← Тафсир

Тафсир · id 1509

تفسير ابن كثير - ط أولاد الشيخ

ابن كثير

Полный текст (6 736 стр.). Показаны 1156–1195 · переход к 1161.

стр. 1156

انتهى بحمد الله تعالى وتوفيقه المجلد الثاني ويليه إن شاء الله تعالى المجلد الثالث وأوله تفسير سورة آل عمران

стр. 1157

[بسم الله الرحمن الرحيم وما توفيقي إلَّا بالله] [¬١] تفسير سورة آل عمران و [¬٢] هي مدنية لأنَّ صدرها إلى ثلاث وثمانين آية منها نزلت في وفدِ نجران، وكان قدومهم في سنة تسع من الهجرة، كما سيأتي بيان ذلك عند تفسير آية المباهلة منها، إن شاء الله تعالى. وقد ذكرنا ما ورد في فضلها مع سورة البقرة في أول تفسير البقرة. ﴿الم (١) اللَّهُ لَا إِلَهَ إلا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ (٢) نَزَّلَ عَلَيكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَينَ يَدَيهِ وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ (٣) مِنْ قَبْلُ هُدًى لِلنَّاسِ وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ (٤)﴾ [قد] [¬٣] ذكرنا الحديث (١) الوارد في أن اسم الله الأعظم في هاتين الآيتين ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إلا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ و ﴿الم [اللَّهُ لَا إِلَهَ إلا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ] [¬٤]﴾ عند تفسير آية الكرسي، وقد [¬٥] تقدم [] [¬٦] الكلام على قوله تعالى: ﴿الم﴾ في أول [¬٧] سورة البقرة بما أغنى عن إعادته، وقد تقدم أيضًا [¬٨] الكلام على قوله: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إلا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ في تفسير آية الكرسي. وقوله تعالى: ﴿نَزَّلَ عَلَيكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ﴾ يعني: نزل عليك القرآن يا محمَّد بالحق أي: لا شك فيه ولا ريب، بل هو مُنزل من عند [¬٩] الله ، أنزله بعلمه والملائكة يشهدون، وكفى بالله شهيدًا. وقوله: ﴿مُصَدِّقًا لِمَا بَينَ يَدَيهِ﴾ أي: من الكتب المنزلة قبله من السماء على عباد الله الأنبياء، فهي تُصدّقه بما أخبرت به، وبشرت في قديم الزمان، وهو يصدقها؛ لأنَّه طابق ما أخبرت به

стр. 1158

وبشرت من الوعد من الله؛ بإرسال محمَّد ﵌، وإنزال القرآن العظيم عليه. وقوله: ﴿وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ﴾ أي: على موسى بن عمران ﴿وَالْإِنْجِيلَ﴾ أي: على عيسى ابن مريم ﵉ ﴿مِنْ قَبْلُ﴾ أي: من قبل هذا القرآنَ ﴿هُدًى لِلنَّاسِ﴾ أي: في زمانهما ﴿وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ﴾ وهو الفارق بين الهدى والضلال، والحقُّ والباطل، والغي والرشاد؛ بما يذكره [¬١] الله الله تعالى من الحجج والبينات، والدلائل الواضحات، والبراهين القاطعات، ويبينه ويوضحه، ويفسره ويقرره، ويرشد إليه، وينبه عليه من ذلك. وقال قتادة والربيع بن أنس: الفرقان ها هنا: القرآن. واختار ابن جرير (٢) أنَّه مصدر ها هنا؛ لتقدّم ذكر القرآن في قوله: ﴿نَزَّلَ عَلَيكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَينَ يَدَيهِ﴾ وهو القرآن. وأمَّا ما رواه ابن أبي حاتم (٣) عن أبي صالح، أن المراد ها هنا بالفرقان: التوراة، فضعيف أيضًا؛ لتقدم ذكرها، والله أعلم. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ﴾ أي: جحدوا بها وأنكروها وردّوها بالباطل ﴿لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ﴾ أي: يوم القيامة ﴿وَاللَّهُ عَزِيزٌ﴾ أي: منيع الجناب، عظيم السلطان ﴿ذُو انْتِقَامٍ﴾ أي: ممن كذب بآياته [¬٢]، وخالف رسله الكرام، وأنبياءه العظام. ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَخْفَى عَلَيهِ شَيءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ (٥) هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيفَ يَشَاءُ لَا إِلَهَ إلا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٦)﴾ يخبر الله تعالى أنَّه يعلم غيب السموات والأرض، لا يخفى عليه شيء من ذلك ﴿هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيفَ يَشَاءُ﴾ أي: يخلقكم [كما يشاء في الأرحام]؛ من ذكر وأنثى، حسن وقبيح، وشقي وسعيد ﴿لَا إِلَهَ إلا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ أي: هو الذي خلق، وهو المستحق للإِلهية وحده لا شريك له، وله العزة التي لا ترام، والحكمة والأحكام. وهذه الآية فيها تعريض، بل تصريح، بأن عيسى ابن مريم عبد مخلوق، كما خلق الله سائر البشر؛ لأنَّ الله صوره في الرحم، وخلقه كما [¬٣] يشاء، فكيف يكون إلهًا كما زعمته النصارى

стр. 1159

عليهم لعائن الله؟! وقد تقلب في الأحشاء، وتنقل من حال إلى حال، كما قال تعالى: ﴿يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقًا مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُمَاتٍ ثَلَاثٍ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ لَا إِلَهَ إلا هُوَ [¬١] فَأَنَّى تُصْرَفُونَ﴾. هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْويلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْويلَهُ إلا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إلا أُولُو الْأَلْبَابِ (٧) رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ (٨) رَبَّنَا إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لَا رَيبَ فِيهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ (٩) يخبر تعالى أن في القرآن آياتٌ محكماتٌ، هن أم الكتاب، أي: بينات، واضحات الدلالة، لا التباس فيها على أحد من النَّاس، ومنه آيات آخر فيها اشتباه في الدلالة على كثير من النَّاس أو بعضهم، فمن ردّ ما اشتبه عليه إلى الواضح منه، وحكم محكمه على متشابهه عنده فقد اهتدى، ومن عكس انعكس، ولهذا قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ أي: أصله الذي يرجع إليه عند الاشتباه ﴿وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾ أي: تحتمل دلالتها موافقة المحكم، وقد تحتمل شيئًا [¬٢] آخر من حيث اللفظ والتركيب، لا من حيث المراد. وقد اختلفوا في المحكم والمتشابه؛ فرُوي عن السلف عبارات كثيرة، فقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس ﵄ [أنَّه قال] [¬٣]: المحكمات: ناسخه، وحلاله وحرامه، وأحكامه [¬٤] وحدوده وفرائضه، وما يؤمر به ويعمل به. وكذا رُوي عن عكرمة، ومجاهد، وقتادة، والضحاك، ومقاتل بن حيان، والربيع بن أنس والسُّدى، أنهم قالوا: المحكم الذي يعمل به.

стр. 1160

وعن ابن عباس أيضًا [¬١] أنَّه قال: المحكمات: [] [¬٢] قوله تعالى: ﴿قُلْ تَعَالوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيكُمْ [أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيئًا] [¬٣]﴾ والآيتان بعدها، وقوله تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إلا إِيَّاهُ﴾ إلى ثلاث آيات بعدها. رواه [¬٤] ابن أبي حاتم (٤)، وحكاه عن سعيد بن جبير، ثم [¬٥] قال (٥): حدَّثنا أبي، حدَّثنا سليمان بن حرب، حدَّثنا حماد بن زيد، عن إسحاق بن سويد أن يَحْيَى بن يعمر وأبا فاختة تراجعا في هذه الآية: ﴿هُنَّ [¬٦] أُمُّ الْكِتَابِ [وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ] [¬٧]﴾ فقال أبو فاختة: فواتح السور. وقال يَحْيَى بن يعمر: الفرائض، والأمر والنهي، والحلال والحرام [¬٨]. وقال ابن لهيعة (٦)، عن عطاء بن دينار، عن سعيد بن جبير: ﴿هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ يقول: أصل الكتاب، وإنَّما سماهنّ أم الكتاب؛ لأنهنّ مكتوبات في جميع الكتب. وقال مقاتل بن حيان (٧): لأنَّه ليس من أهل دين إلَّا يرضى بهنّ. وقيل في المتشابهات: إنهن المنسوخة، والمقدم منه والمؤخر، والأمثال فيه، والأقسام، وما يؤمن به ولا يعمل به. رواه علي بن أبي طلحة عن ابن عباس. وقيل: هي الحروف المقطعة في أوائل السور. قاله مقاتل بن حيان. وعن مجاهد: المتشابهات يصدق [¬٩] بعضهن بعضًا (٨).

стр. 1161

وهذا إنَّما هو في تفسير قوله: ﴿كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ﴾ هناك ذكروا أن المتشابه: هو الكلام الذي يكون في سياق واحد، والمثاني: هو الكلام في شيئين متقابلين، كصفة الجنَّة وصفة النَّار، وذكر حال الأبرار ثم [¬١] حال الفجار، ونحو ذلك. وأما [¬٢] ها هنا؛ فالمتشابه هو الذي يقابل المحكم، وأحسن ما قيل فيه: هو [¬٣] الذي قدمنا [¬٤]، وهو الذي نص عليه محمَّد بن إسحاق بن يسار، ﵀، حيث قال: منه آيات محكمات هنّ أم الكتاب، فيهن حجة الرب، وعصمة العباد، ودفع الخصوم والباطل، ليس لهن تصريف، ولا تحريف عما وضعن عليه. قال: والمتشابهات في الصدق لهن تصريف وتحريف وتأويل، ابتلى الله فيهن العباد، كما ابتلاهم في الحلال والحرام، ألا يُصْرَفْن إلى الباطل ولا [¬٥] يحرَّفْن عن الحق. ولهذا قال الله تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيغٌ﴾ أي: ضلال وخروج عن الحق إلى الباطل ﴿فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ﴾ أي: إنَّما يأخذون منه بالمتشابه الذي يمكنهم أن يحرفوه إلى مقاصدهم الفاسد، وينزلوه عليها؛ لاحتمال لفظه لما يصرفونه، فأمَّا المحكم فلا نصيب لهم فيه؛ لأنَّه دامغ لهم وحجة عليهم، ولهذا قال الله تعالى: ﴿ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ﴾ أي: الإضلال لأتباعهم، إيهامًا لهم أنهم يحتجون على بدعتهم بالقرآن، وهذا [¬٦] حجة عليهم لا لهم، كما لو احتج النصارى بأن القرآن قد نطق بأن عيسى هو روح الله، وكلمته ألقاها إلى مريم [وروح منه] [¬٧]، وتركوا الاحتجاج بقوله تعالى: ﴿إِنْ هُوَ إلا عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيهِ﴾ وبقوله: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَال لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ وغير ذلك من الآيات المحكمة المصرحة بأنه خلق من مخلوقات الله، وعبد ورسول من رسل الله. وقوله تعالى: ﴿وَابْتِغَاءَ تَأْويلِهِ﴾ أي: تحريفه على ما يريدونه [¬٨]. وقال مقاتل والسدي: يبتغون أن يعلموا ما يكون، وما عواقب الأشياء من القرآن. وقد قال الإِمام أحمد (٩): حدَّثنا إسماعيل، ثنا أيوب، عن عبد الله بن أبي مليكة، عن

стр. 1162

عائشة، ﵂، قالت: قرأ رسول الله، ﷺ ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ [] [¬١]﴾ إلي قوله: ﴿أُولُو [¬٢] الْأَلْبَابِ﴾ فقال [¬٣]: "فإذا رأيتم الذين يجادلون فيه فهم الذين عنى الله فاحذروهم". هكذا وقع هذا [¬٤] الحديث في مسند الإمام أحمد، ﵀، من رواية ابن أبي مليكة، عن عائشة، ﵂، ليس بينهما أحد. وهكذا رواه ابن ماجه من طريق إسماعيل بن علية، وعبد الوهاب الثَّقفيُّ، كلاهما عن أيوب، عن عبد الله بن عبيد الله بن أبي [¬٥] مليكة، عنها به [¬٦]. ورواه محمَّد بن يَحْيَى العبدي في مسنده، عن عبد الوهاب الثَّقفيُّ، عن أيوب، به. وكذا رواه عبد الرَّزاق، عن معمر، عن أيوب. وكذا رواه غير واحد عن أيوب. وقد رواه ابن حبان في صحيحه، من حديث أيوب، به. وتابع أيوبَ أبو عامرٍ الخزاز وغيره، عن ابن أبي مليكة، فرواه التِّرمذيُّ، عن بُندار، عن أبي داود الطيالسي، عن أبي عامر الخزاز فذكره. وهكذا رواه سعيد بن منصور في سننه، عن حماد بن يَحْيَى الأبح، عن عبد الله بن أبي مليكة، عن عائشة. ورواه ابن جرير (١٠) من حديث روح بن القاسم ونافع بن عمر الجمحي، كلاهما عن ابن أبي مليكة، عن عائشة، به [¬٧]. وقال نافع في روايته عن ابن أبي مليكة: حدثتني عائشة .... فذكره. وقد روى هذا الحديث البُخاريّ (١١)، ﵀، عند تفسير [¬٨] هذه الآية، ومسلم في

стр. 1163

كتاب القدر من صحيحه، وأبو داود في السنة من سننه؛ ثلاثتهم عن القعنبي، عن يزيد بن إبراهيم التستري، عن ابن أبي مليكة، عن القاسم بن محمَّد، عن عائشة ﵂ قالت: تلا رسول الله ﷺ [هذه الآية] [¬١]: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ﴾ إلى قوله: ﴿[وَمَا يَذَّكَّرُ] [¬٢] إلا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ قالت: قال رسول الله، ﷺ : "فإذا رأيتم [¬٣] الذين يتبعون ما تشابه منه؛ فأولئك الذين سمى الله فاحذروهم" لفظ البُخاريّ، وكذا رواه التِّرمذيُّ أيضًا، عن بندار، عن أبي داود الطيالسي، عن يزيد بن إبراهيم التستري به، وقال: حسن صحيح. وذكر أن يزيد بن إبراهيم التستري تفرد بذكر القاسم في هذا الإسناد. وقد رواه غير واحد، عن ابن أبي مليكة، عن عائشة، ولم [¬٤] يذكروا القاسم، كذا قال. ورواه [أبو بكر] [¬٥] بن المنذر في تفسيره من طريقين، عن أبي النُّعمان محمَّد بن الفضل السدوسي، ولقبه: عارم، حدَّثنا حماد بن زيد، حدَّثنا أيوب، عن ابن أبي مليكة، عن عائشة، به [¬٦]. وقد رواه ابن أبي حاتم (١٢) فقال [¬٧]: حدَّثنا أبي، حدَّثنا أبو الوليد الطيالسي، حدَّثنا يزيد بن إبراهيم التستري، وحماد بن سلمة، عن ابن أبي مليكة، عن القاسم بن [] [¬٨] محمَّد، عن عائشة ﵂ قالت: سئل رسول الله ﷺ عن قول الله تعالى [¬٩]: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ﴾ فقال رسول الله ﷺ : "إذا رأيتم الذين يتبعون ما تشابه منه؛ فأولئك الذين سمى الله فاحذروهم". وقال ابن جرير (١٣) ﵁: حدَّثنا [¬١٠] عليّ بن سهل، حدَّثنا الوليد بن مسلم [¬١١]، عن حماد بن سلمة، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة ﵂ قالت: نزع رسول الله، ﷺ ، بهذه الآية ﴿يَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ﴾ فقال

стр. 1164

رسول الله ﷺ : "قد حذركم الله فإذا رأيتموهم فاعرفوهم". ورواه ابن مردويه من طريق أخرى، عن القاسم، عن عائشة، به. وقال الإِمام أحمد (١٤): حدثنا أبو كامل، حدثنا حماد، عن أبي غالب، قال: سمعت أبا أمامة يحدث عن النبي ﷺ في قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ﴾ قال: "هم الخوارج" وفي قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾ قال: "هم الخوارج". وقد رواه ابن مردويه من غير وجه، عن أبي غالب، عن أبي أمامة مرفوعًا، فذكره. وهذا الحديث أقل أقسامه أن يكون موقوفًا من كلام الصحابي، ومعناه صحيح؛ فإن أوّل بدعة وقعت في الإسلام فتنة الخوارج، وكان مبدؤهم بسبب الدنيا حين قسم النبي ﷺ ، غنائم حنين، فكأنَّهم رأوا في عقولهم الفاسدة أنه لم يعدل في القسمة، ففاجئوه بهذه المقالة، فقال قائلهم- وهو ذو الخويصرة، بقر الله خاصرته،: اعدل، فإنك لم تعدل. فقال له [¬١] رسول الله ﷺ : "لقد خبْتُ وخَسِرتُ إن لم أكن أعدل، أيأمنني [¬٢] على أهل الأرض، ولا تأمنوني [¬٣] ". فلما قفَّى (١٥) الرجل؛ استأذن عمر بن الخطاب -في [¬٤] رواية: خالد بن الوليد-[رسول الله] في قتله فقال: "دعه، فإنه يخرج من ضئضيء هذا، أي: -من جنسه- قومٌ يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم، وصيامه مع صيامهم، وقراءته مع قراءته، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية (١٦)، فأينما لقيتموهم فاقتلوهم، فإن في قتلهم أجرًا لمن قتلهم" (١٧).

стр. 1165

ثم كان ظهورهم أيام علي بن أبي طالب، ﵁، وقتلهم [¬١] بالنهروان، ثم تشعبت منهم شعوب وقبائل، وآراء وأهواء، ومقالات ونحل كثيرة منتشرة، ثم نبعت القدرية، ثم المعتزلة، ثم الجهمية، وغير ذلك من البدع التي أخبر عنها الصادق المصدوق، ﷺ ، في قوله: "وستفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة، كلها في النار إلا واحدة". قالوا: من [¬٢] هم يا رسول الله؟ قال: " [من كان على] [¬٣] ما أنا عليه وأصحابي". أخرجه الحاكم في مستدركه (١٨) بهذه الزيادة. وقال الحافظ أبو يعلى (١٩): حدثنا أبو موسى، حدثنا عمرو بن عاصم، حدثنا المعتمر، عن أبيه، عن قتادة، عن الحسن، عن جندب بن عبد الله، أنه بلغه عن حذيفة أو سمعه منه يحدِّث عن رسول الله، ﷺ ، أنه ذكر: "إن في أمتي قومًا يقرءون القرآن ينثرونه نثر الدقل، يتأولونه على غير تأويله" لم يخرجوه. وقوله تعالى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْويلَهُ إلا اللَّهُ﴾ اختلف القراء في الوقف هاهنا، فقيل: على الجلالة، كما تقدم عن ابن عباس، ﵁، أنه قال: التفسير على أربعة أنحاء: فتفسير لا يعذر أحد في فهمه، وتفسير تعرفه العرب من لغاتها، وتفسير يعلمه الراسخون في العلم، وتفسير لا يعلمه إلا الله، ، ويروى هذا القول عن عائشة، وعروة، وأبي الشعثاء، وأبي نهيك، وغيرهم. وقد قال الحافظ أبو القاسم في المعجم الكبير (٢٠): حدثنا هاشم بن مرثد، حدثنا محمد بن إسماعيل بن عياش، حدثني أبي، حدثني ضمضم [¬٤] بن زرعة [¬٥]، عن شريح [¬٦] بن عبيد، عن أبي مالك الأشعري، أنه سمع رسول الله، ﷺ يقول: "لا أخاف على أمّتي إلا ثلاث خلال: أنْ يكثر لهم المال فيتحاسدوا فيقتتلوا، وأنْ يفتح لهم الكتاب فيأخذه [¬٧] المؤمن

стр. 1166

يبتغي تأويله ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْويلَهُ إلا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ﴾ الآية، وأنْ يزداد [¬١] علمهم فيضيعوه، ولا يبالون عليه" غريب جدًّا. وقال الحافظ أبو بكر بن مردويه (٢١): حدثنا محمد بن أحمد بن إبراهيم، أخبرنا أحمد بن عمرو، حدثنا هشام بن عمار، أخبرنا ابن أبي حازم [¬٢]، عن أبيه، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن ابن العاص، عن رسول الله، ﷺ ، قال: "إن القرآن لم ينزل ليكذب بعضه بعضًا، فما عرفتم منه فاعملوا به، وما تشابه منه [¬٣] فآمنوا به". وقال عبد الرزاق (٢٢): أنبأنا معمر، عن ابن طاووس، عن أبيه، قال: كان ابن عباس يقرأ: "وما يعلم تأويله إلا الله ويقول الراسخون آمنا به". وكذا روي ابن جرير (٢٣)، عن عمر بن عبد العزيز، ومالك بن أنس: إنهم يؤمنون به، ولا يعلمون تأويله. وحكى ابن جرير أن في قراءة عبد الله بن مسعود: ﴿إن تأويله إلا عند الله والراسخون في العلم يقولون [آمنا به] [¬٤]﴾. وكذا عن أبي بن كعب، واختار ابن جرير هذا القول (٢٤). ومنهم من يقف على قوله ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾. وتبعهم كثير من المفسرين وأهل الأصول، وقالوا: الخطابُ بما لا يفهم بعيدٌ. وقد روى ابن أبي نجيح، عن مجاهد، عن ابن عباس أنه قال: أنا من الراسخين الذين يعلمون تأويله. وقال ابن أبي نجيح، عن مجاهد: والراسخون في العلم يعلمون تأويله، ويقولون [¬٥]: آمنا به. وهكذا [¬٦] قال الربيع بن أنس. وقال محمد بن إسحاق، عن محمد بن جعفر بن الزبير: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْويلَهُ﴾ الذي أراد ما أراد (﴿إلا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ﴾ ثم ردوا تأويل المتشابهه على ما عرفوا من تأويل المحكمة، التي لا تأويل لأحد فيها إلا تأويل واحد، فاتسق بقولهم الكتاب، وصدّق بعضه بعضًا، فنفذت [¬٧] الحجة، وظهر به العذر، وزاح به الباطل، ودفع به الكفر. وفي الحديث أن

стр. 1167

رسول الله، ﷺ ، دعا لابن عباس فقال: "اللَّهم فقهه فِي الدين وعلمه التأويل" (٢٥). ومن العلماء من فصل في هذا المقام فقال: التأويل يطلق ويراد به في القرآن معنيان: أحدهما التأويل بمعنى حقيقة الشيء، وما يئول أمره إليه، ومنه قوله تعالى: ﴿وَرَفَعَ أَبَوَيهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا وَقَال يَاأَبَتِ هَذَا تَأْويلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا﴾ وقوله: ﴿هَلْ

стр. 1168

يَنْظُرُونَ إلا تَأْويلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْويلُهُ﴾ أي: حقيقة ما أخبروا به من أمر المعاد، فإن أريد بالتأويل هذا فالوقف في الجلالة؛ لأن حقائق الأمور وكنهها لا يعلمه على الجلية [¬١] إلا الله، ، ويكون قوله: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ مبتدأ و ﴿يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ﴾ خبره، وأما إن أريد بالتأويل المعنى الآخر، وهو التفسير [والبيان، والتعبير] عن الشيء، كقوله: ﴿نَبِّئْنَا بِتَأْويلِهِ﴾ أي: بتفسيره، فإن أريد به هذا المعنى فالوقف على ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ لأنهم يعلمون ويفهمون ما خوطبوا به بهذا الاعتبار، وإن لم يحيطوا علمًا بحقائق الأشياء على كنه ما هي عليه، وعلى هذا فيكون قوله ﴿يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ﴾ حال منهم، وساغ هذا، وهو أن يكون من المعطوف دون المعطوف عليه، كقوله: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ﴾ إلى قوله ﴿يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا﴾ الآية، وكقوله تعالى: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ أي: وجاءت الملائكة صَفوفًا صفوفًا. وقوله إخبارًا عنهم أنهم يقولون: ﴿آمَنَّا بِهِ﴾ أي: بالمتشابه، ﴿كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾ أي: الجميع، من المحكم والمتشابه، حق وصدق، وكل واحد منهم يصدق الآخر ويشهد له، لأن الجميع من عند الله، وليس شيء من عند الله بمختلف ولا متضاد [¬٢] لقوله [¬٣]: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾. [ولهذا قال الله تعالى: ﴿وَمَا يَذَّكَّرُ إلا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ أي: إنما يفهم ويعقل ويتدبر المعاني على وجهها، أولو العقول السليمة والفهوم المستقيمة] [¬٤]. وقد قال ابن أبي حاتم (٢٦): حدثنا محمد بن عوف الحمصي، حدثنا نعيم بن حماد، حدثنا فياض الرقي، حدَّثنا عبد الله بن يزيد، وكان قد أدرك أصحاب النبي ﷺ : أنسًا، وأبا أمامة، وأبا الدرداء، ﵃، قال: حدثنا أبو الدرداء: أن رسول الله، ﷺ ، سئل عن الراسخين في العلم، فقال: "من برت يمينه، وصدق لسانه، واستقام قلبه، ومن أعف بطنه وفرجه، فذلك من الراسخين في العلم".

стр. 1169

وقال الإمام أحمد (٢٧): حدثنا عبد الرزاق، حدثنا معمر، عن الزهري، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، قال: سمع رسول الله، ﷺ ، قومًا يتدارءون فقال: "إنما هلك من كان [¬١] قبلكم بهذا، ضربوا كتاب الله بعضه ببعض، وإنما نزل [¬٢] كتاب الله يصدق بعضه بعضًا، فلا تكذبوا بعضه ببعض فما علمتم منه فقولوا به [¬٣] وما جهلتم فكلوه إلى عالمه". وتقدّم رواية ابن مردويه لهذا [¬٤] الحديث، من طريق هشام بن عمار، عن ابن أبي حازم [¬٥]، عن أبيه، عن عمرو بن شعيب، به. وقد قال الحافظ أبو يعلى أحمد بن علي بن المثنى الموصلي في مسنده (٢٨): حدثنا زهير بن حرب، حدثنا أنس [¬٦] بن عياض، عن أبي حازم، عن أبي سلمة قال: لا أعلمه إلا عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال: "نزل القرآن على سبعة أحرف، والمراء في القرآن كفر -قالها [¬٧] ثلاثًا- ما عرفتم منه فاعملوا به وما جهلتم منه فردوه إلى عالمه ﷻ ". وهذا إسنادصحيح، ولكن فيه علة بسبب قول الراوي: لا أعلمه إلا عن أبي هريرة. وقال ابن المنذر في تفسيره: حدثنا محمد بن عبد الله بن عبد الحكم، حدثنا ابن وهب، أخبرني نافع بن يزيد قال: يقال: الراسخون في العلم المتواضعون لله، المتذللون [¬٨] لله في مرضاته، لا يتعاظمون [¬٩] من فوقهم، ولا يحقرون من دونهم، [ولهذا قال تعالى: ﴿وَمَا يَذَّكَّرُ إلا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ أي إنما يعقل ويفهم ويتدبر المعاني على وجهها أولو العقول السليمة والفهوم المستقيمة] [¬١٠]. ثم قال تعالى مخبرًا عنهم أنهم دعوا ربهم قائلين: ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيتَنَا﴾ أي: لا تملها عن الهدى بعد إذ أقمتها عليه، ولا تجعلنا كالذين في قلوبهم زيغ، الذين يتبعون ما تشابه من القرآن، ولكن ثبتنا على صراطك

стр. 1170

المستقيم، ودينك القويم ﴿وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً [¬١]﴾ [أي: من عندك رحمة] [¬٢] تثبت بها قلوبنا، وتجمع بها شملنا، وتزيدنا بها إيمانًا وإيقانًا ﴿إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾. قال ابن أبي حاتم (٢٩): حدثنا عمرو بن عبد الله الأودي. وقال ابن جرير: حدثنا أبو كريب، قالا جميعًا: حدثنا وكيع، عن عبد الحميد بن بهرام، عن شهر بن حوشب، عن أم سلمة، ﵂، أن النبي، ﷺ ، كان يقول: "يا مقلب القلوب، ثبت قلبي على دينك" ثم قرأ ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾. ورواه ابن مردويه من طريق محمد بن بكار، عن [عبد الحميد] [¬٣] بن بهرام، عن شهر بن حوشب، عن أم سلمة، (وهي أسماء بنت يزيد بن السكن) سمعها تحدث أن رسول الله، ﷺ ، كان يكثر في دعائه: "اللَّهم يا [¬٤] مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك" قالت: قلت: يا رسول الله؛ وإن القلب ليتقلب؟ قال: "نعم، ما خلق الله من بني آدم من بشر، إلا أن قلبه بين أصبعين من أصابع الله، ، فإن شاء أقامه، وإن شاء أزاغه". فنسأل الله ربنا، أن لا يزغ قلوبنا بعد إذ هدانا، ونسأله أن يهب لنا من لدنه رحمة، إنه هو الوهاب. وهكذا رواه ابن جرير (٣٠) من حديث أسد بن موسى، عن عبد الحميد بن بهرام، به [¬٥] مثله.

стр. 1171

ورواه أيضًا عن المثنى (٣١)، عن الحجاج بن منهال، عن عبد الحميد بن بهرام، به مثله. وزاد: قالت [¬١]: قلت: يا رسول الله؛ ألا تعلمني دعوة أدعو بها لنفسي؟ قال: "بلى قوله: اللَّهم رب النبي محمد، اغفر لي [¬٢] ذنبي، وأذهب غيظ قلبي، وأجرني من مضلات [¬٣] الفتن". ثم قال ابن مردويه (٣٢): حدثنا سليمان بن أحمد، حدثنا محمد بن هارون بن بكار الدمشقي، حدثنا العباس بن الوليد الخلال، [أنا يزيد] [¬٤] بن يحيى بن عبيد الله [¬٥]، أنا سعيد بن بشير، عن قتادة، عن [أبي] [¬٦] حسان الأعرج، عن عائشة، ﵂، قالت: كان رسول الله، ﷺ ، كثيرًا ما يدعو: "يا مقلب القلوب، ثبت قلبي على دينك" قلت: يا رسول الله، ما أكثر ما تدعو بهذا الدعاء. فقال: "ليس من قلب إلا وهو بين أصبعين من أصابع الرحمن، إذا شاء أن يقيمه أقامه، وإذا شاء أن يزيغه أزاغه، أما تسمعين قوله ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ ". غريب من هذا الوجه، ولكن أصله ثابت في الصحيحين (٣٣) وغيرهما من طرق كثيرة؛ بدون

стр. 1172

زيادةِ ذكرِ هذه الآية الكريمة. وقد رواه [¬١] أبو داود، والنسائي، وابن مردويه، من حديث أبي عبد الرحمن المقري، زاد النسائي وابن حبان: وعبد الله بن وهب -كلاهما عن سعيد بن أبي أيوب، حدثني عبد الله بن الوليد التجيبي، عن سعيد بن المسيب، عن عائشة (٣٤)، ﵂، أن رسول الله، ﷺ ، كان إذا استيقظ من الليل قال: "اللَّهم [¬٢] لا إله إلا أنت سبحانك، اللهم إني أستغفرك لذنبي، وأسألك رحمة، اللَّهم زدني علمًا، ولا تزغ قلبي بعد إذ هديتني، وهب لي من لدنك رحمة، إنك أنت الوهاب" لفظ ابن مردويه. وقال عبد الرزاق (٣٥)، عن مالك، عن أبي عبيد مولى سليمان بن عبد الملك، عن عبادة بن نسي، أنه أخبره أنه سمع قيس بن الحارث يقول: أخبرني أبو عبد الله الصنابحي، أنه صلى وراء أبي بكر الصديق، ﵁، المغرب، فقرأ أبو بكر في الركعتين الأوليين بأم القرآن، وسورتين من قصار المفصل، وقرأ في الركعة الثالثة قال: فدنوت منه حتى إن ثيابي لتكاد تمس ثيابه، فسمعته يقرأ بأم القرآن وهذه الآية ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيتَنَا﴾ الآية. قال أبو عبيد: وأخبرني عبادة بن نُسي، أنه كان عند عمر بن عبد العزيز في خلافته، فقال عمر لقيس: كيف أخبرتني عن أبي عبد الله؟ قال عمر: فما تركناها منذ سمعناها منه، وإن كنت قبل ذلك لعلى غير ذلك. فقال لي رجل: على أي شيء كان أمير المؤمنين قبل ذلك؟ قال: كنت أقرأ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾. وقد روى هذا الأثر الوليد بن مسلم، عن مالك والأوزاعي، كلاهما عن أبي عبيد به. [وروى هذا الأثر] [¬٣] الوليد أيضًا، عن ابن جابر، عن يحيى بن يحيى الغساني، عن محمود بن لبيد، عن [¬٤] الصنابحي أنه صلى خلف أبي بكر، ﵁، المغرب فقرأ

стр. 1173

في الأوليين بفاتحة الكتاب وسورة [¬١] قصيرة يجهر بالقراءة فلما قام إلى الثالثة ابتدأ [¬٢] القراءة فدنوت منه حتى أن ثيابي لتمس ثيابه، فقرأ هذه الآية: ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا﴾ الآية. وقوله ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لَا رَيبَ فِيهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾ أي: يقولون في دعائهم: إنك يا ربنا ستجمع بين خلقك يوم معادهم، وتفصل بينهم وتحكم بينهم [¬٣] فيما اختلفوا فيه وتجزي كلًّا بعمله، وما كان عليه في الدنيا من خير وشر. ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيئًا وَأُولَئِكَ هُمْ وَقُودُ النَّارِ (١٠) كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ (١١)﴾ يخبر تعالى عن الكفار بأنهم [¬٤] وقود النار ﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ﴾ وليس ما أوتوه في الدنيا من الأموال والأولاد بنافع لهم عند الله، ولا بمنجيهم من عذابه وأليم عقابه، بل كما قال تعالى: ﴿وَلَا تُعْجِبْكَ [¬٥] أَمْوَالُهُمْ وَأَوْلَادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ﴾ وقال تعالى: ﴿لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ (١٩٦) مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾ كما قال هاهنا: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أي: بآيات الله وكذبوا رسله [] [¬٦]، وخالفوا كتابه، ولم ينتفعوا بوحيه إلى أنبيائه ﴿لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيئًا وَأُولَئِكَ هُمْ وَقُودُ النَّارِ﴾ أي: حطبها الذي تسجر [¬٧] به وتوقد به، كقوله: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ الآية. وقال ابن أبي حاتم (٣٦): حدثنا أبي، حدثنا ابن أبي مريم، أخبرنا ابن لهيعة، أخبرني ابن الهاد، عن هند بنت الحارث، عن أم الفضل -أم عبد الله بن عباس- قالت: بينما نحن بمكة، قام رسول الله ﷺ من الليل فقال: "اللهم هل بلغت، اللهم هل بلغت". اللَّهم [¬٨]

стр. 1174

ثلاثًا، فقام عمر بن الخطاب، ﵁، فقال: نعم. ثم أصبح فقال رسول الله ﷺ : "ليظهرنَّ الإسلام حتَّى يرد الكفر إلى مواطنه، وليخوضنَّ [رجال البحار] [¬١] بالإِسلام، وليأتين على الناس زمان يتعلمون القرآن ويقرءونه، ثم يقولون: قد قرأنا وعلمنا، فمَن هذا الذي هو خير هنا؟ فهل في أولئك من خير؟ " قالوا: يا رسول الله، فمن أولئك؟ قال: "أولئك منكم [فأولئك منهُم﴾ وأولئك هم وقود النار" وكذا رأيته بهذا اللفظ. وقد رواه ابن مردويه من حديث يزيد بن عبد الله بن الهاد، عن هند بنت الحارث امرأةٌ عبد الله بن شداد - عن أم الفضل أن رسول الله ﷺ قام ليلة بمكة فقال: "هل بلغت؟ " يقولها ثلاثًا. فقام عمر بن الخطاب، وكان أوَّاهًا فقال: اللَّهم نعم، وحرصت وجهدت ونصحت، فاصبر، فقال النبي ﷺ : "ليظهرن الإيمان حتى يرد الكفر إلى مواطنه، وليخوضنّ رجال البحار بالإِسلام، وليأتينَّ على الناسَ زمان يقرءون القرآن، فيقرءونه ويعلمونه، فيقولون: قد قرأنا وقد علمنا، فمن هذا الذي هو خير منا؟ فما في أولئك من خير" قالوا: يا رسول الله" فمن أولئك؟ قال: "أولئك منكم أولئك هم وقود النار". ثم رواه من طريق موسى بن عبيد، عن محمد بن إبراهيم، عن بنت الهاد، عن العباس بن عبد المطلب، بنحوه. وقوله تعالى ﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ﴾ قال الضحاك عن ابن عبَّاس: كصنيع آل فرعون، وكذا روي عن عكرمة، ومجاهد، وأبي مالك، والضحاك، وغير واحد، ومنهم من يقول: كسُنَّة آل فرعون، وكفعل آل فرعون، وكشبه آل فرعون. والألفاظ متقاربة، والدأب، بالتسكين والتحريك أيضًا، كنهر ونهر، هو الصنع والحال والشأن والأمر والعادة، كما يقال: لا يزال هذا دأبي ودأبك، وقال امرؤ القيس: وقوفا بها صحبي عليَّ مطيهم … يقولون لا تهلك [¬٢] أسًى وتحمل [¬٣] كدأبك من أم الحويرث قبلها … وجارتها أم الرباب بمأسل والمعنى: كعادتك في أم الحويرث حين أهلكت نفسك في حبها، وبكيت دارها ورسمها. والمعنى في الآية: أن الكافرين لا تغني عنهم [الأولاد ولا الأموال] بل يهلكون ويعذبون، كما جرى لآل فرعون، ومن قبلهم من [المكذبين للرسل فيما جاءوا] [¬٤] به من آيات الله وحججه. ﴿وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ أي: شديد الأخذ أليم العذاب، لا يمتنع منه أحد،

стр. 1175

ولا يفوته شيء، بل هو الفعال لما يريد، الذي قد [¬١] غلب كل شيء وذل له كل شيء لا إله غيره ولا رب سواه. ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهَادُ (١٢) قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَينِ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيهِمْ رَأْيَ الْعَينِ وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشَاءُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ (١٣)﴾ يقول تعالى: قل يا محمد للكافرين: ستغلبون [أي: في الدنيا] [¬٢]، وتحشرون؛ أي: يوم القيامة إلى جهنم وبئس المهاد. وقد ذكر محمد بن إسحاق بن [¬٣] يسار، عن عاصم بن عمر بن قَتَادة أن رسول الله ﷺ ، لما أصاب من أهل بدر ما أصاب، ورجع إلى المدينة، جمع اليهود في سوق بني قينقاع وقال: "يا معشر يهود أسلموا قبل أن يصيبكم الله كما [¬٤] أصاب قريشًا" فقالوا: يا محمد! لا يغرنك من نفسك أن قتلت نفرًا من قريش كانوا أغمارًا لا يعرفون القتال، إنك والله لو قاتلتنا لعرفت أنا نحن الناس، وأنك لم تلق مثلنا، فأنزل الله في [] [¬٥] ذلك من قولهم: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾ إلى قوله ﴿لَعِبْرَةً [¬٦] لِأُولِي الْأَبْصَارِ﴾ (٣٧). وقد رواه محمد [¬٧] بن إسحاق أيضًا، عن محمد بن أبي محمد، عن سعيد، أو [¬٨] عكرمة، عن ابن عبَّاس فذكره (٣٨)؛ ولهذا قال تعالى: ﴿قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ﴾ أي: قد كان لكم أيها اليهود القائلون ما قلتم آية، أي: دلالة علن أن الله مُعِزُّ دينه، وناصر رسوله، ومظهر كلمته، ومُعْلٍ أمره ﴿فِي فِئَتَينِ﴾، أي: طائفتين، التقتا؛ أي: للقتال

стр. 1176

﴿فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ وهم المسلمون ﴿وَأُخْرَى كَافِرَةٌ﴾ وهم مشركو قريش يوم بدر. وقوله: ﴿يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيهِمْ رَأْيَ الْعَينِ﴾ قال بعض العلماء فيما حكاه ابن جرير (٣٩): يرى المشركون يوم بدر، أن المسلمين مثليهم في العدد رأي أعينهم أي: جعل الله ذلك فيما رأوه سببًا لنصرة الإِسلام عليهم، وهذا لا إشكال عليه إلَّا من جهة واحدة، وهي: أن المشركين بعثوا عمر بن سعد يومئدٍ قبل القتال يحزر [¬١] لهم المسلمين، فأخبرهم بأنَّهم ثلاثمائة يزيدون قليلًا، أو ينقصون قليلًا، وهكذا كان الأمر. كانوا ثلاثمائة وبضعة عشر رجلًا، ثم لما وقع القتال أمدهم الله بألف من خواص الملائكة وساداتهم. (والقول الثاني [¬٢] أن المعنى في قوله تعالى: ﴿يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيهِمْ رَأْيَ الْعَينِ﴾ أي: ترى [¬٣] الفئةُ المسلمة الفئةَ [¬٤] الكافرةَ مثليهم، أي: ضِعْفَيهِم في العدد، ومع هذا نصرهم الله عليهم، وهذا لا إشكال فيه على ما رواه العوفي عن ابن عبَّاس: أن المؤمنين كانوا يوم بدر ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلًا، والمشركين [¬٥] كانوا ستمائة وستة وعشرين رجلًا. وكأن هذا القول مأخوذ من ظاهر هذه الآية، ولكنه خلاف المشهور عند أهل التواريخ والسير وأيام الناس، وخلاف المعروف عند الجمهور، من أن المشركين كانوا مما بين التسعمائة إلى الألف، كما رواه محمد بن إسحاق، عن يزيد بن رومان، عن عروة بن الزُّبَير أن رسول الله ﷺ لما سأل ذلك العبد الأسود لبني الحجاج عن عدّة قريش قال: كثير، قال: "كم ينحرون كل يوم؟ " قال [¬٦]: ينحرون [¬٧] يومًا تسعًا ويومًا عشرًا، فقال النبي، ﷺ : "القوم ما بين التسعمائة إلى الألف" (٤٠). وروى [¬٨] أَبو إسحاق السبيعي [¬٩] حارثة، عن علي، ﵁، قال: كانوا ألفًا.

стр. 1177

وكذا قال ابن مسعود. والمشهور أنهم كانوا ما بين التسعمائة إلى الألف، وعلى كل تقدير فقد كانوا ثلاثة أمثال المسلمين، وعلى هذا فيشكل هذا القول، والله أعلم. لكن وجه ابن جرير (٤١) هذا وجعله صحيحًا، كما تقول: عندي ألف وأنا محتاج إلى مثليها، وتكون محتاجًا إلى ثلاثة آلاف. كذا قال: وعلى هذا فلا إشكال. لكن بقي سؤال آخر وهو وارد على القولين، وهو أن يقال: ما الجمع بين هذه الآية، وبين قوله تعالى في قصة بدر: ﴿وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا﴾ والجواب: أن هذا كان في حال، والآخر كان في حال [¬١]، أخرى، كما قال السدي، عن الطب، عن ابن مسعود في قوده تعالى: ﴿قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَينِ الْتَقَتَا﴾ الآية. قال: هذا يوم بدر. قال عبد الله بن مسعود: وقد نظرنا إلى الشركين فرأيناهم يضعفون علينا، ثم نظرنا إليهم فما رأيناهم يزيدون علينا رجلًا واحدًا. وذلك قوله تعالى: ﴿وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ﴾ الآية. وقال أَبو إسحاق، عن أبي عبيدة، عن عبد الله بن مسعود ﵁، قال: لقد قللوا في أعيننا حتَّى قلت لرجل إلى جانبي: تراهم سبعين؟ قال: أراهم مائة. قال: فأسرنا رجلًا منهم، فقلنا: كم كنتم؟ قال: ألفًا. فعندما عاين كل من الفريقين الآخر رأى المسلمون المشركين مثليهم أي: أكثر منهم بالضعف، ليتوكلوا ويتوجهوا ويطلبوا الإعانة من ربهم، ، ورأى المشركون المؤمنين كذلك، ليحصل لهم الرعب والخوف والجزع والهلع؛ ثم لما حصل التصافُّ [¬٢] والتقى الفريقان، قلل الله هؤلاء في أعين هؤلاء، وهؤلاء في أعين هؤلاء، ليقدم كل منهما على الآخر ﴿لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا﴾ أي: ليفرِّق بين الحق والباطل، فيظهر كلمة الإِيمان على الكفر والطغيان [¬٣]، ويعزّ المؤمنين ويذل الكافرين، كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ﴾ وقال هاهنا: ﴿وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشَاءُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ﴾ أي: أن في ذلك لمعتبرًا لمن له بصيرة وفهم، يهتدي به إلى حكمة الله وأفعاله، وقدره الجاري بنصر عباده المؤمنين في هذه الحياة الدنيا، ويوم يقوم الأشهاد.

стр. 1178

﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ (١٤) قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيرٍ مِنْ ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ (١٥)﴾ يخبر تعالى عما زين للناس في هذه الحياة الدنيا من أنواع الملاذ، من النساء والبنين فبدأ بالنساء؛ لأن الفتنة بهن أشد، كما ثبت في الصحيح (٤٢) أنَّه [ ﷺ قال]: "ما تركت بعدي فتنة أضر على الرجال من النساء". فأما إذا كان القصد بهنّ الإِعفاف وكثرة الأولاد، فهذا مطوب مرغوب فيه مندوب إليه، كما وردت الأحاديث بالترغيب في التزويج والاستكثار منه، و"إن خير هذه الأمة كان أكثرها نساء" (٤٣) وقوله ﷺ : "الدنيا متاع، وخير متاعها المرأة الصالحة، إن نظر إليها سرته، [وإن أمرها أطاعته] [¬١] وإن غاب عنها حفظته في نفسها وماله" (٤٤). وقوله في الحديث الآخر "حب إليَّ [الطيب

стр. 1179

والنساء]، وجعلت قُرَّة عيني في الصلاة (٤٥). وقالت عائشة ﵂: لم يكن شيء أحب إلى رسول الله ﷺ من النساء إلَّا الخيل. وفي رواية: "من [¬١] الخيل إلَّا النساء" (٤٦). وحب البنين تارة يكون للتفاخر والزينة، فهو داخل في هذا، وتارة يكون لتكثير النسل وتكثير أمة محمد، ﷺ ، ممن يعبد الله وحده لا شريك له، فهذا محمود ممدوح كما ثبت في الحديث: "تزوجوا الودود الولود، فإني مكاثر بكم الأمم يوم القيامة" (٤٧). وحب المال كذلك يكون تارة للفخر والخيلاء، والتكبر على الضعفاء، والتجبر على الفقراء، فهذا مذموم، وتارة يكون للنفقة في القربات، وصلة الأرحام والقرابات، ووجوه البر والطاعات، فهذا ممدوح محمود عليه شرعًا.

стр. 1180

وقد اختلف المفسرون في مقدار القنطار على أقوال، وحاصلها أنَّه المال الجزيل، كما قال [¬١] الضحاك وغيره. وقيل: ألف دينار، وقيل: ألف ومائتا دينار. وقيل: اثنا [¬٢] عشر الفًا. وقيل: أربعون ألفًا. وقيل: ستون ألفًا. وقيل: سبعون ألفًا. وقيل: ثمانون ألفًا. وقيل غير ذلك. وقد قال الإِمام أحمد (٤٨): حدَّثنا عبد الصمد، حدَّثنا حمَّاد، عن عاصم، عن أبي صالح، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ "القنطار: اثنا [¬٣] عشر ألف أوقية، كل أوقية خير مما بين السماء والأرض". وقد رواه ابن ماجة، عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن عبد الصمد بن عبد الوارث، عن حمَّاد بن سلمة به. وقد رواه ابن جرير، عن بندار، عن ابن مهدي، عن حمَّاد بن زيد، عن عاصم هو ابن بهدلة، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، موقوفًا وهذا أصح. وهكذا رواه ابن جرير (٤٩)، عن معاذ بن جبل وابن عمر، وحكاه ابن أبي حاتم (٥٠) عن أبي هريرة وأبي الدرداء أنهم قالوا: القنطار ألف ومائتا أوقية. ثم قال ابن جرير (٥١) ﵀: حدثني زكريا بن يحيى الضرير، حدَّثنا شبابة، حدَّثنا مخلد بن عبد الواحد، عن علي بن زيد، عن عطاء بن أبي ميمونة، عن زر بن حبيش، عن أبي بن كعب؛ [قال: قال رسول الله، ﷺ : "القنطار ألف أوقية ومائتا أوقية". وهذا حديث منكر أيضًا، والأقرب أن يكون موقوفًا على أبي بن كعب] [¬٤] كغيره من

стр. 1181

الصحابة. وقد روى ابن مردويه من طريق موسى بن عبيدة الربذي [¬١]، عن محمد بن إبراهيم، عن يحنَّش [¬٢] أبي موسى، عن أم الدرداء، عن أبي الدرداء قال: قال رسول الله ﷺ : "من قرأ مائة آية لم يكتب من الغافلين، ومن قرأ مائة آية إلى ألف أصبح [له قنطار من الأجر] [¬٣] عند الله، القنطار منه مثل الجبل العظيم" (٥٢). ورواه وكيع، عن موسى بن عبيدة بمعناه. وقال الحاكم في مستدركه (٥٣): حدَّثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، حدَّثنا أحمد بن عيسى بن زيد اللخمي بتنِّيس [¬٤]، حدَّثنا [عمرو بن أبي سلمة] [¬٥]، حدَّثنا زهير بن محمد، حدَّثنا حميد الطويل، رجل آخر، عن أنس بن مالك؛ قال: سئل رسول الله ﷺ عن قول الله تعالى: ﴿وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ﴾ قال: "القنطار: ألفا أوقية". صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه. هكذا رواه الحاكم. وقد رواه ابن أبي حاتم (٥٤) بلفظ آخر فقال: أنبأنا أحمد بن عبد الرحمن الرقي، حدَّثنا عمرو بن أبي سلمة، حدَّثنا زهير، يعني: ابن محمد، أنبأنا حميد الطويل، ورجل آخر، قد سماه -يعني: يزيد الرقاشي- عن أَنس، عن رسول الله، ﵌، في قوله:

стр. 1182

"قنطار يعني: ألف دينار". وهكذا رواه [¬١] ابن مردويه، عن [¬٢] الطبراني، عن عبد الله بن محمد بن أبي مريم، عن عمرو بن أبي سلمة، فذكر بإسناده مثله سواء. وروى ابن جرير (٥٥)، عن الحسن البصري عنه مرسلًا أو [¬٣] موقوفًا عليه: القنطار ألف ومائتا [¬٤] دينار، [وكذا رواه العوفي عن ابن عبَّاس. وقال الضحاك: من العرب من يقول: القنطار ألف ومائتا دينار] [¬٥]، ومنهم من يقول: اثنا عشر ألفًا. وقال ابن أبي حاتم (٥٦): حدَّثنا أبي، حدَّثنا عارم، عن حمَّاد، عن سعيد الجريري [¬٦]، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد الخدري، ﵁، قال: القنطار [¬٧] ملء مسك [¬٨] الثور ذهبًا. قال أبو محمد (٥٧): ورواه محمد [بن موسى الحرشي] [¬٩]، عن حمَّاد بن زيد مرفوعًا، والموقوف أصح. (وحب الخيل على ثلاثة أقسام) تارة يكون ربطها أصحابها معدّة لسبيل الله تعالى متى احتاجوا إليها غزوا عليها، فهؤلاء يثابون، وتارة تربط فخرًا ونواءً لأهل الإسلام، فهذه على صاحبها وزر، وتارة للتعفف واقتناء رقابها ولم ينس حق الله في نسلها [¬١٠]، فهذه لصاحبها ستر، كما سيأتي الحديث (٥٨) بذلك [إن شاء الله تعالى] [¬١١] عند قوله تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا

стр. 1183

لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ﴾ الآية وأما المسومة، فعن ابن عباس، ﵄: المسوَّمة: الراعية، والمطهمة: الحسان. وكذا روي عن مجاهد، وعكرمة، وسعيد بن جبير، وعبد الرحمن بن عبد الله بن أبزى والسدِّي، والربيع بن أَنس، وأبي سنان وغيرهم. وقال مكحول: المسوَّمة: الغرة والتحجيل. وقيل غير ذلك. وقد قال الإِمام أحمد (٥٩): حدَّثنا يحيى بن سعيد، عن عبد الحميد بن جعفر، عن يزيد بن أبي حبيب، عن سويد بن قيس، عن معاوية بن حُديج [¬١]، عن أبي ذر، ﵁، قال: قال رسول الله، ﷺ : "ليس من فرس عربي إلَّا يؤذن له مع كل فجر، يدعو بدعوتين يقول: اللَّهم إنك خوّلتني [من خوّلتني] [¬٢] من بني آدم فاجعلني من أحب ماله وأهله إليه، أو أحب أهله وماله إليه". وقوله تعالى: ﴿وَالأَنْعَامِ﴾ يعني: الإبل والبقر والغنم ﴿وَالْحَرْثِ﴾ يعني: الأرض المتخذة للغراس والزراعة. وقال [¬٣] الإِمام أحمد (٦٠): حدَّثنا روح بن عبادة، حدَّثنا أَبو نعامة العدوي، عن مسلم بن بديل عن إياس بن زهير، عن سويد بن هبيرة، عن النبي، ﵌ قال: "خير مال امرئ له مهرة مأمورة أو سكة مأَبورة". المأمورة: الكثيرة النسل، والسكة [¬٤]: النخل المصطف، والمأبورة: الملقحة. ثم قال تعالى: ﴿ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ أي: إنما هذا زهرة الحياة الدنيا وزينتها الفانية الزائلة ﴿وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ﴾ أي: حسن المرجع والثواب. وقد قال ابن جرير (٦١): حدَّثنا ابن حميد، حدَّثنا جرير، عن عطاء، عن أبي بكر بن حفص

стр. 1184

ابن عمر بن سعد، قال: قال عمر بن الخطاب ﵁: لما أنزلت [¬١] ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ﴾ قلت: الآن يارب حين زينتها لنا، فنزلت: ﴿قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيرٍ مِنْ ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ الآية. ولهذا قال تعالى: ﴿قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيرٍ مِنْ ذَلِكُمْ﴾ أي: قل يا محمد للناس: أأخبركم بخير مما زين للناس في هذه الحياة الدنيا من زهرتها ونعيمها الذي هو زائل لا محالة، ثم أخبر عن ذلك فقال: ﴿لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ أي: تنخرق بين جوانبها وأرجائها الأنهار، من أنواع الأشربة من العسل واللبن والخمر والماء وغير ذلك، مما لا عين رأت ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر ﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾ أي: ماكثين فيها أبد الآباد لا يبغون عنها حولًا، ﴿وَأَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ﴾ أي: من الدنس والخبث والأذى والحيض والنفاس وغير ذلك، مما يعتري نساء الدنيا. ﴿وَرِضْوَانٌ مِنَ اللهِ﴾ أي: يحل عليهم رضوانه فلا يسخط عليهم بعده أبدًا. ولهذا قال تعالى في الآية الأخرى التي في براءة: ﴿وَرِضْوَانٌ مِنَ اللهِ أَكْبَرُ﴾ أي: أعظم مما أعطاهم من النعيم المقيم. ثم قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾ أي: يعطي كلا بحسب ما يستحقه من العطاء. ﴿الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (١٦) الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقَانِتِينَ وَالْمُنْفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ (١٧)﴾ يصف [تبارك و] [¬٢] تعالى عباده المتقين الذين وعدهم الثواب الجزيل، فقال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا﴾ أي: بك بكتابك وبرسلك [¬٣] ﴿فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا﴾ أي: بإيماننا بك وبما شرعته لنا [فاغفر لنا ذنوبنا وتقصيرنا من أمرنا، بفضلك ورحمتك] [¬٤] ﴿وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾. ثم قال تعالى: ﴿الصَّابِرِينَ﴾ أي: في قيامهم بالطاعات وتركهم المحرَّمات ﴿وَالصَّادِقِينَ﴾ فيما أخبروا به من إِيمانهم بما يلتزمونه من الأعمال الشاقة ﴿وَالْقَانِتِينَ﴾ والقنوت: الطاعة والخضوع، ﴿وَالْمُنْفِقِينَ﴾ أي: من أموالهم في جميع ما أمروا به من الطاعات، وصلة الأرحام والقرابات، وسد الخلات، ومواساة ذوي الحاجات ﴿وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ﴾ دل على فضيلة الاستغفار وقت الأسحار.

стр. 1185

وقد قيل: إن يعقوب ﵇ لما قال لبنيه ﴿قَال سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي إِنَّهُ﴾ أنَّه أخرهم إلى وقت السحر. وثبت في الصحيحين (٦٢) وغيرهما من المسانيد والسنن من غير وجه، عن جماعة من الصحابة أن رسول الله، ﵌، قال: "ينزل الله ﵎ في كل ليلة إلى سماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر [¬١] فيقول: هل من سائل فأعطيه؟ هل من داع فأستجيب له؟ هل من مستغفر فأغفر له؟ ". الحديث. وقد أفرد الحافظ أَبو الحسن الدارقطني في ذلك جزءًا على حدة، فرواه من طرق متعدِّدة. وفي الصحيحين (٦٣) عن عائشة، ﵂، قالت: من كل الليل قد أوتر رسول الله ﷺ من أوله وأوسطه وآخره، فانتهى وتره إلى السحر. وكان عبد الله بن عمر يصلي من الليل ثم يقول: يا نافع هل جاء السحر؟ فإذا قال: نعم. أقبل على الدعاء والاستغفار حتَّى يصبح. رواه ابن أبي حاتم (٦٤). وقال ابن جرير (٦٥): حدَّثنا ابن وكيع، حدَّثنا أبي، عن حريث بن أبي مطر، عن إبراهيم بن

стр. 1186

حاطب، عن أبيه قال: سمعت رجلًا في السحر في ناحية المسجد وهو يقول: يا [¬١] رب أمرتني فأطعتك، وهذا السحر فاغفر لي. فنظرت فإذا هو ابن مسعود، ﵁. وروى ابن مردويه (٦٦) عن أنس بن مالك قال: كنا نؤمر إذا صلينا من الليل أن نستغفر في آخر السحر سبعين مرة. ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إلا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إلا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١٨) إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إلا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَينَهُمْ وَمَنْ يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (١٩) فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيكَ الْبَلَاغُ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ (٢٠)﴾ شهد تعالى وكفى به شهيدًا، وهو أصدق الشاهدين وأعدلهم، وأصدق القائلين ﴿أَنَّهُ لَا إِلَهَ إلا هُوَ﴾ أي: المنفرد بالإلهية لجميع الخلائق، وأن الجميع عبيده وخلقه وفقراء [¬٢] إليه، وهو الغني عما سواه. كما قال تعالى: ﴿لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلَائِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾، الآية. ثم قرن شهادة ملائكته [وأولي العلم] [¬٣] بشهادته فقال: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إلا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْم﴾ وهذه خصوصية عظيمة للعلماء في هذا المقام. ﴿قَائِمًا بِالْقِسْطِ﴾ منصوب على الحال، وهو في جميع الأحوال كذلك ﴿لَا إِلَهَ إلا هُوَ

стр. 1187

هُوْ﴾ تأكيد لما سبق ﴿الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ العزيز الذي لا يرام جنابه عظمة وكبرياء، الحكيم في أقواله وأفعاله وشرعه وقدره. وقال الإِمام أحمد (٦٧): حدَّثنا يزيد بن عبد ربه، حدَّثنا بقية بن الوليد، حدثني جبير بن عمرو القرشي، حدَّثنا أَبو سعيد الأنصاري، عن أبي يحيى مولى آل الزُّبَير بن العوام، عن الزبير بن العوام، قال: سمعت النبي ﷺ وهو بعرفة يقرأ هذه الآية ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إلا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إلا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ وأنا على ذلك من الشاهدين يارب. وقد رواه ابن أبي حاتم من وجه آخر (٦٨)، فقال: حدَّثنا علي بن حسين، حدَّثنا محمد بن المتوكل العسقلاني، حدَّثنا عمر بن حفص بن ثابت - أبو سعيد الأنصاري - حدَّثنا عبد الملك بن يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزُّبَير، عن أبيه، عن جدّه، عن الزُّبَير قال: سمعت رسول الله ﷺ حين قرأ هذه الآية ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إلا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ﴾ قال: "وأنا أشهد أي رب". وقال الحافظ أَبو القاسم الطبراني في المعجم الكبير (٦٩): حدَّثنا عبدان بن أحمد، وعلي ابن

стр. 1188

سعيد الرازي، قالا: حدَّثنا عمار بن عمر بن المختار، حدثني أبي، حدثني غالب القطان، قال: أتيت الكوفة في تجارة فنزلت قريبًا من الأعمش، فلما كانت ليلة أردت أن أنحدر، قام فتهجد من الليل فمرَّ بهذه الآية ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إلا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إلا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١٨) إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ ثم قال الأعمش: وأنا أشهد بما شهد الله به، وأستودع الله هذه الشهادة، وهي لي [¬١] عندَ الله وديعة، ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ قالها مرارًا، قلت: لقد سمع فيها شيئًا، فغدوت إليه فودعته، ثم قلت: يا أبا محمدَ، إني سمعتك تردّد هذه الآية، قال: أو ما بلغك ما فيها؟ قلت: أنا عندك منذ شهر لم تحدثني. قال: والله لا أحدّثك بها إلى سنة. فأقمت سنة، فكنت على بابه، فلما مضت السنة، قلت: يا أبا محمد، قد مضت السنة. قال: حدثني أَبو وائل، عن عبد الله، قال: قال رسول الله ﷺ : "يجاء بصاحبها يوم القيامة فيقول الله، ،: عبدي عهد إلي وأنا أحق من وفى بالعهد، أدخلوا عبدي الجنَّة". وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ إخبارٌ منه [¬٢] الله [¬٣] تعالى بأنه لا دين عنده يقبله من أحد سوى الإسلام، وهو اتباع الرسل فيما بعثهم الله به في كل حين، حتَّى [¬٤] ختموا بمحمد، ﷺ ، الذي سد جميع الطرق إليه إلا من جهة محمد، ﷺ ، فمن لقي الله بعد [بعثة محمد] [¬٥] ﷺ بدين على غير شريعته فليس بمتقبل، كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ الآية. وقال في هذه الآية مخبرًا بانحصار الدين المتقبل منه [¬٦] عنده في الإِسلام: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾. وذكر [¬٧] ابن جرير (٧٠)، أن ابن عبَّاس قرأ ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إلا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إلا هُوَ [¬٨] الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١٨) إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ بكسر ﴿إِنَّ﴾ [¬٩]- وفتح، ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ أي: يشهد هو والملائكة وأولو العلم

стр. 1189

من البشر بأن الدين عند الله الإِسلام. والجمهور قرءوها بالكسر على الخبر، وكلا المعنيين صحيح، ولكن هذا على قول الجمهور أظهر، والله أعلم. ثم أخبر تعالى بأن [¬١] الذين أوتوا الكتاب الأول إنما اختلفوا بعد ما قامت عليهم [¬٢] الحجة بإرسال الرسل إليهم، وإنزال الكتب عليهم، فقال: ﴿وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إلا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَينَهُمْ﴾ أي: بغى بعضهم على بعض، فاختلفوا في الحق؛ لتحاسدهم وتباغضهم وتدابرهم، فحمل [بعضهم بغض] [¬٣] البعض [¬٤] الآخر على مخالفته في جميع أقواله وأفعاله، وإن كانت حقًّا، ثم قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ [أي: من جحد [ما أنزل] [¬٥] الله في كتابه] ﴿فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ أي: فإن [¬٦] الله سيجازيه على ذلك، ويحاسبه على تكذيبه، ويعاقبه على مخالفته كتابه. ثم قال تعالى: ﴿فَإِنْ حَاجُّوكَ﴾ أي: جادلوك في التوحيد ﴿فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ﴾ أي: فقل أخلصت عبادتي لله وحده لا شريك له ولا ندّ له، ولا ولد له [¬٧] ولا صاحبة له ﴿وَمَنِ اتَّبَعَنِ [¬٨]﴾ أي: على ديني، يقول [¬٩] كمقالتي. كما قال تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ الآية. ثم قال تعالى آمرًا لعبده ورسوله محمد، ﷺ ، أن يدعو إلى طريقته ودينه والدخول في شرعه، وما بعثه الله به، الكِتَابِيِّين من الملتين، والأمِّيِّين من المشركين، فقال تعالى: ﴿وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيكَ الْبَلَاغُ﴾ أي: والله عليه حسابهم، وإليه مرجعهم ومآبهم، وهو الذي يهدي من يشاء، ويضل من يشاء، وله الحكمة في ذلك، والحجة البالغة، ولهذا قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾ أي: هو عليم بمن يستحق الهداية ممن يستحق الضلالة، وهو الذي ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ وما ذلك [¬١٠] إلَّا لحكمته ورحمته. وهذه الآية وأمثالها من أصرح الدلالات على عموم بعثته صلوات الله وسلامه عليه إلى جميع الخلق، كما هو معلوم من دينه ضرورة، وكما دل عليه الكتاب والسنة في غير ما آية وحديث،

стр. 1190

فمن ذلك قوله تعالى: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيكُمْ جَمِيعًا﴾ وقال تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالمِينَ نَذِيرًا﴾. وفي الصحيحين وغيرهما (٧١) مما ثبت تواتره بالوقائع المتعددة، أنَّه ﷺ بعث لَهُم به يدعو إلى الله ملوكَ الآفاق، وطوائف بني آدم، من عربهم وعجمهم، كتابيهم وأميهم؛ امتثالًا لأمر الله له [¬١] بذلك. وقد روى عبد الرزاق، عن معمر، عن همام، عن أبي هريرة، عن النبيّ ﷺ أنه قال: "والذي نفسي بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي ولا نصراني، ومات ولم يؤمن بالذي أرسلت به، إلَّا كان من أهل النار" رواه مسلم (٧٢).

стр. 1191

وقال ﷺ : "بعثت إلى الأسود والأحمر" (٧٣). وقال: "كان النبي يبعث إلى قومه خاصة، وبعثت إلى الناس عامة" (٧٤). وقال الإِمام أحمد (٧٥): حدَّثنا مؤمل، حدَّثنا حمَّاد، حدَّثنا ثابت عن أَنس، ﵁: أن غلامًا يهوديًّا كان يضع [¬١] للنبي ﷺ وضوءه، ويناوله نعليه، فمرض، فأتاه النبي ﷺ فدخل عليه، وأَبوه قاعد عند رأسه، فقال له النبي ﷺ : "يا فلان "قل لا إله إلَّا الله". فنظر إلى أبيه، فسكت أَبوه، فأعاد عليه النبي ﷺ فنظر إلى أبيه، فقال أبوه: أطع أبا القاسم. فقال الغلام: أشهد أن لا إله إلَّا الله، وأنك رسول الله. فخرج النبي، ﷺ ، وهو يقول: "الحمد لله الذي أخرجه بي من النار" رواه [¬٢] "البخاري في الصحيح، إلى غير ذلك من الآيات والأحاديث. ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (٢١) أُولَئِكَ الَّذِينَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (٢٢)﴾ هذا ذم من الله تعالى لأهل الكتاب فيما ارتكبوه من المآثم والمحارم، في تكذيبهم بآيات الله قديمًا وحديثًا، التي بلغتهم إياها الرسل؛ استكبارًا عليهم، وعنادًا لهم، وتعاظمًا على الحق، واستنكافًا عن اتباعه، ومع هذا [قتلوا من] [¬٣] قتلوا من النبيين حين بلغوهم عن الله شرعه، بغير سبب ولا جريمة منهم إليهم، إلَّا لكونهم دعوهم إلى الحق ﴿وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ﴾ وهذا هو غاية الكبر، كما قال النبي ﷺ : "الكبر بطر الحق وغمط الناس" (٧٦).

стр. 1192

وقال [¬١] ابن أبي حاتم (٧٧): حدَّثنا أَبو الزُّبَير الحسن بن علي بن مسلم النيسابوري نزيل مكة، حدثني أبو حفص عمر بن حفص، يعني ابن ثابت بن زرارة الأنصاري - حدَّثنا محمد بن حمزة، حدَّثنا أَبو الحسن -مولى لبني أسد - عن مكحول، عن قبيصة [¬٢] بن ذؤيب الخزاعي، عن أبي عبيدة بن الجراح ﵁ قال: قلت: يا رسول الله! أي: الناس أشد عذابًا يوم القيامة؟ قال: "رجل قتل نبيًّا أو [من أمر بالمنكر أو نهى عن المعروف] ". ثم قرأ رسول الله ﷺ : ﴿إِنَّ [¬٣] الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ الآية، ثم قال رسول الله ﷺ : "يا أبا عبيدة! قتلت بنو إسوائيل ثلاثة وأربعين نبيًّا، من أول النهار في ساعة واحدة، فقام مائة [¬٤]، وسبعون رجلا من بني إسرائيل فأمروا من قتلهم بالمعروف ونهوهم عن المنكر، فقتلوا جميعًا من آخر النهار من ذلك اليوم، فهم الذين ذكر الله ". وهكذا رواه ابن جرير (٧٨)، عن أبي عبيدة الوصاي محمد بن حفص، عن ابن حمير، عن أبي الحسن مولى بني أسد، عن مكحول به. وعن [¬٥] عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قتلت بنو إسرائيل ثلاثمائة نبي [¬٦] من أول النهار، وأقاموا سوق بقتلهم من آخره. رواه ابن أبي حاتم (٧٩). ولهذا لما أن تكبروا عن الحق واستكبروا على الخلق قابلهم الله على ذلك بالذلة والصغار في الدنيا، والعذاب المهين في الآخرة فقال تعالى: ﴿فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ أي: موجع مهين ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾.

стр. 1193

﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَينَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ وَهُمْ مُعْرِضُونَ (٢٣) ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إلا أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (٢٤) فَكَيفَ إِذَا جَمَعْنَاهُمْ لِيَوْمٍ لَا رَيبَ فِيهِ وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (٢٥)﴾ يقول تعالى منكرًا على اليهود والنصارى، المتمسكين فيما يزعمون بكتابيهم الذين بأيديهم، وهما التوراة والإنجيل، وإذا دعوا إلى التحاكم إلى ما فيهما من طاعة الله فيما أمرهم به فيهما من اتباع محمد ﷺ تولوا وهم معرضون عنهما، وهذا في غاية ما يكون من ذمهم، والتنويه بذكرهم بالمخالفة والعناد، ثم قال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إلا أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ﴾ أي: إنما حملهم وجرأهم على مُخَالفَةُ الحق افتراؤهم على الله فيما ادّعوه لأنفسهم، أنهم إنما يعذبون في النار سبعة أيام، عن كل ألف سنة في الدنيا يومًا، وقد تقدَّم تفسير ذلك في سورة البقرة. ثم قال تعالى: " ﴿وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ أي: ثبتهم على دينهم الباطل ما خدعوا به أنفسهم من زعمهم أن إشار لا تمسهم بذنوبهم إلَّا أيامًا معدودات، وهم الذين افتروا هذا من تلقاء أنفسهم، وافتعلوه ولم ينزل الله به سلطانا، قال الله تعالى متهدّدا لهم ومتوعدًا: ﴿فَكَيفَ إِذَا جَمَعْنَاهُمْ لِيَوْمٍ لَا رَيبَ فِيهِ﴾ أي: كيف يكون حالهم وقد افتروا على الله وكذبوا رسله، وقتلوا أنبياءه، والعلماء من قومهم الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر، والله تعالى سائلهم [¬١] عن ذلك كله، ومحاسبهم عليه ومجازيهم به، ولهذا قال تعالى: ﴿فَكَيفَ إِذَا جَمَعْنَاهُمْ لِيَوْمٍ لَا رَيبَ فِيهِ﴾ أي [¬٢]: لا شك في وقوعه وكونه ﴿وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾. ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ (٢٦) تُولِجُ اللَّيلَ فِي النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيلِ وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَتَرْزُقُ مَنْ تَشَاءُ بِغَيرِ حِسَابٍ (٢٧)﴾ يقول ﵎: قل يا محمد معظمًا لربك، وشاكرًا له، ومفوضًا إليه، [ومتوكلًا

стр. 1194

عليه] ﴿اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ﴾ أي: لك الملك كله ﴿تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ﴾ أي: أنت المعطي، وأنت المانع، وأنت الذي ما شئت كان وما لم تشأ لم يكن. وفي هذه الآية [¬١] تنبيه وإرشاد إلى شكر نعمة الله تعالى على رسوله ﷺ وهذه الأمّة؛ لأن الله تعالى حول النبوة من بني إسرائيل إلى النبي العربي القرشي [الأمى المكي]، خاتم الأنبياء على الإِطلاق، ورسول الله إلى جميع الثقلين الإِنس والجن، الذي جمع الله فيه محاسن من كان قبله، وخصه بخصائص لم يعطها نبيًّا من الأنبياء ولا رسولًا من الرسل، في العلم بالله وشريعته وإطلاعه على الغيوب الماضية والآتية، وكشفه له [¬٢] عن حقائق الآخرة، ونشر أمته في الآفاق في مشارق الأرض ومغاربها، وإظهار دينه، وشرعه على سائر الأديان والشرائع، فصلوات الله وسلامه عليه دائمًا إلى يوم الدين، ما تعاقب الليل والنهار، ولهذا قال تعالى: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ﴾ الآية أي: أنت المتصرف في خلقك، الفعال لما تريد. كما رد ﵎ على من يحكم [¬٣] عليه في أمره حيث قال: ﴿وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَينِ عَظِيمٍ﴾ قال الله تعالى ردًّا عليهم: ﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ﴾، الآية أي [¬٤]: نحن نتصرف فيما [¬٥] خلقنا كما نريد بلا ممانع، ولا مدافع، ولنا الحكمة البالغة [¬٦] والحجة التامة [¬٧] في ذلك. وهكذا يعطي [¬٨] النبوة لمن يريد [¬٩]، كما قال تعالى: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيثُ يَجْعَلُ رِسَالتَهُ [¬١٠]﴾ وقال تعالى: ﴿انْظُرْ كَيفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾، الآية. وقد روى الحافظ ابن عساكر (٨٠) في ترجمة إسحاق بن أحمد من تاريخه، عن المأمون الخليفة، أنه رأى في قصر ببلاد الروم مكتوبًا بالحميرية، فعرب له، فإذا هو بسم الله ما اختلف الليل والنهار، ولا دارت نجوم السماء في الفلك، إلا بنقل النعيم عن مَلِكٍ قد زال سلطانه إلى ملك. وملك ذي العرش دائم أبدًا ليس بفان ولا بمشترك. وقوله تعالى: ﴿تُولِجُ [¬١١] اللَّيلَ فِي النَّهَارِ وَتُولِجُ [¬١٢] النَّهَارَ فِي اللَّيلِ﴾ أي: تأخذ [¬١٣]

стр. 1195

من طول هذا فتزيده في قصر هذا، فيعتدلان، ثم تأخذ من هذا في هذا فيتفاوتان ثم يعتدلان، وهكذا في فصول السنة ربيعًا، وصيفًا، وخريفًا، وشتاء. وقوله تعالى: ﴿وَتُخْرِجُ [¬١] الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ [¬٢] الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ﴾ أي: تخرج [¬٣] [الزرع من الحبة، والحبة من الزرع]، والنخلة من النواة، والنواة من النخلة، والمؤمن من الكافر، والكافر من المؤمن، والدجاجة من البيضة، والبيضة من الدجاجة، وما جرى هذا المجرى من جميع الأشياء ﴿وَتَرْزُقُ [¬٤] مَنْ تَشَاءُ [¬٥] بِغَيرِ حِسَابٍ﴾ أي: تعطي من شئت [¬٦] من المال ما لا يعده ولا يقدر على إحصائه، وتقتر على آخرين، لما لك في ذلك من الحكمة والإِرادة، والمشيئة، والعدل. قال الطبراني (٨١): حدَّثنا محمد بن زكريا الغلابي [¬٧]، حدثنا جعفر بن جسر [¬٨] ابن فرقد حدثنا أبي، عن عمرو بن مالك، عن أبي الجوزاء، عن ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ قال: "اسم [¬٩] الله الأعظم الذي إذا دعي به أجاب في هذه الآية من آل عمران: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ﴾. لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيءٍ إلا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ
следующие страницы →