← Тафсир

Тафсир · id 1509

تفسير ابن كثير - ط أولاد الشيخ

ابن كثير

Полный текст (6 736 стр.). Показаны 2521–2560 · переход к 2526.

стр. 2521

صحيحه بإسناديهما: عن صالح بن كيسان (١٠٣). والتِّرمِذي في الفتن (١٠٤): من حديث النعمان ابن راشد كلاهما، عن الزُّهْريّ به. وقال: حسن صحيح. (حديث آخر) قال أَبو جعفر بن جرير فى تفسيره (١٠٥): حدثني زياد بن عبيد [¬١] الله المزني، حدَّثنا مروان بن معاوية الفزاري، حدَّثنا أَبو مالك، حدثني نافع بن خالد الخزاعي، عن أبيه: أن النبي ﷺ صلى صلاة خفيفة تامة الركوع والسجود فقال: "قد كانت صلاة رغبة ورهبة، سألت الله فيها ثلاثًا أعطاني اثنتين ومنعني واحدة: سألت اللَّه أن لا يصيبكم بعذاب أصاب به من كان [¬٢] قبلكم فأعطانيها [¬٣] وسألت الله أن لا يسلط عليكم عدوًّا يستبيح بيضتكم فأعطانيها، وسألت الله أن لا يلبسكم شيعًا ويذيق بعضكم بأس بعضٍ فمنعنيها". قال أبو مالك: فقلت له: أبوك [¬٤] سمع هذا من في [¬٥] رسول الله صلى الله عليه

стр. 2522

وسلم؟ فقال: نعم، سمعته يحدث بها القوم أنه سمعها من في رسول الله ﷺ . (حديث آخر) قال الإِمام أحمد (١٠٦): حدثنا عبد الرزاق، قال: قال معمر: أخبرني أيوب، عن أبي قلابة، عن أبي الأشعث الصنعاني، عن أبي أسماء الرحبي، عن شداد بن أوس: أن رسول الله ﷺ قال: "إن الله زوى لي الأرض حتى رأيت مشارقها ومغاربها، وإن ملك أمتي سيبلغ ما زوي لي منها، وإني أعطيت الكنزين: الأبيض والأحمر، وإني سألت ربي أن لا يهلك أمتي بِسَنَةٍ بعامةٍ، وأن لا يسلط عليهم عدوًّا فيهلكهم بعامة، وأن [¬١] لا يلبسهم شيعًا وأن لا يذيق بعضهم بأس بعض، فقال: يا محمد، إني إذا قضيت قضاء فإنه لا يرد، وإني قد أعطيتك لأمتك أن لا أهلكهم بسنة عامة، وأن لا أسلط عليهم عدوًّا ممن [¬٢] سواهم فيهلكهم بعامة، حتى يكون بعضهم يهلك بعضًا، وبعضهم يقتل بعضا، وبعضهم يسبي بعضًا". قال: وقال النبي ﷺ : "وإني [¬٣] لا أخاف على أمتي إلا الأئمة المضلين، فإذا وضع السيف في أمتي لم يرفع عنهم إلى يوم القيامة".

стр. 2523

ليس في شيء من الكتب الستة، وإسناده جيد قوي، وقد رواه ابن مردويه (١٠٧): من حديث حماد بن زيد وعباد بن منصور وقتادة [¬١]، ثلاثتهم عن أيوب، عن أبي قلابة، عن أبي أسماء، عن ثوبان، عن رسول الله ﷺ بنحوه والله [¬٢] أعلم. (حديث [آخر) قال] [¬٣] الحافظ أبو بكر بن مردويه (١٠٨): حدثنا عبد الله بن إسماعيل ابن إبراهيم الهاشمي وميمون بن إسحاق بن الحسن الحنفي قالا: حدثنا أحمد بن عبد الجبار، حدثنا محمد بن فضيل، عن أبي مالك الأشجعي، عن نافع بن خالد الخزاعي، عن أبيه قال - وكان أبوه من أصحاب رسول الله ﷺ وكان من أصحاب الشجرة -: كان رسول الله ﷺ إذا صلى والناس حوله صلى صلاة خفيفة، تامة الركوع والسجود، قال: فجلس يومًا فأطال الجلوس، حتى أومأ بعضنا إلى بعض [أن اسكتوا] [¬٤] إنه ينزل عليك [¬٥]، فلما فرغ قال له بعض القوم: يا رسول الله، لقد أطلت الجلوس حتى أومأ بعضنا إلى بعض أن اسكتوا إنه ينزل عليه. قال: "لا، ولكنها كانت صلاة رغبة ورهبة، [سألت الله] [¬٦] فيها ثلاثًا فأعطاني اثنتين ومنعني واحدة؛ سألت الله أن لا يعذبكم بعذاب عذب به من كان قبلكم فأعطانيها، وسألت الله أن لا يسلط على أمتي عدوًّا يستبيحها فأعطانيها، وسألته أن لا يلبسكم شيعًا و [أن لا] [¬٧] يذيق بعضكم بأس بعض فمنعنيها". قال: قلت له: أبوك سمعها

стр. 2524

من رسول الله ﵌؟ قال: نعم، سمعته يقول: إنه سمعها من رسول الله ﵌ عدد أصابعي هذه: عشر أصابع. (حديث آخر) قال الإمام أحمد (١٠٩): حدثنا يونس - هو ابن محمد المؤدب - حدثنا ليث - هو ابن سعد - عن أبي وهب الخولاني، عن رجل قد سماه، عن أبي بَصْرَة الغفاري صاحب رسول الله ﵌: [أن رسول الله ﷺ ] [¬١] قال: "سألت ربي أربعًا فأعطاني ثلاثًا ومنعني واحدة؛ سألت الله أن لا يجمع أمتي على ضلالة فأعطانيها، وسألت الله أن لا يظهر عليهم عدوًّا من غيرهم فأعطانيها، وسألت الله أن لا يهلكهم بالسنين كما أهلك الأمم قبلهم فأعطانيها، وسألت الله أن لا يلبسهم شيعًا و [أن لا] [¬٢] يذيق بعضهم بأس بعض فمنعنيها". لم يخرجه أحد من أصحاب الكتب الستة. (حديث آخر) قال الطبراني (١١٠): حدثنا محمد بن عثمان بن أبي شيبة، حدثنا منجاب ابن الحارث، حدثنا أبو حذيفة الثعلبي، عن زياد بن علاقة، عن جابر بن سمرة السّوائي، عن علي: أن رسول الله ﵌ قال: "سألت ربي ثلاث خصال فأعطاني اثنتين ومنعني واحدة؛ فقلت: يا رب لا تهلك أمتي جوعًا. فقال [¬٣]: هذه لك. قلت: يا رب لا تسلط عليهم عدوًّا من غيرهم - يعني: أهل الشرك - فيجتاحهم. قال: ذلك لك. قلت:

стр. 2525

يا رب لا تجعل بأسهم بينهم. قال: فمنعني هذه". (حديث آخر) قال الحافظ أبو بكر بن مردويه (١١١): حدثنا محمد بن أحمد بن إبراهيم، عن أحمد بن محمد بن عاصم، حدثنا أبو الدرداء المروزي، حدثنا إسحاق بن عبد الله بن كيسان، حدثني أبي، عن عكرمة، عن ابن عباس: أن رسول الله ﵌ قال: "دعوت ربي أن يرفع عن أمتي أربعًا، فرفع الله عنهم ثنتين، وأبى عليَّ أن يرفع عنهم ثنتين؛ دعوت ربي أن يرفع الرجم من السماء، والغرق من الأرض، [وأن لا يلبسهم شيعًا، وأن لا يذيق بعضهم بأس بعض، فرفع الله عنهم الرجم من السماء والغرق من الأرض] [¬١]، وأبى الله أن يرفع اثنتين [¬٢]: القتل والهرج". (طريق أخرى) عن ابن عباس أيضًا قال ابن مردويه (١١٢): حدثنا عبد الله بن محمد بن يزيد [¬٣]، حدثني الوليد بن أبان، حدثنا جعفر بن نمير، حدثنا أبو بدر شجاع بن الوليد، حدثنا

стр. 2526

عمرو بن قيس، عن رجل، عن ابن عباس، قال: لما نزلت هذه الآية: ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ﴾ قال: فقام النبي ﷺ فتوضأ، ثم قال: "اللهم لا ترسل على أمتي عذابًا من فوقهم، ولا من تحت أرجلهم، ولا تلبسهم شيعًا، ولا تذيق بعضهم بأس بعض". قال: فأتاه جبريل فقال: يا محمد، إن الله قد أجار أمتك أن يرسل عليهم عذابًا من فوقهم أو من تحت أرجلهم. (حديث آخر) قال ابن مردويه (١١٣): حدثنا أحمد بن محمد بن عبد الله البزاز، حدثنا عبد الله ابن أحمد بن موسى، حدثنا أحمد بن محمد بن يحيى بن سعيد، حدثنا عمرو بن محمد العَنْقَزي، حدثنا أسباط، عن السدي، عن أبي المنهال، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: "سألت ربي لأمتي أربع خصال فأعطاني ثلاثًا ومنعني واحدة؛ سألته أن لا تكفر أمتي واحدة فأعطانيها، وسألته أن لا يعذبهم بما عذب به الأم قبلهم فأعطانيها، وسألته أن لا يظهر عليهم عدوًّا من غيرهم فأعطانيها، وسألته أن لا يجعل بأسهم بينهم فمنعنيها". ورواه ابن أبي حاتم عن أبي سعيد بن يحيى بن سعيد القطان عن عمرو بن محمد العنقزى به نحوه. (طريق أخرى) وقال ابن مردويه (١١٤): حدثنا محمد بن أحمد بن إبراهيم، حدثنا محمد بن يحيى، حدثنا أبو كريب، حدثنا زيد بن الحباب، حدثنا كثير بن زيد الليثي المديني، حدثنا الوليد بن رباح مولى آل أبي ذباب، سمع أبا هريرة يقول: قال النبي ﷺ : "سألت ربي ثلاثًا فأعطاني اثنتين ومنعني واحدة. سألته ألا يسلط على أمتي [عدوًّا من] [¬١] غيرهم [] [¬٢]،

стр. 2527

وسألته ألا يهلكهم بالسنين فأعطاني، وسألته ألا يلبسهم شيعًا وألا [¬١] يذيق بعضهم بأس بعض فمنعني". ثم رواه ابن مردويه بإسناده عن سعد [بن] [¬٢] سعيد بن أبي سعيد المقبرى، عن أبيه، عن أبي هريرة عن النبي ﷺ بنحوه. ورواه البزار (١١٥) عن [¬٣] طريق عمر بن [أبي] [¬٤] سلمة، عن أبيه، عن أبي هريرة عن النبي ﷺ بنحوه. (أثر آخر) قال سفيان الثوري (١١٦): عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية، عن أبي بن كعب، قال: أربعة في [¬٥] هذه الأمة، قد مضت اثنتان، وبقيت اثنتان ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ﴾ قال: الرجم ﴿أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ﴾ قال: الخسف ﴿أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ﴾ قال سفيان: يعني الرجم والخسف. وقال أبو جعفر الرازي: عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية، عن أبي بن كعب: ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ

стр. 2528

بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ﴾ قال: فهى أربع خلال؛ منها اثنتان بعد وفاة رسول الله ﷺ بخمس وعشرين سنة [¬١]؛ ألبسوا شيعًا وذاق بعضهم بأس بعض، وبقيت اثنتان لابد منهما واقعتان: الرجم والخسف. ورواه أحمد عن وكيع، عن أبي جعفر. ورواه ابن أبي حاتم. وقال ابن أبي حاتم (١١٧): حدثنا المنذر بن شاذان، حدثنا أحمد بن إسحاق، حدثنا أبو الأشهب، عن الحسن في قوله: ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ [عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا] [¬٢]﴾، قال: حبست عقوبتها حتى عمل ذنبها، فلما عمل ذنبها أرسلت عقوبتها. وهكذا قال مجاهد وسعيد بن جبير وأبو مالك والسدي وابن زيد [وغير واحد] [¬٣] في قوله: ﴿عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ﴾ يعني: الرجم ﴿أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ﴾ يعني: الخسف، وهذا هو اختيار ابن جرير. ورواه ابن جرير (١١٨): " عن يونس، عن ابن وهب، عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم في

стр. 2529

قوله: ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ﴾ قال: كان عبد الله بن مسعود يصيح وهو في المجلس أو على المنبر بقول: ألا أيها الناس إنه قد نزل بكم، إن الله يقول: ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ [أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ] [¬١]﴾ لو جاءكم عذاب من السماء لم يُبْق منكم أحدًا ﴿أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ﴾ [لو خسف] [¬٢] بكم الأرض أهلككم ولم يُبْق منكم أحدًا ﴿[أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا] [¬٣] وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ﴾ ألا إنه نزل بكم أسوأ الثلاث. قول ثان: قال ابن جرير وابن أبي حاتم (١١٩): حدثنا يونس بن عبد الأعلى، أخبرنا ابن وهب، سمعت خلاد بن سليمان، يقول: سمعت عامر بن عبد الرحمن، يقول: إن ابن عباس كان يقول في هذه الآية: ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ﴾ [فأما العذاب من فوقكم] [¬٤] فأئمة السوء ﴿أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ﴾ فخدم السوء. وقال على بن أبي طلحة (١٢٠)، عن ابن عباس: ﴿عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ﴾ يعني: أمراءكم ﴿أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ﴾ يعني: عبيدكم وسفلتكم. وحكى ابن أبي حاتم [¬٥] عن أبي سنان [¬٦] وعمير بن هانئ نحو ذلك.

стр. 2530

وقال ابن جرير [¬١]: وهذا القول وإن كان له وجه صحيح لكن الأول أظهر وأقوى. وهو كما قال ابن جرير ﵀، ويشهد له بالصحة قوله تعالى: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ (١٦) أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ﴾ وفي الحديث (١٢١): " ليكونن في هذه الأمة قذف وخسف ومسخ". وذلك مذكور مع نظائره في أمارات الساعة وأشراطها، وظهور الآيات قبل يوم القيامة، وستأتي في موضعها إن شاء الله تعالى. وقوله: ﴿أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا﴾ يعني [¬٢]: يجعلكم ملتبسين شيعًا فرقًا متخالفين. قال الوالبي (١٢٢)، عن ابن عباس: يعني الأهواء. وكذا قال مجاهد وغير واحد. وقد ورد في الحديث المروي من طرق عنه ﷺ أنه قال: "وستفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة، كلها في النار إلا واحدة" (١٢٣). وقوله تعالى: ﴿يُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ﴾ قال ابن عباس وغير واحد: يعني يسلط بعضكم على بعض بالعذاب والقتل. وقوله تعالى: ﴿انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ﴾ أي: نبينها ونوضحها ونقرها ﴿لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ﴾ أي: يفهمون ويتدبرون عن الله آياته وحججه وبراهينه. قال زيد بن أسلم: لما نزلت ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ﴾

стр. 2531

الآية، قال رسول الله ﷺ : "لا ترجعوا بعدي كفّارًا، يضرب بعضكم رقاب بعض بالسيوف". قالوا: ونحن نشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله؟ قال: ["نعم". فقال بعضهم] [¬١]: لا يكون هذا أبدًا أن يقتل بعضنا بعضًا ونحن مسلمون. فنزلت ﴿انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ (٦٥) وَكَذَّبَ [¬٢] بِهِ قَوْمُكَ وَهُوَ الْحَقُّ قُلْ لَسْتُ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ (٦٦) لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾. رواه ابن أبي حاتم وابن جرير (١٢٤). ﴿وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وَهُوَ الْحَقُّ قُلْ لَسْتُ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ (٦٦) لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (٦٧) وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٦٨) وَمَا عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَلَكِنْ ذِكْرَى لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (٦٩)﴾ يقول تعالى: ﴿وَكَذَّبَ بِهِ﴾ أي: بالقرآن الذي جئتهم به والهدى والبيان ﴿قَوْمُكَ﴾ يعني: قريشًا ﴿وَهُوَ الْحَقُّ﴾ أي: الذي ليس وراءه حق ﴿قُلْ لَسْتُ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ﴾ أي: لست عليكم بحفيظ، ولست بموكل بكم، كقوله: ﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ أي: إنما عليَّ البلاغ، وعليكم السمع والطاعة، فمن اتبعني سعد في الدنيا والآخرة، ومن خالفني فقد شقي في الدنيا والآخرة؛ ولهذا قال: ﴿لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرّ﴾.

стр. 2532

قال ابن عباس وغير واحد: أي: لكل نبأ حقيقة. أي: لكل خبر وقوع ولو بعد حين، كما قال: ﴿وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ﴾ وقال: ﴿لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ﴾. وهذا تهديد ووعيد أكيد، ولهذا قال بعده: ﴿وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾. وقوله [¬١]: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا﴾ أي: بالتكذيب والاستهزاء ﴿فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ﴾ أي: حتى يأخذوا في كلام آخر غير ما كانوا فيه من التكذيب ﴿وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ﴾ والمراد بذلك كل فرد من آحاد الأمة: أن لا يجلس [¬٢] مع المكذبين الذين يحرفون آيات الله، ويضعونها على غير موضعها [¬٣]، فإن جلس أحد معهم [¬٤] ناسيًا ﴿فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى﴾ [بعد التذكر] [¬٥] ﴿مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾. ولهذا ورد في الحديث: "رفع عن أمّتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه" (١٢٥). وقال السدي: عن أبي مالك وسعيد بن جبير في قوله: ﴿وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ﴾ قال: إن نسيت فذكرت فلا تجلس معهم. وكذا قال مقاتل بن حيان [¬٦]. وهذه الآية هي المشار إليها في قوله: ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ﴾ الآية، أي: إنكم إذا جلستم معهم وأقررتموهم على ذلك، فقد ساويتموهم في الذي هم فيه. وقوله: ﴿وَمَا عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ أي: إذا تجنبوهم فلم يجلسوا

стр. 2533

معهم في ذلك، فقد برؤا [¬١] من عهدتهم وتخلصوا من إثمهم. وقال ابن أبي حاتم (١٢٦): حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا عبيد الله بن موسى، عن إسرائيل، عن السدي، عن أبي مالك وسعيد بن جبير قوله: ﴿وَمَا عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ قال: ما عليك أن يخوضوا في آيات الله إذا فعلت ذلك، أي: إذا تجنبتهم وأعرضت عنهم. وقال آخرون: بل معناه وإن جلسوا معهم فليس عليهم من حسابهم من شيء. وزعموا أن هذا منسوخ بآية النساء المدنية، وهي قوله: ﴿إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ﴾ قاله مجاهد والسدي وابن جريج وغيرهم. وعلى قولهم يكون قوله: ﴿وَلَكِنْ ذِكْرَى لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ أي: ولكن أمرناكم بالإِعراض عنهم حينئذ تذكيرًا لهم عما هم فيه، لعلهم يتقون ذلك ولا يعودون إليه. ﴿وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِبًا وَلَهْوًا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَذَكِّرْ بِهِ أَنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ بِمَا كَسَبَتْ لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ وَإِنْ تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لَا يُؤْخَذْ مِنْهَا أُولَئِكَ الَّذِينَ أُبْسِلُوا بِمَا كَسَبُوا لَهُمْ شَرَابٌ مِنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ (٧٠)﴾ يقول تعالى: ﴿وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِبًا وَلَهْوًا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا﴾ أي: دعهم وأعرض عنهم وأمهلهم قليلًا، فإنهم صائرون إلى عذاب عظيم؛ ولهذا قال: ﴿وَذَكِّرْ بِهِ﴾ أي: ذكر [¬٢] الناس بهذا القرآن، وحذرهم نقمة الله: وعذابه الأليم يوم القيامة. وقوله تعالى: ﴿أَنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ بِمَا كَسَبَتْ﴾ أي: لئلا تبسل، قال الضحاك عن ابن عباس، ومجاهد، وعكرمة، والحسن، والسدي: ﴿تُبْسَلَ﴾ تُسْلَم. وقال الوالبي (١٢٧): عن ابن عباس: تفضح. وقال قتادة: تحبس. وقال مرة وابن زيد: تؤاخذ. وقال الكلبي: تجازى.

стр. 2534

وكل هذه [الأقوال و] [¬١] العبارات متقاربة في المعنى، وحاصلها: الإِسلام للَّهلكة، والحبس عن الخير، والارتهان عن درك المطلوب، كقوله [¬٢]: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ (٣٨) إِلَّا أَصْحَابَ الْيَمِينِ﴾. وقوله: ﴿لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ﴾ أي: لا قريب ولا أحد يشفع فيها، كقوله [¬٣]: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَاعَةٌ وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾. وقوله: ﴿وَإِنْ تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لَا يُؤْخَذْ مِنْهَا﴾ أي: ولو بذلت كل مبذول ما قبل منها، كقوله [¬٤]: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَبًا [وَلَوِ افْتَدَى بِهِ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ] [¬٥]﴾، وكذا [¬٦]، قال هاهنا: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ أُبْسِلُوا بِمَا كَسَبُوا لَهُمْ شَرَابٌ مِنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ﴾. ﴿قُلْ أَنَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُنَا وَلَا يَضُرُّنَا وَنُرَدُّ عَلَى أَعْقَابِنَا بَعْدَ إِذْ هَدَانَا اللَّهُ كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ فِي الْأَرْضِ حَيْرَانَ لَهُ أَصْحَابٌ يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى ائْتِنَا قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (٧١) وَأَنْ أَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَاتَّقُوهُ وَهُوَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٧٢) وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَيَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ قَوْلُهُ الْحَقُّ وَلَهُ الْمُلْكُ يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ (٧٣)﴾ قال السدي: قال المشركون للمسلمين [¬٧]: اتبعوا سبيلنا واتركوا دين محمد، فأنزل الله ﴿قُلْ أَنَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُنَا وَلَا يَضُرُّنَا وَنُرَدُّ عَلَى أَعْقَابِنَا﴾ أي: في الكفر ﴿بَعْدَ إِذْ هَدَانَا اللَّهُ﴾ فيكون مثلنا مثل الذي استهوته الشياطين في الأرض، يقول: مثلكم إن

стр. 2535

كفرتم بعد إيمانكم [¬١] كمثل رجل خرج [¬٢] مع قوم على الطريق، فضل الطريق فحيرته الشياطين، واستهوته في الأرض، وأصحابه على الطريق فجعلوا يدعونه إليهم، يقولون: ائتنا فإنا على الطريق، فأبى أن يأتيهم، فذلك مثل من [¬٣] يتبعهم بعد المعرفة بمحمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ومحمد هو الذي يدعو إلى الطريق، والطريق هو الإِسلام. رواه ابن جرير (١٢٨). وقال قتادة: ﴿اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ فِي الْأَرْضِ﴾ أضلته في الأرض. يعني استهوته [سيرته، كقوله] [¬٤]: ﴿تَهْوِي إِلَيْهِمْ﴾. وقال [] [¬٥] بن أبي طلحة، عن ابن عباس في قوله: ﴿قُلْ أَنَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُنَا وَلَا يَضُرُّنَا﴾ الآية: هذا مثل ضربه الله للآلهة ومن يدعو [¬٦] إليها، وللدعاة الذين يدعون إلى هدى [¬٧] الله كمثل رجل ضل عن الطريق تائهًا [] [¬٨] ضالًا، إذ ناداه مناد: يا فلان بن فلان، هلم إلى الطريق، وله أصحاب يدعونه: يا فلان هلم إلى الطريق، فإن اتبع الداعي الأول انطلق به حتى يلقيه إلى الهلكة، وإن أجاب من يدعوه إلى الهدى اهتدى إلى الطريق، وهذه الداعية التي تدعو في البرية من الغيلان، يقول [¬٩]: مثل من يعبد هذه الآلهة من دون الله، فإنه يرى أنه في شئ حتى يأتيه الموت، فيستقبل الندامة والهلكة، وقوله: ﴿كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ فِي الْأَرْضِ﴾ هم الغيلان ﴿يَدْعُونَهُ﴾ باسمه واسم أبيه وجده، فيتبعها وهو [¬١٠] يرى أنه في شيء، فيصبح وقد ألقته في هلكة، وربما أكلته أو تلقيه في مضلة من الأرض، يهلك فيها عطشًا، فهذا مثل من أجاب الآلهة التي تعبد من دون الله . رواه ابن جرير (١٢٩).

стр. 2536

وقال ابن أبي نجيح: عن مجاهد ﴿كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ فِي الْأَرْضِ حَيْرَانَ﴾ قال: رجل حيران يدعوه أصحابه إلى الطريق، وذلك مثل من يضل بعد أن [¬١] هدي. وقال العوفي: عن ابن عباس قوله: ﴿كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ فِي الْأَرْضِ حَيْرَانَ لَهُ أَصْحَابٌ﴾ هو [¬٢] الذي لا يستجيب لهدى [¬٣] الله، وهو رجل أطاع الشيطان، وعمل في الأرض بالمعصية، وحاد [¬٤] عن الحق وضل عنه، وله أصحاب يدعونه إلى الهدى، ويزعمون أن الذي يأمرونه هدى، يقول الله ذلك لأوليائهم من الإِنس: يقول الله [¬٥]: ﴿إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ﴾ والضلال ما يدعو إليه الجن. رواه ابن جرير (١٣٠)، ثم قال: وهذا يقتضي [¬٦] أن أصحابه يدعونه إلى ضلال ويزعمون أنه هدى. قال: وهذا خلاف ظاهر الآية؛ فإن الله أخبر أن أصحابه يدعونه إلى الهدى، فغير جائز أن يكون ضلالًا وقد أخبر الله أنه هدى. وهو كما قال ابن جرير؛ [فإن السياق] [¬٧] يقتضي أن هذا الذي استهوته الشياطين في الأرض حيران، وهو منصوب على الحال، أي: في حال حيرته وضلاله وجهله وجه [¬٨] المحجة، وله أصحاب على المحجة سائرون فجعلوا يدعونه إليهم وإلى الذهاب معهم على الطريقة المثلى، وتقدير الكلام: فيأبى عليهم ولا يلتفت إليهم، ولو شاء الله لهداه ولرد به إلى الطريق؛ ولهذا قال: ﴿قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى﴾، كما قال: ﴿[وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُضِلٍّ] [¬٩]﴾، وقال: ﴿إِنْ تَحْرِصْ عَلَى هُدَاهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾. وقوله: ﴿وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ أي: نخلص له العبادة وحده لا شريك له. ﴿وَأَنْ أَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَاتَّقُوهُ﴾ أي: وأمرنا بإقامة الصلاة وبتقواه في جميع الأحوال ﴿وَهُوَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ أي: يوم القيامة.

стр. 2537

﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ﴾ أي: بالعدل، فهو خالقهما ومالكهما والمدبر لهما ولمن فيهما. وقوله: ﴿وَيَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ يعني: يوم القيامة، الذي يقول الله: كن فيكون عن أمره كلمح البصر أو هو أقرب، ويوم منصوب إما على العطف على قوله: ﴿وَاتَّقُوهُ﴾ وتقديره: واتقوا يوم يقول: كن فيكون وإما على قوله: ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ أي: وخلق يوم يقول: كن فيكون فذكر بدء الخلق وإعادته وهو مناسب، وإما على إضمار فعل تقديره: واذكر يوم يقول: كن فيكون. وقوله [¬١]: ﴿قَوْلُهُ الْحَقُّ وَلَهُ الْمُلْكُ﴾ جملتان محلهما الجر على أنهما صفتان لرب العالمين. وقوله: ﴿يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ﴾ يحتمل أن يكون بدلًا من قوله: ﴿وَيَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ ﴿يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ﴾ ويحتمل أن يكون ظرفًا لقوله [¬٢]: ﴿وَلَهُ الْمُلْكُ يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ﴾ كقوله: ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾، وكقوله: ﴿الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ وَكَانَ يَوْمًا عَلَى الْكَافِرِينَ عَسِيرًا﴾ وما أشبه ذلك. واختلف المفسرون في قوله: ﴿يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ﴾ فقال بعضهم: المراد بالصور هنا [¬٣] جمع صورة، أي: يوم ينفخ فيها فتحيا. قال ابن جرير [¬٤]: كما يقال: سور لسور البلد، وهو جمع سورة. والصحيح: أن المراد بالصور القرن الذي ينفخ فيه إسرافيل ﵇، قال ابن جرير: والصواب عندنا ما تظاهرت به الأخبار عن رسول الله ﵌ أنه قال: "إن إسرافيل قد التقم الصور، وحنى جبهته، ينتظر متى يؤمر فينفخ" (١٣١).

стр. 2538

وقال الإِمام أحمد (١٣٢): حدثنا إسماعيل، حدثنا سليمان التيمي، عن أسلم العجلي، عن بشر بن شغَاف [¬١]، عن عبد الله بن عمرو، قال: قال أعرابي: يا رسول الله، ما الصور؟ قال: "قرن ينفخ فيه". وقد روينا حديث الصور بطوله: من طريق الحافظ أبي القاسم الطبراني في كتابه "الطوالات" (١٣٣)، قال [¬٢]: حدثنا أحمد بن الحسن المصري [¬٣] [الأيلي] [¬٤]، حدثنا أبو عاصم النبيل، حدثنا إسماعيل بن رافع، عن محمد بن زياد، عن محمد بن كعب القرظي، عن

стр. 2539

أبي هريرة ﵁ قال: حدثنا رسول الله ﵌ وهو في طائفة من أصحابه فقال: "إن الله لما فرغ من خلق السموات والأرض، خلق الصور فأعطاه إسرافيل، فهو واضعه على فيه، شاخصًا بصره إلى العرش، ينتظر متى يؤمر". قلت: يا رسول الله وما

стр. 2540

الصور؟ قال: "القرن". قلت: كيف هو؟ قال: "عظيم والذي بعثني بالحق، إن عظم دارة فيه كعرض [¬١] السموات والأرض، ينفخ فيه ثلاث نفخات؛ النفخة الأولى نفخة الفزع، والثانية نفخة الصعق، والثالثة نفخة القيام [¬٢] لرب العالمين، يأمر الله تعالى إسرافيل بالنفخة الأولى فيقول: انفخ، فينفخ [نفخة الفزع] [¬٣]، فيفزع أهل السموات والأرض إلا من شاء الله، ويأمره فيطيلها ويديمها ولا يفتر، وهي كقول الله: ﴿وَمَا يَنْظُرُ هَؤُلَاءِ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً مَا لَهَا مِنْ فَوَاقٍ﴾ فيسير الله الجبال فتمر مر السحاب فتكون سرابًا. ثم ترتج الأرض بأهلها راجًا، فتكون كالسفينة المرمية في البحر تضربها الأمواج، تكفأ بأهلها كالقنديل المعلق [بالعرش] [¬٤] ترجرجه الرياح، وهي الذي [¬٥] يقول: ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ (٦) تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ (٧) قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ وَاجِفَةٌ﴾ فيميد الناس على ظهرها، وتذهل المراضع، وتضع الحوامل، وتشيب [¬٦] الولدان، وتطير الشياطين هاربة من الفزع حتى تأتي الأقطار، فتأتيها الملائكة فتضرب وجوهها فترجع، ويولي الناس مدبرين ما لهم من أمر الله من عاصم، ينادي بعضهم بعضًا [¬٧]، وهو الذي يقول الله تعالى: ﴿يَوْمَ التَّنَادِ﴾. فبينما هم على ذلك، إذ انصدعت الأرض في قطر إلى قطر، فرأوا أمرًا عظيمًا لم يروا مثله، وأخذهم لذلك من [¬٨] الكرب والهول ما الله به عليم، ثم ينظروا [¬٩] إلى السماء فإذا هي كالمهل، ثم انشقت السماء [¬١٠] فانتثرت نجومها، وانخسفت شمسها وقمرها". قال رسول الله ﵌: "الأموات لا يعلمون بشيء من ذلك". قال أبو هريرة: يا رسول الله، من استثنى الله حين يقول: ﴿فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ﴾؟ قال: "أولئك الشهداء، وإنما يصل الفزع إلى الأحياء وهم أحياء عند ربهم [¬١١] يرزقون، وقاهم الله فزع ذلك اليوم وآمنهم منه، وهو عذاب الله يبعثه على شرار خلقه - قال: وهو الذي يقول الله : ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ (١) يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ

стр. 2541

ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾ فيكونون في ذلك البلاء [¬١] ما شاء الله أن [¬٢] يطول. ثم يأمر الله إسرافيل بنفخة الصعق، فينفخ نفخة الصعق، فيصعق أهل السموات والأرض إلا من شاء الله، فإذا هم قد خمدوا، وجاء [¬٣] ملك الموت إلى الجبار فيقول: يا رب، قد مات أهل السموات والأرض إلا من شئت. فيقول الله وهو أعلم بمن بقي: فمن بقي؟ فيقول: يا رب بقيت أنت الحي الذي لا يموت، وبقيت حملة العرش، وبقي جبريل وميكائيل، [وبقيت أنا. فيقول الله : ليمت جبريل وميكائيل] [¬٤]. فينطق الله العرش فيقول: يا رب يموت جبريل وميكائيل. فيقول: اسكت، فإني كتبت الموت على كل من كان تحت عرشي. فيموتان، ثم يأتي ملك الموت إلى الجبار فيقول: يا رب قد مات جبريل وميكائيل. فيقول الله وهو أعلم بمن بقي: فمن بقي؟ فيقول: بقيت أنت الحي الذي لا يموت [¬٥] وبقيت حملة عرشك [وبقيت أنا] [¬٦]. فيقول الله: ليمت حملة العرش [¬٧]. فيموتوا، ويأمر الله العرش فيقبض الصور من إسرافيل، ثم يأتي ملك الموت فيقول: يا رب قد مات حملة عرشك. فيقول الله وهو أعلم بمن بقي فمن بقي فيقول: يا رب بقيت أنت الحي الذي لا يموت وبقيت أنا. فيقول الله: أنت خلق من خلقي، خلقتك لما رأيت، فمت. فيموت، فإذا لم يبق إلا الله الواحد القهار الأحد الصمد [¬٨] الذي لم يلد ولم يولد كان آخرًا كما كان أولا، طوى السموات والأرض [طي السجل للكتب] [¬٩]، ثم دحاهما، ثم تلقفهما [¬١٠] ثلاث مرات، ثم يقول: أنا الجبار، أنا الجبار، [أنا الجبار] [¬١١]، ثلاثًا ثم هتف بصوته: ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ﴾ [] [¬١٢] ثلاث مرات [¬١٣]، فلا يجيبه أحد، ثم يقول لنفسه: ﴿لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ يقول الله: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ﴾ فيبسطهما ويسطحهما [¬١٤]، ثم يمدهما مد الأديم العكاظي [¬١٥] ﴿لَا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلَا أَمْتًا﴾. ثم [¬١٦] يزجر الله الخلق زجرة واحدة [¬١٧]، فإذا هم في هذه الأرض [¬١٨] المبدلة مثل ما كانوا

стр. 2542

فيها من الأولى، من كان في بطنها كان في بطنها، ومن كان على ظهرها كان على ظهرها، ثم ينزل الله عليهم ماء من تحت العرش، ثم يأمر اللّه السماء أن [¬١] تمطر، فتمطر أربعين يومًا حتى يكون الماء فوقهم اثني عشر ذراعًا، ثم يأمر الله الأجساد أن تنبت، فتنبت كنبات الطراثيث أو كنبات البقل، حتى إذا تكاملت أجسادهم فكانت كما كانت، قال الله : ليحيى حملة عرشي فيحيون، ويأمر الله إسرافيل فيأخذ الصور فيضعه على فيه، ثم يقول: ليحيى جبريل وميكائيل فيحييان، ثم يدعو الله الأرواح فيؤتى بها، تتوهج أرواح المسلمين نورًا، وأرواح الكافرين ظلمة، فيقبضها جميعًا ثم يلقيها في الصور. ثم يأمر الله إسرافيل أن ينفخ نفخة البعث، [فيفخ نفخ البعث] [¬٢]، فتخرج الأرواح كأنها النحل قد ملأت ما بين السماء والأرض، فيقول: وعزتي وجلالي ليرجعن كل روح إلى جسده، فتدخل [¬٣] الأرواح في الأرض إلى الأجساد فتدخل في الخياشيم، ثم تمشي في الأجساد كما يمشي السم في اللديغ، ثم تنشق الأرض عنكم، وأنا أوّل من تنشق الأرض عنه، فتخرجون سراعًا إلى ربكم تنسلون ﴿مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ [¬٤] يَقُولُ الْكَافِرُونَ هَذَا يَوْمٌ عَسِرٌ﴾ حفاة عراة غلفًا [¬٥] غرلًا، فتقفون [¬٦] موقفًا واحدًا مقداره سبعون عامًا، لا ينظر إليكم ولا يقضى بينكم، فتبكون حتى تنقطع الدموع، ثم تدمعون دمًا، وتعرقون حتى يلجمكم العرق [¬٧] أو يبلغ الأذقان، وتقولون [¬٨]: من يشفع لنا إلى ربنا فيقضي بيننا، فتقولون [¬٩] من أحق بذلك من أبيكم آدم؛ خلقه الله بيده، ونفخ فيه من روحه، وكلمه قبلًا، فتأتون آدم فتطلبون ذلك إليه فيأبى، ويقول: ما أنا بصاحب ذلك، فيستقرئون الأنبياء نبيًّا نبيًّا، كلما جاءوا نبيًّا أبى عليهم - قال رسول الله ﷺ "حتى يأتوني فأنطلق إلى الفحص فأخر ساجدًا" قال أبو هريرة: يا رسول الله وما الفحص؟ قال: "قدّام العرش - حتى يبعث اللَّه إليَّ ملكًا، فيأخذ بعضدي ويرفعني [¬١٠]، فيقول لي: يا [¬١١]، محمد، فأقول: نعم يا رب، فيقول الله : ما شأنك؟ - وهو أعلم فأقول: يا رب وعدتني الشفاعة فشفعني في خلقك فاقض بينهم، قال الله [¬١٢]: قد شفعتك أنا آتيكم أقضي بينكم. قال رسول الله ﷺ : "فأرجع فأقف مع الناس، فبينما نحن وقوف إذ سمعنا من السماء حسًا شديدًا فهالنا، فنزل أهل السماء الدنيا بمثلي من في الأرض من الجن

стр. 2543

والإنس، حتى إذا دنوا من الأرض، أشرقت الأرض بنورهم وأخذوا مصافهم، وقلنا لهم: أفيكم ربنا؟ قالوا: لا، [وهو آت. ثم ينزل أهل السماء الثانية بمثلي من نزل من الملائكة، وبمثلي من فيها من الجن والإِنس، حتى إذا دنوا من الأرض أشرقت الأرض بنورهم وأخذوا مصافهم، وقلنا لهم: أفيكم ربنا؟ فيقولون: لا، وهو آت] [¬١]. ثم ينزلون على قدر ذلك من التضعيف، حتى ينزل الجبار في ظلل من الغمام والملائكة، ويحمل عرشه يومئذ ثمانية، وهم اليوم أربعة، أقدامهم في تخوم الأرض السفلى، والأرض والسماوات إلى حجزتهم، والعرش على مناكبهم، لهم زجل في تسبيحهم، يقولون: سبحان ذي العرش والجبروت، سبحان ذي الملك والملكوت، سبحان الحي الذي لا يموت، سبحان الذي يميت الخلائق ولا يموت، سبوح قدوس قدوس قدوس، سبحان ربنا الأعلى رب الملائكة والروح، سبحان ربنا الأعلى الذي يميت الخلائق ولا يموت، فيضع الله كرسيه حيث يشاء [¬٢] من أرضه، ثم يهتف بصوته: يا معشر الجن والإِنس: إني قد أنصت لكم منذ خلقتكم إلى يومكم هذا، أسمع قولكم وأبصر أعمالكم [فأنصتوا إليَّ، فإنما هي أعمالكم] [¬٣] وصحفكم تقرأ عليكم، فمن وجد خيرًا فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه. ثم يأمر الله جهنم فيخرج منها عنق ساطع، ثم يقول: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَابَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (٦٠) وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (٦١) وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلًّا كَثِيرًا أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ (٦٢) هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ - أو [¬٤]: بها تكذبون، [شك أبو عاصم] [¬٥]- ﴿وَامْتَازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ﴾ فيميز الله الناس وتجثوا الأمم. يقول الله تعالى: ﴿وَتَرَى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعَى إِلَى كِتَابِهَا [الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ] [¬٦]﴾ فيقضي الله بين خلقه إلا الثقلين: الجن والإِنس، فيقضي بين الوحوش [¬٧] والبهائم، حتى إنه ليقتص [¬٨] للجماء من ذات القرن، فإذا فرغ من ذلك، فلم تبق تبعة عند واحدة للأخرى، قال الله لها [¬٩]: كوني ترابًا، فعند ذلك يقول الكافر: ﴿يَالَيْتَنِي كُنْتُ تُرَابًا﴾. ثم يقضي الله بين العباد، فكان أوّل ما يقضي فيه الدماء، ويأتي كل قتيل في سبيل الله، ويأمر الله كل قتيل فيحمل رأسه تشخب أوداجه،

стр. 2544

فيقول [¬١]: يا رب فيم قتلني هذا؟ فيقول - وهو أعلم - فيم قتلتهم؟ فيقول: قتلتهم لتكون العزة لك، فيقول الله له: صدقت، فيجعل الله وجهه مثل نور الشمس، ثم تمر به الملائكة إلى الجنة، ثم [¬٢] يأتي كل من قتل على [¬٣] غير ذلك يحمل رأسه و [¬٤] تشخب أوداجه، فيقول: يا رب فيم [¬٥] قتلني هذا؟ فيقول - وهو أعلم: لم قتلتهم؟ فيقول: يا رب قتلتهم لتكون العزة لك ولي، فيقول [¬٦]: تعست، ثم لا تبقى نفس قتلها إلا قتل [¬٧] بها، [ولا مظلمة ظلمها إلا أخذ بها، وكان في مشيئة الله إن شاء عذبه وإن شاء رحمه. ثم يقضي الله تعالى بين من بقي من خلقه] [¬٨]، حتى لا تبقى مظلمة لأحد عند أحد إلا أخذها الله [¬٩] للمظلوم من الظالم، حتى إنه ليكلف شائب اللبن بالماء ثم يبيعه: [] [¬١٠] أن يخلص اللبن من الماء. فإذا فرغ الله من ذلك نادى مناد يسمع الخلائق كلهم: ألا ليلحق كل قوم بآلهتهم [وما كانوا يعبدون من دون الله، فلا يبقى أحد عبد من دون اللَّه إلا مثلت له آلهته بين يديه، ويجعل يومئذ ملك من الملائكة على صورة عزير، ويجعل ملك من الملائكة على صورة عيسى ابن مريم، ثم يتبع هذا اليهود وهذا النصارى، ثم قادتهم آلهتهم] [¬١١] إلى النار، وهو الذي يقول ﴿لَوْ كَانَ هَؤُلَاءِ آلِهَةً مَا وَرَدُوهَا وَكُلٌّ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ فإذا لم يبق إلا المؤمنون فيهم المنافقون، جاءهم الله فيما شاء من هيئته فقال: يا أيها الناس، ذهب الناس فالحقوا بآلهتكم وما [¬١٢] كنتم تعبدون. فيقولون: والله ما لنا إله إلا الله وما كنا نعبد غيره. [فينصرف عنهم وهو الله الذي يأتيهم، فيمكث ما شاء الله أن يمكث، ثم يأتيهم فيقول: يا أيها، الناس ذهب الناس فالحقوا بآلهتكم وما كنتم تعبدون. فيقولون: والله ما لنا إله إلا الله وما كنا نعبد غيره] [¬١٣]. فيكشف لهم عن ساقه، ويتجلى لهم من عظمته ما يعرفون أنه ربهم، فيخرون للأذقان [¬١٤] سجدًا على وجوههم، ويخر كل منافق على قفاه، ويجعل الله أصلابهم كصياصي البقر، ثم يأذن الله لهم فيرفعون، ويضرب الله الصراط بين ظهراني جهنم كحد الشفرة [¬١٥] أو كحد السيف، عليه كلاليب وخطاطيف وحسك كحسك السعدان، دونه

стр. 2545

جسر دحض [¬١] مزلة، فيمرون كطرف العين، أو كلمح البرق، أو كمر الريح، أو كجياد الخيل، أو كجياد الركاب، أو كجياد الرجال، فناج سالم، وناج مخدوش، ومكردس على وجهه في جهنم. فإذا أفضى أهل الجنة إلى الجنة، قالوا: من يشفع لنا إلى ربنا فندخل الجنة؟ فيقولون: من أحق بذلك من أبيكم آدم ﵇؛ خلقه الله بيده، ونفخ فيه من روحه، وكلمه قبلًا. فيأتون آدم فيطلب [¬٢] ذلك إليه، فيذكر ذنبًا ويقول: ما أنا بصاحب ذلك، ولكن عليكم بنوح، فإنه أول رسل الله، فيؤتى نوح فيطلب ذلك إليه، فيذكر ذنبًا ويقول: ما أنا بصاحب ذلك، ويقول: عليكم بإبراهيم، فإن الله اتخذه خليلًا، فيؤتى إبراهيم فيطلب ذلك إليه، فيذكر ذنبًا ويقول: ما أنا بصاحب ذلك، ويقول: عليكم بموسى؛ فإن الله قربه نجيًّا وكلمه وأنزل عليه التوراة، فيؤتى موسى فيطلب ذلك إليه، فيذكر ذنبًا ويقول: لست بصاحب ذلك، ولكن عليكم بروح الله وكلمته عيسى ابن مريم، فيؤتى عيسى ابن مريم فيطلب ذلك إليه، فيقول: ما أنا بصاحبكم ولكن عليكم بمحمد - قال رسول الله ﷺ فيأتوني ولي عند ربي ثلاث شفاعات وعدنيهن [¬٣]، فأنطلق فآتي الجنة، فآخذ بحلقة الباب فأستفتح فيفتح [¬٤] لي، فأحيا ويرحب بي، فإذا دخلت الجنة فنظرت إلى ربي خررت ساجدًا، فيأذن الله لي من تحميده [¬٥] وتمجيده بشيء ما أذن به لأحد من خلقه، ثم يقول: ارفع رأسك [¬٦] يا محمد، واشفع تشفع وسل تعط [¬٧]. فإذا رفعت رأسي يقول [¬٨] الله - وهو أعلم -: ما شأنك؟ فأقول: يا رب وعدتني الشفاعة فشفعني [¬٩] في أهل الجنة فيدخلون الجنة. فيقول الله: قد شفعتك وقد أذنت لهم في دخول الجنة". وكان رسول الله ﷺ يقول: "والذي نفسي بيده، ما أنتم في الدنيا بأعرف بأزواجكم ومساكنكم من أهل الجنة بأزواجهم ومساكنهم، فيدخل كل رجل منهم على [¬١٠] اثنتين [¬١١] وسبعين زوجة؛ سبعين [¬١٢] مما ينشيء الله ، واثنتين آدميتين من ولد آدم، لهما فضل على من أنشأ الله لعبادتهم [¬١٣] الله في الدنيا، فيدخل على الأولى في غرفة من ياقوتة، على سرير من ذهب مكلل باللؤلؤ، عليها [سبعون زوجًا] [¬١٤] من سندس

стр. 2546

وإِستبرق، ثم إنه يضع يده بين كتفيها، ثم ينظر إلى يده من صدرها، ومن وراء ثيابها وجلدها ولحمها، وإنه لينظر إلى مخ ساقها، كما ينظر [أحدكم إلى] [¬١] السلك في قصبة الياقوت، كبدها له مرآة وكبده لها مرآة، فبينا هو عندها لا يملها ولا تمله، ما يأتيها من مرة إلا وجدها عذراء، ما يفتر ذكره وما يشتكي قبلها، فبينا هو كذلك إذ نودي: إنا قد عرفنا أنك لا تَمل ولا تُمل إلا أنه لا مني ولا منية، إلا أن لك أزواجًا غيرها، فيخرج فيأتيهن [¬٢] واحدة واحدة، كلما أتى واحدة قالت له [¬٣]: والله ما أرى في الجنة شيئًا أحسن منك، ولا في الجنة شيء أحب إلى منك. وإذا وقع أهل النار في النار، وقع فيها خلق من خلق ربك أوبقتهم أعمالهم، فمنهم من تأخذ النار قدميه لا تجاوز ذلك [¬٤]، ومنهم من تأخذه إلى أنصاف ساقيه، ومنهم من تأخذه إلى ركبتيه، ومنهم من تأخذه إلى حقويه، ومنهم من تأخذ جسده كله إلا وجهه، حرم اللَّه صورته عليها" - قال رسول الله ﷺ : "فأقول [¬٥]: يا رب [شفعني فيمن] [¬٦] وقع في النار من أمتي. فيقول: أخرجوا من عرفتم. فيخرج أولئك حتى لا يبقى منهم أحد، ثم يأذن الله في الشفاعة، فلا يبقى نبي ولا شهيد إلا شفع، فيقول الله: أخرجوا من وجدتم في قلبه زنة دينار [¬٧] إيمانًا، فيخرج أولئك حتى لا يبقى منهم أحد، ثم يشفع اللَّه فيقول: أخرجوا من وجدتم [¬٨] في قلبه إيمانًا ثلثي دينار، ثم يقول: ثلث دينار، ثم يقول: ربع دينار، ثم يقول: قيراطًا [¬٩]، ثم يقول: حبة من خردل، فيخرج [¬١٠] أولئك حتى لا يبقى منهم أحد [¬١١]، وحتى لا يبقى في النار من عمل لله خيرًا قط، ولا يبقى أحد له شفاعة إلا شفع، حتى إن إبليس يتطاول [¬١٢] مما يرى من رحمة الله رجاء أن يشفع له، ثم يقول: بقيت وأنا أرحم الراحمين، فيدخل يده في جهنم فيخرج منها ما لا يحصيه غيره كأنهم حمم، فيلقون على نهر يقال له: نهر الحيوان، فينبتون كما تنبت الحبة في حميل السيل، [فما يلي] [¬١٣] الشمس منها أخيضر، وما يلي الظل منها أصيفر، فينبتون كنبات الطراثيث حتى يكونوا أمثال الذر، مكتوب في رقابهم الجهنميون عتقاء الرحمن، يعرفهم أهل الجنة بذلك الكتاب ما عملوا خيرًا لله قط، فيمكثون في الجنة ما شاء الله وذلك الكتاب في رقابهم، ثم يقولون:

стр. 2547

ربنا امح عنا هذا الكتاب، فيمحوه [¬١] الله عنهم". هذا حديث مشهور [¬٢]، وهو غريب جدًّا، ولبعضه شواهد في الأحاديث المتفرقة، وفي بعض ألفاظه نكارة، تفرد به إسماعيل بن رافع قاص أهل المدينة وقد اختلف فيه؛ فمنهم من وثقه، ومنهم من ضعفه، ونص على نكارة حديثه غير واحد من الأئمة: كأحمد بن حنبل وأبي حاتم الرازي وعمرو بن علي الفلاس، ومنهم من قال فيه: هو متروك، وقال ابن عدي: أحاديثه كلها فيها نظر، إلا أنه يكتب حديثه في جملة الضعفاء. قلت: وقد اختلف عليه في إسناد هذا الحديث على وجوه كثيرة، قد أفردتها في جزء على حدة، وأما سياقه فغريب جدًّا، ويقال: إنه جمعه من أحاديث كثيرة، وجعله سياقًا واحدًا، فأنكر عليه بسبب ذلك، وسمعت شيخنا الحافظ أبا [¬٣] الحجاج المزي يقول: إنه رأى للوليد بن مسلم مصنفًا، قد جمع فيه كل الشواهد لبعض مفردات هذا الحديث. فالله أعلم [¬٤].

стр. 2548

﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا آلِهَةً إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٧٤) وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ (٧٥) فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ (٧٦) فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ (٧٧) فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَاقَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (٧٨) إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٧٩)﴾. قال الضحاك، عن ابن عباس: إن أبا إبراهيم لم يكن اسمه آزر، وإنما [¬١] كان اسمه تارح [¬٢]. رواه ابن أبي حاتم (١٣٤). وقال أيضًا (١٣٥): حدثنا أحمد بن عمرو بن أبي عاصم النبيل، حدثنا أبي، حدثنا أبو عاصم [أنا] [¬٣] شبيب، حدثنا عكرمة، عن ابن عباس في قوله: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ﴾ يعني: بآزر الصنم، وأبو إبراهيم اسمه تارح [¬٤]، وأمّه اسمها مثاني، وامرأته اسمها سارة، وأم إسماعيل اسمها هاجر وهي سرية إبراهيم. وهكذا قال غير واحد من علماء النسب: إن اسمه تارح [¬٥].

стр. 2549

وقال مجاهد والسدي: آزر اسم صنم. قلت: كأنه غلب عليه آزر لخدمته ذلك الصنم، فالله أعلم. وقال ابن جرير وقال آخرون: هو سب وعيب بكلامهم ومعناه مِعْوجٌ، ولم يسنده ولا حكاه عن أحد. وقد قال ابن أبي حاتم (١٣٦): ذكر عن معتمر بن سليمان: سمعت أبي يقرأ: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ﴾ قال [¬١]: بلغني أنها أعوج، وأنها أشد كلمة قالها إبراهيم ﵇. ثم قال ابن جرير: والصواب أن اسم أبيه آزر، ثم أورد على نفسه قول النسابين أن اسمه تارح [¬٢]، ثم أجاب: بأنه قد يكون له اسمان كما لكثير من الناس، أو يكون أحدهما لقبًا، وهذا الذي قاله جيد قوي والله أعلم. واختلف القراء في أداء قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ﴾ فحكى ابن جرير عن الحسن البصري وأبي يزيد المدني [¬٣]: أنهما كانا يقرآن: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا آلِهَةً﴾ معناه: يا آزر أتتخذ أصناما آلهة. وقرأ الجمهور بالفتح، إما على أنه علم أعجمي لا ينصرف وهو بدل من قوله ﴿لِأَبِيهِ﴾، أو عطف بيان وهو أشبه. وعلى قول من جعله نعتًا لا ينصرف أيضًا كأحمر وأسود. فأما من زعم أنه [¬٤] منصوب لكونه معمولًا لقوله: ﴿أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا﴾ تقديره: يا أبت أتتخذ آزر أصنامًا آلهة، فإنه قول بعيد في اللغة؛ لأن ما بعد حرف الاستفهام لا يعمل فيما قبله؛ لأن له صدر الكلام، كذا قرره ابن جرير وغيره، وهو مشهور في قواعد العربية. والمقصود أن إبراهيم ﵇ وعظ أباه في عبادة الأصنام، وزجره عنها ونهاه فلم ينته، كما قال: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا آلِهَةً﴾ أي: أتتأله لصنم تعبده من دون الله ﴿إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ﴾ أي: السالكين مسلكك ﴿فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ أي: تائهين لا يهتدون

стр. 2550

أين يسلكون، بل في حيرة وجهل، وأمركم في الجهالة [والضلال بيِّن واضح لكل ذي] [¬١] عقل صحيح. وقال تعالى: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا (٤١) إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ يَاأَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا (٤٢) يَاأَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا (٤٣) يَاأَبَتِ لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا (٤٤) يَاأَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا (٤٥) قَالَ أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يَا إِبْرَاهِيمُ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا (٤٦) قَالَ سَلَامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا (٤٧) وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُو رَبِّي عَسَى أَلَّا أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيًّا﴾ فكان إبراهيم ﵇ يستغفر لأبيه مدة حياته، فلما مات على الشرك، وتبين إبراهيم ذلك رجع عن الاستغفار له وتبرأ منه، قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ﴾. وثبت في الصحيح (١٣٧): " أن إبراهيم يلقى أباه آزر يوم القيامة، فيقول له آزر [¬٢]: يا بني اليوم لا أعصيك، فيقول إبراهيم: أي رب، ألم تعدني أنك لا تخزني يوم يبعثون [¬٣]، وأي خزي أخزى من أبي الأبعد؟ فيقال: يا إبراهيم، انظر ما وراءك. فإذا هو بذِيخ [¬٤] متلطخ، فيؤخذ بقوائمه فيلقى في النار". وقوله: ﴿وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [أي: نبين له وجه الدلالة في نظره إلى خلقهما، على وحدانية الله في ملكه وخلقه، وأنه لا إله غيره ولا رب سواه، كقوله: ﴿قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾] [¬٥]، وقال: ﴿[أَوَلَمْ] [¬٦] يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾، وقال: ﴿أَفَلَمْ يَرَوْا [¬٧] إِلَى مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنْ نَشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ﴾. وأما ما حكاه ابن جرير وغيره: عن مجاهد وعطاء: سعيد بن جبير والسدي وغيرهم قالوا - واللفظ لمجاهد -: فرجت له السموات فنظر إلى ما فيهن، حتى انتهى بصره إلى العرش،

стр. 2551

وفرجت له الأرضون السبع فنظر إلى ما فيهن. وزاد غيره: فجعل ينظر إلى العباد على المعاصي ويدعو عليهم، فقال الله له: إني أرحم بعبادي منك، لعلهم أن يتوبوا [أو يرجعوا] [¬١]. وقد روى ابن مردويه في ذلك حديثين مرفوعين عن معاذ (١٣٨) وعلى (١٣٩)، ولكن لا يصح إسنادهما والله أعلم. وروى ابن أبي حاتم (١٤٠): من طريق العوفي، عن ابن عباس في قوله: ﴿وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ﴾: فإنه [تعالى جلَّا له] [¬٢] الأمر سره وعلانيته، فلم يخف عليه شيء من أعمال الخلائق، فلما جعل يلعن أصحاب الذنوب، قال الله: إنك لا [¬٣] تستطيع هذا. فرده الله [¬٤] كما كان قبل ذلك، فيحتمل أن يكون هذا كشف له عن بصره حتى رأى ذلك عيانًا، ويحتمل أن يكون عن بصيرته حتى شاهده بفؤاده وتحققه وعرفه، وعلم ما في ذلك من الحكم الباهرة والدلالات القاطعة، كما رواه الإِمام أحمد والترمذي وصححه (١٤١): عن معاذ بن جبل في حديث المنام: "أتاني ربي في أحسن صورة، فقال: يا محمد، فيم يختصم الملأ الأعلى؟ فقلت: لا أدري يا رب، فوضع كفه بين كتفي، حتى وجدت برد أنامله بين ثديي، فتجلى لي كل شيء وعرفت". وذكر الحديث. وقوله: ﴿وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ﴾ قيل: الواو زائدة، تقديره: وكذلك نري إبراهيم ملكوت السموات والأرض ليكون من الموقنين، كقوله: ﴿وَكَذَلِكَ [¬٥] نُفَصِّلُ الْآيَاتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ﴾.

стр. 2552

وقيل: بل هي على بابها، أي: نريه ذلك ليكون عالمًا وموقنًا. وقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ﴾ أي: تغثساه وستره ﴿رَأَى كَوْكَبًا﴾ أي: نجمًا ﴿قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ﴾ أي: غاب، قال محمَّد بن إسحاق بن يسار: الأفول الذهاب. وقال ابن جرير: يقال: أفل النجم يأفُل ويأفِل أفولًا وأفلًا إذا غاب، ومنه قول ذي الرمة: مَصَابِيحُ لَيْسَتْ باللَّوِاتِي تَقُودُها … نجومٌ [¬١] ولا بالآفِلَات الدَّوَالِكِ ويقال: أين أفلت عنا؟ بمعنى [¬٢]: أين غبت عنا. قال: ﴿لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ﴾ قال قتادة: علم أيضًا ربه دائم لا يزول، ﴿فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا﴾ أي: طالعًا ﴿قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ (٧٧) فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي﴾ أي: هذا المنير الطالع ربي ﴿هَذَا أَكْبَرُ﴾ أي: جرمًا من النجم ومن القمر وأكثر إضاءة ﴿فَلَمَّا أَفَلَتْ﴾ أي: غابت ﴿قَالَ يَاقَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (٧٨) إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ﴾ أي: أخلصت ديني [] [¬٣] وأفردت عبادتي ﴿لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ أي: خلقهما وابتدعهما على غير مثال سبق ﴿حَنِيفًا﴾ أي: في حال كوني حنيفًا، أي: مائلًا عن الشرك إلى التوحيد، ولهذا قال: ﴿وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ وقد اختلف المفسرون في هذا المقام؛ هل هو مقام كظر أو مناظرة؟ فروى ابن جرير (١٤٢): من طريق على بن أبي طلحة، عن ابن عباس ما يقتضي أنه مقام نظر، واختاره ابن جرءس مستدلًّا بقوله: ﴿لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي [لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ] [¬٤]﴾. وقال محمَّد بن إسحاق (١٤٣): قال ذلك حين خرج من السَّرَب الذي ولدته فيه أمه، حين تخوفت عليه [من نمرود] [¬٥] بن كنعان، لما كان [¬٦] قد أخبر بوجود [¬٧] مولود يكون ذهاب ملكه على يديه، فأمر بقتل الغلمان عامئذ، فلما حملت أم إبراهيم به وحان وضعها، ذهبت به إلى سرب ظاهر البلد، فولدت فيه إبراهيم وتركته هناك. ذكر أشياء من خوارق العادات، كما ذكرها غيره من المفسرين من السلف والخلف. والحق: أن إبراهيم ﵊ كان في هذا المقام مناظرًا لقومه، مبينًا لهم

стр. 2553

بطلان ما كانوا عليه من عبادة الهياكل والأصنام، فبين في المقام الأول مع أبيه خطأهم في عبادة الأصنام الأرضية، التي هي على صور [¬١] الملائكة السماوية ليشفعوا لهم إلى الخالق العظيم، الذي هم عند أنفسهم أحقر من أن يعبدوه، وإنما يتوسلون إليه بعبادة ملائكته؛ ليشفعوا لهم عنده في الرزق والنصر [¬٢]، وغير ذلك مما يحتاجون إليه. وبين في هذا المقام خطأهم وضلالهم في عبادة الهياكل: وهي الكواكب السيارة السبعة المتحيرة، وهي: القمر، وعطارد، والزهرة، والشمس، والمريخ، والمشتري، وزحل، وأشدهنّ إضاءة وأشرفهنّ [¬٣] عندهم: الشمس، ثم القمر، ثم الزهرة، فبين أولًا [صلوات الله وسلامه عليه] [¬٤]: أن هذه الزهرة لا تصلح للإِلهية؛ لأنها مسخرة مقدرة بسير معين، لا تزيغ عنه يمينًا ولا شمالًا، ولا تملك لنفسها تصرفًا، بل هي جرم من الأجرام خلقها الله منيرة، لما له في ذلك من الحكم العظيمة، وهي تطلع من المشرق ثم تسير فيما بينه وبين المغرب، حتى تغيب عن الأبصار فيه، ثم تبدو في الليلة القابلة على هذا المنوال، ومثل هذه لا تصلح للإِلهية، ثم انتقل إلى القمر فبين فيه مثل ما تقدم في النجم، ثم انتقل إلى الشمس كذلك [¬٥]، فلما انتفت الإِلهية عن هذه الأجرام الثلاثة، التي هي أنور ما تقع عليه [¬٦] الأبصار، وتحقق ذلك بالدليل القاطع؛ ﴿قَالَ يَاقَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ﴾ أي: أنا بريء من عبادتهن وموالاتهن، فإن كانت آلهة فكيدوني بها جميعًا ثم لا تنظرون [] [¬٧] ﴿إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٧٩)﴾ أي: إنما أعبد خالق هذه [¬٨] الأشياء ومخترعها ومسخرها ومقدرها ومدبرها، الذي بيده ملكوت كل شيء، و [¬٩] خالق كل شيء وربه ومليكه وإلهه، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٥٤)﴾ [الأعراف: ٥٤] وكيف يجوز أن يكون إبراهيم ناظرًا في هذا المقام، وهو الذي قال الله في حقه: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ (٥١) إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ﴾ الآيات، وقال تعالى: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٢٠) شَاكِرًا لِأَنْعُمِهِ اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٢١) وَآتَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ (١٢٢) ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٢٣)﴾، أو قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٦١)﴾] [الأنعام: ١٦١] [¬١٠].

стр. 2554

وقد ثبت في الصحيحين (١٤٤): عن أبي هريرة، عن رسول الله ﷺ أنه قال: "كل مولود، يولد على الفطرة"، وفي صحيح مسلم (١٤٥): عن عياض بن حمار: أن رسول الله ﷺ قال: "قال الله: إني خلقت عبادي حنفاء"، وقال الله في كتابه العزيز: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾، وقال تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾ ومعناه على أحد القولين كقوله: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ كما سيأتي بيانه. فإذا كان هذا في حق سائر الخليقة، فكيف يكون إبراهيم الخليل - الذي جعله الله أمة قانتًا لله حنيفًا ولم يكن [¬١] من المشركين - ناظرًا في هذا المقام، بل هو أولى الناس بالفطرة السليمة، والسجية المستقيمة [¬٢] بعد رسول الله ﷺ بلا شك ولا ريب، ومما يؤيد أنه كان في هذا المقام مناظرًا لقومه فيما كانوا فيه من الشرك لا ناظرًا - قوله تعالى: ﴿وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدَانِ وَلَا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئًا وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ (٨٠) وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٨١) الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ (٨٢) وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (٨٣)﴾

стр. 2555

يقول تعالى [مخبرًا عن خليله إبراهيم، حين] [¬١] جادله قومه فيما ذهب إليه من التوحيد، وناظروه بشبه [¬٢] القول، أنه [¬٣] قال: ﴿أَتُحَاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدَانِ [¬٤]﴾ أي: تجادلونى [¬٥] في أمر الله وأنه لا إله إلا هو، وقد بصرني وهداني إلى الحق، وأنا على بينة منه، فكيف ألتفت إلى أقوالكم [¬٦] الفاسدة [¬٧] وشبهكم الباطلة. وقوله: ﴿وَلَا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئًا﴾ أي: ومن الدليل على بطلان قولكم فيما ذهبتم إليه: أن هذه الآلهة التي تعبدونها لا تؤثر شيئًا، وأنا لا أخافها ولا أباليها، فإن كان لها صنع فكيدوني بها ولا تنظرون، بل عاجلوني بذلك. وقوله تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئًا﴾ استثناء منقطع، أي: لا يضر ولا ينفع إلا الله . ﴿وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ أي: أحاط علمه بجميع الأشياء فلا تخفى [¬٨] عليه خافية. ﴿أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ﴾ أي: فيما بينته لكم، فتعتبرون أن هذه الآلهة باطلة فتنزجروا عن عبادتها، وهذه الحجة نظير ما احتج بها [¬٩] نبي الله هود ﵇ على قومه عاد، فيما قص عنهم في كتابه حيث يقول ﴿قَالُوا يَاهُودُ مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِي آلِهَتِنَا عَنْ قَوْلِكَ وَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ (٥٣) إِنْ نَقُولُ إِلَّا اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ قَالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (٥٤) مِنْ دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لَا تُنْظِرُونِ (٥٥) إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا [إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٥٦)] [¬١٠]﴾. وقوله: ﴿وَكَيْفَ [¬١١] أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ﴾ أي: كيف أخاف من هذه الأصنام التي تعبدونها [¬١٢] من دون الله ﴿وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا [فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ] [¬١٣]﴾ قال ابن عباس وغير واحد من السلف: أي: حجة. وهذا كقوله تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾، وقوله تعالى: ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ﴾.

стр. 2556

وقوله: ﴿فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ أي: فأي الطائفتين أصوب: الذي عبد من بيده الضر والنفع، أو الذي عبد من لا يضر [¬١] ولا ينفع بلا دليل، أيهما أحق بالأمن من عذاب الله يوم القيامة؟ قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ (٨٢)﴾ [الأنعام: ٨٢] أي: هؤلاء الذين أخلصوا [¬٢] العبادة لله وحده لا شريك له، ولم يشركوا به شيئًا، هم الآمنون [¬٣] يوم القيامة، المهتدون في الدنيا والآخرة. قال البخاري (١٤٦): حدثنا محمَّد بن بشار، حدثنا ابن أبي عدي، عن شعبة، عن سليمان، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله، قال: لما نزلت: ﴿وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْم﴾ قال أصحابه؟ رأينا لم يطم نفسه؟ فنزلت: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾. وقال الإِمام أحمد (١٤٧): حدثنا أبو معارية، حدثنا الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله، قال: لما نزلت هذه الآية: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ شق ذلك على الناس، فقالوا [¬٤]: يا رسول الله، [أينا لم] [¬٥] يظلم نفسه؟ قال: "إنه ليس الذي تعنون، ألم تسمعوا ما قال العبد الصالح: ﴿يَابُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ إنما هو الشرك". وقال ابن أبي حاتم (١٤٨): حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا ركيع وابن إدريس، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله، قال: لما نزلت ﴿وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ

стр. 2557

بِظُلْمٍ﴾ شق ذلك على أصحاب رسول الله ﷺ ، قالوا: وأينا لم يظلم نفسه؟ فقال رسول الله ﷺ : "ليس كما تظنون، إنما قال [لقمان] [¬١] لابنه: ﴿يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ ". وحدثنا عمر بن شَبَّةَ النميري [¬٢]، حدثنا أبو أحمد، حدثنا سفيان، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله [بن مسعود] [¬٣]، عن النبي ﷺ في قوله: ﴿وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ قال: "بشرك". قال: وروي عن أبي بكر الصديق، وعمر، وأبي بن كعب، وسلمان، وحذيفة، وابن عباس، وابن عمر، وعمرو بن شرحبيل، وأبي عبد الرحمن السلمي، ومجاهد، وعكرمة، والنخعي، والضحاك، وقتادة، والسدي، [وغير واحد] [¬٤]: نحو ذلك. وقال ابن مردويه (١٤٩): حدثنا الشافعي، حدثنا محمَّد بن شداد المسمعي، حدثنا أبو عاصم، حدثنا سفيان الثوري، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله، قال: لما نزلت ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ [¬٥]﴾ قال رسول الله ﷺ : "قيل لي: أنت منهم". وقال الإِمام أحمد (١٥٠): حدثنا إسحاق بن يوسف، حدثنا أبو جناب، عن زاذان [¬٦] عن جرير بن عبد الله، قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ ، فلما برزنا من المدينة، إذا

стр. 2558

راكب يُوضِع [¬١] نحونا، فقال رسول الله ﷺ : "كأن هذا الراكب إياكم يريد". فانتهى إلينا الرجل فسلم فرددنا عليه، فقال له النبي ﷺ : "من أين أقبلت؟ " قال: من أهلي وولدي وعشيرتى. قال: " ما [¬٢] تريد؟ ". قال: أريد رسول الله ﷺ ، قال: "تعال [¬٣] فقد أصبته"، قال: يا رسول الله، علمني ما الإِيمان؟ قال: "أن [¬٤] تشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت"، قال: قد أقررت. قال: ثم إن بعيره دخلت يده في شبكة جرذان، فهوى بعيره وهوى الرجل فوقع على هامته فمات، فقال رسول الله ﷺ : "علي بالرجل". فوثب إليه عمار بن ياسر وحذيفة ابن اليمان فأقعداه، فقالا: يا رسول الله! قُبِضَ الرجل. قال: فأعرض عنهما رسول الله ﷺ ، ثم قال لهما رسول الله ﷺ : "أما رأيتما إعراضي عن الرجل، فإني رأيت ملكين يدسان في فيه من ثمار الجنة، فعلمت أنه مات جائعًا". ثم قال رسول الله ﷺ : "هذا من الذين قال الله فيهم ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ [أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ] [¬٥] (٨٢)﴾ [الأنعام: ٨٢]- ثم قال: "دونكم أخاكم". قال: فاحتملناه إلى الماء، فغسلناه وحنطناه وكفناه، وحملناه إلى القبر، فجاء رسول الله ﷺ حتى جلس على شفير القبر،

стр. 2559

فقال: "ألحدوا ولا تشقوا؛ فإن اللحد لنا، والشق لغيرنا". ثم رواه أحمد (١٥١) عن أسود بن عامر، عن [عبد الحميد بن أبي جعفر الفراء] [¬١]، عن ثابت، عن زاذان، عن جرير بن عبد الله: فذكر نحوه، وقال فيه: "هذا ممن عمل قليلًا وأجر كثيرًا". وقال ابن أبي حاتم (١٥٢): حدثنا أبي، حدثنا يوسف بن موسى القطان، حدثنا مهران بن أبي عمر، حدثنا [على بن عبد الأعلى] [¬٢]، عن أبي، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: كنا مع رسول الله ﷺ في مسير ساره، إذ عرض له أعرابي فقال: يا رسول الله، والذي بعثك بالحق، لقد خرجت من بلادي وتلادي ومالي لأهتدي بهداك، وآخذ من قولك، وما بلغتك حتى ما لي طعام إلا من خضر الأرض، فأعرض علي؛ فعرض عليه رسول الله ﷺ فقبل، فازدحمنا حوله فدخل خف بكره في بيت جرذان، فتردى الأعرابي فانكسرت عنقه، فقال رسول الله ﷺ : "صدق والذي بعثني بالحق، لقد خرج من بلاده وتلاده وماله ليهتدي بهداي، ويأخذ من قولي وما بلغني حتى ما له طعام إلا من خضر الأرض، أسمعتم بالذي عمل قليلًا وأجر كثيرًا؟ هذا منهم، أسمعتم بالذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم اُولئك لهم الأمن وهم مهتدون؟ فإن هذا منهم". [وفي لفظ قال: "هذا عمل قليلًا وأجر كثيرًا". وروى ابن مردويه (١٥٣) من حديث محمَّد بن المعُلَّى [¬٣] الكوفي وكان نزل الري، حدثنا زياد

стр. 2560

ابن خيثمة، عن أبي داود، عن عبد الله بن سخبرة، قال: قال رسول الله ﵌: "من أعطي فشكر، ومنع فصبر، وظَلم فاستغفر، وظُلم فغفر" وسكت، فقالوا: يا رسول الله ما له؟ قال: ﴿أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾] [¬١]. وقوله: ﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ﴾ أي: وجهنا حجته [على قومه] [¬٢]. قال مجاهد وغيره: يعني بذلك قوله ﴿وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ [إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ] [¬٣] (٨١)﴾ [الأنعام: ٨١]. وقد صدقه الله وحكم له بالأمن والهداية فقال: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ (٨٢)﴾ [الأنعام: ٨٢] ثم قال بعد ذلك كله: ﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ﴾. قرئ بالإِضافة وبلا إضافة [¬٤] كما في سورة يوسف، وكلاهما قريب في المعنى.
следующие страницы →