← Тафсир

Тафсир · id 1509

تفسير ابن كثير - ط أولاد الشيخ

ابن كثير

Полный текст (6 736 стр.). Показаны 1121–1160 · переход к 1126.

стр. 1121

النبي ﷺ فذكره. وقد روي عن أبي هريرة من وجه آخر، فقال ابن أبي حاتم: حدثنا عمرو بن عبد اللَّه الأودي [¬١]، حدثنا وكيع، عن عباد بن منصور، حدثنا القاسم بن محمد، قال: سمعت أبا هريرة يقول: قال رسول اللَّه، ﷺ : "إن اللَّه يقبل الصدقة ويأخذها بيمينه فيربيها لأحدكم كما يربي أحدكم مهره أو فلوه، حتى إن اللقمة لتصير مثل أحد". وتصديق ذلك في كتاب اللَّه ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ﴾. وكذا رواه أحمد (١٦٩٦) عن وكيع -[وهو في تفسير وكيع] [¬٢]- ورواه الترمذي عن أبي كريب عن وكيع به، وقال: حسن صحيح. وكذا رواه الثوري، عن عباد بن منصور به. ورواه أحمد (١٦٩٧) أيضًا [¬٣]، عن خلف بن الوليد، عن المبارك [¬٤]، عن عبد الواحد بن ضمرة، وعباد بن منصور، كلاهما عن أبي نضرة [عن القاسم به] [¬٥]. وقد رواه ابن جرس (١٦٩٨)، عن محمد بن عبد الملك بن إسحاق [¬٦]، عن عبد الرزاق، عن معمر، عن أيوب، عن القاسم بن محمد، عن أبي هروة، قال: قال رسول اللَّه، ﵌: "إن العبد إذا تصدق من طيب، يقبلها اللَّه منه، فيأخذها بيمينه ويربيها كما يربي أحدكم مهره أو فصيله، وإن الرجل ليتصدّق باللقمة فتربو في يد اللَّه -أو قال في كف اللَّه- حتى تكون مثل أحد، فتصدّقوا". وهكذا رواه أحمد (١٦٩٩)، عن عبد الرزاق. وهذا طريق غريب صحيح الإِسناد، ولكن لفظه عجيب، والمحفوظ ما تقدم. وروي عن عائشة أم المؤمنين، فقال الإِمام أحمد (١٧٠٠): حدثنا عبد الصمد، حدثنا حماد، عن ثابت، عن القاسم بن محمد، عن عائشة، أن رسول اللَّه، ﷺ ، قال:

стр. 1122

"إنّ اللَّه ليربي لأحدكم التمرة واللقمة، كما يربي أحدكم فلوه أو فصيله، حتى يكون مثل أحد". تفرد به أحمد من هذا الوجه. وقال البزار (١٧٠١): حدثنا يحيى بن المعلى بن منصور، حدثنا إسماعيل، حدثني أبي، عن يحيى بن سعيد، عن عمرة، عن عائشة، عن النبي، ﷺ ، وعن الضحاك بن عثمان، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: "إن الرجل ليتصدق بالصدقة من الكسب الطيب، ولا يقبل اللَّه إلا الطيب، فيتلقاها [¬١] الرحمن بيده، فيربيها كما يربي أحدكم فلوه أو وصيفه -أو قال: فصيله-". ثم قال: لا نعلم أحدًا [¬٢] رواه عن يحيى بن سعيد، عن عمرة إلا أبا [¬٣] أويس. وقوله: ﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ﴾ أي: لا يحب كفور القلب، أثيم القول والفعل. ولا بد من مناسبة في ختم هذه الآية بهذه الصفة، وهي أن المرابي لا يرضى بما قسم اللَّه له من الحلال، ولا يكتفي بما شرع له من التكسب [¬٤] المباح، فهو يسعى في أكل أموال الناس بالباطل، بأنواع المكاسب الخبيثة، فهو جحود لما عليه من النعمة، ظلوم آثم بأكل أموال الناس بالباطل. ثم قال تعالى مادحًا للمؤمنين بربهم، المطيعين أمره، المؤدّين شكره، المحسنين إلى خلقه في إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة، مخبرًا عما أعد لهم من الكرامة، وأنهم يوم القيامة من التبعات آمنون، فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾. يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٢٧٨) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ

стр. 1123

أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ (٢٧٩) وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٨٠) وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (٢٨١) يقول تعالى آمرًا عباده المؤمنين بتقواه، ناهيًا لهم عما يقربهم إلى سخطه، ويبعدهم عن رضاه، فقال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ﴾: خافوه وراقبوه فيما تفعلون ﴿وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا﴾ أي: اتركوا مالكم على الناس من الزيادة على رءوس الأموال بعد هذا الإِنذار ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ أي: بما شرع اللَّه لكم من تحليل البيع وتحريم الربا وغير ذلك. وقد ذكر زيد بن أسلم، وابن جريج، ومقاتل بن حيان، والسدي؛ أن هذا السياق نزل في بني عمرو بن عمير بن [¬١] ثقيف، وبني المغيرة من بني مخزوم، كان بينهم ربا في الجاهلية، فلما جاء الإِسلام ودخلوا فيه طلبت ثقيف أن تأخذه منهم، فتشاوروا [¬٢]، وقالت بنو المغيرة: لا نؤدي الربا في الإِسلام. فكتب في ذلك عتاب بن أسيد نائب مكة إلى رسول اللَّه ﷺ ، فنزلت هذه الآية، فكتب بها رسول اللَّه، ﷺ إليه ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٢٧٨) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ فقالوا: نتوب إلى اللَّه ونذر ما بقي من الربا. فتركوه كلهم. وهذا تهديد شديد ووعيد أكيد لمن استمر على تعاطي البربا بعد الإنذار. قال ابن جريج: قال ابن عباس: ﴿فأذنوا بحرب﴾ أي: استيقنوا بحرب من اللَّه ورسوله. وتقدم من رواية ربيعة بن كلثوم، عن أبيه، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس؛ قال: يقال [¬٣] يوم القيامة لآكل الربا: خذ سلاحك للحرب، ثم قرأ ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾. وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ فمن كان مقيمًا على الربا لا ينزع عنه، [كان حقًّا] [¬٤] على إمام المسلمين أن يستتيبه، فإن نزع وإلا ضرب عنقه. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسين، حدثنا محمد بن بشار [¬٥]، حدثنا عبد الأعلى،

стр. 1124

حدثنا هشام بن حسان، عن الحسن، وابن سيرين، أنهما قالا: والله أن هؤلاء الصيارفة لأكلة الربا، وإنهم قد أذنوا بحرب من اللَّه ورسوله، ولو كان على الناس إمام عادل لاستتابهم، فإن تابوا وإلا وضع فيهم السلاح. وقال قتادة: أوعدهم اللَّه بالقتل كما تسمعون [¬١]، وجعلهم بهرجًا أينما أتوا، فإياكم وما خالط هذه البيوع من الربا، فإن اللَّه قد أوسع الحلال وأطابه، فلا تلجعنكم [¬٢] إلى معصيته فاقة. رواه ابن أبي حاتم. وقال الربيع بن أنس: أوعد [¬٣] اللَّه آكل الربا بالفتل. رواه ابن جرير. وقال السهيلي: ولهذا [¬٤] قالت عائشة لأم محبة مولاة زيد بن أرقم في مسألة العينة: أخبريه أن جهاده مع النبي ﷺ قد بطل [¬٥] إلا أن يتوب. فخصت الجهاد لأنه ضد قوله: ﴿فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ قال: وهذا المعنى ذكره كثير. قال: ولكن هذا إسناده إلى عائشة ضعيف. ثم قال اللَّه تعالى: ﴿وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ﴾ أي: بأخذ الزيادة ﴿وَلَا تُظْلَمُونَ﴾ أي: بوضع رءوس الأموال أيضًا، بل لكم ما بذلتم من غير زيادة عليه، ولا نقص منه. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا محمد بن الحسين بن إشكاب، حدثنا عبيد اللَّه بن موسى، عن شيبان عن شبيب بن غرقدة البارقي، عن سليمان بن الأحوص، عن أبيه قال: خطب رسول اللَّه، ﷺ في حجة الوداع، فقال: "ألا إن كل ربا كان في الجاهلية موضوع عنكم كله، لكم رءوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون، وأوّل ربا موضوع ربا العباس بن عبد المطلب موضوع كله". كذا وجدته: سليمان بن الأحوص. وقد قال ابن مردويه (١٧٠٢): حدثنا الشافعي، حدثنا معاذ بن المثنى، أخبرنا مسدد، أخبرنا أبو الأحوص، حدثنا شبيب بن غرقدة، عن سليمان بن عمرو، عن أبيه قال: سمعت رسول اللَّه، ﷺ يقول: "ألا إن كل ربا من ربا الجاهلية موضوع، فلكم رءوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون". وكذا رواه من حديث حماد بن سلمة، عن علي بن زيد، عن أبي حرة الرقاشي، عن عمرو -هو ابن خارجة- فذكره.

стр. 1125

وقوله: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ يأمر تعالى بالصبر على المعسر الذي لا يجد وفاء فقال: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ أي [¬١]: لا كما كان أهل الجاهلية يقول أحدهم لمدينه إذا حل عليه الدين: إمّا أن تقضي وإمّا أن تربي. ثم يندب إلى الوضع عنه، ويعد على ذلك الخير والثواب الجزيل فقال: ﴿وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ أي: وإن تتركوا رأس المال بالكلية وتضعوه عن المدين. وقد وردت الأحاديث من طرق متعدّدة عن النبي ﷺ بذلك. (فالحديث الأول) عن أبي أمامة أسعد بن زرارة، قال الطبراني (١٧٠٣): حدثنا عبد اللَّه بن محمد بن شعيب الرّجاني [¬٢]، حدثنا يحيى بن حكيم المقوّم [¬٣]، حدثنا محمد بن بكر البرساني، حدثنا عبد اللَّه بن أبي زياد، حدثني عاصم بن عبيد اللَّه، عن أبي أمامة أسعد بن زرارة - قال: قال رسول اللَّه، ﷺ : "من سره أن يظله اللَّه يوم لا ظل إلا ظله فلييسر على معسر أو ليضع عنه". (حديث آخر) عن بريدة، قال الإمام أحمد (١٧٠٤): حدثنا عفان، حدثنا عبد الوارث، حدثنا محمد بن جحادة، عن سليمان بن بريدة، عن أبيه، قال: سمعت النبي، ﷺ ، يقول: "من أنظر معسرًا فله بكل يوم مثله صدقة". قال: ثم سمعته يقول: "من أنظر معسرًا فله بكل يوم مثلاه صدقة". قلت: سمعتك يا رسول اللَّه، تقول: "من أنظر معسرًا فله بكل يوم مثله [¬٤] صدقة". ثم سمعتك تقول: "من أنظر معسرًا فله بكل يوم مثلاه صدقة". قال: "له بكل يوم مثله صدقة قبل أن يحل الدين، فإذا حل الدين فأنظره فله بكل يوم مثلاه صدقة". (حديث آخر) عن أبي قتادة الحارث بن ربعي الأنصاري، قال أحمد (١٧٠٥): [حدثنا

стр. 1126

عفان] [¬١]، حدثنا حماد بن سلمة، أخبرنا أبو جعفر الخطمي، عن محمد بن كعب القرظي، أن أبا قتادة كان له دين على رجل، وكان يأتيه يتقاضاه، فيختبئ منه، فجاء ذات يوم فخرج صبي فسأله عنه فقال: نعم هو في البيت جمل خزهة. فناداه فقال [¬٢]: يا فلان؛ اخرج فقد أخبرت أنك هاهنا. فخرج إليه، فقال: ما يغيبك عني؟ فقال: إني معسر وليس عندي شيء [¬٣]. قال: آللَّه إنك معسر؟ قال: نعم. فبكى أبو قتادة ثم قال: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "من نفس عن غريمه -أو محا عنه- كان في ظل العرش يوم القيامة". ورواه [¬٤] مسلم في صحيحه. (حديث آخر) عن حذيفة بن اليمان. قال الحافظ أبو يعلى الموصلي: حدثنا الأخنس -أحمد بن عمران- حدثنا محمد بن فضيل، حدثنا أبو مالك الأشجعي، عن ربعي بن حراش، عن حذيفة، قال: قال رسول اللَّه، ﷺ : "أتي اللَّه بعبد من عبيده يوم القيامة، قال: ماذا عملت لي في الدنيا؟ فقال: ما عملت لك يا رب مثقال ذرّة في الدنيا أرجوك بها -قالها ثلاث مرات- قال العبد عند آخرها: يا رب؛ إنك كنت أعطيتني فضل مال، وكنت رجلًا أبايع الناس، وكان من خلقي الجواز؛ فكنت أيسر على الموسر وأنظر المعسر، قال: فيقول اللَّه : أنا أحق من ييسر، ادخل الجنة! ". وقد أخرجه البخاري ومسلم وابن ماجة من طرق (١٧٠٦)، عن ربعي [بن حراشي] [¬٥]، عن حذيفة. زاد مسلم: وعقبة بن عامر، وأبي مسعود البدري، عن النبي ﷺ بنحوه. ولفظ البخاري: [حدثنا هشام بن عمار، حدثنا يحيى بن حمزة، حدثنا الزهري، عن عبد اللَّه بن عبد اللَّه أنه سمع أبا هريرة ﵁، عن النبي، ﷺ ، قال "كان تاجر يداين الناس، فإذا رأى معسرًا قال لفتيانه: تجاوزوا عنه لعل اللَّه أن يتجاوز عنا فتجاوز اللَّه عنه"] [¬٦]. (حديث آخر) عن سهل بن حنيف، قال الحاكم في مستدركه (١٧٠٧): حدثنا أبو عبد اللَّه

стр. 1127

محمد بين يعقوب، حدثنا يحيى بن محمد بن يحيى، حدثنا أبو الوليد هشام بن عبد الملك، حدثنا عمرو بن ثابت، حدثنا عبد اللَّه بن محمد بن عقيل، عن عبد اللَّه بن سهل بن حنيف، أن سهلًا حدثه؛ أن رسول اللَّه، ﷺ قال: "من أعان مجاهدًا في سبيل اللَّه أو غازيًا أو غارمًا في عسرته أو مكاتبًا في رقبته، أظله اللَّه في ظله يوم لا ظل إلا ظله". ثم قال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه. (حديث آخر) عن عبد اللَّه بن عمر [¬١]، قال الإمام أحمد (١٧٠٨): حدثنا محمد بن عبيد، عن يوسف بن صهيب، عن زيد العمي، عن ابن عمر، قال: قال رسول اللَّه، ﷺ : "من أراد أن تستجاب دعوته وأن تكشف كربته فليفرج عن معسر". انفرد به أحمد. (حديث آخر) عن أبي مسعود عقبة [¬٢] بن عمرو، قال الإمام أحمد (١٧٠٩): حدثنا يزيد بن هارون، أخبرنا أبو مالك، عن ربعي بن حراش [¬٣]، عن حذيفة: أن رجلًا أتي به اللَّه فقال: "ماذا عملت في الدنيا؟ فقال له الرجل: ما عملت مثقال ذرّة من خير [أرجوك بها] [¬٤]. فقال له ثلاثًا، وقال في الثالثة: [أي رب] [¬٥]؛ كنت أعطيتني فضلًا من المال في الدنيا، فكنت أبايع الناس، فكنت أيسر [¬٦] على الموسر وأنظر المعسر. فقال ﵎: نحن أولى بذلك منك، تجاوزوا عن عبدي، فغفر له". قال أبو [¬٧] مسعود: هكذا سمعت من النبي ﷺ . وهكذا رواه مسلم من حديث أبي مالك سعد بن طارق به. (حديث آخر) عن عمران بن حصين، قال الإمام أحمد (١٧١٠): حدثنا أسود بن عامر، أخبرنا أبو بكر، عن الأعمش، عن أبي داود، عن عمران بن حصين، قال: قال رسول اللَّه، ﷺ : "من كان له على رجل حق فأخره [¬٨] كان له بكل يوم صدقة".

стр. 1128

غريب من هذا الوجه. وقد تقدّم عن بريدة نحوه. (حديث آخر) عن أبي اليسر كعب بن عمرو، قال الإِمام أحمد (١٧١١): حدثنا معاوية بن عمرو، حدثنا زائدة، عن عبد الملك بن عمير، عن ربعي، قال: حدثني أبو اليسر، أن رسول الله ﷺ قال: "من أنظر معسرًا أو وضع عنه أظله الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله". وقد أخرجه مسلم في صحيحه (١٧١٢) من وجه آخر من حديث عبادة بن الوليد بن عبادة بن الصامت؛ قال: خرجت أنا وأبي نطلب العلم في هذا الحي من الأنصار قبل أن يهلكوا، فكان أول من لقينا أبا اليسر صاحب رسول الله ﷺ ، ومعه غلام له معه ضمامة (*) من صحف، وعلى أبي اليسر بردة ومعافري [¬١] (**) وعلى غلامه بردة ومعافري، فقال له أبي: يا عم؟ إني أرى في وجهك سفعة من غضب. قال: أجل، كان لي على فلان بن فلان الحرامي [¬٢] مال، فأتيت أهله فسلمت فقلت: أثم هو؟ قالوا: لا. فخرج عليَّ ابنٌ له جفر (* * *). فقلت: أين أبوك؟ فقال: سمع صوتك فدخل أريكة أمي. فقلت: اخرج إليَّ فقد علمت أين أنت. فخرج، فقلت: ما حملك علي أن اختبأت مني؟ قال: أنا والله أحدثك ثم لا أكذبك، خشيت والله أن أحدثك فأكذبك أو [¬٣] أعدك فأخلفك، وكنت صاحب رسول الله ﷺ ، وكنت والله معسرًا. قال: قلت: الله؟

стр. 1129

قال: الله. قلت: الله؟ قال: الله. قلت: الله؟ قال: الله. ثم [¬١] قال: فأتى بصحيفته [¬٢] فمحاها بيده، ثم قال: فإن وجدت قصاء فاقضني وإلا فأنت في حل، فأشهد بصر عيني هاتين -ووضع أصبعيه على عينيه- وسمع أذُنَيَّ هاتين ووعاه قلبي-وأشار إلي مناط قلبه- رسول الله ﷺ وهو يقول: "من أنظر معسرًا أو وضع عنه أظله الله في ظله … ". وذكر تمام الحديث. (حديث آخر) عن أمير المؤمنين عثمان بن عفان، قال عبد الله بن الإِمام أحمد (١٧١٣): حدثني أبو يحيى البزاز محمد بن عبد الرحيم، حدثنا الحسن بن بشر بن سلم [¬٣] الكوفي، حدثنا العباس بن الفضل الأنصاري، عن هشام بن زياد القرشي، عن أبيه، عن محجن مولى عثمان، عن عثمان، قال: سمعت رسول الله، ﷺ ، يقول: "أظل الله عينًا في ظله يوم لا ظل إلا ظله من [¬٤] أنظر معسرًا أو ترك لغارم". (حديث آخر) عن ابن عباس، قال الإمام أحمد (١٧١٤): حدثنا عبد الله بن يزيد، حدثنا نوح بن جعونة السلمي الخراساني [¬٥]، عن مقَاتل بن حيان، عن عطاء، عن ابن عباس؛ قال: خرج رسول الله، ﷺ ، إلي المسجد وهو يقول بيده هكذا. وأومأ أبو عبد الرحمن بيده إلي الأرض: "من أنظر معسرًا أو وضع عنه وقاه الله من فيح جهنم، ألا إن عمل الجنة حزن بربوة -ثلاثًا- ألا إن عمل النار سهل بسَهْوة [¬٦]، والسعيد من وُقي الفتن، وما من جرعة أحب إلى الله من جرعة غيظ يكظمها عبد ما كظمها عبد لله إلا ملأ الله جوفه إيمانًا". تفرّد به أحمد. (طريق آخر) قال الطبراني (١٧١٥): حدَّثنا أحمد بن محمد البوراني قاضي الحَدِيثَة من ديار ربيعة، حدَّثنا الحسين [¬٧] بن علي الصدائي، حدَّثنا الحكم بن الجارود، حدثنا ابن أبي المتئد، خال ابن عيينة، عن أبيه، عن عطاء، عن ابن عباس، قال: قال رسول الله ﷺ : "من أنظر معسرًا إلى ميسرته أنظره الله بذنبه إلى توبته".

стр. 1130

ثم قال تعالى يعظ عباده ويذكرهم زوال الدنيا وفناء ما فيها من الأموال وغيرها، وإتيان الآخرة والرجوع إليه تعالى، ومحاسبته تعالى خلقه علي ما عملوا، ومجازاته إياهم بما كسبوا من خير وشر، ويحذرهم عقوبته، فقال: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ وقد روي أن هذه الآية آخر آية نزلت من القرآن العظيم. فقال ابن لهيعة: حدثني عطاء بن دينار، عن سعيد بن جبير، قال: آخر ما نزل من القرآن كله ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾. وعاش النبي ﷺ بعد نزول هذه الآية تسع ليال، ثم مات يوم الإثنين لليلتين خلتا من ربيع الأول. رواه ابن أبي حاتم. وقد رواه ابن مردويه من حديث المسعودي، عن حبيب بن أبي ثابت، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس؛ قال: آخر آية نزلت ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ﴾. وقد رواه النسائي (١٧١٦) من حديث يزيد النحوي، عن عكرمة، عن عبد الله بن عباس، قال: آخر شيء نزل من القرآن ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾. وكذا رواه الضحاك، والعوفي عن ابن عباس [وروى الثوري، عن الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس] [¬١]، قال: آخر آية نزلت ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ﴾ فكان بين نزولها وموت النبي ﷺ واحد وثلاثون يومًا. وقال ابن جريج: قال ابن عباس: آخر آية نزلت ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ﴾. الآية. قال ابن جريج: يقولون: إن النبي ﷺ عاش بعدها تسع ليال، وبدئ يوم السبت، ومات يوم الإثنين. رواه ابن جرير، ورواه عطية [¬٢]، عن أبي سعيد، قال: آخر آية نزلت ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَينٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُبْ بَينَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ

стр. 1131

فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيئًا فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَينِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَينِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا وَلَا تَسْأَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إِلَى أَجَلِهِ ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَى أَلَّا تَرْتَابُوا إلا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَينَكُمْ فَلَيسَ عَلَيكُمْ جُنَاحٌ أَلَّا تَكْتُبُوهَا وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيءٍ عَلِيمٌ (٢٨٢)﴾ هذه الآية الكريمة [أطول آية في القرآن العظيم] [¬١] وقد قال الإِمام أبو جعفر بن جرير (١٧١٧): حدثنا يونس، أخبرنا ابن وهب، أخبرني يونس، عن ابن شهاب، قال: حدثني سعيد بن المسيب، أنه بلغه أن أحدث القرآن بالعرش آية الدين. وقال الإمام أحمد (١٧١٨): حدثنا عفان، حدثنا حماد بن سلمة، عن علي بن زيد، عن يوسف بن مهران، عن ابن عباس، أنه قال: لما نزلت آية الدين قال رسول الله ﷺ : "إن أول من جحد آدم ﵇ أن الله لما خلق آدم مسح ظهره، فأخرج منه ما هو ذارئ [¬٢] إلى يوم القيامة، فجعل يعرض ذريته عليه، فرأى فيهم رجلًا يزهر [¬٣] (*)،

стр. 1132

فقال: أي رب، من هذا؟ قال: هو ابنك داود. قال: أي رب، كم عمره؟ قال: ستون عامًا. قال: رب، زد في عمره. قال: لا إلا أن أزيده من عمرك. وكان عمر آدم ألف سنة، فزاده أربعين عامًا، فكتب عليه بذلك كتابًا، وأشهد عليه الملائكة، فلما احتضر آدم وأتته الملائكة قال: إنه قد بقي من عمري أربعون عامًا. فقيل له: إنك قد وهبتها لابنك داود، قال: ما فعلت. فأبرز الله عليه الكتاب وأشهد عليه الملائكة". وحدثنا أسود بن عامر، عن حماد بن سلمة، فذكره، وزاد فيه: "فأتمها الله لداود مائة وأتمها [¬١] لآدم ألف سنة". وكذا رواه ابن أبي حاتم، عن يوسف بن [أبي حبيب] [¬٢]، عن أبي داود الطيالسي، عن حماد بن سلمة. هذا حديث غريب جدًّا، وعلي بن زيد بن جدعان في أحاديثه نكارة، وقد رواه الحاكم في مستدركه (١٧١٩)، بنحوه من حديث الحارث بن عبد الرحمن بن أبي ذباب [¬٣]، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة، ومن رواية داود بن أبي هند، عن الشعبي، عن أبي هريرة. ومن طريق محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة. ومن حديث هشام [¬٤] بن سعد، عن زيد بن أسلم، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ ، فذكره بنحوه. فقوله ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَينٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ هذا إرشاد منه تعالى لعباده المؤمنين إذا تعاملوا بمعاملات مؤجلة أن يكتبوها؛ ليكون ذلك أحفظ لمقدارها وميقاتها، وأضبط للشاهد فيها. وقد نبه [على هذا في آخر الآية] حيث قال: ﴿ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَى أَلَّا تَرْتَابُوا﴾. وقال سفيان الثوري، عن ابن أبي نَجِيح، عن مجاهد، عن ابن عباس في قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَينٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ قال: أنزلت في السلم إلي أجل معلوم. وقال قتادة، عن أبي حسّان الأعرج، عن ابن عباس، قال: أشهد أن السلف المضمون إلى أجل مسمى أن الله أحله وأذن فيه، ثم قرأ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَينٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾. رواه البخاري.

стр. 1133

وثبت في الصحيحين (١٧٢٠) من رواية سفيان بن عيينة، عن ابن أبي نَجِيح، عن عبد الله بن كثير، عن أبي المنهال، عن ابن عباس، قال: قدم النبي ﷺ المدينة وهم يسلفون في الثمار [السنة و] [¬١] السنتين والثلاث، فقال رسول الله ﷺ : "من أسلف فليسلف في كيل معلوم، ووزن معلوم إلى أجل معلوم". وقوله: ﴿فَاكْتُبُوهُ﴾ أمر منه تعالى بالكتابة للتوثقة والحفظ، فإن قيل فقد ثبت في الصحيحين عن عبد الله بن عمر، قال: قال رسول الله ﷺ : "إنَّا أمة أمة لا نكتب ولا نحسب" (١٧٢١). فما الجمع بينه وبين الأمر بالكتابة؟ فالجواب: أن الدين من حيث هو غير مفتقر إلى كتابة أصلًا، لأن كتاب الله قد سهل الله ويسر حفظَهُ علي الناس، والسنن أيضًا محفوظة عن رسول الله ﷺ ، والذي أمر الله بكتابته إنما هو أشياء جزئية تقع بين الناس، فأمروا أمر إرشاد لا أمر إيجاب، كما ذهب إليه بعضهم. قال ابن جريج: من ادان فليكتب ومن ابتاع فليُشْهِد. وقال قتادة: ذكر لنا أن أبا سليمان المرعشي كان رجلًا صَحِبَ كعبًا، فقال ذات يوم لأصحابه: هل تعلمون مظلومًا دعا ربه فلم يستجب له؟ فقالوا: وكيف يكون ذلك؟ قال: رجل باع بيعًا إلى أجل فلم يشهد ولم يكتب، فلما حل ماله جحده صاحبه، فدعا ربه فلم يستجب له، لأنه قد [¬٢] عصى ربه. وقال أبو سعيد والشعبي، والربيع بن أنس، والحسن، وابن جريج، وابن زيد وغيرهم: كان ذلك واجبًا ثم نسخ بقوله: ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ﴾ والدليل على ذلك أيضًا الحديث الذي حكي عن شرع من قبلنا مقررًا في شرعنا، ولم ينكر عدم الكتابة والإِشهاد. قال الإِمام أحمد (١٧٢٢): حدثنا يونس بن محمد، حدثنا ليث، عن جعفر بن ربيعة، عن عبد الرحمن بن هرمز، عن أبي هريرة، عن رسول الله ﷺ أنه ذكر أن رجلًا من بني إسرائيل سأل بعض بني إسرائيل أن يسلفه ألف دينار، فقال: ائتني بشهداء

стр. 1134

أشهدهم. قال: كفى بالله شهيدًا. قال: ائتني بكفيل. قال: كفى بالله كفيلًا قال: صدقت! فدفعها إليه إلى أجل مسمى، فخرج في البحر فقضى حاجته، ثم التمس مركبًا يقدم عليه للأجل الذي أجله فلم يجد مركبًا، فأخذ خشبة فنقرها، فأدخل فيها ألف دينار وصحيفة معها إلى صاحبها ثم زجج موضعها، ثم أتى بها البحر ثم قال: اللَّهم، إنك قد علمت أني استسلفت فلانًا ألف دينار فسألني كفيلًا، فقلت: كفى بالله كفيلًا. فرضي بذلك. وسألني شهيدًا فقلت: كفى بالله شهيدًا. فرضي بذلك، وإني قد جهدت أن أجد مركبًا أبعث بها إليه بالذي أعطاني فلم أجد مركبًا وإني أستودعكها [¬١]، فرمى بها في البحر حتى ولجت فيه، ثم انصرف وهو في ذلك يطلب مركبًا إلى بلده، فخرج الرجل الذي كان أسلفه ينظر لعل مركبًا تجيئه بماله، فإذا بالخشبة التي فيها المال فأخذها لأهله حطبًا، فلما كسرها وجد المال والصحيفة، ثم قدم الرجل الذي كان تسلف منه فأتاه بألف دينار، وقال: والله ما زلت جاهدًا في طلب مركب لآتيك بمالك، فما وجدت مركبًا قبل الذي أتيت فيه. قال هل كنت بعثت إليَّ بشيء؟ قال: ألم أخبرك أني لم أجد مركبًا قبل هذا الذي جئت فيه؟ قال: فإن الله قد أدى عنك الذي بعثت به في الخشبة، فانصرف بألفك راشدًا. وهذا إسناد صحيح، وقد رواه البخاري في سبعة مواضع من طرق صحيحه معلقًا بصيغة الجزم (١٧٢٣)، فقال: وقال الليث بن سعد … فذكره. ويقال: إنه رواه في بعضها عن عبد الله بن صالح كاتب الليث عنه. وقوله تعالى: ﴿وَلْيَكْتُبْ بَينَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ﴾ أي: بالقسط والحق، ولا يجر في كتابته على أحد، ولا يكتب إلا ما اتفقوا عليه من غير زيادة ولا نقصان. وقوله: ﴿وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ فَلْيَكْتُبْ﴾ أي: ولا يمتنع من يعرف الكتابة إذا سئل أن يكتب للناس، ولا ضرورة عليه في ذلك، فكما علمه الله ما لم يكن يعلم فليتصدق على غيره ممن لا يحسن الكتابة، وليكتب كما جاء في الحديث: "إن من الصدقة أن تعين صانعًا أو تصنع لأخرق" (١٧٢٤). وفي الحديث الآخر: "من كتم علمًا يعلمه ألجم يوم القيامة بلجام من نار" (١٧٢٥).

стр. 1135

وقال مجاهد، وعطاء: واجب على الكاتب أن يكتب. وقوله: ﴿وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ﴾ أي: وليملل المدين على الكاتب ما في ذمته من الدين، وليتق الله في ذلك. ﴿وَلَا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيئًا﴾ أي: لا يكتم منه شيئًا. ﴿فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيهِ الْحَقُّ سَفِيهًا﴾ محجورًا عليه بتبذير ونحوه ﴿أَوْ ضَعِيفًا﴾ أي: صغيرًا أو مجنونًا ﴿أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ﴾ إما لعي، أو جهل بموضع صواب ذلك [من خطئه] [¬١] ﴿فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ﴾. وقوله: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَينِ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ أمرٌ بالإِشهاد مع الكتابة لزيادة التوثقة ﴿فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَينِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ﴾ وهذا إنما يكون في الأموال وما يقصد به المال، وإنما أقيمت المرأتان مقام الرجل لنقصان عقل المرأة، كما قال مسلم في صحيحه (١٧٢٦): حدثنا قتيبة، حدثنا إسماعيل بن جعفر، عن عمرو بن أبي عمرو، عن المقبري، عن أبي هريرة، عن النبي، ﷺ ، أنه قال: "يا معشر النساء؛ تصدقن وأكثرن الاستغفار، فإني رأيتكن أكثر أهل النار". فقالت امرأة منهن جزلة: ومالنا يا رسول الله أكثر أهل النار؟ قال: "تكثرن اللعن وتكفرن العشير، ما رأيت من ناقصات عقل ودين أغلب لذي لب منكن". قالت [¬٢]: يا رسول الله، ما نقصان العقل والدين؟ قال: "أما نقصان عقلها فشهادة امرأتين تعدل شهادة رجل، فهذا نقصان العقل، وتمكث الليالي لا تصلي، وتفطر في رمضان فهذا نقصان الدين". وقوله: ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ فيه دلالة علي اشتراط العدالة في الشهود، وهذا مقيد حكم به الشافعي على كل مطلق في القرآن من الأمر بالإشهاد من غير اشتراط. وقد استدل من رد المستور بهذه الآية الدالة [¬٣] علي أن يكون الشاهد عدَلًا مرضيًّا. وقوله: ﴿أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا﴾ يعني المرأتين إذا نسيت الشهادة ﴿فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى﴾ أي: يحصل لها ذكر [¬٤] بما وقع به من [¬٥] الإِشهاد. ولهذا [¬٦] قرأ آخرون (فتذّكر) بالتشديد من التذكار. ومن قال: إن شهادتها معها تجعلها كشهادة ذكر. فقد أبعد و الصحيح الأول، والله أعلم.

стр. 1136

وقوله: ﴿وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا﴾ قيل: معناه إذا دعوا للتحمل فعليهم الإِجابة. وهو قول قتادة والربيع بن أنس. وهذا كقوله: ﴿وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ فَلْيَكْتُبْ﴾ ومن هاهنا استفيد أن تحمل الشهادة فرض كفاية وقيل -وهو مذهب الجمهور-: المراد بقوله: ﴿وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا﴾ للأداء، لحقيقة [¬١] قوله الشهداء والشاهد حقيقة فيمن تحمل فإذا دعي لأدائها فعليه الإجابة إذا تعينت، وإلا فهو فرض كفاية، والله أعلم. وقال مجاهد وأبو مجلز وغير واحد: إذا دعيت لتشهد فأنت بالخيار، وإذا شهدت فدعيت فأجب. وقد ثبت في صحيح مسلم (١٧٢٧)، والسنن من طريق مالك، عن عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، عن أبيه عن عبد الله بن عمرو بن عثمان، عن عبد الرحمن بن أبي عمرة، عن زيد بن خالد، أن رسول الله ﷺ قال: "ألا أخبركم بخير الشهداء؟ الذي يأتي بشهادته قبل أن يُسألها". فأما الحديث الآخر في الصحيحين (١٧٢٨): " ألا أخبركم بشر الشهداء؟ الذين يشهدون قبل أن يستشهدوا [¬٢] ". وكذا قوله: "ثم يأتي قوم تسبق أيمانهم شهادتهم، وتسبق شهادتهم أيمانهم". وفي رواية: "ثم يأتي قوم يشهدون ولا يستشهدون". فهؤلاء شهود الزور. وقد روي عن ابن عباس والحسن البصىري أنها تعم الحالين: التحمل، والأداء. وقوله: ﴿وَلَا تَسْأَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إِلَى أَجَلِهِ﴾ هذا من تمام الإِرشاد، وهو الأمر بكتابة الحق صغيرًا كان أو كبيرًا، فقال: ولا تسأموا. أي: لا تملوا أن تكتبوا الحق علي أي حال كان من القلة والكثرة إلى أجله. وقوله: ﴿ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَى أَلَّا تَرْتَابُوا﴾ أي: هذا الذي أمرناكم به من الكتابة للحق إذا كان مؤجلًا هو أقسط عند الله أي: أعدل. وأقوم للشهادة، أي: أثبت للشاهد إذا وضع خطه ثم رآه تذكر به الشهادة، لاحتمال أنه لو لم

стр. 1137

يكتبه أن ينساه، كما هو الواقع غالبًا ﴿وَأَدْنَى أَلَّا تَرْتَابُوا﴾ وأقرب إلي عدم الريبة، بل ترجعون [¬١] عند التنازع إلي الكتاب الذي كتبتموه فيفصل بينكم بلا ريبة. وقوله: ﴿إلا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَينَكُمْ فَلَيسَ عَلَيكُمْ جُنَاحٌ أَلَّا تَكْتُبُوهَا﴾ أي: إذا كان البيع بالحاضر يدًا بيد فلا بأس بعدم الكتابة؛ لانتفاء المحذور في تركها. فأما الإِشهاد على البيع فقد قال تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾ قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زرعة، حدثني يحيى بن عبد الله بن بكير، حدثني ابن لهيعة، حدّثني عطاء بن دينار، عن سعيد بن جبير، في قول الله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾ يعني: أشهدوا على حقكم إذا كان فيه أجل، أو لم يكن [فيه أجل] [¬٢]، فأشهدوا على حقكم على كل حال. قال: وروي عن جابر بن زيد، ومجاهد، وعطاء، والضحاك نحو ذلك. وقال الشعبي، والحسن: هذا الأمر منسوخ بقوله: ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ﴾. وهذا الأمر محمول عند الجمهور علي الإِرشاد والندب لا على الوجوب، والدليل علي ذلك حديث خزيمة بن ثابت الأنصاري، وقد رواه الإمام أحمد (١٧٢٩): حدَّثنا أبو اليمان، حدَّثنا شعيب عن الزهري، حدّثني عمارة بن خزيمة الأنصاري، أن عمه حدثه -وهو من أصحاب النبي- ﷺ أن النبي ﷺ ابتاع فرسًا من أعرابي فاستتبعه النبي ﷺ ليقضيه ثمن فرسه، فأسرع النبي ﷺ وأبطأ الأعرابي فطفق رجال يعترضون الأعرابي فيساومونه بالفرس، ولا يشعرون أن النبي ﷺ ابتاعه حتى زاد بعضهم الأعرابي في السوم على ثمن الفرس الذي ابتاعه النبي ﷺ فنادى الأعرابي النبي ﷺ فقال: إن كنت مبتاعًا هذا الفرس فابتعه وإلا بعته. فقام النبي ﷺ حين سمع نداء الأعرابي، قال: "أو ليس قد ابعته منك؟ " قال الأعرابي: لا والله ما بعتك. فقال النبي ﷺ : "بل قد ابتعته منك". فطفق الناس يلوذون بالنبي ﷺ والأعرابي وهما يتراجعان، فطفق الأعرابي يقول: هلم شهيدًا يشهد أني بايعتك. فمن جاء من المسلمين قال للأعرابي: ويلك! إن النبي ﷺ لم يكن يقول إلا حقًّا. حتى جاء خزيمة

стр. 1138

فاستمع لمراجعة النبي ﷺ ومراجعة الأعرابي يقول: هلم شهيدًا يشهد أني بايعتك. قال خزيمة: أنا أشهد أنك [¬١] قد بايعته. فأقبل النبي ﷺ على خزيمة فقال: "بمَ تشهد؟ " فقال: بتصديقك يا رسول الله. فجعل رسول الله ﷺ شهادة خزيمة بشهادة رجلين. وهكذا رواه أبو داود من حديث شعيب، والنسائي من رواية محمد بن الوليد الزبيدي، كلاهما عن الزهري به نحوه. ولكن الاحتياط هو الإِشهاد، لما رواه الإِمامان: الحافظ أبو بكر بن مردويه، والحاكم في مستدركه (١٧٣٠)، من رواية معاذ بن معاذ العنبري، عن شعبة، عن فراس، عن الشعبي، عن أبي بردة، عن أبي موسى، عن النبي، ﵌، قال: "ثلاثة يدعون الله فلا يستجاب لهم: رجل له امرأة سيئة الخلق فلم يطلقها، ورجل دفع مال يتيم قبل أن يبلغ، ورجل أقرض رجلًا مالًا فلم يُشْهِدْ". ثم قال الحاكم: صحيح الإِسناد على شرط الشيخين. قال: ولم يخرجاه لتوقيف أصحاب شعبة هذا الحديث على أبي موسى، وإنما أجمعوا على سند حديث شعبة بهذا الإِسناد: "ثلاثة يؤتون أجرهم مرتين". وقوله تعالى: ﴿وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ﴾ قيل: معناه لا يضار الكاتب ولا الشاهد فيكتب هذا خلاف ما يملى، ويشهد هذا بخلاف مما سمع أو يكتمها بالكلية. وهو قول الحسن وقتادة وغيرهما. وقيل: معناه لا يضر بهما، كما قال ابن أبي حاتم: حدثنا أسيد بن عاصم، حدَّثنا الحسين -يعني ابن حفص- حدثنا سفيان، عن يزيد بن أبي زياد، عن مقسم، عن ابن عباس، في هذه الآية: ﴿وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ﴾ قال: يأتي الرجل فيدعوهما إلى الكتاب والشهادة، فيقولان: إنا على حاجة. فيقول: إنكما قد أمرتما أن تجيبا. فليس له أن يضارهما. ثم قال: وروي عن عكرمة، ومجاهد، وطاوس، وسعيد بن جبير، والضحاك، وعطية، ومقاتل بن حيان، والربيع بن أنس، والسدي نحو ذلك. وقوله: ﴿وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ﴾ أي: إن خالفتم ما أمرتم به أو فعلتم ما نهيتم عنه فإنه فسق كائن بكم، أي: لازم لكم لا تحيدون عنه ولا تنفكون عنه [¬٢].

стр. 1139

وقوله: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ أي: خافوه وراقبوه، واتبعوا أمره واتركوا زجره. ﴿وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ﴾ كقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا﴾ كقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَينِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ﴾. وقوله: ﴿وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيءٍ عَلِيمٌ﴾ أي: هو عالم بحقائق الأمور، ومصالحها، وعواقبها، فلا يخفى عليه شيء من الأشياء، بل علمه محيط بجميع الكائنات. * ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ (٢٨٣)﴾ يقول تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ﴾ أي: مسافرين، وتداينتم إلى أجل مسمى ﴿وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا﴾ يكتب لكم. قال ابن عباس: أو وجدوه ولم يجدوا [¬١] قرطاسًا، أو دواة، أو قلمًا ﴿فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ أي: فليكن بدل الكتابة رهان مقبوضة، أي [¬٢]: في يد صاحب الحق. وقد استدل بقوله: ﴿فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ على أن الرهن لا يلزم إلا بالقبض كما هو مذهب الشافعي، والجمهور. واستدل بها آخرون على أنه لابدّ أن [¬٣] يكون الرهن مقبوضًا في يد المرتهن، وهو رواية عن الإِمام أحمد، وذهب إليه طائفة. واستدل آخرون من السلف بهذه الآية على أنه لا يكون الرهن مشروعًا إلا في السفر، قاله مجاهد وغيره. وقد ثبت في الصحيحين عن أنس (١٧٣١)، أن رسول الله ﷺ تُوفِّي ودرعه مرهونة عند يهودي على ثلاثين وسقًا من شعير رهنها قوتًا لأهله. وفي رواية: من يهود المدينة (١٧٣٢). وفي رواية الشافعي: عند أبي الشحم اليهودي (١٧٣٣). وتقرير هذه المسائل في كتاب الأحكام الكبير، ولله الحمد والمنة، وبه المستعان.

стр. 1140

وقوله: ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ﴾ روى ابن أبي حاتم بإسناد جيد عن أبي سعيد الخدري، أنه قال: هذه نَسَخَتْ ما قبلها. وقال الشعبي: إذا ائتمن بعضكم بعضًا فلا بأس أن لا تكتبوا أو لا تشهدوا. وقوله: ﴿وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ﴾ يعني: المؤتمن، كما جاء في الحديث الذي رواه الإِمام أحمد (١٧٣٤) وأهل السنن من رواية قتادة، عن الحسن، عن سمرة، أن رسول الله ﷺ قال: "على اليد ما أخذت حتى تؤدّيه". وقوله: ﴿وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ﴾ أي: لا تخفوها وتغلوها ولا تظهروها. قال ابن عباس وغيره: شهادة الزور من أكبر الكبائر، وكتمانها كذلك. ولهذا قال: ﴿وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾ قال السدي: يعني فاجر قلبه. وهذه كقوله تعالى: ﴿وَلَا نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللَّهِ إِنَّا إِذًا لَمِنَ الْآثِمِينَ﴾ وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَو الْوَالِدَينِ وَالْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ وهكذا قال هاهنا: ﴿وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾. لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ (٢٨٤)﴾ يخبر تعالى أن له ملك السموات والأرض؛ وما فيهن وما بينهن، وأنه المطلع على ما فيهن، لا تخفى عليه الظواهر، ولا السرائر، والضمائر، وإن دقت وخفيت، وأخبر أنه سيحاسب عباده على ما فعلوه وما أخفوه في صدورهم، كما قال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَيَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ﴾ وقال: ﴿يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى﴾ والآيات في هذا [¬١] كثيرة جدًّا، وقد أخبر في هذه

стр. 1141

بمزيد على العلم وهو المحاسبة على ذلك؛ ولهذا لما نزلت هذه الآية اشتد ذلك على الصحابة ﵃ وخافوا منها ومن محاسبة الله لهم على جليل الأعمال وحقيرها، وهذا من شدة إيمانهم وإيقانهم. قال الإِمام أحمد (١٧٣٥): حدثنا عفان، حدثنا عبد الرحمن بن إبراهيم، حدثني أبو عبد الرحمن -يعني العلاء- عن أبيه، عن أبي هريرة، قال: لما نزلت على رسول الله، ﷺ ﴿لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ﴾ اشتد ذلك على أصحاب رسول الله، ﷺ ، فأتوا رسول الله ﷺ ثم جثوا على الركب، وقالوا: يا رسول الله؛ كلفنا من الأعمال ما نطيق الصلاة، والصيام، والجهاد، والصدقة، وقد أنزلت [¬١] عليك هذه الآية ولا نطيقها فقال رسول الله ﷺ : "أتريدون أن تقولوا كما قال أهل الكتابين من قبلكم: سمعنا وعصينا؟ بل قولوا: سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير" فلما [أقرّ بها] [¬٢] القوم وذلت بها ألسنتهم أنزل الله في إثرها ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَينَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيكَ الْمَصِيرُ﴾. فلما فعلوا ذلك نسخها الله فأنزل الله [¬٣]: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ إلى آخره [¬٤]. ورواه مسلم [] [¬٥] متفردًا [¬٦] به (١٧٣٦) من حديث يزيد بن زريع، عن روح بن القاسم، عن العلاء، عن أبيه، عن أبي هريرة فذكر مثله، ولفظه: فلما [¬٧] فعلوا ذلك [¬٨] نسخها الله فأنزل ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ قال: نعم ﴿رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَينَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا﴾ قال: نعم ﴿رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ﴾ قال: نعم ﴿وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ قال: نعم.

стр. 1142

(حديث ابن عباس في ذلك) قال الإِمام أحمد (١٧٣٧): حدثنا وكيع، حدثنا سفيان عن آدم بن سليمان سمعت سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: لما نزلت هذه الآية ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾ قال دخل قلوبهم منها شيء لم يدخل قلوبهم من شيء قال: فقال رسول الله ﷺ : "قولوا سمعنا وأطعنا وسلمنا" فألقى الله الإيمان في قلوبهم، فأنزل الله ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَينَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيكَ الْمَصِيرُ (٢٨٥) لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾ إلى قوله ﴿فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾. وهكذا رواه مسلم عن أبي بكر بن أبي شيبة وأبي كريب وإسحاق بن إبراهيم ثلاثتهم عن وكيع به وزاد: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ قال: قد فعلت ﴿رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَينَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا﴾ قال: قد فعلت ﴿رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ﴾ قال: قد فعلت ﴿وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ قال: قد فعلت. (طريق أخرى) عن ابن عباس قال الإِمام أحمد (١٧٣٨): حدثنا عبد الرزاق حدثنا معمر عن حميد الأعرج عن مجاهد؛ قال: دخلت على ابن عباس، ففلت: يا أبا عباس؛ كنت عند ابن عمر فقرأ هذه الآية فبكى، قال: أيَّة آية؟ قلت: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ﴾ قال ابن عباس: إن هذه الآية حين [¬١] أنزلت غمت أصحاب رسول الله ﷺ غمًّا شديدًا، وغاظتهم غيظًا شديدًا، يعني وقالوا: يا رسول الله هلكنا! إنا كنا نؤاخذ بما تكلمنا وبما نعمل، فأما قلوبنا فليست بأيدينا، فقال لهم رسول الله ﷺ : "قولوا: سمعنا وأطعنا" فقالوا [¬٢]: سمعنا وأطعنا، قال فنسختها هذه الآية ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ﴾ إلى ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾ فتجوز لهم عن حديث النفس وأخذوا بالأعمال. (طريق أخرى) عنه قال ابن جرير (١٧٣٩): حدثني يونس، أخبرنا ابن وهب، أخبرني يونس بن يزيد، عن ابن شهاب، عن سعيد بن مرجانة، سمعه يحدث أنه بينما هو جالس مع عبد الله

стр. 1143

ابن عمر تلا هذه الآية ﴿لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ [يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ] [¬١]﴾. الآية. فقال والله لئن واخذنا [¬٢] الله بهذا لنهلكن، ثم بكى ابن عمر حتى سمع [¬٣] نشيجه. قال ابن مرجانة: فقمت حتى أتيت ابن عباس، فذكرت له ما قال ابن عمر، وما فعل حين تلاها، فقال عبد الله بن عباس: يغفر الله لأبي عبد الرحمن؛ لعمري لقد وجد المسلمون منها حين أنزلت مثل ما وجد عبد الله ابن عمر، فأنزل الله بعدها ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلا وُسْعَهَا﴾ إلى آخر السورة. قال ابن عباس: فكانت هذه للوسوسة [¬٤] مما لا طاقة للمسلمين بها، وصار الأمر إلى أن قضى الله أن للنفس ما كسبت وعليها ما اكتسبت في القول والفعل. (طريق أخرى) قال ابن جرير (١٧٤٠): حدّثني المثنى، حدثنا إسحاق، حدثنا يزيد بن هارون، عن سفيان بن حسين، عن الزهري، عن سالم، أن أباه قرأ: ﴿وَإِنْ [¬٥] تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾ فدمعت عيناه، فبلغ صنيعه ابن عباس، فقال: يرحم الله أبا عبد الرحمن، لقد صنع كما صنع أصحاب رسول الله ﷺ حين أنزلت، فنسختها الآية التي بعدها ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلا وُسْعَهَا﴾. فهذه طرق صحيحة عن ابن عباس (*). وقد ثبت عن ابن عمر، كما ثبت عن ابن عباس. قال البخاري (١٧٤١): حدثنا إسحاق، حدثنا روح، حدثنا شعبة عن خالد الحذاء، عن مروان الأصفر، عن رجل من أصحاب النبي ﷺ أحسبه ابن عمر ﴿وَإِنْ [¬٦] تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ﴾ قال: نسختها الآية التي بعدها. وهكذا روي عن علي وابن مسعود، وكعب الأحبار والشعبي، والنخعي ومحمد بن كعب القرظي، وعكرمة [¬٧] وسعيد بن جبير وقتادة: أنها منسوخة بالتي بعدها. وقد ثبت بما رواه الجماعة في كتبهم الستة (١٧٤٢) من طريق قتادة، عن زرارة بن أوفى،

стр. 1144

عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : ["إن الله تجاوز لي عن أمتي ما حدثت به أنفسها ما لم تكلم أو تعمل". وفي الصحيحين (١٧٤٣) من حديث سفيان بن عيينة، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ ] [¬١]: "قال الله: إذا هم عبدي [¬٢] بسيئة فلا تكتبوها عليه، فإن عملها فاكتبوها سيئة، وإذا هم بحسنة فلم يعملها فاكتبوها حسنة، فإن عملها فاكتبوها عشرًا". لفظ مسلم. وهو في أفراده (١٧٤٤) من طريق إسماعيل بن جعفر، عن العلاء، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن رسول الله ﷺ قال: "قال الله: إذا هم عبدي بحسنة ولم يعملها كتبتها له حسنة، فإن عملها كتبتها له [¬٣] عشر حسنات إلى سبعمائة ضعف، وإذا هم بسيئة فلم يعملها لم أكتبها عليه، فإن عملها كتبتها سيئة واحدة". وقال عبد الرزاق: أخبرنا معمر، عن همام بن منبه [¬٤]، قال: هذا ما حدثنا أبو هريرة، عن محمد رسول الله ﷺ قال [] [¬٥]: "قال الله: إذا تحدّث عبدي بأن يعمل حسنة فأنا أكتبها له حسنة ما لم يعمل، فإذا عملها فأنا أكتبها بعشر أمثالها، وإذا تحدّث بأن يعمل سيئة فأنا أغفرها له ما لم يعملها، فإذا [¬٦] عملها فأنا أكتبها له بمثلها". وقال رسول الله ﷺ : "قالت الملائكة: رب، ذاك [¬٧] عبدك يريد أن يعمل سيئة -وهو أبصر به- فقال: ارقبوه فإن عملها فاكتبوها له بمثلها، وإن تركها فاكتبوها له حسنة، وإنما [¬٨] تركها من جراي". وقال رسول الله ﷺ (١٧٤٥): " إذا أحسن [¬٩] أحدكم إسلامه [¬١٠] فإن له

стр. 1145

بكل حسنة يعملها تكتب له [¬١] بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف، وكل سيئة تكتب بمثلها حتى يلقى الله ". تفرّد به مسلم (١٧٤٦)، عن محمد بن رافع، عن عبد الرزاق، بهذا السياق واللفظ. وبعضه في صحيح البخاري. وقال مسلم أيضًا (١٧٤٧): حدثنا أبو كريب، حدثنا أبو خالد الأحمر، عن هشام، عن ابن سيرين، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : "من همَّ بحسنةٍ فلم يعملها كتبت له حسنة، ومن هم بحسنةٍ فعملها كتبت له عشرًا [¬٢] إلى سبعمائة ضعف، ومن همَّ بسيئةٍ فلم يعملها لم تكتب، وإن عملها كتبت". تفرد به مسلم دون غيره من أصحاب الكتب. و [قال مسلم أيضًا (١٧٤٨)] [¬٣]: حدثنا شيبان بن فروخ، حدثنا عبد الوارث، عن الجعد -أبي [¬٤] عثمان- حدثنا أبو رجاء العطاردي، عن ابن عباس، عن رسول الله ﷺ فيما يروي عن ربه تعالى، قال: "إن الله كتب الحسنات والسيئات، ثم بين ذلك، فمن همَّ بحسنةٍ فلم يعملها كتبها الله له [¬٥] عنده حسنة كاملة، وإن همَّ بها فعملها كتبها الله عنده عشر حسنات إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة، وإن همَّ بسيئةٍ فلم يعملها [كتبها الله عنده حسنة كاملة] [¬٦]، فإن هم بها فعملها كتبها الله عنده [¬٧] سيئة واحدة". ثم رواه مسلم (١٧٤٩)، عن يحيى بن يحيى، عن جعفر بن سليمان، عن الجعد أبي عثمان، في هذا الإِسناد بمعنى حديث عبد الوارث [¬٨]، وزاد: "ومحاهما الله، ولا يهلك على الله إلا هالك". وفي حديث سهيل، عن أبيه، عن أبي هريرة (١٧٥٠)؛ قال: جاء ناس من أصحاب رسول

стр. 1146

الله ﷺ فسألوه، فقالوا [¬١]: إنا نجد في أنفسنا ما يتعاظم أحدنا أن يتكلم به. قال: "وقد وجدتموه؟ " قالوا: نعم. قال: "ذاك صريح الإِيمان". لفظ مسلم. وهو عند مسلم أيضًا من طريق الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، عن رسول الله ﷺ به. وروى مسلم (١٧٥١) أيضًا [¬٢] من حديث مغيرة، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله، قال: سئل رسول الله ﷺ عن الوسوسة. قال: "تلك صريح الإِيمان". وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾ فإنها لم تنسخ، ولكن الله إذا جمع الخلائق يوم القيامة يقول: إني أخبركم بما أخفيتم في أنفسكم مما لم يطلع عليه ملائكتي، فأمّا [¬٣] المؤمنون فيخبرهم ويغفر لهم ما حدثوا به أنفسهم وهو قوله: ﴿يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾ يقول يخبركم، وأمّا أهل الشك والريب فيخبرهم بما أخفوا من التكذيب، وهو قوله: ﴿فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ﴾ وهو قوله: ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ أي: من الشك والنفاق. وقد روى العوفي والضحاك عنه قريبًا من هذا. وروى ابن جرير عن مجاهد، والضحاك نحوه. وعن الحسن البصري أنه قال: هي محكمة [¬٤] لم تنسخ. واختار ابن جرير ذلك، واحتج على أنه لا يلزم من المحاسبة المعاقبة، وأنه تعالى قد يحاسب ويغفر، وقد يحاسب ويعاقب، بالحديث الذي رواه عند هذه الآية قائلًا [¬٥] (١٧٥٢): حدثنا ابن بشار، حدثنا ابن أبي عدي، عن سعيد وهشام [¬٦]، (خ) وحدثني يعقوب بن إبراهيم، حدثنا ابن [¬٧] علية، حدثنا [] [¬٨] هشام، قالا جميعًا في حديثهما [¬٩]؛ عن قتادة، عن صفوان بن محرز [¬١٠]، قال: بينا نحن نطوف بالبيت مع عبد الله بن عمر وهو يطوف إذ

стр. 1147

عرض له رجل، فقال: يا بن عمر؛ ما سمعت رسول الله ﷺ يقول في النجوى؟ قال [¬١]: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "يدنو المؤمن من ربه حتى يضع عليه كنفه فيقرره بذنوبه، فيقول له [¬٢]: هل تعرف كذا؟ فيقول: رب أعرف (*) -مرتين- حتى إذا بلغ به [¬٣] ما شاء الله أن يبلغ قال: فإني قد سترتها عليك في الدنيا، وأنا [¬٤] أغفرها لك اليوم. قال: فيعطى صحيفة حسناته -أو كتابه- بيمينه، وأما الكفار والمنافقون فينادى بهم على رءوس الأشهاد: ﴿هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾. وهذا الحديث مخرج في الصحيحين وغيرهما (١٧٥٣) من طرق متعددة عن قتادة به. وقال ابن أبي حاتم (١٧٥٤): حدَّثنا أبي، حدَّثنا سليمان بن حرب، حدَّثنا حماد بن سلمة، عن علي بن زيد، عن أمية، قالت: سألت عائشة عن هذه الآية ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾ فقالت: ما سألني عنها أحد منذ سألت رسول الله ﷺ عنها، فقال: هذه مبايعة الله العبد وما يصيبه من الحمَّى والنكبة والبضاعة يضعها في يد كمه فيفتقدها [¬٥] فيفزع لها ثم يجدها في ضِبْنِه (**) [¬٦]، حتى إن المؤمن ليخرج من ذنوبه كما يخرج التبر الأحمر [من الكبِر] [¬٧]. وكذا رواه الترمذي وابن جرير من طريق حماد بن سلمة، به (١٧٥٥). وقال الترمذي: غريب [¬٨] لا نعرفه إلا من حديثه. (قلت): وشيخه علي بن زيد بن جُدْعان ضعيف يغرب في رواياته، وهو يروي هذا الحديث عن امرأة أبيه، أم محمد أمية بنت عبد الله، عن عائشة، وليس لها عنها في الكتب سواه. ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ

стр. 1148

وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَينَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيكَ الْمَصِيرُ (٢٨٥) لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَينَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (٢٨٦)﴾ ذكر الأحاديث الواردة في فضل هاتين الآيتين الكريمتين نفعنا الله بهما! (الحديث الأوّل) قال البخاري (١٧٥٦): حدثنا محمد بن كثير، أخبربا شعبة عن سليمان، عن إبراهيم، عن عبد الرحمن، عن أبي [¬١] مسعود، عن النبي ﷺ ؛ قال: "من قرأ بالآيتين". وحدثنا أبو نعيم، حدثنا سفيان، عن منصور، عن إبراهيم، عن عبد الرحمن بن يزيد، عن أبي [¬٢] مسعود؛ قال: قال رسول الله ﷺ : "من قرأ بالآيتين- من آخر سورة البقرة في ليلة كفتاه". وقد أخرجه بقية الجماعة من طريق سليمان بن مهران الأعمش بإسناده مثله (١٧٥٧). وهو في الصحيحين (١٧٥٨) من طريق الثوري، عن منصور، عن إبراهيم، عن عبد الرحمن، عنه به.

стр. 1149

وهو في الصحيحين أيضًا (١٧٥٩) عن عبد الرحمن، عن علقمة، عن أبي [¬١] مسعود، قال عبد الرحمن: ثم لقيت أبا مسعود فحدثني به. وهكذا رواه أحمد بن حنبل (١٧٦٠): حدثنا يحيى بن آدم، حدثنا شريك، عن عاصم، عن المسيب بن رافع، عن علقمة، عن أبي [¬٢] مسعود، عن النبي ﷺ ؛ قال: "من قرأ الآيتين من آخر سورة البقرة في ليلته [¬٣] كفتاه". (الحديث الثاني) قال الإمام أحمد (١٧٦١): حدثنا حسين، حدثنا شيبان، عن منصور، عن ربعي، عن خرشة بن الحرّ، عن المعرور بن سويد، عن أبي ذرٍّ، قال: قال رسول الله ﷺ : "أعطيت خواتيم سورة البقرة من كنز تحت العرش، لم يعطهن نبي قبلي". وقد رواه ابن مردويه، من حديث الأشجعي، عن الثوري، عن منصور، عن ربعي، عن زيد بن ظبيان، عن أبي ذرٍّ؛ قال: قال رسول الله ﷺ : "أعطيت خواتيم سورة البقرة من كنز تحت العرش" (١٧٦٢). (الحديث الثالث) قال مسلم (١٧٦٣): حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا أبو أسامة، حدثنا مالك بن مغول (ح) وحدثنا ابن نمير، وزهير بن حرب، جميعًا عن عبد الله بن نمير، وألفاظهم متقاربة، قال ابن نمير: حدثنا أبي، حدثنا مالك بن مغول، عن الزبير بن عدي، عن طلحة، عن مرّة، عن عبد الله، قال: لما أسري برسول الله ﷺ انتهي به إلى سدرة المنتهى -وهي في السماء السادسة إليها ينتهي ما يعرج به من الأرض فيقبض منها، وإليها ينتهي ما يهبط [به] [¬٤]، من فوقها فيقبض منها- قال: ﴿إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى (١٦)﴾ قال: فراش من ذهب. قال: وأعطي رسول الله ﷺ ثلاثا: أعطي الصلوات الخمس، وأعطي خواتيم سورة البقرة، وغفر لمن لم يشرك بالله من أمته شيئًا المقحمات [¬٥].

стр. 1150

(الحديث الرابع) قال أحمد (١٧٦٤): حدثنا إسحاق بن إبراهيم الرازي، حدثنا سلمة بن الفضل، حدثني محمد بن إسحاق، عن يزيد بن أبي حبيب، عن [مرثد بن عبد الله اليزني] [¬١]، عن عقبة بن عامر الجهني، قال: قال لي رسول الله ﷺ : "اقرأ الآيتين من آخر سورة البقرة، فإني أعطيتهما [¬٢]، من تحت العرش" هذا إسناد حسن، ولم يخرجوه في كتبهم. (الحديث الخامس) قال ابن مردريه (١٧٦٥): حدثنا أحمد بن كامل، حدثنا إبراهيم بن إسحاق الحربي، [أخبرنا مسدد، أخبرنا] [¬٣]، أبو [¬٤] عوانة، عن أبي مالك، عن ربعي، عن حذيفة، قال: قال رسول الله ﷺ : "فضلنا على الناس بثلاث: أوتيت هؤلاء الآيات من آخر سورة البقرة من بيت كنز تحت العرش لم يعطها أحد قبلي ولا يعطاها أحد بعدي". ثم رواه من حديث نعيم بن أبي هند، عن ربعي، عن حذيفة بنحوه. (الحديث السادس) قال ابن مردويه (١٧٦٦): حدثنا عبد الباقي بن قانع، أنبأنا إسماعيل بن الفضل، أخبرنا محمد بن حاتم بن بزيع [¬٥]، أخبرنا جعفر بن عون، عن مالك بن مغول، عن أبي إسحاق، عن الحارث، عن علي؛ قال: لا أرى أحدًا عقل الإسلام ينام حتى يقرأ [آية الكرسي و] [¬٦] خواتيم سورة البقوة؛ فإنها كنز أعطه نبيكم ﷺ من تحت العرش. ورواه وكيع [في تفسيره] [¬٧]، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن عمير بن عمرو الخارقي، عن علي، قال: ما أرى أحدًا يعقل بلغه الإسلامُ ينامُ حتى يقرأ آية الكرسي وخواتيمَ سورة البقرة، فإنها من كنز تحت العرش. (الحدث السابع) قال أبو عيسى الترمذي (١٧٦٧): حدثنا بندار، حدثنا عبد الرحمن بن

стр. 1151

مهدي، حدثنا حماد بن سلمة، عن أشعث بن عبد الرحمن الجَرمي [¬١]، عن أبي قلابة، عن أبي الأشعث الصنعاني، عن النعمان بن بشير، عن النبي ﷺ ؛ قال: "إن الله كتب كتابًا قبل أن يخلق السموات والأرض بألفي عام، أنزل منه آيتين ختم بهما سورة البقرة، ولا [يقرآن] [¬٢] في دار ثلاث ليال فيقربها شيطان". ثم قال: هذا حديث غريب [¬٣]. وهكذا رواه الحاكم في مستدركه من حديث حماد بن سلمة به وقال: صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه. (الحديث الثامن) قال السنن مردويه (١٧٦٨): حدثنا عبد الرحمن بن محمد بن مدين [¬٤]، أخبرنا الحسن بن الجهم، أخبرنا إسماعيل بن عمرو، أخبرنا أبي أبي [¬٥] مريم، حدّثني يوسف بن أبي الحجاج، عن سعيد، عن ابن عباس، قال: كان رسول الله ﷺ إذا قرأ آخر سورة البقرة و [¬٦] آية الكرسي ضحك وقال: "إنهما من كنز الرحمن تحت العرش". وإذا قرأ: ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ ﴿وَأَنْ لَيسَ لِلْإِنْسَانِ إلا مَا سَعَى (٣٩) وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى (٤٠) ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الْأَوْفَى﴾ استرجع واستكان. (الحديث التاسع) قال ابن مردويه (١٧٦٩): حدثنا عبد الله بن محمد بن كوفي، حدثنا أحمد بن يحيى بن حمزة، حدَّثنا محمد بن بكر، حدثنا مكي بن إبراهيم، حدثنا عبيد [¬٧] الله بن أبي حميد، عن أبي مليح، عن معقل بن يسار، قال: قال رسول الله ﷺ : "أعطيت فاتحة الكتاب وخواتيم سورة البقرة من تحت العرش، والمفصل نافلة". (الحديث العاشر) قد تقدم في فضائل الفاتحة من رواية عبد الله بن عيسى بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: بينا رسول الله ﷺ [. .] [¬٨] وعنده جبريل إذ سمع نقيضًا فوقه فرفع جبريل بصره إلى السماء، فقال: هذا باب قد فتح من السماء ما فتح قط. قال: فنزل منه ملك فأتى النبي ﷺ فقال له [¬٩]: أبشر بنورين قد أوتيتهما لم يؤتهما نبي قبلك: فاتحة الكتاب،

стр. 1152

وخواتيم سورة البقرة، لن تقرأ حرفًا منهما [¬١] إلا أوتيته. رواه مسلم والنسائي، وهذا لفظه (١٧٧٠). فقوله تعالى: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيهِ مِنْ رَبِّهِ﴾ إخبار عن النبي ﷺ بذلك. قال ابن جرير (١٧٧١): حدثنا بشر، حدثنا يزيد، حدثنا سعيد عن قتادة قال: ذكر لنا أنّ رسول الله ﷺ قال لما نزلت عليه [¬٢] هذه الآية: "وحق لي أن يؤمن". وقد روى الحاكم في مستدركه (١٧٧٢)، حدثنا أبو النضر الفقيه، حدثنا معاذ بن نجدة القرشي [¬٣]، حدثنا خلاد بن يحيى، حدثنا أبو عقيل عن يحيى بن أبي كثير، عن أنس بن مالك، قال: لما نزلت هذه الآية على النبي ﷺ ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيهِ مِنْ رَبِّهِ﴾ قال النبي ﷺ : "حق له أن يؤمن" ثم قال الحاكم: صحيح الإِسناد ولم يخرجاه. وقوله: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ عطف على ﴿الرَّسُولُ﴾، ثم أخبر عن الجميع فقال: ﴿كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَينَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ﴾ فالمؤمنون يؤمنون بأنّ الله واحد أحد، فرد صمد، لا إله غيره، ولا رب سواه. ويصدقون بجميع الأنبياء والرسل والكتب المنزلة من السماء على عباد الله المرسلين والأنبياء، لا يفرقون بين أحد منهم فيؤمنون ببعض وكفرون ببعض، بل الجميع عندهم صادقون بارّون راشدون مهديون هادون إلى سُئل [¬٤] الخير، وإن كان بعضهم ينسخ شريعة بعض بإذن الله، حتى نسخ الجميع بشرع محمد ﷺ خاتم الأنبياء والمرسلين، الذي تقوم الساعة على شريعته، ولا تزال طائفة من أمته على الحق ظاهرين. وقول: ﴿وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾ أي: سمعنا قولك يا ربنا وفهمناه، وقمنا به، وامتثلنا العمل بمقتضاه. ﴿غُفْرَانَكَ رَبَّنَا﴾ سؤال للمغفرة [¬٥] والرحمة واللطف.

стр. 1153

قال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن حرب الموصلي، حدثنا ابن فضيل، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس في قول الله: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ إلى قوله: ﴿غُفْرَانَكَ رَبَّنَا﴾ قال: قد غفرت لكم ﴿وَإِلَيكَ الْمَصِيرُ﴾ أي: إليك المرجع والمآب يوم [] [¬١] الحساب. قال ابن جرير: حدثنا ابن حميد، حدثنا جرير، عن [¬٢] بيان، عن حكيم، عن جابر، قال: لما نزلت على رسول الله ﷺ ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَينَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيكَ الْمَصِيرُ﴾ قال جبريل: إن الله قد أحسن الثناء عليك وعلى أمتك، فسل تعطه. فسأل ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلا وُسْعَهَا﴾ إلى آخر الآية. وقوله: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلا وُسْعَهَا﴾ أي: لا يكلف أحدًا فوق طاقته، وهذا من لطفه تعالى بخلقه، ورأفته بهم، وإحسانه إليهم، وهذه هي الناسخة الرافعة لما كان أشفق منه الصحابة في قوله: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾ أي: وهو [¬٣]، وإن حاسب وسأل، لكن لا يعذب إلا بما يملك الشخص دفعه، فأما ما لا يملك دفعه من وسوسة النفس وحديثِها فهذا لا يكلف به الإنسان، وكراهية الوسوسة السيئة من الإِيمان. وقوله: ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ﴾ أي: من خير ﴿وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾ أي: من شر. وذلك في الأعمال التي تدخل تحت التكليف. ثم قال تعالى مرشدًا عباده إلى سؤاله، وقد تكفل لهم بالإجابة كما أرشدهم وعلمهم أن يقولوا: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ أي: إن [¬٤] تركنا فرضًا على جهة النسيان، أو فعلنا حرامًا كذلك، أو أخطأنا -أي- الصواب في العمل جهلًا منا بوجهه الشرعي. وقد تقدم في صحيح مسلم [من حديث] [¬٥] أبي هريرة [¬٦] []: "قال الله: نعم". ولحديث ابن عباس، قال الله: "قد فعلت". وروى ابن ماجة في سننه، وابن حبان في صحيحه (١٧٧٣) من حديث أبي عمرو الأوزاعي،

стр. 1154

عن عطاء، قال ابن ماجة في روايته عن ابن عباس. وقال الطبراني وابن حبان: عن عطاء عن عبيد بن عمير عن ابن عباس، قال: قال رسول الله ﷺ : "إن الله وضع عن أمتي الحطأ والنسيان وما استكرهوا عليه". وقد روي من طرق أخر، وأعله [¬١] أحمد، وأبو حاتم (١٧٧٤)، والله أعلم. وقال ابن أبي حاتم (١٧٧٥): حدثنا أبي، حدثنا مسلم بن إبراهيم، حدثنا أبو بكر الهذلي، عن شهر، عن أم الدرداء، عن النبي ﷺ قال: "إن الله تجاوز لأمتي [عن ثلاث] [¬٢] عن الخطأ والنسيان والاستكراه". قال أبو بكر: فذكرت ذلك لحسن، فقال: أجل أما تقرأ [¬٣] بذلك قرآنًا ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾. وقوله: ﴿رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَينَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا﴾ أي: لا تكلفنا من الأعمال الشاقة وإن أطقناها، كما شرعته للأمم الماضية قبلنا من الأغلال، والآصار التي كانت عليهم، التي بعثت نبيك محمدًا ﷺ نبي الرحمة بوضعه في شرعه الذي أرسلته به من الدين الحنيف السهل السمح. وقد ثبت في صحيح مسلم، عن أبي هريرة، عن رسول الله ﷺ قال: "قال الله: نعم". وعن ابن عباس (١٧٧٦) عن رسول الله ﷺ قال: "قال الله: قد فعلت". وجاء في [¬٤] الحديث من طرق عن رسول الله ﷺ أنه قال: "بعثت بالحنيفية السمحة". وقوله: ﴿وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ﴾ أي: من التكليف، والمصائب، والبلاء، لا

стр. 1155

تبتلينا بما لا قبل لنا به. وقد قال مكحول في قوله: ﴿رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ﴾ قال: العُزْبة [¬١] والغلمة. رواه ابن أبي حاتم. قال الله: نعم. وفي الحديث الآخر قال الله: قد فعلت. وقوله: ﴿وَاعْفُ عَنَّا﴾: فيما بيننا وبينك، مما تعلمه من تقصيرنا وزللنا ﴿واغفر لنا﴾ أي: فيما بيننا وبين عبادك، فلا تظهرهم على مساوينا وأعمالنا القبيحة ﴿وارحمنا﴾ أي: فيما يستقبل، فلا توقعنا بتوفيقك في ذنب آخر، ولهذا قالوا: إن المذنب [¬٢] محتاج إلى ثلاثة أشياء: أن يعفو الله عنه فيما بينه وبينه، وأن يستره من [¬٣] عباده فلا يفضحه به بينهم، وأن يعصمه فلا يوقعه في نظيره. وقد تقدّم في الحديث أن الله قال: نعم. وفي الحديث الآخر قال الله: قد فعلت. وقوله ﴿أنت مولانا﴾ أي: أنت ولينا وناصرنا، وعليك توكلنا وأنت المستعان، وعليك التكلان، ولا حول [] ولا قوة لنا إلا بك ﴿فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾: الذين جحدوا دينك، وأنكروا وحدانيتك، [ورسالة نبيك] [¬٤] وعبدوا غيرك، وأشركوا معك من عبادك، فانصرنا عليهم واجعل لنا العاقبة عليهم في الدنيا والآخرة. قال الله: نعم. وفي الحديث الذي رواه مسلم، عن ابن عباس قال الله: قد فعلت. وقال ابن جرير (١٧٧٧): حدّثني المثنى بن إبراهيم، حدَّثنا أبو نعيم، حدثنا سفيان، عن أبي إسحاق، أن معاذًا ﵁ كان إذا فرغ من هذه السورة ﴿فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ قال: آمين. ورواه وكيع، عن سفيان، [عن في إسحاق] [¬٥]، عن رجل، عن معاذ بن جبل، أنه كان إذا ختم البقرة قال: آمين. [آخر تفسير سورة البقرة ولله -تعالى- الحمد والمنة، وبه التوفيق والعصمة، وحسبنا الله ونعم الوكيل] [¬٦]، [ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وصلى الله على سيدنا محمد] [¬٧]. * * *

стр. 1156

انتهى بحمد الله تعالى وتوفيقه المجلد الثاني ويليه إن شاء الله تعالى المجلد الثالث وأوله تفسير سورة آل عمران

стр. 1157

[بسم الله الرحمن الرحيم وما توفيقي إلَّا بالله] [¬١] تفسير سورة آل عمران و [¬٢] هي مدنية لأنَّ صدرها إلى ثلاث وثمانين آية منها نزلت في وفدِ نجران، وكان قدومهم في سنة تسع من الهجرة، كما سيأتي بيان ذلك عند تفسير آية المباهلة منها، إن شاء الله تعالى. وقد ذكرنا ما ورد في فضلها مع سورة البقرة في أول تفسير البقرة. ﴿الم (١) اللَّهُ لَا إِلَهَ إلا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ (٢) نَزَّلَ عَلَيكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَينَ يَدَيهِ وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ (٣) مِنْ قَبْلُ هُدًى لِلنَّاسِ وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ (٤)﴾ [قد] [¬٣] ذكرنا الحديث (١) الوارد في أن اسم الله الأعظم في هاتين الآيتين ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إلا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ و ﴿الم [اللَّهُ لَا إِلَهَ إلا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ] [¬٤]﴾ عند تفسير آية الكرسي، وقد [¬٥] تقدم [] [¬٦] الكلام على قوله تعالى: ﴿الم﴾ في أول [¬٧] سورة البقرة بما أغنى عن إعادته، وقد تقدم أيضًا [¬٨] الكلام على قوله: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إلا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ في تفسير آية الكرسي. وقوله تعالى: ﴿نَزَّلَ عَلَيكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ﴾ يعني: نزل عليك القرآن يا محمَّد بالحق أي: لا شك فيه ولا ريب، بل هو مُنزل من عند [¬٩] الله ، أنزله بعلمه والملائكة يشهدون، وكفى بالله شهيدًا. وقوله: ﴿مُصَدِّقًا لِمَا بَينَ يَدَيهِ﴾ أي: من الكتب المنزلة قبله من السماء على عباد الله الأنبياء، فهي تُصدّقه بما أخبرت به، وبشرت في قديم الزمان، وهو يصدقها؛ لأنَّه طابق ما أخبرت به

стр. 1158

وبشرت من الوعد من الله؛ بإرسال محمَّد ﵌، وإنزال القرآن العظيم عليه. وقوله: ﴿وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ﴾ أي: على موسى بن عمران ﴿وَالْإِنْجِيلَ﴾ أي: على عيسى ابن مريم ﵉ ﴿مِنْ قَبْلُ﴾ أي: من قبل هذا القرآنَ ﴿هُدًى لِلنَّاسِ﴾ أي: في زمانهما ﴿وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ﴾ وهو الفارق بين الهدى والضلال، والحقُّ والباطل، والغي والرشاد؛ بما يذكره [¬١] الله الله تعالى من الحجج والبينات، والدلائل الواضحات، والبراهين القاطعات، ويبينه ويوضحه، ويفسره ويقرره، ويرشد إليه، وينبه عليه من ذلك. وقال قتادة والربيع بن أنس: الفرقان ها هنا: القرآن. واختار ابن جرير (٢) أنَّه مصدر ها هنا؛ لتقدّم ذكر القرآن في قوله: ﴿نَزَّلَ عَلَيكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَينَ يَدَيهِ﴾ وهو القرآن. وأمَّا ما رواه ابن أبي حاتم (٣) عن أبي صالح، أن المراد ها هنا بالفرقان: التوراة، فضعيف أيضًا؛ لتقدم ذكرها، والله أعلم. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ﴾ أي: جحدوا بها وأنكروها وردّوها بالباطل ﴿لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ﴾ أي: يوم القيامة ﴿وَاللَّهُ عَزِيزٌ﴾ أي: منيع الجناب، عظيم السلطان ﴿ذُو انْتِقَامٍ﴾ أي: ممن كذب بآياته [¬٢]، وخالف رسله الكرام، وأنبياءه العظام. ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَخْفَى عَلَيهِ شَيءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ (٥) هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيفَ يَشَاءُ لَا إِلَهَ إلا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٦)﴾ يخبر الله تعالى أنَّه يعلم غيب السموات والأرض، لا يخفى عليه شيء من ذلك ﴿هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيفَ يَشَاءُ﴾ أي: يخلقكم [كما يشاء في الأرحام]؛ من ذكر وأنثى، حسن وقبيح، وشقي وسعيد ﴿لَا إِلَهَ إلا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ أي: هو الذي خلق، وهو المستحق للإِلهية وحده لا شريك له، وله العزة التي لا ترام، والحكمة والأحكام. وهذه الآية فيها تعريض، بل تصريح، بأن عيسى ابن مريم عبد مخلوق، كما خلق الله سائر البشر؛ لأنَّ الله صوره في الرحم، وخلقه كما [¬٣] يشاء، فكيف يكون إلهًا كما زعمته النصارى

стр. 1159

عليهم لعائن الله؟! وقد تقلب في الأحشاء، وتنقل من حال إلى حال، كما قال تعالى: ﴿يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقًا مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُمَاتٍ ثَلَاثٍ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ لَا إِلَهَ إلا هُوَ [¬١] فَأَنَّى تُصْرَفُونَ﴾. هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْويلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْويلَهُ إلا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إلا أُولُو الْأَلْبَابِ (٧) رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ (٨) رَبَّنَا إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لَا رَيبَ فِيهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ (٩) يخبر تعالى أن في القرآن آياتٌ محكماتٌ، هن أم الكتاب، أي: بينات، واضحات الدلالة، لا التباس فيها على أحد من النَّاس، ومنه آيات آخر فيها اشتباه في الدلالة على كثير من النَّاس أو بعضهم، فمن ردّ ما اشتبه عليه إلى الواضح منه، وحكم محكمه على متشابهه عنده فقد اهتدى، ومن عكس انعكس، ولهذا قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ أي: أصله الذي يرجع إليه عند الاشتباه ﴿وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾ أي: تحتمل دلالتها موافقة المحكم، وقد تحتمل شيئًا [¬٢] آخر من حيث اللفظ والتركيب، لا من حيث المراد. وقد اختلفوا في المحكم والمتشابه؛ فرُوي عن السلف عبارات كثيرة، فقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس ﵄ [أنَّه قال] [¬٣]: المحكمات: ناسخه، وحلاله وحرامه، وأحكامه [¬٤] وحدوده وفرائضه، وما يؤمر به ويعمل به. وكذا رُوي عن عكرمة، ومجاهد، وقتادة، والضحاك، ومقاتل بن حيان، والربيع بن أنس والسُّدى، أنهم قالوا: المحكم الذي يعمل به.

стр. 1160

وعن ابن عباس أيضًا [¬١] أنَّه قال: المحكمات: [] [¬٢] قوله تعالى: ﴿قُلْ تَعَالوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيكُمْ [أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيئًا] [¬٣]﴾ والآيتان بعدها، وقوله تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إلا إِيَّاهُ﴾ إلى ثلاث آيات بعدها. رواه [¬٤] ابن أبي حاتم (٤)، وحكاه عن سعيد بن جبير، ثم [¬٥] قال (٥): حدَّثنا أبي، حدَّثنا سليمان بن حرب، حدَّثنا حماد بن زيد، عن إسحاق بن سويد أن يَحْيَى بن يعمر وأبا فاختة تراجعا في هذه الآية: ﴿هُنَّ [¬٦] أُمُّ الْكِتَابِ [وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ] [¬٧]﴾ فقال أبو فاختة: فواتح السور. وقال يَحْيَى بن يعمر: الفرائض، والأمر والنهي، والحلال والحرام [¬٨]. وقال ابن لهيعة (٦)، عن عطاء بن دينار، عن سعيد بن جبير: ﴿هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ يقول: أصل الكتاب، وإنَّما سماهنّ أم الكتاب؛ لأنهنّ مكتوبات في جميع الكتب. وقال مقاتل بن حيان (٧): لأنَّه ليس من أهل دين إلَّا يرضى بهنّ. وقيل في المتشابهات: إنهن المنسوخة، والمقدم منه والمؤخر، والأمثال فيه، والأقسام، وما يؤمن به ولا يعمل به. رواه علي بن أبي طلحة عن ابن عباس. وقيل: هي الحروف المقطعة في أوائل السور. قاله مقاتل بن حيان. وعن مجاهد: المتشابهات يصدق [¬٩] بعضهن بعضًا (٨).
следующие страницы →