← Тафсир

Тафсир · id 1509

تفسير ابن كثير - ط أولاد الشيخ

ابن كثير

Полный текст (6 736 стр.). Показаны 2381–2420 · переход к 2386.

стр. 2381

وقال عبد الله ابن الإمام أحمد (٧٢٠): قرأت على أبي، حدثنا على بن عاصم، حدثنا إبراهيم الهجري، عن أبي الأحوص، عن عبد الله بن مسعود، قال: قال رسول الله ﷺ : "إياكم وهاتان الكعبتان [¬١] [الموسومتان اللتان تزجران] [¬٢] زجرًا، فإنهما ميسر العجم". ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٩٤) يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ (٩٥)﴾ قال الوالبي عن ابن عباس قوله: ﴿لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ﴾ قال: هو الضعيف من الصيد وصغيره يبتلي الله به عباده في إحرامهم، حتى لو شاءوا يتناولونه بأيديهم، فنهاهم الله أن يقربوه. وقال مجاهد: ﴿تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ﴾ يعني: صغار الصيد وفراخه ﴿وَرِمَاحُكُمْ﴾ يعني:

стр. 2382

كباره. وقال مقاتل بن حيان: أنزلت هذه الآية في عمرة الحديبية، فكانت الوحش والطير والصيد تغشاهم [¬١] في رحالهم، لم يروا مثله قط فيما خلا، فنهاهم الله عن قتله وهم محرمون. ﴿لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ﴾ يعني: أنه تعالى يبتليهم بالصيد يغشاهم في رحالهم، يتمكنون من أخذه بالأيدي والرماح، [سرًا وجهرًا]، ليظهر طاعة من يطيع منهم في سره أو [¬٢] جهره، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ﴾. وقوله هاهنا: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ﴾ قال السدي وغيره: يعني بعد هذا الإِعلام والإِنذار والتقدم، ﴿فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ أي: لمخالفته أمر الله وشرعه. ثم قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ وهذا تحريم منه تعالى لقتل الصيد في حال الإحرام ونهي عن تعاطيه فيه، وهذا إنما يتناول من حيث المعنى المأكول وما يتولد منه ومن غيره، فأَما غير المأكول من حيوانات البر فعند الشافعي يجوز للمحرم قتلها، والجمهور على تحريم قتلها أيضًا، ولا يستثنى من ذلك إلا ما [ثبت في الصحيحين (٧٢١)] [¬٣] من طريق الزهري، عن عروة، عن عائشة أم المؤمنين، أن رسول الله ﷺ قال: "خمس فواسق يقتلن في الحل والحرم [¬٤]؛ الغراب، والحدأة، والعقرب، والفأرة، والكلب العقور". وقال مالك، عن نافع، عن ابن عمر، أن رسول الله ﷺ قال: "خمس من الدواب ليس على المحرم في قتلهن جناح؛ الغراب، والحدأة، والعقرب، والفأرة، والكلب العقور". أخرجاه (٧٢٢).

стр. 2383

ورواه أيوب، عن نافع، عن ابن عمر مثله. قال أيوب: قلت لنافع: فالحية؟ قال: الحية لا شك فيها، ولا يختلف في قتلها. ومن العلماء كمالك وأحمد من ألحق بالكلب العقور الذئب والسبع والنمر والفهد؛ لأنها أشد ضررًا منه، فالله أعلم. وقال [زيد بن أسلم وسفيان بن عيينة]: الكلب العقور يشمل هذه السباع العادية كلها. واستأنس من قال بهذا بما روي أن رسول الله ﷺ لما دعا على عتبة بن أبي لهب قال: "اللهم سلط عليه كلبك بالشام" (٧٢٣). فأكله السبع بالزرقاء قالوا: فإن قتل ما عداهن فداها كالضبع والثعلب وهو البر ونحو ذلك. قال مالك: وكذا يستثنى من ذلك صغار هذه الخمس المنصوص عليها، وصغار الملحق بها من السباع العوادي. وقال الشافعي: يجوز للمحرم قتل كل ما لا يؤكل لحمه، ولا فرق بين صغاره وكباره، وجعل العلة الجامعة كونها لا تؤكل. وقال أبو حنيفة: يقتل المحرم: الكلب العقور، والذئب؛ لأنه كلب بري، فإن قتل غيرهما فداه، إلا أن يصول عليه سبع غيرهما فيقتله فلا فداء عليه. وهذا قول الأوزاعي والحسن بن صالح بن حيي [¬١]. وقال زفر بن الهذيل: يفدي ما سوى ذلك وإن صال عليه. وقال بعض الناس: المراد [بالغراب هاهنا الأبقع]، وهو الذي في بطنه وظهره بياض، دون الأدرع وهو الأسود، والأعصم وهو الأبيض، لما رواه النسائي (٧٢٤) عن عمرو بن علي الفلاس، عن يحيى القطان، عن شعبة، عن قتادة، عن سعيد بن المسيب، عن عائشة، عن النبي ﵌ قال: "خمس يقتلهن المحرم؛ الحية، والفأرة، والحدأة، والغراب

стр. 2384

الأبقع، والكلب العقور". والجمهور على أن المراد به أعم من ذلك، لما ثبت في الصحيحين (٧٢٥) من إطلاق لفظه. وقال مالك ﵀: لا يقتل المحرم الغراب إلا إذا صال عليه وآذاه. وقال مجاهد بن جبر وطائفة: لا يقتله بل يرميه. ويروى مثله عن علي. وقد روى هشيم: حدثنا يزيد بن أبي زياد، عن عبد الرحمن بن أبي نُعْم، عن أبي سعيد، عن النبي ﷺ أنه سئل عما يقتل المحرم فقال: "الحيه، والعقرب، والفويسقة، وررمي الغراب ولا يقتله، والكلب العقور، والحدأة، والسبع العادي" (٧٢٦). رواه أبو داود، عن أحمد بن حنبل، والترمذي، عن أحمد بن منيع، كلاهما عن هشيم. وابن ماجة عن أبي كريب، و [¬١] عن محمد بن فضيل، كلاهما عن يزيد بن أبي زياد وهو ضعيف به. وقال الترمذي: هذا حديث حسن. وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ قال ابن أبي حاتم (٧٢٧): حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا ابن علية، عن أيوب، قال: نبئت عن طاوس، أنه [¬٢] قال: لا يحكم [¬٣] على من أصاب صيدًا خطأ، إنما يحكم على من أصابه

стр. 2385

متعمدًا. وهنا مذهب غريب عن طاوس وهو متمسك بظاهر الآية. وقال مجاهد بن جبر: المراد [بالمتعمد هاهنا] القاصد إلى قتل الصيد الناسي لإحرامه، فأما المتعمد لقتل الصيد مع ذكره لإحرامه فذاك أمره أعظم من أن يكفر وقد بطل إحرَامه. رواه ابن جرير (٧٢٨) عنه من طريق ابن أبي نجيح وليث بن أبي سليم وغيرهما عنه، وهو قول غريب أيضًا، والذى عليه الجمهور: أن العامد والناسي سواء في وجوب الجزاء عليه. وقال الزهري: دل الكتاب على العامد وجرت السنة على الناسي. ومعنى هذا أن القرآن دل على وجوب الجزاء على المتعمد وعلى تأثيمه بقوله: ﴿لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ﴾ وجاءت السنة من أحكام النبي ﷺ وأحكام أصحابه بوجوب الجزاء في الخطأ كما دل الكتاب عليه في العمد، وأيضًا فإن قتل الصيد إتلاف، والإِتلاف مضمون في العمد وفي النسيان، لكن المتعمد مأثوم والمخطئ غير ملوم. وقوله تعالى: ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ [قرأ بعضهم بالإضافة وقرأ آخرون بعطفها ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾] [¬١]، وحكى ابن جرير أن ابن مسعود قرأها: (فجزاؤه مثل ما قتل من النعم) وفي قوله: ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ على كل من القراءتين دليل لما ذهب إليه مالك والشافعي وأحمد والجمهور - من وجوب الجزاء من [¬٢] مثل ما قتله المحرم إذا كان له مثل من الحيوان الإنسي، خلافًا لأبي حنيفة ﵀ حيث أوجب القيمة سواء كان الصيد المقتول مثليًّا أو غير مثلي، قال: وهو مخير إن شاء تصدق بثمنه وإن شاء اشترى به هديًا. والذي حكم به الصحابة في المثلى أولى بالاتباع، فإنهم حكموا في النعامة ببدنة، وفي بقرة الوحق ببقرة، وفي الغزال بعنز، وذكر قضايا الصحابة وأسانيدها مقرر في كتاب الأحكام، وأما إذا لم يكن الصيد مثليًّا فقد حكم ابن عباس فيه بثمنه يحمل إلى مكة. رواه البيهقي. وقوله تعالى: ﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ يعني: أنه يحكم بالجزاء في المثلي أو بالقيمة في غير المثلي عدلان من المسلمين، واختلف العلماء في القاتل هل يجوز أن يكون أحد الحكمين على - قولين:

стр. 2386

(أحدهما): لا؛ لأنه قد يتهم [¬١] في حكمه على نفسه، وهذا مذهب مالك. (والثاني): نعم؛ لعموم الآية، وهو مذهب الشافعي وأحمد. واحتج الأولون: بأن الحاكم لا يكون محكومًا عليه في صورة واحدة. قال ابن أبي حاتم (٧٢٩): حدثنا أبي، حدثنا أبو نعيم الفضل بن دكين، حدثنا جعفر - هو ابن برقان - عن ميمون بن مهران: أن أعرابيًّا أتى أبا بكر فقال [¬٢]: قتلت صيدًا وأنا محرم فما ترى عليَّ من الجزاء؟ فقال أبو بكر ﵁ لأبي بن كعب وهو جالس عنده: ما ترى فيما قال؟ فقال الأعرابي: أتيتك وأنت خليفة رسول الله ﷺ أسألك فإذا أنت تسأل غيرك! فقال أبو بكر: وما تنكر؟ يقول الله تعالى: ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ فشاورت صاحبي حتى [¬٣] إذا اتفقنا على أمر أمرناك به. وهذا إسناد جيد لكنه منقطع بين ميمون وبين الصديق ومثله يحتمل هاهنا، فبين له الصديق الحكم برفق وتؤدة لما رآه أعرابيًا جاهلًا، وإنما دواء الجهل التعليم، فأما إذا كان المعترض منسوبًا [¬٤] إلى العلم فقد قال ابن جرير (٧٣٠): حدثنا هناد وأبو هشام الرفاعي، قالا: حدثنا وكيع بن الجراح، عن المسعودي، عن عبد الملك بن عمير، عن قبيصة بن جابر، قال: خرجنا حجاجًا، فكنا إذا صلينا الغداة اقتدنا رواحلنا نتماشى [¬٥] نتحدث، قال [¬٦]: فبينما نحن ذات غداة إذ سنح لنا ظبي أو برح، فرماه رجل كان معنا بحجر فما أخطأ حشاه، فركب وودعه [¬٧] ميتًا، قال: فعظمنا عليه. فلما قدمنا مكة خرجت معه حتى أتينا عمر بن الخطاب ﵁[قال] فقص عليه

стр. 2387

القصة، قال: وإذا [¬١] إلى جنبه رجل كأن وجهه قلب فضة - يعني عبد الرحمن بن عوف - فالتفت عمر [¬٢] إلى صاحبه فكلمه، قال: ثم أقبل على الرجل، فقال: أعمدًا قتلته أم خطأ؟ فقال الرجل: لقد تعمدت رميه وما أردت قتله. فقال عمر: ما أراك إلا قد أشركت بين العمد والخطأ، اعمد إلى شاة فاذبحها وتصدق [¬٣] بلحمها واستبق إهابها. قال: فقمنا من عنده، فقلت لصاحبي: أيها الرجل، عظم شعائر الله، فما درى أمير المؤمنين ما يفتيك حتى سأل صاحبه، اعمد إلى ناقتك فانحرها ففعل ذاك. قال قبيصة: ولا أذكر الآية من سورة المائدة ﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ قال: فبلغ عمر مقالتي فلم يفجأنا منه إلا ومعه الدِّرة، قال: فعلا صاحبي ضربًا بالدرة، [وجعل يقول] [¬٤]: أقتلت في [¬٥] الحرم، وسفهت الحكم. قال: ثم أقبل علي، فقلت: يا أمير المؤمنين، لا أحل لك اليوم شيئًا يحرم عليك مني. فقال [¬٦]: يا قبيصة بن جابر، إني أراك شاب السن، فسيح الصدر، بيِّن اللسان، وإن الشاب يكون فيه تسعة أخلاق حسنة وخلق سيئ، فيفسد الخلق السيئ الأخلاق الحسنة، فإياك وعثرات الشباب. وقد روى هشيم هذه القصة عن عبد الملك بن عمير عن قبيصة بنحوه، ورواها أيضًا عن حصين، عن الشعبي، عن قبيصة بنحوه، وذكرها مرسلة عن عمر [] [¬٧] بكر بن عبد الله المزني ومحمد بن سيرين. وقال ابن جرير (٧٣١): حدثنا ابن بشار، حدثنا عبد الرحمن، حدثنا شعبة، عن منصور، عن أبي وائل، أخبرني جرير [¬٨] البجلي، قال: أصبت ظبيًا وأنا محرم، فذكرت ذلك لعمر، فقال: ائت رجلين من إخوانك فليحكما عليك. فأتيت عبد الرحمن وسعدًا فحكما على بتيس أعفر. وقال ابن جرير (٧٣٢): حدثنا ابن وكيع، حدثنا ابن عيينة، عن مخارق، عن طارق، قال:

стр. 2388

[أوطأ أربد] [¬١] ظبيًا فقتله وهو محرم، فأتى عمر ليحكم عليه، فقال له عمر: احكم معي. فحكما فيه جديًا قد جمع الماء والشجر، ثم قال عمر: ﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾. وفي هذا دلالة على جواز كون القاتل أحد الحكمين كما قاله الشافعي وأحمد رحمهما الله. واختلفوا هل تستأنف الحكومة في كل ما يصيبه المحرم، فيجب أن يحكم فيه ذوا عدل وإن كان قد حكم [في مثله] [¬٢] الصحابة، [أو يكتفي بأحكام الصحابة المتقدمة؟ على قولين؛ فقال الشافعي وأحمد: يتبع في ذلك ما حكمت به الصحابة، وجعلاه شرعًا مقررًا [¬٣] لا يعدل عنه، وما لم يحكم فيه [¬٤] الصحابة] [¬٥] ورجع فيه إلى عدلين، وقال مالك وأبو حنيفة: بل يجب الحكم في كل فرد فرد، سواء وُجد للصحابة في مثله حكم أم لا؛ لقوله تعالى: ﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾. وقوله تعالى: ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ أي: واصلًا إلى الكعبة، والمراد: وصوله إلى الحرم بأن يذبح هناك، ويفرق لحمه على مساكين الحرم، وهذا أمر متفق عليه في هذه الصورة. وقوله: ﴿أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا﴾ أي [¬٦]: إذا لم يجد المحرم مِثْل ما قتل من النعم، أو لم يكن الصيد المقتول من ذوات الأمثال، أو قلنا بالتخيير في هذا المقام بين الجزاء والإطعام والصيام، كما هو قول مالك وأبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد بن الحسن، وأحد قولَي الشافعي، والمشهور عن أحمد ﵏، لظاهر الآية "أو" فإنها للتخيير، والقول الآخر أنها على الترتيب. فصورة ذلك أن يعدل إلى القيمة، فيقوّم الصيد المقتول عند مالك وأبي حنيفة وأصحابه وحماد وإبراهيم، وقال الشافعي: يقوم مثله من النعم لو كان موجودًا، ثم يُشترى به طعام فيتصدق [¬٧] به، فيصرف لكل مسكين مد منه عند الشافعي ومالك وفقهاء الحجاز، واختاره ابن جرير.

стр. 2389

وقال أبو حنيفة وأصحابه: يطعم كل مسكين مُدَّين. وهو قول مجاهد. وقال أحمد: مدٌّ من حنطة أو مدان من غيره. فإن لم يجد أو قلنا بالتخيير صام عن إطعام كل مسكين يومًا. وقال ابن جرير: وقال آخرون: يصوم مكان كل صاع يومًا كما في جزاء المترفة بالحلق ونحوه، فإن الشارع أمر كعب بن عجرة أن يطعم فَرَقًا بين ستة، أو يصوم ثلاثة أيام، والفرق: ثلاثة آصع. واختلفوا في مكان هذا الإطعام، فقال الشافعي: محله [¬١] الحرم وهو قول عطاء، وقال مالك [¬٢]: يطعم في المكان الذي أصاب فيه الصيد أو أقرب الأماكن إليه، وقال أبو حنيفة: إن شاء أطعم في الحرم، وإن شاء أطعم في غيره. ذكر أقوال السلف في هذا المقام قال ابن أبي حاتم (٧٣٣): حدثنا أبي، حدثنا يحيى بن المغيرة، حدثنا جرير، عن منصور، عن الحكم، عن مقسم، عن ابن عباس في قول الله تعالى: ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا﴾ قال: إذا أصاب المحرم الصيد حكم عليه جزاؤه من النعم، [فإن وجد جزاء ذبح، فتصدق به، [¬٣]، وإن [¬٤] لم يجد نظر كَمْ ثمنه، ثم قوّم ثمنه طعامًا، فصام مكان كل نصف صاع يومًا، قال الله تعالى: ﴿أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا﴾ قال: إنما أريد بالطعام الصيام، أنه إذ وجد الطعام وجد جزاؤه. ورواه ابن جرير من طريق جرير (٧٣٤).

стр. 2390

وقال على بن أبي طلحة، عن ابن عباس: ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا﴾ إذا [¬١] قتل المحرم شيئًا من الصيد حكم عليه فيه، فإن قتل ظبيًا أو نحوه فعليه شاة تذبح بمكة، فإن لم يجد فإطعام ستة مساكين، فإن لم يجد فصيام ثلاثة أيام، فإن قتل إبلًا [¬٢] أو نحوه فعليه بقرة، فإن لم يجدها أطعم عشرين مسكينًا، فإن لم يجد صام عشرين يومًا، وإن قتل نعامة أو حمار وحش أو نحوه فعليه بدنة من الإبل، فإن لم يجد أطعم ثلاثين مسكينًا، فإن لم يجد صام ثلاثين يومًا (٧٣٥). رواه ابن أبي حاتم وابن جرير وزادوا: الطعام مدٌّ مدٌّ يشبعهم [¬٣]. وقال جابر الجعفي: عن عامر الشعبي وعطاء ومجاهد ﴿أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا﴾ قالوا: إنما الطعام لمن لا يبلغ الهدي. رواه ابن جرير. وكذا روى ابن جريج [¬٤] عن مجاهد وأسباط عن السدي: أنها على الترتيب. وقال عطاء، وعكرمة، ومجاهد - في رواية الضحاك - وإبراهيم النخعي: هي على الخيار، وهي [¬٥] رواية الليث عن مجاهد عن ابن عباس، واختار ذلك ابن جرير ﵀. وقوله: ﴿لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ﴾ أي: أوجبنا عليه الكفارة ليذوق عقوبة فعله الذي ارتكب فيه المخالفة ﴿عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ﴾ أي: في زمان الجاهلية لمن أحسن في الإِسلام، واتبع شرع الله ولم يرتكب المعصية. ثم قال: ﴿وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ﴾ أي: ومن فعل ذلك بعد تحريمه في الإِسلام وبلوغ الحكم الشرعي إليه ﴿فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ﴾. قال ابن جريج: قلت لعطاء: ما ﴿عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ﴾ قال: عما كان في الجاهلية. قال: قلت: وما [¬٦] ﴿وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ﴾ [؟ قال: ومن عاد في الإسلام فينتقم الله منه] [¬٧]، وعليه مع ذلك الكفارة. قال: قلت: فهل في العود حدٌّ تعلمَه؟ قال: لا.

стр. 2391

قال [¬١]: قلت: فترى حقًّا على الإِمام أن يعاقبه؟ قال: لا، هو ذنب أذنبه فيما بينه وبين الله ولكن يفتدي. و [¬٢] رواه ابن جرير (٧٣٦). وقيل: معناه فينتقم الله منه بالكفارة، قاله سعيد بن جبير وعطاء. ثم الجمهور من السلف والخلف على أنه متى قتل المحرم الصيد وجب الجزاء، ولا فرق بين الأولى [¬٣] والثانية، وإن تكرر ما تكرر، سواء الخطأ في ذلك والعمد. وقال علي بن أبي طلحة: عن ابن عباس، قال: من قتل شيئا من الصيد خطأ وهو محرم يحكم عليه فيه كما [¬٤] قتله، وإن قتله عمدًا يحكم عليه فيه مرة واحدة، فإن عاد يقال له: ينتقم الله منك كما قال الله (٧٣٧). وقال ابن جرير (٧٣٨): حدثنا عمرو بن علي، حدثنا يحيى بن سعيد وابن أبي عدي جميعًا، عن هشام - هو ابن حسان - عن عكرمة، عن ابن عباس فيمن أصاب صيدًا فحكم [¬٥] عليه ثم عاد قال: لا يحكم عليه، ينتقم الله منه. وهكذا قال شريح ومجاهد وسعيد بن جبير والحسن البصري وإبراهيم النخعي، رواهن ابن جرير ثم اختار القول الأول. وقال ابن أبي حاتم (٧٣٩): حدثنا العباس بن يزيد العبدى، حدثنا المعتمر بن سليمان، عن زيد أبي المعلي، عن الحسن البصري: أن رجلًا أصاب صيدًا فتجوز عنه، ثم عاد فأصاب صيدًا آخر، فنزلت نار من السماء فأحرقته، فهو قوله: ﴿وَمَنْ [¬٦] عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ﴾. وقال ابن جرير (٧٤٠) في قوله: ﴿وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ﴾ يقول عز ذكره: والله منيع في

стр. 2392

سلطانه لا يقهره قاهر، ولا يمنعه من الانتقام ممن انتقم منه، ولا من عقوبة من أراد عقوبته مانع؛ لأن الخلق خلقه والأمر أمره، له العزة والمنعة. وأما [¬١] قوله: ﴿ذُو انْتِقَامٍ﴾ يعني أنه ذو معاقبة لمن عصاه على معصيته إياه [¬٢]. ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٩٦) جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِ وَالشَّهْرَ الْحَرَامَ وَالْهَدْيَ وَالْقَلَائِدَ ذَلِكَ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٩٧) اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ وَأَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٩٨) مَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ (٩٩)﴾ قال [ابن أبي طلحة: عن] [¬٣] ابن عباس في رواية عنه، وسعيد بن المسيب، وسعيد بن جبير، وغيرهم في قوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ﴾ يعني: ما يصطاد منه طريًّا ﴿وَطَعَامُهُ﴾ ما يتزود منه مليحًا [¬٤] يابسًا. وقال ابن عباس في الرواية المشهورة عنه: صيده ما أخذ منه حيًّا ﴿وَطَعَامُهُ﴾ ما لفظه ميتًا. وهكذا [¬٥] روي عن أبي بكر الصديق وزيد بن ثابت وعبد الله بن عمر [¬٦] وأبي أيوب الأنصاري ﵃ وعكرمة وأبي سلمة بن عبد الرحمن وإبراهيم النخعي والحسن البصري. قال سفيان بن عيينة: عن عمرو بن دينار، عن عكرمة، عن أبي بكر الصديق أنه قال: ﴿وَطَعَامُهُ﴾ كل ما فيه. رواه ابن جرير وابن أبي حاتم.

стр. 2393

وقال ابن جرير (٧٤١): حدثنا ابن حميد، حدثنا جرير، عن مغيرة، عن سماك، قال: حدثت عن ابن عباس قال: خطب أبو بكر الناس فقال: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ﴾ وطعامه ما قذف. قال (٧٤٢): وحدثنا يعقوب، حدثنا ابن علية، عن سليمان التيمي، عن أبي مجلز، عن ابن عباس في قوله: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ﴾ قال: ﴿وَطَعَامُهُ﴾ ما قذف. وقال عكرمة: عن ابن عباس قال [¬١]: طعامه [] [¬٢] ما لفظ من ميتة. ورواه ابن جرير أيضًا. وقال سعيد بن المسيب: طعامه ما لفظه حيًّا أو حسر عنه فمات. رواه ابن أبي حاتم. وقال ابن جرير (٧٤٣): حدثنا ابن بشار، حدثنا عبد الوهاب، حدثنا أيوب، عن نافع: أن عبد الرحمن بن أبي هريرة سأل ابن عمر فقال: إن البحر قد قذف حيتانًا كثيرًا ميتًا أفنأكله؟ فقال: لا تأكلوه [¬٣]. فلما رجع عبد الله إلى أهله، أخذ المصحف فقرأ سورة المائدة، فأتى هذه الآية ﴿وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ﴾ فقال: اذهب فقل له: فليأكله؛ فإنه طعامه. وهكذا اختار ابن جرير أن المراد بطعامه ما مات فيه. قال: وقد رُوي في ذلك خبر وإن بعضهم سرويه موقوفًا. وحدثنا هناد بن السري، قال: حدثنا عبدة بن سليمان، عن محمد بن عمرو، حدثنا

стр. 2394

أبو سلمة، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ﴾ قال: "طعامه ما لفظه ميتًا" (٧٤٤). ثم قال: وقد وقف بعضهم هذا الحديث على أبي هريرة. حدثنا هناد، حدثنا ابن أبي زائدة، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة في قوله: ﴿أحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ﴾ قال: طعامه ما لفظه [¬١] ميتًا (٧٤٥) وقوله: ﴿مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ﴾ أي: منفعة وقوتًا لكم أيها المخاطبون ﴿وَلِلسَّيَّارَةِ﴾ وهو [¬٢] جمع سيار، قال عكرمة: لمن كان بحضرة البحر ﴿وَلِلسَّيَّارَةِ﴾ [¬٣]: وللسفر [¬٤]. وقال غيره: الطري منه لمن يصطاده من حاضرة البحر، وطعامه ما مات فيه أو اصطيد منه وملح وقدد يكون [¬٥] زادًا للمسافرين والنائين عن البحر. وقد رُوي نحوه عن ابن عباس ومجاهد والسدي وغيرهم [¬٦]. وقد استدل [جمهور العلماء] [¬٧] على حل ميتة البحر بهذه الآية الكريمة، وبما رواه الإِمام مالك بن أنس (٧٤٦)،

стр. 2395

عن ابن وهب بن كيسان، عن جابر بن عبد الله، قال: بعث رسول الله ﵌ بعثًا قِبَل الساحل، فأمَّر عليهم أبا عبيدة بن الجراح وهم ثلاثمائة قال [¬١]: وأنا فيهم، قال: فخرجنا حتى إذا كنا ببعض الطريق فني الزاد، فأمر أبو عبيدة بأزواد ذلك الجيش فجمع ذلك كله، فكان مزودَي تمر، قال: فكان يقوِّتنا كل يوم قليلاً قليلاً حتى فني، فلم يكن يصيبنا [¬٢] إلا تمرة تمرة: [فقلت: وما تغنى تمرة] [¬٣]؟. فقال: فقد وجدنا فقدها حين [¬٤] فنيت [¬٥]، قال: [] [¬٦] ثم انتهينا إلى البحر، فإذا حوت مثل الظرب [¬٧]، فأكل منه ذلك الجيش ثماني عشرة [¬٨] ليلة، ثم أمر أبو عبيدة بضلعين من أضلاعه [¬٩] فنصبا، ثم أمر براحلة فرحلت، ومرت تحتهما [¬١٠] فلم تصبهما [¬١١]. وهذا الحديث مخرج في الصحيحين وله طرق عن جابر. وفي صحيح مسلم (٧٤٧) من رواية أبي الزبير عن جابر: فإذا على ساحل البحر مثل الكثيب الضخم، فأتيناه فإذا بدابة يقال لها: العنبر، قال: قال أبو عبيدة: ميتة. ثم قال: لا، نحن رسل رسول الله ﵌ [وفي سبيل الله] [¬١٢] وقد اضطررتم فكلوا. قال: فأقمنا عليه شهرًا ونحن ثلاثمائة حتى سَمِنًّا، ولقد رأيتنا نغترف من وَقْب (*) عينه بالقلال الدهن ونقتطع منه الفِدَر (**) كالثور [أو كقدر كالثور] [¬١٣]. قال: ولقد أخذَ منا أبو عبيدة ثلاثة عشر

стр. 2396

رجلًا فأقعدهم [¬١] في وقب عينه، أخذ ضلعًا من أضلاعه فأقامها، ثم رحل أعظم بعير معنا فمرّ من تحته، وتزوَّدنا من لحمه وَشَائِق (*)، فلما قدمنا المدينة، أتينا رسول الله ﵌ فذكرنا ذلك له، فقال: "هو رزق أخرجه الله لكم، هل معكم من لحمه شيء فتطعمونا؟ " قال: فأرسلنا إلى رسول الله ﷺ منه فأكله. وفي بعض روايات مسلم أنهم كانوا مع النبي ﷺ حين وجدوا هذه السمكة، فقال بعضهم: هي واقعة أخرى، وقال بعضهم: بل هي قضية واحدة، ولكن كانوا أولًا مع النبي ﷺ ، ثم بعثهم سرية مع أبى عبيدة، فوجدوا هذه في سريتهم تلك مع أبي عبيدة، والله أعلم. وقال مالك (٧٤٨): عن صفوان بن سليم، عن سعيد بن سلمة من آل ابن الأزرق: أن المغيرة ابن أبي بردة وهو من بني عبد الدار، أخبره أنه سمع أبا هريرة يقول: سأل رجل رسول الله ﷺ ، فقال: يا رسول الله، إنا نركب البحر، ونحمل معنا القليل من الماء، فإن توضأنا به عطشنا، أفنتوضأ بماء البحر؟ فقال رسول الله ﷺ : "هو الطهور ماؤه، الحل [¬٢] ميتته". وقد روى هذا الحديث الإِمامان الشافعي وأحمد بن حنبل وأهل السنن الأربعة وصححه البخاري والترمذي وابن خزيمة وابن حبان وغيرهم، وقد روي عن جماعة من الصحابة عن النبي ﷺ بنحوه. وقد روي الإمام أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجة من طرق: عن حماد بن سلمة، حدثنا أبو المهزم - هو يزيد بن سفيان -، سمعت أبا هريرة يقول: كنا مع رسول الله ﷺ في حج أو عمرة، فاستقبلنا رجل جراد، فجعلنا نضربهن بعصينا وسياطنا [¬٣] فنقتلهن، فأسقط في أيدينا، فقلنا: ما نصنع ونحن محرمون، فسألنا رسول الله ﷺ فقال: "لا بأس بصيد البحر" (٧٤٩). أبو المُهَزّم ضعيف، والله أعلم.

стр. 2397

وقال ابن ماجة (٧٥٠): حدثنا هارون بن عبد الله الحمال، حدثنا هاشم بن القاسم، حدثنا زياد بن عبد الله بن علاثة، عن موسى [¬١] بن محمد بن إبراهيم، عن أبيه، عن جابر وأنس بن مالك: أن النبي ﷺ كان إذ دعا على الجراد قال: "اللهم أهلك كباره، واقتل صغاره، وأفسد بيضه، وقطع دابره، وخذ بأفواهه عن معايشنا وأرزاقنا، إنك سميع الدعاء". فقال خالد: يا رسول الله، كيف تدعو [¬٢] على جند [¬٣] من أجناد الله بقطع دابره؟ فقال: "إن الجراد نثرة [¬٤] الحوت في البحر". قال هاشم: قال زياد: فحدثني من رأى الحوت ينثره. تفرد به ابن ماجة. وقد روى الشافعى عن سعيد، عن ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عباس: أنه أنكر على [¬٥] من يصيد الجراد في الحرم. وقد احتج بهذه الآية الكريمة من ذهب من الفقهاء إلى أنه [تؤكل داوب] [¬٦] البحر ولم يستثن من ذلك شيئًا، وقد تقدم عن الصديق أنه قال: طعامه كل ما فيه. وقد استثنى بعضهم الضفادع وأباح ما سواها؛ لما رواه الإمام أحمد وأبو داود والنسائي من رواية ابن أبي ذئب، عن سعيد بن خالد، عن سعيد بن المسيب، عن عبد الرحمن بن عثمان التيمي: أن رسول الله ﷺ نهى عن قتل الضفدع (٧٥١). وللنسائي عن عبد الله بن عمرو قال: نهى رسول الله ﷺ عن قتل الضفدع وقال: "نقيقها تسبيح" (٧٥٢).

стр. 2398

وقال آخرون: يؤكل من صيد البحر السمك ولا يؤكل الضفدع، واختلفوا فيما سواهما؛ فقيل: يؤكل سائر ذلك، وقيل: لا يؤكل، وقيل: ما أكل شبهه من البر أكل مثله في البحر، وما لا يؤكل شبهه لا يؤكل، وهذه كلها وجوه في مذهب الشافعي رحمه الله تعالى. وقال أبو حنيفة رحمه الله تعالى: لا يؤكل ما مات في البحر كما لا يؤكل ما مات في البر؛ لعموم قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾. وقد ورد حديث بنحو ذلك فقال ابن مردويه (٧٥٣): حدثنا عبد الباقي - هو ابن قانع -، حدثنا الحسين بن إسحاق التستري وعبد الله بن موسى ابن أبى عثمان، قالا: حدثنا الحسين بن يزيد الطحان، حدثنا حفص بن غياث، عن ابن أبي ذئب، عن أبي الزبير، عن جابر، قال: قال [¬١] رسول الله ﷺ : "ما صدتموه وهو حي فمات فكلوه، وما ألقي البحر ميتًا طافيًا فلا تأكلوه". ثم رواه من طريق إسماعيل بن أمية ويحيى بن أبي أنيسة، عن أبي الزبير، عن جابر به. وهو منكر. وقد احتج الجمهور من أصحاب مالك والشافعي وأحمد بن حنبل بحديث العنبر المتقدم ذكره، وبحديث: "هو الطهور ماؤه الحل ميتته". وقد تقدم أيضًا. وروى الإِمام أبو عبد الله الشافعي (٧٥٤) عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، عن أبيه، عن ابن عمر، قال: قال رسول الله ﷺ : "أحلت لنا ميتتان ودمان؛ فأما الميتتان: فالحوت والجراد، وأما الدمان: فالكبد والطحال". ورواه أحمد وابن ماجة والدارقطني والبيهقي وله شواهد، ورُوي موقوفًا، والله أعلم. وقوله: ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾ أي: في حال إحرامكم يحرم عليكم الاصطياد، ففيه دلالة على تحريم ذلك، فإذا اصطاد المحرم الصيد متعمدًا أثم وغرم، أو مخطئًا

стр. 2399

غرم وحرم عليه أكله؛ لأنه في حقه كالميتة، وكذا في حق غيره من المحرمين والمحلين عند مالك والشافعي في أحد قوليه، وبه يقول عطاء والقاسم وسالم وأبو يوسف ومحمد بن الحسن وغيرهم، فإن أكله أو شيئًا منه فهل يلزمه جزاء ثان [¬١]؟ فيه قولان للعلماء: أحدهما: نعم، قال عبد الرزاق (٧٥٥): عن ابن جريج، عن عطاء، قال: إن ذبحه ثم أكله فكفارتان. وإليه ذهب طائفة. والثاني: لا جزاء عليه بأكله، نص عليه مالك بن أنس. قال أبو عمر بن عبد البر: وعلى هذا مذاهب فقهاء الأمصار وجمهور العلماء. ثم وجهه أبو عمر بما لو وطئ ثم وطئ ثم وطئ قبل أن يحد فإنما عليه حد واحد. وقال أبو حنيفة: عليه قيمة ما أكل. وقال أبو ثور: إذا قتل المحرم الصيد فعليه جزاؤه، وحلال أكل ذلك الصيد، إلا أنني أكرهه للذي قتله، للخبر عن رسول الله ﷺ : "صيد البر لكم حلال، مما لم تصيدوه أو يصد لكم" (٧٥٦). وهذا الحديث سيأتي بيانه، وقوله بإباحته للقاتل غريب، وأما لغيره ففيه خلاف قد ذكرنا المنع عمن تقدم. وقال آخرون بإباحته لغير القاتل سواء المحرمون والمحلون؛ لهذا الحديث، والله أعلم. وأما إذا صاد حلال صيدًا فأهداه إلى محرم، فقد ذهب ذاهبون إلى إباحته مطلقًا، ولم يستفصلوا بين أن يكون قد صاده لأجله أم لا، حكي هذا القول أبو عمر بن عبد البر: عن عمر بن الخطاب وأبي هريرة والزبير بن العوام وكعب الأحبار ومجاهد وعطاء في رواية وسعيد بن جبير. [قال] [¬٢] وبه قال الكوفيون. قال ابن جرير (٧٥٧): حدثنا محمد بن عبد الله بن بزيع، حدثنا بشر بن المفضل، حدثنا

стр. 2400

سعيد، عن قتادة، أن سعيد بن المسيب حدثه، عن أبي هريرة: أنه سئل عن لحم صيد صاده حلال أيأكله المحرم، قال: فأفتاهم بأكله، ثم لقي عمر بن الخطاب فأخبره بما كان من أمره، فقال: لو أفتيتهم بغير هذا لأوجعت لك رأسك. وقال آخرون لا يجوز أكل الصيد للمحرم بالكلية ومنعوا من ذلك مطلقًا، لعموم هذه الآية الكريمة. و [¬١] قال عبد الرزاق (٧٥٨): عن معمر، عن ابن طاوس، وعبد الكريم بن أبي أمية، عن طاوس، عن ابن عباس: أنه كره أكل لحم الصيد للمحرم، وقال: هي مبهمة. يعني قوله: ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾. قال (٧٥٩): وأخبرني معمر، عن الزهري، عن ابن عمر: أنه كان يكره للمحرم أن يأكل من لحم الصيد على كل حال، قال معمر: وأخبرني أهب، عن نافع، عن ابن عمر مثله. قال ابن عبد البر: وبه قال طاوس وجابر بن زيد وإليه ذهب الثوري وإسحاق بن راهويه في رواية، وقد رُوي نحوه عن علي بن أبي طالب. رواه ابن جرير (٧٦٠) من طريق سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن سعيد بن المسيب: أن عليًّا كره أكل [¬٢] لحم الصيد للمحرم على كل حال. وقال مالك والشافعي وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه - في رواية - والجمهور: إن كان الحلال قد قصد المحرم بذلك الصيد لم يجز للمحرم أكله، لحديث الصعب بن جَثَّامة: أنه أهدى للنبي ﷺ حمارًا وحشيًّا وهو بالأبواء أو بودان فرده عليه، فلما رأى ما في وجهه

стр. 2401

قال: "إنا لم نرده عليك إلا أنَّا حرم" (٧٦١). وهذا الحديث مخرج في الصحيحين وله ألفاظ كثيرة، قالوا: فوجهه أن النبي ﷺ ظن أن هذا إنما صاده من أجله فرده لذلك، فأما إذا لم يقصده بالاصطياد فإنه يجوز له الأكل منه الحديث أبي قتادة حين صاد حمار وحش وكان حلالاً لم يحرم، وكان أصحابه محرمين فتوقفوا في أكله، ثم سألوا رسول الله ﷺ فقال: "هل كان منكم أحد أشار إليها وأعان في قتلها؟ " قالوا: لا. قال: "فكلوا". وأكل منها رسول الله ﷺ (٧٦٢). وهذه القصة ثابتة أيضًا في الصحيحين بألفاظ كثيرة. وقال الإِمام أحمد (٧٦٣): حدثنا سعيد بن منصور وقتيبة بن سعيد، قالا: حدثنا يعقوب بن عبد الرحمن، عن عمرو بن أبي عمرو، عن المطلب بن عبد الله بن حنطب، عن جابر بن عبد الله، قال: قال رسول الله ﷺ . وقال قتيبة في حديثه: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "صيد البر لكم حلال - قال سعيد: وأنتم حرم - ما لم تصيدوه أو يُصَدْ لكم".

стр. 2402

وكذا رواه أبو داود والترمذي والنسائي جميعًا عن قتيبة، وقال الترمذي: لا نعرف للمطلب سماعًا من جابر، ورواه الإمام محمد بن إدريس الشافعي ﵁: من طريق عمرو بن أبي عمرو، عن مولاه المطلب، عن جابر، ثم قال: وهذا أحسن حديث روي في هذا الباب وأقيس. وقال مالك ﵁ (٧٦٤): عن عبد الله بن أبي بكر، عن عبد الله بن عامر ابن [¬١] ربيعة، قال: رأيت عثمان بن عفان بالعرج، وهو محرم في يوم صائف، قد غطي وجهه بقطيفة أرجوان، ثم أتى بلحم صيد فقال لأصحابه: كلوا. فقالوا: أو لا جمل أنت. فقال: إني لست كهيئتكم، إنما صيد من أجلي. [وقد نقل ابن جرير خلافًا في صفة الصيد الذى حرمه الله تعالى على المحرم، فقال بعضهم: صيد البر: كل ما كان يعيش في البر والبحر، وإنما صيد البحر ما كان يعيش في الماء دون البر ويأوى إليه. روى عمران بن حدير [¬٢]، عن أبي مجلز [¬٣] أنه قال في قوله تعالى: ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾، قال: ما كان يعيش في البر والبحر فلا تصده، وما كان حياته في الماء فذاك (٧٦٥).

стр. 2403

وعن عطاء قال: "ما كان يعيش في البر فأصابه المحرم فعليه جزاؤه، نحو السلحفاء؛ والسرطان، والضفادع" وقال بعضهم: صيد البر ما كان كونه في البر أكثر من كونه في البحر. روُى عن ابن جريج قال: "سألت عطاء عن ابن الماء، أصيد بر أم بحر؟ وعن أشباهه. فقال: حيث يكون أكثر، فهو صيده". وعن عطاء بن أبي رباح قال: أكثر ما يكون حيث يفرخ، فهو منه". وقوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾. قال ابن جرير (٧٦٦): " يقول تعالى ذكره: واخشوا الله، أيها الناس، واحذروه بطاعته فيما أمركم به من فرائضه، وفيما نهاكم عنه في هذه الآيات التي أنزلها على نبيكم ﷺ ، من النهى عن الخمر والميسر والأنصاب والأزلام وعن إصابة صيد البر وقتله في حال إحرامكم وفي غيرها، فإن لله مصيركم ومرجعكم، فيعاقبكم بمعصيتكم إياه، ويجازيكم فيثيبكم على طاعتكم له". وقوله تعالى: ﴿جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِ وَالشَّهْرَ الْحَرَامَ وَالْهَدْيَ وَالْقَلَائِدَ﴾] [¬١]. ["يقول تعالى ذكره: صير الله الكعبة البيت الحرام قوامًا للناس الذين لا قوام لهم، من رئيس يحجز قويهم عن ضعيفهم، ومسيئهم عن محسنهم، وظالمهم عن مظلومهم - والشهر الحرام والهدى والقلائد - فحجز بكل واحد من ذلك بعضهم عن بعض، إذ لم يكن لهم قيام غيره، وجعلها معالم لدينهم، ومصالح أمورهم". وقد روى عن مجاهد قال: "إنما سميت الكعبة لأنها مربعة". وروي مثله عن عكرمة. قال ابن جرير: "وأما ﴿الْكَعْبَةَ﴾ فالحرم كله. وسماها الله تعالى "حرامًا"، لتحريمه إياها أن يصاد صيدها أو يختلى خلالها، أو يعضد شجرها"].

стр. 2404

وقد فسر ابن جرير ﴿قِيَامًا لِلنَّاسِ﴾ بالقوام. وروى في ذلك آثارًا منها (٧٦٧): حدثنا هناد قال، حدثنا ابن أبي زائدة قال، أخبرنا من سمع خصَيفًا يحدث، عن مجاهد في: ﴿جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِ﴾، قال: قواما للناس. وقال سعيد بن جبير: ﴿قِيَامًا لِلنَّاسِ﴾، قال: صلاحًا لدينهم. وعنه أيضًا: "شدة لدينهم". وعن ابن عباس قال: "قيامها: أن يأمن من توجه إليها"، وعنه أيضًا: "قيامًا لدينهم، ومعالم لحجهم". وقال السدى: "جعل الله هذه الأربعة قيامًا للناس، هو قوام أمرهم". قال ابن جرير (٧٦٨): " وهذه الأقوال وإن اختلفت من ألفاظ قائليها ألفاظها، فإن معانيها آيلة إلى ما قلنا من ذلك، من أن "القوام" للشيء، هو الذى به صلاحه، كما أن الملك الأعظم، قوام رعيته ومن في سلطانه؛ لأنه مدبر أمرهم، وحاجز ظالمهم عن مظلومهم، والدافع عنهم مكروه من بغاهم وعاداهم. وكذلك كانت الكعبة والشهر الحرام والهدى والقلائد، قوام أمر العرب الذى كان به صلاحهم في الجاهلية، وهى في الإسلام لأهله معالم حجهم ومناسكهم ومتوجههم لصلاتهم، وقبلتهم التي باستقبالها يتم فرضهم". ثم قال ابن جرير: وبنحو الذى قلنا في ذلك قالت جماعة أهل التأويل. حدثنا بشر بن معاذ (٧٦٩) قال، حدثنا جامع بن حماد، حدثنا يزيد بن زريع قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: ﴿جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِ وَالشَّهْرَ الْحَرَامَ وَالْهَدْيَ] [¬١] [وَالْقَلَائِدَ﴾، حواجز أبقاها الله بين الناس في الجاهلية، فكان الرجل لو جر كل جَرِيرة ثم لجأ إلى الحرم لم يتناول ولم يقرب. وكان الرجل لو لقى قاتل أبيه في الشهر الحرام لم يعرض له ولم يقرب. وكان الرجل إذا أراد البيت تقلد قلادة من شعر فأحمته ومنعته من الناس، حتى يأتى أهله، حواجز أبقاها الله بين الناس في الجاهلية. وروي نحوه عن ابن زيد، وابن عباس.

стр. 2405

وقد مضى في أول السورة ذكر (الشهر الحرام) و (الهدى) و (القلائد). وقوله تعالى: ﴿اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ وَأَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾. قال ابن جرير (٧٧٠): " يقول تعالى ذكره: اعلموا، أيها الناس، أن ربكم الذى يعلم ما في السموات وما في الأرض، ولا يخفى عليه شيء من سرائر أعمالكم وعلانيتها، وهو يحصيها عليكم ليجازيكم بها، شديد عقابه من عصاه وتمرّد عليه، على معصيته إياه - وهو غفور لذنوب من أطاعه وأناب إليه، فساتر عليه وتارك فضيحته بها رحيم به أن يعاقبه على ما سلف من ذنوبه، بعد إنابته وتوبته منها. وقوله: ﴿مَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ﴾. هذا من الله تعالى ذكره، تهديد لعباده ووعيد، يقول تعالى ذكره: ليس على رسولنا الذى أرسلناه إليكم، أيها الناس، بإنذاركم عقابنا بين يدى عذاب شديد، وإعذارنا إليكم بما فيه قطع حججكم - إلا أن يؤدى إليكم رسالتنا، ثم إلينا الثواب على الطاعة، وعلينا العقاب على المعصية. ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ﴾. يقول: وغير خفى علينا المطيع منكم، القابل رسالتنا العامل بما أمرته بالعمل به - من المُعَاصى الآبى رسالتنا، التارك العمل بما أمرته بالعمل به؛ لأنا نعلم ما عمله العامل منكم فأظهره بجوارحه ونطق به لسانه. ﴿وَمَا تَكْتُمُونَ﴾، يعنى: وما تخفون في أنفسكم من إيمان وكفر، أو يقين وشك ونفاق. يقول تعالى ذكره: فمن كان كذلك، لا يخفى عليه شيء من ضمائر الصدور، وظواهر أعمال النفوس، مما في السموات وما في الأرض، وبيده الثواب والعقاب - فحقيق أن يُتَّقى، وأن يطاع، فلا يعصى"] [¬١]. ﴿قُلْ لَا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ فَاتَّقُوا اللَّهَ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (١٠٠) يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ

стр. 2406

وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللَّهُ عَنْهَا وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ (١٠١) قَدْ سَأَلَهَا قَوْمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ ثُمَّ أَصْبَحُوا بِهَا كَافِرِينَ (١٠٢) يقول تعالى لرسوله ﷺ : ﴿قل﴾ يا محمد ﴿لا يستوي الخبيث والطيب ولو أعجبك﴾ أي: يا أيها الإِنسان ﴿كثرة الخبيث﴾ يعني: أن القليل الحلال النافع خير من الكثير الحرام الضار، كما جاء في الحديث: "ما قل وكفى خير مما كثر وألهى". وقال أبو القاسم البغوي في معجمه (٧٧١): حدثنا أحمد بن زهير، حدثنا الحوطي، حدثنا محمد بن شعيب، حدثنا معان بن رفاعة، عن أبي عبد الملك على بن يزيد، عن القاسم، عن أبي أمامة: أنه أخبره عن ثعلبة بن حاطب الأنصاري أنه قال: يا رسول اللَّه، ادع اللَّه [] [¬١] أن يرزقني مالًا. فقال النبي ﷺ : "قليل تؤدي شكره خير من كثير لا تطيقه". ﴿فاتقوا اللَّه يا أولي الألباب﴾ أي: يا ذوي العقول الصحيحة المستقيمة، وتجنبوا الحرام ودعوه، واقنعوا [¬٢] بالحلال واكتفوا به ﴿لعلكم تفلحون﴾ أي: في الدنيا والآخرة. ثم قال تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم﴾ هذا تأديب من اللَّه تعالى لعباده المؤمنين، ونهي لهم عن أن يسألوا [عن أشياء مما] [¬٣] لا فائدة لهم في السؤال والتنقيب عنها؛ لأنها إن أظهرت [¬٤] لهم تلك الأمور ربما ساءتهم وشق عليهم

стр. 2407

سماعها، كما جاء في الحديث أن رسول اللَّه ﷺ قال: "لا يبلغني أحد عن أحد شيئًا، إني أحب أن أخرج إيكم وأنا سليم الصدر" (٧٧٢) وقال البخاري (٧٧٣): حدثنا منذر بن الوليد بن عبد الرحمن الجارودى، حدثنا أبي، حدثنا شعبة، عن موسى بن أنس، عن أنس بن مالك، قال: خطب رسول اللَّه ﷺ خطة ما سمعت مثلها قط، قال: "لو تعلمون مما أعلم لضحكتم قليلًا ولبكيتم كثيرًا". قال: فغطى أصحاب رسول اللَّه ﷺ وجوههم لهم حنين، فقال رجل: مَنْ أبي؟ قال [¬١]: "فلان" فنزلت هذه الآية ﴿لا تسألوا عن أشياء﴾. رواه النضر وروح بن عبادة عن شعبة، وقد رواه البخاري في غير هذا الموضع ومسلم وأحمد والترمذي والنسائي من طرق عن شعبة بن الحجاج به. وقال ابن جرير (٧٧٤): حدثنا بشر، حدثنا يزيد، حدثنا سعيد، عن قتادة في قوله: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم﴾ الآية، قال: فحدثنا أن أنس بن

стр. 2408

مالك حدثه: أن رسول اللَّه ﷺ سألوه حتى أحفوه بالمسألة، فخرج عليهم ذات يوم فصعد المنبر فقال: "لا تسألوني اليوم عن شيء إلا بينته لكم". فأشفق أصحاب رسول اللَّه ﷺ أن يكون بين يدي أمر قد حضر، فجعلت لا ألتفت يمينا ولا شمالًا إلا وجدت كلًّا لافًّا [¬١] رأسه في ثوبه يبكي، فأنشأ رجل كان يلاحى فيدعى إلى غير أبيه، فقال: يا نبي اللَّه، من أبي؟ قال: "أبوك حذافة". قال: ثم قام عمر - أو قال: فأنشأ عمر - فقال: رضينا باللَّه ربًّا، وبالإسلام دينًا، وبمحمد رسولًا، عائذًا باللَّه - أو قال: أعوذ باللَّه - من شر الفتن. قال: و [¬٢] قال رسول اللَّه ﷺ : "لم أر في الخير والشر كاليوم قط، صورت لي الجنة والنار حتى رأيتهما دون الحائط". أخرجاه من طريق سعيد. ورواه معمر عن الزهري عن أنس بنحو ذلك أو قريبًا منه، قال الزهري: فقالت أم عبد اللَّه بن حذافة: ما رأيت ولدًا أعق منك قط [¬٣]، [] [¬٤] أكنت تأمن أن تكون [¬٥] أمك قد قارفت ما قارف أهل الجاهلية فتفضحها على رءوس الناس. فقال: والله لو ألحقني بعبد أسود للحقته (٧٧٥). وقال ابن جرير أيضًا (٧٧٦): حدثنا الحارث، حدثنا عبد العزيز، حدثنا قيس، عن أبي حصين، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، قال: خرج رسول اللَّه ﷺ وهو

стр. 2409

غضبان محمارٌّ وجهه، حتى جلس على المنبر فقام إليه رجل، فقال: أين أبي [¬١]؟ فقال [¬٢]: "في النار". فقام آخر فقال: من أبي؟ فقال: "أبوك حذافة". فقام عمر بن الخطاب فقال: رضينا بالله ربا، وبالإِسلام دينًا، وبمحمد ﷺ نبيًّا، وبالقرآن إمامًا، إنا يا رسول اللَّه حديثو عهد بجاهلية وشرك، والله أعلم من آباؤنا. قال: فسكن غضبه ونزلت هذه الآية: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم﴾ الآية. إسناده [¬٣] جيد، وقد ذكر هذه القصة مرسلة غير واحد من السلف منهم: أسباط عن السدي أنه قال في قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم﴾ قال: غضب رسول اللَّه ﷺ يومًا من الأيام، فقام خطيبًا فقال: "سلوني فإنكم لا تسألوني عن شيء إلا أنبأتكم به". فقام إليه رجل من قريش من بنى سهم يقال له: عبد اللَّه بن حذافة وكان يطعن فيه، فقال: يا رسول اللَّه، من أبي؟ فقال: " أبوك فلان ". فدعاه لأبيه، فقام إليه عمر بن الخطاب فقبل رجله، وقال: يا رسول اللَّه، رضينا بالله ربًّا، وبك نبيًّا، وبالإِسلام دينًا، وبالقرآن إمامًا، فاعف عنا عفا اللَّه عنك. فلم يزل به حتى رضي، فيومئذ قال: " الولد للفراش وللعاهر الحجر " (٧٧٧). ثم قال البخاري (٧٧٨): حدثنا الفضل بن سهل، حدثنا أبو النضر، حدثنا أبو خيثمة، حدثنا أبو الجويرية، عن ابن عباس ﵄، قال: كان قوم يسألون رسول اللَّه ﷺ استهزاء، فيقول الرجل: من أبي؟ ويقول الرجل تضل ناقته: أين ناقتي؟ فأنزل اللَّه فيهم [¬٤] هذه الآية: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم﴾ حتى فرغ من الآية كلها. تفرد به البخاري.

стр. 2410

وقال الإِمام أحمد (٧٧٩): حدثنا منصور بن وردان الأسدي، حدثنا على بن عبد الأعلى، عن أبيه، عن أبي البختري - وهو سعيد بن فيروز -، عن علي، قال: لما نزلت هذه الآية: ﴿وللَّه على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلًا﴾ قالوا: يا رسول اللَّه، في [¬١] كل عام؟ فسكت. فقالوا: أفي كل عام؟ فسكت. قال: ثم قالوا: أفي كل عام؟ فقال: "لا، ولو قلت نعم لوجبت، [ولو وجبت لما استطعتم] [¬٢] ". فأنزل اللَّه: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم﴾ [] [¬٣] الآية. كذا [¬٤] رواه الترمذي وابن ماجة من طريق منصور بن وردان به، وقال الترمذي: غريب من هذا الوجه، وسمعت البخاري يقول: أبو البختري لم يدرك عليًّا. وقال ابن جرير (٧٨٠): حدثنا أبو كريب، حدثنا عبد الرحيم بن سليمان [¬٥]، عن إبراهيم بن مسلم الهجري، عن أبي عياض، عن أبى هريرة، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "إن اللَّه كتب عليكم الحج". فقال رجل: أفي كل عام يا رسول اللَّه؟ فأعرض عنه حتى عاد مرتين أو ثلاثًا، فقال: "من السائل؟ " فقال: فلان. فقال: "والذي نفسي بيده، لو قلت: نعم لوجبت، ولو وجبت عليكم ما أطقتموه، ولو تركتموه لكفرتم". فأنزل اللَّه : ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن كبد لكم تسؤكم﴾ حتى ختم الآية. ثم رواه ابن جرير: من طريق الحسين بن واقد، عن محمد بن زياد، عن أبي هريرة، وقال: فقام محصن الأسدي، وفي رواية من هذه الطريق: عكاشة بن محصن وهو أشبه. وإبراهيم بن مسلم الهجري ضعيف. وقال ابن جرير أيضًا (٧٨١): حدثني زكريا بن يحيى [بن أبان المصري، حدثنا أبو زيد

стр. 2411

عبد الرحمن بن أبي الغمر، حدثنا أبو مطيع معاوية بن يحيى] [¬١]، عن صفوان بن عمرو، حدثني سليم بن عامر، قال: سمعت أبا أمامة الباهلي يقول: قام رسول اللَّه ﷺ في الناس فقال: " كتب عليكم الحج ". فقام رجل من الأعراب، فقال: أفي كل عام؟ قال: فغلَق [¬٢] كلام رسول اللَّه ﷺ وأسكت واستغضب ومكث طويلًا، ثم تكلم فقال: "من السائل؟ " فقال الأعرابي: أنا ذا. فقال: " ويحك، ماذا يؤمنك أن أقول نعم، واللَّه لو قلت نعم لوجبت، ولو وجبت لكفرتم، ألا إنه إنما أهلك الذين من قبلكم أئمة الحرج [¬٣]، واللَّه لو أني أحللت لكم جميع ما في الأرض، وحرمت عليكم منها موضع خف لوقعتم فيه". قال: فأنزل اللَّه عند ذلك: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم﴾ إلى آخر الآية. في إسناده ضعف، وظاهر الآية: النهي عن السؤال عن الأشياء التي إذا أعلم بها الشخص ساءته، فالأولى الإعراض عنها وتركها، وما أحسن الحديث الذي رواه الإِمام أحمد (٧٨٢) حيث قال: حدثنا حجاج، قال: سمعت إسرائيل بن يونس، عن الوليد بن أبي هشام [¬٤] مولى الهمداني، عن زيد بن زائد، عن عبد اللَّه بن مسعود، قال: قال رسول اللَّه ﷺ لأصحابه: "لا يبلغني أحد عن أحد شيئًا؛ فإني أحب أن أخرج إليكم وأنا سليم الصدر". الحديث. وقد رواه أبو داود والترمذي من حديث إسرائيل، قال أبو داود: عن الوليد. وقال الترمذي: عن إسرائيل، عن السدي، عن الوليد بن أبي هشام [¬٥] به. ثم قال الترمذي: غريب من هذا الوجه.

стр. 2412

وقوله تعالى: ﴿وإن تسألوا عنها حين ينزل القرآن تبد لكم﴾ أي: وإن تسألوا عن هذه الأشياء التي نهيتم عن السؤال عنها، حين ينزل الوحي على رسول اللَّه ﵌ تبين لكم، وذلك يسير. ثم قال: ﴿عفا اللَّه عنها﴾ أي: عما كان منكم قبل ذلك ﴿واللَّه غفور حليم [¬١]﴾. وقيل: المراد بقوله: ﴿وإن تسألوا عنها حين ينزل القرآن تبد لكم﴾ أي: لا تسألوا عن أشياء تستأنفون السؤال عنها، فلعله قد ينزل بسبب سؤالكم تشديد أو تضييق، وقد ورد في الحديث: "أعظم المسلمين جرمًا من سأل عن شيء لم يحرم، فحرم من أجل مسألته" (٧٨٣). ولكن إذا نزل القرآن بها مجملة فسألتم عن بيانها حينئذٍ، تبينت لكم لاحتياجكم إليها. ﴿عفا اللَّه عنها﴾ أي: ما لم يذكره في كتابه فهو مما عفا عنه، فاسكتوا أنتم عنها كما سكت عنها، وفي الصحيح (٧٨٤) عن رسول اللَّه ﷺ أنه قال: "ذروني ما تركْتُكم [¬٢]، فإنما أهلك من كان قبلكم: كثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم". وفي الحديث الصحيح أيضًا: "إن اللَّه تعالى فرض فرائض فلا تضيعوها، وحدَّ حدودًا فلا تعتدوها، وحرم أشياء فلا تنتهكوها، وسكت عن أشياء رحمة بكم غير نسيان فلا تسألوا عنها" (٧٨٥).

стр. 2413

ثم قال تعالى: ﴿قد سألها قوم من قبلكم ثم أصبحوا بها كافرين﴾ أي: قد سأل هذه المسائل المنهي عنها قوم من قبلكم فأجيبوا عنها، ثم لم يؤمنوا بها فأصبحوا بها كافرين، أي: بسببها أن بينت لهم فلم [¬١] ينتفعوا بها؛ لأنهم لم يسألوا على وجه الاسترشاد، وإنما سألوا على وجه التعنت والعناد. قال العوفي: عن ابن عباس قوله: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم﴾ وذلك أن رسول اللَّه ﷺ أذن في الناس فقال: "يا قوم كتب عليكم الحج". فقام رجل من بني أسد، فقال: يا رسول اللَّه، أفي كل عام؟ فأغضب رسول اللَّه ﷺ غضبا شديدًا، فقال: "والذي نفسي بيده، لو قلت نعم لوجبت، ولو وجبت ما استطعتم، وإذا لكفرتم، فاتركوني ما تركتكم، وإذا أمرتكم بشيء فافعلوا، وإذا نهيتكم عن شيء فانتهوا عنه". فأنزل اللَّه [هذه الآية] [¬٢]، نهاهم أن يسألوا عن مثل الذي ساكت النصارى من المائدة فأصبحوا بها كافرين، فنهى اللَّه عن ذلك، وقال: لا تسألوا عن أشياء إن نزل القرآن فيها بتغليظ ساءكم ذلك، ولكن انتظروا، فإذا نزل القرآن فإنكم لا تسألون عن شيء إلا وجدتم تبيانه. رواه ابن جرير (٧٨٦). وقال على بن أبي طلحة: عن ابن عباس ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم وإن تسألوا عنها حين ينزل القرآن تبد لكم﴾ قال: لما نزلت آية الحج نادى النبي ﷺ في الناس، فقال: "يا أيها الناس إن اللَّه قد كتب عليكم الحج فحجوا". فقالوا: يا رسول اللَّه، أعامًا واحدًا أم كل عام؟ فقال: "لا، بل عامًا

стр. 2414

واحدًا، ولو قلت كل عام لوجبت، ولو وجبت لكفرتم". ثم قال اللَّه تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم﴾ إلى قوله: ﴿ثم أصبحوا بها كافرين﴾. رواه ابن جرير (٧٨٧). وقال خصيف: عن مجاهد، عن ابن عباس: ﴿لا تسألوا عن أشياء﴾ قال: هي البحيرة والوصيلة والسائبة والحام، ألا [ترى أنه قال بعدها] [¬١]: ﴿ما جعل اللَّه من بحيرة﴾ ولا كذا ولا كذا. قال: وأما عكرمة فقال: إنهم كانوا يسألونه عن الآيات فنهوا عن ذلك، ثم قال: ﴿قد سألها قوم من قبلكم ثم أصبحوا بها كافرين﴾. رواه ابن جرير (٧٨٨). يعني عكرمة ﵀ أن المراد بهذا النهي عن سؤال وقوع الآيات، كما سألت قريش أن يجري لهم أنهارًا، وأن يجعل لهم الصفا ذهبًا وغير ذلك، وكما سألت اليهود أن ينزل عليهم كتابًا من السماء، وقد قال اللَّه تعالى: ﴿وما منعنا أن نرسل بالآيات إلا أن كذب بها الأوّلون وآتينا ثمود الناقة مبصرة فظلموا بها وما نرسل بالآيات إلا تخويفًا﴾. وقال تعالى: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ جَاءَتْهُمْ آيَةٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِهَا قُلْ إِنَّمَا الْآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَاءَتْ لَا يُؤْمِنُونَ (١٠٩) وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (١١٠) وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ (١١١)﴾. ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَامٍ وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَأَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ (١٠٣) وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُوا حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ (١٠٤)﴾

стр. 2415

قال البخاري (٧٨٩): حدّثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا إبراهيم بن سعد، عن صالح بن كيسان، عن ابن شهاب، عن سعيد بن المسيب، قال: البحيرة: التي يمنع [¬١] درها للطواغيت فلا يحلبها أحد من الناس، والسائبة: كانوا يسيبونها لآلهتهم لا يحمل عليها شيء. قال: وقال [¬٢] أبو هريرة: قال رسول اللَّه ﷺ : "رأيت عمرو بن عامر الخزاعي يجر قصبه في النار، كان أول من سيب السوائب". والوصيلة: الناقة البكر تبكر [¬٣] في أول نتاج الإبل، ثم تثنى بعد بأنثى، وكانوا يسيبونها لطواغيتهم إن وصلت إحداهما بالأخرى ليس بينهما ذكر، والحام: فحل الإبل يضرب الضراب المعدود، فإذا قضى ضرابه ودعوه للطواغيت وأعفوه عن الحمل، فلم يحمل عليه شيء وسموه الحامي. وكذا رواه مسلم والنسائي من حديث إبراهيم بن سعد به. ثم قال البخاري (٧٩٠): وقال لنا أبو اليمان، أخبرنا شعيب، عن الزهري، قال سمعت سعيدًا يخبر بهذا، [] [¬٤] وقال أبو هريرة عن النبي ﷺ نحوه. و [¬٥] رواه ابن الهاد، عن ابن شهاب، عن سعيد، عن أبي هريرة رضي اللَّه تعالى عنه، عن النبى ﷺ . قال الحاكم: أراد البخاري أن يزيد بن عبد اللَّه بن الهاد رواه عن عبد الوهاب بن بخت عن الزهري. كذا حكاه شيخنا أبو الحجاج المزي في الأطراف وسكت ولم ينبه عليه، وفيما قاله الحاكم نظر، فإن الإِمام أحمد وأبا جعفر بن جرير روياه: من حديث الليث بن سعد، عن ابن الهاد، عن الزهري نفسه واللَّه أعلم.

стр. 2416

ثم قال البخاري (٧٩١): حدثنا محمد بن أبي يعقوب أبو عبد اللَّه الكرماني، حدثنا حسان بن إبراهيم، حدثنا يونس، عن الزهري، عن عروة، أن عائشة رضي اللَّه تعالى عنها قالت: قال رسول اللَّه ﷺ : "رأيت جهنم يحطم بعضها بعضًا، ورأيت عمرًا يجر قصبه وهو أول من سيب السوائب". تفرد [¬١] به البخاري. وقال ابن جرير (٧٩٢): حدثنا هناد، حدثنا يونس بن بكير، حدثنا محمد بن إسحاق، حدثني محمد بن إبراهيم بن الحارث، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، قال: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول لأكثم بن الجون: "يا أكثم، رأيت عمرو بن لحي بن قمعة بن خندف يجر قصبه في النار، فما رأيت رجلًا أشبه برجل [به منك ولا منك به] " فقال أكثم: تخشى أن يضرني شبهه يا رسول اللَّه؟ فقال رسول اللَّه ﷺ : " لا، إنك مؤمن [وهو كافر، إنه أول من غير دين إبراهيم، وبحر البحيرة، وسيب السائبة، وحمى الحامي". ثم رواه عن] [¬٢] هناد، عن عبدة، [عن محمد بن عمرو] [¬٣]، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ بنحوه أو مثله.

стр. 2417

ليس هذان الطريقان في الكتب. وقال الإِمام أحمد (٧٩٣): حدثنا عمرو بن مجمع، حدثنا إبراهيم الهجري، عن أبي الأحوص، عن عبد اللَّه بن مسعود، عن النبي ﷺ قال: "إن أول من سيب السوائب وعبد الأصنام أبو خزاعة عمرو بن عامر، وإني رأيته يجر أمعاءه في النار". تفرد به أحمد من هذا الوجه، وقال عبد الرزاق (٧٩٤): أنبأنا معمر، عن زيد بن أسلم، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "إني لأعرف أول من سيب السوائب، وأول من غير دين إبراهيم ﵇". قالوا: من هو يا رسول اللَّه؟ قال: "عمرو ابن لحي أخو بني كعب، لقد رأيته يجر قصبه في النار يؤذي ريحه أهل النار، وإني لأعرف أول من بحر البحائر". قالوا: و [¬١] من هو يا رسول اللَّه؟ قال: "رجل من بني مدلج كانت له ناقتان، فجدع [¬٢] آذانهما، وحرم ألبانهما، ثم شرب ألبانهما بعد ذلك، فلقد رأيته في النار وهما يعضانه بأفواههما ويخبطانه بأخفافهما". فعمرو هذا هو ابن لحي

стр. 2418

ابن قمعة، أحد رؤساء خزاعة الذين ولوا البيت بعد جرهم، وكان أول من غير دين إبراهيم الخليل، فأدخل الأصنام إلى الحجاز، ودعا الرعاع [¬١] من الناس إلى عبادتها والتقرب بها، وشرع لهم هذه الشرائع الجاهلية في الأنعام وغيرها، كما ذكره اللَّه تعالى في سورة الأنعام عند قوله تعالى: ﴿وجعلوا للَّه مما ذرأ من الحرث والأنعام نصيبًا﴾ إلى آخر الآيات في ذلك. فأما البحيرة: فقال علي بن أبي طلحة: عن ابن عباس ﵄: هي الناقة إذا نتجت خمسة أبطن نظروا إلى الخامس، فإن كان ذكرًا ذبحوه فأكله الرجال دون النساء، وإن كان أنثى جدعوا [¬٢] آذانها فقالوا: هذه بحيرة. وذكر السدي وغيره قريبًا من هذا. وأما السائبة: فقال مجاهد: هى من الغنم نحو ما فسر من البحيرة، إلا أنها ما ولدت من [¬٣] ولد بينها وبينه [¬٤] ستة أولاد كانت على هيئتها، فإذا ولدت السابع ذكرًا أو ذكرين ذبحوه فأكله رجالهم دون نسائهم. وقال محمد بن إسحاق: السائبة: هى الناقة إذا ولدت عشر إناث من الولد ليس بينهن ذكر، سيبت فلم تركب ولم يُجَز وبرها، ولم يحلب لبنها إلا الضيف. وقال أبو روق: السائبة: كان الرجل إذا خرج فقضيت حاجته سيب من ماله ناقة أو غيرها فجعلها للطواغيت، فما ولدت من شيء كان لها. وقال السدي: كان الرجل منهم إذا قضيت حاجته، أو عوفي من مرض، أو كثر ماله، سيب شيئًا من ماله للأوثان، فمن عرض له من الناس عوقب بعقوبة في الدنيا. وأما الوصيلة: فقال على بن أبي طلحة، عن ابن عباس: هي الشاة إذا نُتجت سبعة أبطن نظروا إلى [¬٥] السابع، فإن كان ذكرًا أو أنثى وهو ميت اشترك فيه الرجال دون النساء، وإن كان أنثى استحيوها، وإن كان ذكرًا وأنثى في بطن واحد [¬٦] استحيوهما، وقالوا: وصلته أخته فحرمته علينا. رواه ابن أبي حاتم (٧٩٥).

стр. 2419

وقال عبد الرزاق (٧٩٦): أنبأنا معمر، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب ﴿ولا وصيلة﴾ قال: فالوصيلة من الإِبل، كانت الناقة تبتكر بأنثى، ثم تثني [¬١] بأنثى فيسمونها [¬٢] الوصيلة، ويقولون: وصلت أنْثَيَينْ [¬٣] ليس بينهما ذكر فكانوا [¬٤] يجدعونها لطواغيتهم. وكذا روي عن الإِمام مالك بن أنس رحمه اللَّه تعالى. وقال محمد بين إسحاق: الوصيلة من الغنم إذا ولدت عشر إناث في خمسة أبطن، توأمين توأمين في كل بطن، سميت الوصيلة وتركت، فما ولدت بعد ذلك من ذكر أو أنثى جعلت للذكور [¬٥] دون الإِناث، وإن كانت ميتة اشتركوا فيها. وأما الحام: فقال العوفي: عن ابن عباس، قال: كان الرجل إذا لقح فحله عشرًا، قيل: حام فاتركوه. و [¬٦] كذا قال أبو روق، وقتادة. وقال على بن أبي طلحة، عن ابن عباس: وأما الحام فالفحل من الإبل إذا ولد لولده، قالوا: حمى هذا ظهره، فلا يحملون عليه شيئًا، ولا يجزون له وبرًا، ولا يمنعونه من حمى رعي، ومن حوض يشرب منه، وإن كان الحوض لغير صاحبه. وقال ابن وهب: سمعت مالكًا يقول: أما الحام فمن [¬٧] الإِبل، كان يضرب في الإِبل، فإذا انقضى ضرابه جعلوا عليه ريش الطواويس وسيبوه. وقد قيل غير ذلك في تفسير هذه الآية، وقد ورد في ذلك حديث رواه ابن أبي حاتم (٧٩٧): من طريق أبي إسحاق السبيعي، عن أبي الأحوص [¬٨] الجشمي، عن أبيه مالك بن نضلة [¬٩]، قال: أتيت النبي ﷺ في خُلْقان من الثياب، فقال لي: "هل لك من مال؟ "

стр. 2420

فقلت [¬١]: نعم. قال: "من أي المال؟ " قال: فقلت: من كل المال؛ من الإِبل والغنم والخيل والرقيق قال: "فإذا آتاك اللَّه مالًا فَلْيُرَ [¬٢] عليك". ثم قال: "تنتج إبلك وافية آذانها؟ " قال: قلت: نعم. قال: "وهل تنتج الإِبل إلا كذلك؟ ". قال: "فلعلك تأخذ الموسى فتقطع آذان طائفة منها، وتقول: هذه بحير، وتشق آذان طائفة منها وتقول هذه حرم [¬٣] ". قلت: نعم. قال: "فلا تفعل، إن كل ما آتاك اللَّه لك حل". ثم قال: ﴿ما جعل اللَّه من بحيرة ولا سائبة ولا وصيلة ولا حام﴾. أما البحيرة: فهي التي يجدعون [¬٤] آذانها، فلا تنتفع [¬٥] امرأته ولا بناته ولا أحد من أهل بيته بصوفها، ولا أوبارها ولا أشعارها ولا ألبانها، فإذا ماتت اشتركوا فيها. وأما السائبة: فهي التي يسيبون لآلهتهم و [¬٦] يذهبون إلى آلهتهم فيسيبونها. وأما الوصيلة: فالشاة تلد ستة أبطن فإذا ولدت السابع [جدعت وقطع] [¬٧] قرنها، فيقولون: قد وصلت فلا يذيحونها ولا تضرب، ولا تمنع مهما وردت على حوض. هكذا يذكر تفسير ذلك مدرجًا في الحديث. وقد روي من وجه آخر عن أبي إسحاق عن أبي الأحوص [¬٨] عوف بن مالك من قوله وهو أشبه، وقد روى هذا الحديث الإمام أحمد: عن سفيان بن عيينة، عن أبي الزعراء عمرو بن عمرو، عن عمه أبي الأحوص [¬٩] عوف بن مالك بن نضلة، عن أبيه به. وليس فيه تفسير هذه، والله أعلم. وقوله تعالى: ﴿ولكن الذين كفروا يفترون على اللَّه الكذب وأكثرهم لا يعقلون﴾ أي: ما شرع اللَّه هذه الأشياء ولا هي عنده قربة، ولكن المشركين [¬١٠] افتروا ذلك، وجعلوه شرعًا لهم
следующие страницы →