← Тафсир

Тафсир · id 1509

تفسير ابن كثير - ط أولاد الشيخ

ابن كثير

Полный текст (6 736 стр.). Показаны 981–1020 · переход к 986.

стр. 981

كل واحد منهما: حدثنا محمد بن عبد الرحيم البغدادي، حدثنا علي بن بحر، حدثنا هشام بن يوسف، عن معمر، عن عمرو بن مسلم، عن عكرمة، عن ابن عباس: أن امرأة ثابت بن قيس اختلعت من زوجها على عهد النبي، ﷺ ، فأمرها النبي، ﷺ ، أن تعتد بحيضة. ثم قال الترمذي [¬١]: حسن غريب. وقد رواه عبد الرزاق عن معمر، عن عمرو بن مسلم، عن عكرمة مرسلًا. (حديث آخر): قال الترمذي (١٣٩٨): حدّثنا محمود بن غيلان، حدثنا الفضل بن موسى، عن سفيان، حدثنا محمد بن عبد الرحمن -وهو مولى آل طلحة- عن سليمان بن يسار، عن الربيع بنت معوذ بن عفراء؛ أنها اختلعت على عهد رسول الله ﷺ ، فأمرها النبي، ﷺ أو أمرت- أن تعتد بحيضة. قال الترمذي: الصحيح أنها أمرت أن تعتد بحيضة. (طريق أخرى): قال ابن ماجة (١٣٩٩): حدّثنا علي بن سلمة النيسابوري، حدثنا يعقوب بن إبراهيم بن سعد، حدثنا أبي، عن ابن إسحاق، أخبرني عبادة بن الوليد بن عبادة بن الصامت، عن [] [¬٢]، عن الربيع بنت معوذ بن عفراء، قال: قلت لها: حدثيني حديثك. قالت: اختلعت من زوجي، ثم جئت فسألت [] [¬٣]: ماذا علي من العدة؟ فقال: لا عدة عليك إلا أن يكون [¬٤] حديث عهد بك، فتمكثين عنده حتى تحيضي [¬٥] حيضة. قالت: وإنما أتبع في ذلك قضاء رسول الله، ﷺ ، في مريم

стр. 982

المَغَاليَّة، وكانت تحت ثابت بن قيسٍ، فاختلعت منه. وقد روى ابن لَهِيعة، عن أبي الأسود، عن أبى سلمة. وعن [¬١] محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان، عن الربيع [¬٢] بنت معوذ [¬٣]؛ قالت: سمعت رسول الله، ﷺ ، يأمر امرأة ثابت بن قيس حين اختلعت منه أن تعتد بحيضة. [مسألة] وليس للمخالع أن يراجع المختلعة في العدة بغير رضاها عند الأئمة الأربعة وجمهور العلماء، لأنها قد ملكت نفسها بما بذلت له من العطاء. وروي عن عبد الله بن أبي أوفى، وماهان الحنفي، وسعيد بن المسيب والزهري؛ أنهم قالوا: إن ردّ إليها الذي أعطاها جاز له رجعتها في العدة بغير رضاها. وهو اختيار أبي [¬٤] ثور، ﵀. وقال سفيان الثوري: إن كان الخلع بغير لفظ الطلاق فهو فرقة، ولا سبيل له عليها، وإن كان سمَّى [¬٥] طلاقًا فهو أملك لرجعتها ما دامت في العدة. وبه يقول داود بن علي الظاهري، واتفق الجميع على أن للمختلع أن يتزوّجها في العدة، وحكى الشيخ أبو عمر بن عبد البر عن فِرْقَةٍ أنه لا يجوز له ذلك، كما لا يجوز لغيره، وهو قول شاذ مردود. [مسالة] وهل له أن يوقع عليها طلاقًا آخر في العدة؟ فيه ثلاثة أقوال للعلماء: (أحدها [¬٦] ليس له ذلك، لأنها قد ملكت نفسها وبانت منه. وبه يقول ابن عباس، وابن الزبير، وعكرمة، وجابر بن زيد، والحسن البصري، والشافعي، وأحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، وأبو ثور. (والثاني) قال مالك: إن أتبع الخلع طلاقًا [¬٧] من غير سكوت بينهما، وقع، وإن سكت بينهما لم يقع. قال ابن عبد البر: وهذا يشبه ما روي عن عثمان، ﵁. (والثالث) أنه يقع عليها الطلاق بكل حال ما دامت في العدة، وهو قول أبي حنيفة وأصحابه، والثوري والأوزاعى، وبه يقول سعيد بن المسيب، وشريح، وطاوس، وإبراهيم والزهري، والحكم، وحماد بن أبي سليمان، وروي ذلك عن ابن مسعود وأبي الدرداء،

стр. 983

قال ابن عبد البر: وليس ذلك بثابت عنهما. وقوله: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ أي: هذه الشرائع التي شرعها لكم هي حدوده، فلا تتجاوزوها. كما ثبت في الحديث الصحيح (١٤٠٠): " إن الله حدّ حدودًا فلا تعتدوها، وفرض فرائض فلا تضيعوها، وحرّم محارم فلا تنتهكوها، وسكت عن أشياء رحمة لكم من [¬١] غير نسيان، فلا تسألوا عنها". وقد يستدل بهذه الآية من ذهب إلى أن جمع [¬٢] الطلقات الثلاث بكلمة واحدة حرام، كما هو مذهب المالكية ومن وافقهم، وإنما السنة عندهم أن يطلق واحدة واحدة؛ لقوله: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾. ثم قال: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ ويقوون ذلك بحديث محمود بن لبيد الذي رواه النسائي في سننه (١٤٠١)؛ حيث قال: حدثنا سليمان بن داود، أخبرنا ابن وهب، عن مخرمة بن [¬٣] بكير، عن أبيه، عن محمود بن لبيد، قال: أخبر رسول الله، ﷺ ، عن رجل طلق امرأته ثلاث تطليقات جميعًا، فقام غضبان ثم قال: "أيلعب بكتاب الله وأنا بين أظهركم؟! " حتى قام رجل فقال: يا رسول الله، ألا أقتله؟ فيه انقطاع. وقوله تعالى: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ أي: إنه إذا طلق الرجل امرأته طلقة ثالثة بعد ما أرسل عليها الطلاق مرتين، فإنها تحرم عليه ﴿حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ أي: حتى يطأها زوج آخر في نكاح صحيح، فلو وطئها واطئ في غير نكاح، ولو في ملك اليمين [¬٤] لم تحل للأوّل، لأنه ليس بزوج، وهكذا لو تزوّجت، ولكن لم يدخل بها الزوج لم تحل للأوّل، واشتهر بين كثير من الفقهاء أن سعيد بن المسيب ﵀ أنه [¬٥] يقول: يحصل المقصود من تحليلها للأوّل بمجرّد العقد على الثاني. وفي صحته عنه نظر، على أن الشيخ أبا عمر بن عبد البر قد حكاه عنه في الاستذكار، فالله أعلم.

стр. 984

وقد قال أبو جعفر بن جرير ﵀ (١٤٠٢): حدثنا ابن بشار، حدثنا محمد بن جعفر، عن شعبة، عن علقمة بن مرثد، عن سالم بن رزين، عن سالم بن عبد الله، عن سعيد بن المسيب، عن ابن عمر، عن النبي، ﷺ ، في الرجل يتزوّج المرأة فيطلقها قبل أن يدخل بها ألبتة، فيتزوّجها زوج آخر فيطلقها، قبل أن يدخل بها: أترجع إلى الأوّل؟ قال: "لا، حتى تذوق عسيلته ويذوق عسيلتها". هكذا وقع في رواية ابن جرير، وقد رواه الإمام أحمد (١٤٠٣)؛ فقال: حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن علقمة بن مرثد؛ قال [¬١]: سمعت سالم بن رزين يحدث، عن سالم بن عبد الله -يعني: ابن عمر- عن سعيد بن المسيب، عن ابن عمر، عن النبي، ﷺ ، في الرجل تكون له المرأة فيطلقها [¬٢]، ثم يتزوّجها رجل فيطلقها قبل أن يدخل بها، فترجع إلى زوجها الأوّل، فقال رسول الله ﷺ : "حتى تذوق [¬٣] العسيلة". وهكذا رواه النسائى (١٤٠٤) عن عمرو بن علي الفلاس، وابن ماجة عن محمد بن بشار بندار [¬٤]، كلاهما عن محمد [بن] [¬٥] جعفر غُنْدَر، عن شعبة، به كذلك. فهذا من رواية سعيد بن المسيب، عن ابن عمر مرفوعًا، على خلاف ما يحكى عنه، فبعيد أن يخالف ما رواه بغير مستند، والله أعلم. وقد روى أحمد أيضًا والنسائي وابن جرير [¬٦] هذا الحديث (١٤٠٥) من طريق سفيان الثوري، عن علقمة بن مرثد، عن رزين بن سليمان الأحمري، عن ابن عمر؛ قال: سئل النبي، ﷺ ، عن الرجل يطلق امرأته ثلاثًا فيتزوجها آخر، فيغلق الباب ويرخي الستر، ثم

стр. 985

يطلقها قبل أن يدخل بها: هل تحل للأوّل؟ قال: "لا، حتى تذوق [¬١] العسيلة". وهذا لفظ أحمد، وفي رواية لأحمد: سليمان بن رزين. (حديث آخر): قال الإمام أحمد (١٤٠٦): حدثنا عفان، حدثنا محمد بن دينار، حدثنا يحيى بن يزيد الهنائي [¬٢]، عن أنس بن مالك: أن رسول الله، ﷺ ، سئل عن رجل كانت تحته امرأة فطلقها ثلاثاً فتزوجت بعده رجلًا، فطلقها قبل أن يدخل بها: أتحل لزوجها الأول؟ فقال رسول الله ﷺ : "لا، حتى يكون [¬٣] الآخر قد [¬٤] ذاق [من] [¬٥] عسيلتها وذاقت من عسيلته". وهكذا [¬٦] رواه ابن جرير، عن محمد بن إبراهيم الأنماطي، عن هشام بن عبد الملك، حدّثنا محمد بن دينار، فذكره. (قلت): ومحمد بن دينار "بن صندل" أبو بكر الأزدي ثم الطاحي [¬٧] البصري، ويقال له ابن أبي الفرات: اختلفوا فيه فمنهم من ضعفه، ومنهم من قواه وقبله وحسن له. وذكر [¬٨] أبو داود أنه تغير قبل موته، فالله أعلم. (حديث آخر): قال ابن جرير (١٤٠٧): حدّثنا عبيد بن آدم بن أبي إياس العسقلاني، حدثنا أبي، حدثنا شيبان، حدثنا يحيي بن أبي كثير، عن أبي الحارث الغفاري، عن أبي هريرة؛ قال: قال رسول الله، ﷺ ، في المرأة يطلقها زوجها ثلاثًا، فتتزوج زوجًا غيره، فيطلقها قبل أن يدخل بها، فيريد الأول أن يراجعها، قال: "لا حتى يذوق [] [¬٩] عسيلتها". ثم رواه من وجه آخر عن شيبان، وهو ابن عبد الرحمن، به. وأبو الحارث غير معروف.

стр. 986

(حديث آخر): قال ابن جرير: [حدثنا ابن مثنى] [¬١] حدثنا يحيى، عن عبيد الله، حدثنا القاسم، عن عائشة، أن رجلًا طلق امرأته ثلاثًا، فتزوجت زوجًا فطلقها قبل أن يمسها، فسئل رسول الله، ﷺ : أتحل للأول؟ فقال: "لا حتى يذوق من عسيلتها، كما ذاق الأول". أخرجه البخاري ومسلم والنسائي (١٤٠٨) من طرق عن عبيد الله بن عمر العمري، عن القاسم بن عبد الرحمن بن أبي بكر، عن عمته عائشة، به. (طريق أخرى): قال ابن جرير: حدثنا عبيد الله [¬٢] بن إسماعيل الهَبَّاري، وسفيان ابن وكيع، وأبو هشام الرفاعي، قالوا: حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة، قالت: سئل النبي، ﷺ ، عن رجل طلق امرأته، فتزوجت رجلًا غيره، فدخل بها، ثم طلقها قبل أن يواقعها، أتحل لزوجها الأول؟ فقال رسول الله ﷺ : "لا تحل لزوجها الأول حتى يذوق الآخر عسيلتها وتذوق عسيلته". وكذا رواه أبو داود، عن مسدد، والنسائي (١٤٠٩)، عن أبي كريب، كلاهما عن أبي معاوية -وهو محمد بن خازم الضرير- به. (طريق أخرى): قال مسلم في صحيحه (١٤١٠): حدثنا محمد بن العلاءِ الهمداني، حدثنا أبو أسامة، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة: أن رسول الله، ﷺ ، سئل عن المرأة يتزوجها الرجل فيطلقها، فتتزوج رجلًا آخر [¬٣] فيطلقها قبل أن يدخل بها: أتحل لزوجها الأول؟ قال: "لا حتى يذوق عسيلتها".

стр. 987

قال مسلم: وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا ابن [¬١] فضيل (ح [¬٢]. وحدثنا أبو كريب، حدثنا أبو معاوية، جميعًا عن هشام بهذا الإِسناد. وقد رواه البخاري (١٤١١) من طريق أبي معاوية محمد بن خازم، عن هشام، به. وتفرد به مسلم من الوجهين الآخرين. وهكذا رواه ابن جرير (١٤١٢) من طريق عبد الله بن المبارك، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة مرفوعًا بنحوه، -أو مثله- وهذا إسناد جيد. وكذا رواه ابن جرير أيضًا، من طريق علي بن زيد بن جُدْعان، عن امرأة أبيه أمينة أم محمد، عن عائشة، عن النبي، صلى الله تعالى عليه وآله وسلم، بمثله (١٤١٣). وهذا السياق مختصر من الحديث الذي رواه البخاري: حدثنا عمرو بن علي، حدّثنا يحيى، عن هشام [بن عروة] [¬٣]، حدثني أبي، عن عائشة [] [¬٤] عن النبي، ﷺ . وحدثنا عثمان بن أبي شيبة، حدثنا عبدة، عن هشام بن [عروة] [¬٥]، عن أبيه، عن عائشة: أن رفاعة القرظي تزوج امرأة ثم طلقها، [فتزوجت آخر] [¬٦] فأتت النبي، ﷺ ، فذكرت له [¬٧] أنه لا يأتيها، وأنه ليس معه إلا مثل هدبة الثوب، فقال: "لا، حتى تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتك" (١٤١٤). تفرد به من هذين الوجهين [] [¬٨].

стр. 988

(طريق أخرى): قال الإمام أحمد (١٤١٥): حدثنا عبد الأعلى، عن معمر، عن الزهريّ، عن عروة، عن عائشة قالت: دخلت امرأة رفاعة القرظي، وأنا وأبو بكر عند النبي، ﷺ ، فقالت: إن رفاعة طلقني ألبتة، كان عبد الرحمن بن الزبير تزوجني، وإنما عنده مثل الهُدبَة، وأخَذَتْ هدبة من جلبابها، وخالد بن سعيد بن العاص بالباب لم يؤذن له، فقال: يا أبا بكر، ألا تنهى هذه عما تحهر به بين يدي [رسول الله ﷺ ؟] [¬١]، فما زاد رسول الله، ﷺ ، على التبسم، وقال [¬٢] رسول الله ﷺ : "كأنك تريدين أن ترجعي إلى، رفاعة؟ لا حتى تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتك". وهكذا رواه البخاري (١٤١٦) من حديث عبد الله بن المبارك، ومسلم من حديث عبد الرزاق، والنسائي من حديث يزيد بن زريع، ثلاثتهم عن مَعْمَر، به. وفي حديث عبد الرزاق عند [¬٣] مسلم: أن رفاعة طلقها آخر ثلاث تطيقات. وقد رواه الجماعة (١٤١٧) إلا أبا داود من طريق سفيان بن عيينة، والبخاري من طريق عقيل، ومسلم من طريق ورنس بن يزيد [وعنده: آخر ثلاث تطيقات، والنسائي من طريق أيوب بن موسى، ورواه صالح بن أبي الأخضر] [¬٤] كلهم [¬٥]، عن الزهريّ، عن عروة، عن عائشة، به.

стр. 989

وقال مالك (١٤١٨): عن المسِوَر بن رفاعة القرظي، عن الزبير بن عبد الرحمن بن الزبير: أن رفاعة بن سموال طلق امرأته تميمة بنت وهب في عهد رسول الله، ﷺ ، ثلاثا، فنكحت عبد الرحمن بن الزبير، فاعترض [¬١] عنها، فلم يستطع أن يمسها، ففارقها، فأراد رفاعة [ابن سموال] [¬٢] أنْ ينكحها، وهو زوجها الأول الذي كان طلقها، فذكر ذلك لرسول الله، ﷺ ، فنهاه عن تزويجها وقال: "لا تحل لك حتى تذوق العسيلة". هكذا [¬٣] رواه أصحاب الموطأ [¬٤]، عن مالك، وفيه انقطاع. وقد رواه إبراهيم بن طهمان، وعبد الله بن وهب، عن مالك، عن رفاعة، عن الزبير، ابن عبد الرحمن [بن الزبير] [¬٥]، عن أبيه فوصله. [فصل] والمقصود من الزوج الثاني أن يكون راغبًا في المرأة، قاصدًا لدوام عشرتها، كما هو المشروع من التزويج، واشترط [¬٦] الإمام مالك مع ذلك أن يطأها الثاني وطئًا مباحًا، فلو وطئها وهي مُحْرمة أو صائمة، أو معتكَفة، أو حائض، أو نُفَساء، أو والزوج صائم، أو محرم، أو معتكف لم تحل للأول بهذا الوطء. وكذا لو كان الزوج الثاني ذميًّا لم تحل للمسلم بنكاحه، لأن أنكحة الكفار باطلة عنده، واشترط الحسن البصري -فيما حكاه عنه الشيخ أبو عمر بن عبد البر- أن يُنتزِلَ الزوجُ الثاني، وكأنه تمسك بما فهمه من قوله عليه الصلاة [¬٧] والسلام: "حتى تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتك"، ويلزم على هذا أن تنزل [¬٨] المرأة أيضًا. وليس المراد بالعسيلة المني، لما رواه الإمام أحمد والنسائي عن عائشة ﵂ أن رسول الله، ﷺ ، قال [¬٩]: "ألا إن العسيلة الجماع" (١٤١٩).

стр. 990

فأما إذا كان الثاني إنما قَصدُه أن يحلها للأول، فهذا هو المحلل الذي وردت الأحاديث بذمه ولعنه، ومتى صرح بمقصوده في العقد بطل النكاح عند جمهور الأئمة. ذكر الأحاديث الواردة في ذلك (الحديث الأول) عن ابن مسعود ﵁، قال الإمام أحمد (١٤٢٠): حدثنا الفضل بن دكين، حدثنا سفيان، عن أبي قيس، عن هزيل [¬١]، عن عبد الله قال: لعن رسول الله، ﷺ ، الواشمة والمستوشمة، والواصلة والمستوصلة [¬٢]، والمحلل والمحلل له، وآكل الربا وموكله. ثم رواه أحمد والترمذي، والنسائي من غير وجه (١٤٢١)، عن سفيان -وهو الثوري- عن أبي قيس-واسمه عبد الرحمن بن ثروان الأودي [¬٣]- عن هزيل بن شرحبيل الأودى [¬٤]، عن عبد الله بن مسعود، عن النبي ﷺ به [¬٥]. ثم قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. قال: والعمل على هذا عند أهل العلم من الصحابة، منهم: عمر، وعثمان، وابن عمر، وهو قول الفقهاء من التابعين، ويروى ذلك عن علي، وابن مسعود، وابن عباس. (طريق أخرى): عن ابن مسعود، قال الإمام أحمد (١٤٢٢): حدثنا زكريا بن عدي، حدثنا عبيد الله، عن عبد الكريم، عن أبي الواصل، عن ابن مسعود، عن رسول الله، ﷺ ، قال: "لعن الله المحلل والمحلل له". (طريق أخرى): روى الإمام أحمد (١٤٢٣)، والنسائي من حديث الأعمش، عن عبد الله ابن

стр. 991

مرة، عن الحارت الأعور، عن عبد الله بن مسعود قال: أكل الربا وموكله، وشاهداه، وكاتبه إذا علموا به، والواصلة والمستوصلة، ولاوي (٥) الصدقة والمتعدي [¬١] فيها، والمرتد على [¬٢] عقبيه إعراضًا [¬٣] بعد هجرته، والمحلل والمحلل له ملعونون على لسان محمد ﷺ يوم القيامة. (الحديث الثاني) عن علي ﵁ قال الإمام أحمد (١٤٢٤): حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا سفيان، عن جابر، عن الشعبي، عن الحارث، عن علي قال: لعن رسول الله، ﷺ ، آكل الربا وموكله، وشاهديه وكاتبه، والواشمة والمستوشمة للحُسن، ومانع الصدقة، والمحلل [¬٤] والمحلل له، وكان ينهى عن النوح. وكذا رواه عن غُنْدَر، عن شعبة، عن جابر -وهو ابن يزيد الجعفي-، عن الشعبي، عن الحارث، عن علي، به. وكذا رواه من حديث إسماعيل بن أبي خالد، وحصين بن عبد الرحمن ومجالد بن سعيد، وابن عون، عن عامر الشعبي به. وقد رواه أبو داود، والترمذي، وابن ماجة من حديث الشعبي، به (١٤٢٥). ثم قال أحمد (١٤٢٦): حدثنا محمد بن عبد الله، حدثنا [¬٥] إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن الحارث، عن علي قال: لعن رسول الله، ﷺ ، صاحب الربا، وآكله، وكاتبه، وشاهده، والمحلل، والمحلل له. (الحديث الثالث) عن جابر ﵁، قال الترمذي (١٤٢٧):

стр. 992

حدثنا أبو سعيد الأشج، أخبرنا أشعث بن عبد الرحمن بن زُبَيد اليَامِي [¬١]، حدثنا مجالد، عن الشعبي، عن جابر بن عبد الله، وعن الحارث، عن علي: أن رسول الله، ﷺ ، لعن المحلل والمحلل له. ثم قال: وليس إسناده بالقائم. ومجالد ضعفه غير واحد من أهل العلم، منهم أحمد بن حنبل. قال: ورواه ابن نمير، عن مجالد [¬٢]، عن الشعبيّ، عن جابر بن عبد الله، عن علي، قال: وهذا وهم من ابن نمير، والحديث الأول أصح. (الحديث الرابع) عن عقبة بن عامر ﵁، قال أبو عبد الله محمد بن يزيد بن ماجة (١٤٢٨): حدثنا يحيى بن عثمان بن صالح المصري، حدثنا أبي، سمعت الليث بن سعد يقول: قال أبو المصعب مشْرَح [¬٣]-هو ابن هاعان-: قال عقبة بن عامر: قال رسول الله ﷺ : "ألا أخبركم بالتيس المستعار؟ "، قالوا: بلى يا رسول الله، قال: "هو المحلل [¬٤]، لعن الله المحلل [¬٥] والمحلل له". تفرد به ابن ماجة، وكذا رواه إبراهيم بن يعقوب الجوزجاني، عن عثمان بن صالح، عن الليث- به. ثم قال: كانوا ينكرون [¬٦] على عثمان في هذا الحديث إنكارًا شديدًا. (قلت): عثمان هذا أحد الثقات روى عنه البخاري في صحيحه، ثم قد تابعه غيره، فرواه جعفر الفريالي: عن العباس المعروف بابن فريق، عن أبي صالح عبد الله بن صالح، عن الليث [به، فبرئ من عهدته،] [¬٧] والله أعلم. (الحديث الخامس) عن ابن عباس ﵄، قال ابن ماجة (١٤٢٩): حدثنا محمد بن بشار، حدثنا أبو عامر، عن زمعة به. صالح، عن سلمة بن وَهْرَام [¬٨]، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: لعن رسول الله، ﷺ ، المحلل والمحلل له.

стр. 993

(طريق أخرى): قال الإمام الحافظ خطب دمشق أبو إسحاق إبراهيم بن يعقوب الجوزجاني [¬١] السعدي: حدثنا ابن أبي مريم، حدثنا إبراهيم بن إسماعيل [بن أبي حبيبة] [¬٢]، عن داود بن الحصين، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: سئل رسول الله، ﷺ ، [عن نكاح المحلل] [¬٣]، قال: "لا، إلا نكاح رغبة لا نكاح دُلْسَة ولا استهزاء بكتاب الله، ثم يذوق عسيلتها" (١٤٣٠). ويتقوى هذان الإسنادان بما رواه أبو بكر بن أبي شيبة (١٤٣١): عن حميد بن عبد الرحمن، عن موسى بن أبي الفرات، عن عمرو بن دينار، عن النبي، ﷺ ، بنحو من هذا. فيتقوى كل من هذا المرسل، والذي قبله بالآخر، والله أعلم. (الحديث السادس) عن أبي هريرة ﵁، قال الإِمام أحمد (١٤٣٢): حدَّثنا أبو عامر، حدَّثنا عبد الله -هو ابن جعفر- عن عثمان بن محمد عن المقبري، عن أبي هريرة قال: لعن رسول الله، ﷺ ، المحلل [¬٤] والمحلل له. وهكذا رواه أبو بكر بن أبي شيبة والجوزجاني والبيهقي (١٤٣٣) من طريق عبد الله بن جعفر القرشيّ وقد وثقه أحمد بن حنبل وعلي بن المديني، ويحيى بن معين وغيرهم، وأخرج له مسلم في صحيحه عن عثمان بن محمد الأخنسي وثقه ابن معين، عن سعيد المقبري، وهو متفق عليه. (الحديث السابع) عن ابن عمر ﵄، قال الحاكم في مستدركه (١٤٣٤): حدَّثنا أبو العباس الأصم، حدَّثنا محمد بن إسحاق الصنعاني، حدَّثنا سعيد بن أبي مريم، حدَّثنا

стр. 994

أبو غسان [¬١] محمد بن مطرف المدني، عن عمر بن نافع، عن أبيه أنه قال: جاء رجل إلى ابن عمر، فسأله عن رجل طلق امرأته ثلاثا، فتزوجها أخ له من غير مؤامرة منه، ليحلها لأخيه: هل تحل للأول؟ فقال: لا، إلا نكاح رغبة. كنا نعد هذا سفاحًا على عهد رسول الله، ﷺ . ثم قال: هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه. وقد رواه الثوري: عن عبد الله بن نافع، عن أبيه، عن ابن عمر- به. وهذه الصيغة مشعرة بالرفع، وهكذا روى أبو بكر بن أبي شيبة والجوزجاني، وحرب الكرماني، وأبو بكر الأثرم، من حديث الأعمش، عن المسيب بن رافع، عن قبيصة بن جابر، عن عمر أنه قال: لا أوتى بمحلل [¬٢] ولا محلل له إلا رجمتهما (١٤٣٥). وروى البيهقي من حديث ابن لَهِيعة، عن بُكَير بن الأشج، عن سليمان بن [¬٣] يسار [¬٤]: أن عثمان بن عفان رُفع إليه رجل تزوج امرأة ليحلها لزوجها، ففرق بينهما. وكذا روي عن علي وابن عباس، وغير واحد من الصحابة، ﵃. وقوله: ﴿فإن طلقها﴾ أي: الزوج الثاني بعد الدخول بها ﴿فلا جناح عليهما أن يتراجعا﴾ أي: المرأة والزوج الأول ﴿إن ظنا أن يقيما حدود الله﴾ أي: يتعاشرا بالمعروف. [قال مجاهد: إن ظنا أن نكاحهما على غير دلسة] [¬٥]. ﴿وتلك حدود الله﴾ أي شرائعه وأحكامه ﴿يبينها﴾ أي: يوضحها ﴿لقوم يعلمون﴾. وقد اختلف الأئمة، ﵏، فيما إذا طلق الرجل امرأته طلقة أو طلقتين، وتركها حتى انقضت عدتها، ثم تزوجت بآخر فدخل بها، ثم طلقها فانقضت عدتها، ثم تزوجها الأول: هل تعود إليه بما بقي من الثلاث كما هو مذهب مالك، والشافعي، وأحمد بن حنبل، وهو قول طائفة من الصحابة ﵃؟ أو يكون الزوج الثاني قد هدم ما قبله من الطلاق، فإذا عادت إلى الأول تعود بمجموع الثلاث، كما هو مذهب أبي حنيفة وأصحابه ﵏؟ وحجتهم أن الزوج الثاني إذا هدم الثلاث فلأن يهدم ما دونها بطريق الأولى والأحرى، والله أعلم. ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ وَلَا تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللَّهِ

стр. 995

هُزُوًا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيكُمْ وَمَا أَنْزَلَ عَلَيكُمْ مِنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُمْ بِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيءٍ عَلِيمٌ (٢٣١)﴾ هذا أمر من الله للرجال إذا طلق أحدهم المرأة طلاقًا له عليها فيه رجعة، أن يحسن في أمرها إذا انقضت عدتها ولم يبق منها إلا مقدار ما يمكنه فيه رجعتها، فإما أن يمسكها، أي: يسرتجعها إلى عصمة نكاحه بمعروف، وهو أن يشهد على رجعتها، وينوي عشرتها بالمعروف، أو يسرحها، أي: يتركها حتى تنقضي عدتها، ويخرجها من منزله بالتي هي أحسن من غير شقاق [¬١]، ولا مخاصمة ولا تقابح، قال الله تعالى: ﴿ولا تمسكوهن ضرارًا لتعتدوا﴾ قال ابن عباس ومجاهد، ومسروق، والحسن، وقتادة، والضحاك، والربيع، ومقاتل بن حيان، وغير واحد: كان الرجل يطلق المرأة، فإذا قاربت انقضاء العدة راجعها ضرارًا لئلا تذهب إلى غيره، ثم يطلقها فتعتد، فإذا شارفت على انقضاء العدة طلق لتطول عليها العدة، فنهاهم الله عن ذلك وتوعدهم عليه فقال: ﴿ومن يفعل ذلك فقد ظلم نفسه﴾ أي: بمخالفته أمر الله تعالى. وقوله تعالى: ﴿ولا تتخذوا آيات الله هزوًا﴾ قال ابن جرير عند هذه الآية (١٤٣٦): أخبرنا أبو كريب، أخبرنا إسحاق بن منصور، عن عبد السلام بن حرب، عن يزيد بن عبد الرحمن، عن أبي العلاء الأودي [¬٢]، عن حميد بن عبد الرحمن، عن أبي موسى أنّ رسول الله، ﷺ ، غضب على الأشعريين، فأتاه أبو موسى فقال: يا رسول الله، أغضبت على الأشعريين؟ فقال: "يقول أحدكم (قد طلقت قد راجعت) ليس هذا طلاق المسلمين، طلقوا المرأة في قُبُل (*) عدتها". ثم رواه من وجه آخر، عن أبي خالد الدالاني [¬٣]- وهو-يزيد بن عبد الرحمن- وفيه كلام. وقال مسروق: هو الذي يطلق في غير كُنْهِه، ويضار امرأته بطلاقها وارتجاعها، لتطول عليها العدة. وقال الحسن، وقتادة، وعطاء الخراساني، والربيع، ومقاتل بن حيان: هو الرجل يطلق

стр. 996

ويقول: كنت لاعبا، أو يعتق، أو ينكح ويقول: كنت لاعبًا. فأنزل الله: ﴿وَلَا تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا﴾، فألزم الله بذلك. وقال ابن مردويه: حدَّثنا إبراهيم بن محمد، حدَّثنا أبو أحمد الصيرفي، حدّثني جعفر بن محمد السمسار، عن إسماعيل بن يحيى، عن سفيان، عن ليث، عن مجاهد، عن ابن عباس قال: طلق رجل امرأته وهو يلعب، لا يريد الطلاق، فأنزل الله: ﴿وَلَا تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا﴾. فألزمه رسول الله، ﷺ الطلاق. وقال ابن أبي حاتم (١٤٣٧): حدَّثنا عصام بن رَوّاد، حدَّثنا آدم، حدثنا المبارك بن فضالة، عن الحسن، هو البصري، قال: كان الرجل يطلق ويقول: كنت لاعبًا، ويعتق ويقول: كنت لاعبًا. وينكح ويقول: كنت لاعبًا. فأنزل الله: ﴿وَلَا تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا﴾، وقال رسول الله ﷺ : "من طلق، أو أعتق، أو نكح أو أكح، جادا أو لاعبًا، فقد جاز عليه". وكذا رواه ابن جرير: من طريق الزهريّ، عن سليمان بن أرقم، عن الحسن- مثله. وهذا مرسل. وقد رواه ابن مردويه، من طريق عمرو بن عبيد، عن الحسن، عن أبي الدرداء- موقوفًا عليه. وقال أيضًا (١٤٣٨): حدثنا أحمد بن الحسن بن أيوب، حدثنا يعقوب بن أبي يعقوب، حدثنا يحيى بن عبد الحميد، حدثنا أبو معاوية، عن إسماعيل بن سلمة، عن الحسن، عن عبادة بن الصامت في قول الله تعالى: ﴿وَلَا تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا﴾ قال: كان الرجل على عهد النبي ﷺ ، يقول للرجل: زوّجتك بنتي، ثم يقول: كنت لاعبًا. ويقول: قد أعتقت، ويقول: كنت لاعبًا. فأنزل الله: ﴿وَلَا تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا﴾، فقال رسول الله ﷺ : "ثلاث من قالهن لاعبًا أو غير لاعب، فهن جائزات عليه: الطلاق، والعتاق، والنكاح". والمشهور في هذا الحديث الذي رواه أبو داود والترمذي وابن ماجة (١٤٣٩): من طريق عبد

стр. 997

الرحمن بن حبيب بن أَرْدك [¬١]، عن عطاء، عن ابن ماهك، عن أبي هروة قال: قال رسول الله صلى الله عديه وسلم: "ثلاث [¬٢]، جدّهن جد، وهزلهن جدّ: النكاح، والطلاق، والرجعة". وقال الترمذي: حسن غريب. وقوله: ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيكُمْ﴾ أي: في إرساله الرسول بالهدى والبينات إليكم ﴿وَمَا أَنْزَلَ عَلَيكُمْ مِنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ﴾ أي السنة ﴿يَعِظُكُمْ بِهِ﴾ أي: يأمركم وينهاكم ويتوعدكم على ارتكاب المحارم ﴿واتقوا الله﴾: فيما تأتون وفيما تذرون ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيءٍ عَلِيمٌ﴾ أي: فلا يخفى عليه شيء من أموركم السرية والجهرية، وسيجازيكم على ذلك. ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْا بَينَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ ذَلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ مِنْكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكُمْ أَزْكَى لَكُمْ وَأَطْهَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ قال علي بن أبي طلحة: عن ابن عباس (١٤٤٠): نزلت هذه الآية في الرجل يطلق امرأته طلقة أو طلقتين، فتنقضي عدتها، ثم يبدو له [أن يتزوجها] [¬٣] وأن يراجعها، وتريد المرأة ذلك، فيمنعها أولياؤها من ذلك، فنهى الله أن يمنعوها. وكذا روى العوفي، عنه (١٤٤١)، [أيضًا] [¬٤]. وكذا قال مسروق، وإبراهيم النخعي، والزهري، والضحاك: إنها نزلت في ذلك (١٤٤٢).

стр. 998

وهذا الذي قالوه ظاهر من الآية، وفيها دلالة على أن المرأة لا تملك [أن تزوّج] [¬١] نفسها، وأنه لا بد في تزويجها من ولي، كما قاله الترمذي وابن جرير عند هذه الآية، كما جاء في الحديث: "لا تزوّج المرأةُ المرأةَ، ولا تزوّج المرأة نفسها، فإن الزانية هي التي تزوج نفسها" (١٤٤٣). وفي الأثر الآخر (١٤٤٤) " لا نكاح إلَّا بولي مرشد وشاهدي عدل". وفي هذه المسألة نزاع بين العلماء محرَّر في موضعه من كتب الفروع، وقد قررنا ذلك في كتاب "الأحكام"، ولله الحمد والمنة. وقد روي أن هذه الآية نزلت في معقل بن يسار المزني [¬٢] وأخته، فقال البخاري ﵀ في كتابه الصحيح عند [¬٣] تفسير هذه الآية (١٤٤٥): حدَّثنا عبيد [¬٤] الله بن سعيد، حدَّثنا أَبو عامر العَقَدي [¬٥]، حدَّثنا عبَّاد بن راشد، حدَّثنا الحسن قال [¬٦]: حدثني مَعْقل بن يسار قال: كانت لي [¬٧] أخت تخطب إليَّ. قال البخاري: وقال إبراهيم، عن يونس، عن الحسن، حدثني [¬٨] معقل بن يسار (ح) [¬٩]. وحدثنا أَبو معمر، حدَّثنا عبد الوارث، حدَّثنا يونس، عن الحسن: أن أخت معقل بن يسار طلقها زوجها، فتركها حتَّى انقضت عدتها، فخطبها، فأبى معقل، فنزلت: ﴿فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ﴾.

стр. 999

وهكذا رواه أَبو داود، والتِّرمِذي، [وابن ماجة] وابن أبي حاتم، وابن جرير، وابن مردويه من طرق متعددة، عن الحسن، عن معقل بن يسار - به. وصححه التِّرمِذي أيضًا، ولفظه عن معقل بن يسار: أنَّه زوَّج أخته رجلًا من المسلمين على عهد رسول الله ﷺ ، فكانت عنده ما كانت، ثم طلقها تطليقة لم يراجعها حتَّى انقضت العدة [¬١]، فهويها وهَوِيته ثم خطبها مع الخُطَّاب، فقال له: يا لُكَع [بن لكع] [¬٢]، أكرمتك بها، وزوَّجتكها، فطلقتها، والله لا ترجع إليك أبدًا آخر ما عليك، قال: فعلم الله حاجته إليها، وحاجتها إلى بعلها، فأنزل الله: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ﴾ إلى قوله: ﴿وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾، فلما سمعها معقل قال: سمع لربي وطاعة، ثم دعاه فقال: أزوِّجك وأُكرمك. زاد ابن مردويه: وكفرت عن يميني. وروى ابن جرير (١٤٤٦)، عن ابن جريج قال: هي جُمْل بنت يسار، كانت [¬٣] تحت [¬٤] أبي البَدّاح. وقال سفيان الثَّوري (١٤٤٧): عن أبي إسحاق السبيعي قال: هي فاطمة بنت يسار. وهكذا ذكر غير واحد من السلف: أن هذه الآية نزلت في معقل بن يسار وأخته. وقال السدي (١٤٤٨): نزلت في جابر بن عبد الله وابنة عم له. والصحيح الأول، والله أعلم. وقوله: ﴿يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ مِنْكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ أي: هذا الذي نهيناكم عنه مِن منْع الولايا أن يتزوّجن أزواجهن إذا تراضوا بينهم بالمعروف يأتمر به ويتعظ به وينفعل له ﴿مَنْ كَانَ مِنْكُمْ﴾ أي الناس ﴿يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾] [¬٥] أي: يؤمن بشرع الله ويخاف وعِيد الله وعذابه في الدار الآخرة، وما فيها من الجزاء ﴿ذَلِكُمْ أَزْكَى لَكُمْ وَأَطْهَرُ﴾ أي: اتباعكم شرع الله في ردّ الموليات إلى أزواجهن، وترك الحمية في ذلك أزكى لكم وأطهر لقلوبكم ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ﴾ أي: من المصالح فيما يأمر به وينهى عنه

стр. 1000

﴿وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ أي: الخيرة فيما تأتون، ولا فيما تذرون. ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَينِ كَامِلَينِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لَا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إلا وُسْعَهَا لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلَا جُنَاحَ عَلَيهِمَا وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلَادَكُمْ فَلَا جُنَاحَ عَلَيكُمْ إِذَا سَلَّمْتُمْ مَا آتَيتُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٢٣٣)﴾ هذا إرشاد من الله تعالى للوالدات أن يرضعن أولادهن كمال الرضاعة، وهي سنتان، فلا اعتبار بالرضاعة بعد ذلك، ولهذا قال: ﴿لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾ وذهب أكثر الأئمة إلى [¬١] أنَّه لا يحرم من الرضاعة إلَّا ما كان دون الحولين، فلو ارتضع المولود وعمره فوقهما [¬٢] لم يحرم. قال التِّرمِذي (١٤٤٩): (باب ما جاء أن الرضاعة لا تحرم إلَّا في الصغر دون الحولين) حدَّثنا قتيبة، حدَّثنا أَبو عوانة، عن هشام بن عروة [¬٣]، عن فاطمة بنت المنذر، عن أم سلمة قالت: قال رسول الله ﷺ : "لا يحرم من الرضاع إلَّا مما [¬٤] فتق الأمعاء في الثدي وكان قبل الفطام". وقال [¬٥] هذا حديث حسن صحيح، والعمل على هذا عند أكثر أهل العلم من أصحاب رسول الله ﷺ ، وغيرهم: أن الرضاعة لا تحرم إلَّا ما [¬٦] كان دون الحولين، وما كان بعد الحولين الكاملين فإنه لا يحرم شيئًا. وفاطمة بنت المنذر [بن الزُّبَير] [¬٧] بن العوام، وهي امرأة هشام بن عروة. (قلت): تفرَّد التِّرمِذي برواية هذا الحديث، ورجاله على شرط الصحيحين، ومعنى قوله: "إلَّا مما كان في الثدى" أي: في محل [¬٨] الرضاعة قبل الحولين، كما جاء في الحديث الذي

стр. 1001

رواه أحمد (١٤٥٠)، عن وكيع وغُنْدَر، عن شعبة، عن عدي بن ثابت، عن البراء بن عازب قال: لما مات إبراهيم ابن النبي ﷺ قال: "إن له مرضعًا في الجنَّة". وهكذا أخرجه البخاري من حديث شعبة. وإنما قال ﵇ ذلك، لأن ابنه إبراهيم [﵇] [¬١] مات وله [¬٢] سنة و [¬٣] عشرة أشهر، فقال: "إن له مرضعًا في الجنَّة" يعني [¬٤]: تكمل رضاعه. ويؤيده ما رواه الدارقطني (١٤٥١) من طريق الهيثم بن جميل، عن سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن ابن عبَّاس قال: قال رسول الله ﷺ : "لا يُحرّم من الرضاع إلَّا ما كان في الحولين"، ثم قال: و [¬٥] لم يسنده عن ابن عيينة غير الهيثم بن جميل، وهو ثقة حافظ. (قلت): وقد رواه الإِمام مالك في الموطأ (١٤٥٢)، عن ثور بن يزيد [¬٦]، عن ابن عبَّاس - مرفوعًا. ورواه الدراوردي، عن ثور، عن عكرمة، عن ابن [¬٧] عبَّاس [¬٨] و [¬٩] زاد: "وما كان بعد الحولين فليس بشيء"، وهذا أصح. وقال أَبو دواد الطالسي (١٤٥٣)، عن جابر قال: قال رسول الله ﷺ : "لا رضاع بعد فصال، ولا يُتْمَ بعد احتلام [¬١٠] "، وتمام الدلالة من هذا الحديث في قوله تعالى: ﴿وَفِصَالُهُ فِي عَامَينِ أَنِ اشْكُرْ لِي﴾ وقال: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا﴾. والقول بأن الرضاعة لا تحرم بعد الحولين مروى [¬١١] عن علي وابن عبَّاس، وابن مسعود، وجابر، وأبي هريرة [وابن عمر] [¬١٢] وأُمّ سلمة، وسعيد بن المسيب، وعطاء، والجمهور، وهو مذهب

стр. 1002

الشَّافعي، وأحمد، وإسحاق، والثوري، وأبي يوسف، ومحمد، ومالك في رواية، و [¬١] عنه أن مدته سنتان وشهران، وفي رواية: وثلاثة أشهر. وقال أَبو حنيفة: سنتان وستة أشهر. وقال زُفَر بن الهُذَيل: ما دام يرضع فإلى ثلاث سنين، وهذا رواية عن الأوزاعي. قال مالك: ولو فطم الصبي دون الحولين فأرضعته امرأة بعد فصاله لم يحرم، لأنه قد صار بمنزلة الطعام، وهو رواية عن الأوزاعي، وقد روي عن عمر وعلي أنهما قالا: لا رضاع بعد فصال، فيحتمل أنهما أرادا الحولين كقول الجمهور، سواء فطم أو لم يفطم، ويحتمل أنهما أرادا الفعل، كقول مالك، والله أعلم. وقد روي في الصحيح [¬٢] عن عائشة (١٤٥٤) ﵂: أنَّها كانت ترى رضاع الكبير يؤثر في التحريم، وهو قول عطاء بن أبي رباح والليث بن سعد، وكانت عائشة تأمر بمن تختار أن يدخل عليها من الرجال لبعض نسائها فترضعه، وتحتج في ذلك بحديث سالم مولى أبي حذيفة، حيث أمر النبي ﷺ امرأة أبي حذيفة أن ترضعه، وكان كبيرًا، فكان يدخل عليها بتلك الرضاعة، وأبي ذلك سائر أزواج النبي ﷺ ، ورأين ذلك من الخصائص، وهو قول الجمهور. وحجة الجمهور - منهم الأئمة الأربعة، والفقهاء السبعة، والأكابر من الصحابة، وسائر أزواج [¬٣] رسول الله ﷺ سوى عائشة - ما ثبت في الصحيحين (١٤٥٥)، عن عائشة أن رسول الله ﷺ قال: "انظْرنَ من إخوانكن، فإنما الرضاعة من المجاعة". وسيأتي الكلام على مسائل الرضاع وفيما يتعلق برضاع الكبير عند قوله تعالى: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ﴾. وقوله: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ أي: وعلى والد الطفل نفقة الوالدات وكسوتهن بالمعروف، أي: بما جرت به عادة أمثالهن في بلدهن من غير إسراف، ولا إقتار، بحسب قدرته في يساره وتوسطه وإقتاره، كما قال تعالى: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ

стр. 1003

مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلا مَا آتَاهَا سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا﴾ قال الضحاك: إذا طلَّق زَوْجَته وله منها ولد، فأرضعت له ولده، وجب على الوالد نفقتها وكسوتها بالمعروف. وقوله: ﴿لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا﴾ أي: لا تدفعه عنها لتضر أباه بتربيته، ولكن ليس لها دفعه إذا [¬١] ولدته حثى تسقيه اللَّبَأ الذي لا يعيش بدون تناوله غالبًا، ثم بعد هذا لها دفعه عنها إذا [¬٢] شاءت، ولكن إن كانت مضارة لأبيه فلا يحل لها ذلك، كما لا يحل له انتزاعه منها لمجرد الضرار لها؛ ولهذا قال: ﴿وَلَا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ﴾ بولده أي: بأن يريد أن ينتزع الولد منها إضرارًا بها، قاله مجاهد وقَتَادة والضحاك، والزهري، والسدي، والثوري، وابن زيد، وغيرهم. وقوله تعالى: ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾ قيل: في عدم الضرار لقريبه [¬٣] قاله مجاهد والشعبي، والضحاك. وقيل: عليه مثل ما على والد الطفل من الإِنفاق على والدة الطفل، والقيام بحقوقها، وعدم الإِضرار بها، وهو قول الجمهور. وقد استقصى [¬٤] ذلك ابن جرير في تفسيره. وقد استدل بذلك من ذهب من الحنفية والحنبلية إلى وجوب نفقة الأقارب بعضهم على بعض، وهو مروي عن عمر بن الخطاب وجمهور السلف، ويُرَشَّح ذلك [¬٥] بحديث الحسن عن سَمُرة مرفوعًا: "من ملك ذا رَحِم مَحْرَمٍ عتق عليه" (١٤٥٦). وقد ذكر أن الرضاعة بعد الحولين ربما ضرت الولد؛ إما في بدنه، أو عقله. و [¬٦] قال سفيان الثَّوري، عن الأعمش عن إبراهيم، عن علقمة: أنَّه رأى امرأة ترضع بعد

стр. 1004

الحولين فقال: لا ترضعيه. وقوله: ﴿فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلَا جُنَاحَ عَلَيهِمَا﴾ أي: فإن اتفق والدا [¬١] الطفل على فطامه قبل الحولين، ورأيا في ذلك مصلحة له، وتشاورا في ذلك واجتمعا [¬٢] عليه، فلا جناح عليهما في ذلك، فيؤخذ منه: أن انفراد أحدهما بذلك دون الآخر لا يكفي، ولا يجوز لواحد منهما أن يستبدَّ بذلك من غير مشاورة الآخر، قاله الثَّوري وغيره. وهذا فيه احتياط للطفل، والزام للنظر في أمره، وهو من رحمة الله بعباده، حيث حجر على الوالدين في تربية طفلهما، وأرشدهما إلى ما يصلحهما ويصلحه [¬٣]، كما قال في سورة الطلاق: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَأْتَمِرُوا بَينَكُمْ بِمَعْرُوفٍ وَإِنْ تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى﴾. وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلَادَكُمْ فَلَا جُنَاحَ عَلَيكُمْ إِذَا سَلَّمْتُمْ مَا آتَيتُمْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ أي: إذا اتفقت الوالدة والوالد على أن يتسلم منها الولد؛ إما لعذر [¬٤] منها أو عذر [¬٥] له، فلا جناح عليهما في بذله، ولا عليه في قبوله منها إذا سلمها أجرتها الماضية بالتي هي أحسن، واسترضع لولده غيرها بالأجرة بالمعروف. قاله غير واحد. وقوله: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ أي: في جميع أحوالكم ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ أي: فلا يخفى عليه شيء من أحوالكم واقوالكم. ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (٢٣٤)﴾ هذا أمر من الله للنساء اللاتي يتوفى عنهن أزواجهن أن: يعتددن أربعة أشهر وعشر ليال، وهذا الحكم يشمل الزوجات المدخول بهن وغير المدخول بهن بالإِجماع، ومستنده في غير المدخول بها عموم الآية الكريمة، وهذا الحديث الذي رواه الإِمام أحمد وأهل السنن وصححه التِّرمِذي (١٤٥٧): أن ابن مسعود سئل عن رجل تزوج امرأة فمات عنها، ولم يدخل بها ولم

стр. 1005

يفرض لها؛ فترددوا إليه مرارًا [¬١] في ذلك، فقال: أقول فيها برأي، فإن يك [¬٢] صوابًا فمن الله، وإن يك [¬٣] خطأ فمني ومن الشيطان، [والله ورسوله بريئان منه] [¬٤]: لها الصداق كاملًا. وفي لفظ: لها صداق مثلها، لا وكس، ولا شَطَطَ (*)، وعليها العدّة، ولها الميراث، فقام معقل بن يسار الأشجعي فقال: سمعت رسول الله ﷺ قضى به في بَرْوَعَ بنت وَاشِق؛ ففرح عبد الله بذلك فرحًا شديدًا. وفي رواية: فقام رجال من أشجع فقالوا: نشهد أن رسول الله ﷺ قضى به في بَرْوَع بنت وَاشِق. ولا يخرج من ذلك إلا المتوفَّى عنها زوجها وهي حامل، فإن عدتها بوضع الحمل، ولو لم تمكث بعده سوى لحظة العموم قوله: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾، وكان ابن عبَّاس يرى أن عليها أن تتربص بأبعد الأجلين من الوضع، أو أربعة أشهر وعشر للجمع بين الآيتين، وهذا مأخذ جيد ومسلك قوي، لولا ما ثبتت به السنة في حديث سُبَيعة الأسلمية المخرَّج في الصحيحين من غير وجه (١٤٥٨): أنَّها [¬٥] توفي عنها زوجها سعد بن خولة، وهي حامل، فلم تنشب (**) أن وضعت حملها بعد وفاته. وفي رواية: فوضعت حملها بعده بليال، فلما تَعَلَّتْ (* * *) من نفاسها تجملت للخُطَّاب، فدخل عليها أَبو السنابل بن بَعْكَك

стр. 1006

فقال لها: ما لي أراك متجملة؟ لعلك ترجين النكاح؟! والله ما أنت بناكح حتَّى يمر عليك أربعة أشهر وعشر. قالت سبيعة: فلما قال لي ذلك جمعتُ عليَّ ثيابِي حين أمسيت، فأتيت رسول الله ﷺ فسألته عن ذلك، فأفتاني بأني قد حَلَلتُ حين وضعتُ حملي [¬١]، وأمرني بالتزويج إن بدا لي. قال أَبو عمر بن عبد البر: وقد روي أن ابن عبَّاس رجع إلى حديث سُبَيعة، يعني: لما احْتُجَّ عليه به. قال: ويصحح ذلك عنه أن أصحابه أفتوا بحديث سبيعة، كما هو قول أهل العلم قاطبة. وكذلك يُستثنى من ذلك الزوجة إذا كانت أَمَةً، فإن عدتها على النصف من عدة الحرة، [شهران وخمس ليال، على قول الجمهور، لأنها لما كانت على النصف من الحرة] [¬٢] في الحد، فكذلك فلتكن على النصف منها [¬٣] في العدّة. ومن العلماء - كمحمد بن سيرين وبعض الظاهرية - من يسوي بين الزوجات الحرائر والإِماء في هذا المقام؛ لعموم الآية، ولأن العدة من باب الأمور الجِبِلِّيَّة التي تستوي فيها الخليقة. وقد ذكر سعيد بن المسيب وأَبو العالية وغيرهما: أن الحكمة في جعل عدة الوفاة أربعة أشهر وعشرًا، لاحتمال اشتمال الرحم على حمل، فإذا انتظر به هذه المدة ظهر إن كان موجودًا، كما جاء في حديث ابن مسعود الذي في الصحيحين وغيرهما (١٤٥٩): " إن خلق أحدكم يجمع في بطن أمه أربعين يومًا [¬٤]، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يبعث إليه الملكُ فينفخ فيه الروح"، فهذه ثلاث أربعينات بأربعة أشهر والاحتياط بعشر بعدها لما قد ينقص بعض الشهور، ثم لظهور الحركة بعد نفخ الروح فيه، والله أعلم. قال سعيد بن أبي عروبة، عن قَتَادة: سألت سعيد بن المسيب: ما بال العشرة؟ قال: فيه ينفخ الروح. وقال الربيع بن أَنس: قلت لأبي العالية: لم صارت هذه العشر مع الأشهر الأربعة؟ قال: لأنه ينفخ فيه الروح.

стр. 1007

رواهما ابن جرير، ومن هاهنا ذهب الإِمام أحمد في رواية عنه إلى أن عدة أم الولد عدة الحرة هاهنا؛ لأي صارت فِراشا كالحرائر [¬١]، وللحديث الذي رواه الإِمام أحمد (١٤٦٠)، عن زيد في هارون، عن سعيد بن أبي عروبة، عن قَتَادة، عن رجاء بن حيوة، عن قبيصة بن ذؤيب، عن عمرو بن العاص أنَّه قال: لا تَلبِّسُوا (٥) علينا سنة نبيِّنا، عدة أم الولد إذا توفي عنها سيدها أربعة أشهر وعشر. ورواه أَبو داود عن قتيبة [¬٢]، عن غندر، وعن ابن المثنى [¬٣]، عن عبد الأعلى، وابن ماجة عن عليِّ بن محمد، عن الربيع [¬٤]، ثلاثتهم، عن سعيد بن أبي عروبة، عن مطر الوراق، عن رجاء بن حيوة، عن قبيصة، عن عمرو بن العاص فذكره. وقد روي عن الإِمام أحمد أنَّه أنكر هذا الحديث، وقيل: إن قبيصة لم يسمع عمرًا، وقد ذهب إلى القول بهذا الحديث طائفة من السلف، منهم سعيد بن المسيب ومجاهد، وسعيد بن جبير، والحسن، وابن سيرين، وأَبو عياض، والزهري، وعمر بن عبد العزيز، وبه كان يأمر يزيد بن عبد الملك بن مروان، وهو أمير المؤمنين، وبه يقول الأوزاعي وإسحاق بن راهويه، وأحمد بن حنبل في رواية عنه، وقال طاوس وقَتَادة: عدة أم الولد إذا توفي عنها سيدها نصف عدة الحرة، شهران وخمس ليال.

стр. 1008

وقال أبو حنيفة وأصحابه، والثوري والحسن بن صالح بن حيي: تعتد بثلاث حِيَض، وهو قول علي، وابن مسعود، وعطاء، وإبراهيم النخعي، وقال مالك والشافعي وأحمد في المشهور عنه: عدتها حيضة، وبه يقول ابن عمر والشعبي، ومكحول والليث، وأبو عبيد، وأبو ثور، والجمهور. قال الليث: ولو مات وهي حائض أجزأتها. وقال مالك: فلو كانت ممن لا تحيض فثلاثة أشهر. وقال الشافعي والجمهور: شهر، وثلاثةٌ أحبُّ إلي. والله أعلم. وقوله: ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ يستفاد من هذا وجوب الإِحداد على المتوفى عنها زوجها مدة عدتها لما ثبت في الصحيحين من غير وجه (١٤٦١) أعن أم حبيبة، وزينب بنت جحش، أمي المؤمنين] [¬١]، من رسول الله ﷺ قال: "لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحد على ميت فوق ثلاث إلا على زوج أربعة أشهر وعشرًا". وفي الصحيحين أيضًا عن أم سلمة (١٤٦٢)، أن امرأة قالت: يا رسول الله، إن ابنتي توفي عنها زوجها وقد اشتكت عينها، أفنكحلها؟ فقال: "لا"، كل ذلك يقول: "لا"، مرتين أو ثلاثا - ثم قال: "إنما هي أربعة أشهر وعشر، وقد كانت إحداكن في الجاهلية يمكث سنة"، قالت زينب بنت أم سلمة: كانت المرأة إذا توفي عنها زوجها دخلت حِفْشًا (*)، ولبست شر [¬٢] ثيابها، ولم تمس طيبًا ولا شيئًا حتى تمر بها سنة، ثم تخرج فتُعطى بعرة فترمي بها، ثم تؤتى بدابة حمار أو شاة أو طير فتفتض له، فقلما تفتض بشيء إلا مات. ومن هاهنا ذهب كثيرون [¬٣] من العلماء إلى أن هذه الآية ناسخة للآية التي بعدها، وهي قوله: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيرَ إِخْرَاجٍ﴾ الآية، كما قاله ابن عباس وغيره، وفي هذا نظر كما سيأتي تقريره. والغرض أن الإِحداد هو عبارة عن ترك الزينة من الطب، ولبس ما يدعوها إلى الأزواج، من

стр. 1009

ثياب وحلي وغير ذلك، وهو واجب في عدة [¬١] الوفاة، قولًا واحدًا، ولا يجب [¬٢] في عدة الرجعية قولا واحدًا، وهل يجب في عدة البائن؟ فيه قولان: ويجب الإحداد على جميع الزوجات المتوفى عنهن أزواجهن، سواء في ذلك الصغيرة والآيسة، والحرة، والأمَة، والمسلمة، والكافرة، لعموم الآية [¬٣]. وقال الثوري وأبو حنيفة وأصحابه: لا إحداد [¬٤] على الكافرة. وبه يقول أشهب، وابن [¬٥] نافع من أصحاب مالك، وحجة قائل هذه المقالة قوله ﷺ : "لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحد على ميت فوق ثلاث إلا على زوج أربعة أشهر وعشرًا". قالوا: فجعله تعبدًا، وألحق أبو حنيفة وأصحابه و [¬٦] الثوري الصغيرة بها لعدم التكليف، وألحق أبو حنيفة وأصحابه الأمَةَ المسلمة لنقصها، ومحل تقرير ذلك كله في كتب الأحكام والفروع، والله الموفق للصواب. [وقوله: ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ﴾ أي: انقضت عدتهن، قاله الضحاك والربيع بن أنس ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيكُمْ﴾ قال الزهري: أي على أوليائها ﴿فِيمَا فَعَلْنَ﴾ يعني: النساء التي انقضت عدتهن، قال العوفي، عن ابن عباس: إذا طلقت المرأة أو مات عنها زوجها فإذا انقضت عدتها فلا جناح عليها أن تتزين وتتصنع وتتعرض للتزوبج، فذلك المعروف. وروي عن مقاتل بن حيان نحوه، وقال ابن جريج، عن مجاهد ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ قال: هو النكاح الحلال الطيب. وروي عن الحسن والزهري والسدى نحو ذلك] [¬٧]. ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ وَلَكِنْ لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا إلا أَنْ تَقُولُوا قَوْلًا مَعْرُوفًا وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ (٢٣٥)﴾ يقول تعالى: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيكُمْ﴾ أن تعرضوا بخطبة النساء في عدتهن من وفاة أزواجهن

стр. 1010

من غير تصريح. قال الثوري وشعبة وجرير وغيرهم، عن منصور، عن مجاهد، عن ابن عباس في قوله: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ﴾ قال: التعريض أن يقول [¬١]: إني أريد التزويج، وإني أحب امرأة، من أمرها، ومن [¬٢] أمرها، يعرض لها بالقول بالمعروف. [وفي رواية: وددت إن الله رزقني امرأة ونحو هذا، ولا] [¬٣] ينصب [¬٤] للخطبة [¬٥]. وفي رواية: إني لا أريد أن أتزوج غيرك أن شاء الله، ولوددت أني وجدت امرأة صالحة، ولا ينصب [¬٦] لها ما دامت في عدتها. ورواه البخاري تعليقًا (١٤٦٣) فقال: وقال لي طلق بن غنام، عن زائدة، عن منصور، عن مجاهد، عن ابن عباس ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ﴾ هو أن يقول: إني أريد التزويج، وإن النساء لَمِنْ حاجتي، ولوددت أن [¬٧] يُيَسَّرَ لي امرأة صالحة. وهكذا قال مجاهد وطاوس، وعكرمة، وسعيد بن جبير، وإبراهيم النخعي، والشعبي والحسن، وقتادة، والزهري، ويزيد بن قسيط، ومقاتل بن حيان، والقاسم بن محمد، وغير واحد من السلف والأئمة في التعريض: إنه يجوز للمتوفى عنها زوجها من غير تصريح لها [¬٨] بالخطبة، وهكذا حُكْمُ المطلقة المبتوتة يجوز التعريض لها، كما قال النبي ﷺ لفاطمة بنت قيس - حين طلقها زوجها أبو عمرو بن حفص آخر ثلاث تطليقات، فأمرها أن تعتد في بيت ابن أم مكتوم، وقال لها -: "فإذا حللت فآذنيني"، فلما حلت خطب عليها أسامة بن زيد مولاه فزوجها إياه (١٤٦٤). فأمّا المطلقة الرجعية فلا خلاف في أنه لا يجوز لغير زوجها التصريح بخطبتها ولا [¬٩] التعريض لها، والله أعلم. وقوله: ﴿أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ﴾ أي: أضمرتم في أنفسكم من [¬١٠] خطبتهن، وهذا كقوله [¬١١]، تعالى: ﴿وَرَبُّكَ يَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُونَ﴾، وكقوله: ﴿وَأَنَا أَعْلَمُ بِمَا [¬١٢] أَخْفَيتُمْ وَمَا أَعْلَنْتُمْ﴾، ولهذا قال: ﴿عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ﴾ أي:

стр. 1011

في أنفسكم، فرفع الحرج عنكم في ذلك، ثم قال: ﴿وَلَكِنْ لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا﴾ قال أبو مجلز وأبو الشعثاء -جابر بن زيد- والحسن البصري، وإبراهيم النخعي، وقتادة والضحاك، والربيع بن أنس، وسليمان التيمي، ومقاتل بن حيان والسدي: يعني الزنى، وهو معنى رواية العوفي عن ابن عباس، واختاره ابن جرير [¬١]. وقال [¬٢] علي بن أبي طلحة عن ابن عباس (١٤٦٥): ﴿وَلَكِنْ لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا﴾: لا تقل [¬٣] لها: إني عاشق، وعاهديني أن لا تتزوجي غيري، ونحو هذا. وهكذا رُوي عن سعيد بن جبير والشعبي، وعكرمة وأبي الضحى، والضحاك والزهري، ومجاهد والثوري: هو أن يأخذ ميثاقها أن لا تتزوج غيره، وعن مجاهد: هو قول الرجل للمرأة: لا تفوتيني بنفسك فإني ناكحك. وقال قتادة: هو أن يأخذ عهد المرأة وهي في عدتها أن لا تنكح غيره، فنهى الله عن ذلك، وقدم فيه وأحل الخطبة والقول بالمعروف. وقال ابن زيد: ﴿وَلَكِنْ لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا﴾: أن يتزوجها في العدة سرًّا [¬٤]، فإذا حلت أظهر ذلك. وقد يحتمل أن تكون الآية عامة في جميع ذلك، ولهذا قال ﴿إلا أَنْ تَقُولُوا قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾ قال ابن عباس ومجاهد، وسعيد بن جبير، والسدى والثوري، وابن زيد: يعني به ما تقدم من إباحة التعريض، كقوله: إني فيك لراغب ونحو ذلك. وقال محمد بن سيرين: قلت لعبيدة: ما معنى قوله: ﴿إلا أَنْ تَقُولُوا قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾ قال: يقول لوليها: لا تسبقني بها، يعني: لا تُزَوِّجْها حتى تُعْلِمَنِي. رواه ابن أبي حاتم. وقوله: ﴿وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ﴾ يعني: ولا تعقدوا العقد بالنكاح حتى تنقضي العدة. قال ابن عباس ومجاهد، والشعبي وقتادة، والربيع بن أنس، وأبو مالك، وزيد بن أسلم، ومقاتل بن حيان، والزهري وعطاء الخراساني، والسدي والثوري والضحاك: ﴿حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ﴾ يعني: [ولا تعقدوا العقد بالنكاح] [¬٥] حتى تنقضي العدة.

стр. 1012

وقد أجمع العلماء على أنه لا يصح العقد في مدة العدة، واختلفوا فيمن تزوج امرأة في عدتها فدخل بها، فإنه يفرق بينهما، وهل تحرم [¬١] عليه أبدًا؟ على قولين: الجمهور [على] [¬٢] أنها لا تحرم عليه؛ بل له أن يخطبها إذا انقضت عدتها، وذهب الإمام مالك إلى أنها تحرم عليه علي التأبيد، واحتج في ذلك بما رواه عن ابن شهاب وسليمان بن يسار (١٤٦٦): أن عمر ﵁ قال: أيما امرأة نكحت في عدتها؛ فإن كان [¬٣] زوجها الذي [تزوج بها] [¬٤] لم يدخل بها فرق [¬٥] بينهما، [ثم اعتدت بقية عدتها من زوجها الأول، ثم كان الآخر خاطبًا من الخطاب، وإن كان دخل بها فرق بينهما، ثم اعتدّت بقية عدتها من زوجها الأول] [¬٦]، ثم اعتدّت من الآخر ثم لم ينكحها أبدًا. وقالوا [¬٧]: ومأخذ هذا أن الزوج لما استعجل ما أَجَّلَ الله عُوقب بنقيض قصده فحرمت عليه على التأبيد، كالقاتل يحرم الميراث، وقد روى الشافعي هذا الأثر عن مالك. قال البيهقي: وذهب إليه في القديم، ورجع عنه في الجديد؛ لقول علي: إنها تحل له. (قلت): [] [¬٨]: ثم هو منقطع عن عمر. وقد روى الثوري، عن أشعث، عن الشعبي، عن مسروق؛ أن عمر رجع عن ذلك، وجعل لها مهرها، وجعلهما يجتمعان. وقوله: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ﴾ توعدهم على مما يقع في ضمائرهم من أمور النساء، وأرشدهم إلى إضمار الخير دون الشر، ثم لم يؤيسهم [¬٩] من رحمته، ولم يقنطهم من عائدته، فقال: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾. ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ (٢٣٦)﴾ أباح ﵎ طلاق المرأة بعد العقد عليها وقبل الدخول بها. قال ابن عباس وطاوس، وإبراهيم والحسن البصري: المس: النكاح، بل ويجوز أن يطلقها قبل الدخول بها والفرض لها أن كانت مفوضة، وإن كان في هذا انكسار لقلبها، ولهذا أمر تعالى لإمتاعها، وهو تعويضها عما

стр. 1013

فاتها بشيء تعطاه من زوجها بحسب حاله على الموسع قدره وعلى المقتر قدره. وقال سفيان الثوري، عن إسماعيل بن أمية، عن عكرمة، عن ابن عباس (١٤٦٧)؛ قال: متعة الطلاق أعلاه الخادم، ودون ذلك الورق، ودون ذلك الكسوة. وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس (١٤٦٨): إن كان موسرًا متعها بخادم أو شبه [¬١] ذلك، وإن كان معسرًا متَّعها [¬٢] بثلاثة أثواب. [وقال الشعبي: أوسط ذلك درع وخمار وملحفة وجلباب،] [¬٣] قال: وكان شريح يمتع بخمسمائة (١٤٦٩). وقال عبد الرزاق (١٤٧٠): أخبرنا معمر، [عن أيوب، عن ابن سيرين] [¬٤]؛ قال: كان يمتع بالخادم، أو بالنفقة، أو بالكسوة. قال: ومتع الحسن بن علي بعشرة آلاف، ويُروى أن المرأة قالت: متاعٌ قليلٌ من حبيبٍ مفارقٍ. وذهب أبو حنيفة ﵀ إلى أنه متى تنازع الزوجان في مقدار المتعة وجب لها عليه نصف مهر مثلها. وقال الشافعي في الجديد: لا يجبر الزوج على قدر معلوم إلا على [¬٥] أقل ما يقع عليه اسم المتعة، وَأحَبُّ ذلك إلى أن يكون أقله ما تجزئ فيه الصلاة، وقال في القديم: لا أعرف في المتعة قدرًا [¬٦] إلا أني أستحسن ثلاثين درهمًا، كما روي عن ابن عمر ﵄ [¬٧]. وقد اختلف العلماء أيضًا: هل تجب المتعة لكل مطلقة، أو إنما تجب المتعة [¬٨] لغير المدخول بها التي لم يفرض لها؟ على أقوال: أحدها: أنها تجب المتعة لكل مطلقة؛ لعموم قوله تعالى: ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا

стр. 1014

عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ ولقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالينَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا﴾ [وقد كن مفروضًا لهن ومدخولًا بهن] [¬١]، وهذا قول سعيد بن جبير، وأبي العالية، والحسن البصري، وهو أحد قولي الشافعي، ومنهم من جعله الجديد الصحيح، والله أعلم. (القول الثاني): أنها تجب للمطلقة إذا طلقت قبل المسيس، وإن كانت مفروضًا لها؛ لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا﴾ قال شعبة وغيره، عن قتادة، عن سعيد بن المسيب؛ قال: نسخت هذه الآيةُ التي في الأحزاب الآية التي في البقرة. وقد روى البخاري في صحيحه (١٤٧١)، عن سهل بن سعد وأبي أسيد أنهما قالا: تزوج رسول الله ﷺ أميمة بنت شراحيل [¬٢]، فلما أدْخِلَتْ عليه بسط يده إليها، فكأنها كرهت ذلك، فأمر أبا أسيد أن يجهزها ويكسوها ثوبين رازقيين (*). (والقول الثالث): أن المتعة إنما تجب للمطلقة إذا لم يدخل بها ولم يفرض لها، فإن كان قد دخل بها وجب لها مهر مثلها إذا كانت مفوضة، وإن كان قد فرض لها وطلقها قبل الدخول وجب لها [¬٣] عليه شطره، فإن دخل بها استقر الجميع وكان ذلك عوضًا لها عن المتعة، وإنما المصابة التي لم يفرض لها ولم يدخل بها، فهذه التي دلت هذه الآية الكريمة على وجوب متعتها، وهذا قول ابن عمر ومجاهد، ومن العلماء من استحبها لكل مطلقة ممن عدا المفوضة المفارقة قبل الدخول، وهذا ليس بمنكور، وعليه تحمل آية التخيير في الأحزاب؛ ولهذا قال الله تعالى: ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ [¬٤]﴾ ومن العلماء من يقول: أنها مستحبة مطلقًا. قال ابن أبي حاتم: حدثنا كثير بن شهاب القزويني، حدثنا محمد بن سعيد بن سابق، حدثنا عمرو -يعني: ابن أبي قيس- عن أبي إسحاق، عن الشعبي قال: ذكروا له المتعة: أيحبس [¬٥] فيها؟ فقرأ: ﴿عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ﴾ قال الشعبي: والله ما رأيت أحدًا حبس فيها، والله لو كانت واجبة لحبس فيها القضاة.

стр. 1015

﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إلا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَينَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٢٣٧)﴾ وهذة الآية الكريمة [¬١]، مما يدل على اختصاص المتعة بما دلت عليه الآية الأولى، حيث إنما أوجب في هذه الآية نصف المهر المفروض، إذا [¬٢] طلق الزوج قبل الدخول، فإنه لو كان ثَمَّ واجب آخر من متعة لَبَيَّنَها، لا سيما وقد قرنها بما قبلها من إختصاص المتعة بتلك الآية [¬٣]، والله أعلم. وتشطير الصداق [¬٤]- والحالة هذه - أمر مجمع عليه بين العلماء، لا خلاف بينهم في ذلك، فإنه متى كان قد سمَّى لها صداقًا، ثم فارقها قبل دخوله بها، فإنه يجب لها نصف ما سمّى من الصداق، إلا أن عند الثلاثة: أنه يجب جميع الصداق إذا خلا بها الزوج، وإن لم يدخل بها، وهو مذهب الشافعي في القديم، وبه حكم الخلفاء الراشدون. لكن قال الشافعي: أخبرنا مسلم بن خالد، أخبرنا ابن جريج [¬٥]، عن ليث بن أبي سليم، عن طاوس، عن ابن عباس، أنه قال في الرجل يتزوج المرأة فيخلو بها ولا يمسها ثم يطلقها: ليس [لها] [¬٦] إلا نصف الصداق، لأن [¬٧] الله يقول: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ قال الشافعي: هذا أقوى، وهو ظاهر الكتاب. قال البيهقي: وليث بن أبي سليم وإن كان غير محتج به فقد رويناه [¬٨] من حديث ابن أبي طلحة عن ابن عباس؛ فهو يقوله. وقوله: ﴿إلا أَنْ يَعْفُونَ﴾ أي: النساء عما وجب لها على زوجها من النصف، فلا يجب لها عليه شيء. قال السدي، عن أبي صالح، عن ابن عباس في قوله: ﴿إلا أَنْ يَعْفُونَ﴾ قال: إلا أن تعفو الثيب فتدع حقها.

стр. 1016

قال الإمام أبو محمد بن أبي حاتم ﵀: وروي عن شريح، وسعيد بن المسيب، وعكرمة ومجاهد، والشعبي والحسن، ونافع وقتادة، وجابر بن زيد، وعطاء الخراساني، والضحاك والزهري، ومقاتل بن حيان، وابن سيرين، والربيع بن أنس والسدي نحو ذلك، قال: وخالفهم محمد بن كعب القرظي، فقال: ﴿إلا أَنْ يَعْفُونَ﴾: الرجال، وهو قول شاذ، لم يتابع عليه. انتهى كلامه. وقوله: ﴿أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ قال ابن أبي حاتم: ذُكر عن ابن لهيعة، حدثني عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، عن النبي ﷺ قال [¬١]: "ولي عقدة النكاح الزوج". وهكذا أسنده ابن مردويه من حديث عبد الله بن لهيعة، به (١٤٧٢). [وقد أسنده ابن جرير (١٤٧٣)، عن ابن لهيعة، عن عمرو بن شعيب] [¬٢]؛ أن رسول الله ﷺ فذكره، ولم يقل: عن أبيه عن جده، فالله أعلم. ثم قال ابن أبي حاتم ﵀ (١٤٧٤): وحدثنا يونس بن حبيب، حدثنا أبو داود، حدثنا جرير [¬٣]-يعني: ابن أبي [¬٤] حازم- عن عيسى -يعني: ابن عاصم- قال: سمعت شريحًا يقول: سألني علي بن أبي طالب عن الذي بيده عقدة النكاح. فقلت له: هو ولي المرأة. فقال علي: لا؛ بل هو الزوج. ثم قال: وفي إحدى الروايات عن ابن عباس، وجبير بن مطعم، وسعيد بن المسيب، وشريح في أحد قوليه، وسعيد بن جبير، ومجاهد والشعبي، وعكرمة ونافع، ومحمد بن سيرين، والضحاك ومحمد بن كعب القرظي، وجابر بن زيد، وأبي مجلز، والربيع بن أنس، وإياس بن معاوية، ومكحول ومقاتل بن حيان أنه الزوج. (قلت): وهذا هو الجديد من قول الشافعي، ومذهب أبي حنيفة وأصحابه والثوري وابن شبرمة والأوزاعي، واختاره ابن جرير، ومأخذ هذا القول أن الذي بيده عقدة النكاح حقيقةً

стр. 1017

الزوجُ، فإن بيده عقدها وإبرامها ونقضها وانهدامها، وكما أنه لا يجوز للولي أن يهب شيئًا من مال المولية للغير فكذلك في الصداق. قال: والوجه الثاني: حدثنا أبي، حدثنا ابن أبي مريم، حدثنا محمد بن مسلم، حدثنا عمرو بن دينار، عن ابن عباس ﵄ في الذي ذكر الله بيده عقدة النكاح- قال: ذلك أبوها، أو أخوها، أو من لا تُنكح إلا بإذنه. وروي عن علقمة والحسن، وعطاء وطاوس، والزهري وربيعة، وزيد بن أسلم، وإبراهيم النخعي، وعكرمة في أحد قوليه، ومحمد بن سيرين في أحد قوليه: أنه الولي، وهذا مذهب مالك، وقول الشافعي القديم، ومأخذه أن الولي هو الذي أكسبها اياه، فله التصرف فيه بخلاف سائر مالها. وقال ابن جرير (١٤٧٥): حدَّثنا سعيد بن الرببع الرازي، حدَّثنا سفيان، عن عمرو بن دينار، عن عكرمة قال: أذن الله في العفو وأمر به، فأيُّ امرأةٍ عَفَتْ جاز عفوها، فإن شَحَّتْ وضنَّت عفا وليها، وجاز عفوه. وهذا يقتضي صحة عفو الولي وإن كانت رشيدة، وهو مروي عن شريح، لكن أنكر عليه الشعبي، فرجع عن ذلك، وصار إلى أنه الزوج، وكان يباهل عليه. وقوله: ﴿وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ قال ابن جرير؛ قال بعضهم: خوطب به الرجال والنساء. حدثني يونس (١٤٧٦)، أخبرنا ابن وهب، سمعت ابن جريج يحدّث، عن عطاء بن أبي رباح، عن ابن عباس ﴿وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ قال: أقربهما للتقوى الذي يعفو. وكذا روي عن الشعبي وغيره، وقال مجاهد والنخعي، والضحاك ومقاتل بن حيان، والربيع بن أنس والثوري: الفضل هاهنا أن تعفو المرأة عن شَطْرِها، أو إتمام الرجل الصداق لها، ولهذا قال: ﴿وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَينَكُمْ﴾ أي: الإحسان، قاله سعيد. وقال الضحاك وقتادة والسدي وأبو وائل: المعروف: يعني: لا تهملوه [بل استعملوه] [¬١] بينكم. وقد قال أبو بكر بن مودويه (١٤٧٧): حدثنا محمد بن أحمد بن إبراهيم، حدثنا موسى بن إسحاق، حدثنا عقبة [¬٢] بن مكرم، حدثنا يونس بن بكير، حدثنا عبيد الله بن الوليد الرصافي،

стр. 1018

عن عبد اللَّه بن عبيد، عن علي بن أبي طالب: أن رسول اللَّه ﷺ قال: "ليأتين على الناس زمان عضوض، يعض المؤمن [¬١] على ما في يده وينسى الفضل، وقد قال اللَّه تعالى: ﴿وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَينَكُمْ﴾، شرار يبايعون كل مضطر" وقد نهى رسول اللَّه ﷺ عن بيع المضطر، وعن بيع الغَرر، فإن كان عندك خير فعد به على أخيك، ولا تزده هلاكًا إلى هلاكه؛ فإن المسلم أخو المسلم لا يحزنه ولا يحرمه. وقال سفيان عن أبي هارون؛ قال: رأيت عون بن عبد اللَّه في مجلس القرظي، فكان عون يحدثنا - ولحيته ترش من البكاء - ويقول: صحبت الأغنياء فكنت من أكرهم هَمًّا حين رأيتهم أحسن [¬٢] ثيابًا، وأطيب ريحًا، وأحسن مركبًا [¬٣]، وجالست الفقراء فاسترحت بهم، وقال: ﴿وَلَا [¬٤] تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَينَكُمْ﴾ إذا أتاه السائل وليس عنده شيء فَلْيَدْعُ له. رواه ابن أبي حاتم. ﴿إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [أي: لا يخفى عليه شيء من أموركم وأحوالكم، وسيجزي كل عامل بعمله] [¬٥]. ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ (٢٣٨) فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَمَا عَلَّمَكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ (٢٣٩)﴾ يأمر اللَّه [¬٦] تعالى بالمحافظة على الصلوات في أوقاتها، وحفظ حدودها وأدائها في أوقاتها، كما ثبت في الصحيحين عن ابن مسعود (١٤٧٨) قال: سألت رسول اللَّه ﷺ : أي العمل أفضل؟ قال: "الصلاة على وقتها". قلت: ثم أي؟ قال: "الجهاد في سبيل اللَّه". قلت: ثم أي؟ قال: "بر الوالدين". قال: حدثني بهنَّ رسول اللَّه ﷺ

стр. 1019

وسلم، ولو استزدته لزادني. وقال الإِمام أحمد (١٤٧٩): حدثنا يونس، حدثنا ليث، عن عبد اللَّه بن عمر بن حفص بن عاصم، عن القاسم بن غنام، عن جدَّته أم أبيه الدنيا [¬١]، عن جدّته أمّ فروة - وكانت [¬٢] ممن بايع رسول الله ﷺ -[أنها سمعت رسول اللَّه ﷺ ] [¬٣] وذَكرَ الأعمال فقال: "إن أحب الاعمال إلى اللَّه تعجيل الصلاة لأوّل وقتها". وهكذا رواه أبو داود والترمذي وقال: لا نعرفه إلا من طريق العمري، وليس بالقوي عند أهل الحديث. وخص تعالى من بينها بمزيد التأكيد الصلاةَ الوسطى، وقد اختلف السلف والخلف فيها: أي صلاة هي؟ فقيل: إنها الصبح. حكاه مالك في الموطأ بلاغًا عن علي وابن عباس، وقال هشيم وابن علية وغندر وابن أبي عدي وعبد الوهاب وشريك وغيرهم، عن [¬٤] عوف الأعرابي، عن أبي رجاء العطاردي قال: صليت خلف ابن عباس الفجر فقنت فيها ورفع يديه، ثم قال: هذه الصلاة الوسطى التي أمرنا أن نقوم فيها قانتين. رواه ابن جرير (١٤٨٠). ورواه أيضًا (١٤٨١) من حديث عوف، عن خلاس بن عمرو، عن ابن عباس مثله سواء. وقال ابن جرير (١٤٨٢): حدثنا ابن بشار، حدثنا عبد الوهاب، حدثنا عوف، عن أبي المنهال، عن أبي العالية، عن ابن عباس؛ أنه صلى الغداة في مسجد البصرة، فقنت قبل الركوع وقال: هذه الصلاة الوسطى التي ذكرها اللَّه في كتابه، فقال: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾. وقال أيضًا (١٤٨٣): حدثنا محمد بن عيسى الدامغاني، أخبرنا ابن المبارك، أخبرنا الربيع بن أنس، عن أبي العالية قال: صليت خلف عبد اللَّه بن قيس بالبصرة [¬٥] صلاة الغداة، فقلت لرجل من أصحاب وسول اللَّه ﷺ إلى جانبي: ما الصلاة الوسطى؟ قال: هذه الصلاة.

стр. 1020

وروى (١٤٨٤) من طريق أخرى [¬١]، عن الربيع، عن أبي العالية أنه صلى مع أصحاب رسول اللَّه ﷺ صلاة الغداة، فلما أن فرغوا قال [¬٢] قلت لهم: أيتهنّ الصلاة الوسط؟ قالوا: التي صليتَها قبل. وقال أيضًا (١٤٨٥): حدثنا ابن بشار، حدثنا ابن عثمة، عن سعيد بن بشير، عن قتادة، عن جابر بن عبد اللَّه قال: الصلاة الوسطى صلاة الصبح. وحكاه ابن أبي حاتم، عن ابن عمر، وأبي أمامة، وأنس، وأبي العالية، وعبيد بن عمير، وعطاء ومجاهد، وجابر بن زيد، وعكرمة، والربيع بن أنس، [. … ] [¬٣] ورواه ابن جرير (١٤٨٦) عن عبد اللَّه بن شداد بن الهاد أيضًا، وهو الذي نص عليه الشافعي ﵀ محتجًّا بقوله [تعالى]: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ والقنوت عنده في صلاة الصبح. ومنهم من قال: هي وسطى باعتبار أنها لا تقصر، وهي [¬٤] بين صلاتين رباعيتين مقصورتين وترد [¬٥] المغرب. وقيل: لأنها بين صلاتي ليل [¬٦] جهريتين وصلاتي نهار سريتين. وقيل: إنها صلاة الظهر قال أبو داود الطيالسي في مسنده (١٤٨٧): حدَّثنا ابن أبي ذئب، عن الزبرقان -يعني: ابن عمرو- عن زهرة -يعني: ابن معبد- قال: كنا جلوسًا عند زيد بن ثابت، فأرسلوا إلى أسامة فسألوه عن الصلاة الوسطى، فقال: هي الظهر، كان رسول اللَّه ﷺ يصليها بالهجير. وقال أحمد (١٤٨٨): حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، حدثني عمرو بن أبي حكيم، سمعت الزبرقان يحدث، عن عروة بن الزبير، عن زيد بن ثابت قال: كان رسول اللَّه ﷺ يصلي الظهر بالهاجرة، ولم يكن يصلي صلاةً أشد على أصحاب رسول اللَّه - صلى الله
следующие страницы →