← Тафсир

Тафсир · id 1509

تفسير ابن كثير - ط أولاد الشيخ

ابن كثير

Полный текст (6 736 стр.). Показаны 2591–2630 · переход к 2596.

стр. 2591

أَعَاذِلَ ما يُدْرِيكِ أَنَّ مَنِيَّتِي … إلَي سَاعَةٍ في اليَومِ أَوْ فيِ ضُحَى الغَدِ وقد اختار هذا القول ابن جرير، وذكر عليه شواهد من أشعار العرب، والله أعلم. وقوله تعالى: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ قال العوفي (١٩٤)، عن ابن عباس في هذه الآية: لما جحد المشركون ما أنزل الله لم تثبت قلوبهم على شيء، ورُدَّت عن كل أمر. وقال مجاهد في قوله: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ﴾ ونحول بينهم وبين الإِيمان، ولو جاءتهم كل آية فلا يؤمنون [¬١]، كما حلنا بينهم وبين الإِيمان أول مرة. وكذا قال عكرمة وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم. وقال [] [¬٢] بن أبي طلحة (١٩٥)، عن ابن عباس ﵁ أنه قال: أخبر الله ما العباد قائلون قبل أن يقولوه، وعملهم قبل أن يعملوه. قال: ﴿ولا ينبئك مثل خبير﴾ [جل وعلا] [¬٣]، وقال: ﴿أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَاحَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ﴾ إلى قوله: ﴿لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾، فأخبر الله [¬٤] سبحانه أنهم لو ردوا لم يقدروا على الهدي، وقال: ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾، وقال تعالى: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾، قال: ولو [¬٥] ردوا إلى الدنيا لحيل بينهم وبين الهدي، كما حلنا [¬٦] بينهم وبينه أول مرة وهم في الدنيا. وقوله: ﴿ونذرهم﴾ أي: نتركهم ﴿في طغيانهم﴾ قال ابن عباس والسدي: في كفرهم. وقال أبو العالية، والربيع بن أنس، وقتادة: في ضلالهم. ﴿يعمهون﴾ قال الأعمش: يلعبون. وقال ابن عباس ومجاهد وأبو العالية والربيع و [أبو مالك وغيرهم] [¬٧]: في كفرهم يترددون. ﴿وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا

стр. 2592

مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ﴾. يقول تعالى: ولو أننا أجبنا سؤال هؤلاء، الذين أقسموا بالله جهد أيمانهم لئن جاءتهم آية ليؤمنن بها، فنزلنا عليهم الملائكة [] [¬١] تخبرهم بالرسالة من الله بتصديق الرسل، كما سألوا فقالوا: ﴿أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ قَبِيلًا﴾، ﴿قَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ [¬٢] حَتَّى نُؤْتَي مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ﴾، ﴿وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلَائِكَةُ أَوْ نَرَي رَبَّنَا لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ وَعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيرًا﴾. ﴿وَكَلَّمَهُمْ المَوْتَي﴾ أي [¬٣]: فأخبروهم بصدق ما جاءتهم به الرسل ﴿وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا﴾ قرأ بعضهم: (قِبَلا) بكسر القاف وفتح الباء، من المقابلة والمعاينة، [وقرأ آخرون: بضمها؛ قيل: معناه من المقابلة والمعاينة] [¬٤] أيضًا، [كما رواه] [¬٥] على بن أبي طلحة والعوفي (١٩٦)، عن ابن عباس، وبه قال قتادة وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم. وقال مجاهد: ﴿قبلا﴾ أي [¬٦]: أفواجًا قبيلًا قبيلًا، أي: تعرض عليهم كل أمة [بعد أمة] [¬٧] فيخبرونهم بصدق الرسل فيما جاءوهم به. ﴿مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ أي: إن الهداية إليه لا إليهم، بل يهدي من يشاء، ويضل من يشاء، وهو الفعال لما يريد لا [¬٨] يسأل عما يفعل وهم يسألون؛ لعلمه وحكمته وسلطانه وقهره وغلبته، وهذه الآية كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ (٩٦) وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ﴾. ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ (١١٢) وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُوا مَا هُمْ مُقْتَرِفُونَ (١١٣)﴾

стр. 2593

يقول تعالى: وكما جعلنا لك يا محمد أعداء يخالفونك ويعادونك، جعلنا لكل نبي من [¬١] قبلك أيضًا أعداء فلا يهيدنك ذلك، كما قال تعالى: [﴿فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ] [¬٢] رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ﴾ وقال تعالى [¬٣]: ﴿وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا [حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا] [¬٤]﴾، وقال تعالى: ﴿مَا يُقَالُ لَكَ إِلَّا مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِنْ قَبْلِكَ إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ وَذُو عِقَابٍ أَلِيمٍ (٤٣)﴾، وقال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ [وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا] [¬٥]﴾. وقال ورقة بن نوفل لرسول الله ﷺ : إنه [¬٦] لم يأت أحد بمثل ما جئت به إلا عودي (١٩٧). وقوله: ﴿شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ﴾ بدل من ﴿عدوًّا﴾ أي: لهم أعداء من شياطين الإنس والجن، [والشيطان كل من خرج عن نظيره بالشر، ولا يعادي الرسل إلا الشياطين] [¬٧] من هؤلاء وهؤلاء، قبحهم الله ولعنهم. قال عبد الرزاق (١٩٨): حدثنا معمر، عن قتادة، في قوله: ﴿شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ﴾ قال: من الجن شياطين ومن الإنس شياطين، يوحي بعضهم إلى بعض. قال قتادة: وبلغني أن أبا ذر كان يومًا يصلي، فقال النبي ﷺ : "تعوذ [¬٨] يا أبا ذر في شياطين الإِنس والجن". فقال: أو إن من الإِنس شياطين [¬٩]؟ فقال رسول الله ﷺ : "نعم". وهذا منقطع بين قتادة وأبي ذر، وقد روي من وجه آخر عن أبي ذر ﵁. قال ابن جرير (١٩٩): حدثنا المثني، حدثنا أبو صالح، حدثني معاوية بن صالح، عن [أبي

стр. 2594

عبد الله محمد بن أيوب] [¬١] وغيره من [¬٢] المشيخة، عن ابن عائذ، عن أبي ذر، قال: أتيت رسول الله ﷺ في مجلس قد أطال فيه الجلوس، قال: فقال: "يا أبا ذر هل صليت؟ " قلت [¬٣]: لا، يا رسول الله. قال: "قم فاركع ركعتين". قال: ثم جئت فجلست إليه، فقال: "يا أبا ذر، هل تعوذت بالله من شياطين الجن والإِنس؟ ". قال: قلت: لا، يا رسول الله، وهل للإِنس من شياطين؟ قال: "نعم، هم شر من شياطين الجن". وهذا أيضًا فيه انقطاع. وروي متصلًا كما قال الإِمام أحمد (٢٠٠): حدثنا وكيع، حدثنا المسعودي، أنبأنا أبو عمر

стр. 2595

الدمشقي، عن عبيد بن الخشخاش [¬١]، عن أبي ذر، قال: أتيت النبي ﷺ وهو في المسجد فجلست، فقال: "يا أبا ذر هل صليت؟ " قلت: لا. قال: "قم فصل". قال: فقمت فصليت ثم جلست، فقال: "يا أبا ذر، تعوذ بالله من شر [¬٢] شياطين الإِنس والجن". قال: قلت: يا رسول الله! وللإنس شياطين؟ قال: "نعم". وذكر تمام الحديث بطوله. وكذا رواه الحافظ أبو بكر بن مردويه في تفسيره: من حديث جعفر بن عون، ويعلى بن عبيد، وعبيد الله بن موسى، ثلاثتهم عن المسعودي، به. (طريق أخرى عن أبي ذر) قال ابن جرير (٢٠١): حدثنا المثني، حدثنا الحجاج، حدثنا حماد، عن حميد بن هلال، حدثني رجل من أهل دمشق، عن عوف [¬٣] بن مالك، عن أبي ذر: أن رسول الله ﷺ قال: "يا أبا ذر، هل تعوّذت بالله من شر [¬٤] شياطين الإِنس والجن؟ " قال: قلت: يا رسول الله، هل للإِنس من شياطين؟ قال: "نعم". (طريق أخرى للحديث) قال ابن أبي حاتم (٢٠٢): حدثنا محمد بن عوف [¬٥] الحمصي،

стр. 2596

حدثنا أبو المغيرة، حدثنا معان بن رفاعة، عن علي بن يزيد، عن القاسم، عن أبي أمامة، قال: قال رسول الله ﷺ : "يا أبا ذر، تعوّذت من شياطين الجن والإِنس؟ قال: يا رسول الله، وهل للإِنس شياطين؟ قال: "نعم ﴿شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا﴾. وقوله: ﴿يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا﴾. فهذه طرق لهذا الحديث، ومجموعها يفيد قوته وصحته، واللَّه أعلم. قال [¬١] ابن جرير (٢٠٣): حدثنا ابن وكيع، حدثنا أبو نعيم، عن شريك، عن سعيد بن مسروق، عن عكرمة ﴿شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ﴾ قال: ليس من [¬٢] الإِنس شياطين، ولكت شياطين الجن يوحون إلى شياطين الإِنس، وشياطين الإِنس يوحون إلى شياطين الجن. قال (٢٠٤): وحدثنا [¬٣] الحارث، حدثنا عبد العزيز، حدثنا إسرائيل، عن السدي، [عن عكرمة] [¬٤] في قوله: ﴿يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا﴾ [قال: للإِنس شياطين، وللجن شياطين، فيلقي شيطان الإِنس شيطان الجن، فيوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورًا] [¬٥]. وقال أسباط، عن السدي، عن عكرمة في قوله: ﴿يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ﴾ [في تفسير هذه الآية] [¬٦]: أما شياطين الإِنس فالشياطين التي تضل الإنس، وشياطين الجن [التي تضل الجن، يلتقيان] [¬٧] فيقول كل واحد منهما لصاحبه: إني أضلَلت صاحبي بكذا وكذا، فأضلل أنت صاحبك بكذا وكذا، فيعلم بعضهم بعضًا. ففهم ابن جرير من هذا أن [¬٨] المراد [بشياطين الإِنس عند عكرمة والسدي: الشياطين من الجن

стр. 2597

الذين يضلون الناس، لا أن المراد منه] [¬١] شياطين الإِنس منهم، ولا شك أن هذا ظاهر من كلام عكرمة، وأما كلام السدي فليس مثله في هذا المعنى وهو محتمل، وقد روي ابن أبي حاتم (٢٠٥) نحو هذا عن ابن عباس من رواية الضحاك عنه قال: إن للجن [¬٢] شياطين يضلونهم مثل شياطين الإِنس يضلونهم. قال: فيلتقي شياطين الإِنس وشياطين الجن، فيقول هذا لهذا أضللَّه بكذا، أضللَّه بكذا، فهو قوله: ﴿يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا﴾. وعلى كل حال فالصحيح ما تقدم من حديث أبي ذر: أن للإِنس شياطين منهم، وشيطان [¬٣] كل شيء مارده، ولهذا جاء في صحيح مسلم (٢٠٦): عن أبي ذَر أن رسول اللَّه ﷺ قال: "الكلب الأسود شيطان". ومعناه - والله أعلم -: شيطان في الكلاب. وقال ابن جريج: قال مجاهد في تفسير هذه الآية: كفار الجن شياطين يوحون إلى شياطين الإِنس كفار الإِنس زخرف القول غرورًا. وروى ابن أبي حاتم (٢٠٧): عن عكرمة قال: قدمت على المختار فأكرمني وأنرلني، حتى كاد يتعاهد مبيتي بالليل، قال: فقال لي: [اخرج إلى الناس فحدثهم] [¬٤]. قال: فخرجت فجاء رجل فقال: ما تقول في الوحي؟ فقلت: الوحي وحيان؟ قال الله تعالى: ﴿بما [¬٥] أوحينا إليك هذا القرآن﴾، وقال تعالى: ﴿شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا﴾. قال: فهموا بي أن يأخذوني، فقلت لهم [¬٦]: ما لكم ذاك إني مفتيكم وضيفكم فتركوني. وإنما عرَّض عكرمة بالمختار وهو ابن أبي عبيد قبحه الله، وكان يزعم أنه يأتيه الوحي، وقد كانت أخته صفية تحت عبد الله بن عمر وكانت من الصالحات، ولما أخبر عبد الله بن عمر أن المختار

стр. 2598

يزعم أنه يوحي إليه قال: صدق، قال [¬١]- الله تعالى: ﴿وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ﴾. وقوله تعالى: ﴿يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا﴾ أي: يلقي بعضهم إلى بعض القول المزين المزخرف، وهو المزوق الذي [¬٢] يغتر سامعه من الجهلة بأمره. ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ﴾ أي: وذلك كله بقدر الله وقضائه وإرادته ومشيئته، أن يكون لكل نبي عدوًّا من هؤلاء ﴿فَذَرْهُمْ﴾ أي: فدعهم ﴿وَمَا يَفْتَرُونَ﴾ أي: يكذبون، أي: دع أذاهم وتوكل على الله في عدواتهم، فإن الله كافيك: ناصرك عليهم. وقوله تعالى: ﴿وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ﴾ أي: ولثميل إليه - قاله ابن عباس - ﴿أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ﴾ أي: قلوبهم وعقولهم وأسماعهم. وقال السدي: قلوب الكافرين. ﴿وَلِيَرْضَوْهُ﴾ أي: يحبوه ويريدوه، وإنما يستجيب لذلك من لا يؤمن بالآخرة، كما قال تعالى: ﴿فإنكم وما تعبدون * ما أنتم عليه بفاتنين * إلا من هو صال [¬٣] الجحيم﴾. وقالي تعالى: ﴿إنكم لفي قول مختلف يؤفك عنه من أفك﴾. وقوله: ﴿وَلِيَقْتَرِفُوا مَا هُمْ مُقْتَرِفُونَ﴾ قال على بن أبي طلحة (٢٠٨)، عن ابن عباس: وليكتسبوا ما هم مكتسبون. وقال السدي وابن زيد: وليعملوا ما هم عاملون. ﴿أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلًا وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (١١٤) وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (١١٥)﴾ يقول تعالى لنبيه محمد [¬٤] ﷺ : ﴿قل﴾ لهؤلاء المشركين بالله غيره، الذبن يعبدون غيره ﴿أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا﴾ أي: بيني وبينكم ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلًا﴾ أي: مبينًا ﴿وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ﴾ أي: من اليهود والنصارى

стр. 2599

﴿يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ﴾ أي: بما عندهم من البشارات بك من الأنبياء المتقدمين ﴿فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾، كقوله: ﴿فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ لَقَدْ جَاءَكَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (٩٤)﴾ وهذا شرط، والشرط لا يقتضي وقوعه، ولهذا جاء عن رسول الله ﷺ أنه قال: "لا أشك ولا أسأل" (٢٠٩). وقوله تعالى: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَة [¬١] رَبِكَ صِدِقًا وَعَدْلًا" قال قتادة: صدقًا فيما قال، وعدلًا فيما حكم. يقول: صدقًا في الإخبار، وعدلًا في الطلب، فكل ما أخبر به فحق لا مرية فيه [¬٢] ولا شك، وكل ما أمر به فهو العدل الذي لا عدل سواه، وكل ما نهي عنه فباطل، فإنه لا ينهي إلا عن مفسدة، كما قال تعالى: ﴿يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ [وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ] [¬٣]﴾. ﴿لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ﴾ أي: ليس أحد يعقب حكمه تعالى لا في الدنيا ولا في الآخرة ﴿وهو السميع﴾ لأقوال عباده ﴿العليم﴾ بحركاتهم وسكناتهم الذي يجازي كل عامل بعمله. ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ (١١٦) إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ مَنْ يَضِلُّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (١١٧)﴾ يخبر تعالى عن حال أكثر أهل الأرض من بني آدم: أنه الضلال، كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهُمْ أَكْثَرُ الْأَوَّلِينَ (٧١)﴾، وقال تعالى: ﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ (١٠٣)﴾ وهم في ضلالهم ليسوا على يقين من أمرهم، وإنما هم في ظنون كاذبة وحسبان باطل [﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ﴾] [¬٤] فإن الخرص [¬٥] هو الحَزْر، ومنه خرص النخل: وهو حزر ما عليها من التمر، وذلك كله عن قدر الله ومشيئته ﴿هُوَ [¬٦] أَعْلَمُ مَنْ يَضِلُّ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ فييسره

стр. 2600

لذلك ﴿وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ فييسرهم [¬١]، لذلك، "وكل ميسر لما خلق له" (٢١٠). ﴿فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ بِآيَاتِهِ مُؤْمِنِينَ (١١٨) وَمَا لَكُمْ أَلَّا تَأْكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ وَإِنَّ كَثِيرًا لَيُضِلُّونَ بِأَهْوَائِهِمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُعْتَدِينَ (١١٩)﴾ هذا إباحة من الله لعباده المؤمنين: أن يأكلوا من الذبائح ما ذكر عليه اسمه، ومفهومه: أنه لا يباح ما لم يذكر اسم الله عليه، كما كان يستبيحه كفار قريش [¬٢] من أكل الميتات، وأكل ما ذبح على النصب وغيرها، ثم ندب إلى الأكل مما ذكر اسم الله عليه فقال: ﴿وَمَا لَكُمْ أَلَّا تَأْكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ﴾ أي: قد بين لكم ما حرم عليكم ووضحه. وقرأ بعضهم: ﴿فصَّل﴾ بالتشديد، وقرأ آخرون بالتخفيف، والكل بمعنى البيان والوضوح. ﴿إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾ أي: إلا في حال الاضصرار فإنه يباح لكم ما وجدتم. ثم بين تعالى جهالة المشركين في آرائهم الفاسدة في استحلالهم الميتات، وما ذكر عليه غير اسم الله تعالى، فقال: ﴿وَإِنَّ كَثِيرًا لَيُضِلُّونَ بِأَهْوَائِهِمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُعْتَدِينَ﴾ أي: هو أعلم باعتدائهم وكذبهم وافترائهم. ﴿وَذَرُوا ظَاهِرَ الْإِثْمِ وَبَاطِنَهُ إِنَّ الَّذِينَ يَكْسِبُونَ الْإِثْمَ سَيُجْزَوْنَ بِمَا كَانُوا يَقْتَرِفُونَ (١٢٠)﴾ قال مجاهد: ﴿وَذَرُوا ظَاهِرَ الْإِثْمِ وَبَاطِنَهُ﴾ معصيته في السر والعلانية. وفي رواية عنه: هو ما ينوي مما هو عامل. وقال قتادة: ﴿وَذَرُوا ظَاهِرَ الْإِثْمِ وَبَاطِنَهُ﴾ أي: سره وعلانيته، قليله وكثيره.

стр. 2601

وقال السدي: ظاهره الزنا مع البغايا ذوات الرايات، وباطنه الزنا مع الخليلة [¬١] والصدائق والأخدان. وقال عكرمة: ظاهره نكاح ذوات المحارم. والصحيح أن الآية عامّة في ذلك كله، وهي كقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ] [¬٢]﴾. ولهذا قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْسِبُونَ الْإِثْمَ سَيُجْزَوْنَ بِمَا كَانُوا يَقْتَرِفُونَ﴾ أي: سواء كان ظاهرًا أو خفيًّا، فإن الله سيجزيهم عليه. قال ابن أبي حاتم (٢١١): حدثنا الحسن بن عرفة، حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، عن معاوية ابن صالح، عن عبد الرحمن بن جبير بن نفير، عن أبيه، عن النواس بن سمعان، قال: سألت رسول الله صلى الله عديه وسلم عن الإِثم فقال: "الإثم ما حاك في صدرك، وكرهت أن يطلع الناس عليه". ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ (١٢١)﴾ استدل بهذه الآية الكريمة من ذهب إلى [أن الذبيحة لا تحل إذا] [¬٣] لم يذكر اسم الله عليها، ولو كان الذابح مسلمًا، وقد اختلف الأثمة ﵏ في هذه المسألة على ثلاثة أقوال: فمنهم من قال لا تحل هذه الذبيحة بهذه الصفة، وسواء متروك التسمية عمدًا أو سهوًا، وهو مروي عن ابن عمر ونافع مولاه وعامر الشعبي ومحمد بن سيرين، وهو رواية عن الإِمام مالك، ورواية عن أحمد بن حنبل نصرها طائفة من أصحابه المتقدمين والمتأخرين، وهو اختيار أبي ثور وداود الظاهري، واختار ذلك أبو الفتوح محمد بن محمد بن علي الطائي من متأخري الشافعية في كتابه الأربعين، واحتجوا لمذهبهم هذا بهذه الآية، وبقوله في آية الصيد: ﴿فَكُلُوا مِمَّا

стр. 2602

أمسكن عليكم واذكروا اسم الله عليه﴾ ثم قد أكد في هذه الآية بقوله: ﴿وإنه لفسق﴾ والضمير قيل: عائد على الأكل، وقيل: عائد على الذبح لغير الله، وبالأحاديث الواردة في الأمر بالتسمية عند الذبيحة والصيد؛ كحديثي عدي بن حاتم (٢١٢) وأبي ثعلبة (٢١٣): " إذا أرسلت كلبك المعلَّم، وذكرت اسم الله عليه [¬١]-، فكل ما أمسك عليك". وهما في الصحيحين، وحديث رافع بن خديج (٢١٤): " ما أنهر الدم، وذكي اسم الله عليه، فكلوه". وهو في الصحيحين أيضًا، و [¬٢] حديث ابن مسعود: أن رسول الله ﵌ قال للجن: "لكم كل عظم ذكر اسم الله عليه". رواه مسلم (٢١٥)، وحديث جندب بن سفيان البجلي قال: قال رسول الله ﷺ : "من ذبح قبل أن يصلي فليذبح مكانها أخرى، ومن لم يكن ذبح حتى صلينا فليذبح باسم الله". أخرجاه (٢١٦)، وعن عائشة ﵂: أن ناسًا قالوا: يا رسول الله، إن قومًا يأتوننا باللحم، لا ندري أذكر اسم الله عليه أم لا؟ قال: "سموا عليه أنتم [¬٣] وكلوا". قالت: وكانوا حديثي عهد بالكفر [¬٤]. رواه البخاري (٢١٧). ووجه الدلالة: أنهم فهموا أن التسمية لابد منها، وخشوا أن لا تكون وجدت من أولئك لحداثة إسلامهم، فأمرهم بالاحتياط بالتسمية عند الأكل؛ لتكون كالعوض عن المتروكة عند الذبح إن لم تكن وجدت، وأمرهم بإجراء أحكام المسلمين على السداد، والله أعلم. والمذهب الثاني في المسألة: أنه لا يشترط التسمية بل هي مستحبة، فإن تركت عمدًا أو

стр. 2603

نسيانًا لم يضر [¬١]، وهذا مذهب الإِمام الشافعي ﵀ وجميع أصحابه، ورواية عن الإِمام أحمد نقلها عنه حنبل، وهو رواية عن الإِمام مالك، ونص على ذلك أشهب بن عبد العزيز من أصحابه، وحكي عن ابن عباس، وأبي هريرة، وعطاء بن أبي رباح، والله أعلم. وحمل الشافعي الآية الكريمة: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ على ما ذبح لغير الله، كقوله تعالى: ﴿أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾. وقال ابن جريج، عن عطاء ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ قال: ينهى عن ذبائح كانت تذبحها [¬٢] قريش للأوثان، وينهي عن ذبائح المجوس. وهذا المسلك الذي طرقه [¬٣] الإمام الشافعي قوي، وقد حاول بعض المتأخرين أن يقويه بأن جعل الواو في قوله ﴿وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ حالية، أي: لا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه في حال كونه فسقًا، ولا يكون فسقًا حتى يكون قد أهل به لغير الله. ثم ادعى أن هذا متعين، ولا يجوز أن تكون الواو عاطفة؛ لأنه يلزم منه عطف جملة اسمية خبرية على جملة فعلية طلبية، وهذا ينتقض عليه بقوله: ﴿وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ﴾ فإنها عاطفة لا محالة، فإن كانت الواو التي [¬٤] ادعى أنها حالية صحيحة على ما قال، امتنع عطف هذه عليها، فإن عطفت على الطلبية ورد عليه ما أورد على غيره، وإن لم تكن الواو حالية بطل ما قال من أصله، والله أعلم. وقال ابن أبي حاتم (٢١٨): حدثنا أبي، حدثنا يحيى بن المغيرة، أنبأنا جرير، عن عطاء، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس [في الآية] [¬٥] ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ قال: هي الميتة. ثم رواه: عن أبي زرعة، [عن يحيى بن أبي كثير] [¬٦]، عن ابن لهيعة، عن عطاء وهو ابن السائب به.

стр. 2604

وقد استدل لهذا المذهب بما رواه أبو داود في المراسيل (٢١٩): من حديث ثور بن يزيد، عن الصلت السدوسي - مولي سويد بن منجوف، أحد التابعين الذين ذكرهم أبو حاتم بن حبان في كتاب الثقات [¬١]- قال: قال رسول الله ﷺ : "ذبيحة المسلم حلال، ذكر اسم الله أو لم يذكر، إنه إن ذكر لم يذكر إلا اسم الله". وهذا مرسل يعضد بما رواه الدارقطني (٢٢٠)، عن ابن عباس أنه قال: إذا ذبح المسلم ولم يذكر اسم الله فليأكل، فإن المسلم فيه اسم من أسماء الله. واحتج البيهقي أيضًا بحديث عائشة ﵂ المتقدم (٢٢١): [أن ناسًا قالوا: يا رسول الله] [¬٢]، إن قومًا حديثي عهد بجاهلية يأتوننا بلحم، لا ندري أذكروا [¬٣] اسم الله عليه أم لا؟ فقال: "سموا أنتم وكلوا". قالوا: فلو كان وجود التسمية شرطًا لم يرخص [¬٤] لهم إلا مع تحققها، والله أعلم. المذهب الثالث في المسألة: إن ترك البسملة على الذبيحة نسيانًا لم يضر، وإن تركها عمدًا لم تحل. هذا هو المشهور من مذهب الإِمام مالك، وأحمد بن حنبل، وبه يقول أبو حنيفة وأصحابه،

стр. 2605

وإسحاق بن راهويه، وهو محكي عن علي، وابن عباس، وسعيد بن المسيب، وعطاء، وطاوس، والحسن البصري، وأبي مالك، وعبد الرحمن بن أبي ليلي، وجعفر بن محمد وربيعة ابن أبي عبد الرحمن. ونقل الإِمام أبو الحسن المَرْغِينَاني [¬١]- في كتابه "الهداية": الإِجماع قبلَ الشافعي على تحريم متروك التسمية عمدًا، فلهذا قال أبو يوسف والمشايخ: لو حكم حَاكم بجواز بيعه لم ينفذ لمخالفة الإِجماع. وهذا الذي قاله غريب جدًّا، وقد تقدم نقل الخلاف عمن قبل الشافعي، والله أعلم. وقال الإِمام أبو جعفر بن جرير ﵀: من حرم ذبيحة الناسي فقد خرج من قول جميع الحجة، وخالف الخبر الثابت عن رسول الله ﷺ في ذلك. يعني: ما رواه الحافظ أبو بكر البيهقي (٢٢٢): أنبأنا أبو عبد الله الحافظ، حدثنا أبو العباس الأصم، حدثنا أبو أمية الطرسوسي، حدثنا محمد بن نريد، حدثنا معقل بن عبيد الله، عن عمرو بن دينار، عن عكرمة، عن ابن عباس، عن النبي ﷺ قال: "المسلم يكفيه اسمه إن نسي أن يسمى حين يذبح، فليذكر اسم الله وليأكله". وهذا الحديث رفعه خطأ، أخطأ فيه معقل بن عبيد الله الجزيري [¬٢]، فإنه وإن كان من رجال مسلم، إلا أن سعيد بن منصور وعبد الله بن الزبير الحميدي [¬٣] روياه عن سفيان بن عيينة [¬٤]،

стр. 2606

عن عمرو، عن أبي الشعثاء، عن عكرمة، عن ابن عباس من قوله، فزادا في إسناده أبا [¬١]- الشعثاء ووقفا، [والله أعلم] [¬٢] وهذا أصح، نص عليه البيهقي [وغيره من الحفاظ] [¬٣]. وقد نقل ابن جرير وغيره، عن الشعبي ومحمد بن سيرين: أنهما كرها متروك التسمية نسيانًا. والسلف يطلقون الكراهة على التحريم كثيرًا والله أعلم، إلا أن من قاعدة ابن جرير أنه لا يعتبر قول الواحد ولا الاثنين مخالفًا لقول الجمهور فيعده إجماعًا، فليعلم هذا، والله الموفق. قال ابن جرير (٢٢٣): حدثنا ابن وكيع، حدثنا أبو أسامة، عن جَهير بن يزيد، قال: سُئِل الحسن سأله لي جل: أتيت بطر كَرَيّ [¬٤]، فمنه ما قد ذبح فذكر اسم الله عليه، ومنه ما نسي أن يذكر اسم الله عليه واختلط الطير؟ فقال الحسن: كُلْهُ كُلَّه. قال: وسألت محمد بن سيرين فقال: قال الله: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾. واحتج لهذا المذهب بالحديث المروي من طرق عند ابن ماجة: عن ابن عباس (٢٢٤)، وأبي

стр. 2607

هريرة (٢٢٥)، .................................................

стр. 2608

وأبي ذر (٢٢٦)، وعقبة بن عامر (٢٢٧)، [وعبد الله بن عمرو] [¬١] (٢٢٨)، عن النبي ﷺ : "إن الله وضع عن أمتي الحطأ والنسيان وما استكرهوا عليه". وفيه نظر، والله أعلم. وقد روي الحافظ أبو أحمد بن عدي (٢٢٩): من حديث مروان بن سالم القرقساني، عن

стр. 2609

الأوزاعي، عن يحيي بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله! أرأيت الرجل منا يذبح وينسى أن يسمى؟ فقال النبي ﷺ : "اسم الله على كل مسلم". ولكن هذا إسناده ضعيف؛ فإن مروان بن سالم القرقساني أبا عبد الله الشامي ضعيف، تكلم فيه غير واحد من الأئمة والله أعلم. وقد أفردت هذه المسألة على حدة، وذكرت مذاهب الأئمة ومآخذهم وأدلتهم، ووجه الدلالات والمناقضات والمعارضات، والله أعلم. قال ابن جرير [¬١]-: وقد اختلف أهل العلم في هذه الآية هل نسخ من حكمها شيء أم لا؟ فقال بعضهم: لم ينسخ منها شيء وهي محكمة فيما عُنيت به، وعلئ هذا قول عامّة أهل العلم. وروي عن الحسن البصري وعكرمة: ما حدثنا به ابن حميد (٢٣٠)، حدثنا يحيي بن واضح، عن الحسين بن واقد، عن عكرمة والحسن البصري قالا: قال الله: ﴿فكلوا مما ذكر اسم الله على إن كنتم بآياته مؤمنين"، وقال: ﴿ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه وإنه لفسق﴾ فنسخ واستثنى من ذلك فقال: ﴿وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم وطعامكم حل لهم﴾. وقال ابن أبي حاتم (٢٣١): قرئ على العباس بن الوليد بن [مزيد] [¬٢]، حدثنا محمد بن شعيب، أخبرني النعمان - يعني ابن المنذر -، عن مكحول، قال: أنزل الله في [¬٣] القرآن ﴿ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه﴾ ثم نسخها الرب ورحم المسلمين فقال: ﴿اليوم

стр. 2610

أحل لكم الطيبات وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم﴾ فنسخها بذلك وأحل طعام أهل الكتاب. ثم قال ابن جرير: والصواب أنه لا تعارض بين حل طعام أهل الكتاب، وبين تحريم ما لم يذكر اسم الله عليه. وهذا الذي قاله صحيح، ومن أطلق من السلف النسخ هاهنا فإنما أراد التخصيص، والله أعلم. وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ﴾ قال ابن أبي حاتم (٢٣٢): حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا أبو بكر بن عياش، عن أبي إسحاق، قال: قال رجل لابن عمر: إن المختار يزعم أنه يوحي إليه. قال: صدق، وتلا هذه الآية: ﴿وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ﴾. وحدثنا أبي، حدثنا أبو حذيفة، حدثنا عكرمة بن عمار، عن أبي زميل، قال: كنت قاعدًا عند ابن عباس، وحج المختار بن أبي عبيد، فجاءه رجل فقال: يا ابن عباس، زعم أبو إسحاق أنه أوحي إليه الليلة. فقال ابن عباس: صدق. فنفرت [¬١]- وقلت: يقول ابن عباس صدق. فقال ابن عباس: هما وحيان؛ وحي الله، ووحي الشيطان، فوحي الله إلى محمد ﷺ ، ووحي الشيطان إلى أوليائه. ثم قرأ: ﴿وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ﴾. وقد تقدم عن عكرمة في قوله: ﴿يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا﴾ نحو هذا. وقوله: ﴿ليجادلوكم﴾ قال ابن أبي حاتم (٢٣٣): حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا عمران ابن عيينة، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، قال: خاصمت اليهود النبي ﷺ ، فقالوا: نأكل مما قتلنا، ولا نأكل مما قتل الله؟ فأنزل الله: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾. هكذا رواه مرسلًا، ورواه أبو داود (٢٣٤) متصلًا.

стр. 2611

فقال: حدثنا عثمان بن أبي شيبة، حدثنا عمران بن عيينة، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: جاءت اليهود إلى النبي ﵌، فقالوا: نأكل مما قتلنا ولا نأكل مما قتل الله؟ فأنزل الله ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ الآية. وكذا [¬١] رواه ابن جرير (٢٣٥): عن محمد بن عبد الأعلى وسفيان بن وكيع كلاهما، عن عمران بن عيينة به [¬٢]. ورواه البزار (٢٣٦): عن محمد بن موسى الحرشي [¬٣]، عن عمران بن عيينة به [¬٤]. وهذا فيه نظر من وجوه ثلاثة: أحدها: أن اليهود لا يرون إباحه الميتة حتى يجادلوا. الثاني: أن الآية من الأنعام وهي مكية. الثالث: أن هذا الحديث رواه الترمذي (٢٣٧) عن محمد بن موسى الحرشي [¬٥]، عن زياد بن

стр. 2612

عبد اللَّه البكائي، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، [عن ابن عباس، ورواه الترمذي بلفظ: أتى ناس النبي ﷺ فذكره، وقال: حسن غريب. وروي عن سعيد بن جبير] [¬١] مرسلًا. وقال الطبراني (٢٣٨): حدثنا على بن المبارك، حدثنا زيد بن المبارك، حدثنا موسى بن عبد العزنى، حدثنا الحكم بن أبان، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: لما نزلت: ﴿ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم اللَّه عليه﴾ أرسلت فارس إلى قريش أن خاصموا محمدًا، وقولوا له: فما [¬٢] تذبح أنت بيدك بسكين فهو حلال، وما ذبح اللَّه بشمشير من ذهب - يعني الميتة - فهو حرام. فنزلت هذه الآية: ﴿وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم وإن أطعتموهم إنكم لمشركون] [قال: الشياطين من فارس، وأولياؤهم قريش] [¬٣]. وقال أبو داود (٢٣٩): حدثنا محمد بن كثير، أخبرنا إسرائيل، حدثنا سماك، عن عكرمة،

стр. 2613

عن ابن عباس في قوله: ﴿وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم﴾ يقولون ما ذبح اللَّه فلا تأكلوه، وما ذبحتم أنتم فكلوه، فأنزل اللَّه. ﴿ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم اللَّه عليه﴾. ورواه ابن ماجة وابن أبي حاتم، عن عمرو بن عبد اللَّه، عن وكيع، عن إسرائيل به. وهذا إسناد صحيح، ورواه ابن جرير (٢٤٠) من طرق متعددة عن ابن عباس وليس فيه ذكر اليهود، فهذا هو المحفوظ، والله أعلم. وقال ابن جريج (٢٤١): قال عمرو بن دينار، عن عكرمة: إن مشركي قريش كاتبوا فارسًا على الروم، وكاتبتهم فارس، فكتبت [¬١] فارس إلى مشركي قريش: إن محمدًا وأصحابه يزعمون أنهم يتبعون أمر اللَّه، فما ذبح اللَّه بسكين من ذهب فلا يأكله [محمد وأصحابه - للميتة] [¬٢]-[وما ذبحوا هم يأكلونه] [¬٣]. فكتب بذلك المشركون إلى أصحاب [رسول اللَّه] [¬٤] ﷺ ، فوقع فى أنفس ناس من المسلمين أمن ذلك شيء، فأنزل اللَّه: ﴿وإنه لفسق وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم وإن أطعتموهم إنكم لمشركون﴾] [¬٥]. ونزلت: ﴿يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورًا﴾. وقال السدي فى تفسير هذه الآية: إن المشركين قالوا للمسلمين [¬٦]: كيف تزعمون أنكم تتبعون مرضاة اللَّه، [وما ذبح] [¬٧] اللَّه فلا تأكلونه، وما ذبحتم أنتم تأكلونه [¬٨]؟ فقال اللَّه تعالى: وإن [¬٩] أطعتموهم فأكلتم الميتة ﴿إنكم لمشركون﴾. وهكذا قال [¬١٠] مجاهد والضحاك وغير واحد من علماء السلف [﵏].

стр. 2614

وقوله تعالى: ﴿وإن أطعتموهم إنكم لمشركون﴾ أي: حيث عدلتم عن أمر اللَّه لكم وشرعه، إلى قول غيره فقدمتم عليه غيره، فهذا هو الشرك، كقوله تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ [وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ] [¬١]﴾، وقد روى الترمذي في تفسيرها، عن عدي بن حاتم أنه قال: يا رسول اللَّه، ما عبدوهم. فقال: "بلى [¬٢]، إنهم أحلوا لهم الحرام، وحرموا عليهم الحلال فاتبعوهم، فذلك عبادتهم إياهم" (٢٤٢). ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٢٢)﴾ هذا مثل ضربه اللَّه تعالى للمؤمن الذي كان ميتًا، أي: في الضلالة هالكًا حائرًا فأحياه اللَّه، أي: أحيا قلبه بالإِيمان وهداه له ووفقه لاتباع رسله ﴿وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ﴾ أي: يهتدي كيف يسلك، وكيف يتصرف به [¬٣]، والنور هو القرآن، كما رواه العوفي وابن أبي طلحة عن ابن عباس. وقال السدي: الإِسلام. والكل صحيح. ﴿كمن مثله في الظلمات﴾ أي: الجهالات والأهواء والضلالات المتفرقة ﴿ليس بخارج منها﴾ أي: لا يهتدي إلى منفذ ولا مخلص مما هو فيه، أوفي مسند الإِمام أحمد (٢٤٣) عن رسول اللَّه ﷺ أنه قال: [إن اللَّه خلق خلقه في ظلمة، ثم رش عليهم من نوره، فمن أصابه ذلك النور اهتدى، ومن أخطأه ضل"] [¬٤]. كما قال تعالى: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٢٥٧)﴾﴾. وقال تعالى: ﴿أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلَى وَجْهِهِ أَهْدَى أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٢٢)﴾، وقال تعالى: ﴿مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ كَالْأَعْمَى وَالْأَصَمِّ وَالْبَصِيرِ وَالسَّمِيعِ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (٢٤)﴾، وقال تعالى: ﴿وما يستوي الأعمى والبصير ولا الظلمات ولا النور

стр. 2615

ولا الظل ولا الحرور وما يستوي الأحياء ولا الأموات إن اللَّه يسمع من يشاء وما أنت بمسمع من في القبور * إن أنت إلا نذير﴾ والآيات في هذا كثيرة، ووجه الناسبة في ضرب المثلين هاهنا بالنور [¬١] والظلمات لما تقدم في أول السورة ﴿وجعل الظلمات والنور﴾. و [¬٢] زعم بعضهم أن المراد بهذا المثل رجلان معينان؛ فقيل: عمر بن الخطاب هو الذي كان ميئا فأحياه اللَّه، وجعل له نورًا يمشي به في الناس، وقيل: عمار بن ياسر، وأما الذي في الظلمات ليس بخارج منها أبو جهل عمرو بن هشام لعنه اللَّه. والصحيح: أن الآية عامة يدخل فيها كل مؤمن وكافر. وقوله تعالى: ﴿كذلك زين للكافرين ما كانوا يعملون﴾ أي: حسنا لهم ما هم [¬٣] فيه من الجهالة والضلالة، قدرًا من اللَّه وحكمة بالغة، لا إله إلا هم أوحده لا شريك له] [¬٤]. ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَابِرَ مُجْرِمِيهَا لِيَمْكُرُوا فِيهَا وَمَا يَمْكُرُونَ إِلَّا بِأَنْفُسِهِمْ وَمَا يَشْعُرُونَ (١٢٣) وَإِذَا جَاءَتْهُمْ آيَةٌ قَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتَى مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُوا صَغَارٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا كَانُوا يَمْكُرُونَ (١٢٤)﴾ يقول تعالى: وكما جعلنا في قريتك يا محمد أكابر من المجرمين، ورؤساء ودعاة إلى الكفر والصد عن سبيل اللَّه، وإلى مخالفتك وعداوتك، كذلك كانت الرسل من قبلك يبتلون بذلك ثم تكون لهم العاقبة، كما قال تعالى: ﴿وكذلك جعلنا لكل نبى عدوًّا من المجرمين [وكفى بوبك هاديًا ونصيرًا] [¬٥]﴾، وقال تعالى: ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا (١٦)﴾﴾، قيل: معناه أمرناهم بالطاعات فخالفوا فدمرناهم، وقيل: أمرناهم أمرًا قدريًّا كما قال هاهنا ﴿ليمكروا فيها﴾. وقال ابن أبي طلحة (٢٤٤)، عن ابن عباس ﴿أكابر مجرميها﴾ قال: سلطنا شرارها فعصوا

стр. 2616

فيها، فإذا فعلوا ذلك أهلكناهم بالعذاب. وقال مجاهد وقتادة: ﴿أكابر مجرميها﴾ قال: عظماءها [¬١]. قلت: [وهكذا قوله] [¬٢] تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ (٣٤) وَقَالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ (٣٥)﴾، وقال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا [مِنْ قَبْلِكَ] [¬٣] فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ (٢٣)﴾. والمراد بالمكر هاهنا: دعاؤهم إلى الضلالة بزخرف من المقال والفعال، كما قال تعالى إخبارًا عن قوم نوح: ﴿ومكروا مكرًا كبارًا﴾، وكقوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ نُؤْمِنَ بِهَذَا الْقُرْآنِ وَلَا بِالَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ الْقَوْلَ يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لَوْلَا أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ (٣١) قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا أَنَحْنُ صَدَدْنَاكُمْ عَنِ الْهُدَى بَعْدَ إِذْ جَاءَكُمْ بَلْ كُنْتُمْ مُجْرِمِينَ (٣٢) وَقَالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ إِذْ تَأْمُرُونَنَا أَنْ نَكْفُرَ بِاللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَنْدَادًا وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ وَجَعَلْنَا الْأَغْلَالَ فِي أَعْنَاقِ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٣٣)﴾. وقال ابن أبي حاتم (٢٤٥): حدثنا أبي، حدّثنا [ابن أبي عمر] [¬٤]، حدثنا سفيان، قال: كل مكر في القرآن فهو عمل. وقوله تعالى: ﴿وما يمكرون إلا بأنفسهم وما يشعرون﴾ أي: وما يعود وبال مكرهم ذلك وإضلالهم من أضلوه إلا على أنفسهم، كما قال تعالى: ﴿وليحملن أثقالهم وأثقالًا مع أثقالهم﴾، وقال: ﴿ومن أوزار الذين يضلونهم بغير علم ألا ساء ما يزرون﴾. وقوله تعالى: ﴿وإذا جاءتهم آية قالوا لن نؤمن حتى نؤتى مثل ما أوتى رسل اللَّه﴾ أي: إذا جاءتهم آية وبرهان وحجة قاطعة ﴿قالوا لن نؤمن حتى نؤتى مثل ما أوتى رسل اللَّه﴾ أي: أي: حتى تأتينا الملائكة من اللَّه بالرسالة كما تأتى إلى الرسل، [كقوله جل وعلا] [¬٥]: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلَائِكَةُ أَوْ نَرَى رَبَّنَا [لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ وَعَتَوْا عُتُوًّا

стр. 2617

عتوًّا كبيرًا] [¬١]﴾. وقوله: ﴿اللَّه أعلم حيث يجعل رسالاته﴾ أي: هو أعلم حيث يضع رسالته، ومن يصلح لها من خلقه، كقوله تعالى: ﴿وقالوا لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم * أهم يقسمون رحمة ربك﴾ الآية، يعنون لولا نزل هذا القرآن على رجل عطم كببر جليل [¬٢] مبجل في أعينهم ﴿من القريتين﴾ أي: من مكة والطائف، وذلك أنهم [¬٣] قبحهم اللَّه كانوا يزدرون بالرسول صلوات اللَّه وسلامه عليه بغيًا وحسدًا، وعنادًا واستكبارًا، كقوله تعالى مخبرًا عنهم: ﴿وَإِذَا رَآكَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا أَهَذَا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ وَهُمْ بِذِكْرِ الرَّحْمَنِ هُمْ كَافِرُونَ (٣٦)﴾، وقال تعالى: ﴿وإذا رأوك إن يتخذونك إلا هزوا أهذا الذي بعث اللَّه رسولا﴾، وقال تعالى: ﴿ولقد استهزئ برسل من قبلك فحاق بالذين سخروا منهم ما كانوا به يستهزئون﴾ هذا وهم معترفون بفضله وشرفه ونسبه، وطهارة بيته ومرباه، ومنشئه [صلَّى اللَّه وملائكته والمؤمنون عليه] [¬٤]، حتى أنهم كانوا يسمونه بينهم قبل أن يوحى إليه "الأمين"، وقد اعترف بذلك رئيس الكفار أبو سفيان، حين سأله هرقل ملك الروم: كيف نسبه فيكم؟ قال: هو فينا ذو نسب، قال: هل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال؟ قال: لا. الحديث بطوله (٢٤٦) الذي استدل به ملك الروم بطهارة صفاته ﵇ على صدق [¬٥] نبوته، وصحة ما جاء به. وقال الإِمام أحمد (٢٤٧): حدثنا محمد بن مصعب، حدثنا الأوزاعي، عن شداد أبي عمار،

стр. 2618

عن واثلة بن الأسقع ﵁، أن رسول اللَّه صلى اللَّه عله وسلم قال: " إن اللَّه اصطفى من ولد إبراهيم إسماعيل، واصطفى من بني إسماعيل بني كنانة، واصطفى من بني كنانة قريشًا، واصطفى من قريش بني هاشم، واصطفانى من بني هاشم". انفرد بإخراجه مسلم من حديث الأوزاعي: وهو عبد الرحمن بن عمرو إمام أهل الشام به نحوه. وفي صحيح البخاري (٢٤٨): عن أبى هريرة ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "بعثت من خير قرون بني آدم قرنًا فقرنًا، حتى بعثت من القرن الذي كنت فيه". وقال الإِمام أحمد (٢٤٩): حدثنا أبو نعيم، عن سفيان، عن يزيد بن أبي زياد، عن عبد اللَّه ابن الحارث بن نوفل، عن المطلب بن أبي وَدَاعة، قال: قال العباس: بلغه ﷺ بعض ما يقول الناس، فَصَعِدَ المنبَر فقال: "مَنْ أنا؟ " قالوا: أنت رسول اللَّه ﷺ . فقال [¬١]: "أنا محمد بن عبد اللَّه بن عبد المطلب، إن اللَّه خلق الخلق فجعلني في خير خلقه، وجعلهم فرقتين [¬٢]، فجعلني في خير فرقة، وخلق القبائل فجعلني في خير قبيلة،

стр. 2619

وجعلهم بيوتًا فجعلني في خيرهم بيتًا، فأنا خيركم بيتًا وخيركم نفسًا". صدق صلوات اللَّه وسلامه عليه. وفي الحديث أيضًا المروي عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول اللَّه ﷺ : " قال لي جبريل: قلبت الأرض مشارقها ومغاربها فلم أجد [رجلا أفضل من محمد، وقلبت الأرض مشارقها ومغاربها فلم أجد] [¬١] بني أب أفضل من بني [¬٢] هاشم". رواه الحاكم والبيهقي (٢٥٠). وقال الإِمام أحمد (٢٥١): حدثنا أبو بكر، حدثنا عاصم، عن زر بن حبيش، عن عبد اللَّه ابن مسعود، قال: إن اللَّه نظر فم قلوب العباد، فوجد قلب محمد ﷺ خير قلوب العباد فاصطفاه لنفسه فابتعثه [¬٣] برسالته، ثم نظر في قلوب العباد بعد قلب محمد ﷺ ، فوجد قلوب أصحابه خير قلوب العباد، فجعلهم وزراء نبيه يقاتلون على دينه [¬٤]، فما رآه [¬٥]

стр. 2620

المسلمون حسنًا فهو عند اللَّه حسن، وما رآه المسلمون سيئا فهو عند اللَّه سيئ. [وقال أحمد (٢٥٢): حدثنا شجاع بن الوليد، قال: ذكر قابوس بن أبي ظبيان، عن أبيه، عن سلمان، قال: قال لي رسول اللَّه ﷺ : "يا سلمان لا تبغضني فتفارق دينك". قلت: يا رسول اللَّه، كيف أبغضك وبك هدانا اللَّه؟ قال: " تبغض العرب فتبغضني] [¬١] ". وقال [¬٢] ابن أبي حاتم (٢٥٣) في تفسير هذه الآية: ذكر عن محمد بن منصور الجواز، حدثنا سفيان، عن ابن أبي حسين، قال: أبصر رجل ابنَ عباس وهو يدخل من باب المسجد، فلما نظر إليه راعه، فقال: من هذا؟ قالوا: ابن عباس ابن عم رسول اللَّه ﷺ ؛ فقال [¬٣]: ﴿اللَّه أعلم حيث يجعل رسالاته﴾. وقوله تعالى: ﴿سيصيب الذين أجرموا صغار عند اللَّه وعذاب شديد [بما كانوا

стр. 2621

يمكرون] [¬١]﴾، هذا وعيد شديد من اللَّه، وتهديد أكيد لمن تكبر عن اتباع رسله، والانقياد لهم فيما جاءوا به، فإنه سيصيبه يوم القيامة بين يدي اللَّه: صغار: هو الذلة الدائمة، كما [¬٢] أنهم استكبروا أعقبهم ذلك ذلًّا، كقوله تعالى: ﴿إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين﴾ أي: صاغرين ذليلين حقيرين. وقوله تعالى: ﴿وعذاب شديد بما كانوا يمكرون﴾ لما كان المكر [¬٣] غالبًا إنما يكون خفيًّا، وهو التلطف في التحيل [¬٤] والخديعة، قوبلوا بالعذاب الشديد [من اللَّه يوم القيامة] [¬٥] جزاء وفاقًا ﴿ولا يظلم ربك أحدًا﴾، كما قال تعالى: ﴿يوم تبلى السرائر﴾ أي: تظهر المستترات والمكنونات والضمائر، وجاء في الصحيحين (٢٥٤) عن رسول اللَّه ﷺ أنه قال: "ينصب لكل غادر لواء عد استه يوم القيامة، فيقال: هذه غدرة فلان بن فلان". والحكمة في هذا: أنه لما كان الغدر خفيًّا لا يطع عليه الناس، فيوم القيامة يصير علمًا منشورًا على صاحبه بما فعل. ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ (١٢٥)﴾ يقول تعالى: ﴿فمن يرد اللَّه أن يهديه يشرح صدره للإِسلام﴾ أي: ييسره له وينشطه ويسهله لذلك، فهذه علامة على الخير، كقوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ [فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ] [¬٦]﴾، وقال تعالى: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ (٧)﴾.

стр. 2622

وقال [¬١] ابن عباس (٢٥٥) ﵄[في قوله] [¬٢]: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ﴾ يقول تعالى: يوسع قلبه للتوحيد والإيمان له. وكذا قال أبو مالك وغير واحد، وهو ظاهر. وقال عبد الرزاق (٢٥٦): أخبرنا الثوري، عن عمرو بن قيس، عن عمرو بن مرة، عن أبي جعفر، قال: سئل رسول اللَّه ﷺ أي المؤمنين أكيس؟ قال: "أكثرهم ذكرًا للموت، وأكثرهم لما بعده استعدادًا". قال: وسئل النبي ﷺ عن هذه الآية: ﴿فمن يرد اللَّه أن يهديه يشرح صدره للإسلام﴾ قالوا: كيف يشرح صدره يا رسول اللَّه؟ قال: "نور يقذف فيه فينشرح له وينفسح". قالوا: فهل لذلك من أمارة يعرف بها؟ قال: "الإِنابة إلى دار الخلود، والتجافي عن دار الغرور، والاستعداد للموت قبل لقاء الموت". وقال ابن جرير (٢٥٧) حدثنا هناد، حدثنا قبيصة، عن سفيان - يعني الثوري - عن عمرو ابن مرة، عن رجل يكنى أبا جعفر كان يسكن المدائن، قال: سئل النبي ﷺ عن قول اللَّه تعالى: ﴿فمن يرد اللَّه أن يهديه [يشرح صدره للإسلام] [¬٣]﴾ فذكر نحو ما تقدم. وقال ابن أبي حاتم (٢٥٨): حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا ابن [¬٤] إدريس، عن الحسن بن الفرات القزاز، عن عمرو بن مرة، عن أبي جعفر، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : ﴿فمن يرد اللَّه أن يهديه يشرح صدره للإِسلام﴾ قال رسول اللَّه ﷺ : "إذا دخل الإِيمان القلب انفسح له القلب وانشرح". قالوا: يا رسول اللَّه، هل لذلك من أمارة؟ قال: "نعم، الإنابة إلى دار الخلود، والتجافي عن دار الغرور، والاستعداد للموت قبل الموت".

стр. 2623

وقد رواه ابن جرير (٢٥٩): عن سوار بن عبد اللَّه العنبري، حدثنا المعتمر بن سليمان، سمعت أبي يحدث، عن عبد اللَّه بن مرة، أعن أبي جعفر فذكره. وقال ابن أبي حاتم (٢٦٠): حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا أبو خالد الأحمر، عن عمرو بن قيس، عن عمرو بن مرة] [¬١]، عن عبد اللَّه بن المسور، قال: تلا رسول اللَّه ﷺ هذه الآية [¬٢]: ﴿فمن يرد اللَّه أن يهديه يشرح صدره للإِسلام﴾، قالوا: يا رسول اللَّه، ما هذا الشرح؟ قال: " نور يقذف به في القلب ". قالوا: يا رسول اللَّه، فهل لذلك من أمارة تعرف [¬٣]؟ قال: " نعم ". قالوا: وما هي؟ قال: "الإِنابة إلى دار الخلود، والتجافي عن دار الغرور، والاستعداد للموت قبل الموت". وقال ابن جرير أيضًا (٢٦١): حدثني هلال بن العلاء، حدثنا سعيد بن عبد الملك بن واقد، حدثنا محمد بن سلمة [¬٤]، عن أبي عبد الرحيم [¬٥]، عن زيد بن أبي أنيسة، عن عمرو بن مرة، عن أبي عبيدة، عن [¬٦] عبد اللَّه بن مسعود، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "إذا

стр. 2624

دخل النور القلب انفسح وانشرح". قالوا: فهل لذلك من علامة يعرف بها؟ قال: "الإنابة إلى دار الخلود، والتنحي عن دار الغرور، والاستعداد للموت قبل لُقِي الموت". وقد رواه (٢٦٢) من وجه آخر عن ابن مسعود متصلًا مرفوعًا فقال: حدثني ابن سنان القزاز، حدثنا محبوب بن الحسن الهاشمي، عن يونس، عن [¬١] عبد الرحمن بن [عبد اللَّه] [¬٢] بن عتبة، عن عبد اللَّه بن مسعود، عن رسول اللَّه ﷺ قال: ﴿فمن رد اللَّه أن يهديه يشرح صدره للإسلام﴾، قالوا: يا رسول اللَّه، وكيف يشرح صدره؟ قال: "يدخل فيه النور فينفسح". قالوا: وهل لذلك علامة يا رسول اللَّه؟ قال: "التجافي عن دار الغرور، والإِنابة إلى دار الخلود، والاستعداد للموت قبل أن ينزل الموت". فهذه طرق لهذا الحديث مرسلة ومتصلة، يثمد بعضها بعضًا [¬٣]، واللَّه أعلم.

стр. 2625

وقوله تعالى: ﴿ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقًا حرجًا﴾ قرئ [¬١] بفتح الضاد وتسكين الياء [¬٢]، والأكثرون ﴿ضيِّقًا﴾ بتشديد الياء وكسرها [¬٣]، [وهما] [¬٤] لغتان: كهَينْ وهَيِّن، وقرأ بعضهم: (حَرِجًا) بفتح الحاء وكسر الراء، قيل: بمعنى أثم، قاله [¬٥] السُّدي، وقيل: بمعنى القراءة الأخرى ﴿حَرَجًا﴾ بفتح الحاء والراء، وهو الذي لا يتسع لشيء من الهدى، ولا يخلص إليه شيء مّا ينفعه من الإِيمان ولا ينفذ فيه. وقد سأل عمرُ بن الخطاب ﵁ رجلًا من الأعراب، من أهل البادية من مُدْلج - ما الحرجة؟ فقال [¬٦]: هي الشجرة تكون بين الأشجار، لا تصل إليها [¬٧] راعية ولا وحشية ولا شيء. فقال عمر ﵁: كذلك قلب المنافق، لا يصل إليه شيء من الخير (٢٦٣). وقال العوفي (٢٦٤)، عن ابن عباس: يجعل اللَّه عليه الإِسلام ضيِّقًا والإِسلام واسع، وذلك حين يقول: ﴿وما جعل عليكم في الدين من حرج﴾ يقول: ما جعل عليكم في الإِسلام من ضيق. وقال مجاهد والسدي: ﴿ضيقًا حرجًا﴾ شاكًّا. وقال عطاء الخراساني: ﴿ضيقًا حرجًا﴾ [أي [¬٨]: ليس للخير فيه منفذ [¬٩]. وقال ابن المبارك، عن ابن جريج: ﴿ضيقًا حرجًا﴾] [¬١٠] بلا إله إلا اللَّه، حتى لا [تستطع أن تدخل قلبه] [¬١١]، كأنما يصعد في السماء من شدة ذلك عليه. وقال سعيد بن جبير: ﴿يجعل صدره ضيقًا حرجًا﴾ قال: لا يجد فيه مسلكًا إلا صُعدًا.

стр. 2626

وقال السدي: ﴿كأنما يصعد في السماء﴾ من ضيق صدره. وقال [¬١] عطاء الخراساني: ﴿كأنما يصعد في السماء﴾ يقول: مثله كمثل الذي لا يستطيع أن يصعد إلى السماء. وقال الحكم بن أبان (٢٦٥)، عن عكرمة، عن ابن عباس: ﴿كأنما يصعد في السماء﴾ يقول: فكما لا يستطيع ابن آدم أن يبلغ السماء، فكذلك [لا يستطع] [¬٢] أن يُدْخِل التوحيد والأِيمان قلبه، حتى يدخله اللَّه في [¬٣] قلبه. وقال الأوزاعي: ﴿كأنما يصعد في السماء﴾ كيف يستطيع من جعل اللَّه صدره ضيقًا [¬٤] أن يكون مسلمًا. وقال الإمام أبو جعفر بن جرير [¬٥]: وهذا مثل ضربه اللَّه لقلب هذا الكافر، في شدة تضييقه [¬٦] إياه عن وصول الإِيمان إليه، يقول: فمثله في امتناعه من قبول الإِيمان وضيقه عن وصوله إليه، مثل امتناعه عن الصعود إلى السماء: عجزه عنه؛ لأنه ليس في وسعه وطاقته. وقال في قوله: ﴿كذلك يجعل اللَّه الرجس على الذين لا يؤمنون﴾ يقول: كما يجعل اللَّه صدر من أراد إضلاله ضيقًا حرجًا، كذلك يسلط اللَّه الشيطان عليه وعلى أمثاله، ممن أبى الإِيمان باللَّه ورسوله، فيغويه ويصده عن سبيل اللَّه. وقال [¬٧] ابن أبي طلحة (٢٦٦)، عن ابن عباس: الرجس الشيطان. وقال مجاهد: الرجس كل ما لا خير فيه. وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: الرجس العذاب. ﴿وَهَذَا صِرَاطُ رَبِّكَ مُسْتَقِيمًا قَدْ فَصَّلْنَا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ (١٢٦) لَهُمْ دَارُ السَّلَامِ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَهُوَ وَلِيُّهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٢٧)﴾ لما ذكر تعالى طريقة الضالين عن سبيله الصادين عنها، نبه على أشرف ما أرسل به رسوله من

стр. 2627

الهدى ودين الحق، فقال تعالى: ﴿وهذا صراط ربك مستقيمًا﴾ منصوب على الحال، أي: هذا الدين الذي شرعناه [] [¬١] لك يا محمد، بما أوحينا إليك هذا القرآن، هو صراط اللَّه المستقيم، كما تقدم في حديث الحارث، كلت على في نعت القرآن: هو صراط اللَّه المستقيم، وحبل اللَّه المتين، وهو الذكر الحكيم. رواه أحمد والترمذي بطوله (٢٦٧). ﴿قد فصلنا الآيات﴾ أي: وضحناها: بيناها وفسرناها ﴿لقوم يذكرون﴾ أي: لمن له فهم ووعي يعقل عن اللَّه ورسوله. ﴿لهم دار السلام﴾ وهي الجنة ﴿عند ربهم﴾ أي: يوم القيامة، وإنما وصف اللَّه [¬٢] الجنة هاهنا بدار السلام؛ لسلامتهم فيما سلكوه عن الصراط المستقيم، المقتفي أثر الأنبياء وطرائقهم، فكما سلموا من آفات الاعوجاج أفضوا إلى دار السلام. ﴿وهو وليهم﴾ أي: والسلام - وهو اللَّه - وليهم، أي: حاففهم وناصرهم ومؤيدهم ﴿بما كمانوا يعملون﴾ أي: جزاء على [¬٣] أعمالهم الصالحة تولاهم، وأثابهم الجنة بمنه وكرمه. ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا يَامَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الْإِنْسِ وَقَالَ أَوْلِيَاؤُهُمْ مِنَ الْإِنْسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنَا قَالَ النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (١٢٨)﴾ يقول تعالى: واذكر يا محمد فيما تقصه [¬٤] عليهم وتذكرهم به ﴿ويوم يحشرهم جميعًا﴾ يعني: الجن وأولياءهم [¬٥] [من الإِنس] [¬٦] الذين كانوا يعبدونهم في الدنيا، ويعوذون بهم ويطعونهم، ويوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا ﴿يا معشر الجن قد استكثرتم من الإِنس﴾ أي: ثم يقول يا معشر الجن، وسياق الكلام يدل على المحذوف. ومعنى قوله: ﴿قد استكثرتم من الإِنس﴾ أي: من إغوائهم وإضلالهم، كقوله [¬٧] تعالى: ﴿﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَابَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (٦٠) وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (٦١)﴾﴾. وقال علي بن أبي

стр. 2628

طلحة (٢٦٨)، عن ابن عباس: ﴿يا معشر الجن قد استكثرتم من الإنس﴾ يعني [¬١]: أضللتم منهم كثيرًا. وكذا [¬٢] قال مجاهد والحسن وقتادة. ﴿وقال أولياؤهم من الإنس ربنا استمتع بعضنا ببعض﴾ يعني: أن أولياء الجن من الإنس قالوا مجيبين للَّه تعالى عن ذَلك بهذا. قال ابن أبي حاتم (٢٦٩): حدثنا أبي، حدثنا أبو الأشهب هوذة بن خليفة، حدثنا عوف [¬٣]، عن الحسن في هذه الآية قال: استكثر ربكم أهل النار يوم القيامة، فقال أولياؤهم من الإِنس: ﴿ربنا استمتع بعضنا ببعض﴾. قال الحسن: وما كان استمتاع بعضهم ببعض إلا أن الجن أمرت وعملت الإِنس. و [¬٤] قال محمد بن كعب في قوله: ﴿ربنا استمتع بعضنا ببعض﴾ قال: الصحابة في الدنيا. وقال ابن جريج: كان الرجل [في الجاهلية ينزل الأرض] [¬٥]، فيقول: أعوذ بكبير هذا الوادي. فذلك استمتاعهم فاعتذروا يوم القيامة. وأما استمتاع الجن بالإِنس: فإنه [¬٦] كان فيما ذكر: ما ينال الجن من الإنس من تعظيمهم إياهم في استعانتهم [¬٧] بهم، فيقولون: قد سدنا الإِنس والجن. ﴿وبلغنا أجلنا الذي أجلت لنا﴾ قال السدي: يعني [¬٨] الموت. ﴿قال النار مثواكم﴾ أي: مأواكم ومنزلكم أنتم وأولياؤكم ﴿خالدين فيها﴾ أي: ماكمين [فيها مكثًا] [¬٩] مخلدًا إلا ما شاء اللَّه. قال بعضهم: يرجع معنى الاستثناء إلى البرزخ. وقال بعضهم: هذا رد إلى مدة الدنيا. وقيل غير ذلك من الأقوال، التي سيأتي تقريرها عند قوله تعالى في سورة هود: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ (١٠٧)﴾.

стр. 2629

وقد روى ابن جرير وابن أبي حاتم (٢٧٠) في تفسير هذه الآية: من طريق عبد اللَّه بن صالح كاتب الليث، حدثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة [¬١]، عن ابن عباس قال: ﴿النار مثواكم خالدين فيها إلا ما شاء اللَّه إن ربك حكيم عليم﴾ قال: إن هذه الآية آية لا ينبغي لأحد أن يحكم على اللَّه في خلقه، ولا ينزلهم جنة ولا نارًا. ﴿وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (١٢٩)﴾ قال سعيد: عن قتادة فى تفسيرها: إنما يولي اللَّه [] [¬٢] الناي بأعمالهم، فالمؤمن ولي المؤمن أين كان وحيث كان، والكافر ولي الكافر أينما كان وحيثما كان، ليس الإِيمان بالتمني ولا بالتحلي. واختار [هذا القول] [¬٣] ابن جرير [¬٤]. وقال معمر، عن قتادة فى تفسيرها: [﴿نولي بعض الظالمين بعضًا﴾] [¬٥] النار، يتبع بعضهم بعضًا. وقال مالك بن دينار: قرأت في الزبور: إني أنتقم من المنافقين بالمنافقين، ثم أنتقم من المنافقين جميعًا، وذلك في كتاب اللَّه [] [¬٦] تعالى: ﴿وكذلك نولي بعض الظالمين بعضًا﴾. [وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم فى قوله: ﴿وكذلك نولي بعض الظالمين بعضًا﴾] [¬٧] قال: ظالمي الجن وظالمي الإِنس، وقرأ ﴿ومن يعش عن ذكر الرحمن نقيض له شيطانًا فهو له قرين﴾ قال: ونسلط [¬٨] ظلمة الجن على ظلمة الإِنس. وقد روى الحافظ ابن عساكر في ترجمة عبد الباقي بن أحمد (٢٧١): من طريق سعيد بن

стр. 2630

عبد الجبار الكرابيسي [¬١]، عن حماد بن سلمة، عن عاصم، عن زر، عن ابن مسعود مرفوعًا: "من أعان ظالماً سلطه اللَّه عليه". وهذا حديث غريب، وقال بعض الشعراء: وما من يد إلا يد اللَّه فوقها … ولا [¬٢] ظالم إلا سيبلى بظالم ومعنى الآية الكريمة: كما [¬٣] ولينا هؤلاء الخاسرين من الإِنس تلك الطائفة التي أغوتهم من الجن، كذلك نفعل بالظالمين نسلط بعضهم على بعض، ونهلك بعضهم ببعض، وننتقم من بعضهم ببعض، جزاء على ظلمهم وبغيهم. ﴿يَامَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا شَهِدْنَا عَلَى أَنْفُسِنَا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَشَهِدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ (١٣٠)﴾ وهذا أيضًا مما يقرع [¬٤] اللَّه به كافرين الجن والإِنس يوم القيامة، حيث يسألهم وهو أعلم هل [¬٥] بلغتهم الرسل رسالاته؟ وهذا استفهام تقرير ﴿يا معشر الجن والإِنس ألم يأتكم رسل منكم﴾ أي: من جملتكم، والرسل من الإِنس فقط، [وليس من الجن رسل] [¬٦] كما نص على ذلك مجاهد وابن جريج وغير واحد من الأئمة من السلف والخلف. وقال ابن عباس: الرسل من بني آدم ومن الجن نذر. وحكى ابن جرير [¬٧] عن الضحاك بن مزاحم: أنه زعم أن فى الجن رسلًا، واحتج بهذه الآية الكريمة، وفي الاستدلال بها على ذلك نظر؛ لأنها محتملة وليست بصريحة، وهي واللَّه أعلم كقوله: ﴿مرج البحرين يلتقيان بينهما برزخ لا يبغيان﴾ إلى أن قال ﴿يخرج منهما اللؤلؤ
следующие страницы →