← Тафсир

Тафсир · id 1509

تفسير ابن كثير - ط أولاد الشيخ

ابن كثير

Полный текст (6 736 стр.). Показаны 2486–2525 · переход к 2491.

стр. 2486

وقوله: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ﴾. قال مجاهد: أي: أصناف مصنفة تعرف بأسمائها. وقال قَتَادة: الطير أمة، والإِنس أمة، والجن أمة. وقال السدي: ﴿إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ﴾ أي: خلق أمثالكم. وقوو: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ أي: اجميع علمهم عند الله ولا ينسى واحدًا من جميعها: من رزقه وتدبيره، سواء كان بريًّا أو بحريًّا [¬١] كقوله: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ أي: مفصح بأسمائها وأعدادها ومظانها، وحاصر لحركاتها وسكناتها، وقال تعالى: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ لَا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾. وقد قال الحافظ أَبو يعلى (٤٠): حدَّثنا محمد بن المثنى، حدَّثنا عبيد بن واقد القيسي أبو عباد، حدثني محمد بن عيسى بن كيسان، حدَّثنا محمد بن المنكدر، عن جابر بن عبد الله، قال: قلَّ الجراد في سنة من سني عمر ﵁ التي ولي فيها، فسأل عنه فلم يُخبر بشيء، فاغتم لذلك فأرسل راكبًا إلى كذا، وآخر إلى الشام، وآخر إلى العراق يسأل: هل رؤى [¬٢] من الجراد شيء أم لا؟ فأتاه الراكب الذي من قبل اليمن بقبضة من [¬٣] جراد، فألقاها بين

стр. 2487

يديه، فلما رآها كبر ثلاثًا، ثم قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "خلق الله ألف أمة؛ منها ستمائة في البحر، وأربعمائة في البر، وأول شيء يهلك من هذه الأمم الجراد، فإذا هلكت تتابعت مثل النظام إذا قطع سلكه". وقوله: ﴿ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ﴾ قال ابن أبي حاتم (٤١): حدَّثنا أَبو سعيد الأشج، حدَّثنا أَبو نعيم، حدَّثنا سفيان، عن أبيه، عن عكرمة، عن ابن عبَّاس، في قوله: ﴿ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ﴾ قال: حشرها الموت. وكذا رواه ابن جرير (٤٢) من طريق إسرائيل، عن سعيد [بن] [¬١] مسروق، عن عكرمة، عن ابن عبَّاس، قال: موت البهائم حشرها. وكذا رواه العوفي عنه. قال ابن أبي حاتم: وروي عن مجاهد والضحاك مثله.

стр. 2488

والقول الثاني: أن حشرها [هو] [¬١] بعثها بوم القيامة؛ كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ﴾. وقال الإمام أحمد (٤٣): حدَّثنا محمد بن جعفر، حدَّثنا شعبة، عن سليمان، عن منذر الثَّوري، عن أشياخ لهم، عن أبي ذر: أن رسول الله ﷺ رأى شاتين تنتطحان [¬٢] فقال: "يا أبا ذر، هل تدري فيم تنتطحان [¬٣]؟ " قال: لا. قال: "لكن الله يدري وسيقضي بينهما". ورواه عبد الرزاق (٤٤)، عن معمر، عن الأعمش، عمن ذكره، عن أبي ذر، قال: بينا نحن [¬٤] عند رسول الله ﷺ إذ انتطحت عنزان، فقال رسول الله ﷺ : "أتدرون فيم انتطحتا؟ " قالوا: لا ندري. قال: "لكن الله يدري وسيقضي

стр. 2489

بينهما". رواه ابن جرير، ثم رواه (٤٥) [¬١] من طريق منذر الثَّوري، عن أبي ذر .... فذكره، وزاد: قال أبو ذر: ولقد تركنا رسول الله ﷺ ، وما يقلب [¬٢] طائر جناحيه [¬٣] في السماء، إلَّا [ذكر لنا] [¬٤] منه علمًا. وقال عبد الله بن الإِمام أحمد في مسند أبيه (٤٦): حدثني عبَّاس بن محمد وأَبو يحيى البزار، قالا: حدَّثنا حجاج بن نصير [¬٥]، حدَّثنا شعبة، عن العوام بن مُرَاجم [¬٦] من بني قيس بن ثعلبة، عن أبي عثمان النهدي، عن عثمان ﵁ أن النبي ﷺ قال: "إن الجمَّاء لتقتص من القرناء يوم القيامة".

стр. 2490

وقال عبد الرزاق (٤٧): أخبرنا معمر، عن جعفر بن بُرْقَان، عن يزيد بن الأصم، عن أبي هريرة في قوله: ﴿إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ﴾ قال: يحشر الخلق كلهم يوم القيامة، البهائم والدواب والطير: كل شيء، فيبلغ من عدل الله يومئذ أن يأخذ للجماء من القرناء. قال: ثم يقول: كوني ترابًا. [] [¬١] فلذلك يقول الكافر: ﴿يَالَيْتَنِي كُنْتُ تُرَابًا﴾. وقد روي هذا مرفوعًا في حديث الصور (٤٨). وقوله: ﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا صُمٌّ وَبُكْمٌ فِي الظُّلُمَاتِ﴾ أي: مثلهم في جهلهم، وقلة علمهم، وعدم فهمهم، كمثل أصم: وهو الذي لا يسمع، أبكم: وهو الذي لا يتكلم، وهو مع هذا في ظلمات [¬٢] لا يبصر، فكيف يهتدي مثل هذا إلى الطَّرِيقِ، أو يخرج مما هو فيه، كقوله: ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ (١٧) صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ﴾، وكما قال تعالى: ﴿أَوْ كَظُلُمَاتٍ

стр. 2491

فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾؛ ولهذا قال: ﴿مَنْ يَشَإِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ أي: هو المتصرف فى خلقه بما يشاء. ﴿قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٤٠) بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاءَ وَتَنْسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ (٤١) وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ (٤٢) فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٤٣) فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ (٤٤) فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٤٥)﴾ يخبر تعالى أنَّه الفعال لما يريد، المتصرف في خلقه بما يشاء، وأنه لا معقب لحكمه، ولا يقدر أحد على صرف حكمه عن خلقه، بل هو وحده لا شريك له الذي إذا سئل يجيب لمن يشاء، ولهذا قال: ﴿قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ﴾ أي: أتاكم هذا أو هذا ﴿أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ أي: لا تدعون غيره، لعلمكم أنَّه لا يقدر أحد على دفع ذلك سواه، ولهذا قال: ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ أي: في اتخاذكم آلهة معه ﴿بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاءَ وَتَنْسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ﴾ أي: في وقت الضرورة لا تدعون أحذا سواه، وتذهب [¬١] عنكم أصنامكم وأندادكم، كما قال: ﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ﴾ الآية. وقوله: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ﴾ يعني: الفقر والضيق في العيش ﴿وَالضَّرَّاءِ﴾ وهي الأمراض والأسقام والآلام ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ﴾ أي: يدعون الله ويتضرعون إليه ويخشعون. قال الله تعالى: ﴿فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا﴾ أي: فهلا إذا ابتليناهم بذلك تضرعوا إلينا وتمسكنوا لدينا [¬٢] ﴿وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ أي: ما رقت ولا خشعت ﴿وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ أي: من الشرك والمعاندة [¬٣] والمعاصي.

стр. 2492

﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ﴾ أي: أعرضوا عنه وتناسوه وجعلوه وراء ظهورهم ﴿فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ﴾ أي: فتحنا عليهم أَبواب الرزق من كل ما يختارون، وهذا استدراج منه تعالى وإملاء لهم، عياذا بالله من مكره، ولهذا قال: ﴿حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا﴾ أي: من الأموال والأولاد والأرزاق ﴿أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً﴾ أي: على غفلة ﴿فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ﴾ أي: آيسون من كل خير. قال الوالبي (٤٩) عن ابن عبَّاس: المبلس الآيس. وقال [¬١] الحسن البصري: من وسع الله عليه فلم ير أنه يمكر به فلا رأي له، ومن قتر عليه فلم ير أنه ينظر له فلا رأي له، ثم قرأ: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ﴾ قال الحسن: مكر بالقوم وربِّ الكعبة، أعطوا حاجتهم ثم أخذوا. رواه ابن أبي حاتم (٥٠). وقال قَتَادة: بغت القوم أمر الله، وما أخذ الله قومًا قط إلَّا عند سكرتهم [¬٢] وغرتهم ونعيمهم، فلا تغتروا بالله؛ فإنه [¬٣] لا يغتر بالله إلَّا القوم الفاسقون. ورواه [¬٤] ابن أبي حاتم أيضًا (٥١). [وقال مالك عن الزُّهْريّ: ﴿فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ﴾ قال: أرخاء [¬٥] الدنيا وسترها] [¬٦].

стр. 2493

وقد قال الإِمام أحمد (٥٢): حدَّثنا يحيى بن غيلان، حدَّثنا رشدين - يعني ابن سعد أبا [¬١] الحجاج المهري [¬٢]- عن حرملة بن عمران التجيبي، عن عقبة بن مسلم، عن عقبة بن عامر، عن النبي ﷺ قال: "إذا رأيت الله يعطي العبد من الدنيا على معاصيه ما يحب، فإنما هو استدراج" ثم تلا رسول الله ﷺ : ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ﴾. ورواه ابن جرير وابن أبي حاتم من حديث حرملة وابن لهيعة، عن عقبة بن مسلم، عن عقبة ابن عامر به. وقال ابن أبي حاتم (٥٣): حدَّثنا أبي، حدَّثنا هشام بن عمار، حدَّثنا عراك بن خالد بن يزيد،

стр. 2494

حدثني أبي، عن إبراهيم بي أبي عبلة، عن عبادة بن الصامت: أن رسول الله ﷺ كان يقول: ["إن الله إذا أراد بقوم بقاء أو نماء رزقهم القصد والعفاف،] [¬١] وإذا أراد الله بقوم اقتطاعًا فتح لهم أو فتح عليهم باب خيانة". ﴿حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ﴾ كما قال: ﴿فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللَّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصَارَكُمْ وَخَتَمَ عَلَى قُلُوبِكُمْ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِهِ انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ ثُمَّ هُمْ يَصْدِفُونَ (٤٦) قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ بَغْتَةً أَوْ جَهْرَةً هَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الظَّالِمُونَ (٤٧) وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ فَمَنْ آمَنَ وَأَصْلَحَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٤٨) وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا يَمَسُّهُمُ الْعَذَابُ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (٤٩)﴾ يقول الله تعالى لرسوله ﷺ : ﴿قُلْ﴾ لهؤلاء المكذبين المعاندين ﴿أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللَّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصَارَكُمْ﴾ أي: سلبكم إباهما كما أعطاكموها، فإنه [¬٢] ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ [¬٣]﴾.

стр. 2495

ويحتمل أن يكون هذا عبارة عن منع الانتفاع بهما الانتفاع [¬١] الشرعي؛ ولهذا قال: ﴿وَخَتَمَ عَلَى قُلُوبِكُمْ﴾ كما قال: ﴿يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ﴾ وقال: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ﴾. وقوله: ﴿مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِهِ﴾ أي: هل أحد غير الله يقدر على ردّ ذلك إليكم، إذا سلبه الله منكم؟ لا يقدر على ذلك أحد سواه، ولهذا قال: ﴿انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ﴾ أي: نبينها وتوضحها ونفسرها، دالة على أنه لا إله إلَّا الله، وأن ما يعبدون من دونه باطل وضلال ﴿ثُمَّ هُمْ يَصْدِفُونَ﴾ أي: ثم هم جمبم هذا البيان [يصدفون، أي:] [¬٢] يعرضون عن الحق ويصدّون الناس عن اتباعه. قال العوفي (٥٤): عن ابن عبَّاس: ﴿يَصْدِفُونَ﴾ أي: [¬٣] يعدلون. وقال مجاهد وقَتَادة: يعرضون. وقال السدي: يصدّون. وقوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ بَغْتَةً [أَوْ جَهْرَةً﴾ بغتة] [¬٤] أي: وأنتم لا تشعرون به حتَّى بغتكم وفجأكم ﴿أَوْ جَهْرَةً﴾ أي: ظاهرًا عيانًا ﴿هَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الظَّالِمُونَ﴾ أي: إنما كان يحيط بالظالمين أنفسهم بالشرك بالله، وينجو الذين كانوا يعبدون الله وحده لا شريك له، فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون، كقوله: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ [أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ] [¬٥]﴾. وقوله: ﴿وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ﴾ أي: مبشرين عباد الله المؤمنين بالخيرات، ومنذرين من كفر بالله النقمات والعقوبات؛ ولهذا قال: ﴿فَمَنْ آمَنَ وَأَصْلَحَ﴾ أي: فمن آمن قلبه بما [جاءوا به] [¬٦]، وأصل عمله باتباعه إياهم ﴿فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾ أي: بالنسبة لما [¬٧] يستقبلونه ﴿وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ أي: بالنسبة إلى ما فاتهم وتركوه وراء ظهورهم من

стр. 2496

أمر الدنيا وصنيعها [¬١]، الله وليهم فيما خلفوه، وحافضهم فيما تركوه. ثم قال: ﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا يَمَسُّهُمُ الْعَذَابُ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾ أي: ينالهم العذاب بما كفروا بما جاءت به الرسل، وخرجوا عن أوامر الله وطاعته [¬٢]، وارتكبوا مناهيه ومحارمه، وانتهاك حرماته. ﴿قُلْ لَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَفَلَا تَتَفَكَّرُونَ (٥٠) وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (٥١) وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ (٥٢) وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهَؤُلَاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ (٥٣) وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٥٤)﴾ يقول الله تعالى لرسوله ﷺ : ﴿قُلْ لَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ﴾ أي: لست أملكها ولا أتصرف [¬٣] فيها ﴿وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ﴾ أي: ولا أقول لكم إني أعلم الغيب، إنما ذاك من علم الله لا أطلع منه إلَّا على ما أطلعني [¬٤] عليه ﴿وَلَا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ﴾ أي: ولا أدعي أني ملك، إنما أنا بشر من البشر - يوحى إليَّ من الله ، شرفني بذلك وأنعم عليَّ به، ولهذا قال: ﴿إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ﴾ أي: لست أخرج عنه قيد شبر ولا أدنى منه.

стр. 2497

﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ﴾ أي: هل يستوي من اتبع الحق وهدي إليه، ومن ضل عنه ولم يَنْقَد له ﴿أَفَلَا تَتَفَكَّرُونَ﴾ وهذه كقوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ (١٩)﴾. وقوله: ﴿وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ﴾ أي: وأنذر بهذا القرآن يا محمد: ﴿الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ﴾، والذين ﴿وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ﴾ ". ﴿الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ﴾ أي: يوم القيامة ﴿لَيْسَ لَهُمْ﴾ أي: يومئذ ﴿مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ﴾ أي: لا قريب لهم، ولا شفيع فيهم من عذابه إن أراده بهم ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ أي: أنذر هذا اليوم الذي لا حاكم فيه إلا الله ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ فيعملون في هذه الدار عملًا ينجيهم الله به يوم القيامة من عذابه، ويضاعف لهم به الجزيل من ثوابه. وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ أي: لا تبعد هؤلاء المتصفين بهذه الصفات [¬١] عنك، بل اجعلهم جلساءك وأخصاءك، كما قال: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾. وقوله: ﴿يَدْعُونَ رَبَّهُمْ﴾ أي: يعبدونه ويسألونه ﴿بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ﴾ قال سعيد بن المسيب ومجاهد والحسن وقَتَادة: المراد بذلك الصلوات المكتوبات. وهذا كقوله: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ أي: أتقبل منكم. وقوله: ﴿يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ أي: يريدون [¬٢] بذلك العمل وجه [¬٣] الله الكريم، فهم مخلصون فيما هم فيه من العبادات والطاعات. وقوله: ﴿مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ كقول نوح ﵇ في جواب [¬٤] الذين ﴿قَالُوا أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ (١١١) قَالَ وَمَا عِلْمِي بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١١٢) إِنْ حِسَابُهُمْ إِلَّا عَلَى رَبِّي لَوْ تَشْعُرُونَ﴾ أي: إنما حسابهم على الله وليس عليَّ من حسابهم من شيء، كما أنَّه ليس عليهم من حسابي من شيء.

стр. 2498

وقوله: ﴿فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ أي: إن فعلت هذا والحالة هذه. قال الإِمام أحمد (٥٥): حدثنا أسباط - هو ابن محمد - حدثني أشعث، عن كُرْدُوس، عن ابن مسعود، قال: مَرَّ الملأُ من قريش على رسول الله ﵌، وعنده خَبَّاب وصُهيب وبلال وعمار، فقالوا: يا محمد، أرضيت بهؤلاء؟ فنزل فيهم القرآن: ﴿وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ﴾ إلى قوله: ﴿[أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ] [¬١]﴾. ورواه [¬٢] ابن جرير من طريق أشعث، عن كردوس، عن ابن مسعود، قال؛ مر الملأ من قريش برسول الله ﵌، وعنده صهيب وبلال وعمار وخباب، وغيرهم من ضعفاء المسلمين، فقالوا: يا محمد، أرضيت [¬٣] بهؤلاء من قومك؟ أهؤلاء الذين من الله عليهم من بيننا؟ [ونحن نكون] [¬٤] تبعًا لهؤلاء؟ اطردهم عنك [¬٥]، فلعلك إن طردتهم أن نتبعك. فنزلت هذه الآية: ﴿وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾، ﴿وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ﴾ إلى آخر الآية.

стр. 2499

وقال ابن أبي حاتم (٥٦): حدَّثنا أَبو سعيد بن يحيى بن [¬١] سعيد القطمان، حدَّثنا عمرو بن محمد العنقزي، حدَّثنا أسباط بن نصر، عن السدي، عن أبي سعيد الأزدي - وكان قارئ الأزد - عن أبي الكنود، عن خباب في قول الله : ﴿وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ﴾ قال: جاء الأقرع بن حابس التميمي، وعيينة بن حصن الفزاري، فوجدوا رسول الله ﷺ مع صهيب وبلال وعمار وخباب، قاعدًا في ناس من الضعفاء من المؤمنين، فلما رأوهم حول النبي ﷺ حقروهم، فأتوه فخلوا به، فقالوا: إنا نريد أن تجعل لنا منك مجلسًا تعرف لنا به العرب فضلنا، فإن وفود العرب تأتيك فنستحي أن ترانا العرب مع هذه الأعبد، فإذا نحن جئناك فأقمهم عنا، فإذا نحن فرغنا فاقعد معهم إن شئت. قال: "نعم". قالوا: فاكتب لنا [¬٢] عليك كتابًا. قال: فدعا بصحيفة [¬٣] ودعا عليًّا ليكتب، ونحن قعود في ناحية، فنزل جبريل فقال: ﴿وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ [بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ] [¬٤]﴾. فرمى رسول الله ﷺ بالصحيفة [من يده] [¬٥] ثم دعانا

стр. 2500

فأتيناه. ورواه ابن جرير من حديث أسباط به. وهذا حديث غريب؛ فإن هذه الآية مكية، والأقرع بن حابس وعيينة إنما أسلما بعد الهجرة بدهر. وقال سفيان الثَّوري (٥٧)، عن المقدام بن شريح، عن أبيه، قال: قال سعد: نرلت هذه الآية في ستة من أصحاب النبي ﷺ منهم ابن مسعود، قال: كنا نستبق [¬١] إلى رسول الله ﷺ وندنو منه ونسمع منه، فقالت قريش: تدني [¬٢] هؤلاء دوننا. فنزلت ﴿وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ﴾. رواه الحاكم في مستدركه (٥٨) من طريق سفيان، وقال: على شرط الشيخين. وأخرجه ابن حبان في صحيحه (٥٩) من طريق القدام بن شريح به. وقوله: ﴿وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ﴾ ببعض أي: ابتلينا واختبرنا وامتحنا بعضهم ببعض ﴿لِيَقُولُوا أَهَؤُلَاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا﴾ وذلك أن رسول الله ﷺ ، كان

стр. 2501

غالب من اتبعه في أول بعثته [¬١] ضعفاء الناس؛ من الرجال والنساء والعبيد والإِماء، ولم يتبعه من الأشراف إلا قليل، كما قال قوم نوح لنوح: ﴿وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ﴾ الآية. وكما قال [¬٢] هرقل ملك الروم لأبي سفيان حين سأله [عن تلك] [¬٣] المسائل، فقال له: [فأشراف الناس يتبعونه أم ضعفاؤهم؟] [¬٤] فقال [¬٥]: بل ضعفاؤهم. فقال: هم أتباع الرسل (٦٠). والغرض أن مشركي قريش كانوا يسخرون بمن آمن من ضعفائهم، ويعذبون من يقدرون عليه منهم، وكانوا يقولون: أهؤلاء من الله عليهم من بيننا أي: ما كان الله ليهدي هؤلاء إلى الخير لو كان ما صاروا إليه خيرًا ويدعنا، كقولهم: ﴿لَوْ كَانَ خَيْرًا مَا سَبَقُونَا إِلَيْهِ﴾ وكقوله تعالى: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَقَامًا وَأَحْسَنُ نَدِيًّا﴾. قال الله تعالى في جواب ذلك: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَحْسَنُ أَثَاثًا وَرِئْيًا﴾، وقال في جوابهم حين قالوا: ﴿أَهَؤُلَاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ﴾ أي: أليس هو أعلم بالشاكرين له؛ بأقوالهم وأفعالهم وضمائرهم، فيوفقهم ويهديهُم سبل السلام، ويخرجهم من الظلمات إلى النور [بإذنه، ويهديهم إلى صراط مستقيم] [¬٦]، كما قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ وفي الحديث الصحيح (٦١): " إن الله لا ينظر إلى صوركم ولا إلى ألوانكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم".

стр. 2502

وقال ابن جرير (٦٢): حدَّثنا القاسم، حدَّثنا [¬١] الحسين، عن [¬٢] حجاج، عن ابن جريج، عن عكرمة في قوله: ﴿وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ﴾ الآية. قال: جاء عتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، ومطعم بن عدي، والحارث بن نوفل، و [قرظة بن عبد عمرو] [¬٣] بن نوفل، في أشراف من [¬٤] بني عبد مناف من أهل الكفر إلى أبي طالب، فقالوا: يا أبا طالب لو أن ابن أخيك محمدًا يطرد عنه موالينا وحلفاءنا، فإنما هم عبيدنا وعسفاؤنا، كان أعظم في صدورنا، وأطوع له عندنا، وأدنى لاتباعنا إياه وتصديقنا له. قال: فأتى أَبو طالب النبي ﷺ فحدثه بالذي كلموه، فقال عمر بن الخطاب ﵁: لو فعلت ذلك حتَّى تنظر [¬٥] ما الذي يريدون، وإلى ما يصيرون من قولهم. فأنزل الله هذه الآية: ﴿وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ﴾ إلى قوله: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ﴾. قال: وكانوا: بلالًا، وعمار بن ياسر، وسالمًا مولى أبي حذيفة، وصبيحًا مولى أسيد، ومن الحلفاء: ابن مسعود، والمقداد بن عمرو، ومسعود بن القارى [¬٦]، وواقد بن عبد الله الحنظلي، وعمرو بن عبد عمرو، وذو الشمالين، [ومرثد بن أبي مرثد، وأبو مرثد الغنوي] [¬٧] حليف حمزة بن عبد المطلب، وأشباههم من الحلفاء، ونزلت في أئمة الكفر من قريش والموالي والحلفاء ﴿وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهَؤُلَاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا﴾ الآية. فلما نزلت أقبل عمر ﵁[فأتى النبي ﷺ [¬٨] فاعتذر من مقالته، فأنزل الله : ﴿وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ﴾ الآية. وقوله: ﴿وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ﴾ أي: فأكرمهم بردِّ السلام عليهم، وبضرهم برحمة الله الواسعة الشاملة لهم؛ ولهذا قال: ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ أي: أوجبها على نفسه الكريمة، تفضلًا منه وإحسانًا وامتنانًا. ﴿أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ﴾ قال بعض السلف (٦٣): كل من عصى الله فهو جاهل.

стр. 2503

وقال معتمر بن سليمان، عن الحكم بن أبان، عن عكرمة في قوله: ﴿[مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا [¬١] بِجَهَالَةٍ﴾ قال: الدنيا كلها جهالة. رواه ابن أبي حاتم (٦٤). ﴿ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ﴾ أي: رجع عما كان عليه من المعاصي، وأقلع وعزم على أن لا يعود، وأصلح العمل في المستقبل ﴿فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾. قال الإِمام أحمد (٦٥): حدَّثنا عبد الرزاق، حدَّثنا معمر، عن همام بن منبه، قال: هذا ما حدَّثنا به [¬٢] أَبو هريرة، قال [¬٣]: قال رسول الله ﷺ : "لمَّا قضى الله [] [¬٤] الخلق، محب في كتاب [¬٥] فهو عنده فوق العرش: إن رحمتي غلبت غضبي". أخرجاه في الصحيحين. وهكذا رواه الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة (٦٦)، ورواه موسى بن عقبة، عن الأعرج، عن أبي هريرة (٦٧). وكذا رواه اللَّيث وغيره، عن محمد بن عجلان، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ بذلك (٦٨).

стр. 2504

وقد روى ابن مردويه (٦٩) من طريق الحكم بن أبان [¬١]، عن عكرمة، عن ابن عبَّاس، قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا فرغ الله من القضاء بين الخلق، أخرج كتابًا من تحت العرش: إن رحمتي سبقت غضبي، وأنا أرحم الراحمين، فيقبض قبضة أو قبضتين، فيخرج من النار خلقًا لم يعملوا خيرًا، مكتوب بين أعينهم: عتقاء الله". وقال عبد الرزاق (٧٠): أخبرنا معمر، عن عاصم بن سليمان، عن أبي عثمان النهدي، عن سلمان في قوله: ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ قال: انا نجد في التوراة عطفتين؛ إن الله خلق السموات والأرض، وخلق مائة رحمة أو جعل مائة رحمة قبل أن يخلق الخلق، ثم خلق الخلق فوضع بينهم رحمة واحدة، وأمسك عنده تسعًا وتسعين رحمة، قال: فبها يتراحمون، وبها يتعاطفون، وبها يتباذلون، وبها يتزاورون، وبها تحن الناقة، وبها تَثِجُّ البقرة، وبها [تثغو] [¬٢] الشاة، وبها تتتابع [¬٣] الطير، وبها تتتابع [¬٤] الحيتان في البحر، فإذا كان يوم القيامة جمع الله تلك الرحمة إلى ما عنده، ورحمته أفضل وأوسع. وقد روي هذا مرفوعًا من وجه آخر (٧١)، وسيأتي كثير من الأحاديث الموافقة لهذه عند قوله:

стр. 2505

﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾. ومما يناسب هذه الآية من الأحاديث أيضًا: قوله ﷺ لمعاذ بن جبل (٧٢): " أتدري ما حق الله على العباد؟ أن يعبدوه لا يشركوا به شيئًا". ثم قال: "أتدري ما حق العباد على الله إذا هم فعلوا ذلك؟ أن لا يعذبهم". وقد رواه الإِمام أحمد (٧٣): من طريق كميل بن زياد، عن أبي هريرة ﵁. ﴿وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ (٥٥) قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ قُلْ لَا أَتَّبِعُ أَهْوَاءَكُمْ قَدْ ضَلَلْتُ إِذًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُهْتَدِينَ (٥٦) قُلْ إِنِّي عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَكَذَّبْتُمْ بِهِ مَا عِنْدِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ يَقُصُّ الْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ (٥٧) قُلْ لَوْ أَنَّ عِنْدِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ لَقُضِيَ الْأَمْرُ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالظَّالِمِينَ (٥٨) وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (٥٩)﴾ يقول تعالى: وكما بينا ما تقدم بيانه، من الحجج والدلائل على طريق الهداية والرشاد، وذم

стр. 2506

المجادلة والعناد ﴿وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ﴾ أي: التي يحتاج المخاطبون إلى بيانها ﴿وَلِتَسْتَبِينَ [¬١] سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ﴾ أي: ولتظهر طريق المجرمين المخالفين للرسل، وقرئ (وليستبين [¬٢] سبيلَ المجرمين) [¬٣] أي: وليستبين [¬٤] يا محمد أو يا مخاطب سبيل المجرمين. وقوله: ﴿قُلْ [¬٥] إِنِّي عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي﴾ أي: على بصيرة من شريعة الله التى أوحاها الله [¬٦] إلى ﴿وَكَذَّبْتُمْ﴾ أي: بالحق الذي جاءني من الله ﴿مَا عِنْدِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ﴾ أي: من العذاب ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾ أي: إنما يرجع أمر ذلك إلى الله، إن شاء عجل لكم ما سألتموه من ذلك، وإن شاء أنظركم وأجلكم، لما له في ذلك من الحكمة العظيمة، ولهذا قال: ﴿[إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ] [¬٧] يَقُصُّ الْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ﴾ أي: وهو خير من فصل القضايا، وخير الفاتحين الحاكمين بين عباده. وقوله: ﴿قُلْ لَوْ أَنَّ عِنْدِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ لَقُضِيَ الْأَمْرُ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ﴾ أي: لو كان مرجع ما تستعجلونه [¬٨] به إليَّ لأوقعت بكم ما تستحقونه من ذلك ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالظَّالِمِينَ﴾. فإن قيل: فما الجمع بين هذه الآية وبين ما ثبت في الصحيحين (٧٤) من طريق ابن وَهْب، عن يونس، عني الزُّهْريّ، عن عروة، عن عائشة، أنَّها قالت لرسول الله ﷺ : يا رسول الله، هل أتى عليك يوم كان أشدُّ من يوم أحد؟ فقال: "لقد لقيت من قومك، وكان أشد ما لقيت منهم يوم العقبة، إذ عرضت نفسي على ابن عبد ياليل بن عبد كُلال، فلم يجبني إلى ما أردت، فانطلقت وأنا مهموم على وجهي، فلم أستفق إلَّا بقَرْن الثَّعَالب، فرفعت رأسي فإذا أنا بسَحَابَةٍ قد أظلتني، فنظرت فإذا فيها جبريل ﵇، فناداني فقال: إن الله قد سمع قول قومك لك، وما ردُّوا عليك، وقد بعث إليك مَلَكَ الجِبال لتأمُرَهُ بما شئت فيهم. قال: فناداني ملك الجبال وسلَّم عليَّ، ثم قال: يا محمد، إن الله قد سمع قول قومك لك، وقد بعثني ربك إليك لتأمرني بأمرك، فما شئت، إن شئت أطبقت عليهم الأخشبين ". فقال رسول الله ﷺ : "بل أرجو أن يُخْرِجَ الله من أصلابهم من

стр. 2507

يعبد الله لا يشرك به شيئًا". وهذا لفظ مسلم. فقد عرض عليه عذابهم واستئصالهم، [فاستأنى بهم] [¬١] وسأل لهم التأخير؛ لعل الله أن يخرج من أصلابهم من لا يشرك به شيئًا، فما الجمع بين هذا وبين قوله تعالى فى هذه الآية الكريمة: ﴿قُلْ لَوْ أَنَّ عِنْدِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ لَقُضِيَ الْأَمْرُ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالظَّالِمِينَ﴾ فالجواب والله أعلم: أن هذه الآية دلت على أنَّه لو كان إليه وقوع العذاب الذي يطلبونه حال طلبهم له لأوقعه بهم، وأما الحديث فليس فيه أنهم سألوه وقوع العذاب بهم، بل عرض عليه ملك الجبال أنَّه إن شاء أطبق عليهم الأخشبين؛ وهما جبلا مكة اللذان [¬٢] يكتنفانها جنوبًا وشمالًا، فلهذا استأنى بهم وسأل الرفق لهم. وقوله تعالى: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ﴾ قال البخاري (٧٥): حدَّثنا عبد العزيز ابن عبد الله، حدثنا إبراهيم بن سعد، عن ابن شهاب، عن سالم بن عبد الله، عن أبيه: أن رسول الله ﷺ قال: "مفاتح الغيب خمس لا يعلمها إلَّا الله: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾. وفي حديث عمر (٧٦): أن جبريل حين تبدى له [¬٣] فى صورة أعرابي، فسأل عن الإسلام والإيمان والإحسان، فقال [¬٤] النبي ﷺ فيما قاله [¬٥] له: "خمس لا يعلَمهن إلَّا الله" ثم قرأ: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ … .﴾ الآية. وقوله: ﴿وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ أي: يحيط علمه الكريم بجميع الموجودات؛ بريِّهَا وبحريِّهَا، لا يخفى عليه من ذلك شيء، ولا مثقال ذرة فى الأرض ولا فى السماء، وما أحسن ما قال الصَّرْصَري: فلا يخفى عليه الذر إما … تراءى للنواظر أو توارى

стр. 2508

وقوله: ﴿وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا﴾ أي: ويعلم الحركات حتَّى من الجمادات، فما ظنك بالحيوانات، ولا سيما المكلفون منهم من جنهم وإنسهم، كما قال تعالى: ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾. وقال ابن أبي حاتم (٧٧): حدَّثنا أبي، حدَّثنا الحسن بن الربيع، حدَّثنا أَبو الأحوص [¬١]، عن سعيد بن مسروق، حدَّثنا حسان النمري، عن ابن عبَّاس في قوله: ﴿وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا﴾ قال: ما من شجرة في بر ولا بحر، إلَّا وملك موكل بها يكتب ما يسقط منها. وقوله: ﴿وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾. قال محمد بن إسحاق (٧٨)، عن يحيى بن النضر، عن أبيه، سمعت عبد الله بن عمرو بن العاص يقول: إن تحت الأرض الثالثة وفوق الرابعة من الجن، ما لو أنَّهم ظهروا - يعني لكم - لم تروا معهم نورًا، على كل زاوية من زوايا الأرض [¬٢] خاتم من خواتيم الله على كل خاتم ملك من الملائكة، يبعث الله إليه في كل يوم ملكًا من عنده أن احتفظ بما عندك. قال ابن أبي حاتم (٧٩): حدَّثنا عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن بن المسور الزهرى، حدَّثنا مالك بن سعير، حدَّثنا الأعمش، عن يزيد بن أبي زياد، عن عبد الله بن الحارث، قال: ما في الأرض من شجرة ولا مغرز إبرة، إلَّا عليها ملك موكل يأتي الله بعلمها: وطربتها إذا رطبت، ويبوستها [¬٣] إذا يبست.

стр. 2509

وكذا رواه ابن جرير: [عن أبي الخطاب زيد بن عبد الله الحساني] [¬١]، عن مالك بن سعير به. ثم قال ابن أبي حاتم (٨٠): ذكر عن أبي حذيفة، حدَّثنا سفيان، عن عمرو بن قيس، عن رجل، عن سعيد بن جبير، عن ابن عبَّاس قال: خلق الله النون - وهي الدواة - وخلق الألواح، فكتب فيها أمر الدنيا حتَّى ينقضي [¬٢] ما كان من خلق مخلوق، أو رزق حلال أو حرام، أو عمل بر أو فجور، وقرأ هذه الآية: ﴿وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا [وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ] [¬٣]﴾. ﴿وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُقْضَى أَجَلٌ مُسَمًّى ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ ثُمَّ يُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٦٠) وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ (٦١) ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ أَلَا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ (٦٢)﴾ يخبر [¬٤] تعالى: أنه يَتَوَفَّى عباده في منامهم بالليل، وهذا هو التوفي الأصغر، كما قال تعالى: ﴿إِذْ قَالَ اللَّهُ يَاعِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾، وقال تعالى: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ فذكر في هذه الآية الوفاتين: الكبرى والصغرى، وهكذا ذكر في هذا المقام حكم الوفاتين الصغرى ثم الكبرى، فقال: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ﴾ [أي: ويعلم ما كسبتم من الأعمال بالنهار] [¬٥]، وهذه جملة معترضة دلت على

стр. 2510

إحاطة علمه تعالى بخلقه؛ في ليلهم ونهارهم، في حال سكونهم وحال حركتهم، كما قال: ﴿سَوَاءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ﴾، وكما قال تعالى: ﴿وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ﴾ أي: في الليل ﴿وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ﴾ أي: في النهار، كما قال: ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا (١٠) وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا﴾ ولهذا قال تعالى هاهنا: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ﴾ أي: ما [¬١] كسبتم [من الأعمال فيه] [¬٢] ﴿ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ﴾ أي: في النهار. قاله مجاهد وقَتَادة والسدي. وقال ابن جريج عن عبد الله بن كثير: أي: في المنام. والأول أظهر، وقد روى ابن مردويه (٨١) بسنده عن الضحاك، عن ابن عبَّاس، عن النبي ﷺ قال: "مع كل إنسان ملك، [إذا نام يأخذ] [¬٣] نفسه ويرده [¬٤] إليه، فإن أذن اللَّه في قبض روحه قبضه، وإلا رد إليه". فذلك قوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ﴾. وقوله: ﴿لِيُقْضَى أَجَلٌ مُسَمًّى﴾ يعني به: أجل كل واحد من الناس ﴿ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ﴾ أي: يوم القيامة ﴿[ثُمَّ يُنَبِّئُكُمْ] [¬٥]﴾ أي: فيخبركم ﴿بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ أي: ويجزيكم على ذلك؛ إن خيرًا فخير، وإن شرًّا فشر. وقوله: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ﴾ أي: وهو [¬٦] الذي قهر كل شيء، وخضع لجلاله وعظمته وكبريائه - كل شيء ﴿وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً﴾ أي: من الملائكة يحفظون بدن الإِنسان، كقوله: ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ وحفظة يحفظون عمله ويحصونه عليه [¬٧] كقوله: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ (١٠) [كِرَامًا كَاتِبِينَ (١١) يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ] [¬٨]﴾. وكقوله: ﴿إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ (١٧) مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾. وقوله: ﴿إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ﴾ الآية، [¬٩]. وقوله: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ﴾ أي: احتضر وحان أجله ﴿تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا﴾ أي: ملائكة موكلون بذلك.

стр. 2511

قال ابن عبَّاس (٨٢) وغير واحد: لملك الموت أعوان من الملائكة، يخرجون الروح من الجسد، فيقبضها ملك الموت إذا انتهت إلى الحلقوم. وسيأتي عند قوله تعالى: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ﴾ الأحاديث المتعلقة بذلك، الشاهدة لهذا المروي عن ابن عبَّاس وغيره بالصحة. وقول: ﴿وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ﴾ أي: في حفظ روح المتوفى، بل يحفظونها وينزلونها حيث شاء [¬١] الله ان كان من الأبرار ففي عليين، و إن كان من الفجار ففي سجين، عياذًا بالله من ذلك. وقوله: ﴿ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ﴾ [قال ابن جرير: ﴿ثُمَّ رُدُّوا﴾ يعني: الملائكة ﴿إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ﴾] [¬٢]. ونذكر هاهنا الحديث الذي رواه الإِمام أحمد حيث قال (٨٣): حدَّثنا حسين بن محمد، حدَّثنا ابن أبي ذئب، عن محمد بن عمرو بن عطاء، عن سعيد بن يسار، [عن أبي هريرة] [¬٣] ﵁، عن النبي ﷺ أنَّه قال: "إن الميت تحضره الملائكة، فإذا كان الرجل الصالح قالوا: اخرجي أيتها النفس الطيبة [¬٤] كانت في الجسد الطيب، اخرجي حميدة، وأبشري بروح وريحان، ورب غير غضبان، فلا تزال [¬٥] يقال لها ذلك حتَّى تخرج، ثم يعرج بها إلى السماء فيستفتح [فيفتح] [¬٦] لها، [فيقال: من هذا] [¬٧]؟ فيقال: فلان. [فيقال] [¬٨]: مرحبًا بالنفس الطيبة، كانت في الجسد الطيب، ادخلي

стр. 2512

حميدة، وأبشري بروح وريحان، ورب غير غضبان، فلا تزال [¬١] يقال لها ذلك، حتَّى ينتهى بها إلى السماء التي فيها الله . وإذا كان الرجل السوء قالوا: اخرجي أيتها النفس الخبيثة، كانت في الجسد الخبيث، اخرجي ذميمة، وأبشري بحميم وغساق، وآخر من شكله أزواج، فلا تزال يقال لها ذلك حتَّى تخرج، ثم يعرج بها إلى السماء فيستفتح لها، فيقال: من هذا؟ فيقال: فلان. فيقال: لا مرحبًا بالنفس الخبيثة، كانت في الجسد الخبيث، ارجعي ذميمة فإنه لا يفتح لك أَبواب السماء، فترسل من السماء، ثم تصير إلى القبر، فيجلس الرجل الصالح فيقال له مثل ما قيل في الحديث الأوّل، ويجلس الرجل السوء فيقال له مثل مما قيل في الحديث الأول". هذا حديث غريب. ويحتمل أن يكون المراد بقوله: ﴿ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ﴾ يعني: الخلائق كلهم إلى الله يوم القيامة، فيحكم فيهم بعدله، كما قال: ﴿قُلْ إِنَّ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ (٤٩) لَمَجْمُوعُونَ إِلَى مِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾، وقال: ﴿وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا﴾ إلى قوله: ﴿وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾، ولهذا قال: ﴿مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ أَلَا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ﴾. ﴿قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً لَئِنْ أَنْجَانَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (٦٣) قُلِ اللَّهُ يُنَجِّيكُمْ مِنْهَا وَمِنْ كُلِّ كَرْبٍ ثُمَّ أَنْتُمْ تُشْرِكُونَ (٦٤) قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ (٦٥)﴾ يقول تعالى ممتنًّا على عباده في إنجائه المضطرين منهم من ظلمات البر والبحر، أي: الحائرين الواقعين في المهامة البربة، وفي [¬٢] اللجج البحرية، إذا هاجت الرياح العاصفة، فحينئذ يفردون

стр. 2513

الدعاء له وحده لا شريك له، كقوله: ﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الْإِنْسَانُ كَفُورًا] [¬١]﴾، وقال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (٢٢) فَلَمَّا أَنْجَاهُمْ إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ] [¬٢]﴾، وقوله: ﴿أَمَّنْ يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَنْ يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾. وقال في هذه الآية الكريمة: ﴿قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً﴾ أي: جهرًا وسرًا ﴿لَئِنْ أَنْجَانَا مِنْ هَذِهِ﴾ أي: من هذه الضائقة ﴿لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ أي: بعدها. قال الله تعالى: ﴿قُلِ اللَّهُ يُنَجِّيكُمْ مِنْهَا وَمِنْ كُلِّ كَرْبٍ ثُمَّ أَنْتُمْ﴾ أي: بعد ذلك ﴿تُشْرِكُونَ﴾ أي: تدعون معه في حال الرفاهية آلهة أخرى. وقوله: ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ﴾ لما قال: ﴿ثُمَّ أَنْتُمْ تُشْرِكُونَ﴾ عقبه بقوله: ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا﴾ أي: بعد إنجائه إياكم، كقوله في سورة سبحان: ﴿رَبُّكُمُ الَّذِي يُزْجِي لَكُمُ الْفُلْكَ فِي الْبَحْرِ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا (٦٦) وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الْإِنْسَانُ كَفُورًا (٦٧) أَفَأَمِنْتُمْ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمْ جَانِبَ الْبَرِّ أَوْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا ثُمَّ لَا تَجِدُوا لَكُمْ وَكِيلًا (٦٨) أَمْ أَمِنْتُمْ أَنْ يُعِيدَكُمْ فِيهِ تَارَةً أُخْرَى فَيُرْسِلَ عَلَيْكُمْ قَاصِفًا مِنَ الرِّيحِ فَيُغْرِقَكُمْ بِمَا كَفَرْتُمْ ثُمَّ لَا تَجِدُوا لَكُمْ عَلَيْنَا بِهِ تَبِيعًا﴾. قال ابن أبي حاتم (٨٤): ذكر عن مسلم بن إبراهيم، حدَّثنا هارون الأعور، عن [حفص] [¬٣] ابن سليمان، عن الحسن في قوله: ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ﴾ قال: هذه للمشركين.

стр. 2514

وقال ابن أبي نجيح: عن مجاهد في قوله: ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ﴾ لأمة محمد ﷺ فعفا عنهم. ونذكر هنا الأحاديث الواردة فى ذلك والآثار وبالله المستعان وعليه التكلان وبه الثقة. قال البخاري رحمه الله تعالى (٨٥) فِى قوله: ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ﴾: يلبسكم: يخلطكم، من الالتباس، يلبسوا: يخلطوا، شيعًا: فرقًا. حدَّثنا أَبو النعمان، حدَّثنا حمَّاد بن زيد، عن عمرو بن دينار، عن جابر بن عبد الله، قال: لما نزلت هذه الآية: ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ﴾ قال رسول الله ﷺ : "أعوذ بوجهك" ﴿أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ﴾ قال: "أعوذ بوجهك" ﴿أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ﴾ قال رسول الله ﷺ : "هذا أهون - أو قال: - هذا أيسر". وهكذا رواه اُيضا فى كتاب التوحيد (٨٦)، عن قتيبة، عن حمَّاد به. ورواه النَّسائي في التفسير (٨٧): عن قتيبة ومحمد بن النضر بن مساور ويحيى بن حبيب بن عربي [¬١] أربعتهم [¬٢]، عن حمَّاد بن زيد به. وقد رواه الحميدي فى مسنده (٨٨): عن سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار: سمع جابرًا

стр. 2515

عن النبي ﷺ به. ورواه ابن حبان في صحيحه (٨٩): عن أبي يعلى الموصلي، عن أبي خيثمة، عن سفيان بن عيينة به. ورواه ابن جرير في تفسيره (٩٠): عن أحمد بن الوليد القرشي وسعيد بن الربيع وسفيان بن وكيع، كلهم عن سفيان بن عيينة به. ورواه أَبو بكر بن مردويه (٩١): من حديث آدم بن أبي إياس ويحيى بن عبد الحميد وعاصم بن علي، عن سفيان بن عيينة به. ورواه سعيد بن منصور (٩٢)، عن حمَّاد بن زيد وسفيان بن عيينة كلاهما، عن عمرو بن دينار به. (طريق أخرى) قال الحافظ أبو بكر بن مردويه في تفسيره (٩٣): حدَّثنا سليمان بن أحمد،

стр. 2516

حدَّثنا مقدام بن داود، حدَّثنا عبد الله بن يوسف، حدَّثنا [عبد الله] [¬١] بن لهيعة، عن خالد ابن يزيد، عن أبي الزُّبَير، عن جابر، قال: لما نزلت ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ﴾ قال رسول الله ﷺ : "أعوذ بالله من ذلك". قال رسول الله ﷺ : " أعوذ ب ﴿أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ﴾ الله من ذلك ". ﴿أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا﴾ قال: "هذا أيسر". وإن [¬٢] استعاذه لأعاذه. ويتعلق بهذه الآية أحاديث كثيرة. (أحدها) قال الإِمام أحمد بن حنبل فى مسنده (٩٤): حدَّثنا أبو اليمان، حدَّثنا أَبو بكر - يعني [¬٣] ابن أبي مريم -، عن راشد - هو ابن سعد القرائي -، عن سعد بن أَبى وقاص، قال: سئل رسول الله ﷺ عن هذه الآية: ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ﴾ فقال: "أما إنها [¬٤] كائنة، ولم يأت تأويلها بعد". وأخرجه التِّرمِذي: عن الحسن بن عرفة، عن إسماعيل بن عياش، عن أبي بكر بن أبي مريم به. ثم قال: هذا حديث غريب. (حديث آخر) قال الإِمام أحمد (٩٥): حدَّثنا يعلى - هو ابن عبيد -، حدَّثنا عثمان بن حكيم، عن عامر بن سعد بن أبي وقاص، عن أبيه، قال: أقبلنا مع رسول الله صلى الله عليه

стр. 2517

وسلم حتَّى مررنا على مسجد بني معاوية، فدخل فصلى ركعتين فصلينا معه، فناجى ربه طويلًا، ثم [¬١] قال: "سألت ربي ثلاثًا؛ سألته أن لا يهلك أمتي بالغرق فأعطانيها، وسألته أن لا يهلك أمتي بالسَّنَة فأعطانيها، وسألته أن لا يجعل بأسهم بينهم فمنعنيها". انفرد بإخراجه مسلم، فرواه في كتاب الفتن (٩٦): عن أبي بكر بن أبي شيبة ومحمد بن عبد الله ابن نمير كلاهما، عن عبد الله بن نمير. وعن محمد بن يحيى بن أبي عمر، عن مروان بن معاوية كلاهما [¬٢]، عن عثمان بن حكيم به. (حديث آخر) قال الإِمام أحمد (٩٧): قرأت على عبد الرحمن بن مهدي، عن مالك، عن [عبد الله بن عبد الله بن جابر بن عتيك] [¬٣]، [عن جابر بن عتيك] [¬٤] أنَّه قال: جاءنا عبد الله ابن عمر في حرة [¬٥] بني معاوية - قرية [¬٦] من قرى الأنصار - فقال لي: هل تدري أين صلى رسول الله ﷺ في مسجدكم هذا؟ فقلت: نعم. فأشرت إلى ناحية منه، فقال: هل تدري ما الثلاث التي دعا بهن فيه؟ فقلت: نعم. فقال: أخبرني [¬٧] بهن. فقلت: دعا أن لا يُظْهِر عليهم عدوًّا من غيرهم، ولا يهلكهم بالسنين فَأعْطِيَهُما، ودعا بأن لا يجعل بأسمهم بينهُم فمنعها. قال: صدقت، فلا يزال الهرج [¬٨] إلى يوم القيامة. ليس هو في شيء من الكتب الستة، وإسناده جيد قوي، ولله الحمد والمنة.

стр. 2518

(حديث آخر) قال محمد بن إسحاق: عن حكيم بن حكيم بن عباد [¬١] بن حنيف، عن علي بن عبد الرحمن، أخبرني حذيفة بن اليمان، قال: خرجت مع رسول اللَّه ﷺ إلى حرة بني معاوية، قال: فصلى ثماني ركعات فأطال فيهن، ثم التفت إلي فقال: "حبستك [يا حذيفة"] [¬٢]. قلت: الله ورسوله أعلم. قال: "إني سألت الله ثلاثًا فأعطاني اثنتين ومنعني واحدة، سألته ألا يسلط على أمتي عدوًّا هن غيرهم فأعطاني، وسألته أن لا يهلكهم بغرق فأعطاني، وسألته أن لا يجعل بأسهم بينهم فمنعني". رواه ابن مردويه (٩٨): من حديث محمد [¬٣] بن إسحاق. (حديث آخر) قال الإِمام أحمد (٩٩): حدَّثنا عَبيدة بن حُميد، حدثني سليمان [] [¬٤] الأعمش، عن رجاء الأنصاري، عن عبد الله بن شداد، عن معاذ بن جبل ﵁ قال: أتيت رسول الله ﷺ أطلبه [¬٥] فقيل لي: خرج قبل. قال: فجعلت لا أمر بأحد إلَّا قال مر من [¬٦] قبل، حتَّى مررت فوجدته قائمًا يصلي، قال: فجئت حتَّى قمت خلفه [] [¬٧] فأطال الصلاة، [فلما قضى صلاته قلت] [¬٨]: يا رسول الله، قد [¬٩] صليت صلاة طويلة. فقال رسول الله ﷺ : [إني صليت صلاة رغبة ورهة، إني [¬١٠] سألت الله

стр. 2519

ثلاثًا فأعطاني اثنتين ومنعني واحدة؛ سألته أن لا يهلك أمتي غرقًا فأعطاني، وسألته أن لا يظهر عليهم عدوًّا ليس منهم فأعطانيها، وسألته أن لا يجعل بأسهم بينهم فردها علي". ورواه ابن ماجة في الفتن [¬١]: عن محمد بن عبد الله بن نمير وعلى بن محمد كلاهما، عن أبي معاوية، عن الأعمش به. ورواه ابن مردويه: من حديث أبي عوانة، عن [عبد الله بن عمير] [¬٢]، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن معاذ بن جبل، عن النبي ﷺ بمثله أو نحوه. (حديث آخر) قال الإِمام أحمد (١٠٠): حدَّثنا هارون بن معروف، حدَّثنا عبد الله بن

стр. 2520

وَهْب، أخبرني عمرو بن الحارث، عن بكير بن الأشج، أن الضحاك بن عبد الله القرشي حدثه، عن أَنس بن مالك، أنَّه قال: رأيت رسول الله ﷺ في سفر صلى سبحة الضحى ثماني ركعات، فلما انصرف قال: "إني صليت صلاة رغبة وهبة، وسألت ربي ثلاثًا فأعطاني اثنتين ومنعني واحدة؛ سألته أن لا يبتلي أمتي بالسنين ففعل، وسألته أن لا يظهر عليهم عدوهم ففعل، وسألته أن لا يلبسهم شيعًا فأبى علي". رواه النسائي في الصلاة عن محمد بن مسلمة عن ابن وَهْب به. (حديث آخر) قال الإِمام أحمد (١٠١): حدَّثنا أَبو اليمان، أخبرنا شعيب بن أبي حمزة، قال: قال الزُّهْريّ، حدثني عبد الله بن عبد الله بن الحارث بن نوفل، عن عبد الله بن خباب [ابن الأرت] [¬١] عن أبيه خباب بن الأرت [¬٢] مولى بني زُهرة، وكان قد شهد بدرًا مع رسول الله ﷺ [أنَّه قال: راقبت: رسول الله ﷺ ] [¬٣] في ليلة صلاها كلها، حتَّى كان مع الفجر فسلم رسول الله ﷺ من صلاته، فقلت [¬٤]: يا رسول الله، لقد صليت الليلة صلاة ما رأيتك صليت مثلها. فقال رسول الله ﷺ : "أجل، إنها صلاة رغب ورهب، سألت ربي فيها ثلاث خصال فأعطاني اثنتين ومنعني واحدة؛ سألت ربي أن لا يهلكنا بما أهلك به الأمم قبلنا فأعطانيها، وسألت ربي أن لا يظهر [¬٥] علينا عدوًّا من غيرنا فأعطانيها، وسألت ربي أن لا يلبسنا شيعًا فمنعنيها". ورواه النَّسائي (١٠٢): من حديث شعيب بن أبي حمزة به. ومن وجه آخر وابن حبان في

стр. 2521

صحيحه بإسناديهما: عن صالح بن كيسان (١٠٣). والتِّرمِذي في الفتن (١٠٤): من حديث النعمان ابن راشد كلاهما، عن الزُّهْريّ به. وقال: حسن صحيح. (حديث آخر) قال أَبو جعفر بن جرير فى تفسيره (١٠٥): حدثني زياد بن عبيد [¬١] الله المزني، حدَّثنا مروان بن معاوية الفزاري، حدَّثنا أَبو مالك، حدثني نافع بن خالد الخزاعي، عن أبيه: أن النبي ﷺ صلى صلاة خفيفة تامة الركوع والسجود فقال: "قد كانت صلاة رغبة ورهبة، سألت الله فيها ثلاثًا أعطاني اثنتين ومنعني واحدة: سألت اللَّه أن لا يصيبكم بعذاب أصاب به من كان [¬٢] قبلكم فأعطانيها [¬٣] وسألت الله أن لا يسلط عليكم عدوًّا يستبيح بيضتكم فأعطانيها، وسألت الله أن لا يلبسكم شيعًا ويذيق بعضكم بأس بعضٍ فمنعنيها". قال أبو مالك: فقلت له: أبوك [¬٤] سمع هذا من في [¬٥] رسول الله صلى الله عليه

стр. 2522

وسلم؟ فقال: نعم، سمعته يحدث بها القوم أنه سمعها من في رسول الله ﷺ . (حديث آخر) قال الإِمام أحمد (١٠٦): حدثنا عبد الرزاق، قال: قال معمر: أخبرني أيوب، عن أبي قلابة، عن أبي الأشعث الصنعاني، عن أبي أسماء الرحبي، عن شداد بن أوس: أن رسول الله ﷺ قال: "إن الله زوى لي الأرض حتى رأيت مشارقها ومغاربها، وإن ملك أمتي سيبلغ ما زوي لي منها، وإني أعطيت الكنزين: الأبيض والأحمر، وإني سألت ربي أن لا يهلك أمتي بِسَنَةٍ بعامةٍ، وأن لا يسلط عليهم عدوًّا فيهلكهم بعامة، وأن [¬١] لا يلبسهم شيعًا وأن لا يذيق بعضهم بأس بعض، فقال: يا محمد، إني إذا قضيت قضاء فإنه لا يرد، وإني قد أعطيتك لأمتك أن لا أهلكهم بسنة عامة، وأن لا أسلط عليهم عدوًّا ممن [¬٢] سواهم فيهلكهم بعامة، حتى يكون بعضهم يهلك بعضًا، وبعضهم يقتل بعضا، وبعضهم يسبي بعضًا". قال: وقال النبي ﷺ : "وإني [¬٣] لا أخاف على أمتي إلا الأئمة المضلين، فإذا وضع السيف في أمتي لم يرفع عنهم إلى يوم القيامة".

стр. 2523

ليس في شيء من الكتب الستة، وإسناده جيد قوي، وقد رواه ابن مردويه (١٠٧): من حديث حماد بن زيد وعباد بن منصور وقتادة [¬١]، ثلاثتهم عن أيوب، عن أبي قلابة، عن أبي أسماء، عن ثوبان، عن رسول الله ﷺ بنحوه والله [¬٢] أعلم. (حديث [آخر) قال] [¬٣] الحافظ أبو بكر بن مردويه (١٠٨): حدثنا عبد الله بن إسماعيل ابن إبراهيم الهاشمي وميمون بن إسحاق بن الحسن الحنفي قالا: حدثنا أحمد بن عبد الجبار، حدثنا محمد بن فضيل، عن أبي مالك الأشجعي، عن نافع بن خالد الخزاعي، عن أبيه قال - وكان أبوه من أصحاب رسول الله ﷺ وكان من أصحاب الشجرة -: كان رسول الله ﷺ إذا صلى والناس حوله صلى صلاة خفيفة، تامة الركوع والسجود، قال: فجلس يومًا فأطال الجلوس، حتى أومأ بعضنا إلى بعض [أن اسكتوا] [¬٤] إنه ينزل عليك [¬٥]، فلما فرغ قال له بعض القوم: يا رسول الله، لقد أطلت الجلوس حتى أومأ بعضنا إلى بعض أن اسكتوا إنه ينزل عليه. قال: "لا، ولكنها كانت صلاة رغبة ورهبة، [سألت الله] [¬٦] فيها ثلاثًا فأعطاني اثنتين ومنعني واحدة؛ سألت الله أن لا يعذبكم بعذاب عذب به من كان قبلكم فأعطانيها، وسألت الله أن لا يسلط على أمتي عدوًّا يستبيحها فأعطانيها، وسألته أن لا يلبسكم شيعًا و [أن لا] [¬٧] يذيق بعضكم بأس بعض فمنعنيها". قال: قلت له: أبوك سمعها

стр. 2524

من رسول الله ﵌؟ قال: نعم، سمعته يقول: إنه سمعها من رسول الله ﵌ عدد أصابعي هذه: عشر أصابع. (حديث آخر) قال الإمام أحمد (١٠٩): حدثنا يونس - هو ابن محمد المؤدب - حدثنا ليث - هو ابن سعد - عن أبي وهب الخولاني، عن رجل قد سماه، عن أبي بَصْرَة الغفاري صاحب رسول الله ﵌: [أن رسول الله ﷺ ] [¬١] قال: "سألت ربي أربعًا فأعطاني ثلاثًا ومنعني واحدة؛ سألت الله أن لا يجمع أمتي على ضلالة فأعطانيها، وسألت الله أن لا يظهر عليهم عدوًّا من غيرهم فأعطانيها، وسألت الله أن لا يهلكهم بالسنين كما أهلك الأمم قبلهم فأعطانيها، وسألت الله أن لا يلبسهم شيعًا و [أن لا] [¬٢] يذيق بعضهم بأس بعض فمنعنيها". لم يخرجه أحد من أصحاب الكتب الستة. (حديث آخر) قال الطبراني (١١٠): حدثنا محمد بن عثمان بن أبي شيبة، حدثنا منجاب ابن الحارث، حدثنا أبو حذيفة الثعلبي، عن زياد بن علاقة، عن جابر بن سمرة السّوائي، عن علي: أن رسول الله ﵌ قال: "سألت ربي ثلاث خصال فأعطاني اثنتين ومنعني واحدة؛ فقلت: يا رب لا تهلك أمتي جوعًا. فقال [¬٣]: هذه لك. قلت: يا رب لا تسلط عليهم عدوًّا من غيرهم - يعني: أهل الشرك - فيجتاحهم. قال: ذلك لك. قلت:

стр. 2525

يا رب لا تجعل بأسهم بينهم. قال: فمنعني هذه". (حديث آخر) قال الحافظ أبو بكر بن مردويه (١١١): حدثنا محمد بن أحمد بن إبراهيم، عن أحمد بن محمد بن عاصم، حدثنا أبو الدرداء المروزي، حدثنا إسحاق بن عبد الله بن كيسان، حدثني أبي، عن عكرمة، عن ابن عباس: أن رسول الله ﵌ قال: "دعوت ربي أن يرفع عن أمتي أربعًا، فرفع الله عنهم ثنتين، وأبى عليَّ أن يرفع عنهم ثنتين؛ دعوت ربي أن يرفع الرجم من السماء، والغرق من الأرض، [وأن لا يلبسهم شيعًا، وأن لا يذيق بعضهم بأس بعض، فرفع الله عنهم الرجم من السماء والغرق من الأرض] [¬١]، وأبى الله أن يرفع اثنتين [¬٢]: القتل والهرج". (طريق أخرى) عن ابن عباس أيضًا قال ابن مردويه (١١٢): حدثنا عبد الله بن محمد بن يزيد [¬٣]، حدثني الوليد بن أبان، حدثنا جعفر بن نمير، حدثنا أبو بدر شجاع بن الوليد، حدثنا
следующие страницы →