← Тафсир

Тафсир · id 1509

تفسير ابن كثير - ط أولاد الشيخ

ابن كثير

Полный текст (6 736 стр.). Показаны 2416–2455 · переход к 2421.

стр. 2416

ثم قال البخاري (٧٩١): حدثنا محمد بن أبي يعقوب أبو عبد اللَّه الكرماني، حدثنا حسان بن إبراهيم، حدثنا يونس، عن الزهري، عن عروة، أن عائشة رضي اللَّه تعالى عنها قالت: قال رسول اللَّه ﷺ : "رأيت جهنم يحطم بعضها بعضًا، ورأيت عمرًا يجر قصبه وهو أول من سيب السوائب". تفرد [¬١] به البخاري. وقال ابن جرير (٧٩٢): حدثنا هناد، حدثنا يونس بن بكير، حدثنا محمد بن إسحاق، حدثني محمد بن إبراهيم بن الحارث، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، قال: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول لأكثم بن الجون: "يا أكثم، رأيت عمرو بن لحي بن قمعة بن خندف يجر قصبه في النار، فما رأيت رجلًا أشبه برجل [به منك ولا منك به] " فقال أكثم: تخشى أن يضرني شبهه يا رسول اللَّه؟ فقال رسول اللَّه ﷺ : " لا، إنك مؤمن [وهو كافر، إنه أول من غير دين إبراهيم، وبحر البحيرة، وسيب السائبة، وحمى الحامي". ثم رواه عن] [¬٢] هناد، عن عبدة، [عن محمد بن عمرو] [¬٣]، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ بنحوه أو مثله.

стр. 2417

ليس هذان الطريقان في الكتب. وقال الإِمام أحمد (٧٩٣): حدثنا عمرو بن مجمع، حدثنا إبراهيم الهجري، عن أبي الأحوص، عن عبد اللَّه بن مسعود، عن النبي ﷺ قال: "إن أول من سيب السوائب وعبد الأصنام أبو خزاعة عمرو بن عامر، وإني رأيته يجر أمعاءه في النار". تفرد به أحمد من هذا الوجه، وقال عبد الرزاق (٧٩٤): أنبأنا معمر، عن زيد بن أسلم، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "إني لأعرف أول من سيب السوائب، وأول من غير دين إبراهيم ﵇". قالوا: من هو يا رسول اللَّه؟ قال: "عمرو ابن لحي أخو بني كعب، لقد رأيته يجر قصبه في النار يؤذي ريحه أهل النار، وإني لأعرف أول من بحر البحائر". قالوا: و [¬١] من هو يا رسول اللَّه؟ قال: "رجل من بني مدلج كانت له ناقتان، فجدع [¬٢] آذانهما، وحرم ألبانهما، ثم شرب ألبانهما بعد ذلك، فلقد رأيته في النار وهما يعضانه بأفواههما ويخبطانه بأخفافهما". فعمرو هذا هو ابن لحي

стр. 2418

ابن قمعة، أحد رؤساء خزاعة الذين ولوا البيت بعد جرهم، وكان أول من غير دين إبراهيم الخليل، فأدخل الأصنام إلى الحجاز، ودعا الرعاع [¬١] من الناس إلى عبادتها والتقرب بها، وشرع لهم هذه الشرائع الجاهلية في الأنعام وغيرها، كما ذكره اللَّه تعالى في سورة الأنعام عند قوله تعالى: ﴿وجعلوا للَّه مما ذرأ من الحرث والأنعام نصيبًا﴾ إلى آخر الآيات في ذلك. فأما البحيرة: فقال علي بن أبي طلحة: عن ابن عباس ﵄: هي الناقة إذا نتجت خمسة أبطن نظروا إلى الخامس، فإن كان ذكرًا ذبحوه فأكله الرجال دون النساء، وإن كان أنثى جدعوا [¬٢] آذانها فقالوا: هذه بحيرة. وذكر السدي وغيره قريبًا من هذا. وأما السائبة: فقال مجاهد: هى من الغنم نحو ما فسر من البحيرة، إلا أنها ما ولدت من [¬٣] ولد بينها وبينه [¬٤] ستة أولاد كانت على هيئتها، فإذا ولدت السابع ذكرًا أو ذكرين ذبحوه فأكله رجالهم دون نسائهم. وقال محمد بن إسحاق: السائبة: هى الناقة إذا ولدت عشر إناث من الولد ليس بينهن ذكر، سيبت فلم تركب ولم يُجَز وبرها، ولم يحلب لبنها إلا الضيف. وقال أبو روق: السائبة: كان الرجل إذا خرج فقضيت حاجته سيب من ماله ناقة أو غيرها فجعلها للطواغيت، فما ولدت من شيء كان لها. وقال السدي: كان الرجل منهم إذا قضيت حاجته، أو عوفي من مرض، أو كثر ماله، سيب شيئًا من ماله للأوثان، فمن عرض له من الناس عوقب بعقوبة في الدنيا. وأما الوصيلة: فقال على بن أبي طلحة، عن ابن عباس: هي الشاة إذا نُتجت سبعة أبطن نظروا إلى [¬٥] السابع، فإن كان ذكرًا أو أنثى وهو ميت اشترك فيه الرجال دون النساء، وإن كان أنثى استحيوها، وإن كان ذكرًا وأنثى في بطن واحد [¬٦] استحيوهما، وقالوا: وصلته أخته فحرمته علينا. رواه ابن أبي حاتم (٧٩٥).

стр. 2419

وقال عبد الرزاق (٧٩٦): أنبأنا معمر، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب ﴿ولا وصيلة﴾ قال: فالوصيلة من الإِبل، كانت الناقة تبتكر بأنثى، ثم تثني [¬١] بأنثى فيسمونها [¬٢] الوصيلة، ويقولون: وصلت أنْثَيَينْ [¬٣] ليس بينهما ذكر فكانوا [¬٤] يجدعونها لطواغيتهم. وكذا روي عن الإِمام مالك بن أنس رحمه اللَّه تعالى. وقال محمد بين إسحاق: الوصيلة من الغنم إذا ولدت عشر إناث في خمسة أبطن، توأمين توأمين في كل بطن، سميت الوصيلة وتركت، فما ولدت بعد ذلك من ذكر أو أنثى جعلت للذكور [¬٥] دون الإِناث، وإن كانت ميتة اشتركوا فيها. وأما الحام: فقال العوفي: عن ابن عباس، قال: كان الرجل إذا لقح فحله عشرًا، قيل: حام فاتركوه. و [¬٦] كذا قال أبو روق، وقتادة. وقال على بن أبي طلحة، عن ابن عباس: وأما الحام فالفحل من الإبل إذا ولد لولده، قالوا: حمى هذا ظهره، فلا يحملون عليه شيئًا، ولا يجزون له وبرًا، ولا يمنعونه من حمى رعي، ومن حوض يشرب منه، وإن كان الحوض لغير صاحبه. وقال ابن وهب: سمعت مالكًا يقول: أما الحام فمن [¬٧] الإِبل، كان يضرب في الإِبل، فإذا انقضى ضرابه جعلوا عليه ريش الطواويس وسيبوه. وقد قيل غير ذلك في تفسير هذه الآية، وقد ورد في ذلك حديث رواه ابن أبي حاتم (٧٩٧): من طريق أبي إسحاق السبيعي، عن أبي الأحوص [¬٨] الجشمي، عن أبيه مالك بن نضلة [¬٩]، قال: أتيت النبي ﷺ في خُلْقان من الثياب، فقال لي: "هل لك من مال؟ "

стр. 2420

فقلت [¬١]: نعم. قال: "من أي المال؟ " قال: فقلت: من كل المال؛ من الإِبل والغنم والخيل والرقيق قال: "فإذا آتاك اللَّه مالًا فَلْيُرَ [¬٢] عليك". ثم قال: "تنتج إبلك وافية آذانها؟ " قال: قلت: نعم. قال: "وهل تنتج الإِبل إلا كذلك؟ ". قال: "فلعلك تأخذ الموسى فتقطع آذان طائفة منها، وتقول: هذه بحير، وتشق آذان طائفة منها وتقول هذه حرم [¬٣] ". قلت: نعم. قال: "فلا تفعل، إن كل ما آتاك اللَّه لك حل". ثم قال: ﴿ما جعل اللَّه من بحيرة ولا سائبة ولا وصيلة ولا حام﴾. أما البحيرة: فهي التي يجدعون [¬٤] آذانها، فلا تنتفع [¬٥] امرأته ولا بناته ولا أحد من أهل بيته بصوفها، ولا أوبارها ولا أشعارها ولا ألبانها، فإذا ماتت اشتركوا فيها. وأما السائبة: فهي التي يسيبون لآلهتهم و [¬٦] يذهبون إلى آلهتهم فيسيبونها. وأما الوصيلة: فالشاة تلد ستة أبطن فإذا ولدت السابع [جدعت وقطع] [¬٧] قرنها، فيقولون: قد وصلت فلا يذيحونها ولا تضرب، ولا تمنع مهما وردت على حوض. هكذا يذكر تفسير ذلك مدرجًا في الحديث. وقد روي من وجه آخر عن أبي إسحاق عن أبي الأحوص [¬٨] عوف بن مالك من قوله وهو أشبه، وقد روى هذا الحديث الإمام أحمد: عن سفيان بن عيينة، عن أبي الزعراء عمرو بن عمرو، عن عمه أبي الأحوص [¬٩] عوف بن مالك بن نضلة، عن أبيه به. وليس فيه تفسير هذه، والله أعلم. وقوله تعالى: ﴿ولكن الذين كفروا يفترون على اللَّه الكذب وأكثرهم لا يعقلون﴾ أي: ما شرع اللَّه هذه الأشياء ولا هي عنده قربة، ولكن المشركين [¬١٠] افتروا ذلك، وجعلوه شرعًا لهم

стр. 2421

وقربة يتقربون بها إليه، وليس ذلك بحاصل لهم بل هو وبال عليهم. ﴿وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل اللَّه وإلى الرسول قالوا حسبنا ما وجدنا عليه آباءنا﴾ أي: إذا دعوا إلى دين اللَّه وشرعه وما أوجبه وترك ما حرمه، قالوا: يكفينا ما وجدنا عليه الآباء والأجداد من الطرائق والمسالك، قال اللَّه تعالى: ﴿أولو كان آباؤهم لا يعلمون شيئًا﴾ أي: لا يفهمون حقًّا ولا يعرفونه ولا يهتدون إليه، فكيف يتبعونهم والحالة هذه؟ لا يتبعهم إلا من هو أجهل منهم وأضل سبيلًا. ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (١٠٥)﴾ يقول تعالى: آمرًا عباده المؤمنين أن يصلحوا أنفسهم، ويفعلوا الخير بجهدهم وطاقتهم، ومخبرًا لهم: أنه من أصلح أمره لا يضره فساد من فسد من الناس، سواء كان قريبًا منه أو بعيدًا. قال العوفي، عن ابن عباس عند [¬١] تفسير هذه الآية: يقول تعالى إذا ما العبد أطاعني فيما أمرته به من الحلال [ونهيته عنه من] [¬٢] الحرام، فلا يضره من ضل بعده إذا عمل بما أمرته به. وكذا روى الوالبي عنه، وهكذا قال مقاتل بن حيان، فقوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم﴾ نصب على الإغراء ﴿لا يضركم من ضل إذا اهتديتم إلى اللَّه مرجعكم جميعا فينبئكم بما كنتم تعملون﴾ أي: فيجازي كل عامل بعمله، ان خيرًا فخير، وإن شرًّا فشر. وليس في الآية مُسْتَدَل على ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إذا كان فعل ذلك ممكنًا، وقد قال الإِمام أحمد ﵀ (٧٩٨):

стр. 2422

حدثنا هاشم بن القاسم، حدثنا زهير - يعني ابن معاوية -، حدثنا إسماعيل بن أبي خالد، حدثنا قيس، قال: قام أبو بكر الصديق [¬١] ﵁ فحمد اللَّه وأثنى عليه، ثم [¬٢] قال: أيها الناس، إنكم تقرءون هذه الآية: ﴿يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم﴾ إلى آخر الآية. وإنكم تضعونها على غير موضعها، وإني سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول [¬٣]: "إن الناس إذا رأوا المنكر ولا يغيرونه، أوشك [] [¬٤] اللَّه أن يعمهم بعقابه". قال: وسمعت أبا بكر يقول: يا أيها الناس، إياكم والكذب، فإن الكذب مجانب الإِيمان. وقد روى هذا الحديث أصحاب السنن الأربعة وابن حبان في صحيحه وغيرهم، من طرق كثيرة، عن جماعة كثيرة، عن إسماعيل بن أبي [¬٥] خالد به متصلًا مرفوعًا، ومنهم من رواه عنه به موقوفًا على الصديق، وقد رجح رفعه الدارقطني وغيره، وذكرنا طرقه والكلام عليه مطولًا في مسند الصديق ﵁. وقال أبو عيسى الترمذي (٧٩٩): حدثنا سعيد بن يعقوب الطالقاني، حدثنا عبد اللَّه بن

стр. 2423

المبارك، حدثنا عتبة بن أبي حكيم، حدثنا عمرو بن جارية [¬١] اللخمي، عن أبي أمية الشعباني، قال: أتيت أبا ثعلبة الخشني، فقلت له [¬٢]: كيف تصنع في هذه الآية؟ فقال: أية آية؟ قلت: قول اللَّه تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم﴾ فقال: أما والله لقد سألتَ عنها خبيرًا، سألت عنها رسول اللَّه ﷺ فقال: "بل ائتمروا بالمعروف، وتناهوا عن المنكر، حتى إذا رأيت شحًّا مطاعًا، وهوى متبعًا، ودنيا مؤثرة، وإعجاب كل ذي رأي برأيه، فعليك بخاصة نفسك، ودع العوام، فإن من ورائكم أيامًا، الصبر فيهن مثل القبض [¬٣] على الجمر، للعامل فيهن مثل أجر خمسين رجلًا يعملون كعملكم". قال عبد اللَّه بن المبارك: وزاد [] [¬٤] غير عتبة: قيل: يا رسول اللَّه، أجر خمسين رجلًا [منا أو منهم]؟ قال: " [] [¬٥] بل أجر خمسين منكم". ثم قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب صحيح. وكذا رواه أبو داود: من طريق ابن المبارك، ورواه ابن ماجة وابن جرير وابن أبي حاتم عن عتبة بن أبي حكيم. وقال عبد الرزاق (٨٠٠): أنبأنا معمر، عن الحسن: أن ابن مسعود ﵁ سأله رجل عن قول اللَّه: ﴿عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم﴾ فقال [¬٦]: إن هذا ليس بزمانها، إنها اليوم مقبولة، ولكنه قد أوشك [¬٧] أن يأتي زمانها، تأمرون فيصنع بكم كذا وكذا - أو قال: فلا يقبل منكم - فحينئذ عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل. ورواه أبو جعفر الرازي عن الربيع، عن أبي العالية، عن ابن مسعود، في قوله: ﴿يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم﴾ الآية. قال: كانوا عند عبد اللَّه بن

стр. 2424

مسعود جلوسًا، فكان بين رجلين بعض ما يكون بين الناس، حتى قام كل واحد منهما [¬١] إلى صاحبه، فقال رجل من جلساء عبد اللَّه: ألا أقوم فآمرهما بالمعروف وأنهاهما عن المنكر. فقال آخر إلى جنبه: عليك بنفسك، فإن اللَّه يقول: ﴿عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديم﴾. قال: فسمعها ابن مسعود فقال: مه، لم يجئ تأويل هذه بعد، إن القرآن أنزل حيث أنزل ومنه آي قد مضى تأويلهن قبل أن ينزلن، ومنه آي قد وقع تأويلهن على عهد رسول اللَّه ﷺ ، ومنه آي قد وقع تأويلهن بعد النبي ﷺ بيسير، [ومنه آي يقع تأويلهن] [¬٢] [بعد اليوم، ومنه آي يقع تأويلهن عند الساعة على ما ذكر من الساعة] [¬٣]، [ومنه آي يقع تأويلهن] [¬٤] يوم الحساب على [¬٥] ما ذكر من الحساب والجنة والنار، فما دامت قلوبكم واحدة وأهواؤكم واحدة، [ولم تلبسوا شيعًا، ولم يذق بعضكم بأس بعض] [¬٦]-[فأمروا وانهوا، وإذا اختلفت القلوب والأهواء وألبستم شيعًا، وذاق بعضكم بأس بعض] [¬٧]، فأمره [¬٨] ونفسه، وعند ذلك جاءنا تأويل هذه الآية. رواه ابن جرير (٨٠١). وقال ابن جرير (٨٠٢): حدثنا الحسن بن عرفة، حدثنا شبابة بن سوار، حدثنا الربيع بن صبيح، عن سفيان بن عقال، قال: قيل لابن عمر: لو جلست في هذه الأيام فلم تأمر [ولم تنه، فإن اللَّه قال: ﴿عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم﴾. فقال ابن] [¬٩] عمر: إنها ليست لي ولا لأصحابي، إن رسول اللَّه ﷺ قال: "ألا فليبلغ الشاهد الغائب"، فكنا نحن الشهود وأنتم الغُيّب، ولكن هذه الآية لأقوام يجيئون من بعدنا، إن قالوا لم يقبل منهم.

стр. 2425

وقال أيضًا (٨٠٣): حدثنا محمد بن بشار، حدثنا محمد بن جعفر وأبو عاصم، قالا: حدثنا عوف، عن سوار بن شبيب، قال: كنت عند ابن عمر إذ أتاه رجل جليد في العين شديد اللسان، فقال: يا أبا عبد الرحمن، نفر ستة كلهم قد قرأ القرآن فأسرع فيه [¬١]، وكلهم مجتهد لا يألو، وكلهم بغيض إليه أن يأتي دناءة، وهم في ذلك يشهد بعضهم على بعض بالشرك. [فقال رجل من القوم: وأي دناءة تريد أكثر من أن يشهد بعضهم على بعضٍ بالشرك] [¬٢]؟ فقال الأجل: إني لست إياك أسأل، إنما أسأل الشيخ. فأعاد على عبد اللَّه الحديث، فقال عبد اللَّه: لعلك ترى لا أبا لك أني سآمرك أن تذهب فتقتلهم، عظهم وانههم فإن عصرك فعليك نفسك، فإن اللَّه يقول: ﴿يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم إلى اللَّه مرجعكم جميعًا فينبئكم بما كنتم تعملون﴾. وقال أيضًا (٨٠٤): حدثني أحمد بن المقدام، حدثنا المعتمر بن سليمان، سمعت أبي، حدثنا قتادة، عن أبي مازن، قال: انطلقت على عهد عثمان إلى المدينة، فإذا قوم من المسلمين جلوس، فقرأ. أحدهم هذه الآية: ﴿يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل﴾ فقال [¬٣] أكبرهم: لم يجئ تأويل هذه الآية اليوم. وقال (٨٠٥): حدثنا القاسم، حدثنا الحسين، حدثنا ابن فضالة، عن معاوية بن صالح، عن

стр. 2426

جبير بن نفير، قال: كنت في حلقة فيها أصحاب رسول اللَّه ﷺ ، وإني لأصغر القوم، فتذاكروا الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، فقلت أنا: أليس اللَّه يقول في كتابه: ﴿يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم﴾؟ فأقبلوا عليَّ بلسان واحد، وقالوا: تنزع آية من القرآن لا تعرفها، ولا تدري ما تأويلها. حتى تمنيت أني لم أكن تكلمت، وأقبلوا يتحدثون، فلما حضر قيامهم قالوا: إنك غلام حديث السن، وإنك نزعت بآية و [¬١] لا تدري ما هي، وعسى أن تدرك ذلك الزمان، إذا رأيت شحًّا مطاعًا، وهوى متبعًا، وإعجاب كل ذي رأى برأيه، فعليك بنفسك لا يضرك من ضل إذا اهتديت. وقال ابن جرير (٨٠٦): حدثنا على بن سهل، حدثنا ضمرة بن ربيعة قال: تلا [¬٢] الحسن هذه الآية: ﴿يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم﴾ فقال الحسن: الحمد لله بها، والحمد للَّه عليها، ما كان مؤمن فيما مضى، ولا مؤمن فيما بقي، إلا وإلى جانبه منافق يكره عمله. وقال سعيد بن المسيب: إذا أمرت بالمعروف، ونهيت عن المنكر، فلا يضرك من ضل إذا اهتديت. رواه ابن جرير (٨٠٧)، وكذا روي من طريق سفيان الثوري، عن أبي العميس، عن أبي البختري، عن حذيفة مثله. وكذا قال غير واحد من السلف. وقال ابن أبي حاتم (٨٠٨): حدثنا أبي، حدثنا هشام بن خالد الدمشقى، حدثنا الوليد، حدثنا ابن لهيعة، عن يزيد بن أبي حبيب، عن كعب في قوله: ﴿عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم﴾ قال: إذا هدمت كنيسة [] [¬٣] دمشق فجعلت مسجدًا، وظهر لبس العَصْب، فحينئذ تأويل هذه الآية. ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ

стр. 2427

مِنْكُمْ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَأَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلَاةِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ لَا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَلَا نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللَّهِ إِنَّا إِذًا لَمِنَ الْآثِمِينَ (١٠٦) فَإِنْ عُثِرَ عَلَى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْمًا فَآخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيَانِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِنْ شَهَادَتِهِمَا وَمَا اعْتَدَيْنَا إِنَّا إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ (١٠٧) ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يَأْتُوا بِالشَّهَادَةِ عَلَى وَجْهِهَا أَوْ يَخَافُوا أَنْ تُرَدَّ أَيْمَانٌ بَعْدَ أَيْمَانِهِمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاسْمَعُوا وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (١٠٨)﴾ اشتملت هذه الآية الكريمة على حكم عزيز، قيل: إنه منسوخ، رواه العوفي عن ابن عباس، وقاله [¬١] حماد بن أبي سليمان، عن إبراهيم: إنها منسوخة. وقال آخرون وهم الأكثرون فيما قاله ابن جرير: بل هو محكم، ومن ادَّعى النسخ فعليه البيان. فقوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت حين الوصية اثنان﴾ هذا هو الخبر لقوله: ﴿شهادة بينكم﴾ فقيل: تقديره شهادة اثنين، حذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه، وقيل: دل الكلام على تقدير أن يشهد اثنان. وقوله تعالى: ﴿ذوا عدل﴾ وصف الاثنين بأن يكونا عدلين. وقوله: ﴿منكم﴾ أي: من المسلمين. قاله الجمهور، قال [¬٢] على بن أبي طلحة، عن ابن عباس ﵁ في قوله: ﴿ذوا عدل منكم﴾ قال -: من المسلمين. رواه ابن أبي حاتم (٨٠٩)، ثم قال: روي عن عبيدة وسعيد بن المسيب، والحسن ومجاهد، ويحيى بن يعمر والسدي، وقتادة ومقاتل بن حيان، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم وغيرهم [¬٣] نحو ذلك.

стр. 2428

قال [¬١] ابن جرير: وقال آخرون - عني بذلك [¬٢]- ﴿ذوا عدل منكم﴾ أي [¬٣]: من حَي الموصي، وذلك قول روي عن عكرمة وعبيدة وعدة غيرهما. وقوله: ﴿أو آخران من غيركم﴾ قال ابن أبي حاتم (٨١٠): حدثنا أبي، حدثنا سعيد بن عون، حدثنا عبد الواحد بن زياد، حدثنا حبيب بن أبي عمرة، عن سعيد بن جبير، قال: قال ابن عباس في قوله: ﴿أو آخران من غيركم﴾ قال: من غير المسلمين يعني: أهل الكتاب. ثم قال: وروي عن عبيدة وشريح، وسعيد بن المسيب ومحمد بن سيرين، ويحيى بن يعمر وعكرمة، ومجاهد وسعيد بن جبير، والشعبى وإبراهيم النخعي، وقتادة وأبي مجلز، والسدي ومقاتل بن حيان، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم وغيرهم [¬٤] نحو ذلك. وعلى ما حكاه ابن جرير عن عكرمة وعبيدة في قوله: ﴿منكم﴾ أن [¬٥] المراد من قبيلة الموصي، يكون المراد هاهنا ﴿أو آخران من غيركم﴾ أي: من غير قبيلة الموصى، وقد روي عن ابن أبى حاتم مثله عن الحسن البصري والزهري رحمهما اللَّه. وقوله تعالى: ﴿إن أنتم ضربتم في الأرض﴾ أي: سافرتم ﴿فأصابتكم مصيبة الموت﴾ وهذان شرطان لجواز استشهاد الذميين عند فقد المؤمنين؛ أن يكون ذلك في سفر، وأن يكون في وصية، كما صرح بذلك شريح القاضي. قال ابن جرير (٨١١): حدثنا عمرو بن علي، حدثنا أبو معاوية ووكيع، قالا: حدثنا الأعمش، عن إبراهيم، عن شريح، قال: لا تجوز [¬٦] شهادة اليهودي والنصراني إلا في سفر، ولا تجوز [¬٧] في سفر إلا في الوصية [¬٨].

стр. 2429

ثم رواه عن أبي كريب، عن أبي بكر بن عياش، عن أبي إسحاق السبيعي، قال: قال شريح: فذكر مثله (٨١٢). وقد روي مثله عن الإِمام أحمد بن حنبل رحمه اللَّه تعالى، وهذه المسألة من أفراده، وخالفه الثلاثة فقالوا: لا تجوز شهادة أهل الذمة على المسلمين، وأجازها أبو حنيفة فيما بين بعضهم بعضًا. وقال ابن جرير (٨١٣): حدّثنا عمرو بن علي، حدثنا أبو داود، حدثنا صالح بن أبي الأخضر، عن الزهري، قال: مضت السنة أنه لا تجوز شهادة الكافر [¬١] في حضر ولا سفر، إنما هي في المسلمين. وقال ابن زيد: نزلت هذه الآية في رجل توفي وليس عنده أحد من أهل الإِسلام، وذلك في أول الإسلام، والأرض حرب والناس كفار، وكان الناس يتوارثون بالوصية ثم نسخت الوصية، وفرضت الفرائض وعمل الناس بها. رواه ابن جرير (٨١٤)، وفي هذا نظر، واللَّه أعلم. وقال ابن جرير: اختلف في قوله: ﴿شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت حين الوصية اثنان ذوا عدل منكم أو آخران من غيركم﴾ هل المراد أن ورصي إليهما أو يشهدهما؟ على قولين: أحدهما: أن [¬٢] يوصي إليهما، كما قال [محمد بن إسحاق، عن يزيد بن عبد اللَّه بن قُسَيط، قال: سئل ابن مسعود ﵁ عن هذه الآية، قال] [¬٣]: هذا رجل سافر [¬٤] ومعه مال فأدركه قدره، فإن وجد رجلين من المسلمين دفع إليهما تركته، وأشهد عليهما عدلين من المسلمين. رواه [¬٥] ابن أبي حاتم (٨١٥) وفيه انقطاع.

стр. 2430

والقول الثاني: أنهما يكونان شاهدين، وهو ظاهر سياق الآية الكريمة، فإن لم يكن وصي ثالث معهما اجتمع فيهما [¬١] الوصفان: الوصاية والشهادة، كما في قصة تميم الداري وعدي ابن بدّاء، كما سيأتي ذكرهما آنفا إن شاء اللَّه، وبه التوفيق. وقد استشكل ابن جرير كونهما شاهدين قال؛ لأنا لا نعلم حكمًا يحلف [¬٢] فيه الشاهد. وهذا لا يمنع الحكم الذي تضمنته هذه الآية الكريمة، وهو حكم مستقل بنفسه، لا يلزم أن يكون جاريا على قياس جميع الأحكام، على أن هذا حكم خاص بشهادة خاصة في محل خاص، وقد اغتفر فيه من الأمور ما لم يغتفر في غيره، فإذا قامت قرائن الريبة حلف [¬٣] هذا الشاهد بمقتضى ما دلت عليه هذه الآية الكريمة. [وقوله تعالى] [¬٤]: ﴿تحبسونهما من بعد الصلاة﴾ قال العوفي [¬٥] عن [¬٦] ابن عباس: يعني صلاة العصر. وكذا قال سعيد بن جبير وإبراهيم النخعي وقتادة وعكرمة ومحمد بن سيرين. وقال الزهري: يعني صلاة المسلمين. وقال السدي، عن ابن عباس: يعني صلاة أهل دينهما. [وروي عن عبد الرزاق (٨١٦) عن أيوب، عن ابن سيرين، عن عبيدة، وكذا قال إبراهيم وقتادة وغير واحد] [¬٧]. والمقصود أن يقام هذان الشاهدان بعد صلاة اجتمع الناس فيها بحضرتهم ﴿فيقسمان بالله﴾ [أي: فيحلفان بالله] [¬٨] ﴿إن ارتبتم﴾ أي [¬٩]: إن ظهرت لكم منهما [¬١٠] ريبة أنهما قد خانا أو غلّا فيحلفان حينئذ بالله ﴿لا نشتري به﴾ أي: بأيماننا، قاله مقاتل بن حيان ﴿ثمنًا﴾ أي: لا نعتاض عنه بعوض قليل من الدنيا الفانية الزائلة ﴿ولو كان ذا قربى﴾ أي: ولو كان المشهود عليه قريبا إلينا لا نحابيه ﴿ولا نكتم شهادة اللَّه﴾ أضافها إلى اللَّه تشريفًا لها وتعظيمًا لأمرها.

стр. 2431

وقرأ بعضهم: ﴿ولا نكتم شهادة اللَّه﴾ مجرورًا على القسم، رواها ابن جرير (٨١٧) عن عامر الشعبي، وحكى عن بعضهم أنه قرأها: (ولا نكتم شهادة اللَّه)، والقراءة الأولى هي المشهورة. ﴿إنا إذًا لمن الآثمين﴾ أي: إن فعلنا شيئًا من ذلك من تحريف الشهادة أو تبديلها أو تغييرها أو كتمها بالكلية. ثم قال تعالى: ﴿فإن عثر على أنهما استحقا إثمًا﴾ أي: فإن [¬١] اشتهر وظهر وتحقق من الشاهدين الوصيين أنهما خانا أو غلّا شيئًا من المال الموصى به إليهما، وظهر عليهما بذلك ﴿فآخران يقومان مقامهما من الذين استحق عليهم الأوليان﴾ [هذه قراءة الجمهور (استحق عليهم الأوليان) وروي عن علي وأبيِّ والحسن البصري أنهم قرءوها ﴿استحق عليهم الأوليان﴾] [¬٢]. وقد روى الحاكم في المستدرك (٨١٨): من طريق إسحاق بن محمد الفروي، عن سليمان بن بلال، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن عبيد اللَّه بن أبي رافع، عن علي بن أبى طالب ﵁: أن النبي ﷺ قرأ: ﴿من الذين استحق عليهم الأوْليان﴾. [ثم قال: صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه. وقرأ بعضهم ومنهم ابن عباس: (من الذين استحق عليهم الأوَّلين] [¬٣]. وقرأ الحسن: (من الذين استحق عليهم الأوَّلان) حكاه ابن جرير (٨١٩). فعلى قراءة الجمهور يكون المعنى بذلك: أي متى تحقق ذلك [¬٤] بالخبر الصحيح على خيانتهما فليقم اثنان من الورثة المستحقين للتركة، وليكونا من أولى من يرث ذلك المال ﴿فيقسمان بالله لشهادتنا أحق من شهادتهما﴾ أي: لقولنا أنهما [¬٥] خانا أحق وأصح وأثبت من شهادتهما

стр. 2432

المتقدمة ﴿وما اعتدينا﴾ أي: فيما قلنا من الخيانة ﴿إنا إذا لمن الظالمين﴾ أي: إن كنا قد كذبنا عليهما. وهذا التحليف للورثة والرجوع إلى قولهما والحالة هذه، كما يحلف أولياء المقتول إذا ظهر لوث فى جانب القاتل، فيقسم المستحقون على القاتل فيدفع برمته إليهم، كما هو مقرر في باب القسامة من الأحكام. وقد وردت السنة بمثل ما دلت عليه هذه الآية الكريمة، فقال ابن أبي حاتم (٨٢٠): حدثنا أبي، حدثنا الحسين بن زياد، حدثنا محمد بن سلمة، عن محمد بن إسحاق، عن أبي [¬١] النضر، عن باذان - يعني: أبا صالح مولى أم هانئ بنت أبي طالب -، عن ابن عباس، عن تميم الداري فى هذه الآية: ﴿يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت﴾ قال: برئ الناس منها غيري وغير عدي بن بدَّاء، وكانا نصرانيين يختلفان إلى الشام قبل الإسلام، فأتيا الشام لتجارتهما وقدم عليهما مولى لبنى سهم، يقال له: بديل بن أبي مريم بتجارة و [¬٢] معه جام من فضة يريد به الملك، وهو عُظّم تجارته فمرض فأوصى إليهما، وأمرهما أن يبلغا ما ترك أهله، قال تميم: فلما مات أخذنا ذلك الجام فبعناه بألف درهم، ثم اقتسمناه أنا وعدي [] [¬٣]، فلما قدمنا إلى أهله دفعنا إليهم ما كان معنا، وفقدوا الجام فسألونا عنه، فقلنا: ما ترك غير هذا وما دفع إلينا غيره. قال تميم: فلما أسلمت بعد قدوم رسول اللَّه ﵌ المدينة تأثمت من ذلك، فأتيت أهله فأخبرتهم الخبر ودفعت إليهم خمسمائة درهم، وأخبرتهم أن عند صاحبي مثلها فوثبوا إليه، فأمرهم النبي [¬٤] أن يستحلفوه بما يعظم به على أهل دينه، فحلف فأنزل اللَّه: ﴿يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم﴾ إلى قوله: ﴿فيقسمان بالله لشهادتنا أحق من شهادتهما﴾ فقام عمرو بن العاص ورجل آخر منهم، فحلفا فنزعت الخمسمائة من عدي بن بداء.

стр. 2433

وهكذا رواه أبو عيسى الترمذي وابن جرير كلاهما: عن الحسن بن أحمد بن أبي شعيب الحراني، عن محمد بن سلمة، عن محمد بن إسحاق به. فذكره وعنده: فأتوا به رسول اللَّه ﷺ فسألهم البينة، فلم يجدوا، فأمرهم أن يستحلفوه بما يعظم به [¬١] على أهل دينه، فحلف فأنزل اللَّه [هذه الآية] [¬٢] إلى قوله: ﴿أو يخافوا أن ترد أيمان بعد أيمانهم﴾ فقام عمرو بن العاص ورجل آخر، فحلفا فنزعت الخمسمائة من عدي بن بداء. ثم قال: هذا حديث غريب وليس إسناده بصحيح، وأبو النضر الذي روى عنه محمد بن إسحاق هذا الحديث هو عندي: محمد بن السائب الكلبي [¬٣]، يكنى أبا النضر، وقد تركه أهل العلم بالحديث، وهو صاحب التفسير، سمعت محمد بن إسماعيل يقول: محمد بن السائب الكلبي يكنى أبا النضر. ثم قال: ولا نعرف لسالم أبي النضر رواية عن أبي صالح مولى أم هانئ، وقد روي عن ابن عباس شيء من هذا على الاختصار من غير هذا الوجه. حدثنا سفيان بن وكيع، حدثنا يحيى بن آدم، عن ابن أبى زائدة، عن محمد بن أبي القاسم، عن عبد الملك بن سعيد بن جبير، عن أبيه، عن ابن عباس، قال: خرج رجل من بني سهم مع تميم الداري وعدي بن بداء، فمات السهمي بأرض ليس بها مسلم، فلما قدما بتركته، فقدوا جامًا من فضة مخوصًا بالذهب، فأحلفهما رسول اللَّه ﷺ ووجدوا الجام بمكة، فقيل: اشتريناه من تميم وعدي، فقام رجلان من أولياء السهمي فحلفا بالله لشهادتنا أحق من شهادتهما، وأن الجام لصاحبهم، وفيهم نزلت: ﴿أيها الذين آمنوا شهادة بينكم﴾ الآية (٨٢١).

стр. 2434

وكذا رواه أبو داود: عن الحسن بن علي، عن يحيى بن آدم به. ثم قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب. وهو حديث ابن أبي زائدة. ومحمد بن أبي القاسم كوفى [¬١] قيل: إنه صالح الحديث، وقد ذكر هذه القصة مرسلة غير واحد من التابعين منهم: عكرمة ومحمد بن سيرين وقتادة، وذكروا أن التحليف كان بعد صلاة العصر. رواه ابن جرير (٨٢٢)، وكذا ذكرها مرسلة مجاهد والحسن والضحاك، وهذا يدل على اشتهارها في السلف وصحتها. ومن الشواهد لصحة هذه القصة أيضًا: ما رواه أبو جعفر بن جرير (٨٢٣): حدثني يعقوب، حدثنا هشيم، أخبرنا زكريا، عن الشعبي: أن رجلًا من المسلمين حضرته الوفاة [¬٢] بدقوقا. قال: فحضرته الوفاة ولم يجد [¬٣] أحدًا من المسلمين يشهده على وصيته، فأشهد رجلين من أهل الكتاب، قال: فقدما الكوفة فأتيا الأشعري - يعني: أبا موسى الأشعري ﵁ فأخبراه، وقدما بتركته ووصيته، فقال الأشعري: هذا أمر لم [¬٤] يكن بعد الذي كان في عهد رسول اللَّه ﷺ ، قال: فأحلفهما بعد العصر بالله ما خانا، ولا كذبا، ولا بدَّلا، ولا كتما، ولا غيَّرا، وإنها لَوَصية الرجل وتركته، قال: فأمضى شهادتهما. ثم رواه عن عمرو بن علي الفلاس، عن أبي داود الطيالسي، عن شعبة، عن مغيرة الأزرق، عن الشعبي: أن أبا موسى قضى بدقوقا (٨٢٤). وهذان إسنادان صحيحان إلى الشعبي عن أبي موسى الأشعري.

стр. 2435

فقوله: هذا أمر لم يكن بعد الذي كان على [¬١] عهد رسول اللَّه ﷺ . الظاهر واللَّه أعلم أنه إنما أراد بذلك قصة تميم وعدي بن بداء، قد [¬٢] ذكروا أن إسلام تميم بن أوس الداري ﵁ كان في سنة تسع من الهجرة، فعلى هذا بكون هذا الحكم متأخرًا [¬٣] يحتاج مدعي نسخه [¬٤] إلى دليل فاصل في هذا المقام واللَّه أعلم. وقال أسباط، عن السدي [في الآية] [¬٥]: ﴿يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت حين الوصية اثنان ذوا عدل منكم﴾ قال: هذا في الوصية عند الموت، يوصي ويشهد رجلين من المسلمين على ما له و [¬٦] عليه. قال: هذا في الحضر ﴿أو آخران من غيركم﴾ في السفر ﴿إن أنتم ضربتم في الأرض فأصابتكم مصيبة الموت﴾ هذا الرجل يدركه الموت [¬٧] في سفره، وليس بحضرته أحد من المسلمين، فيدعو رجلين من اليهود والنصارى والمجوس فيوصي إليهما ويدفع إليهما ميراثه، فيقبلان به، فإن رضي [¬٨] أهل الميت الوصية وعرفوا [] [¬٩] تركوا الرجلين، وإن ارتابوا رفعوهما إلى السلطان، فذلك قوله تعالى: ﴿تحبسونهما من بعد الصلاة فيقسمان بالله إن ارتبتم﴾. قال عبد اللَّه بن عباس ﵁: كأني أنظر إلى العلجين حين انتهى بهما إلى أبي موسى الأشعري في داره، ففتح الصحيفة فأنكر أهل الميت وخونوهما [¬١٠]، فأراد أبو موسى أن يستحلفهما بعد العصر، فقلت [له: إنهما] [¬١١] لا يباليان صلاة العصر، ولكن استحلفهما بعد صلاتهما فى دينهما، فيوقف [¬١٢] الرجلان بعد صلاتهما في دينهما، فيحلفان بالله لا نشتري به ثمنًا قليلًا ولو كان ذا قربى، ولا نكتم شهادة اللَّه إنا إذا لمن الآثمين، إنّ صاحبهم لبهذا أوصى، وإن هذه لتركته، فيقول لهما الإمام قبل أن يحلفا: إنكما إن [كنتما] [¬١٣] كتمتما أو خنتما فضحتكما في قومكما، ولم تجز لكما شهادة وعاقبتكما، فإذا قال لهما ذلك فإن ذلك أدنى أن يأتوا بالشهادة على وجهها.

стр. 2436

رواه ابن جرير (٨٢٥). وقال ابن جرير (٨٢٦): حدثنا القاسم، حدثنا الحسين، حدثنا هشيم، أخبرنا مغيرة، عن إبراهيم وسعيد بن جبير، أنهما قالا في هذه الآية: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ﴾ الآية، قالا: إذا حضر الرجل الوفاة في سفر فليشهد رجلين من المسلمين، فإن لم يجد رجلين من المسلمين فرجلين من أهل الكتاب، فإذا قدما بتركته فإن صدقهما الورثة قُبِل قولهما، وإن اتهموهما حلفا بعد صلاة العصر بالله ما كتمنا ولا كذبنا، ولا خنا ولا غيرنا. وقال على بن أبي طلحة، عن ابن عباس في تفسير هذه الآية: فإن ارتيب [¬١] في شهادتهما استحلفا بعد العصر [¬٢]: بالله ما اشترينا بشهادتنا ثمنًا قليلًا، فإن اطلع الأولياء [¬٣] على أن الكافرين كذبا في شهادتهما، قام رجلان من الأولياء فحلفا بالله إن شهادة الكافرين باطلة [¬٤] وإنا لم نعتد. فذلك [¬٥] قوله: ﴿فَإِنْ عُثِرَ عَلَى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْمًا﴾ يقول: إن [¬٦] اطلع على أن الكافرين كذبا ﴿فَآخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا﴾ يقول: من الأولياء فحلفا بالله إن شهادة الكافرين باطلة وإنا لم نعتد. فتردّ شهادة الكافرين وتجوز شهادة الأولياء. وهكذا روى العوفي عن ابن عباس. رواهما ابن جرير (٨٢٧). وهكذا قرر هذا الحكم على مقتضى هذه الآية غير واحد من أئمة التابعين والسلف ﵃ وهو مذهب الإِمام أحمد ﵀. وقوله: ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يَأْتُوا بِالشَّهَادَةِ عَلَى وَجْهِهَا﴾ أي: شرعية هذا الحكم على هذا

стр. 2437

الوجه المرضي: [من تحليف الشاهدين الذمّيين وقد استريب بهما - أقرب إلى إقامتهما الشهادة على الوجه المرضي] [¬١]. وقوله: ﴿أَوْ يَخَافُوا أَنْ تُرَدَّ أَيْمَانٌ بَعْدَ أَيْمَانِهِمْ﴾ أن [¬٢] يكون الحامل [¬٣] لهم على الإِتيان بالشهادة على وجهها هو تعظيم الحلف بالله ومراعاة جانبه وإجلاله، والخوف من الفضيحة بين الناس إذا ردّت اليمين على الورثة، فيحلفون ويستحقون ما يدعون، ولهذا قال: ﴿أَوْ يَخَافُوا أَنْ تُرَدَّ أَيْمَانٌ بَعْدَ أَيْمَانِهِمْ﴾. ثم قال: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ أي: في جميع أموركم ﴿وَاسْمَعُوا﴾ أي: وأطيعوا ﴿وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ أي: الخارجين عن طاعته ومتابعة شريعته. ﴿يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ قَالُوا لَا عِلْمَ لَنَا إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ (١٠٩)﴾ هذا إخبار عما يخاطب الله به المرسلين يوم القيامة، عما أجيبوا به من أممهم الذين أرسلهم إليهم، كما قال تعالى: ﴿فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ﴾، وقال تعالى: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٩٢) عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾. وقول الرسل: ﴿لَا عِلْمَ لَنَا﴾ قال مجاهد والحسن البصري والسدي: إنما قالوا ذلك من هول ذلك اليوم. قال عبد الرزاق: عن الثوري، عن الأعمش، عن مجاهد ﴿يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ﴾ فيفزعون فيقولون ﴿لَا عِلْمَ لَنَا﴾. رواه ابن جرير وابن أبي حاتم (٨٢٨). وقال ابن جرير (٨٢٩): حدثنا ابن حميد، حدثنا حكام، حدثنا عنبسة، قال: سمعت

стр. 2438

شيخًا يقول: سمعت الحسن يقول فى قوله: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ﴾ الآية، قال: من هول ذلك اليوم. وقال أسباط: عن السدي: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ قَالُوا لَا عِلْمَ لَنَا﴾ ذلك أنهم نزلوا منزلًا ذهلت فيه العقول، فلما سئلوا قالوا: ﴿لَا عِلْمَ لَنَا﴾ ثم نزلوا منزلًا آخر فشهدوا على قومهم. رواه ابن جرير (٨٣٠). ثم قال ابن جرير (٨٣١): حدثنا القاسم، حدثنا [¬١]، الحسين، حدثنا الحجاج [¬٢]، عن ابن جريج قوله: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ﴾ أي [¬٣]: ماذا عملوا بعدكم، وماذا أحدثوا بعدكم؟ ﴿قَالُوا لَا عِلْمَ لَنَا إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ﴾. وقال على بن أبي طلحة، عن ابن عباس ﴿يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ قَالُوا لَا عِلْمَ لَنَا إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ﴾ يقولون للرب : لا علم لنا إلا علم أنت أعلم به منا. رواه ابن جرير (٨٣٢)، ثم اختاره على هذه الأقوال الثلاثة، ولا شك أنه قول حسن، وهو من باب التأدب مع الرب ﷻ ، أي: لا علم لنا بالنسبة إلى علمك المحيط بكل شيء، فنحن وإن كنا قد أجبنا وعرفنا من أجابنا، ولكن منهم من كنا إنّما نطع على ظاهره لا علم لنا بباطنه، وأنت العليم بكل شيء، المطلع على كل شيء، فعلمنا بالنسبة إلى علمك كلا علم، فإنك ﴿إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ﴾. ﴿إِذْ قَالَ اللَّهُ يَاعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلَى وَالِدَتِكَ إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنْفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْرًا

стр. 2439

بِإِذْنِي وَتُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ بِإِذْنِي وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتَى بِإِذْنِي وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَنْكَ إِذْ جِئْتَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ (١١٠) وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي قَالُوا آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ (١١١)﴾ يذكر تعالى ما امتن به على عبده ورسوله عيسى ابن مريم ﵇ مما [¬١] أجراه على يديه من المعجزات الباهرات [¬٢] وخوارق العادات فقال: ﴿إِذْ قَالَ اللَّهُ يَاعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ﴾ أي: في خلقي إياك من أم بلا ذكر، وجعلي إياك آية ودلالة قاطعة على كمال قدرتي على الأشياء ﴿وَعَلَى وَالِدَتِكَ﴾ حيث جعلتك [¬٣] لها برهانًا على براءتها مما نسبه [¬٤] الظالمون الجاهلون إليها [¬٥] من الفاحشة ﴿إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ﴾ وهو جبريل ﵇ وجعلتك نبيًّا داعيًا إلى الله في صغرك وكبرك، فأنطقتك في المهد صغيرًا فشهدت ببراءة أمك من كل عيب، واعترفت لي بالعبودية، وأخبرت عن رسالتي إياك ودعوت [¬٦] إلى عبادتي؛ ولهذا قال: ﴿تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا﴾ أي: تدعو [الناس إلى الله] في صغرك وكبرك، وضمَّن تكلم تدعو؛ لأن كلامه الناس في كهولته ليس بأمر عجيب. وقوله: ﴿وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ أي: الخط والفهم ﴿وَالتَّوْرَاةَ﴾ وهي المنزلة على موسى بن عمران الكليم، وقد يرد لفظ التوراة في الحديث وواد به ما هو أعم من ذلك. وقوله: ﴿وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي﴾ أي: تصوره وتشكله على هيئة الطائر لاذني لك في ذلك ﴿[فَتَنْفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْرًا] [¬٧] بِإِذْنِي﴾ أي: فتنفخ في تلك الصورة التي شكلتها بإذني لك في ذلك، فتكون [¬٨] طيرًا ذا روح تطير [¬٩] بإذن الله وخلقه. وقوله تعالى: ﴿وَتُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ بِإِذْنِي﴾ قد تقدم الكلام على ذلك في سورة آل عمران بما أغنى عن إعادته. وقوله: ﴿وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتَى بِإِذْنِي﴾ أي: تدعوهم فيقومون من

стр. 2440

قبورهم بإذن الله وقدرته وإرادته ومشيئته. وقد قال ابن أبي حاتم (٨٣٣): حدثنا أبي، حدثنا مالك بن إسماعيل، حدثنا محمد بن طلحة - يعني ابن مصرف - عن [] [¬١] أبي بشر، عن أبي الهذيل، قال: كان عيسى ابن مريم ﵇ إذا أراد أن يحيي الموتى صلى ركعتين، يقرأ في الأولى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾، وفى الثانية: ﴿الم (١) تَنْزِيلُ﴾ السجدة، فإذا فرغ منهما مدح الله وأثنى عليه ثم دعا بسبعة أسماء: يا قديم، يا خفي، يا دائم، يا فرد، يا وتر، يا أحد، يا صمد، وكان إذا أصابته شدة [¬٢] دعا بسبعة أخر؛ يا حي، يا قيوم، يا الله، يا رحمن، يا ذا الجلال والإِكرام، يا نور السموات والأرض وما بينهما، ورب العرش العظيم يارب. وهذا أثر عجيب [¬٣] جدًّا. وقوله تعالى: ﴿وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَنْكَ إِذْ جِئْتَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ أي: واذكر نعمتي عليك في كفي إياهم عنك، حين جئتهم بالبراهين والحجج القاطعة على نبوّتك ورسالتك من الله إليهم فكذبوك، واتهموك بأنك ساحر، وسعوا في قتلك وصلبك، فنجيتك منهم ورفعتك إليَّ، وطهرتك من دنسهم وكفيتك شرهم، وهذا يدل على أن هذا الامتنان كان من الله إليه بعد [] [¬٤] رفعه إلى السماء الدنيا، أو يكون هذا الامتنان [] [¬٥] واقعًا يوم القيامة، وعبر عنه بصيغة الماضي دلالة على وقوعه لا محالة، وهذا من أسرار الغيوب التي أطلع الله عليها نبيه [¬٦] محمدًا ﷺ . وقوله: ﴿وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي﴾ وهذا أيضًا من الامتنان عليه ﵇: بأن جعل له أصحابًا وأنصارًا، ثم قيل: المراد بهذا الوحي وحي إلهام، كما قال تعالى: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾، هذا [¬٧]، وحي إلهام بلا خلاف، وكما قال تعالى: ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ (٦٨) ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا﴾ الآية، وهكذا قال بعض السلف في هذه الآية ﴿وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي قَالُوا

стр. 2441

آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ﴾ أي: ألهموا ذلك فامتثلوا ما ألهموا. قال الحسن البصري: ألهمهم الله ذلك. وقال السدي: قذف في قلوبهم ذلك. ويحتمل أن يكون المراد: واذ أوحيت [إلى الحواريين] [¬١] بواسطتك، فدعوتهم إلى الإِيمان بالله وبرسوله، واستجابوا لك وانقادوا وتابعوك، فقالوا: ﴿آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ﴾. ﴿إِذْ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ يَاعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ قَالَ اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١١٢) قَالُوا نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْهَا وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنَا وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ الشَّاهِدِينَ (١١٣) قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنْزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ تَكُونُ لَنَا عِيدًا لِأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا وَآيَةً مِنْكَ وَارْزُقْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (١١٤) قَالَ اللَّهُ إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لَا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ (١١٥)﴾ هذه قصة المائدة وإليها تنسب السورة فيقال: سورة المائدة، وهي [مما امتن] [¬٢] الله به على عبده ورسوله عيسى ﵇ لما [¬٣] أجاب دعاءه بنزولها، فأنزلها الله آية ودلالة معجزة [¬٤] باهرة وحجة قاطعة. وقد ذكر بعض الأئمة: أن قصة المائدة ليست مذكورة في الإِنجيل، ولا يعرفها النصارى إلا من المسلمين، فالله أعلم. فقوله تعالى: ﴿إِذْ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ﴾ وهم أتباع عيسى ﵇ ﴿يَاعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ﴾ هذه قراءة كثيرين، وقرأ آخرون [(هل تَسْتَطيع ربَّك)، أي] [¬٥]: هل

стр. 2442

تستطع أن تسأل ربك ﴿أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ﴾. والمائدة: هى الخوان عليه طعام، وذكر بعضهم: أنهم إنما سألوا ذلك لحاجتهم وفقرهم، فسألوا أن ينزل عليهم مائدة كل يوم يقتاتون منها، ويتقوون بها [¬١] على العبادة. ﴿قَالَ اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ أي: فأجابهم المسيح ﵇ قائلًا لهم: اتقوا الله ولا تسألوا هذا؛ فعساه أن يكون فتنة لكم، وتوكلوا على الله في طلب الرزق إن كنتم مؤمنين. ﴿قَالُوا نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْهَا﴾ أي: نحن محتاجون إلى الأكل منها ﴿وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا﴾ إذا شاهدنا نزولها رزقًا لنا من السماء ﴿وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنَا﴾ أي: ونزداد إيمانا بك، وعلمًا برسالتك ﴿وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾ أي: ونشهد أنها آية من عند الله، ودلالة وحجة على نبوّتك، وصدق ما جئت به. ﴿قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنْزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ تَكُونُ لَنَا عِيدًا لِأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا﴾. قال السدي: أي: نتخذ ذلك اليوم الذي نزلت فيه عيدًا نعظمه نحن ومن بعدنا. وقال سفيان الثوري: يعني: يومًا نصلي فيه. وقال قتادة: أرادوا أن تكون لعقبهم من بعدهم. وعن سلمان الفارسي: عظة لنا ولمن بعدنا. وقيل: كافية لأوّلنا وآخرنا ﴿وَآيَةً مِنْكَ﴾ أي: دليلًا تنصبه على قدرتك على الأشياء، وعلى إجابتك دعوتي، فيصدّقوني فيما أبلغه عنك ﴿وَارْزُقْنَا﴾ أي: من عندك رزقًا هنيئًا بلا كلفة ولا تعب ﴿وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (١١٤) قَالَ اللَّهُ إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ﴾ أي: فمن كذب بها من أمّتك يا عيسى وعاندها ﴿فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لَا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ أي: من عالمي زمانكم، كقوله [¬٢] تعالى: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾، وكقوله [¬٣]: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾. وقد روى ابن جرير (٨٣٤): من طريق عوف الأعرابي، عن أبي المغيرة القوّاس، عن عبد الله

стр. 2443

ابن عمرو، قال: إن أشدّ الناس عذابًا يوم القيامة ثلاثة: المنافقون، ومن كفر من أصحاب المائدة، وآل فرعون. [ذكر أخبار رويت عن السلف في نزول المائدة على الحواريين] قال أبو جعفر بن جرير (٨٣٥): حدثنا القاسم، حدثنا الحسين، حدثني حجاج، عن ليث، عن عقيل، عن ابن عباس، أنه كان يحدّث عن عيسى ابن مريم: أنه قال لبني إسرائيل: هل لكم أن تصوموا لله ثلاثين يومًا ثم تسألوه فيعطيكم ما سألتم، فإن أجر العامل على من عمل له، ففعلوا ثم قالوا: يا معلم الخير، قلت لنا إن أجر العامل على من عمل له، وأمرتنا أن نصوم ثلاثين يومًا ففعلنا، ولم نكن نعمل لأحد ثلاثين يومًا إلا أطعمنا حين نفرغ طعامًا، فهل يستطع ربك أن ينزل علينا مائدة من السماء؟ قال عيسى: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١١٢) قَالُوا نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْهَا وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنَا وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ الشَّاهِدِينَ (١١٣) قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنْزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ تَكُونُ لَنَا عِيدًا لِأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا وَآيَةً مِنْكَ وَارْزُقْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (١١٤) قَالَ اللَّهُ إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لَا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ قال: فأقبلت الملائكة تطير بمائدة من السماء، عليها سبعة أحوات وسبعة أرغفة، حتى وضعتها بين أيديهم، فأكل منها آخر الناس كما أكل منها أوّلهم. كذا رواه ابن جرير، ورواه ابن أبي حاتم: عن يونس بن عبد الأعلى، عن ابن وهب، عن الليث، عن عقيل، عن ابن شهاب، قال: كان ابن عباس يحدث فذكر نحوه. وقال ابن أبي حاتم أيضًا (٨٣٦): حدثنا سعيد بن عبد الله بن عبد الحكم، حدثنا أبو زرعة وهب الله [¬١] بن راشد، حدثنا عقيل بن خالد، أن ابن شهاب أخبره، عن ابن

стр. 2444

عباس: أن عيسى ابن مريم قالوا له: ادع الله أن ينزل علينا مائدة من السماء. قال: فنزلت الملائكة بمائدة يحملونها، عليها سبعة أحوات وسبعة أرغفة، [حتى وضعتها بين أيديهم] [¬١]، فأكل منها آخر الناس كما أكل منها أوّلهم. وقال ابن أبي حاتم (٨٣٧): حدثنا أبي، حدثنا الحسن بن قزعة الباهلي، حدثنا سفيان بن حبيب، حدثنا سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن خلاس [¬٢]، عن عمار بن ياسر، عن النبي ﷺ قال: "نزلت المائدة من السماء عليها خبز ولحم، وأمروا أن لا يخونوا ولا يرفعوا لغد، فخانوا وادّخروا ورفعوا، فمسخوا قردة وخنازير". وكذا رواه ابن جرير: عن الحسن بن قزعة. ثم رواه ابن جرير (٨٣٨) عن ابن بشار، عن ابن أبي عدي، عن سعيد، عن قتادة، عن خلاس، عن عمار، قال: نزلت المائدة وعليها ثمر من ثمار الجنة، فأمروا أن لا يخونوا ولا يخبئوا ولا يدخروا، قال: فخان القوم وخبئوا وادّخروا، فمسخهم الله قردة وخنازير. وقال ابن جرير (٨٣٩): حدثنا ابن المثنى، حدثنا عبد الأعلى، حدثنا داود، عن سماك بن حرب، عن رجل من بنى عجل، قال: صليت إلى جانب [¬٣] عمار بن ياسر، فلما فرغ قال: هل تدري كيف كان شأن مائدة بني إسرائيل؟ قال: قلت: لا. قال: إنهم سألوا عيسى ابن

стр. 2445

مريم مائدة يكون عليها طعام يأكلون منه لا ينفد [¬١]. قال: فقيل لهم: فإنها مقيمة لكم ما لم تخبئوا أو تخونوا أو ترفعوا، فإن فعلتم فإني معذبكم عذابًا لا أعذبه أحدًا من العالمين. قال: فما مضى يومهم حتى خبئوا ورفعوا وخانوا، فعذبوا عذابًا لم يعذبه أحد [¬٢] من العالمين، وإنكم يا [¬٣] معشر العرب كنتم تتبعون أذناب الإِبل والشاء، فبعث الله فيكم رسولا من أنفسكم، تعرفون حسبه ونسبه، وأخبركم أنكم ستظهرون على العجم، ونهاكم أن تكنزوا [¬٤] الذهب والفضة، وايم الله لا يذهب الليل والنهار حتى تكنزوهما، ويعذبكم الله عذابًا أليمًا. وقال (٨٤٠): حدثنا القاسم، حدثنا حسين، حدثني حجاج، عن أبي معشر، عن إسحاق ابن عبد الله: أن المائدة نزلت على عيسى ابن مريم، عليها سبعة أرغفة وسبعة أحوات، يأكلون منها ما شاءوا. قال: فسرق بعضهم منها، وقال: لعلها لا تنزل غدًا، فرفعت. وقال العوفي، عن ابن عباس: نزلت على عيسى ابن مريم والحواريين، خوان عليه خبز وسمك يأكلون منه أينما نزلوا إذا شاءوا. وقال خصيف عن عكرمة، ومقسم عن ابن عباس: كانت المائدة سمكة وأريغفة. وقال مجاهد: هو طعام كان ينزل عليهم حيث نزلوا. وقال أبو عبد الرحمن السلمي: نزلت المائدة خبرًا وسمكًا. وقال عطية العوفي: المائدة سمك فيه طعم كل شيء. وقال وهب بن منبه: أنزلها الله من السماء على بني إسرائيل، فكان ينزل عليهم في كل يوم في تلك المائدة من ثمار الجنة، فأكلوا ما شاءوا من ضروب شتى، فكان يقعد عليها أربعة آلاف فإذا أكلوا أبدل الله مكان ذلك لمثلهم، فلبثوا [على ذلك] [¬٥] ما شاء الله . وقال وهب بن منبه: نزل عليهم قرصة من شعير وأحوات، وحشا الله بين أضعافهن البركة،

стр. 2446

فكان قوم يأكلون ثم يخرجون، [ثم يجئ آخرون فيأكلون ثم يخرجون] [¬١]، حتى أكل جميعهم وأفضلوا. وقال الأعمش، عن مسلم، عن سعيد بن جبير: أنزل عليها كل شيء إلا اللحم. وقال سفيان الثوري، عن عطاء بن السائب، عن زاذان [¬٢] وميسرة، وجرير، عن عطاء، عن ميسرة قال: كانت المائدة [إذا وضعت] [¬٣] لبني إسرائيل اختلفت [¬٤] عليهم الأيدي بكل طعام إلا اللحم. وعن عكرمة: كان خبز المائدة من الأرز. رواه ابن أبي حاتم (٨٤١). وقال ابن أبي حاتم (٨٤٢): أخبرنا جعفر بن علي فيما كتب إلي، حدثنا إسماعيل بن أبي أويس، حدثني أبو عبد الله عبد القدوس بن إبراهيم بن أبي عبيد الله بن مرداس العبدري مولى بني عبد الدار، عن إبراهيم بن عمر، عن وهب بن منبه، عن أبي عثمان النهدي، عن سلمان الخير أنه قال: لما سأل الحواريون عيسى ابن مريم المائدة، كره ذلك جدًّا وقال: اقنعوا بما رزقكم الله في الأرض، ولا تسألوا المائدة من السماء، فإنها إن نزلت عليكم كانت آية من ربكم، وإنما هلكت ثمود حين سألوا نبيهم آية، فابتلوا بها حتى كان بوارهم فيها. فأبوا إلا أن يأتيهم بها، فلذلك ﴿قَالُوا نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْهَا وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنَا وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾. فلما رأى عيسى أن قد أبوا إلا أن يدعو لهم بها، قام فألقى عنه الصوف ولبس الشعر الأسود، وجبة من شعر وعباءة من شعر، ثم [¬٥] توضأ واغتسل ودخل مصلاه، فصلى ما شاء الله، فلما قضى صلاته قام قائمًا مستقبل القبلة، وصف قدميه حتى استويا، فألصق الكعب بالكعب،

стр. 2447

وحاذى الأصابع، ووضع يده اليمنى على اليسرى فوق صدره، وغض بصره وطأطأ رأسه خشوعًا، ثم أرسل عينيه بالبكاء، فما زالت دموعه تسيل على خديه، وتقطر من أطراف لحيته، حتى ابتلت الأرض حيال وجهه من خشوعه، فلما رأى ذلك دعا الله فقال: ﴿اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنْزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ﴾ فأنزل الله عليهم سفرة حمراء بين غمامتين؛ غمامة فوقها وغمامة تحتها، وهم ينظرون إليها في الهواء منقضة من فلك السماء تهوي إليهم، وعيسى يبكي خوفًا للشروط التي اتخذها الله عليهم فيها: أنه يعذب من يكفر بها منهم بعد نزولها عذابًا لم يعذبه أحدًا من العالمين، وهو يدعو الله في [¬١] مكانه ويقول: اللهم اجعلها رحمة، إلهي لا تجعلها عذابًا، إلهي كم من عجيبة سألتك فأعطيتني، إلهي اجعلنا لك شكّارين، اللهم [¬٢] إني [¬٣] أعوذ بك أن تكون أنزلتها غضبًا وجزاءً، إلهي اجعلها سلامة وعافية، ولا تجعلها فتنة ومثلة. فما زال يدعو حتى استقرت السفرة بين يدي عيسى والحواريين، وأصحابه حوله يجدون رائحة طيبة، لم يجدوا فيما مضى رائحة مثلها قط، وخر عيسى والحواريون لله سجدًا؛ شكرًا [له لما] [¬٤] رزقهم من حيث لم يحتسبوا، وأراهم فيه آية عظيمة ذات عجب وعبرة، وأقبلت اليهود ينظرون فرأوا أمرًا عجيبًا أورثهم كمدًا وغمًّا، ثم انصرفوا بغيظ شديد، وأقبل عيسى والحواريون وأصحابه حتى جلسوا حول السفرة، فإذا عليها منديل مغطى، فقال [¬٥] عيسى: من أجرأنا على كشف المنديل عن هذه السفرة، وأوثقنا بنفسه، وأحسننا بلاء عند ربه - فليكشف عن هذه الآية، حتى نراها ونحمد ربنا، ونذكر باسمه ونأكل من رزقه الذي رزقنا. فقال الحواريون: يا روح الله وكلمته أنت أولانا بذلك وأحقنا بالكشف عنها. فقام عيسى ﵇ واستأنف وضوءًا جديدًا، ثم دخل مصلاه فصلى كذلك ركعات، ثم بكى بكاء [¬٦] طويلًا، ودعا الله أن يأذن له فى الكشف عنها، ويجعل له ولقومه فيها بركة ورزقًا، ثم انصرف فجلس إلى السفرة، وتناول المنديل وقال: بسم الله خير الرازقين، وكشف عن السفرة فإذا هو عليها بسمكة [¬٧] ضخمة مشوية ليس عليها بواسير، وليس في جوفها شوك، يسيل السمن منها سيلًا، قد نضد حولها بقول من كل صنف غير الكراث، وعند رأسها خل، وعند ذنبها ملح، وحول البقول خمسة أرغفة، على واحد منها زيتون، وعلى الآخر

стр. 2448

ثمرات، وعلى الآخر خمس رمانات. فقال شمعون رأس الحواريين لعيسى: يا روح الله وكلمته، أمن طعام الدنيا هذا أم من طعام الجنة؟ فقال عيسى [¬١]: أما آن لكم أن تعتبروا بما ترون من الآيات، وتنتهوا عن تنقير المسائل؟ ما أخوفني عليكم أن تعاقبوا في سبب نزول [¬٢] هذه الآية. فقال شمعون: وإله إسرائيل ما أردت بها سؤالًا يا ابن الصديقة. فقال عيسى ﵇: ليس شيء مما ترون من طعام الدنيا [¬٣]، ولا من طعام الجنة [¬٤]، إنما هو شيء ابتدعه الله في الهواء بالقدرة العالية القاهرة، فقال له: كن؛ فكان أسرع من طرفة عين، فكلوا مما سألتم باسم الله، واحمدوا عليه ربكم يمدكم منه ويزدكم، فإنه بديع قادر شاكر. فقالوا: يا روح الله وكلمته، إنا نحب أن ترينا آية في هذه الآية. فقال عيسى: سبحان الله! أما اكتفيتم بما رأيتم في هذه الآية حتى تسألوا فيها آيه أخرى؟ ثم أقبل عيسى ﵇ على السمكة، فقال: يا سمكة عودي بإذن الله حية كما كنت. فأحياها الله بقدرته فاضطربت، وعادت بإذن الله حية طرية تلمظ كما يتلمظ الأسد، تدور عيناها لها بصيص، وعادت عليها بواسيرها، ففزع القوم منها وانحازوا، فلما رأى عيسى [منهم ذلك، قال: ما لكم تسألون الآية، فإذا أراكموها ربكم كرهتموها؟ ما أخوفني عليكم أن تعاقبوا بما تصنعون، يا سمكة عودي بإذن الله كما كنت؛ فعادت بإذن الله مشوية كما كانت في خلقها الأول. فقالوا لعيسى كن أنت يا روح الله الذي تبدأ بالأكل منها ثم نحن بعد. فقال عيسى: معاذ الله من ذلك، يبدأ بالأكل من طلبها. فلما رأى الحواريون وأصحابهم [¬٥] امتناع عيسى [¬٦] منها، خافوا أن يكون نزولها سخطة، وفي أكلها مَثُلةً فتحاموها، فلما رأى ذلك عيسى منهم [¬٧] دعا لها الفقراء والزَّمْنى، وقال: كلوا من رزق ربكم ودعوة نبيكم، واحمدوا الله الذي أنزلها لكم، فيكون مهنؤها لكم، وعقوبتها على غيركم، وافتتحوا أكلكم باسم الله، واختموه بحمد الله. ففعلوا، فأكل منها ألف وثلاثمائة إنسان بين رجل وامرأة، يصدرون عنها كل واحد منهم [¬٨] شبعان يتجشأ، ونظر عيسى والحواريون فإذا ما عليها كهيئته إذ أنزلت من السماء لم

стр. 2449

ينقص [¬١] منها شئ، ثم إنها رفعت إلى السماء وهم [¬٢] ينظرون، فاستغنى كل فقير أكل منها، وبرئ كل زَمِنٍ أكل [¬٣] منها [¬٤]، فلم يزالوا أغنياء أصحاء [¬٥] حتى خرجوا من الدنيا. وندم الحراريون وأصحابهم الذين أبوا أن يأكلوا منها: ندامة سالت منها أشفارهم، وبقيت حسرتها في قلوبهم إلى يوم الممات. قال: وكانت [¬٦] المائدة إذا نزلت بعد ذلك أقبلت بنو إسرائيل إليها [يسعون من كل مكان]، وراحم بعضهم بعضًا: الأغنياء والفقراء، والصغار والكبار، والأصحاء والمرضى، يركب بعضهم بعضًا، فلما رأى ذلك جعلها نوائب، تنزل يومًا ولا تنزل يومًا، فلبثوا على [¬٧] ذلك أربعين يومًا، تنزل عليهم غبًّا عند ارتفاع الضحى، فلا تزال موضوعة يؤكل منها حتى إذا قالوا ارتفعت عنهم [إلى جو السماء بإذن الله]، وهم ينظون إلى ظلها في الأرض حتى توارى عنهم. قال: فأوحى الله إلى نبيه عيسى ﵇: أن اجعل رزقى؛ المائدة [للفقراء واليتامى] والزمنى، دون الأغنياء من الناس، فلما فعل ذلك ارتاب بها الأغنياء من الناس، وغمطوا [¬٨] ذلك حتى شكوا فيها في أنفسهم، وشككوا فيها الناس، وأذاعوا في أمرها القبيح والمنكر، وأدرك الشيطان منهم حاجته، وقذف وسواسه في قلوب المرتابين، حتى قالوا لعيسى: أخبرنا عن المائدة ونزولها من السماء أحق [¬٩]، فإنه قد ارتاب بها [منا بشر] كثير؟ فقال عيسى ﵇: هلكتم وإله المسيح، طلبتم المائدة إلى نبيكم أن يطلبها لكم إلى ربكم، فلما أن فعل وأنزلها عليكم رحمة ورزقًا، وأراكم فيها الآيات والعبر كذبتم بها وشككتم فيها، فأبشروا بالعذاب فإنه نازل بكم إلا أن يرحمكم الله. فأوحى الله إلى عيسى: إني آخذ المكذبين بشرطي، فإني معذب منهم من كفر بالمائدة بعد نزولها عذابًا لا أعذبه أحدًا من العالمين. قال: فلما أمسى المرتابون بها، وأخذوا مضاجعهم في أحسن صورة مع نسائهم آمنين، فلما كان في آخر الليل مسخهم الله خنازير، فأصبحوا يتبعون الأقذار في الكناسات. هذا أثر غريب جدًّا قطعه ابن أبي حاتم في مواضع من هذه القصة، وقد جمعته أنا [] [¬١٠]

стр. 2450

ليكون سياقه أتم وأكمل، والله أعلم. وكل هذه الآثار دالة على أن المائدة نزلت على بني إسرائيل أيام عيسى ابنى مريم، إجابة من الله لدعوته، وكما دل على ذلك ظاهر هذا السياق من القرآن العظيم ﴿قَالَ اللَّهُ إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لَا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ﴾، و [¬١] قال قائلون: إنها لم تنزل؛ فروى ليث بن أبي سليم، عن مجاهد في قوله: ﴿أَنْزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ﴾ قال: هو مثل ضُرب ولم ينزل شيء. رواه ابن أبي حاتم وابن جرير (٨٤٣). ثم قال ابن جرير (٨٤٤): حدثنا الحارث، حدثنا القاسم - هو ابن سلام -، حدثنا حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، قال: مائدة عليها طعام أبَوْهَا حين عرض عليهم العذاب إن كفروا، فأبوا أن تنزل [¬٢] عليهم. وقال أيضًا (٨٤٥): حدثنا ابن المثنى، حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن منصور بن زاذان [¬٣]، عن الحسن، أنه قال في المائدة: إنها لم تنزل. وحدثنا بشر، حدثنا يزيد، حدثنا سعيد، عن قتادة، قال: كان الحسن يقول: لما قيل لهم: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لَا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ قالوا: لا حاجة لنا فيها فلم تنزل. وهذه أسانيد صحيحة إلى مجاهد والحسن، وقد يتقوى ذلك بأن خبر المائدة لا تعرفه النصارى، وليس هو في كتابهم، ولو كانت قد نزلت لكان ذلك مما تتوفر [¬٤] الدواعي على

стр. 2451

نقله، وكان يكون موجودًا فى كتابهم متواترًا، ولا أقل من الآحاد، والله أعلم: ولكن [الذي عليه] [¬١] الجمهور: أنها نزلت، وهو الذي اختاره ابن جرير، قال: [لأن الله] [¬٢] تعالى أخبر بنزولها [في قوله] [¬٣] تعالى: ﴿إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لَا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ قال: ووعد الله ووعيده حق وصدق. وهذا القول هو والله أعلم الصوابُ، كما دلت عليه الأخبار والآثار عن السلف وغيرهم، وقد ذكر أهل التاريخ: أن موسى بن نصير نائب بني أمية في فتوح بلاد المغرب، وجد المائدة هنالك مرصعة باللآلئ وأنواع الجواهر، فبعث بها إلى أمير المؤمنين الوليد بن عبد الملك باني جامع دمشق، فمات وهي في الطريق، فحملت إلى أخيه سليمان بن عبد الملك الخليفة بعده، فرآها الناس فتعجبوا منها كثيرًا لما فيها من اليواقيت النفيسة والجواهر [¬٤] اليتيمة. ويقال: إن هذه المائدة كانت لسليمان بن داود ﵉ فالله أعلم. وقد قال الإِمام أحمد (٨٤٦): حدثنا عبد الرحمن، حدثنا سفيان، عن سلمة بن كهيل، عن عمران بن الحكم، عن ابن عباس قال: قالت قريش للنبي ﷺ : ادع لنا ربك أن يجعل لنا الصفا ذهبًا ونؤمن بك. قال: "وتفعلون؟ " قالوا: نعم. قال: فدعا فأتاه جبريل، فقال: إن ربك يقرأ عليك السلام ويقول لك: إن شئت أصبح لهم الصفا ذهبا، فمن كفر منهم بعد ذلك عذبته عذابًا لا أعذبه أحدًا من العالمين، وإن شئت فتحت لهم باب التوبة والرحمة. قال: "بل باب التوبة والرحمة".

стр. 2452

ثم رواه أحمد وابن مردويه والحاكم في مستدركه من حديث سفيان الثوري به. ﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَاعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ (١١٦) مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (١١٧) إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١١٨)﴾ هذا أيضًا مما يخاطب الله به عبده ورسوله عيسى ابن مريم ﵇ قائلًا له يوم القيامة بحضرة من اتخذه وأمه إلهين من دون الله: ﴿يَاعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ وهذا تهديد للنصارى وتوبيخ وتقريع على رءوس الأشهاد، هكذا قال [¬١] قتادة وغيره، واستدل قتادة على ذلك بقوله تعالى: ﴿هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ﴾. وقال السدي: هذا الخطاب والجواب في الدنيا. قال ابن جرير: هذا [¬٢] هو الصواب، وكان ذلك حين رفعه الله إلى السماء الدنيا. واحتج ابن جرير على ذلك بمعنيين: أحدهما: [أن الكلام بلفظ] [¬٣] المضي [¬٤]. والثاني: قوله: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ﴾، ﴿وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ﴾. وهذان الدليلان فيهما نظر؛ لأن كثيرًا من أمور يوم القيامة ذكر بلفظ المضي [¬٥]؛ ليدل على الوقوع والثبوت، ومعنى قوله: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ

стр. 2453

الْحَكِيمُ﴾: التبري منهم ورد المشيئة فيهم إلى الله، وتعليق ذلك على الشرط لا يقتضي وقوعه، كما في نظائر ذلك من الآيات. والذي [¬١] قاله قتادة وغيره هو الأظهر، والله أعلم: أن ذلك كائن يوم القيامة؛ ليدل على تهديد النصارى وتقريعهم وتوبيخهم على رءوس الأشهاد يوم القيامة، وقد روي بذلك حديث مرفوع، رواه الحافظ ابن عساكر (٨٤٧) في ترجمة أبي عبد الله مولى عمر بن عبد العزيز وكان ثقة، قال: سمعت أبا بردة يحدث عمر بن عبد العزيز، عن أبيه أبي موسى الأشعري، قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا كان يوم القيامة دعي [¬٢] بالأنبياء وأممهم [¬٣]، ثم يدعى بعيسى فيذكره الله نعمته عليه فيقر بها، فيقول: ﴿يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلَى وَالِدَتِكَ﴾ الآية، ثم يقول: ﴿أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ فينكر أن يكون قال ذلك، فيؤتى بالنصارى فيسئلون فيقولون: نعم هو أمرنا بذلك. قال فيطول شعر عيسى ﵇، فيأخذ كل ملك من الملائكة بشعرة من شعر رأسه وجسده، فيجاثيهم بين يدي الله مقدار ألف عام، حتى ترفع عليهم الحجة، ويرفع لهم الصليب، وينطلق بهم إلى النار". وهذا حديث غريب عزيز. وقوله [¬٤]: ﴿قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ﴾ هذا [¬٥]، توفيق للتأدب في الجواب الكامل، كما قال ابن أبي حاتم (٨٤٨): حدثنا أبي، حدثنا ابن أبي عمر، حدثنا سفيان، عن عمرو، عن طاوس، عن أبي هريرة، قال: يلقى عيسى حجته ولقَّاه الله تعالى فى قوله: ﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَاعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ

стр. 2454

أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ قال أبو هريرة، عن النبي ﷺ : فلقاه الله: ﴿سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ﴾ [إلى آخر] [¬١] الآية. وقد رواه الثوري، عن معمر، عن ابن طاوس، عن طاوس بنحوه (٨٤٩). وقوله: ﴿إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ﴾ أي: إن كان صدر مني هذا فقد علمته يارب؛ فإنه لا يخفى عليك شئ، مما قلته ولا أردته في نفسي [ولا أضمرته؛ ولهذا قال: ﴿تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي] [¬٢] وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ (١١٦) مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ﴾ بإبلاغه ﴿أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ﴾ [أي: ما دعوتهم إلا إلى الذي أرسلتني به وأمرتني بإبلاغه ﴿أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ﴾] [¬٣] أي: هذا هو الذي قلت لهم، ﴿وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ﴾ [أي: كنت أشهد على أعمالهم حين كنت بين أظهرهم] [¬٤] ﴿فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾. قال أبو داود الطيالسي (٨٥٠): حدثنا شعبة، قال: انطلقت أنا وسفيان الثوري إلى المغيرة بن النعمان، فأملاه على سفيان وأنا معه، فلما قام انتسخت من سفيان فحدثنا، قال: سمعت سعيد بن جبير يحدث، عن ابن عباس، قال: قام فينا رسول الله ﷺ بموعظة فقال: "يا أيها الناس، إنكم محشورون إلى الله حفاة عراة غرلًا ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ﴾، وإن أول الخلائق يكسى [يوم القيامة] [¬٥] إبراهيم، ألا وإنه يجاء برجال من أمتي فيؤخذ بهم ذات الشمال فأقول: أصحابي، فيقال: إنك لا

стр. 2455

تدري ما أحدثوا بعدك، فأقول كما قال العبد الصالح: ﴿وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (١١٧) إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ فيقال: إن هؤلاء لم يزالوا مرتدين على أعقابهم منذ فارقتهم". ورواه البخاري (٨٥١) عند هذه الآية: عن [أبي] [¬١] الوليد عن شعبة - وعن محمد بن كثير، عن سفيان الثوري كلاهما، عن المغيرة بن النعمان به. وقوله: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ هذا الكلام يتضمن رد المشيئة إلى الله ، فإنه الفعال لما يشاء الذي لا يسأل عما يفعل وهم يسألون، ويتضمن [¬٢] التبري من النصارى الذين كذبوا على الله وعلى رسوله، وجعلوا لله ندًّا وصاحبة وولدًا، تعالى الله عما يقولون علوًّا كبيرًا، وهذه الآية لها شأن عظيم، ونبأ عجيب، وقد ورد في الحديث أن النبي ﷺ قام بها ليلة حتى الصباح يرددها. قال الإِمام أحمد (٨٥٢): حدثنا محمد بن فضيل، حدثني فُلَيْت العامري، عن جسرة العامرية، عن أبي ذر ﵁، قال: صلى النبي ﷺ [ذات ليلة] [¬٣]، فقرأ بآية حتى أصبح، يركع بها ويسجد بها: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ فلما أصبح قلت: يا رسول الله، ما زلت تقرأ هذه الآية حتى أصبحت تركع بها وتسجد بها؟ قال: "إني سألت ربي الشفاعة
следующие страницы →