← Тафсир

Тафсир · id 1509

تفسير ابن كثير - ط أولاد الشيخ

ابن كثير

Полный текст (6 736 стр.). Показаны 1016–1055 · переход к 1021.

стр. 1016

قال الإمام أبو محمد بن أبي حاتم ﵀: وروي عن شريح، وسعيد بن المسيب، وعكرمة ومجاهد، والشعبي والحسن، ونافع وقتادة، وجابر بن زيد، وعطاء الخراساني، والضحاك والزهري، ومقاتل بن حيان، وابن سيرين، والربيع بن أنس والسدي نحو ذلك، قال: وخالفهم محمد بن كعب القرظي، فقال: ﴿إلا أَنْ يَعْفُونَ﴾: الرجال، وهو قول شاذ، لم يتابع عليه. انتهى كلامه. وقوله: ﴿أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ قال ابن أبي حاتم: ذُكر عن ابن لهيعة، حدثني عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، عن النبي ﷺ قال [¬١]: "ولي عقدة النكاح الزوج". وهكذا أسنده ابن مردويه من حديث عبد الله بن لهيعة، به (١٤٧٢). [وقد أسنده ابن جرير (١٤٧٣)، عن ابن لهيعة، عن عمرو بن شعيب] [¬٢]؛ أن رسول الله ﷺ فذكره، ولم يقل: عن أبيه عن جده، فالله أعلم. ثم قال ابن أبي حاتم ﵀ (١٤٧٤): وحدثنا يونس بن حبيب، حدثنا أبو داود، حدثنا جرير [¬٣]-يعني: ابن أبي [¬٤] حازم- عن عيسى -يعني: ابن عاصم- قال: سمعت شريحًا يقول: سألني علي بن أبي طالب عن الذي بيده عقدة النكاح. فقلت له: هو ولي المرأة. فقال علي: لا؛ بل هو الزوج. ثم قال: وفي إحدى الروايات عن ابن عباس، وجبير بن مطعم، وسعيد بن المسيب، وشريح في أحد قوليه، وسعيد بن جبير، ومجاهد والشعبي، وعكرمة ونافع، ومحمد بن سيرين، والضحاك ومحمد بن كعب القرظي، وجابر بن زيد، وأبي مجلز، والربيع بن أنس، وإياس بن معاوية، ومكحول ومقاتل بن حيان أنه الزوج. (قلت): وهذا هو الجديد من قول الشافعي، ومذهب أبي حنيفة وأصحابه والثوري وابن شبرمة والأوزاعي، واختاره ابن جرير، ومأخذ هذا القول أن الذي بيده عقدة النكاح حقيقةً

стр. 1017

الزوجُ، فإن بيده عقدها وإبرامها ونقضها وانهدامها، وكما أنه لا يجوز للولي أن يهب شيئًا من مال المولية للغير فكذلك في الصداق. قال: والوجه الثاني: حدثنا أبي، حدثنا ابن أبي مريم، حدثنا محمد بن مسلم، حدثنا عمرو بن دينار، عن ابن عباس ﵄ في الذي ذكر الله بيده عقدة النكاح- قال: ذلك أبوها، أو أخوها، أو من لا تُنكح إلا بإذنه. وروي عن علقمة والحسن، وعطاء وطاوس، والزهري وربيعة، وزيد بن أسلم، وإبراهيم النخعي، وعكرمة في أحد قوليه، ومحمد بن سيرين في أحد قوليه: أنه الولي، وهذا مذهب مالك، وقول الشافعي القديم، ومأخذه أن الولي هو الذي أكسبها اياه، فله التصرف فيه بخلاف سائر مالها. وقال ابن جرير (١٤٧٥): حدَّثنا سعيد بن الرببع الرازي، حدَّثنا سفيان، عن عمرو بن دينار، عن عكرمة قال: أذن الله في العفو وأمر به، فأيُّ امرأةٍ عَفَتْ جاز عفوها، فإن شَحَّتْ وضنَّت عفا وليها، وجاز عفوه. وهذا يقتضي صحة عفو الولي وإن كانت رشيدة، وهو مروي عن شريح، لكن أنكر عليه الشعبي، فرجع عن ذلك، وصار إلى أنه الزوج، وكان يباهل عليه. وقوله: ﴿وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ قال ابن جرير؛ قال بعضهم: خوطب به الرجال والنساء. حدثني يونس (١٤٧٦)، أخبرنا ابن وهب، سمعت ابن جريج يحدّث، عن عطاء بن أبي رباح، عن ابن عباس ﴿وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ قال: أقربهما للتقوى الذي يعفو. وكذا روي عن الشعبي وغيره، وقال مجاهد والنخعي، والضحاك ومقاتل بن حيان، والربيع بن أنس والثوري: الفضل هاهنا أن تعفو المرأة عن شَطْرِها، أو إتمام الرجل الصداق لها، ولهذا قال: ﴿وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَينَكُمْ﴾ أي: الإحسان، قاله سعيد. وقال الضحاك وقتادة والسدي وأبو وائل: المعروف: يعني: لا تهملوه [بل استعملوه] [¬١] بينكم. وقد قال أبو بكر بن مودويه (١٤٧٧): حدثنا محمد بن أحمد بن إبراهيم، حدثنا موسى بن إسحاق، حدثنا عقبة [¬٢] بن مكرم، حدثنا يونس بن بكير، حدثنا عبيد الله بن الوليد الرصافي،

стр. 1018

عن عبد اللَّه بن عبيد، عن علي بن أبي طالب: أن رسول اللَّه ﷺ قال: "ليأتين على الناس زمان عضوض، يعض المؤمن [¬١] على ما في يده وينسى الفضل، وقد قال اللَّه تعالى: ﴿وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَينَكُمْ﴾، شرار يبايعون كل مضطر" وقد نهى رسول اللَّه ﷺ عن بيع المضطر، وعن بيع الغَرر، فإن كان عندك خير فعد به على أخيك، ولا تزده هلاكًا إلى هلاكه؛ فإن المسلم أخو المسلم لا يحزنه ولا يحرمه. وقال سفيان عن أبي هارون؛ قال: رأيت عون بن عبد اللَّه في مجلس القرظي، فكان عون يحدثنا - ولحيته ترش من البكاء - ويقول: صحبت الأغنياء فكنت من أكرهم هَمًّا حين رأيتهم أحسن [¬٢] ثيابًا، وأطيب ريحًا، وأحسن مركبًا [¬٣]، وجالست الفقراء فاسترحت بهم، وقال: ﴿وَلَا [¬٤] تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَينَكُمْ﴾ إذا أتاه السائل وليس عنده شيء فَلْيَدْعُ له. رواه ابن أبي حاتم. ﴿إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [أي: لا يخفى عليه شيء من أموركم وأحوالكم، وسيجزي كل عامل بعمله] [¬٥]. ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ (٢٣٨) فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَمَا عَلَّمَكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ (٢٣٩)﴾ يأمر اللَّه [¬٦] تعالى بالمحافظة على الصلوات في أوقاتها، وحفظ حدودها وأدائها في أوقاتها، كما ثبت في الصحيحين عن ابن مسعود (١٤٧٨) قال: سألت رسول اللَّه ﷺ : أي العمل أفضل؟ قال: "الصلاة على وقتها". قلت: ثم أي؟ قال: "الجهاد في سبيل اللَّه". قلت: ثم أي؟ قال: "بر الوالدين". قال: حدثني بهنَّ رسول اللَّه ﷺ

стр. 1019

وسلم، ولو استزدته لزادني. وقال الإِمام أحمد (١٤٧٩): حدثنا يونس، حدثنا ليث، عن عبد اللَّه بن عمر بن حفص بن عاصم، عن القاسم بن غنام، عن جدَّته أم أبيه الدنيا [¬١]، عن جدّته أمّ فروة - وكانت [¬٢] ممن بايع رسول الله ﷺ -[أنها سمعت رسول اللَّه ﷺ ] [¬٣] وذَكرَ الأعمال فقال: "إن أحب الاعمال إلى اللَّه تعجيل الصلاة لأوّل وقتها". وهكذا رواه أبو داود والترمذي وقال: لا نعرفه إلا من طريق العمري، وليس بالقوي عند أهل الحديث. وخص تعالى من بينها بمزيد التأكيد الصلاةَ الوسطى، وقد اختلف السلف والخلف فيها: أي صلاة هي؟ فقيل: إنها الصبح. حكاه مالك في الموطأ بلاغًا عن علي وابن عباس، وقال هشيم وابن علية وغندر وابن أبي عدي وعبد الوهاب وشريك وغيرهم، عن [¬٤] عوف الأعرابي، عن أبي رجاء العطاردي قال: صليت خلف ابن عباس الفجر فقنت فيها ورفع يديه، ثم قال: هذه الصلاة الوسطى التي أمرنا أن نقوم فيها قانتين. رواه ابن جرير (١٤٨٠). ورواه أيضًا (١٤٨١) من حديث عوف، عن خلاس بن عمرو، عن ابن عباس مثله سواء. وقال ابن جرير (١٤٨٢): حدثنا ابن بشار، حدثنا عبد الوهاب، حدثنا عوف، عن أبي المنهال، عن أبي العالية، عن ابن عباس؛ أنه صلى الغداة في مسجد البصرة، فقنت قبل الركوع وقال: هذه الصلاة الوسطى التي ذكرها اللَّه في كتابه، فقال: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾. وقال أيضًا (١٤٨٣): حدثنا محمد بن عيسى الدامغاني، أخبرنا ابن المبارك، أخبرنا الربيع بن أنس، عن أبي العالية قال: صليت خلف عبد اللَّه بن قيس بالبصرة [¬٥] صلاة الغداة، فقلت لرجل من أصحاب وسول اللَّه ﷺ إلى جانبي: ما الصلاة الوسطى؟ قال: هذه الصلاة.

стр. 1020

وروى (١٤٨٤) من طريق أخرى [¬١]، عن الربيع، عن أبي العالية أنه صلى مع أصحاب رسول اللَّه ﷺ صلاة الغداة، فلما أن فرغوا قال [¬٢] قلت لهم: أيتهنّ الصلاة الوسط؟ قالوا: التي صليتَها قبل. وقال أيضًا (١٤٨٥): حدثنا ابن بشار، حدثنا ابن عثمة، عن سعيد بن بشير، عن قتادة، عن جابر بن عبد اللَّه قال: الصلاة الوسطى صلاة الصبح. وحكاه ابن أبي حاتم، عن ابن عمر، وأبي أمامة، وأنس، وأبي العالية، وعبيد بن عمير، وعطاء ومجاهد، وجابر بن زيد، وعكرمة، والربيع بن أنس، [. … ] [¬٣] ورواه ابن جرير (١٤٨٦) عن عبد اللَّه بن شداد بن الهاد أيضًا، وهو الذي نص عليه الشافعي ﵀ محتجًّا بقوله [تعالى]: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ والقنوت عنده في صلاة الصبح. ومنهم من قال: هي وسطى باعتبار أنها لا تقصر، وهي [¬٤] بين صلاتين رباعيتين مقصورتين وترد [¬٥] المغرب. وقيل: لأنها بين صلاتي ليل [¬٦] جهريتين وصلاتي نهار سريتين. وقيل: إنها صلاة الظهر قال أبو داود الطيالسي في مسنده (١٤٨٧): حدَّثنا ابن أبي ذئب، عن الزبرقان -يعني: ابن عمرو- عن زهرة -يعني: ابن معبد- قال: كنا جلوسًا عند زيد بن ثابت، فأرسلوا إلى أسامة فسألوه عن الصلاة الوسطى، فقال: هي الظهر، كان رسول اللَّه ﷺ يصليها بالهجير. وقال أحمد (١٤٨٨): حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، حدثني عمرو بن أبي حكيم، سمعت الزبرقان يحدث، عن عروة بن الزبير، عن زيد بن ثابت قال: كان رسول اللَّه ﷺ يصلي الظهر بالهاجرة، ولم يكن يصلي صلاةً أشد على أصحاب رسول اللَّه - صلى الله

стр. 1021

عليه وسلم - منها فنزلت: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ وقال: إن قبلها صلاتين وبعدها صلاتين. ورواه أبو داود في سننه من حديث شعبة به. وقال أحمد أيضًا (١٤٨٩): حدثنا يزيد، حدثنا ابن أبي ذئب [¬١] عن الزبرقان: أن رهطًا من قريش مر بهم زيد بن ثابت وهم مجتمعون، فأرسلوا إليه غلامين لهم يسألانه عن الصلاة الوسطى، فقال: هي [] [¬٢] العصر، فقام إليه رجلان منهم فسألاه فقال: هي الظهر. ثم انصرفا إلى أسامة بن زيد فسألاه، فقال: هي الظهر، إن النبي ﷺ كان يصلي الظهر بالهجير فلا يكون وراءه إلا الصف والصفان، والناس في قائلتهم وفي تجارتهم؛ فأنزل اللَّه ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ قال: فقال رسول اللَّه ﷺ : "لَينتهيَّن رجال أو لأحرِّقن بيوتهم". و [¬٣] الزبرقان: هو ابن عمرو بن أمية الضمري، لم يدرك أحدًا من الصحابة، والصحيح ما تقدم من روايته عن زهرة بن معبد وعروة بن الزبير. وقال شعبة وهمام: عن قتادة، عن سعيد بن المسيب، عن ابن عمر، عن زيد بن ثابت قال: الصلاة الوسطى صلاة الظهر. وقال أبو داود الطيالسي وغيره: عن شعبة، أخبرني عمر بن سليمان من ولد عمر بن الخطاب قال: سمعت عبد الرحمن بن أبان بن عثمان يحدث، عن أبيه، عن زيد بن ثابت قال: "الصلاة الوسطى هي الظهر". ورواه ابن جرير عن زكريا بن يحيى بن أبي زائدة، عن عبد الصمد، عن شعبة، عن عمر بن سليمان به عن زيد بن ثابت في حديث رفعه قال: "الصلاه الوسطى صلاة الظهر". وممن رُوي عنه أنها الظهر: ابن عمر، وأبو سعيد، وعائشة على اختلاف عنهم، وهو قول عروة بن الزبير، وعبد اللَّه بن شداد بن الهاد، ورواية عن أبي حنيفة ﵏.

стр. 1022

وقيل: إنها صلاة العصر، قال الترمذي والبغوي -رحمهما اللَّه-: وهو قول أكثر علماء الصحابة، وغيرهم، وقال القاضي الماوردي: هو قول جمهور التابعين. وقال الحافظ أبو عمر بن عبد البر: هو قول أكثر أهل الأثر. وقال أبو محمد بن عطية [في تفسيره] [¬١]: وهو قول جمهور الناس. وقال الحافظ أبو محمد عبد المؤمن بن خلف الدمياطي في كتابه المسمى بـ "كشف المغطى في تبيين الصلاة الوسطى": وقد نص فيه أنها العصر، وحكاه عن عمر، وعلي، وابن مسعود، وأبي أيوب، وعبد اللَّه بن عمرو، وسمرة بن جندب، وأبي هريرة، وأبي سعيد، وحفصة، وأمّ حبيبة، وأمّ سلمة، وعن ابن عمر، وابن عباس، وعائشة على الصحيح عنهم، وبه قال عبيدة، وإبراهيم النخعي، وزر بن حبيش وسعيد بن جبير، وابن سيرين، والحسن وقتادة والضحاك والكلبي ومقاتل وعبيد بن أبي [¬٢] مريم وغيرهم، وهو مذهب أحمد بن حنبل، قال القاضي الماوردي: والشافعي. قال ابن المنذر: وهو الصحيح عن [أبي حنيفة، و] [¬٣] أبي يوسف، ومحمد، واختاره ابن حبيب المالكي ﵏. (ذكر الدليل على ذلك) قال الإِمام أحمد (١٤٩٠): حدثنا أبو معاوية، حدثنا الأعمش [عن مسلم، عن شتير بن شكل عن علي قال: قال رسول اللَّه ﷺ يوم الأحزاب: "شغلونا عن الصلاة الوسطى؛ صلاة العصر، ملأ اللَّه قلوبهم وبيوتهم نارًا"، ثم صلاها بين العشاءين المغرب والعشاء. وكذا رواه مسلم (١٤٩١) من حديث أبي معاوية محمد بن خازم الضرير، والنسائي من طريق عيسى بن يونس كلاهما، عن الأعمش] [¬٤]، [عن مسلم] [¬٥] بن صبيح، [] [¬٦] أبي الضحى، عن شتير بن شكل بن حميد، عن علي بن أبي طالب، عن النبي ﷺ مثله.

стр. 1023

وقد رواه مسلم أيضًا (١٤٩٢) من طريق شعبة، عن الحكم بن عتيبة [¬١]، عن يحيى بن الجزار، عن علي [بن أبي طالب] [¬٢]، به. وأخرجه الشيخان (١٤٩٣) وأبو داود والترمذي والنسائي وغير واحد من أصحاب المساند والسنن والصحاح من طرق [¬٣] يطول ذكرها عن عبيدة السلماني عن علي به. ورواه الترمذي والنسائي (١٤٩٤) من طريق الحسن البصري عن علي به، قال الترمذي: ولا يعرف سماعه منه. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن سنان، حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، عن سفيان، عن عاصم، عن [زر قال] [¬٤]: قلت لعبيدة: سل عليًّا عن الصلاة الوسطى. فسأله فقال: كنا نراها الفجر أو الصبح حتى سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول يوم الأحزاب: "شغلونا عن الصلاة [¬٥] الوسطى، صلاة العصر، ملأ اللَّه قبورهم وأجوافهم و [¬٦] بيوتهم نارًا". ورواه ابن جرير (١٤٩٥)، عن بندار، عن ابن مهدي به. وحديث يوم الأحزاب وشغلُ المشركين رسولَ اللَّه ﷺ وأصحابَه عن أداء صلاة العصر يومئذ مروي عن جماعة من الصحابة يطول ذكرهم، وإنما المقصود رواية من نص منهم في روايته أن الصلاة الوسطى هي صلاة العصر. وقد رواه مسلم أيضًا (١٤٩٦) من حديث ابن مسعود والبراء بن عازب ﵄. (حديث آخر): قال الإِمام أحمد (١٤٩٧): حدثنا عفان، حدثنا همام، عن قتادة، عن

стр. 1024

الحسن، عن سمرة: أن رسول اللَّه ﷺ قال: "صلاة [¬١] الوسطى صلاة العصر". وحدثنا بهز وعفان (١٤٩٨) قالا: حدثنا أبان، حدثنا قتادة، عن الحسن، عن سمرة: أن رسول اللَّه ﷺ قال: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾ وسماها لنا: أنها هي صلاة العصر. وحدثنا محمد بن جعفر وروح (١٤٩٩) قالا: حدثنا سعيد، عن قتادة، عن الحسن، عن سمرة بن جندب: أن رسول اللَّه ﷺ قال: "هي العصر". قال ابن جعفر: سُئل عن صلاة الوسطى. ورواه الترمذي (١٥٠٠) من حديث سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن الحسن، عن سمرة. وقال: حسن صحيح. وقد سمع منه. [حديث آخر] [¬٢] وقال ابن جرير (١٥٠١): حدثنا أحمد بن منيع، حدثنا عبد الوهاب بن عطاء، عن التيمي، عن أبي صالح، عن أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه ﷺ وسلم: "الصلاة الوسطى صلاة العصر". (طريق أخرى بل حديث آخر): و [¬٣] قال ابن جرير (١٥٠٢): حدثني المثنى، حدثنا سليمان بن أحمد الحَرَشي الواسطي، حدثنا الوليد بن مسلم، قال: أخبرني صدقة بن خالد، حدثني خالد بن دهقان، عن خالد بن سبلان، عن كهيل بن حرملة قال: سئل أبو هريرة عن الصلاة الوسطى فقال: اختلفنا فيها كما اختلفتم فيها؛ ونحن بفناء بيت رسول اللَّه ﷺ ، وفينا الرجل الصالح أبو هاشم بن عتبة بن ربيعة بن عبد شمس، فقال: أنا أعلم لكم ذلك، فقام فاستأذن على رسول اللَّه ﷺ فدخل عليه، ثم خرج إلينا فقال: أخبرنا أنها صلاة العصر. غريب من هذا الوجه جدًّا.

стр. 1025

(حديث آخر): قال ابن جرير (١٥٠٣): حدثنا أحمد بن إسحاق، حدثنا أبو أحمد، حدثنا عبد السلام، عن سالم مولى أبي بصير، حدثني إبراهيم بن يزيد الدمشقي قال: كنت جالسًا عند عبد العزيز بن مروان فقال: يا فلان، اذهب إلى فلان فقل له: أي شيء سمعت من رسول اللَّه ﷺ في الصلاة الوسطى؟ فقال رجل جالس [¬١]: أرسلني أبو بكر وعمر، وأنا غلام صغير أسأله عن الصلاة الوسطى، فأخذ إصبعي الصغير فقال: "هذه [] [¬٢]، الفجر"، وقبض التي تليها فقال: "هذه الظهر"، ثم قبض الإبهام فقال: "هذه المغرب"، ثم قبض التي تليها فقال: "هذه العشاء"، ثم قال: "أَيُّ أصابعك بقيتْ؟ " فقلت: الوسطى فقال: "أيَّ الصلاة بقيتْ؟ " فقلت: العصر. [فقال: "هي العصر"] [¬٣]. غريب أيضًا جدًّا [¬٤]. (حديث آخر): قال ابن جرير (١٥٠٤): حدَّثني محمد بن عوف الطائي، حدثنا محمد بن إسماعيل بن عياش، حدثني أبي، حدثني ضمضم بن زرعة، عن شريح بن عبيد، عن أبي مالك الأشعري قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "الصلاة الوسطى صلاة العصر" إسناده [¬٥] لا بأس به. (حديث آخر): قال أبو حاتم بن حبان في صحيحه (١٥٠٥): حدثنا أحمد بن يحيى بن زهير، حدثنا الجراح بن مخلد، حدثنا عمرو بن عاصم، حدثنا همام بن مورق العجلي، عن أبي الأحوص، عن عبد اللَّه قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "صلاة الوسطى صلاة العصر". وقد روى الترمذي (١٥٠٦) من حديث محمد بن طلحة بن مصرف، [عن زبيد اليامي] [¬٦]، عن مرة الهمْداني، عن ابن مسعود قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "صلاة

стр. 1026

الوسطى صلاة العصر"، ثم قال: حسن صحيح. وأخرجه مسلم في صحيحه (١٥٠٧) من طريق محمد بن طلحة به، ولفظه: "شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر" الحديث. فهذه نصوص في المسألة لا تحتمل شيئًا، ويؤكد ذلك الأمر بالمحافظة عليها، وقوله ﷺ في الحديث الصحيح، من رواية الزهري، عن سالم، عن أبيه: أن رسول اللَّه ﷺ قال: "من فاتته [¬١] صلاة العصر فكأنما وتر أهله وماله" (١٥٠٨). وفي الصحيح أيضًا (١٥٠٩)، من حديث الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي قلابة، عن أبي المهاجر، عن بريدة بن الحصيب، عن النبي ﷺ قال: "بكروا بالصلاة في يوم الغيم؛ فإنه من ترك صلاة العصر فقد حبط عمله". وقال الإِمام أحمد (١٥١٠): حدثنا يحيى بن إسحاق، أخبرنا ابن لهيعة، عن عبد اللَّه بن هبيرة، عن أبي تميم، عن أبي نضرة الغفاري قال: صلى بنا رسول اللَّه ﷺ في واد من أوديتهم يقال له المخمص- صلاة العصر فقال: "إن هذه الصلاة [صلاة العصر] [¬٢] عُرضت على الذين من قبلكم فضيعوها، ألا ومن صلاها ضُعِّفَ له أجره مرتين، أَلا ولا صلاة بعدها حتى تروا الشاهد". ثم قال: رواه عن يحيى بن إسحاق، عن الليث، عن خير [¬٣] بن نعيم، عن عبد اللَّه بن هبيرة به. وهكذا رواه مسلم والنسائي جميعًا، عن قتيبة، عن الليث.

стр. 1027

ورواه مسلم أيضًا من حديث محمد بن إسحاق، حدثني يريد بن أبي حبيب كلاهما، عن خير [¬١] بن نعيم الحضرمي، عن عبد اللَّه ابن هبيرة السبائي به. فأما الحديث الذي رواه الإمام أحمد أيضًا (١٥١١): حدثنا إسحاق، أخبرنا مالك، عن زيد بن أسلم، عن القعقاع بن حكيم، عن أبي يونس مولى عائشة قال: أمرتني عائشة أن أكتب لها مصحفًا قالت: إذا بلغت هذه الآية: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾ فآذنِّي، فلما بلغتها آذنتُها فَأَمْلَتْ عليَّ: (حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وصلاة العصر وقوموا للَّه قانتين) قالت: سمعتها من رسول اللَّه ﷺ ، وهكذا رواه مسلم عن يحيى بن يحيى عن مالك به. وقال ابن جرير (١٥١٢): حدثني المثنى، حدثنا الحجاج، حدثنا حماد، عن هشام بن عروة، عن أبيه قال: كان في مصحف عائشة: (حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وهي صلاة العصر)، وهكذا رواه من طريق الحسن البصري: أن رسول اللَّه ﷺ قرأها كذلك. وقد روى الإمام مالك أيضًا (١٥١٣)، عن زيد بن أسلم، عن عمرو بن رافع قال: كنت أكتب مصحفًا لحفصة زوج النبي ﷺ فقالت: إذا بلغت هذه الآية فآذنِّي ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾، فلما بلغتها آذنتها فأملت علي: (حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وصلاة العصر وقوموا للَّه قانتين). وهكذا رواه محمد بن إسحاق بن يسار (١٥١٤) فقال: حدثني أبو جعفر محمد بن علي، ونافع مولى ابن عمر، أن عمرو [¬٢] بن رافع قال … فذكر مثله، وزاد: كما حفطها من النبي ﷺ . (طريق أخرى عن حفصة): قال ابن جرير (١٥١٥): حدثنا محمد بن بشار [¬٣]، حدثنا

стр. 1028

محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن أبي بشر، عن عبد الله بن يزيد الأزدي، عن سالم بن عبد الله: أن حفصة أمرت [¬١] إنسانا أن يكتب لها مصحفا فقالت: إذا بلغت هذه الآية: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾ فآذني، فلما بلغ آذَنها فقالت: اكتب: (حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطي وصلاة العصر). (طريق أخرى): قال ابن جرير (١٥١٦): حدثني ابن المثني [¬٢]، حدثنا عبد الوهاب، حدثنا [عبيد الله] [¬٣]، عن نافع: أن حفصة أمرت مولى لها أن يكتب لها مصحفا فقالت: إذا بلغت هذه الآية: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾ فلا تكتبها حتى أُمْلِيَها عليك، كما سمعت رسول الله ﷺ يقرؤها، فلما بلغها أمرته فكتبها: (حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وصلاة العصر وقوموا لله قانتين). قال نافع: فقرأتُ ذلك المصحف فرأيت فيه الواو. وكذا روى ابن جرير عن ابن عباس، [وعبيد بن عمير] [¬٤] أنهما قرآ كذلك. وقال ابن جرير (١٥١٧): حدَّثنا أبو كريب، حدَّثنا عبدة، حدَّثنا محمد بن عمرو، [] [¬٥] حدّثني أبو سلمة، عن عمرو بن رافع مولى عمر قال: كان في مصحف حفصة: (حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وصلاة العصر وقوموا لله قانتين). وتقرير المعارضة: أنه عطف صلاة العصر على الصلاة الوسطى بواو العطف التي [¬٦] تقتضي [¬٧] المغايرة، فدل ذلك على أنها غيرها، وأجيب علي [¬٨] ذلك بوجوه؛ (أحدها): أن هذا إنْ روي علي أنه خبر؛ فحديث عليٍّ أصح وأصرح منه، وهذا يحتمل أن تكون الواو زائدة، كما في قوله: ﴿وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ [¬٩] الْآيَاتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ﴾ ﴿وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ﴾.

стр. 1029

أو تكون لعطف الصفات لا لعطف الذوات كقوله ﴿وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾، وكقوله: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَي (١) الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّي (٢) وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَي (٣) وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَي﴾، وأشباه ذلك كثيرة. وقال الشاعر: إلى الملك القَرْم وابن الهُمام … ولَيثُ الكتيبة في المزدحم وقال أبو دؤاد [¬١] الإيادي: سُلط الموتُ والمنونُ عليهم … فلهم في صَدى المقابر هام (١٥١٨) والموت هو المنون، و [¬٢] قال [عدي بن زيد العبادي] [¬٣]: فَقَدّمت الأديمَ لراهشَيْهِ … فألفى [¬٤] قولها كذبًا ومَيْنا (*) (١٥١٩) والكذب هو المين، وقد نص سيبويه شيخ النحاة علي جواز قول القائل: مررت بأخيك وصاحبك، ويكون الصاحب هو الأخ نفسه، والله أعلم. وأمّا إن روي على أنه قرآن فإنه لم يتواتر، فلا [¬٥] يثبت بمثل خبر الواحد قرآن؛ ولهذا لم يثبته أمير المؤمنين عثمان بن عفان ﵁ في المصحف، الإمام ولا قرأ بذلك أحد من القراء الذين تثبت الحجة بقراءتهم، لا من السبعة ولا من [¬٦] غيرهم. ثم قد روي ما يدل علي نسخ هذه التلاوة المذكورة في هذا الحديث. قال مسلم (١٥٢٠): أخبرنا إسحاق بن راهويه، أخبرنا يحيى بن آدم، عن فضيل بن مرزوق، عن شقيق بن عقبة، عن البراء بن عازب قال: نزلت: (حافظوا على الصلوات وصلاة العصر) فقرأناها على رسول الله ﷺ ما شاء الله، ثم نسخها الله فأنزل: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾ فقال له زاهر -رجل كان مع شقيق-: أفهي العصر؟ قال: قد حدثتك كيف نزلت، وكيف نسخها الله ؟

стр. 1030

قال مسلم: ورواه الأشجعي، عن الثوري، عن الأسود، عن شقيق. (قلت): وشقيق هذا لم يرو له مسلم سوى هذا الحديث الواحد، والله أعلم. فعلي هذا تكون هذه التلاوة -وهي تلاوة الجادة- ناسخة للفظ رواية عائشة وحفصة، ولمعناها إن كانت الواو دالة على المغايرة، وإلا فللفظها فقط، والله أعلم. وقيل: إن الصلاة الوسطى هي صلاة المغرب، رواه ابن أبي حاتم (١٥٢١) عن ابن عباس، وفي إسناده نظر؛ فإنه رواه عن أبيه، عن أبي الجماهر [¬١]، عن سعيد بن بشير [¬٢]، عن قتادة، عن أبي الخليل، عن عمه، عن ابن عباس قال: صلاة الوسطى المغرب. وحكي هذا القول ابن جرير عن قبيصة بن ذؤيب، وحكي أيضًا عن قتادة على اختلاف عنه، ووجه هذا القول بعضهم بأنها وسطي في العدد بين الرباعية والثنائية، وبأنها وتر المفروضات، وبما جاء فيها من الفضيلة، والله أعلم. وقيل: إنها العشاء الأخيرة، اختاره علي بن أحمد الواحدي في تفسيره المشهور، وقيل: هي واحدة من الخمس لا بعينها، وأبهمت فيهن كما أبهمت ليلة القدر في الحول، أو الشهر أو العشر، ويحكي هذا القول عن سعيد بن المسيب، وشريح القاضي، ونافع مولى ابن عمر، والربيع بن خيثم، ونقل أيضًا عن زيد بن ثابت، واختاره إمام الحرمين الجويني في نهايته. وقيل: بل الصلاة الوسطى مجموع الصلوات الخمس. رواه ابن أبي حاتم عن ابن عمر (١٥٢٢)، وفي صحته أيضًا نظر، والعجب أن هذا القول اختاره الشيخ أبو عمر بن عبد البر النمري إمام ما وراء البحر، وإنها لإِحدي الكبر؛ إذ اختار مع اطلاعه وحفظه ما لم يقم عليه دليل من كتاب، ولا سنة، ولا أثر. وقيل: إنها صلاة العشاء وصلاة الفجر. وقيل: بل هي صلاة الجماعة. وقيل: صلاة الجمعة. وقيل: صلاة الخوف. وقيل: بل صلاة عيد الفطر. ليقيل: بل صلاة عيد [¬٣] الأضحي. وقيل: الوتر. وقيل: الضحي. وتوقف فيها آخرون لَمَّا تعارضت عندهم الأدلة ولم يظهر لهم وجه الترجيح، ولم يقع الإِجماع علي قول واحد؛ بل لم يزل التنازع فيها موجودًا من زمان [¬٤] الصحابة وإلى الآن.

стр. 1031

قال ابن جرير (١٥٢٣): حدّثني محمد بن بشار [¬١] وابن المثنى [¬٢]، قالا: حدَّثنا محمد بن جعفر، حدَّثنا شعبة قال: سمعت قتادة يحدث عن سعيد بن المسيب قال: كان أصحاب رسول الله ﷺ ، مختلفين في الصلاة الوسطى هكذا، وشبك بين أصابعه. وكل هذه الأقوال فيها ضعف بالنسبة إلى التي قبلها، وإنما المدار ومعترك النزاع في الصبح والعصر، وقد ثبتت السنة بأنها العصر فتعيَّن المصير إليها. وقد روى الإِمام [] [¬٣] أبو محمد عبد الرحمن بن أبي حاتم الرازي رحمهما الله في كتاب فضائل الشافعي ﵀ حدَّثنا أبي، حدثنا حرملة بن يحيى التُجيبي [¬٤] يقول: قال الشافعي: كل ما قلت فكان عن النبي ﷺ خلاف [¬٥] قولي مما يصح، فحديث النبي ﷺ ، أولى ولا تقلدوني. وكذا روى الربيع، والزعفراني، وأحمد بن حنبل، عن الشافعي، وقال موسى أبو الوليد بن أبي الجارود، عن الشافعي: إذا صح الحديث وقلت قولا فأنا راجع عن قولي، وقائل بذلك. فهذا من سيادته وأمانته، وهذا نفس إخوانه من الأئمة، ﵏ ورضي الله عنهم أجمعين آمين، ومن هاهنا قطع القاضي الماوردي بأن مذهب الشافعي ﵀: أن صلاة الوسطى هي صلاة العصر، وإن كان قد نص في الجديد وغيره: أنها الصبح؛ لصحة الأحاديث أنها العصر، وقد وافقه على هذه الطريقة جماعة من محدثي المذهب، ولله الحمد والمنة. ومن الفقهاء في المذهب من ينكر أن تكون هي العصر [مذهبًا للشافعي] [¬٦]، وصمموا علي أنها الصبح قولا واحدا. قال الماوردي: ومنهم من حكى في المسألة قولين، ولتقرير [¬٧] المعارضات والجوابات موضع آخر غير هذا وقد أفردناه على حدة، ولله الحمد والمنة. وقوله تعالى: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ أي: خاشعين ذليلين مستكينين [¬٨] بين يديه، وهذا الأمر مستلزم ترك الكلام في الصلاة لمنافاته إياها، ولهذا لما امتنع النبي ﷺ من [¬٩] الرد على ابن مسعود حين سلم عليه، وهو في الصلاة اعتذر إليه بذلك، وقال: "إن في الصلاة

стр. 1032

لشغلا". وفي صحيح مسلم (١٥٢٤): أنه ﷺ قال لمعاوية بن الحكم السلمي [¬١] حين تكلم في الصلاة: "إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس، إنما هي التسبيح والتكبير وذكر الله". وقال الإِمام أحمد [بن حنبل] [¬٢] (١٥٢٥): حدَّثنا يحيى بن سعيد، عن إسماعيل، حدّثني الحارث بن شُبيل [¬٣]، عن أبي عمرو الشيباني، عن زيد بن أرقم قال: كان الرجل يكلم صاحبه في عهد النبي ﷺ ، في الحاجة في الصلاة حتى نزلت هذه الآية: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ فأمرنا بالسكوت. رواه الجماعة سوى ابن ماجة به من طرق عن إسماعيل به. وقد أشكل هذا الحديث علي جماعة من العلماء، حيث ثبت عندهم أن تحريم الكلام في الصلاة كان بمكة قبل الهجرة إلي المدينة وبعد الهجرة إلي أرض الحبشة، كما دل علي ذلك حديث ابن مسعود الذي في الصحيح قال: كنا نسلم علي النبي ﷺ قبل أن [¬٤] نهاجر إلى الحبشة وهو في الصلاة فيرد علينا، قال: فلما قَدِمْنَا سلمت عليه فلم يرد عليَّ فأخذني ما قَرُبَ وما بَعُدَ، فلما سلَّم قال: "إني لم أرد عليك إلا أني كنت في الصلاة، وإن الله يحدث من أمره ما يشاء، وإن مما أحدث ألا تكلموا في الصلاة" (١٥٢٦). وقد كان ابن مسعود ممن أسلم قديمًا وهاجر إلي الحبشة، ثم قدم منها إلي مكة مع من قدم

стр. 1033

فهاجر إلى المدينة، وهذه الآية: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ مدنية بلا خلاف، فقال قائلون: إنما أراد زيد بن أرقم- بقوله [¬١]: كان الرجل يكلم أخاه في حاجته في الصلاة- الإِخبار عن [جنس الناس] [¬٢]، واستدل على تحريم ذلك بهذه الآية بحسب ما فهمه [¬٣] منها، والله أعلم. وقال [¬٤] آخرون: إنما أراد أن ذلك قد وقع بالمدينة بعد الهجرة إليها، ويكون ذلك قد أبيح مرتين وحرم مرتين، كما اختار ذلك قوم من أصحابنا وغيرهم، والأول أظهر، والله أعلم. وقال الحافظ أبو يعلى (١٥٢٧): حدثنا بشر بن الوليد، حدثنا إسحاق [بن يحيى] [¬٥]، عن المسيب، عن ابن مسعود قال: كنا نسلم [¬٦] بعضنا علي بعض في الصلاة، فمررت برسول الله ﷺ فسلمت عليه فلم يرد علي، فوقع في نفسي أنه نزل فيَّ شيء، فلما قضي النبي ﷺ صلاته قال: "وعليك السلام أيها المسلم ورحمة الله، إن الله يحدث من [¬٧] أمره ما يشاء، فإذا كنتم في الصلاة فاقنتوا ولا تكلموا". وقوله: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَمَا عَلَّمَكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ﴾ لما أمر تعالى عباده بالمحافظة علي الصلوات، والقيام بحدودها، وشدد الأمر بتاكيدها ذكر الحال التي [¬٨] يشتغل الشخص فيها عن أدائها علي الوجه الأكمل، وهي حال القتال والتحام الحرب فقال: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾ أي: فصلوا علي أي حال كان رجالا أو ركبانا، يعني: مستقبلي القبلة وغير مستقبلهما، كما قال مالك (١٥٢٨): عن نافع: أن [¬٩] ابن عمر كان إذا سُئل عن صلاة الخوف وَصَفَهَا، ثم قال: فإن كان خوف أشد من ذلك صلوا رجالا علي أقدامهم، أو ركبانا؛ مستقبلي القبلة أو غير مستقبليها. قال نافع: لا أري ابن عمر ذكر ذلك إلا عن النبي ﷺ . ورواه البخاري، وهذا لفظه ومسلم. ورواه البخاري أيضًا [¬١٠] من وجه آخر، عن ابن جريج، عن موسى بن عقبة،

стр. 1034

عن نافع، عن ابن عمر، عن النبي، ﷺ نحوه، أو قريبًا منه. ولمسلم أيضًا عن ابن عمر قال: فإن كان خوف أشد من ذلك فَصَلِّ راكبًا، أو قائمًا تومئ إيماء. وفي حديث عبد الله بن أنيس الجهني لما بعثه النبي ﷺ إلي خالد بن سفيان الهذلي ليقتله وكان نحو عرنة [¬١] و [¬٢] عرفات، فلما واجهه حانت صلاة العصر قال: فخشيت أن تفوتني، فجعلت أصلي وأنا أومئ إيماء … الحديث بطوله، رواه أحمد وأبو داود بإسناد جيد (١٥٢٩)، وهذا من رخص الله التي رخص لعباده، ووضعه الآصار (*) والأغلال عنهم. وقد روى ابن أبي حاتم (١٥٣٠) من طريق شبيب بن بشر، عن عكرمة، عن ابن عباس قال في هذه الآية: يصلي الراكب على دابته، والراجل علي رجليه. قال: وروي عن الحسن ومجاهد ومكحول، والسدي، والحكم، ومالك، والأوزاعي، والثوري، والحسن بن صالح نحو ذلك، وزاد: ويوميء برأسه أينما توجه. ثم قال (١٥٣١): حدَّثنا أبي، حدثنا [¬٣] [أبو غسان] [¬٤]، حدثنا [ذَوَّاد -يعني: ابن عُلية-] [¬٥] عن مطرف، عن عطية، عن جابر بن عبد الله قال: إذا كانت المسايفة فليومئ برأسه إيماء حيث كان وجهه، فذلك قوله: ﴿فرجالا أو ركبانا﴾. وروي عن الحسن، ومجاهد، وسعيد بن جبير، وعطاء، وعطية، والحكم، وحماد، وقتادة نحو ذلك. وقد ذهب الإِمام أحمد -فيما نص عليه- إلى أن صلاة الخوف تُفعل في بعض الأحيان ركعة واحدة إذا تلاحم الجيشان، وعلي ذلك يُنَزَّلُ الحديث الذي رواه مسلم، وأبو داود، والنسائي وابن ماجة، وابن جرير من حديث أبي عوانة الوضاح [¬٦] بن عبد الله اليشكري، زاد مسلم والنسائي وأيوب بن عائذ، كلاهما، عن بكير بن الأخنس

стр. 1035

الكوفي، عن مجاهد، عن ابن عباس (١٥٣٢) قال: فرض الله الصلاة علي لسان نبيكم ﷺ في الحَضَر أربعًا، وفي [¬١] السفر ركعتين، وفي [¬٢] الخوف ركعة، وبه قال الحسن البصري وقتادة والضحاك وغيرهم. [وقال ابن جرير (١٥٣٣): حدثنا ابن بشار، حدثنا ابن مهدي، عن شعبة قال: سألت الحكم وحمادًا وقتادة عن صلاة المسايفة فقالوا: ركعة. وهكذا روي الثوري عنهم سواء] [¬٣]. وقال ابن جرير أيضًا (١٥٣٤): حدثني سعيد بن عمرو السكوني، حدثنا بقية بن الوليد، حدثنا المسعودي، حدثنا يزيد الفقير، عن جابر بن عبد الله قال: صلاة الخوف ركعة. واختار هذا القول ابن جرير. وقال البخاري (١٥٣٥): باب الصلاة عند مناهضة الحصون ولقاء العدو، وقال الأوزاعي: إن كان تهيأ الفتح ولم يقدروا على الصلاة صلوا إيماء، كل امرئ لنفس، فإن لم يقدروا علي الإيماء أخروا الصلاة حتى ينكشف القتال، و [¬٤] يأمنوا فيصلوا ركعتين، فإن لم يقدروا صلوا ركعة وسجدتين، فإن لم يقدروا لا يجزيهم [¬٥] التكبير ويؤخرونها حتى يأمنوا. وبه قال مكحول وقال أنس مالك: حضرت مناهضة حصن تسْتر عند إضاءة الفجر، واشتدّ اشتعال القتال، فلم يقدروا على الصلاة، فلم نصل إلا بعد ارتفاع النهار، فصليناها ونحن مع أبي موسى فَفُتِحَ لنا. قال أنس: وما يسرني بتلك الصلاة الدنيا وما فيها. هذا لفظ البخاري. ثم استشهد على ذلك بحديث تأخيره ﷺ صلاة العصر يوم الخندق؛ لعذر [¬٦] المحاربة إلى غيبوبة الشمس، وبقوله ﷺ بعد ذلك لأصحابه لما جهزهم إلى بني قريظة: "لا يصلين أحد منكم العصر إلا في بني

стр. 1036

قريظة" (١٥٣٦). فمنهم من أدركته الصلاة في الطريق فصلوا وقالوا: لم يُرِدْ منا رسول الله ﷺ إلا تعجيل السير، ومنهم من أدركته فلم يصلِّ إلى أن غربت الشمس في بني قريظة، فلم [¬١] يعنف واحدًا من الفريقين، وهذا يدل على اختيار البخاري لهذا القول، والجمهور على خلافه، ويعولون على أن صلاة الخوف على الصفة التي ورد بها القرآن في سورة النساء، ووردت بها الأحاديث لم تكن مشروعة في غزوة الخندق، وإنما شرعت بعد ذلك، وقد جاء مصرحا بهذا في حديث أبي سعيد وغيره، وأما مكحول والأوزاعي والبخاري فيجيبون بأن مشروعية صلاة الخوف بعد ذلك لا تنافي [¬٢] جواز ذلك؛ لأن هذا حال نادر خاص فيجوز فيه مثل ما قلنا؛ بدليل صنيع الصحابة زمن عمر في فتح تسْتر، وقد اشتهر ولم ينكر، والله أعلم. وقوله: ﴿فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ﴾ أي: أقيموا صلاتكم كما أُمِرْتُم فأتموا [¬٣] ركوعها وسجودها، وقيامها، وقعودها، وخشوعها، وهجودها ﴿كَمَا عَلَّمَكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ﴾ أي: مثل ما أنعم عليكم، وهداكم للإيمان، وعلمكم ما ينفعكم في الدنيا والآخرة، فقابلوه بالشكر والذكر، كقوله بعد ذكر صلاة الخوف: ﴿فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ وستأتي الأحاديث الواردة في صلاة الخوف وصفاتها في سورة النساء عند قوله تعالى: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ﴾ الآية. ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيرَ إِخْرَاجٍ فَإِنْ خَرَجْنَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيكُمْ فِي مَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ مِنْ مَعْرُوفٍ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢٤٠) وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ (٢٤١) كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٢٤٢)﴾ قال الأكثرون: هذه الآية منسوخة بالتي قبلها، وهي قوله: ﴿يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾. قال البخاري (١٥٣٧): حدثنا أمية، حدثنا يزيد بن زريع، عن حبيب، عن ابن أبي مليكة،

стр. 1037

قال ابن الزبير: قلت لعثمان بن عفان ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا﴾ قد نسختها الآية الأخرى فَلِمَ تكتبها أو تَدَعُها؟ قال: يا بن أخي، لا أغير شيئًا منه من مكانه. ومعني هذا الإِشكال الذي قاله ابن الزبير لعثمان: إذا كان حكمها قد نسخ بالأربعة الأشهر [¬١] فما الحكمة في إبقاء رسمها مع زوال حكمها، وبقاء رسمها بعد التي نسختها يوهم بقاء حكمها؟ فأجابه أمير المؤمنين بأن هذا أمر توقيفي، وأنا وجدتها مثبتة في المصحف كذلك بعدها؛ فأثبتها حيث وجدتها. قالي ابن أبي حاتم (١٥٣٨): حدثنا الحسن بن محمد بن الصباح، حدثنا حجاج بن محمد، عن ابن جريج، وعثمان بن عطاء، عن عطاء، عن ابن عباس في قوله: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيرَ إِخْرَاجٍ﴾ فكان للمتوفى عنها زوجها نفقتها وسكناها في الدار سنة، فنسختها آية المواريث، فجعل لهن الثمن أو الربع مما ترك الزوج، ثم قال: وروي عن أبي موسى الأشعري وابن الزبير، ومجاهد وإبراهيم وعطاء [¬٢] والحسن وعكرمة، وقتادة والضحاك، وزيد بن أسلم والسدي، ومقاتل بن حيان، وعطاء الخراساني، والربيع بن أنس-: أنها منسوخة. وروي من طريق علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس؛ قال (١٥٣٩): كان الرجل إذا مات وترك امرأته اعتدت سنة في بيته ينفق عليها من ماله، ثم أنزل الله بعد: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ فهذه عدة المتوفى عنها زوجها إلا أن تكون حاملًا؛ فعدتها أن تضع ما في بطها وقال: ﴿وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ﴾ فبين ميراث المرأة وترك الوصية والنفقة. قال: وروي عن مجاهد والحسن، وعكرمة وقتادة، والضحاك والربيع، ومقاتل بن حيان، قالوا: نسختها ﴿أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾. قال: وروي عن سعيد بن المسيب؛ قال: نسختها التي في الأحزاب: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ الآية، (قلت): وروي عن مقاتل [¬٣] و [¬٤] قتادة أنها منسوخة بآية الميراث.

стр. 1038

وقال البُخاريّ (١٥٤٠): حدَّثنا إسحاق بن منصور [¬١]، حدَّثنا روح، حدَّثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا﴾ قال: كانت هذه العدة تعتد عند أهل زوجها واجب، فأنزل الله: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيرَ إِخْرَاجٍ فَإِنْ خَرَجْنَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيكُمْ فِي مَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ مِنْ مَعْرُوفٍ﴾ قال: جعل الله [لها] [¬٢] تمام السنة سبعة أشهر وعشرين ليلة وصية، إن شاءت سكنت في وصيتها، وإن شاءت خرجت، وهو قول الله: ﴿غَيرَ إِخْرَاجٍ فَإِنْ خَرَجْنَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيكُمْ﴾ فالعدة كما هي واجب عليها، زعم ذلك عن مجاهد ﵀، وقال عطاء: قال ابن عباس: [نسخت هذه الآية] [¬٣] عدتها عند أهلها، فتعتد حيث شاءت، وهو قول الله تعالى: ﴿غَيرَ إِخْرَاجٍ﴾ قال عطاء: إن شاءت اعتدت عند أهلها وسكنت في وصيتها، وإن شاءت خرجت؛ لقول الله: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيكُمْ فِي مَا فَعَلْنَ﴾ قال عطاء: ثم جاء الميراث فنسخ السكنى، فتعتد حيث شاءت ولا سكنى لها، ثم أسند البُخاريّ عن ابن عباس مثل ما تقدم عنه بهذا [¬٤] القول الذي عَوَّل عليه مجاهد وعطاء، من أن هذه الآية لم تدل على وجوب الاعتداد سنة -كما زعمه الجمهور- حتَّى يكون ذلك منسوخًا بالأربعة الأشهر وعشر، وإنَّما دلت على أن ذلك كان من باب الوصاة بالزوجات أن يمكن من السكنى في بيوت أزواجهن بعد وفاتهم حولًا كاملًا أن اخترن ذلك؛ ولهذا قال: ﴿وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ﴾ أي: يوصيكم الله بهن وصية، كقوله: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾ الآية، وقوله [¬٥]: ﴿وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ﴾ وقيل: إنما انتصب على معنى: فلتوصوا [¬٦] بهن وصية، وقرأ آخرون بالرَّفع: ﴿وَصِيَّةً﴾ (*)، على معنى: كتب عليكم وصية، واختارها ابن جرير، ولا يمنعن من ذلك لقوله: ﴿غَيرَ إِخْرَاجٍ﴾ فأمَّا إذا انقضت عدتهن بالأربعة أشهر والعشر [¬٧] أو بوضع الحمل، واخترن الخروج والانتقال من ذلك المنزل، فإنهن لا يمنعن من ذلك؛ لقوله: ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ وهذا القول له اتجاه وفي اللفظ مساعدة له، وقد اختاره جماعة منهم: الإمام أبو العباس بن تيمية، ورده آخرون منهم: الشَّيخ أبو عمر بن عبد البر. وقول عطاء ومن تابعه على أن ذلك منسوخ بآية الميراث، أن أرادوا ما زاد على الأربعة أشهر

стр. 1039

والعشر فَمُسَلم، وإن أرادوا أن سكنى الأربعة أشهر والعشر لا تجب في تركة الميت، فهذا محل خلاف بين الأئمة، وهما قولان للشافعي، ﵀. وقد استدلوا على وجوب السكنى في منزل الزوج بما رواه مالك في موطئه (١٥٤١)، عن سعد بن إسحاق بن كعب بن عُجرة؛ عن عمته زينب بنت كعب بن عجرة: أن الفُرَيعَة بنت مالك بن سنان، وهي أخت أبي سعيد الخدري ﵄ أخبرتها أنَّها جاءت إليَّ رسول الله ﷺ تسأله [¬١] أن ترجع إلى أهلها في بني خدرة، فإن زوجها خرج في طلب أعْبُدٍ له أبقوا (*)، حتَّى إذا كان بطرف القدوم لحقهم فقتلوه قالت: فسألت رسول الله ﷺ أن أرجع إلى أهلي في بني خدرة؛ فإن زوجي لم يتركني في منزل [¬٢] يملكه ولا نفقة، قالت: فقال رسول الله ﷺ : "نعم". قالت: فانصرفت حتَّى إذا كنت في الحجرة ناداني رسول الله ﷺ -أو أمر بي- فنوديت له فقال: "كيف قلت؟ " فرددت عليه القصة التي ذكرت له من شأن زوجي، فقال: "اسكني [¬٣] في بيتك حتَّى يبلغ الكتاب أجله". قالت: فاعتددت فيه أربعة أشهر وعشرا، قالت: فلما كان عثمان بن عفَّان أرسل إليَّ فسألنِي عن ذلك فأخبرته فأتبعه وقضى به. وكذا رواه أبو داود والترمذي والنَّسائيُّ من حديث مالك به. ورواه النَّسائيّ أيضًا وابن ماجة من طرق عن سعد بن إسحاق به، وقال التِّرمذيُّ: حسن صحيح. وقوله: ﴿[وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ] [¬٤] بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: لما نزل قوله تعالى: [﴿مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ﴾ قال رجل: إن شئتُ

стр. 1040

أحسنتُ ففعلتُ، وإن شئتُ لم أفعل؛ فأنزل الله هذه الآية] [¬١]: ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ [¬٢]﴾، [] [¬٣] وقد أستدل بهذه الآية من ذهب من العلماء إلى وجوب المتعة لكل مطلقة، سواء كانت مفوضة، أو مفروضا لها، أو مطلقة [¬٤] قبل المسيّس، أو مدخولًا بها، وهو قول عن الشَّافعي رحمة الله، وإليه ذهب سعيد بن جبير وغيره من السلف، واختاره ابن جرير، ومن لم يوجبها مطلقًا يخصص من هذا العموم مفهوم قوله تعالى: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ﴾ وأجاب الأولون: بأن هذا من باب ذكر بعض أفراد العموم فلا تخصيص على المشهور المنصور [¬٥]، والله أعلم. وقوله: ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ﴾ أي: في احلاله وتحريمه، وفروضه وحدوده، فيما أمركم به [¬٦]، ونهاكم عنه، وبينه [¬٧] ووضحه وفسره، ولم يتركه مجملًا في وقت احتياجكم إليه ﴿لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ أي: تفهمون وتتدبرون. ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَال لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ (٢٤٣) وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٤٤) مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيهِ تُرْجَعُونَ (٢٤٥) روي عن ابن عباس أنهم كانوا أربعة آلاف، وعنه: كانوا ثمانية آلاف، وقال أبو صالح: تسعة آلاف، وعن ابن عباس: أربعون ألفًا. وقال وهب بن منبه وأبو مالك: كانوا بضعة وثلاثين ألفًا.

стр. 1041

وروى ابن أبي حاتم عن ابن عباس؛ قال: كانوا أهل قرية يقال لها داوردان. وكذا قال السدي وأبو صالح وزاد: من قِبَلِ واسط، وقال سعيد بن عبد العزيز: كانوا من أهل أذرعات، وقال ابن جريج عن عطاء قال: هذا مَثَل، وقال علي بن عاصم: كانوا من أهل ذاوردان [¬١]؛ قرية على فرسخ من قبل [¬٢] واسط. وقال وكيع بن الجرَّاح في تفسيره: حدَّثنا سفيان، عن ميسرة بن حبيب النهدي، عن المنهال بن عمرو الأسدي، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ﴾ قال: كانوا أربعة آلاف، خرجوا فرارا من الطاعون، قالوا: نأتي أرضًا ليس بها موت، حتَّى إذا كانوا بموضع كذا وكذا قال الله لهم: ﴿مُوتُوا﴾ فماتوا، فمر عليهم نبي من الأنبياء فدعا ربه أن يحييهم فأحياهم، فذلك قوله : ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ﴾ الآية. وذكر غير واحد من السلف أن هؤلاءِ القوم كانوا أهل بلدة في زمان بني إسرائيل، استوخموا أرضهم، وأصابهم بها [¬٣] وباء شديد، فخرجوا فرارا من الموت هاربين [¬٤] إلى البرية، فنزلوا وأديا أفيح، فملئوا ما بين عدوتيه، فأرسل الله إليهم ملكين؛ أحدهما من أسفل الوادي، والآخر من أعلاه، فصاحا بهم صيحة واحدة؛ فماتوا عن آخرهم موتة رجل واحد، فحيزوا إلى حظائر، وبُني عليهم جدران وفنوا [¬٥] وتمزقوا وتفرقوا، فلما كان بعد دهر مرَّ بهم نبي من أنبياء بني إسرائيل يقال له: حزقيل، فسأل الله أن يحييهم على يديه، فأجابه إلى ذلك، وأمره أن يقول: أيتها [¬٦] العظام البالية، إنّ الله يأمرك أن تجتمعي، فاجتمع عظام كل جسد بعضها إلى بعض، ثم أمره فنادى: أيتها [¬٧] العظام، أن الله يأمرك بأن تكتسي لحمًا وعصبًا وجلدًا، فكان ذلك وهو يشاهده، ثم أمره فنادى: أيتها الأرواح، أن الله يأمرك أن ترجع كل روح إلى الجسد الذي كانت تعمره، فقاموا أحياء ينظرون، قد أحياهم الله [¬٨] بعد رقدتهم الطويلة وهم يقولون: سبحانك لا إله إلَّا أنت. وكان في إحيائهم عبرة ودليل قاطع على وقوع المعاد الجسماني يوم القيامة؛ ولهذا قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ﴾ أي [¬٩]: فيما يريهم من الآيات الباهرة، والحجج القاطعة، والدلالات الدامغة [¬١٠]، ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ﴾ أي: لا يقومون

стр. 1042

بشكر ما أنعم الله به عليهم في دينهم ودنياهم. وفي هذه القصة عبرة ودليل على أنَّه لن يغني حَذَرٌ من قَدر، وأنَّه لا ملجأ من الله إلَّا إليه، فإنّ هؤلاءِ خرجوا [¬١] فرارًا من الوباء طلبًا [¬٢] لطول الحياة، فَعُوملوا بنقيض قصدهم، وجاءهم الموت سريعًا في آنٍ واحدٍ. ومن هذا القبيل الحديث الصَّحيح الذي رواه الإمام أحمد (١٥٤٢): حدَّثنا إسحاق بن عيسى، أخبرنا مالك. وعبد الرَّزاق، أخبرنا معمر، كلاهما عن الزُّهريّ، عن عبد الحميد بن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب، [عن عبد الله بن الحارث بن نوفل] [¬٣]، عن عبد الله بن عباس؛ أنّ عمر بن الخطاب خرج إليَّ الشَّام، حتَّى إذا كان بسرغ [¬٤] (*) لقيه أمراء الأجناد؛ أبو عبيدة بن الجراح وأصحابه، فأخبروه أن الوباء قد وقع بالشام، فذكر الحديث، فجاءه عبد الرحمن بن عوف، وكان متغيبًا لبعض حاجته، فقال: أن عندي من هذا علمًا؛ سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن كان بأرض وأنتم بها [¬٥] فلا تخوجوا فرارًا منه، وإذا سمعتم به بأرض فلا تقدموا عليه" فَحَمِدَ الله عمر ثم انصرف. وأخرجاه في الصحيحين من حديث الزُّهريّ، به. طريق أخرى لبعضه: قال أحمد (١٥٤٣): حدَّثنا حجاج ويزيد العمي [¬٦]؛ قالا: أخبرنا ابن أبي ذئب، عن الزُّهريّ، عن سالم، عن عبد الله بن عامر بن ربيعة أن عبد الرحمن بن عوف أخبر عمر وهو في الشَّام، عن النَّبيِّ ﷺ : "أن هذا السقم عُذبَ به الأمم قبلكم، فإذا سمعتم به في أرض فلا تدخلوها، وإذا وقع بأرض وأنتم بها [¬٧] فلا تخرجوا فرارًا منه [¬٨] ". قال: فرجع عمر من الشَّام، وأخرجاه في الصحيحين من حديث مالك عن الزُّهريّ بنحوه [¬٩].

стр. 1043

وقوله: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ أي: كما أن الحذر لا يغني من القدر، كذلك الفرار من الجهاد وتجنبه لا يقرب أجلا ولا يباعده [¬١]؛ بل الأجل المحتوم والرزق المقسوم مقدّر مقنن لا يزاد فيه ولا ينقص منه، كما قال تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالُوا لإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا قُلْ فَادْرَءُوا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾، وقال تعالى: ﴿وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَينَا الْقِتَال لَوْلَا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيرٌ لِمَنِ اتَّقَى وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا * أَينَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ﴾. وروينا عن أمير الجيوش ومقدم العساكر وحامي حوزة الإسلام وسيف الله المسلول على أعدائه أبي سليمان خالد بن الوليد ﵁ إنَّه قال وهو في سياق الموت (١٥٤٤): لقد شهدت كذا وكذا موقفا، وما من عضو من أعضائي إلا وفيه رمية أو طعنة أو ضربة، وهأنذا [¬٢] أموت على فراشي كما يموت العير، فلا نامت أعين [¬٣] الجبناء. يعني: أنَّه يتألم لكونه [¬٤] ما مات قتيلًا في الحرب، ويتأسف على ذلك، ويتألم أن يموت على فراشه. وقوله: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً﴾ يحث تعالى عباده على الإنفاق في سبيل الله، وقد كرر تعالى هذه الآية في كتابه العزيز في غير موضع، وفي حديث النزولَ [¬٥]: " [من يقرض] [¬٦] غير عديم ولا ظلوم؟ ". وقد قال ابن أبي حاتم (١٥٤٥): حدَّثنا الحسن بن عرفة، حدَّثنا خلف بن خليفة، عن حميد الأعرج، عن عبد الله بن الحارث، عن عبد الله بن مسعود؛ قال: لما نزلت: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ﴾ قال [¬٧] أبوالدحداح الأنصاري: يا رسول الله؛ وإن الله ليريد منا القرض؟ قال: "نعم، يا أبا الدحداح". قال: أرني يدك يا رسول الله. قال: فناوله يده. قال: فإنّي قد اقرضت ربي حائطي. قال [¬٨]: وحائط له فيه ستمائة نخلة، وأمّ الدحداح فيه وعيالها، قال: فجاء أبو الدحداح

стр. 1044

فناداها: يا أمَّ الدحداح، قالت: لبيك. قال: اخرجى، فقد أقرضته ربي . وقد رواه ابن مردويه من حديث عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، عن أبيه، عن عمر ﵁ مرفوعًا بنحوه. وقوله: ﴿قَرْضًا حَسَنًا﴾ روي عن عمر وغيره من السلف: هو النفقة في سبيل الله. وقيل: هو النفقة على العيال. وقيل: هو التسبيح والتقديس. وقوله: ﴿فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً﴾، كما قال تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ الآية، وسيأتي الكلام عليها. وقال الإمام أحمد (١٥٤٦): حدَّثنا يزيد، أخبرنا مبارك بن فضالة، عن علي بن زيد، عن أبي عثمان النهدي؛ قال: أتيت أبا هريرة ﵁ فقلت له: إنَّه بلغني أنك تقول: إن الحسنة تضاعف ألف ألف حسنة. فقال: وما أعجبك من ذلك؟ لقد سمعته من النَّبيِّ ﷺ يقول: "إن الله يضاعف الحسنة ألفي ألف حسنة". هذا حديث غريب، وعلي بن زيد بن جدعان عنده مناكير، لكن رواه ابن أبي حاتم من وجه آخر، فقال: حدَّثنا أبو خلاد سليمان بن خلاد المؤدّب، حدَّثنا يونس بن محمَّد المؤدب، حدَّثنا محمَّد بن عقبة الرباعي [¬١]، عن زِياد الجصاص، عن أبي عثمان النهدي، قال: لم يكن أحد أكثر

стр. 1045

مجالسة لأبي هريرة مني، فَقَدِمَ قبلي حاجًّا، قال: وقدمت بعده، فإذا أهل البصرة يأثرون عنه أنَّه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن الله يضاعف الحسنة ألف ألف حسنة"، فقلت: ويحكم! والله ما كان أحد أكثر مجالسة لأبي هريرة مني، فما سمعت هذا الحديث، قال: فتحملت أُريد أن ألحقه فوجدته قد انطلق حاجًّا، فانطلقت إلى الحج أن ألقاه في هذا الحديث، فلقيته لهذا فقلت: يا أبا هريرة، ما حديث سمعت أهل البصرة يأثرون عنك؟ قال: ما هو؟ قلت: زعموا أنك تقول: أن الله يضاعف الحسنة ألف ألف حسنة. قال: يا أبا عثمان، وما تعجب من ذا؟ والله يقول: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً﴾ ويقوله: ﴿فَمَا [¬١] مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إلا قَلِيلٌ﴾ والذي نفسي بيده، لقد سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن الله يضاعف الحسنة ألفي ألف حسنة". وفي معنى هذا الحديث ما رواه التِّرمذيُّ وغيره (١٥٤٧) من طريق عمرو بن دينار، عن سالم، عن عبد الله بن عمر بن الخطاب: أن رسول الله ﷺ قال: "من دخل سوقًا من الأسواق فقال: لا إله إلَّا الله، وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيء قدير- كتب الله له ألف ألف حسنة، ومحا عنه ألف ألف سيئة" الحديث. وقال ابن أبي حاتم (١٥٤٨): حدَّثنا أبو زرعة، حدَّثنا إسماعيل بن إبراهيم بن بسام، حدَّثنا أبو إسماعيل المؤدّب، عن عيسى بن المسيب، عن نافع، عن ابن عمر قال: لما نزلت: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ﴾ إلى آخرها، فقال رسول الله ﷺ : "رَبِّ زِد أُمَّتي"، فنزلت: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً﴾ قال: "رَبِّ زِد أُمَّتي"؛ فنزلت: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ

стр. 1046

أَجْرَهُمْ بِغَيرِ حِسَابٍ﴾. وروى ابن أبي حاتم أيضًا [¬١]، عن كعب الأحبار، أنَّه جاء رجل فقال: إني سمعت رجلًا يقول: من قرأ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ مرَّة واحدة بنى الله له عشرة آلاف ألف غرفة من در وياقوت في الجنَّة، أفأصدّق بذلك؟ قال: نعم، أوَعجبتَ من ذلك؟ قال: نعم (*). وعشرين ألف ألف، وثلاثين ألف ألف، وما لا [¬٢] يحصي ذلك إلَّا الله، ثم قرأ: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً﴾ فالكثير من الله لا يحصى. وقوله: ﴿وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ﴾ أي: أنفقوا ولا تبالوا فالله هو الرَّزاق يضيق على من يشاء [من عباده] [¬٣] في الرزق، ويوسعه على آخرين، و [¬٤] له الحكمة البالغة في ذلك ﴿وَإِلَيهِ تُرْجَعُونَ﴾ أي: يوم القيامة. ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ قَال هَلْ عَسَيتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيكُمُ الْقِتَالُ أَلَّا تُقَاتِلُوا قَالُوا وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِنْ دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْا إلا قَلِيلًا مِنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (٢٤٦)﴾ قال عبد الرَّزاق: عن معمر، عن قتادة: هذا النَّبيُّ هو يوشع بن نون. قال ابن جرير: يعني: ابن أفراثيم بن يوسف بن يعقوب، وهنا القول بعيد؛ لأنَّ هذا كان بعد موسى بدهر طويل، وكان ذلك في زمان داود ﵇، كما هو مصرح به في القصة، وقد كان بين داود وموسى ما ينيف عن ألف سنة، والله أعلم. وقال السدي: هو شمعون. وقال مجاهد: هو شمويل ﵇، وكذا قال محمَّد بن إسحاق، عن وهب بن منبه: وهو شمويل بن بالي بن علقمة بن يرخام [¬٥]، ابن إليهو [¬٦] بن

стр. 1047

تهو [¬١] بن [¬٢] صوف [¬٣]، بن [¬٤] علقمة بن ماحث [¬٥]، بن عموصا [¬٦] بن عزريا بن صفينيه [¬٧] بن علقمة من أبي يوسف [¬٨] بن قارون بن يصهر بن قاهث بن لاوي بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم الخليل ﵇. وقال وهب بن منبه وغيره: كان بنو إسرائيل بعد موسى ﵇ على طريق الاستقامة مدّة من الزمان، ثم أحدثوا الأحداث، وعبد بعضهم الأصنام، ولم يزل بين أظهرهم من الأنبياء من يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر، ويقيمهم على منهج التوراة، إلى أن فعلوا ما فعلوا، فسلط الله عليهم أعدائهم، فقتلوا منهم مقتلة عظيمة، وأسروا خلفًا كثيرًا، وأخذوا منهم بلادًا كثيرة ولم يكن أحد يقاتلهم إلَّا غلبوه؛ وذلك أنهم كان عندهم حكم [¬٩] التوراة والتابوت الذي كان في قديم [¬١٠] الزمان، وكان ذلك موروثًا لخلفهم عن سلفهم ابن موسى الكليم ﵊، فلم يزل بهم تماديهم على الضلال حتَّى استلبه منهم بعض الملوك في بعض الحروب، وأخذ التوراة من أيديهم، ولم يبق من حفظها فيهم إلَّا القليل، وانقطعت النبوّة من أسباطهم، ولم يبق من سبط لاوي الذي يكون فيه الأنبياء إلَّا امرأة حامل من بعلها وقد قتل، فأخذوها فحبسوها في بيت، واحتفظوا بها، لعل الله يرزقها غلامًا كون نبيًّا لهم، ولم تنزل المرأة تدعو الله أن يرزقها غلامًا؛ فسمع الله لها ووهبها غلامًا فسمته شمويل [أي: سمع الله] [¬١١] دعائي [¬١٢]، ومنهم من يقول: شمعون، وهو بمعناه، فشب ذلك الغلام، ونشأ فيهم، وأنبته الله نباتًا حسنًا، فلما بلغ سن الأنبياء أوحى الله إليه، وأمره بالدعوة إليه، وتوحيده، فدعا بني إسرائيل فطلبوا منه أن يقيم لهم ملكا يقاتلون معه أعداءهم، وكان الملك أيضًا قد باد فيهم، فقال لهم النَّبيُّ: فهل عسيتم أن أقام الله لكم ملكًا ألا [تقاتلوا و] [¬١٣] تفوا بما التزمتم من القتال معه؟! ﴿قَالُوا وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِنْ دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا﴾ أي: و [¬١٤] قد أخذت [¬١٥] منا البلاد، وسبيت الأولاد قال الله تعالى: ﴿فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْا إلا قَلِيلًا مِنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ

стр. 1048

بِالظَّالِمِينَ﴾ أي: ما وفوا بما وعدوا؛ بل نكل عن الجهاد أكثرهم والله عليم بهم. ﴿وَقَال لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا قَالُوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَينَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمَالِ قَال إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (٢٤٧)﴾ أي: لما طلبوا من نبيهم أن يعين لهم ملكا منهم، فعين لهم طالوت، وكان رجلًا من آحادهم [¬١]، ولم يكن من بيت الملك فيهم؛ لأن الملك [فيهم] [¬٢] كان في سبط يهوذا، ولم يكن هذا من ذلك السبط فلهذا قالوا: ﴿أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَينَا﴾ [أي: كيف يكون ملكًا علينا] [¬٣] ﴿وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمَالِ﴾ أي: ثم هو مع هذا فقير لا مال له يقوم كالملك. وقد ذكر بعضهم أنه كان سقاء. وقيل: دباغًا. وهذا اعتراض منهم علي نبيهم، وتعنت، وكان الأولى بهم طاعة وقول معروف، ثم قد أجابهم النبي قائلًا: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيكُمْ﴾ أي: اختاره لكم من بينكم، والله أعلم به منكم. يقول: لست أنا الذي عينته من تلقاء نفسي، بل الله أمرني به لما طلبتم مني ذلك، ﴿وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ﴾ أي: وهو مع هذا أعلم منكم، وأنبل، وأشكل منكم، وأشدّ قوةً وصبرًا في الحرب، ومعرفة بها، أي: أتم علمًا وقامة منكم، ومن هاهنا ينبغي أن يكون الملك ذا علم، وشكل حسن، وقوة شديدة في بدنه ونفسه. [ثم قال: ﴿وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ﴾ أي هو الحاكم الذي ما شاء فعل. ولا يسأل عما يفعل وهم يسألون، لعلمه وحكمته، ورأفته بخلقه ولهذا قال: ﴿وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ أي: هو واسع الفضل، ﴿يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ عليم بمن يستحق الملك ممن لا يستحقه]. ﴿وَقَال لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلَائِكَةُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٢٤٨)﴾

стр. 1049

يقول لهم نبيهم: إن علامة بركة ملك طالوت عليكم، أن يرد الله عليكم التابوت الذي كان أخذ منكم. ﴿فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ قيل: معناه: فيه وقار وجلالة. قال عبد الرزاق: عن معمر، عن قتادة: ﴿فِيهِ سَكِينَةٌ﴾ أي: وقار. وقال الربيع: رحمة. وكذا روى عن العوفي، عن ابن عباس. وقال ابن جريج: سألت عطاء عن قوله: ﴿فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ قال: ما تعرفون من آيات الله، فتسكنون إليه. [وكذا قال الحسن البصري] [¬١]. وقيل: السكينة طست من ذهب كانت تغسل فيه قلوب الأنبياء، أعطاها الله موسى ﵇ فوضع فيها الألواح، [] [¬٢] رواه السدي، عن أبي مالك، عن ابن عباس. وقال سفيان الثوري: عن سلمة بن كهيل، عن أبي الأحوص، عن علي، قال: السكينة لها وجه كوجه الإنسان، ثم هي ريح [¬٣] هفافة. وقال ابن جرير (١٥٤٩): حدثني [ابن] [¬٤] المثنى، حدثنا أبو داود، حدثنا شعبة، وحماد بن سلمة، وأبو الأحوص، كلهم عن سماك، عن خالد بن عرعرة، عن علي، قال: السكينة ريح خجوج (*)، ولها رأسان. وقال مجاهد: لها جناحان، وذَنَب. وقال محمد بن إسحاق: عن وهب بن منبه: السكينة رأس هرّة ميتة، إذا صرخت في التابوت بصراخ هرّ أيقنوا بالنصر، وجاءهم الفتح. وقال عبد الرزاق: أخبرنا بكار بن عبد الله، أنه سمع وهب بن منبه يقول: السكينة روح من الله تتكلم إذا اختلفوا في شيء تكلم فتخبرهم [¬٥] ببيان [¬٦] ما يريدون. وقوله: ﴿وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ﴾ قال ابن جرير (١٥٥٠): أخبرنا ابن مثنى، حدثنا أبو الوليد، حدثنا حماد، عن داود بن أبي هند، عن عكرمة، عن ابن عباس، في هذه الآية: ﴿وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ﴾ قال: عصاه ورضاض الألواح. وكذا قال قتادة، والسدي، والربيع أنس، وعكرمة، وزاد: والتوراة. وقال أبو صالح:

стр. 1050

﴿وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى﴾ يعني: عصا موسى، وعصا هارون، ولوحين [¬١] [من التوراة، والمن. وقال عطية بن سعد: عصا موسى، وعصا هارون] [¬٢] وثياب موسى، وثياب هارون، ورضاض الألواح. وقال عبد الرزاق: سألت الثوري عن قوله: ﴿وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ﴾ فقال: منهم من يقول قفيز من منٍّ، ورضاض الألواح. ومنهم من يقول: العصا والنعلان. وقوله: ﴿تَحْمِلُهُ الْمَلَائِكَةُ﴾ قال ابن جريج: قال ابن عباس: جاءت الملائكة تحمل التابوت بين السماء والأرض، حتى وضعته بين يدي طالوت، والناس ينظرون. وقال السدى: أصبح التابوت في دار طالوت فآمنوا بنبوة شمعون، وأطاعوا طالوت. وقال عبد الرزاق، عن الثوري عن بعض أشياخه: جاءت به الملائكة تسوقه على [¬٣] عجلة على بقرة. وقيل: على بقرتين. وذكر غيره: أن التابوت كان بأريحا، وكان المشركون لما أخذوه وضعوه في بيت آلهتهم تحت صنمهم الكبير، فأصبح التابوت على رأس الصنم، فأنزلوه فوضعوه تحته، فأصبح كذلك، فسمروه تحته، فأصبح الصنم مكسر القوائم، ملقى بعيدًا، فعلموا أن هذا أمر من الله لا قِبَلَ لهم به، فأخرجوا التابوت من بلدهم، فوضعوه في بعض القرى [¬٤] فأصاب أهلها داء في رقابهم، فأمرتهم جارية من سبي بني إسرائيل أن يردّوه إلى بني إسرائيل، حتى يخلصوا من هذا الداء، فحملوه على بقرتين فسارتا به، لا يقربه أحد إلا مات حتى اقتربتا من بلد بني إسرائيل، فكسرتا النيرين، ورجعتا، وجاء بنو إسرائيل فأخذوه، فقيل: إنه تسلمه داود ﵇، وأنه لما قام إليهما حَجَل (*) من فرحه بذلك. وقيل: شابان منهم. فالله أعلم. وقيل: كان التابوت بقرية من قرى فلسطين [يقال لها] [¬٥]: أزدرد. وقوله: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لَكُم﴾ أي: على صدقي فيما جئتكم به من النبوة، وفيما أمرتكم به من طاعة طالوت ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ أي: بالله واليوم الآخر. ﴿فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ قَال إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إلا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ فَشَرِبُوا

стр. 1051

مِنْهُ إلا قَلِيلًا مِنْهُمْ فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ قَالُوا لَا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَال الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو اللَّهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ (٢٤٩)﴾ يقول تعالى مخبرًا عن طالوت ملك بني إسرائيل، حين خرج في جنوده، ومن أطاعه من ملإ بني إسرائيل، وكان جيشه يومئذ -فيما ذكره السدي- ثمانين ألفًا. فالله أعلم. أنه قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ﴾ أي: مختبركم بنهر. قال ابن عباس، وغيره: وهو نهر بين الأردن وفلسطين. يعني: نهر الشريعة المشهور. ﴿فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيسَ مِنِّي﴾ أي: فلا يصحبني اليوم في هذا الوجه ﴿وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إلا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ﴾ أي: فلا بأس عليه قال الله تعالى: ﴿فَشَرِبُوا مِنْهُ إلا قَلِيلًا مِنْهُمْ﴾ قال ابن جريج: قال ابن عباس: من اغترف منه بيده رَويَ، ومن شرب منه لم هو وكذا رواه السدي، عن أبي مالك، عن ابن عباس. وكذا قال قتادة، وابن شوذب. وقال السدي: كان الجيش ثمانين ألفًا، فشرب منه [¬١] ستة وسبعون ألفًا، وتبقى معه أربعة آلاف. كذا قال: وقد روى ابن جرير (١٥٥١) من طريق إسرائيل، وسفيان الثوري، ومسعر بن كدام، عن أبي إسحاق السبيعي، عن البراء بن عازب، قال: كنا نتحدّث أن أصحاب محمد ﷺ الذين كانوا يوم بدر ثلاثماثة وبضعة عشر، علي عدة أصحاب طالوت الذين جازوا معه النهر، وما جاز [¬٢] معه إلا مؤمن. ورواه البخاري (١٥٥٢) عن عبد الله بن رجاء، عن إسرائيل بن يونس بن [¬٣] أبي إسحاق، [عن جده]، عن البراء قال: كنا - أصحاب محمد ﷺ نتحدث أن عدة أصحاب بدر على عدة أصحاب طالوت، الذين جازوا معه النهر، ولم يجاوز معه إلا

стр. 1052

مؤمن بضعة عشر وثلاثمائة". ثم رواه من حديث سفيان الثوري وزهير عن أبي إسحاق [] [¬١] عن البراء بنحوه (١٥٥٣). ولهذا قال تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ قَالُوا لَا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ﴾ أي: استقلوا أنفسهم عن لقاء عدوّهم لكثرتهم فشجعهم علماؤهم العالمون [¬٢]؛ بأن وعد الله حق، فإن النصر من عند الله، ليس عن كثرة عَدد ولا عُدد. ولهذا قالوا: ﴿كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾. وَلَمَّا بَرَزُوا لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُوا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَينَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (٢٥٠) فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالمِينَ (٢٥١) تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (٢٥٢)﴾ أي: لما واجه حزب الإيمان، وهم قليل من أصحاب طالوت، لعدوهم أصحاب جالوت، وهم عدد كثير ﴿رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَينَا صَبْرًا﴾ أي [¬٣]: [أنزل علينا صبرًا] [¬٤] من عندك ﴿وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا﴾ أي: في لقاء الأعداء، وجنبنا الفرار والعجز ﴿وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾. قال الله تعالى: ﴿فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ أي: غلبوهم وقهروهم بنصر الله لهم. ﴿وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ﴾ ذكروا في الإسرائيليات أنه قتله بمقلاع كان في يده، رماه به فأصابه فقتله، وكان طالوت قد وعده أن قتل جالوت أن يزوّجه ابنته، ويشاطره نعمته، ويشركه في أمره، فوفى له، ثم آل الملك إلى داود ﵇ مع ما منحه الله به من النبوّة العظيمة. ولهذا قال تعالى: ﴿وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ﴾ الذي كان بيد طالوت ﴿وَالْحِكْمَةَ﴾ أي: النبوة بعد شمويل

стр. 1053

﴿وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ﴾ أي: مما يشاء الله من العلم الذي اختصه به ﷺ . ثم قال تعالى: ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ﴾ أي: [لولا الله] [¬١] يدفع عن قوم بآخرين كما دفع عن بني إسرائيل بمقاتلة طالوت وشجاعة داود لهلكوا. كما قال تعالى: ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا﴾. الآية. وقال ابن جرير (١٥٥٤) ﵀ حدثني أبو [¬٢] حميد الحمصي -أحمد بن المغيرة- حدثنا يحيى بن سعيد، حدثنا حفص بن سليمان، عن محمد بن سوقة، عن وبرة بن عبد الرحمن، عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : "إن الله ليدفع بالمسلم الصالح عن مائة أهل بيت من جيرانه البلاء". ثم قرأ ابن عمر: ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ﴾. وهذا إسناد ضعيف؛ فإن يحيى بن سعيد هذا [¬٣] هو أبو زكريا [¬٤] العطار الحمصي، وهو ضعيف جدًّا [¬٥]. ثم قال ابن جرير (١٥٥٥): حدثنا أبو حميد الحمصي، حدثنا يحيى بن سعيد، حدثنا عثمان بن عبد الرحمن، عن محمد بن المنكدر، عن جابر بن عبد الله، قال: قال رسول الله ﷺ : "إن الله ليصلح بصلاح الرجل المسلم ولده، وولد ولده، وأهل دويرته، ودويرات حوله، ولا يزالون في حفظ الله ما دام فيهم". وهذا أيضًا غريب ضعيف؛ لما تقدم أيضًا. وقال أبو بكر بن مردويه (١٥٥٦): حدثنا محمد بن أحمد بن إبراهيم، أخبرنا علي بن إسماعيل بن حماد، أخبرنا أحمد بن محمد بن يحيى بن سعيد، أخبرنا زيد بن الحباب [¬٦]، حدثني حماد بن زيد، عن أيوب، عن أبي قلابة، عن أبي أسماء، عن ثوبان

стр. 1054

-رفع الحديث- قال: "لا يزال فيكم سبعة بهم تنصرون، وبهم تمطرون، وبهم ترزقون، حتى يأتي أمر الله". [وقال ابن مردويه أيضًا (١٥٥٧) [¬١] ": وحدثنا محمد بن أحمد، حدثنا محمد بن جرير بن يزيد، حدثنا أبو معاذ -[نهار بن] [¬٢] عثمان الليثي- أخبرنا زيد بن الحباب [¬٣]، أخبرني عمر البزار، عن عنبسة الخوّاص، عن قتادة، عن أي قلابة، عن أبي الأشعث الصنعاني، عن عبادة بن الصامت، قال: قال رسول الله ﷺ : "الأبدال في أمتي ثلاثون: بهم تقوم الأرض، وبهم تمطرون [¬٤]، وبهم تنصرون [¬٥] " قال قتادة: إني لأرجو أن يكون الحسن منهم. وقوله: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالمِينَ﴾ أي: مَنٍّ عليهم، ورحمةٍ بهم؛ يدفع عنهم ببعضهم بعضًا، وله الحكم والحكمة والحجة على خلقه في جميع أفعاله وأقواله. ثم قال تعالى: ﴿تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ أي: هذه آيات الله التي قصصناها عليك من أمر الذين ذكرناهم. ﴿بِالْحَقِّ﴾، أي: بالواقع الذي كان [الأمر عليه]، المطابق لما بأيدي أهل الكتاب من الحق الذي يعلمه علماء بني إسرائيل. ﴿وَإِنَّكَ﴾ أي: يا محمد ﴿لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ وهذا توكيد وتوطئة للقسم. تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ وَآتَينَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَلَكِنِ اخْتَلَفُوا

стр. 1055

فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ (٢٥٣)﴾. يخبر تعالى أنه فضل بعض الرسل على بعض، كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ وَآتَينَا دَاوُودَ زَبُورًا﴾ وقال هاهنا: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ﴾ يعني: موسى، ومحمدًا صلي الله عليهما وسلم، وكذلك آدم، كما ورد به الحديث المروي في صحيح ابن حبان، عن أبي ذر ﵁. ﴿وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ﴾ كما ثبت في حديث الإسراء، حين رأى النبي ﷺ الأنبياء في السماوات بحسب تفاوت منازلهم عند الله . (فإن قيل): فما الجمع بين هذه الآية وبين الحديث الثابت في الصحيحين (١٥٥٨) عن أبي هريرة قال: استب رجل من المسلمين ورجل من اليهود، فقال اليهودي في قسم يقسمه: لا والذي اصطفي موسى علي العالمين. فرفع المسلم يده فلطم بها وجه اليهودي، فقال: أي: خبيث! وعلى محمد ﷺ . فجاء اليهودي إلي النبي ﷺ ، فاشتكى على المسلم، فقال رسول الله ﷺ : "لا تفضلوني على الأنبياء، فإن الناس يصعقون يوم القيامة، فأكون أول من يفيق، فأجد موسى باطشًا بقائمة العرش، فلا أدري أفاق قبلي أم جوزي بصعقة الطور"؟ فقال [¬١]: "فلا [¬٢] تفضلوني على الأنبياء" وفي رواية: "لا تفضلوا بين الأنبياء". فالجواب من وجوه: (أحدها): أن هذا كان قبل أن يعلم بالتفضيل. وفي هذا نظر. (الثاني): أن هذا قاله من باب الهضم والتواضع. (الثالث): أن هذا نهي عن التفضيل في مثل هذه [¬٣] الحال التي تحاكموا فيها عند التخاصم والتشاجر. (الرابع) [¬٤]: لا تفضلوا بمجرد الآراء والعصبية.
следующие страницы →