينه بأن قصد الزجر (فلا) قصاص بل الدية على العاقلة على الراجح. والأحاديث الواردة برمي الناظر من كوة خرجت مخرج الزجر أو منسوخة
ــ
قوله: [وغيره]: أي بخلاف الحد فإنه لا يكون إلا بالسوط.
قوله: [وبإخراج من الحارة]: أي وببيع ملكه.
قوله: [وبالتصدق عليه بما غش]: أي وأما التعزير بأخذ المال فلا يجوز إجماعاً، وما روي عن الإمام أبي يوسف صاحب أبي حنيفة من جواز التعزير للسلطان بأخذ المال فمعناه كما قال البرادعي من أئمة الحنفية أن يمسك المال عنده مدة لينزجر ثم يعيده إليه لا أنه يأخذ لنفسه أو لبيت المال كما يتوهمه الظلمة، إذ لا يجوز أخذ مال مسلم بغير سبب شرعي وفي نظم العمليات:
ولم تجز عقوبة بالمال ... أو فيه عن قول من الأقوال
قوله: [بشروط ثلاثة]: ما ذكره المصنف من ضمان صاحبه بالشروط المذكورة هو مذهب المدونة. وقيل لا يضمن صاحب الجدار إلا إذا قضى عليه الحاكم بالهدم فلم يفعل وهذا قول عبد الملك وابن وهب، وقيل إن بلغ حداً كان يجب عليه هدمه لشدة ميلانه فتركه فهو ضامن وإن لم يكن، إشهاد ولا حكم وهو قول أشهب وسحنون.
قوله: [وأنذر صاحبه]: المراد به مالكه المكلف أو وكيله الخاص أو العام الذي هو الحاكم إذا كان رب الجدار غائباً ولم يكن له وكيل خاص، ومن الوكيل الخاص ناظر الوقف ووصي الصغير والمجنون، فإذا سقط الجدار مع وجود الشروط الثلاثة ضمن وصي غير المكلف في ماله، ولو كان لغير المكلف مال وضمن ناظر وقف ووكيل خاص مع غيبة صاحبه حيث كان له مال يصلح منه لتقصيرهما، فإن لم يكن له مال وأمكنهما التسلف على ذمته وهو مليء وتركا حتى سقط ضمنا فيما يظهر أفاده (عب).
قوله: [فيضمن دية الأسنان]: إنما لم يقتص منه لتعدي العاض في الابتداء.
قوله: [لما عض رجل آخر]: أي حين عض رجل رجلاً آخر.
وقوله: «أيعض أحدكم أخاه»؟ : الاستفهام للتوبيخ.
وقوله: «كما يعض الفحل»: المراد فحل الإبل وإنما سقطت الدية عن المعضوض لأن الظالم أحق بالحمل عليه.
قوله: [فقصد عينه]: أي قصد المنظور إليه رمي عين الناظر لقلعها.
قوله: [على الراجح]: أي خلافاً لبهرام والتتائي أي حيث قالا بلزوم الدية إن قصد بالرمي فقء عينه، وإن قصد به الزجر فلا شيء عليه وعلى الراجح إن ادعى المرمي أن الرامي قصد عينه وادعى الرامي عدم قصدها ولا بينة ولا قرينة فإنه يعمل بدعوى الرامي لأن القصد لا يعلم إلا منه، ولأنه لا قصاص بالشك ومقتضى القياس على مسألة العض ترجيح كلام بهرام والتتائي، وقد يفرق للراجح بأن التعدي بالعض أعظم من التعدي في النظر تأمل.
قوله: [والأحاديث الواردة]
стр. 970
بقوله تعالى: ﴿وإن عاقبتم﴾ [النحل: ١٢٦] الآية.
(وما أتلفته البهائم) من الزرع والحوائط -مأكولة اللحم أم لا- وهي غير معلومة العداء ولم يحفظها ربها بربط أو غلق باب (ليلاً): معمول "أتلفته" (فعلى ربها) ضمانه. فإن عرفت بالعداء فعلى ربها ولو نهاراً حيث لم يحفظها. فإن ربطها ربطاً محكماً أو غلق الباب فانفلتت فلا ضمان مطلقاً.
وإذا لزمه الضمان: فعليه (وإن زاد) ما أتلفته من زرع (على قيمتها) وليس لربها أن يسلمها فيما أتلفته، فليست كالعبد الجاني لأنه مكلف.
(وقوم إن لم يبد صلاحه على الرجاء والخوف): بأن يقوم مرة واحدة على الرجاء والخوف، بأن يقال: ما قيمته على تقدير سلامته وتقدير جائحته؟ فما قاله أهل المعرفة. فإن غفل عنه حتى عاد كما كان فلا شيء فيه. فلو أتلفه بعد بدو صلاحه فقيمته وقت إتلافه.
(لا) ما أتلفه غير العادية (نهاراً)، فليس على ربها ضمان بشرطين: (إن سرحت ببعد المزارع) جداً بحيث لا يظن وصولها للزرع فاتفق أنها وصلت؛ فلا ضمان. فإن كان بقربه فعلى ربها الضمان لقيمة الزرع على ما تقدم (ولم يكن معها راع) فيه قدرة على حفظها (وإلا) بأن كان معها راع فيه كفاية لحفظها (فعلى الراعي) الضمان للزرع ولو صبياً؛ لأنه لم يؤمن على المتلف. فإن لم يكن فيه قدرة على حفظها فالضمان على ربها وهذا فيما يمكن منعه. أما مثل الحمام والنحل فلا ضمان على ربه وعلى رب الزرع حفظه.
وأما ما أتلفته الدابة بفعل شخص فعلى فاعله وإن سقط راكبها فأتلف مالاً، ففي ماله وغير المال فديته على عاقلته وما أتلفته بذنبها أو أتلفه ولدها فهدر كأن أتلفت ممسكها البالغ الحر، وإلا فعلى من أمرهما. وإن أتلفت بغير فعل بل بسيرها؛ كحجر أطارته ضمن القائد أو السائق أو الراكب - ولو حصل منه إنذار- لأن من بالطريق لا يلزمه التنحي، فلا ينفع قولهم: يمينك شمالك إذا حصل تلف شيء فإن اجتمعوا ضمن القائد والسائق حيث لم يكن فعل من الراكب. فإن تعدد الراكب فالضمان على المقدم وإن كان كل على جنب الدابة اشتركا. فإن حصل شك هل من الدابة أو من الفعل: فهدر.
(بابٌ:
العتق)
فعله من باب ضرب ودخل وهو لازم يتعدى بالهمز فلا يقال: عتق السيد عبده بل أعتق. ولا يقال: عتق العبد بضم العين المهملة بل أعتق بضم الهمزة [١] (خلوص الرقبة من الرق بصيغة) سيأتي الكلام على ذلك (وهو مندوب مرغب فيه)
ــ
أي الدالة على أن عينه هدر لتعديه.
قوله: [بقوله تعالى: ﴿وإن عاقبتم﴾ [النحل: ١٢٦]]: أي لعمومها.
قوله: [من الزرع والحوائط]: أي وأما لو أتلفت غيرهما من مال أو آدمي فإن كانت عادية ضمن ربها ما أتلفته ليلاً أو نهاراً حيث فرط في حفظها، وإن كانت غير عادية فلا يضمن ما أتلفته ليلاً أو نهاراً ولو لم يربطها أو يغلق عليها وهذا إذا لم يكن أحد معها وإلا ضمن.
قوله: [لأنه مكلف]: علة لقوله "ليست كالعبد".
قوله: [فما قاله أهل المعرفة]: مبتدأ خبره محذوف تقديره يعمل به.
قوله: [فإن غفل عنه] إلخ: أي وأما لو حكم بالقيمة ثم عاد لهيئته فاختلف فيه؛ فقال مطرف تمضي القيمة لرب الزرع، وقال غيره ترد والراجح قول مطرف كما في التوضيح نقله (بن) والظاهر أن الزرع على قول مطرف للجاني.
قوله: [على ما تقدم]: أي على الوجه المتقدم في التقويم بأن يقال ما قيمته على تقدير سلامته إلخ.
قوله: [لأنه لم يؤمن]: هكذا بالتشديد.
قوله: [وهذا فيما يمكن منعه]: حاصل ما في هذه المسألة أن الحيوانات التي لا يمكن التحرز منها ولا الحراسة لها كحمام ونحوه فقيل يمنع أربابها من اتخاذها إن كانت تؤذي الناس وهو قول ابن حبيب، ورواية مطرف عن مالك، وقيل لا يمنعون من اتخاذها ولا ضمان عليهم فيما أتلفته، وعلى أرباب الشجر والزرع حفظه وهو قول ابن القاسم وابن كنانة وأصبغ، وصوب ابن عرفة الأول لإمكان استغناء ربها عنها وضرورة الناس للزرع والشجر، ويؤيده قاعدة ارتكاب أخف الضررين ولكن المعتمد قول ابن القاسم، ولذلك اقتصر عليه الشارح.
قوله: [فديته على عاقلته]: أي إن بلغت ثلث دية الجاني أو المجني عليه.
قوله: [كأن أتلفت ممسكها] إلخ: هذا اختصار مخل وأصل العبارة في (عب) فإن انفلتت دابة فنادى ربها رجلاً بإمساكها فأمسكها أو أمره بسقيها ففعل فقتلته أو قطعت له عضواً لم يضمن ربها كعدم ضمان راكب وسائق وقائد ما حصل من فلوها يعني ولدها، فإن نادى صبياً أو عبداً بإمساكها أو سقيها فأتلفته فقيمة العبد، ودية الصبي على عاقلة الآمر، كناخس دابة فقتلت رجلاً فعلى عاقلة الناخس، فإن قتلت رجلاً في مسك الصبي أو العبد أو أمرهما بسقيها فعلى عاقلة الصبي ولا رجوع لهم على عاقلة الآمر ويخير سيد العبد بين إسلامه ولا رجوع له على الآمر وبين فدائه بدية الحر اهـ.
باب في العتق وأحكامه
قوله: [ولا يقال عتق العبد]: لأن الفعل اللازم لا يبنى للمجهول.
قوله: [خلوص الرقبة من الرق]: خبر المبتدأ وهذا هو المعنى الاصطلاحي، وأما لغة فهو الخلوص، وقال الجوهري العتق الكرم يقال، ما أبين العتق في وجه فلان يعني الكرم، والعتق الجمال والعتق الحرية وكذلك العتاق بالفتح والعتاقة تقول
стр. 971
فهو من أعظم القرب لما في الصحيحين وغيرهما، من قوله ﷺ : «من أعتق رقبة أعتق الله بكل عضو منها عضواً من أعضائه من النار حتى الفرج بالفرج» ومع ذلك: صلة الرحم أفضل لقوله ﷺ للتي أعتقت رقبة: «لو كنت أخدمتيها أقاربك كان أعظم لأجرك»، وقد أعتق ﷺ ثلاثاً وستين رقبة.
(وأركانه) أراد بالركن: ما يتوقف عليه الشيء (ثلاثة المعتق) بكسر التاء (وشرطه: التكليف): شمل السكران بحرام، لما تقدم أنه يلزم جنايته وطلاقه وعتقه والحدود بخلاف المعاملات.
(والرشد): فلا يلزم السفيه عتق؛ ولو علق وهو سفيه فحصل المعلق عليه وهو رشيد على الأظهر. أما الصبي إذا علق ثم حصل المعلق عليه بعد بلوغه فلا يلزمه العتق اتفاقاً لأنه غير مكلف، ولو أعتق السفيه أم ولده لزم لأنه ليس له فيها غير الاستمتاع وقليل الخدمة.
(ولزم) العتق مكلفاً (غير محجورلا مريضاً) في زائد ثلثه كما قال فللوارث رده (وزوجة فيما زاد على ثلثه): أي ثلث المحجور عليه من مريض وزوجة. ورد الوارث إيقاف، والزوج قيل: إيقاف، وقيل: إبطال.
(ومديناً) فلا يلزم عتقه إن (أحاط دينه) بماله ولو لم يحجر عليه (فلغريمه رده): أي العتق حيث استغرق الدين جميع الرقبة (أو) رد (بعضه) إن لم يستغرق جميعها. فإذا كان عليه عشرون والعبد يساويها فللغريم رد العتق، وإن كان العبد يساوي أربعين فلرب الدين الرد بقدر دينه، فيباع من الرقيق بقدر الدين إن وجد مشتر لذلك، وإلا رد الجميع. ومحل كون الغريم له الرد: (إلا أن يعلم) بالعتق ولم يرد فليس له رد (أو يطول) زمن العتق وإن لم يعلم، والطول؛ بأن يشتهر المعتوق بالحرية وتقبل شهاداته مما هو من أحكام الحرية. وقيل: زيادة على أربع سنين فإذا طال فلا رد؛ لأن الطول مظنة العلم، فلا يفيده قوله: لم أعلم بالعتق؛ بخلاف هبة المدين وصدقته فيردان
ــ
منه عتق العبد يعتق عتقاً وعتاقة وعتاقاً اهـ. وسمي البيت بالعتيق إما لخلوصه من يد الجبابرة إذ لم يملكه جبار، وإما لأن الله أعتقه من الغرق بالطوفان.
قوله: [فهو من أعظم القرب]: أي ولذا شرع كفارة للقتل، وأجمعت الأمة على منع عتق غير الآدمي من الحيوان لأنه السائبة المحرمة في القرآن كان الرجل في الجاهلية يقول إن قدمت من سفري فناقتي سائبة ويصير الانتفاع بها حراماً عندهم قال الله تعالى: ﴿ما جعل الله من بحيرة ولا سائبة﴾ [المائدة: ١٠٣]. فالآية وإن لم تصرح بالتحريم لكنها مستلزمة له.
قوله: [ومع ذلك] إلخ: هذا الكلام لا محل له ولا منازع فيه.
قوله: [ثلاثاً وستين رقبة]: هذا العدد لا مفهوم له وإلا فقد ثبت في الصحيح «أنه أعتق من هوازن ستة آلاف نسمة».
قوله: [وأركانه]: أي العتق.
وقوله: [ثلاثة]: أي وقد أفادها بقوله: "المعتق ورقيق الذي هو الذات المعتوقة وصيغة".
قوله: [أراد بالركن ما يتوقف عليه الشيء]: جواب عن سؤال وهو أن الركن ما كان داخل الماهية والمعتق والمعتوق ليسا داخلين وإلا لصح حملهما على العتق كما يحمل الحيوان والناطق على الإنسان وهو باطل.
قوله: [شمل السكران بحرام]: أي على القول المشهور ومقابله عدم صحة عتقه، والخلاف في السكران الذي عنده نوع من العقل، وأما الطافح الذي لا يعرف الأرض من السماء ولا الرجل من المرأة فهذا لا خلاف في أنه كالمجنون في جميع أحواله: وأقواله فيما بينه وبين الله، وفيما بينه وبين الناس إلا ما ذهب وقته من الصلوات فإنه لا يسقط عنه ذكر (ح) أن التفصيل في قول القائل:
لا يلزم السكران إقرار عقود ... بل ما جنى عتق طلاق وحدود
إنما ذكره ابن رشد في السكران الذي معه ضرب من العقل، قال: وهذا مذهب مالك وعامة أصحابه وهو أظهر الأقوال وأولاها بالصواب اهـ ملخصاً من (بن).
قوله: [لما تقدم أنه]: أي الحال والشان.
وقوله: [يلزم جنايته]: بيان لمرجع الضمير.
قوله: [فلا يلزم السفيه عتق]: أي وإن كان صحيحاً له إمضاؤه إذا رشد ما لم يكن رده وليه قبله.
قوله: [لأنه ليس له فيها] إلخ: أي وهو غير متمول والحجر عليه إنما يكون في الماليات.
قوله: [ولزم العتق مكلفاً]: خرج الصبي والمجنون.
وقوله: [غير محجور]: خرج السفيه في القليل والكثير والمريض والزوجة في زائد الثلث، والمدين في القليل والكثير، فلذاك ذكر المحترزات بقوله "لا مريضاً" إلخ.
قوله: [كما قال فللوارث رده]: كلامه يوهم أن القائل المصنف وليس كذلك فالصواب حذف قوله "كما قال".
قوله: [والزوج قيل إيقاف وقيل إبطال]: صوابه أن يقول والزوج قيل إبطال وقيل لا إبطال ولا إيقاف؛ لأن أشهب يقول بالأول وابن القاسم يقول بالثاني وحجة ابن القاسم قول المدونة في النكاح الثاني لو رد عتقها ثم طلقها لم يقض عليها بالعتق ولا ينبغي لها ملكه اهـ. أي فلو كان إبطالاً لجاز لها ملكه ولم يطلب منها تنفيذ عتقه، وقد يقال هو إبطال كما قال أشهب، ولكن لما كانت نجزت عتقه حال الحجر طلب منها ندباً تنفيذه عند زوال الحجر.
قوله: [وإلا رد الجميع]: أي ويباع كله.
قوله: [ولم يرد]: أي حين علمه.
قوله: [أو يطول زمن العتق] إلخ: أي مع حضور رب الدين.
وقوله: [وإن لم يعلم]: أي والحال أنه لم يعلم غريمه فالطول وحده كاف ولا ينظر لقول
стр. 972
ولو طال الزمن؛ لأن الشارع في العتق [١] متشوف للحرية (أو يستفيد) السيد (مالاً) بعد العتق يفي بالدين ولم يرد العتق حتى أعسر فلا رد (وإن) كانت استفادة المال (قبل نفوذ البيع) للعبد: بأن رد السلطان عتق المدين وباع عليه العبد بالخيار كما هو المطلوب، فقبل مضي الثلاثة الأيام أفاد السيد مالاً يفي بالدين فيمضي العتق وليس للغريم رده؛ لأن رد الغريم إيقاف، والحاكم كمن ناب منابه وأما رد الوصي والسيد فإبطال.
(ورقيق) عطف على "المعتق" وسواء كان كامل الرق أو ذا شائبة. ووصف الرقيق بقوله: (لم يتعلق به) أي برقبته (حق لازم): بأن لم يتعلق به حق أصلاً أو غير لازم؛ كحق للسيد إسقاطه، احترازاً عن المرهون والجاني وربه معسر، وإلا عجل الدين والأرش.
(وصيغة) عطف على "المعتق". وهي: إما صريحة وهي ما لا تنصرف عن العتق بنية غيره وتنصرف عنه بقرينة، وإما كناية ظاهرة: وهي ما لا تنصرف عنه إلا بالنية، وإما كناية خفية: وهي ما لا تنصرف إليه إلا بالنية.
وبدأ بالصريحة فقال: (بـ عتقت) رقبتك أو عتقتك (وفككت) رقبتك أو: أنت مفكوك الرقبة (وحررت) كذلك. ولو قيد بزمن، فإن العتق يتأبد؛ كقوله: أنت حر في هذا اليوم. والواو بمعنى "أو" ومحل العتق بالصيغة الصريحة: حيث كانت (بلا قرينة مدح) فإن وجدت صرفتها عن العتق؛ كفعل العبد فعلاً حسناً فقال سيده: أنت حر، ولم ينو به العتق بل: أنت تفعل فعل الحر (أو غيره): أي غير المدح، كقرينة ذم وزجر كمخالفة سيده فقال له [٢]: أنت حر: إلخ فلا يلزمه عتق في فتيا ولا قضاء، وقرينة مكس؛ فلو طلب المكاس مكس العبد فقال سيده: هو حر فلا شيء عليه ولو حلفه.
وأشار للكناية الظاهرة بقوله: (وبـ كوهبت لك نفسك) أو خدمتك أو: عملك أو: غلتك طول عمرك، ولا يعذر بجهل (أو: لا ملك) لي عليك (أو: لا سبيل لي عليك) ولا ينفعه دعوى أنه أراد غير العتق (إلا) أن يكون ذلك (لجواب) لكلام قبله وقع من العبد فإنه يصدق في إرادة غير العتق.
وأشار للكناية الخفية التي لا تنصرف للعتق إلا بنية بقوله: (وبـ كاسقني) الماء (و) بقوله للعبد: (اذهب)
ــ
الغرماء ما لم يعلم كما في ابن عرفة وغيره، إما لأن الطول مظنة للعلم، وإما لاحتمال أن السيد استفاد مالاً في تلك المدة.
قوله: [ولو طال الزمن]: أي والموضوع أن الغريم لم يعلم، وأما إن علم بالهبة والصدقة وسكت فيمضيان كالعتق اتفاقاً.
قوله: [أو يستفيد السيد مالاً]: معطوف على قوله "يعلم" أي فموانع رد الغريم للعتق أحد أمور ثلاثة؛ إما علم الغريم به مع السكوت، أو الطول، أو استفادة مال لسيد العبد يفي بالدين بعد عتقه لو لم يقم الغريم حتى ضاع ذلك المال ورجع للإعسار.
قوله: [فقبل مضي الثلاثة الأيام]: أي مدة خيار بيع الحاكم؛ لأن خيار بيع الحاكم ثلاثة أيام في كل شيء وإن كان الخيار في الرقيق أكثر، وأما لو استفاد المال بعد مضي أيام الخيار فلا رد وهذا كله إذا كان البائع السلطان كما صوبه الشارح أو المفلس أو الغرماء بإذن السلطان، وأما لو كان البائع الغرماء أو المفلس بغير إذنه فيرد البيع حتى بعد نفوذه أيضاً حيث استفاد المدين مالاً كما في (ح) ذكره محشي الأصل.
قوله: [وأما رد الصبي والسيد فإبطال]: أشار ابن غازي إلى ضبط جميع أقسام الرد بقوله:
أبطل صنيع العبد والسفيه ... برد مولاه ومن يليه
وأوقفن فعل الغريم واختلف ... في الزوج والقاضي كمبدل عرف
قوله: [كحق للسيد إسقاطه]: أي وذلك كما لو أوصى به لفلان ثم نجز عتقه فإن عتقه صحيح ماض، لأنه وإن تعلق به حق للغير وهو الموصى له به إلا أن هذا الحق غير لازم لأن له أن يرجع في وصيته وتنجيز العتق هنا يعد رجوعاً عنها.
قوله: [وهي ما لا تنصرف عن العتق] إلخ: أي ما لا تنصرف عنه إلى غيره ولو بنية صرفه.
وقوله: [وتنصرف عنه بقرينة]: بمنزلة الاستدراك كأنه قال لكن تنصرف لغيره بقرينة.
قوله: [وهي ما لا تنصرف عنه] إلخ: أي لغيره.
وقوله: [إلا بالنية]: أي أو بالقرينة بل هي أولى لأنها تنفع في الصريح.
قوله: [وهي ما لا تنصرف إليه] إلخ: هذا هو التحقيق.
والحاصل أن الصريح هو ما لا ينصرف للغير ولو بالنية بل بالقرينة والبساط والكناية الظاهرة ما لا تنصرف عنه إلا بالنية أو القرينة والبساط، ولا يتوقف صرفها له على نية بل عند الإطلاق تكون له والخفية ما لا تنصرف له إلا بالنية والطلاق في الأقسام الثلاثة كالعتق.
قوله: [بـ عتقت]: المناسب للمصنف أعتقت لما تقدم أن عتق لازم لا ينصب المفعول بنفسه بل بالهمزة فمسايرة الشارح له غفلة عما قدمه.
قوله: [والواو بمعنى أو]: أي في قول المصنف وفككت وحررت.
قوله: [بلا قرينة مدح]: أي حال كون الصريح ملتبساً بعدم القرينة الدالة على مدح ذلك العبد.
قوله: [إلخ]: أي إلى آخر الألفاظ الصريحة التي تقدمت في المصنف.
قوله: [فلا شيء عليه ولو حلفه]: أي من جهة العتق، وأما من جهة اليمين فإن وجدت شروط الإكراه فلا حنث وإلا ففيه الحنث.
قوله: [ولا ينفعه دعوى] إلخ: مقتضى كون هذه الصيغ من الكناية الظاهرة
стр. 973
وأدخل بالكاف كل كلام ينوي به العتق وقوله: (إن نواه به) راجع لقوله: (وبكاسقني) إلخ لا لما قبله لما [١] علمت أن الظاهرة لا تحتاج لنية. فإن لم ينو العتق بنحو اسقني، فلا عتق. وعلمت أن الظاهرة هنا تنصرف عنه بالنية خلافاً لما في عبد الباقي.
(وهو): أي العتق (في خصوصه) كالطلاق فيلزم إذا قال: إن ملكت عبداً من الزنج أو من بلد كذا فهو حر. أو: كل عبد ملكته في سنة كذا فهو حر؛ فيلزم عتق من ملكه لتخصيصه (وعمومه): كالطلاق؛ فلا يلزم شيء في قوله كل عبد أملكه فهو حر، لدفع الحرج في التعميم.
(و) العتق (في منع وطء أو) في منع (بيع في صيغة الحنث) كالطلاق نحو: إن لم أفعل كذا فأمتي حرة؛ فيمنع من وطئها وبيعها، أو: فعبدي فلان حر؛ فيمنع من بيعه حتى يفعل فإن مات قبل الفعل عتق من الثلث. فإن قيد بأجل فيمنع من البيع وله الوطء إلى ضيق الأجل بحيث لو وطئ لفرغ الأجل؛ لأن البيع يضاد العتق بخلاف الوطء.
وهو في (عتق بعض): كالطلاق فإذا قال: نصفك أو ربعك حر عتق جميعه (أو عضو) كقوله: يدك حرة، فيعتق جميعه (ونحوه) ككلامك أو: شعرك، عتق الجميع لكن التكميل في عتق بعض إلخ يحتاج لحكم حاكم، بخلاف الطلاق، فالتشبيه في الجملة من حيث كونه يتكمل.
(و) العتق (في تمليكه) للعبد أمر نفسه أو تفويضه له: كتمليك الزوجة أمر نفسها.
(و) هو في (جوابه كالطلاق): فإذا قال في جواب سيده: أعتقت نفسي فيعتق اتفاقاً؛ كاخترت نفسي، ونوى به العتق. فإن لم ينوه بـ "اخترت نفسي" فالمذهب لا يعتق، وهو قول ابن القاسم. وقال أشهب: يعني [٢] فخالف الزوجة عند ابن القاسم (إلا) العتق (لأجل) فإنه يخالف الطلاق إذ من طلق لأجل ينجز عليه ومن أعتق لأجل يبلغه عمره ظاهراً فلا ينجز عليه حتى يأتي الأجل (أو) قال لأمتيه: (إحداكما) حرة، ولا نية له، فليس كالطلاق إذا قال لزوجتيه: إحداكما طالق فيطلقان معاً حيث لا نية وأما في الأمتين (فله الاختيار) في عتق واحدة وإمساك الأخرى فإن نسي من نواها عتقا كالطلاق؛ فالمخالفة حيث لا نية ويستوي العتق والطلاق في النسيان (أو) إلا إن قال لأمته (إن حملت) مني فأنت حرة (فله وطؤها في كل طهر مرة) حتى تحمل فإذا حملت عتقت، وترجع عليه بالغلة من يوم الوطء بخلاف الزوجة إذا قال لها: إن حملت فأنت طالق، فله وطؤها مرة، ومتى وطئها في الطهر الذي حلف فيه حنث ولو كان الوطء قبل يمينه
ــ
أن الدعوى تنفعه لما تقدم أن الكناية الظاهرة تصرفها النية.
قوله: [وأدخل بالكاف] إلخ: ظاهره حتى صريح الطلاق فإذا قال لرقيقه أنت طالق ونوى به العتق فإنه يلزمه إذ هو أولى من اسقني الماء لكن يعكر على هذا قولهم كل ما كان صريحاً في باب لا يكون كناية في غيره
قوله: [وعلمت أن الظاهرة] إلخ: هذا هو المتعين وهذا يؤيد قولنا مقتضى كون هذه الصيغ إلخ.
قوله: [فيلزم إذا قال] إلخ: حاصله أنه يخص بما عينه فيلزمه عتق من في ملكه وما يتجدد علقه أم لا إذا لم يقيد بالآن ولا بأبداً ونحوه، فإن قيد بالآن ككل مملوك أملكه من الصقالبة الآن حر لزمه فيه فقط معلقاً أم لا لا فيمن يتجدد من الصقالبة مثلاً، وإن قيد بأبداً ونحوه فالعكس أي فيلزمه فيمن يتجدد لا فيمن عنده معلقاً فيهما أم لا فالصور ست أفاده (عب).
قوله: [وعمومه كالطلاق]: أي في الجملة قال في الحاشية والحاصل أن من قال: كل مملوك أملكه حر ولم يقل أبداً ولا في المستقبل معلقاً له على شيء كدخول الدار مثلاً أو غير معلق فإنه يلزمه عتق من يملكه حال حلفه فقط لا فيمن يتجدد ملكه وهو يخالف: كل امرأة أتزوجها طالق فإنه لا يلزمه فيمن تحته ولا فيمن يتزوجها بعد ذلك سواء علقه أم لا، والفرق أن الشارع متشوف للحرية، وأما إذا قيد بـ أبداً أو في المستقبل فيستوي البابان في عدم اللزوم لا فيمن تحته ولا في غيره.
قوله: [في صيغة الحنث]: أي مطلقة غير مقيدة بأجل. والحاصل أنه يمنع من الوطء والبيع في صيغة الحنث غير المقيدة بأجل، وأما صيغة البر فلا يمنع في واحد منهما، وأما صيغة الحنث المقيدة بأجل كقوله: إن لم أفعل كذا في شهر كذا فأمتي حرة فيمنع من البيع لأنه يقطع العتق ويضاده والشارع متشوف له ولا يمنع من الوطء لأنه لا يقطع العتق ولا يضاده.
قوله: [وهو في عتق بعض] إلخ: أي ويأتي قوله في الطلاق وأدب المجزئ
وفي (بن) أن التجزئة في العتق مكروهة فقط ولا أدب فيها.
قوله: [وقال أشهب يعتق]: أي بقوله اخترت نفسي وإن لم يرد به العتق لأنه لا معنى لاختياره نفسه إلا إرادة العتق في نفس الأمر.
قوله: [إذ من طلق لأجل ينجز عليه]: إنما نجز عليه لأن بقاءه للأجل يشبه نكاح المتعة.
قوله: [يبلغه عمره ظاهراً]: قيد في الطلاق والعتق وحذفه من الأول لدلالة الثاني عليه، ومفهوم هذا القيد أنه إن طلق أو أعتق لأجل لا يبلغه عمرهما ظاهراً كقوله بعد مائة سنة فأنت حرة أو طالق فلا يلزمه شيء فيهما.
قوله: [فيطلقان معاً]: أي الآن وليس له اختيار واحدة وخيره المدنيون كالعتق وهو ضعيف والفرق بين الطلاق والعتق على المعتمد أن الطلاق فرع النكاح وهو لا يجوز فيه الاختيار فلا يجوز أن يتزوج بنتاً يختارها من بنات رجل معين بعد العقد، والعتق فرع الملك وهو يجوز فيه الاختيار فيجوز أن تشتري أمة بمائة على أن تختارها من إماء معينة.
قوله: [أو إلا إن قال لأمته إن حملت مني] إلخ: أي والحال أنها كانت غير حامل وأما إذا قال لها
стр. 974
هذا هو الصواب.
(وإن قال) لأمتيه: (إن دخلتما) الدار مثلاً فأنتما حرتان (فدخلت واحدة) منهما الدار (فلا شيء عليه فيهما): أي فلا تعتق الداخلة ولا غيرها حتى يدخلا في زمن واحد، هذا مذهب ابن القاسم حملاً على كراهة الاجتماع، فلو دخلت واحدة بعد أخرى فلا شيء عليه. والزوجتان في هذا كله كالأمتين.
(وعتق بنفس الملك) الإضافة للبيان: أي بمجرد الملك بدون حكم حاكم على المشهور (أصله): أي المالك غير المدين نسباً لا رضاعاً وإن علا؛ فيعتق عليه الجد إلخ (وفرعه) وإن سفل بالإناث فأولى بالذكور (وإخوته مطلقاً) ولو لأم. ولا يشترط في العتق بالقرابة الرشد على التحقيق.
(لا) يعتق بالملك (ابن أخ وعم) فقد توسط المالكية في قياس الحاشية القريبة ومحل العتق بالملك للأصل والفرع والحاشية القريبة.
(إلا) أن يكون الملك (بشراء أو إرث وعليه دين) أي والحال أن على المشتري إلخ ديناً (فيباع) في الدين ولا يعتق، ولو علم بائعه أنه يعتق على المشتري فإن لم يكن عليه دين عتق بنفس الملك ولو كان الشراء مختلفاً في فساده ويكون فوتاً وفيه القيمة على التحقيق
(و) عتق (بالحكم) لا بمجرد التمثيل فلو لم يحصل حكم فلا يعتق وبيعه صحيح (إن تعمد) السيد (مثلة) وهل يؤدب مع العتق؟ قولان: ويدل على تعمد المثلة إقراره أو قرائن الأحوال. واحترز عن الخطأ؛ فلا يعتق عليه والقول للسيد في نفي العمد ما لم يعلم عداه (برقيقه) ولو أم ولده أو مكاتبه ويرجع بعد عتقه بفضل الأرش على كتابته.
(أو رقيق رقيقه): الذي له نزع ماله احترازاً عن رقيق مكاتبه.
(أو) مثل (برقيق محجوره) كان المحجور ولداً صغيراً أو كبيراً سفيهاً. أما الكبير الرشيد فكالأجنبي [١] (غير محجور) فاعل تعمد يحترز عن الصبي والمجنون والسفيه والعبد فإنه إذا مثل واحد منهم برقيقه فلا يعتق عليه.
(و) غير (ذمي) مثل (بمثله) بكسر الميم وكسر اللام بعدها ضمير عائد على الذمي فمنطوقه ثلاث صور فيها العتق: تمثيل مسلم بعبده الذمي، أو عبده المسلم، وتمثيل ذمي بعبده المسلم. ومفهومه صورة: وهي ذمي مثل بعبده الذمي.
(كقطع ظفر) شروع في الأمثلة التي توجب الحكم بالعتق
ــ
وهي حامل إن حملت فأنت حرة لم تعتق إلا بحمل مستأنف، وأما إذا قال لزوجته الحامل إن حملت فأنت طالق ففي بهرام عن ابن القاسم ينجز طلاقها وذكر ابن الحاجب أن الطلاق كالعتق فلا تطلق إلا بحمل مستأنف.
قوله: [هذا هو الصواب]: أي لاحتمال حملها ولا يجوز البقاء على عصمة مشكوك فيها.
قوله: [أي فلا تعتق الداخلة] إلخ: أي وهذا بخلاف ما لو قال لأمته إن دخلت هاتين الدارين فأنت حرة فدخلت واحدة منهما فإنها تعتق على قاعدة التحنيث بالبعض، وكذلك الحكم إذا قال لزوجته إن دخلت هاتين الدارين فأنت طالق فتطلق عليه إذا دخلت إحداهما أفاده محشي الأصل.
قوله: [وعتق بنفس الملك]: ويشترط أن يكون الرقيق والمالك مسلمين أو أحدهما لا كافرين إذ لا نتعرض لهما إلا إذا ترافعا إلينا.
قوله: [على التحقيق]: أي كما أفاده (بن) خلافاً لما في الأصل و (عب).
قوله: [في قياس الحاشية القريبة]: أي على الأصول والفروع.
قوله: [والحاشية القريبة]: المراد بها الإخوة والأخوات ومحل عدم عتق الحاشية البعيدة بالقرابة كالعمات والخالات ما لم يولدها جاهلاً بقرابتها له وإلا فينجز عتقها؛ لأن القاعدة أن كل أم ولد حرم وطؤها تنجز عتقها أفاده في المجموع.
قوله: [وفيه القيمة]: قد يقال حيث كان مختلفاً في فساده يكون فوته بالثمن لا بالقيمة وأما المجمع على فساده فأفاد اللخمي أنه لا ينقل ملكاً انظر (بن) ولا يعتق في بيع الخيار إلا بعد مضيه وفي المواضعة بعد رؤية الدم.
قوله: [وبيعه صحيح]: أي ماض.
قوله: [مثلة]: هي بمثلثة.
قوله: [وهل يؤدب]: قد يقال أدبه مع العتق يلزم عليه اجتماع عقوبتين وهو خلاف المعهود في الحدود.
قوله: [ويرجع بعد عتقه بفضل الأرش] إلخ: أي يرجع على سيده بما يزيده أرش الجناية على الكتابة، وأما إن زادت الكتابة على أرش الجناية أو ساوت فلا شيء له، ولعل جعلهم الرجوع بزيادة الأرش لتنزيله حينئذ منزلة الحر المجني عليه.
قوله: [احترازاً عن رقيق مكاتبه]: أي فلا يعتق عليه ويلزمه أرش جنايته إلا أن تكون مثلته مفيتة للمقصود من ذلك العبد فيضمن قيمته ويعتق عليه كما في حاشية الأصل.
قوله: [أما الكبير الرشيد] إلخ: أي فلا يعتق عليه ويغرم لصاحبه أرش الجنايات إلا أن يبطل منافعه فيعتق عليه ويغرم لصاحبه قيمته كما تقدم في رقيق مكاتبه. واعلم أن المثلة ليست من خواص العتق فلو مثل بزوجته كان لها الرفع للحاكم فتثبت ذلك وتطلق عليه لأن لها التطليق بالضرر ولو لم تشهد البينة بتكرره.
قوله: [فإنه إذا مثل واحد منهم] إلخ: أما الصبي والمجنون فلا يلزمهما عتق بالمثلة اتفاقاً لوجوب حفظ مالهما وكذا السفيه على الراجح لوجوب حفظ ماله وإن كان يؤدب لذلك، وأما العبد فلأن في العتق زيادة في إتلاف مال السيد.
قوله: [ومفهومه صورة] إلخ: أي لا عتق فيها. واعلم أن المعاهد ليس كالذمي في التفصيل المذكور بل إذا مثل بعبده لا يعتق عليه ولو كان مسلماً لأنه ليس ملتزماً لأحكامنا فلا نتعرض له أفاده محشي
стр. 975
وكان مثلة؛ لأنه لا يخلفه غالباً إلا بعضه وهو شين (أو سن) قلعها أو بردها بالمبرد حتى أذهب منفعتها (أو قطع بعض أذن): أو شرطها (أو) قطع بعض (جسد): من أي موضع؛ فيشمل الجب والخصاء ولو قصد زيادة الثمن فلا يجوز بيعه ولا شراؤه للعتق بمجرد الفعل (أو خرم أنف) فإنه يكون مثلة يعتق به؛ إلا لزينة كجعل خزام فيه للأنثى وهل حلق شعر رأس العلية ولحية عبد نبيل كتاجر مثلة يعتق به؟ وهو ما في الأصل، ورجحه بعضهم، أو لا؟ لسرعة عودهما لأصلهما، ورجحه عبد الباقي والمصنف في الشارح ولذا حذفه هنا.
(أو وسم بنار) بأي عضو (أو بوجه ولو بغيرها): أي بغير النار كوسم بإبرة بمداد أو غيره، ورجح المصنف في شرحه أيضاً أنه مثلة يعتق به ما لم يكن للزينة.
(و) عتق بالحكم على المشهور وقيل: يكمل بنفس العتق وقيل: إن كان الباقي له لم يحتج لحاكم (جميعه): أي الرقيق (إن أعتق) السيد (جزءاً) من رقيقه سواء كان من قن أو مدبر أو معتق لأجل أو مكاتب أو أم ولد (والباقي له): أي للسيد المعتق للجزء موسراً أو معسراً (كأن بقي لغيره): بأن كان الرقيق مشتركاً بين اثنين فأكثر، فإذا أعتق بعضهم نصيبه فيعتق باقيه وهو حصة الشريك على من أعتق نصيبه.
(بقيمته) وتعتبر القيمة (يومه) أي يوم الحكم لا يوم العتق، وقوله: (إن دفعها): أي من أعتق نصيبه، ليس الدفع بالفعل شرطاً في عتق حصة الشريك، بل يعتق ويلزمه القيمة وإن لم يدفعها بالفعل.
(و) شرط التكميل عليه إن (كان) المعتق لنصيبه (مسلماً أو) لم يكن المعتق للجزء مسلماً ولا شريكه لكن (العبد) مسلماً نظراً لحق العبد المسلم، فلو كان الجميع المعتق وشريكه والعبد كفاراً فلا نتعرض لهم إلا أن يرضى الشريكان بحكمنا.
(و) شرط التكميل أيضاً إن (أيسر) معتق الجزء (بها): أي بقيمة حصة شريكه فيعتق عليه جميعها (أو) أيسر (ببعضها) فيعتق عليه من حصة شريكه بقدر ما أيسر به فقط ولا يقوم عليه ما أعسر به فقط ولو رضي شريكه باتباع ذمته. ويعرف عسره بعدم ظهور مال له، ويسأل عنه جيرانه ومن يعرفه. فإن لم يعلموا له مالاً حلف ولا يسجن.
(و) أيسر بها أو ببعضها بأن (فضلت) قيمة حصة الغير (عن متروك المفلس)
ــ
الأصل.
قوله: [وكان مثلة]: أي وإنما كان قلع الظفر مثلة إلخ.
قوله: [لأنه لا يخلفه غالباً إلا بعضه]: الضمير يعود على الظفر أي فالغالب أن الظفر إذا زال لا يعود كله بل بعضه.
قوله: [أو بردها]: تبع في ذلك خليلاً وشراحه قال (بن) لم يذكر اللخمي وعياض وابن عرفة والتوضيح الخلاف إلا في قلع السن أو السنين ولم يتعرضوا لذلك في برد الواحدة أو الاثنين اهـ إذا علمت ذلك فذكر خليل له بطريق القياس على القلع.
قوله: [ولو قصد زيادة الثمن]: أي على المعتمد كما هو ظاهر إطلاق المدونة وابن أبي زمنين وابن أبي زيد كذا قال (ح) ثم ذكر أنه يفهم من كلام اللخمي أنه إذا خصاه ليزيد ثمنه لا يعتق عليه وإن كان لا يجوز بإجماع أفاده (بن).
قوله: [للعتق بمجرد الفعل]: المناسب أن يقول لأنه يحكم عليه بالعتق.
قوله: [ورجحه بعضهم]: نص ابن عرفة ابن رشد روى ابن الماجشون حلق لحية العبد النبيل ورأس الأمة الرفيعة مثلة بخلاف غيرهما ولم يذكر مقابلاً له قاله (بن).
قوله: [أو وسم بنار]: حاصله أن الوسم بالنار إذا كان مجرد علامة فلا يكون مثلة في الوجه أو غيره، وأما إن كان كتابة ظاهرة أو غير كتابة وكان متفاحشاً فإن كان في الوجه فمثلة اتفاقاً وإن كان في غيره فقولان متساويان كما أفاده (بن).
قوله: [على المشهور]: أي كما قال ابن رشد وقال اللخمي هو الصحيح من المذهب.
قوله: [جميعه]: فيه مسامحة وذلك لأن المتوقف على الحكم بقيته لا جميعه.
قوله: [والباقي له]: جملة حالية من فاعل "أعتق".
قوله: [أو معسراً]: أي والحال أنه لا دين عليه يستغرق الباقي منه وإلا فلا يعتق عليه الباقي بالحكم.
قوله: [لا يوم العتق]: أي لحصته.
قوله: [ليس الدفع بالفعل شرطاً]: أي وإنما الشرط دفعها بالقوة بأن يكون موسراً بها.
قوله: [إن كان العتق [١] لنصيبه مسلماً]: أي كان العبد مسلماً أو كافراً والشريك مسلماً أو كافراً وبالجملة فالمدار على إسلام أحد الثلاثة كذا قيل وهو المأخوذ من الشارح، ولكن المشهور الذي نقله الخرشي أنه لا يعتبر إسلام الشريك في الحكم بالعتق حيث كان المعتق والعبد كافرين.
قوله: [إلا أن يرضى الشريكان بحكمنا]: أي فإن رضيا به نظر فإن أبان المعتق العبد أي أبعده عنه ولم يؤوه عنده حكم بالتقويم كما في عتق الكافر عبده الكافر ابتداء وإن لم يبنه فلا يحكم بتقويمه عليه، وليس المراد أن الشريكين إذا رضيا بحكمنا يحكم عليهما بالتقويم مطلقاً كما هو ظاهر الشارح كذا يؤخذ من (عب).
قوله: [إن أيسر معتق الجزء بها]: لا يقال هذا يغني عنه قوله "إن دفعها" بناء على أن المراد بالدفع القدرة عليه وإن لم يدفع بالفعل لاستلزامه لليسار بها لأننا نقول الاستلزام ممنوع، إذ قد يدفعها من مال غيره لكونه غير موسر بها، فإن كان معسراً بها فلا يكمل عليه.
قوله: [حلف ولا يسجن]
стр. 976
فليس قوله: "وفضلت" شرطاً مستقلاً كما قاله في الشارح بأن زادت عن قوته وقوة الواجب عليه لظن اليسار، وتقدم أنه يباع عليه الكسوة الزائدة والدار إلخ.
(و) شرط عتق حصة الشريك عليه أن يكون (عتقه): أي الجزء باختياره (لا) إن كان عتق عليه جبراً كدخول جزء من يعتق عليه في ملكه (بإرث) فإنه لا يقوم عليه ولا يعتق جزء الشريك ولو كان من دخل في ملكه الجزء جبراً ملياً (و) يشترط أيضاً أن يكون (ابتدأ العتق) في الرقبة (لا إن كان) الرقيق (حر البعض) قبل عتق الجزء فلا يقوم على من أعتق الجزء؛ لأنه لم يبتدئ العتق مثلاً: كانت الرقبة بين ثلاثة فأعتق واحد حصته، ثم أعتق الثاني حصته، فلا يقوم على الثاني نصيب الثالث ولو كان الثاني ملياً؛ لأنه لم يبتدئ العتق بل على الأول إن كان موسراً وعلم أنه الأول.
(وقوم) المعتق بعضه على الشريك المعتق (كاملاً) إذ في تقويم البعض ضرر على الشريك الذي لم يعتق (بماله): أي مع ماله وولده من أمته والتقويم إنما يكون (بعد امتناع شريكه من العتق) فيؤمر شريكه بعتق حصته من غير جبر، فإن امتنع قوم على من أعتق حصته (إن كان) أعتق حصته (بغير إذنه): أي بغير إذن شريكه الممتنع عن العتق (وملكاه): أي الشريكان معاً.
(ونقض له): أي للعتق (بيع): أي البيع الصادر من الثاني الذي لم يعتق، وكذا ممن بعده سواء علم الشريك الذي لم يعتق وباع بعتق شريكه قبل البيع أم لا ما لم يعتقه المشتري.
(و) نقض (تدبير): أي تدبير الثاني ويقوم أيضاً قناً (و) نقضت (كتابة): أي كتابة صدرت من الثاني ويقوم أيضاً.
(و) نقض (تأجيل): أي إذا أعتقه الثاني لأجل، فإنه ينقض ويقوم على المعتق الأول قناً فلو دبر أحد الشريكين أولاً، ثم أعتق الثاني بتاً قوم نصيب المدبر على من أعتق بتاً.
و(لا) تنقض (هبة) صدرت من الثاني بل القيمة للموهوب له. (و) لا تنقض (صدقة) صدرت من الثاني بحصة لشخص.
ــ
أي على ما قال عبد الملك، ونقل سحنون عن باقي الأصحاب أنه لا يحلف.
قوله: [فليس قوله وفضلت شرطاً]: أي بل الواو حالية.
قوله: [وتقدم أنه يباع عليه الكسوة]: أي تقدم ما يؤخذ منه ذلك في قوله "وترك له قوته والنفقة الواجبة عليه".
قوله: [بإرث]: مفهومه أنه لو دخل بشراء أو هبة أنه يكمل عليه الجزء الآخر وهو كذلك لأن قدومه على الشراء وعلى قبول الهبة يعد عتقاً اختيارياً فتأمل.
قوله: [أن يكون ابتدأ العتق] إلخ: حاصله أن شروط تقويم الباقي على الشريك المعتق خمسة إن قوي على دفع القيمة وكان المعتق أو المعتوق مسلماً وأيسر بها أو ببعضها وكان العتق اختياراً له وابتدأه.
قوله: [كانت الرقبة]: المناسب كأن كانت الرقبة لأنه تصوير للمثال.
قوله: [كاملاً]: أي على أنه رقيق لا عتق فيه.
والحاصل أن المعتق بعضه يقوم على المعتق كاملاً مطلقاً سواء أعتق بعضه بإذن شريكه أم لا على المشهور من المذهب، وقيل يقوم عليه نصفه مثلاً على أن النصف الثاني حر وهو قول أحمد بن خالد، وفصل بعضهم فقال: إن أعتق شريكه بإذنه فكقول أحمد، وإن أعتق بغير إذنه فكالمشهور وهذا ما مشى عليه المصنف. قال ابن عبد السلام وينبغي على القول الأول أن يكون للشريك الرجوع على المعتق بقيمة عيب نقص العتق إذا منع الإعسار من التقويم عليه نقله في التوضيح اهـ (بن).
قوله: [بماله]: أي لأنه يعتق بعضه بمنع انتزاع ماله لأنه تبع له فلذا وجب تقويمه مع ماله ويعتبر ماله يوم تقويمه على المعتق الكائن في محل العتق فإذا كان له حين التقويم مال موجود بمصر ومال بمكة اعتبر المال الموجود في محل العتق دون غيره.
قوله: [وملكاه]: أي الشريكان معاً أي وأما لو اشترياه في صفقتين فلا يقوم كاملاً ومحله أيضاً ما لم يبعض الثاني حصته بأن يعتق الثاني بعض حصته بعد عتق الأول جميع حصته أو بعضها فيقوم على الأول البعض الباقي من حصة الثاني فقط؛ لأن من حجته أن يقول إنما يقوم علي كاملاً إذا كان الولاء كله لي.
قوله: [وكذا ممن بعده]: لا يقال البيع من مفوتات البيع الفاسد لأننا نقول لا يكون مفوتاً إلا إذا كان البيع الثاني صحيحاً وهذا لا يكون إلا فاسداً للغرر لأن التقويم قد وجب فيه قبل فدخل المشتري على قيمة مجهولة.
قوله: [بعتق شريكه]: متعلق بعلم.
قوله: [ما لم يعتقه المشتري]: أي أو يفوت بمفوت من مفوتات البيع الفاسد كتغير سوق أو بدن أو زيادة مال أو حدوث ولد له من أمته فإذا حصل في العبد مفوت مما ذكر فلا ينقض البيع في الجزء ويلزم المشتري ذلك الجزء بقيمته يوم قبضه ثم يدفع المعتق القيمة له ليكمل عليه عتق جميعه أفاده محشي الأصل.
قوله: [ولا تنقض هبة] إلخ: حاصله أن الهبة والصدقة إذا حصلتا من أحد الشريكين بعد عتق الآخر فإنهما يمضيان ولا ينقضان وكانت القيمة للموهوب له أو المتصدق عليه، وهذا ما لم يحلف الواهب أو المتصدق أنه ما وهب أو ما تصدق لتكون القيمة للموهوب له أو المتصدق عليه فإن حلف فهو أحق بها كذا
стр. 977
(وإن ادعى) المعتق عند التقويم (عيبه) الخفي كسرقة وادعى شريكه نفي العيب (فله): أي لمن أعتق حصته (تحليفه) إنه [١] لا يعلم العيب، فإن حلف قوم سليماً من عيب نحو السرقة والإباق [٢] وإن نكل حلف المدعي وقوم معيباً.
(باب)
في التدبير وأحكامه
(ندب التدبير): لأنه نوع من العتق. (وأركانه كالعتق) مدبر، ومدبر، وصيغة كما أشار لذلك بقوله: (وهو تعليق مكلف): فلا يكون من صبي ولا مجنون ولا مكره.
(رشيد) خرج تعليق العبد والسفيه (وإن) كان المكلف الرشيد (زوجة) دبرت (في زائد الثلث) عن مالها الآن، أو لم يكن لها مال غير المدبر، فيلزمها ولا كلام لزوجها؛ لأن الرقيق في ملكها للموت، فبعد الموت يكون الزوج كبقية الورثة، (عتق رقيقه) معمول: "تعليق" أي تعليقه نفوذ العتق (على موته): أي موت المعلق بكسر اللام (لزوماً) خرج تعليق الوصية كما يأتي. (بدبرت)
ــ
قالوا هنا.
قوله: [وإن ادعى المعتق] إلخ: ظاهر المصنف سواء ادعى علم شريكه بالعيب أم لا، ويشهد له قول الباجي لو ادعى المعتق عيباً بالعبد وأنكره شريكه ففي وجوب حلفه قولان؛ فتقييد الشارح له بالعلم طريقة أخرى.
تتمة: إن أذن السيد لعبده في عتق عبد مشترك بينه وبين آخر أو لم يأذن له، لكن أجاز عتقه قوم نصيب الشريك في مال السيد الأعلى لأنه المعتق حقيقة حيث أذن أو أجاز والولاء له فإن كان عند السيد ما يفي بالقيمة فظاهر وإن احتيج لبيع العبد المعتق بالكسر لعدم ما يفي بالقيمة عند سيده بيع ذلك المعتق ليوفي منه قيمة شريكه بل ويجوز لسيده بيعه للوفاء وإن لم يحتج لأنه من جملة ماله يتصرف فيه كيف يشاء بل ويجوز للمعتوق شراؤه، إذا بيع وهذه المسألة كثيراً ما تقع في المعاياة، فيقال في أي موضع يباع السيد في عتق عبده، وفي هذا المعنى قال بعضهم:
يحق لجفن العين إرسال دمعه ... على سيد قد بيع في عتق عبده
وما ذنبه حتى يباع ويشترى ... وقد بلغ المملوك غاية قصده
ويملكه بالبيع إن شاء فاعلمن ... كذا حكموا والعقل قاض برده
فهذا دليل أنه ليس مدركاً ... لحسن ولا قبح فقف عند حده
ومفهوم قولنا إن أذن أو أجاز أنه إذا لم يعلم السيد حتى أعتق العبد الذي أعتق الجزء، فإن كان ذلك السيد لم يستثن مال ذلك العبد الذي أعتق الجزء نفذ عتق العبد للجزء وكان الولاء للعبد دون السيد وإن كان ذلك السيد استثنى ماله بطل عتق العبد للجزء.
باب في التدبير
باب: هو في اللغة النظر في عاقبة الأمر والتفكر فيه، وقال القرافي في التنبيهات التدبير مأخوذ من إدبار الحياة، ودبر كل شيء ما وراءه بسكون الباء وضمها، والجارحة بالضم لا غير اهـ وفي (بن) جواز الضم والسكون فيها كغيرها. واصطلاحاً ما ذكره المصنف بقوله "وهو تعليق مكلف" إلخ .
قوله: [ندب التدبير]: أصل مشروعيته الكتاب والسنة والإجماع قال تعالى: ﴿وافعلوا الخير﴾ [الحج: ٧٧] وقال ﵊: «المدبر من الثلث» وأجمعت الأمة على أنه قربة.
قوله: [مدبر]: بكسر الباء مشددة أي منشئ التدبير.
وقوله: [ومدبر] بصيغة اسم المفعول اسم للرقبة والمراد بالركن ما توقفت صحة الشيء عليه كما تقدم نظيره في العتق.
قوله: [وهو تعليق مكلف]: أي ولو سكران بحرام إذا كان عنده نوع تمييز، وأما إذا كان طافحاً فهو كالبهيمة لا يلزمه شيء اتفاقاً، وما في (عب) فيه نظر، وأما السكران بحلال فكالمجنون اتفاقاً.
قوله: [فلا يكون من صبي] إلخ: أي فتدبيره باطل من أصله وكذا يقال في تدبير العبد والسفيه فيما يأتي، أما بطلانه من المجنون والمكره والعبد فباتفاق، وأما بطلانه من الصغير والسفيه فعلى الراجح كما في الحاشية، وقال بعضهم:
إنه من الصغير والسفيه وصية بلفظ التدبير فإطلاق التدبير عليه مجاز لا حقيقة، وحينئذ يخرج من الثلث ولهما الرجوع بعد الرشد. واستظهره في المجموع.
قوله: [وإن زوجة دبرت في زائد الثلث]: أي دبرت عبداً قيمته أزيد من ثلث مالها، ورد بالمبالغة قول سحنون إن قول ابن القاسم يصح من الزوجة في زائد الثلث خطأ أفاده (بن) نقلاً عن المواق.
قوله: [لأن الرقيق في ملكها للموت]: أي فلها استخدامه والتجمل به وفي هذا منفعة للزوج فلم يخرج العبد بالتدبير عن انتفاع الزوج به إلى موتها وبعده، فالزوج كبقية الورثة. بخلاف العتق فإن العبد يخرج عن انتفاع الزوج به.
قوله: [خرج تعليق الوصية]
стр. 978
أي تعليق إلخ أي: دبرتك أو: دبرت فلاناً (وأنت مدبر أو) أنت: (حر عن دبر مني) بسكون الموحدة وضمها: فيلزم [١] التدبير بهذه الصيغ ما لم يقترن بما يصرفه للوصية كقوله له: أنت مدبر ولي الرجوع في ذلك وإلا كان وصية كما قال: (لا) إن كان التعليق بالموت على وجه الوصية فيكون غير لازم إلى آخر ما قال: (إن مت من مرضي) هذا فأنت، أو: ففلان حر (أو) قال: إن مت من (سفري هذا) فأنت حر (أو) قال: (أنت حر بعد موتي؛ فوصية لا تلزم) فله الرجوع فيها ومحل كون هذه الصيغ وصية لا تلزم (إن لم يرده): أي إن لم يقصد التدبير، فإن أقر بأنه أراده لزم (أو يعلقه): على شيء فإن علقه على شيء وحصل المعلق عليه فيكون اللازم تدبيراً أو وصية، كقوله: إن كلمت زيداً فأنت حر إن مت من مرضي هذا، فكلمه.
(و) إذا دبر السيد أمته الحامل (تناول) التدبير (حملها) الكائن فيها وقت التدبير. وأولى الحاصل بعده؛ لأن كل ذات رحم فولدها بمنزلتها (كولد مدبر) حصل حمله (من أمته): أي أمة ذلك المدبر (إن حملت) به من أبيه (بعده): أي بعد تدبير أبيه فالحمل مدبر تبعاً لأبيه لانفصال مائه بعد التدبير، بخلاف لو كانت حاملة به قبل تدبير أبيه فلا يدخل الحمل في التدبير لانفصال مائه قبله (وصارت) أمته (أم ولد) لذلك المدبر (به): أي بولدها الذي حملت به بعد تدبير أبيه (إن عتق) الولد: بأن حمله الثلث مع أبيه، فإن ضاق الثلث عنهما تحاصا؛ أي الولد وأبوه، فإذا عتق بعض الولد للتحاصص فلا تكون أمه أم ولد لأن أم الولد الحر حملها كله حر، وكذا تحاصص المدبرة وولدها عند الضيق هذا هو الراجح وقول الأصل "قدم الأب عند الضيق" تبع فيه استظهار ابن عبد السلام.
(وللسيد): أي سيد من دبره (نزع ماله): لأنه رقيق. ومحل كونه له النزاع [٢] (إن لم يمرض) السيد مرضاً مخوفاً، وإلا فليس له نزع مال المدبر، لأنه ينزعه لغيره ما لم يكن اشترط وقت التدبير أن له الانتزع [٣] إذا مرض مرضاً مخوفاً، وإلا فله. كما أن له عند المرض المخوف أخذ خراجه وأرشه.
(و) للسيد (رهنه): أي رهن رقبة المدبر ليباع للغرماء ولو في حياة السيد إن سبق الدين على التدبير، فإن تأخر الدين عن التدبير فإنما يجوز له رهنه ليباع بعد موت السيد حيث لا مال له. قال الأجهوري:
ويبطل التدبير دين سبقا ... إن سيد حياً وإلا مطلقا
ويأتي للمصنف
ــ
لأن تعليقها غير لازم فله الرجوع فيه ولو من غير عذر فصار الفرق بين الوصية والتدبير اللزوم وعدمه وهو دال على افتراق حقيقتهما.
وحاصل الفرق بينهما كما نقله (بن) عن المعيار أن العتق في التدبير ألزمه ذمته وأنشأه من الآن وإن كان معلقاً على الموت فوجب أن لا يرجع فيه والوصية أمر بالعتق بعد موته ولم يعقد على نفسه عتقاً الآن، فالعتق إنما يقع على العبد بعد موت الموصي فلذا كان له أن يرجع كمن وكل رجلاً ليبيع عبده أو يهبه فله أن يرجع عن ذلك بما شاء من قول أو فعل ما لم ينفذ الوكيل ما أمره به.
قوله: [أي تعليق إلى آخره]: كلام ناقص لا معنى له ولعل حق العبارة أن يقول تعليق مكلف إلخ مصور بـ دبرت إلخ.
قوله: [إلى آخر ما قال]: المناسب حذفه ويقول كقوله إن مت إلخ.
قوله: [أي إن لم يقصد التدبير]: في (بن) النية كافية، وأما إذا أتى بما يدل عليه كقوله إذا مت فعبدي فلان حر لا يغير فهذا من قبيل التدبير الصريح لا النية فقط خلافاً لـ (عب) اهـ.
قوله: [فيكون اللازم تدبيراً أو وصية]: الصواب لا وصية.
قوله: [وأولى الحاصل بعده]: أي بخلاف المنفصل عنها قبل تدبيرها فإنه رقيق للسيد.
قوله: [قبل تدبير أبيه] إلخ: أي سواء وضعته قبل تدبيره أيضاً أو وضعته بعده.
والحاصل أن ما انفصل قبل التدبير فهو رقيق سواء كان التدبير للأمة أو للعبد المسترسل عليها وما حملت به بعد التدبير فهو مدبر كان التدبير للأمة أو العبد المسترسل، وأما ما كان حمله حين التدبير فهو مدبر إن دبرت أمه لا إن دبر أبوه وإنما دخل ولد المدبرة الذي حملت به قبل تدبيرها في عقد تدبيرها دون حملها من أبيه قبل تدبيره؛ لأن الولد كجزء منها حتى تضع فإذا دبرها فقد دبره، وإذا دبر الأب لم يدخل تدبير الأم ولا حملها حتى تحمل به بعد تدبير الأب.
قوله: [وصارت أمته أم ولد]: حاصله أن العبد المدبر إذا عتق ولده الذي حملت به أمه بعد التدبير وذلك العتق بعد موت السيد الذي دبر أباه بأن حمله الثلث هو وأبوه أو عتقا معاً فإن الأمة التي حملت به تصير أم ولد بذلك الولد فتعتق من رأس مال سيدها وهو المدبر المذكور.
قوله: [تحاصا]: أي فإذا كان ثلث مال السيد عشرة وكانت قيمة الولد والأب معاً ثلاثين فإنه يعتق من كل بمقدار خمسة وهو سدسه.
قوله: [أي سيد من دبره]: الأسهل سيد المدبر.
قوله: [نزع ماله]: مراده ما وهب له أو تصدق به عليه أو اكتسبه بتجارة أو خلع زوجة، وأما ما نشأ من عمل يده وخراجه وأرش جناية عليه فللسيد نزعه ولو مرض مرضاً مخوفاً من غير احتياج لشرط على أن إطلاق الانتزاع عليه مجاز إذ هو للسيد أصالة.
قوله: [كما أن له عند المرض المخوف أخذ خراجه وأرشه]: أي لكونهما للسيد
стр. 979
(و) لسيد المدبر (كتابته): فإن أدى عتق وإن عجز رجع مدبراً، فإن مات سيده قبل الأداء عتق من ثلثه وسقط عنه باقي النجوم.
(و) لسيد المدبرة (وطؤها): لأنها ما زالت أمة له (لا) يجوز للسيد (إخراجه): أي المدبر (لغير حرية): كبيع وهبة وصدقة لأنه صار فيه شائبة حرية والبيع إلخ ينافي ذلك.
(و) إن وقع من السيد بيع للمدبر أو هبة أو صدقة (فسخ بيعه) وهبته أو صدقته (إن لم يعتق) أي لم يعتقه المشتري والموهوب له والمتصدق عليه، فإن حصل منهم عتق قبل الفسخ مضى ويصير الولاء لمن أعتق لا للمدبر، ولا يرجع المشتري بالثمن إذا أعتقه على من دبره.
(كالمكاتب): تشبيه تام؛ فلا يجوز بيعه ويفسخ إن لم يعتق، فإن أعتقه مشتريه مضى والولاء له لا لمن كاتبه.
(وعتق المدبر) أي نفذ عتقه وتم (بعد موت سيده): الذي دبره (من ثلثه): أي السيد، فمتى حمله الثلث خرج كله حراً. (وقوم) المدبر (بماله): أي مع ماله، حيث لم يستثنه السيد فيقال: كم يساوي هذا العبد مثلاً على أن له من المال كذا؟ فإن قيل: مائة، قيل: وكم ترك سيده؟ فإن قيل: مائتين فيخرج كله حراً.
(فإن لم يحمل الثلث إلا بعضه عتق منه) محمل الثلث ورق الباقي. مثلاً: قيمته بلا مال مائة، وماله مائة، وترك السيد مائة؛ فيعتق منه النصف.
(وترك له ماله): كله ملكاً. ووجه عتق النصف: أنه بماله مائتان، وهما مع مائة السيد ثلاثمائة، وثلثها مائة، وهي نصف قيمته مع ما له؛ فيعتق نصفه لحمل الثلث النصف. وكذا لو كانت قيمته بلا مال مائتين، وترك السيد مائة، فيعتق النصف، فلو كانت قيمته مائة، وترك السيد مائة وأربعين، فمجموع التركة مائتان وأربعون، وثلثها ثمانون، نسبتها من قيمة العبد أربعة أخماس؛ فيعتق منه أربعة أخماس، لأنك تنظر نسبة ثلث المال من قيمة العبد وتلك النسبة بعتق من العبد.
(وبطل) تدبير العبد ويرجع رقيقاً لورثة سيده إن استحيوه
ــ
حقيقة كما تقدم.
قوله: [ولسيد المدبر كتابته]: أي سواء قلنا إن الكتابة من قبيل العتق أو من قبيل البيع، أما جواز كتابته على الأول فظاهر، وأما على الثاني فلأن مرجعها للعتق.
قوله: [فإن أدى]: أي نجوم الكتابة.
قوله: [وإن عجز رجع مدبراً]: أي إذا كان عجزه قبل موت السيد.
قوله: [قبل الأداء]: أي وقبل عجزه.
قوله: [عتق من ثلثه]: أي إن حمله فإن لم يحمله عتق منه محمله وأقر ماله بيده ووضع عنه من كل نجم عليه بقدر ما عتق منه، فإن عتق منه نصفه وضع عنه نصف كل نجم، وإن لم يترك غيره عتق ثلثه ووضع عنه ثلث كل نجم ولا ينظر لما أداه قبل موت السيد، ولو لم يبق عليه غير نجم عتق ثلث المدبر وحط عنه ثلث ذلك النجم ويسعى فيما بقي، فإن أداه خرج حراً وإن عجز رق منه ما عدا محمل الثلث.
قوله: [لا يجوز للسيد] إلخ: ما ذكره المصنف من عدم جواز إخراج المدبر لغير حرية قال ابن عبد السلام هو المشهور من المذهب، وقال ابن عبد البر كان بعض أصحابنا يفتي ببيعه إذا تعنت على مولاه وأحدث أموراً قبيحة لا ترضي وقد أفتى القوري بما نقله ابن عبد البر أفاده (بن).
قوله: [ولا يرجع المشتري بالثمن] إلخ: أي لأن عتقه له فوت للبيع والبيع المختلف في فساده إذا فات يمضي بالثمن.
واعلم أن محل مضي عتق المشتري وثبوت الولاء له ما لم يتأخر عتقه إلى موت المدبر بالكسر، فإن تأخر فإنه لا يمضي عتقه لأن الولاء قد انعقد لمدبره، إما لحمل الثلث لكله فيعتق كله أو لبعضه فيعتق بعضه وحيث انعقد الولاء لمدبره قبل عتق المشتري أو الموهوب له صار عتق من ذكر لم يصادف محلاً فللمشتري الذي لم يمض عتقه حينئذ الرجوع بالثمن على تركة المدبر.
قوله: [وقوم المدبر بماله]: أي سواء كان المال عيناً أو عرضاً.
قوله: [وترك له ماله كله]: هذا هو مذهب المدونة والموطإ وفي التوضيح أنه لا يبقى بيده من المال إلا مقدار ما عتق منه؛ لأنه لو بقي المال كله بيده لكان فيه غبن على الورثة لأنه حينئذ يكون عتقه قد خرج من أكثر من الثلث فالقياس أنه لا يأخذ من المال إلا بقدر ما عتق منه واعترضه (ح) بمخالفته لمذهب المدونة قائلاً: إن ما في التوضيح سهو اهـ. وشبهة ما في التوضيح جوابها أن بقاء نصف المدبر مثلاً رقاً للورثة مع كل ماله أكثر حظاً لهم إذا باعوه مما إذا كان نصفه رقاً لهم مع بعض ماله لأن قيمته إذا كان ماله مائة أكثر من قيمته إذا كان ماله خمسين.
قوله: [وهما مع مائة السيد ثلثمائة]: أي والجميع يقال له مال السيد.
قوله: [بلا مال]: أي لم يكن مع العبد مال أصلاً وإنما قيمة ذاته مائتان.
قوله: [أربعة أخماس]: أي لأن خمس المائة عشرون فالثمانون أربعة أخماسها.
تنبيه: إذا ضاق الثلث عن حمل المدبر وكان للسيد دين مؤجل على حاضر موسر قوم عاجلاً، فإذا كان عيناً قوم بالعروض وقومت العروض بعين وإذا كان عرضاً قوم بعين فإذا قوم الدين بخمسة عشر وترك السيد خمسة عشر وقيمة العبد خمسة عشر عتق كله لحمل الثلث له، وأما إن كان الدين على غائب غيبة قريبة كالشهر وهو حال أو قريب من الحلول، فإنه يستأنى بالعتق إلى أن يقبض ذلك الدين، وأما إن كان على غائب غيبة بعيدة أو حاضر معسر فإن المدبر يباع للغرماء أو ما جاوز
стр. 980
(بقتل) العبد المدبر (سيده) فإضافة قتل للسيد من إضافة المصدر لمفعوله وفاعل القتل هو العبد (عمداً) عدواناً، لا إن كان السيد في باغية وقتله عبده المدبر فلا يبطل تدبيره. فلو قتل سيده خطأ فعليه الدية لا على عاقلته لأنه وقت الجناية رقيق.
(و) بطل التدبير (باستغراق الدين له): أي للمدبر أي لقيمته (وللتركة): وسواء كان الدين سابقاً أو لاحقاً حيث مات السيد، وسيذكر حكمه في حياة السيد، فإذا كان عليه دين مائة، والعبد قيمته خمسون، وترك سيده خمسين فأقل، بطل التدبير كله.
(و) بطل (بعضه): أي التدبير (بمجاوزة الثلث): أي بمجاوزة البعض ثلث الميت؛ لأن التدبير إنما يخرج من الثلث. فإذا كانت قيمته خمسة، وترك سيده خمسة ولا دين على سيده، فثلث التركة ثلاثة وثلث هي قيمة ثلثي المدبر فيعتق ثلثاه ويرق ثلثه.
(وله): أي للمدبر (حكم الرق): في خدمته وحدوده وعدم حد قاذفه وعدم قبول شهادته وغير ذلك في حياة سيده - بل (وإن مات سيده حتى يعتق فيما وجد) من مال سيده (وقت التقويم): فلو تلف بعض مال السيد بعد موته وقبل التقويم، فإنما يعتق فيما بقي ولا ينظر لما هلك قبل التقويم.
(وللغريم رده): أي التدبير (في حياته) أي حياة السيد (إن أحاط دين سبقه): أي سبق التدبير كما تقدم في نظم الأجهوري.
(باب)
في أحكام الكتابة
وبين المصنف حكمها بقوله: (ندب مكاتبة أهل التبرع): إذا طلبها الرقيق، وإضافة "مكاتبة" لـ "أهل" من إضافة المصدر لفاعله وسواء كان أهل تبرع بجميع ماله أو ببعضه، فيشمل الزوجة والمريض. ومفهومه: أن غير أهل التبرع لا تندب له، وفيه تفصيل. فإن كان صبياً فباطلة بناء على أنها عتق وصحيحة متوقف لزومها على إجازة الولي
ــ
الثلث منه فإذا حضر الشخص الغائب الذي عليه الدين أو أيسر المعسر بعد بيع المدبر فإنه يعتق من ثلث السيد بنسبة ذلك سواء كان
العبد بيد الورثة أو مشتريه ولو تداولته الأملاك اهـ ملخصاً من شراح خليل.
قوله: [بقتل العبد المدبر سيده]: هذا بخلاف ما لو علق السيد عتق عبده على موت شخص فقتل العبد ذلك الشخص فلا يبطل عتقه بل يعتق لحصول المعلق عليه ولزوم القصاص شيء آخر.
قوله: [في باغية]: محترز قوله: "عدواناً".
وقوله: [فلو قتل سيده خطأ]: محترز قوله "عمداً" فهو لف ونشر مشوش.
قوله: [لأنه وقت الجناية رقيق]: أي والرقيق لا عاقلة له، وأما قتل أم الولد سيدها عمداً فلا يبطل عتقها من رأس المال، وتقتل به إلا أن يعفو الورثة عنها ولا تتبع بعقل في الخطأ عند ابن القاسم فيلغز عمد فيه القصاص ولا شيء في خطئه.
قوله: [وحدوده]: أي فيحد في القذف والشرب أربعين وفي الزنا خمسين.
قوله: [وغير ذلك]: أي كعدم قتل قاتله إذا كان حراً مسلماً.
قوله: [كما تقدم في نظم الأجهوري]: حق ما تقدم يكون هنا.
تتمة: إذا قال السيد لعبده: أنت حر بعد موتي وموت فلان، توقف عتقه على موتهما وعتق من الثلث أيضاً ويبقى بعد موت سيده يخدم الورثة حتى يموت فلان، فإن مات فلان قبل السيد استمر يخدم السيد إلى أن يموت، وإن قال السيد في صحته لعبده أنت حر بعد موت فلان بشهر مثلاً أو لم يقل بشهر فمعتق لأجل يعتق عند وجود المعلق عليه من رأس المال ولا يلحقه دين ويخدم إلى الأجل، فإن قال ما ذكر في مرضه عتق بعد موت فلان من الثلث وخدم الورثة حتى يتم الأجل وأما لو قال بعد موتي بشهر فإنه يكون وصية ما لم يرد به التدبير أو يعلقه كما تقدم اهـ ملخصاً من الأصل.
باب في أحكام الكتابة
هي مشتقة من الكتاب بمعنى الأجل المضروب لقوله تعالى: ﴿إلا ولها كتاب معلوم﴾ [الحجر: ٤] أي أجل مقدر أو من الكتب بمعنى الإلزام لقوله تعالى: ﴿كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم﴾ [البقرة: ١٨٣] و: ﴿كتب ربكم على نفسه الرحمة﴾ [الأنعام: ٥٤] ويقال في المصدر كتاب وكتابة وكتبة ومكاتبة قال تعالى: ﴿والذين يبتغون الكتاب مما ملكت أيمانكم فكاتبوهم﴾ [النور: ٣٣] الآية.
قوله: [إذا طلبها الرقيق]: إن قلت قوله تعالى: ﴿والذين يبتغون الكتاب مما ملكت أيمانكم فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيراً﴾ [النور: ٣٣] يقتضي وجوبها إذا طلبها الرقيق. أجيب بأن الأمر ليس للوجوب؛ لأن الكتابة إما بيع أو عتق، وكلاهما لا يجب والأمر جاء في القرآن لغير الوجوب كثيراً كقوله تعالى: ﴿وإذا حللتم فاصطادوا﴾ [المائدة: ٢] والصيد بعد الإحلال لا يجب إجماعاً وقال تعالى: ﴿فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله﴾ [الجمعة: ١٠] وكل من الانتشار والابتغاء لا يجب بعد انقضاء الصلاة بل الأمر فيما ذكر للإباحة والكتابة لما كانت عقداً فيه غرر والأصل أنه لا يجوز فأذن المولى فيها للناس بقوله: ﴿فكاتبوهم﴾ [النور: ٣٣] فالآية إنما تدل على الإباحة والندب مأخوذ من عموم قوله تعالى: ﴿وافعلوا الخير لعلكم تفلحون﴾ [الحج: ٧٧].
قوله: [فيشمل الزوجة والمريض]: تفريع على قوله "أو بعضه".
стр. 981
بناء على أنها بيع، فإن كان المكاتب مريضاً أو زوجة في زائد الثلث فصحيحة متوقفة على إجازة الوارث أو الزوج.
ثم عرف الكتاب تبعاً لابن عرفة بقوله: (وهي) أي الكتابة شرعاً (عتق على مال مؤجل): خرجت القطاعة لأنها على معجل. (من العبد): خرج عتقه على مؤجل من أجنبي، فلا يسمى كتابة. وخرج ما لم يكن على مال أصلاً كالعتق المبتل والمؤجل والتدبير.
(موقوف) صفة: لـ "عتق" [١] (على أدائه): أي على أداء ذلك المال المعتوق عليه.
(وأركانها) التي تتوقف عليه (أربعة): أولها: (مالك) للرقبة. وشرطه الرشد، فإن كان سفيهاً فكالصبي فيما قدمناه (و) جاز (لولي محجور): صبي أو سفيه أو مجنون كان الولي أباً أو غيره (مكاتبة رقيقه): أي رقيق المحجور (بالمصلحة): فإن لم يكن في الكتابة مصلحة فلا. ومفهوم "مكاتبة" أنه ليس له عتقه ناجزاً على مال معجل؛ لأن له أن ينزع ماله من المحجور بدون عتق.
(و) ثاني الأركان (رقيق: وإن أمة) بالغة برضاها (وصغيراً): ذكراً أو أنثى بناء على أن الرقيق يجبر على الكتابة، لا على المشهور، إذ لا بد على المشهور من رضاه، ورضا الصغير غير معتبر؛ فهو مشهور مبني على ضعيف، وإن كانت الأمة والصغير: (بلا مال) لهما (و) لا (كسب) لهما: لكن لا بد من قدرتهما على الكسب، وإلا فلا تجوز كتابتهما. (ولا يجبر الرقيق عليها) أي على قبول الكتابة على المشهور المأخوذ من المدونة، وأخذ منها أيضاً الجبر ومحل عدم الجبر على المشهور (إلا) أن يكون (غائباً أدخله حاضر معه).
وذكر الركن الثالث بقوله: (وصيغة) مصورة (بـ كاتبتك) بكذا (ونحوه): أي نحو: كاتبتك: كـ بعتك نفسك بكذا، أو: أنت مكاتب على كذا، أو: معتق على كذا، ولو لم يذكر التنجيم؛ لأنها صحيحة بدونه قطعاً وإن لزم. ويلزمه التنجيم إذا لم يصرح به أي التأخير لأجل معلوم ولو نجماً واحداً. وقال ابن رشد: لا يلزم التأجيل لكنها تكون قطاعة.
وصرح بالركن الرابع بقوله:
ــ
قوله: [بناء على أنها بيع]: وكذلك تصح من السكران بحرام إن كان عنده نوع تمييز بناء على أنها عتق لتشوف الشارع للحرية وتبطل منه بناء على أنها بيع فهو على العكس من الصبي والسفيه.
قوله: [عتق على مال]: قال ابن مرزوق صوابه عقد يوجب عتقاً على مال إلخ؛ لأن الكتابة سبب في العتق لا نفسه كذا في (بن).
قوله: [خرجت القطاعة]: أي فهي مغايرة للكتابة، ولذا قال في المدونة لا يجوز كتابة أم الولد، ويجوز عتقها على مال معجل، وقد كانت الكتابة متعارفة قبل الإسلام فأقرها النبي ﷺ قاله ابن التين وابن خزيمة. وقول الروياني الكتابة إسلامية ولم تعرف في الجاهلية خلاف الصحيح، وقيل «أول من كوتب في الإسلام أبو المؤمل فقال النبي ﷺ : أعينوا أبا المؤمل فأعين فقضى كتابته وفضلت عنده فضلة فقال له النبي ﷺ : أنفقها في سبيل الله». وقيل أول من كوتب في الإسلام سلمان الفارسي ثم بريرة أفاده في حاشية الأصل نقلاً عن الموطإ.
قوله: [خرج عتقه على مؤجل من أجنبي]: أي فتجوز وذلك كأن يقول الأجنبي للسيد خذ مني مائة بعد سنة وأعتق عبدك.
قوله: [فكالصبي فيما قدمناه]: أي من أنها باطلة بناء على أنها عتق وصحيحة متوقف لزومها على إجازة الولي بناء على أنها بيع.
قوله: [بالمصلحة]: أي حيث استوت المصلحة في الكتابة وعدمها فالجواز على بابه، وإن تعينت المصلحة في الكتابة وجبت وإن تعينت في عدمها منعت.
قوله: [لا على المشهور]: أي من أن الرقيق لا يجبر على الكتابة.
قوله: [مبني على ضعيف]: أي وهو القول بجبر العبد على الكتابة.
قوله: [وإلا فلا تجوز]: أي بناء على المشهور من عدم جبر العبد على الكتابة.
قوله: [وأخذ منها أيضاً الجبر]: الذي أخذ الجبر منها أبو إسحاق التونسي والذي أخذ منها عدم الجبر ابن رشد.
قوله: [إلا أن يكون غائباً] إلخ: أي فيجبر اتفاقاً أي لقوله في المدونة، ومن كاتب عبده على نفسه وعلى عبد للسيد غائب لزم العبد الغائب وإن كره، لأن هذا الحاضر يؤدي عنه.
قوله: [بكذا]: انظر لو ترك قوله "بكذا" هل تبطل الكتابة بناء على أنها بيع وهو يبطل بجهل الثمن أو تصح ويكون على العبد كتابة مثله بناء على أنها عتق، والعتق لا يشترط فيه تسمية عوض. إن قلت لم لم يجزم بالأول؛ لأن الشيء المكاتب به ركن من أركانها والماهية تنعدم بانعدامه؟ أجيب بأنه يمكن أن يراد بالركن أن لا يشترط عدمه أعم من أن يذكر أو يسكت عن ذكره كركنية الصداق مع صحة نكاح التفويض فتأمل.
قوله: [وإن لزم]: المراد بلزومه وجوبه والمراد بتنجيمه تأجيله لأجل معين فالمشهور لزومه وتنجيمه.
قوله: [لكنها تكون قطاعة]: أي يقال لها قطاعة كما يقال لها كتابة فالقطاعة عنده من أفراد الكتابة والمذهب الأول ومحل لزوم التنجيم على الأول ما لم تقم قرينة على أن مراد السيد القطاعة وإلا فلا يلزم تنجيمها، وتكون في هذه الحالة قطاعة
стр. 982
(وعوض) ليس فيه غرر، بل (ولو) كان العوض (بغرر): لم يشتد كما يأتي؛ إذ الأصل في العتق بدون عوض فلا يضر كونه على شيء يترقب حصوله. (كآبق): يملكه المكاتب، وبعير شارد، وثمر لم يبد صلاحه (وجنين) لحيوان ناطق أو غيره (وعبد فلان) وهو غير آبق وإلا فلا لشدة الغرر. (لا) تصح الكتابة (بما): أي بجنين (تحمل به): أمته أو غيرها في المستقبل لشدة الغرر. (و) لا يصح بـ (جوهر) كلؤلؤ (لم يوصف): وقيل تصح، ويلزم كتابة المثل. (وكخمر): فلا تجوز به ولكن تصح. (ورجع لكتابة المثل) وهل ولو حصل حال إسلامهما؟ أو هذا فيما لو حصلت الكتابة بالخمر حال كفرهما ثم حصل إسلام؟
(ونجم): العوض أي لزم تنجيمه إلى آخر ما علمت. (و) لما كان عوض الكتابة ليس كغيره من الديون (جاز) لسيد المكاتب (فسخ ما عليه) أي على مكاتبه من نجوم الكتابة (في مؤخر): أي في شيء يتأخر قبضه كمنافع دار للعبد أو دابة يستوفي النجوم من أجرتها لتشوف الشارع للحرية.
(و) جاز للسيد أخذ (ذهب) من العبد المكاتب لم يكاتبه عليه مؤجلاً (عن ورق) كاتبه عليه (وعكسه): أخذ ورق عن ذهب كوتب به.
(و) جاز للسيد (بيع طعام) كاتبه رقيقه عليه (قبل قبضه): من المكاتب.
(و) جاز للسيد: (ضع) يا مكاتب مما عليك (وتعجل) الباقي: لما علمت أنها مخالفة لغيرها لتشوف الشارع للحرية.
(و) جاز للسيد (بيع نجم، ومن نجوم) الكتابة (علمت نسبته) بمعرفة قدره وقدر باقي النجوم؛ كما لو كانت النجوم ثلاثة كل نجم خمسة دراهم، فيجوز بيع نجم يعلم المشتري قدره وقدر النجوم، فيعلم نسبته أنه الثلث مثلاً، فلا يجوز بيع نجم لم يعلم قدره أو علم وجهلت [١] نسبته لباقي النجوم.
وشرط جواز بيع النجم المعلوم: حضور المكاتب لا يكفي قرب غيبته؛ لأن رقبته مبيعة على تقدير عجزه، فلا بد من معرفتها. (و) جاز للسيد بيع (جزء) مما كاتبه عليه كربع وهي معلومة للمشتري والعبد حاضر إلخ. (كالجميع): أي يجوز بيع نجم وجزء كما يجوز للسيد بيع جميع الكتابة أو بعضها وحيث جاز بيع الكتابة أو بعضها (فإن وفى) المكاتب ما عليه للمشتري - إن اشتراها كلها- أو وفى له وللبائع -إن اشترى بعضها- فيخرج حراً (فالولاء للأول) وهو البائع: لأنه هو الذي عقد الكتابة فانعقد له الولاء والمشتري قد استوفى ما اشتراه.
(وإلا) يوف (رق للمشتري) جميعه حيث اشتراها كلها
ــ
لا كتابة، فتحصل أن الخلاف بين القولين معنوي وذلك؛ لأن الأول يرى أن التنجيم ابتداء واجب، وإذا وقعت بدونه لزم التنجيم بعد ذلك حيث لم تقم قرينة على القطاعة، والثاني يرى أن التنجيم ابتداء ليس بواجب وإذا وقعت غير منجمة لم يلزم تنجيمها في المستقبل وهذه في الحالة يقال لها قطاعة كما يقال لها كتابة.
قوله: [ليس فيه غرر]: المناسب أن يقول هذا إذ كان ليس فيه غرر إلخ.
وقوله: [بدون عوض]: متعلق بمحذوف خبر قوله "الأصل".
قوله: [يملكه المكاتب]: أي لا بد من كون الآبق وما بعده في ملك المكاتب وإلا لم يجز.
قوله: [وجنين]: ظاهره أنه سبق له وجود قبل الكتابة؛ لأنه قبل وجوده لا يسمى جنيناً فلذلك لو كاتبه على ما تحمل به أمته لا يصح وانظر هل لا يحصل العتق بالكتابة على الجنين إلا بقبض السيد له كالآبق والبعير والثمرة، أو يقال إنه دخل في ملك السيد بالعقد فضمانه منه لو نزل ميتاً استظهر بعضهم الأول أفاده محشي الأصل.
قوله: [كلؤلؤ لم يوصف]: أي وأولى في عدم الجواز كتابته على ما في يده من غير أن يعلم هل هو متمول أم لا.
قوله: [حال كفرهما]: أي لقول (عب) محل ذلك إذا كانت الكتابة بالخمر من كافرين ثم أسلما أو أحدهما، وأما إن وقعت بالخمر وأحدهما مسلم أو هما لبطلت بالكلية ولا يرجع لكتابة المثل ومحله أيضاً إذا وقعت على خمر موصوف في الذمة فإن وقعت على معين بطلت بالكلية ولا يرجع لكتابة المثل لكن عزا بعضهم لأبي الحسن أنه يخرج حراً في هذه الحالة ولا يتبع بشيء وانظره ومحله أيضاً إن كان العبد لم يؤد شيئاً قبل الإسلام، وأما إن أدى بعضه قليلاً كان أو كثيراً قبله ثم أسلم أو أحدهما فإنما يرجع السيد عليه بنصف كتابة مثله، فإن أداه كله قبل الإسلام ثم أسلم كل منهما أو أحدهما خرج حراً ولا يتبع بشيء انتهى.
قوله: [إلى آخر ما علمت]: أي من التفصيل والخلاف.
قوله: [لتشوف الشارع للحرية]: علة للجواز.
قوله: [مؤجلاً]: أي وأما إن أراد السيد أن يأخذ منه حالاً في نظير ما عليه من المؤجل فلا فرق بين الكتابة وغيرها في الجواز.
قوله: [وجاز للسيد بيع طعام] إلخ: وكذا يجوز فيها أيضاً سلف جر نفعاً للمقرض كأن يسلف المكاتب شيئاً لسيده لأجل أن يسقط عنه شيئاً من الكتابة وظاهر المصنف والشارح جواز ما ذكر وإن لم يعجل السيد العتق وهو قول مالك وابن القاسم، وقال سحنون الجواز بشرط تعجيل العتق.
قوله: [حضور المكاتب]: أي وقول ابن عبد السلام لا يشترط حضوره ولا إقراره؛ لأن الغرر في الكتابة مغتفر فيه نظر لأن الاغتفار إنما هو في عقدها لأنه طريق العتق لا في بيعها.
стр. 983
وقدر ما يقابل ما اشترى بعض النجوم، ويصير العبد مشتركاً، ولو اشترى النجم الأخير. فلو اشترى العبد كتابته وعجز رق لسيده.
(و) جازت (مكاتبة جماعة) من عبيد جميعهم (لمالك) واحد (في عقد) واحد.
(و) إذا وقعت (وزعت): على الجماعة المكاتبين (على) قدر (قوتهم على الأداء) وتعتبر قوتهم (يوم العقد) لكتابتهم: فمن كان منهم يوم العقد غير قادر على الأداء كصغير وزمن فلا شيء عليه ولو طرأت القوة بعد؛ لأنه لا يلتفت لما بعد العقد ولا لعددهم. (وهم): أي الجماعة المكاتبون في عقد (حملاء) بعضهم عن بعض (مطلقاً): اشترطت حمالة بعضهم وقت العقد أم لا، بخلاف حمالة الديون إنما تكون بالشرط.
(وإن زمن بعضهم): أي طرأت زمانته فلا يحط عنهم شيء لزمانة بعضهم كما يأتي. وإذا علمت أنهم حملاء وكان بعضهم فقيراً وبعضهم ملياً: (فيؤخذ من الملي) منهم (الجميع): أي جميع نجوم الكتابة ولا يعتق واحد منهم إلا بأداء الجميع كما هو مقتضى الحمالة، فلو كانوا كلهم أملياء فيتبع كل بما ينوبه، ولا يؤخذ من بعضهم عن بعض.
(و) إذا كان بعضهم ملياً وأخذ منه ما عليه وعلى أصحابه فإنه أو وارثه (يرجع) على من أدى عنه بحكم التوزيع (على غير زوج) فلا يرجع بما دفع عن الزوج.
(و) لا يرجع بما دفع عن (من يعتق عليه) بقرابة كالأصل والفرع والإخوة. (ولا يسقط عنهم شيء) مما عقد عليهم بسبب (موت بعض) منهم (أو عجزه) أو غصبه إما باستحقاق بعضهم برق أو حرية فيسقط عنهم بقدر حاله، وقوله "بموت بعضهم" ولو أكثرهم ولو لم يبق منهم إلا واحد، فإنه يغرم الجميع لما علمت أنهم حملاء.
(وله) أي للمكاتب (تصرف) بدون إذن سيده (بما لا يؤدى لعجزه): ومثل لما يؤدى لعجزه بقوله: (كبيع) لشيء يملكه (وشراء ومشاركة ومقارضة): دفع مال قراضاً (ومكاتبة) لرقيقه (بالنظر): أي طلب الفضل، فإن عجز الأعلى أدى الأسفل، للسيد الأعلى وعتق ويكون ولاؤه للأعلى. ولا يرجع الولاء لسيده الأسفل الذي كاتبه إن عتق بعده.
(و) للمكاتب (سفر) بلا إذن حيث كان (لا يحل فيه نجم و) للمكاتب (إقرار) بدين (في ذمته) وكذا بحد وتعزير في بدنه.
(لا عتق) لرقيقه ولو كان ولده فللسيد رده. (و) لا (صدقة و) لا (هبة إلا) الشيء (التافه): ككسرة ومراده هبة غير الثواب. (و) لا (تزوج) لأنه يعيبه (و) لا (سفر بعد) يحل فيه نجم أم لا
ــ
تنبيه: لو اطلع مشتري الكتابة على عيب في المكاتب نظر فإن أدى فلا رجوع للمشتري بشيء؛ لأنه قد حصل له ما اشتراه، وإن عجز كان له رد البيع ويرد جميع ما أخذ من الكتابة كالغلة على ما اختاره ابن يونس وقيل لا يرد ذلك بل يفوز به.
قوله: [وقدر ما يقابل]: أي ورق قدر ما يقابل إلخ.
قوله: [وعجز رق لسيده]: أي وأما إن وفى لسيده فإنه يصير حراً والولاء لسيده.
قوله: [لمالك واحد]: مفهومه أنه لو تعدد المالك لجماعة من العبيد ولم يكن بينهم شركة أنه يجوز جمعهم بعقد إن لم يشترط حمالة بعضهم عن بعض وتوزع على قوتهم. ويأخذ كل واحد منها قدر قوة عبده فإن اشترط حمالة بعضهم عن بعض منع ومضى بعد الوقوع عند سحنون وهو المعتمد وبطل الشرط، وقال بعضهم: لا يجوز جمعهم بعقد إذا تعدد المالك؛ لأنه إذا عجز أحد العبيد أو مات أخذ سيده مال الآخر بغير حق فيكون من أكل أموال الناس بالباطل وظاهره اشترط حمالة بعضهم عن بعض أولا.
قوله: [فيتبع كل بما ينوبه]: أي ولا يعتق المؤدي منهم إلا بأداء الجميع على كل حال.
قوله: [على غير زوج]: أي ذكراً كان الزوج أو أنثى وظاهره أنه لا رجوع لأحد الزوجين على الآخر ولو أمره بالدفع عنه فهو مخالف لفداء أحد الزوجين للآخر من الكفار، فإنه إذا دفع عنه بإذنه رجع عليه وبغير إذنه لا يرجع وانظر الفرق.
تنبيه: للسيد عتق من قوي منهم على الأداء مجاناً بشرطين إن رضي الجميع بذلك وقدروا على الأداء وتسقط عنهم حينئذ حصته فإن لم يكن لهم قوة لم يجز له عتقه ولا عبرة برضاهم كما أنه لا عبرة برضاهم ولا بقوتهم إذا أعتق ضعيفاً لا قدرة له على السعي، ولا مال عنده كما لو طرأ عليه العجز نعم إن طرأ عليه العجز سقط عنهم منابه وأما العجز أصالة فلا يسقط من أجله شيء.
قوله: [دفع مال قراضاً]: أي فهو بالقاف والراء وهذا هو الصواب لا بالفاء والواو؛ لأنه يغني عنها "ومشاركة".
قوله: [حيث كان لا يحل فيه نجم]: أي والموضوع على أنه قريب بدليل ما يأتي.
قوله: [في ذمته] إلخ: حاصله أن الأقسام ثلاثة ما يرجع للمال في الذمة كالدين وهذا يقبل الإقرار به من المكاتب دون القن وما يرجع للمال في الرقبة وهو لا يقبل من واحد منهما، وما يرجع للرقبة فقط كالحدود والتعازير وهو يقبل منهما.
قوله: [لا عتق لرقيقه] إلخ: إنما كان للسيد رده؛ لأنه يؤدي لعجزه والشارع متشوف للحرية.
قوله: [ولو كان ولده]: أي كما إذا كان للمكاتب أمة فحملت منه وأتت بولده فلا يعتق عليه بالقرابة ولا بإنشاء صيغة، وأما دخوله معه في عقد الكتابة فسيأتي تفصيله.
قوله: [غير الثواب]: أي وأما هبة الثواب فهي بيع.
قوله: [ولا تزوج]: أي سواء كان نظراً أو غير نظر؛ لأنه يعيبه على كل حال وللسيد رده بطلقة بائنة
стр. 984
كقريب يحل فيه نجم، وقوله: (إلا بإذن) راجع لقوله "لا عتق" وجميع ما بعده. ويجوز له التسري بدون إذن. ولسيده رد تزوجه ولو بعد الدخول ولها ربع دينار ولا تتبعه بما زاد إن عتق.
(وكفر بالصوم): إذا لزمته كفارة، فليس له أن يكفر بغيره.
(وله) أي للمكاتب بعد حلول الكتابة (تعجيل [١] نفسه): فيرجع رقيقاً (إن وافقه السيد) على التعجيز اتفاقاً أو خالفه على الأرجح، (ولم يظهر له مال): فإن ظهر للمكاتب مال فلا تعجيز ولو وافقه السيد؛ لأن الحق لله. وإذا لم يظهر له مال وعجز نفسه (فيرق): أي يرجع قناً لا شائبة فيه (بلا حكم ولو ظهر له) بعد تعجيز نفسه ورجوعه قناً (مال) فإنه لا يرجع مكاتباً على الراجح. ومفهوم قوله "تعجيز" إلخ أن السيد ليس له تعجيز المكاتب إذا لم يظهر له مال، بل حيث أراد تعجيز مكاتبه فيرفع للحاكم ينظر باجتهاده فيتلوم للمرجو ولو شرط السيد أن له التعجيز بدون رفع وبدون تلوم فلا يعمل بشرطه.
(فإن عجز) المكاتب (عن شيء) من النجوم -ولو درهماً- فيرق؛ لأن العجز عن البعض كالعجز عن الكل، ولا يحتاج لحاكم إن وافق العبد سيده (أو غاب) المكاتب (عند الحلول): أي حلول نجوم الكتابة (بلا إذن) من سيده (و) الحال أنه (لا مال له) يؤخذ منه ما عليه، فإنه يعجز عن الكتابة ويرجع قناً (وفسخ الحاكم): أي أنه إذا عجز عن شيء وقلنا يعجز وخالف العبد سيده؛ فيرفع للحاكم ينظر فيه ويتلوم الحاكم لمن يرجوه. وعلمت أن هذا حيث لم يوافق سيده. وأما مسألة الغائب فلا بد فيها من الحكم بالتعجيز، قربت غيبته أو بعدت، كان معه مال أم لا لاحتمال ذهابه من يده (وتلوم لمن يرجوه): أيضاً فهو راجع للمسألتين في المصنف وعلمت أنه إن طلبه السيد وحده كذلك، وأنه لا يعمل بشرط السيد خلافه.
(وفسخت) الكتابة (إن مات) المكاتب قبل الوفاء أو قبل الحكم على السيد بقبضها أو قبل الإشهاد عليه (وإن) مات المكاتب (عن مال) يفي بالكتابة؛ فإنه يكون رقيقاً وماله لسيده؛ فلو حكم حاكم على السيد بقبضها وأحضرها المكاتب للسيد فلم يقبلها فأشهد عليه بذلك ثم مات فلا تفسخ ويكون حراً وتنفذ وصاياه وماله لوارثه.
ومحل فسخها: إن مات (إلا لولد أو غيره) كأجنبي (دخل) كل (معه) في الكتابة (بشرط) كأن يكاتب عبده وأمته حامل منه قبل عقد الكتابة، وأولى: لو كان مولوداً قبل عقدها، فلا يدخل إلا بشرط. وأما الأجنبي فمعلوم أنه لا يدخل إلا بشرط (أو غيره): أي دخل كل من الولد والأجنبي بغير شرط؛ كأن يحدث الولد في بطن أمته بعد عقد الكتابة ودخول الأجنبي أي غير الولد بلا شرط
ــ
وله إجازته وإذا أجازه جاز إن لم يكن معه أحد في عقد الكتابة، فإن كان معه غيره لم يجز إلا برضا ذلك الغير إن كان بالغاً رشيداً وإلا فلا.
قوله: [كقريب يحل فيه نجم]: أي كما علم من مفهوم ما تقدم.
قوله: [ويجوز له التسري]: أي؛ لأنه لا يؤدي لعجزه في شيء.
قوله: [ولها ربع دينار]: أي إن رده بعد الدخول وأما قبله فلا شيء لها.
قوله: [ولا تتبعه بما زاد إن عتق]: أي إن لم يكن غرها بحرية وإلا أتبعت بالزائد إن لم يسقطه عنه سيد أو سلطان.
قوله: [فليس له أن يكفر بغيره]: أي بغير إذن السيد وجاز له بإذنه التكفير بالإطعام أو الكسوة في كفارة اليمين، وأما بالعتق فليس له مطلقاً.
قوله: [وله تعجيز نفسه]: أي للمكاتب المسلم تعجيز نفسه أي إظهار العجز وعدم القدرة على أداء الكتابة بأن يقول عجزت نفسي.
قوله: [ولم يظهر له مال]: الواو للحال أي اتفقا عليه في حال عدم ظهور مال للمكاتب ولا بد أيضاً أن لا يكون معه أحد في الكتابة وإلا فلا تعجيز له ويؤمر بالسعي قهراً عنه وإن تبين لدده وامتناعه من السعي عوقب.
قوله: [ولو ظهر له بعد تعجيز نفسه] إلخ: أي سواء كان العبد عالماً بذلك المال وأخفاه عن السيد أو لم يكن عالماً به.
قوله: [فيتلوم للمرجو]: أي يتلوم الحاكم لمن يرجو يساره، وحاصله أن المكاتب الحاضر العاجز عن شيء من نجوم الكتابة إنما يحكم الحاكم بعجزه إن طلب سيده ذلك وأبى العبد بعد التلوم له إن كان يرجى يساره وإن كان لا يرجى يساره حكم بعجزه من غير تلوم، وأما الغائب بلا إذن وحل ما عليه فقيل يحكم الحاكم بعجزه وفسخ كتابته من غير تلوم مطلقاً وقيل إن قربت الغيبة لا يحكم بالفسخ إلا بعد التلوم إن كان يرجى قدومه ويسره فإن لم يرج ذلك حكم بالفسخ من غير تلوم كبعيد الغيبة ومجهول الحال.
قوله: [ولا يحتاج لحاكم] إلخ: هذا معلوم مما سبق فلا حاجة لذكره.
قوله: [فإنه يعجز]: هكذا بالتشديد أي يعجزه الحاكم.
قوله: [أيضاً]: الأولى حذفها لإبهامه أن لفظ التلوم تقدم للمصنف مرة أخرى وليس كذلك.
قوله: [إن مات المكاتب قبل الوفاء] إلخ: أي بأن مات قبل إتيانه بها للسيد أو بعد إتيانه بها فلم يقبلها ولم يحكم عليه حاكم بقبضها، ولم يشهد العبد أنه أحضرها له وأبى من قبولها وحيث فسخت الكتابة كانت وصاياه باطلة وماله للسيد لا لوارثه.
قوله: [إلا لولد أو غيره] إلخ: أي فإذا دخل معه في عقد الكتابة ولد أو أجنبي بشرط أو بغير شرط فلا تنفسخ كتابته بل تحل بموته ويتعجلها من ماله حيث ترك ما يفي بالكتابة ويعتق بذلك من معه في عقد الكتابة كما سيفصله المتن والشارح.
قوله: [فمعلوم أنه لا يدخل إلا بشرط]
стр. 985
فكأن يشتري المكاتب في زمن الكتابة من يعتق عليه بإذن سيده؛ فإنه يصير كمن عقدت الكتابة عليه. وإذا لم تنفسخ وترك المكاتب ما يفي بها [١] (فتؤدى) مما تركه (حالة): لأنه يحل بالموت ما أحل.
(و) إذا أديت حالة وفضل بعد الأداء شيء مما تركه (يرثه من) كان (معه) في الكتابة (فقط): دون من ليس معه ولو ابناً؛ فلو كان معه أخ في الكتابة وله ولد ليس معه في الكتابة فالإرث للأخ (إن عتق عليه): كفرعه وأصله وإخوته دون من لم يعتق عليه ولو كان معه في الكتابة، كما هو الموضوع فزوجته التي معه في الكتابة لا ترثه لأنها لا تعتق عليه وكذا عمه ونحوه.
(فإن لم يترك وفاء): بأن ترك شيئاً لا يوفي أو لم يترك شيئاً (وقوي من معه): في الكتابة (على السعي: سعى): فمتى قوي من معه لزمه السعي سواء ترك شيئاً أم لا، كان من قوي يعتق عليه أم لا. لكن إن ترك شيئاً وله ولد فيترك ما تركه لولده يستعين به ولا يدفع لأم ولده بشرط أن يكون فيه قوة على السعي وعنده أمانة، وإلا فيترك لأم الولد إن قويت وأمنت، فإن لم تكن فيها قوة أيضاً رقا لسيد المكاتب، ما لم يكن في ثمنها وفاء وإلا فتباع ليعتق الولد، كما قال (وترك للولد متروكه إن أمن وقوي، وإلا فلأم ولده كذلك) وإذا ادعى العبد أن سيده كاتبه، وادعى السيد نفي الكتابة فالقول قول السيد، كما قال: (والقول للسيد في نفي الكتابة): فإن ادعاها السيد وادعى العبد نفيها فالقول قول العبد؛ لأنها كالعتق لا تثبت إلا بعدلين. فلا يمين على المنكر.
(و) إذا ادعى المكاتب أنه أدى النجوم لسيده وأنكر السيد فالقول للسيد في نفي (الأداء) بيمين: فإن نكل السيد حلف العبد وعتق فإن نكل فالقول للسيد بلا يمين. (لا القدر): أي لا إن اختلفا في القدر؛ كقول السيد كاتبته على عشرة، وقال العبد: على خمسة مثلاً (والأجل) إذا اختلفا في قدره أو انقضائه (والجنس) إذا اختلفا فيه، كقول السيد: كاتبته على نقد، وقال العبد: بل على عرض (فكالبيع): القول للعبد إن أشبه ولو أشبه قول السيد، ثم قول السيد إن انفرد بالشبه فإن لم يشبها تحالفا ورد لكتابة المثل، ونكولهما كحلفهما ويقضي للحالف على الناكل وقال اللخمي: والقول لمدعي العين على مدعي العرض لأنها الغالب في المعاوضات، إلا أن ينفرد الآخر بالشبه فقوله بيمين.
(وإن أعين) المكاتب (بشيء): بأن دفع له جماعة أو واحد دراهم أو غيرها يستعين بها (فإن لم يقصد الصدقة عليه): بأن قصد فك الرقبة أو لا قصد
ــ
الصواب حذفه لمنافاته ما بعده.
قوله: [فكأن يشتري]: الأولى حذف الفاء؛ لأن الكاف ومدخولها في تأويل مصدر متعلق خبر المبتدأ الذي هو دخول تقديره، ودخول الأجنبي حاصل ومتعلق ومتأت في مثل أن يشتري ولا يخفى ما في هذا التركيب من الركة.
قوله: [فتؤدى حالة]: أي يؤدى جميع ما بقي من النجوم على الميت وعلى من معه وإنما حل الجميع بموته وحده؛ لأنه مدين بالجميع بعضه بالأصالة عن نفسه وبعضه بالحمالة عن غيره؛ لأنهم حملاء وحيث أدى جميع ما بقي من النجوم مما على الميت وغيره ممن معه في عقد الكتابة رجع وارث المكاتب بما أدى من تركته على غير من يعتق على ذلك المكاتب، كما يرجع هو عليه لو كان حياً. وأما من يعتق عليه فلا يرجع عليه الوارث كما لا يرجع عليه المكاتب لو كان حياً، فلو كان الوارث هو السيد تبع الأجنبي بالحصة المؤداة عنه من مال الميت وحاص به غرماءه بعد عتقه أفاده (بن) نقلا عن ابن عرفة.
قوله: [ولو ابناً]: حراً أو في عقد كتابة أخرى فتحصل أنه لا يرثه إلا من كان معه في الكتابة، وكان ممن يعتق عليه فلو كان معه جماعة كل منهم يعتق عليه فالإرث بينهم على فرائض الله تعالى فيحجب الأخ بالأب، أو الابن والجد بالأب، وهكذا.
قوله: [على السعي]: أي على أداء النجوم.
قوله: [لكن إن ترك شيئاً وله ولد] إلخ: حاصله أن المكاتب إذا مات وكان معه في الكتابة غيره فإن من معه يطالب بالسعي إن قوي مطلقاً ترك شيئاً لا يفي أم لا كان من معه يعتق عليه أم لا، وأما متروكه مما ليس فيه وفاء فإنما يترك للولد إن قوي، وأمن وإلا فلأمه إن كانت قوية وأمنت وإلا استوفاه سيد المكاتب وباع أم الولد ليكمل ما يفي بالنجوم ليعتق الولد، فإن لم يوف ثمنها رق الجميع فلو كانت النجوم مائة وترك المكاتب خمسين ولم يكن فيمن معه من الكتابة ولد ولا أم ولد فسيده يأخذ الخمسين ولا يتركها لأحد، ويقال
لمن معه إن كان فيكم قوة فاسعوا وإلا حكم برقكم أفاده في الأصل.
قوله: [لأنها كالعتق] إلخ: فيه أن هذه العلة لا تتأتى هنا؛ لأن المدعي هنا هو السيد والعتق بيده فدعواه الكتابة إقرار بالعتق ودعوى بعمارة ذمة العبد بالمال فليس هنا دعوى العتق أصلاً، ولذا علل بعضهم كون القول قول العبد بقوله؛ لأن السيد يدعي عمارة ذمة العبد بمجرد قوله، ويكون مقتضى هذا التعليل أن يكون القول قول العبد بيمين لا بلا يمين وذلك؛ لأنها دعوى بمال فتتوجه اليمين على المدعى عليه وهو السيد بمجردها ومقابل هذا القول يقول القول للسيد ادعى نفيها أو ثبوتها، ومشى عليه الخرشي تبعاً للفيشي وسلمه في الحاشية ولم يتعقبه وهما قولان.
قوله: [في نفي الأداء]: أي كلاً أو بعضاً، وإنما كان بيمين لأن دعوى العبد الأداء دعوى بمال وهي تثبت بشاهد ويمين فتتوجه اليمين على المدعى عليه وهو السيد هنا بمجردها ومحل حلف السيد ما لم يشترط في صلب عقد الكتابة التصديق بلا يمين وإلا عمل به كما في وثائق الحريري أفاده (عب).
قوله: [ولو أشبه قول السيد]: أي بأن أشبها معاً.
قوله: [ورد لكتابة المثل]: أي من العين