وقال السدي: ﴿كأنما يصعد في السماء﴾ من ضيق صدره.
وقال [¬١] عطاء الخراساني: ﴿كأنما يصعد في السماء﴾ يقول: مثله كمثل الذي لا يستطيع أن يصعد إلى السماء.
وقال الحكم بن أبان (٢٦٥)، عن عكرمة، عن ابن عباس: ﴿كأنما يصعد في السماء﴾ يقول: فكما لا يستطيع ابن آدم أن يبلغ السماء، فكذلك [لا يستطع] [¬٢] أن يُدْخِل التوحيد والأِيمان قلبه، حتى يدخله اللَّه في [¬٣] قلبه.
وقال الأوزاعي: ﴿كأنما يصعد في السماء﴾ كيف يستطيع من جعل اللَّه صدره ضيقًا [¬٤] أن يكون مسلمًا.
وقال الإمام أبو جعفر بن جرير [¬٥]: وهذا مثل ضربه اللَّه لقلب هذا الكافر، في شدة تضييقه [¬٦] إياه عن وصول الإِيمان إليه، يقول: فمثله في امتناعه من قبول الإِيمان وضيقه عن وصوله إليه، مثل امتناعه عن الصعود إلى السماء: عجزه عنه؛ لأنه ليس في وسعه وطاقته.
وقال في قوله: ﴿كذلك يجعل اللَّه الرجس على الذين لا يؤمنون﴾ يقول: كما يجعل اللَّه صدر من أراد إضلاله ضيقًا حرجًا، كذلك يسلط اللَّه الشيطان عليه وعلى أمثاله، ممن أبى الإِيمان باللَّه ورسوله، فيغويه ويصده عن سبيل اللَّه. وقال [¬٧] ابن أبي طلحة (٢٦٦)، عن ابن عباس: الرجس الشيطان. وقال مجاهد: الرجس كل ما لا خير فيه. وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: الرجس العذاب.
﴿وَهَذَا صِرَاطُ رَبِّكَ مُسْتَقِيمًا قَدْ فَصَّلْنَا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ (١٢٦) لَهُمْ دَارُ السَّلَامِ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَهُوَ وَلِيُّهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٢٧)﴾
لما ذكر تعالى طريقة الضالين عن سبيله الصادين عنها، نبه على أشرف ما أرسل به رسوله من
стр. 2627
الهدى ودين الحق، فقال تعالى: ﴿وهذا صراط ربك مستقيمًا﴾ منصوب على الحال، أي: هذا الدين الذي شرعناه [] [¬١] لك يا محمد، بما أوحينا إليك هذا القرآن، هو صراط اللَّه المستقيم، كما تقدم في حديث الحارث، كلت على في نعت القرآن: هو صراط اللَّه المستقيم، وحبل اللَّه المتين، وهو الذكر الحكيم. رواه أحمد والترمذي بطوله (٢٦٧).
﴿قد فصلنا الآيات﴾ أي: وضحناها: بيناها وفسرناها ﴿لقوم يذكرون﴾ أي: لمن له فهم ووعي يعقل عن اللَّه ورسوله.
﴿لهم دار السلام﴾ وهي الجنة ﴿عند ربهم﴾ أي: يوم القيامة، وإنما وصف اللَّه [¬٢] الجنة هاهنا بدار السلام؛ لسلامتهم فيما سلكوه عن الصراط المستقيم، المقتفي أثر الأنبياء وطرائقهم، فكما سلموا من آفات الاعوجاج أفضوا إلى دار السلام.
﴿وهو وليهم﴾ أي: والسلام - وهو اللَّه - وليهم، أي: حاففهم وناصرهم ومؤيدهم ﴿بما كمانوا يعملون﴾ أي: جزاء على [¬٣] أعمالهم الصالحة تولاهم، وأثابهم الجنة بمنه وكرمه.
﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا يَامَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الْإِنْسِ وَقَالَ أَوْلِيَاؤُهُمْ مِنَ الْإِنْسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنَا قَالَ النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (١٢٨)﴾
يقول تعالى: واذكر يا محمد فيما تقصه [¬٤] عليهم وتذكرهم به ﴿ويوم يحشرهم جميعًا﴾ يعني: الجن وأولياءهم [¬٥] [من الإِنس] [¬٦] الذين كانوا يعبدونهم في الدنيا، ويعوذون بهم ويطعونهم، ويوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا ﴿يا معشر الجن قد استكثرتم من الإِنس﴾ أي: ثم يقول يا معشر الجن، وسياق الكلام يدل على المحذوف.
ومعنى قوله: ﴿قد استكثرتم من الإِنس﴾ أي: من إغوائهم وإضلالهم، كقوله [¬٧] تعالى:
﴿﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَابَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (٦٠) وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (٦١)﴾﴾. وقال علي بن أبي
стр. 2628
طلحة (٢٦٨)، عن ابن عباس: ﴿يا معشر الجن قد استكثرتم من الإنس﴾ يعني [¬١]: أضللتم منهم كثيرًا. وكذا [¬٢] قال مجاهد والحسن وقتادة.
﴿وقال أولياؤهم من الإنس ربنا استمتع بعضنا ببعض﴾ يعني: أن أولياء الجن من الإنس قالوا مجيبين للَّه تعالى عن ذَلك بهذا.
قال ابن أبي حاتم (٢٦٩): حدثنا أبي، حدثنا أبو الأشهب هوذة بن خليفة، حدثنا عوف [¬٣]، عن الحسن في هذه الآية قال: استكثر ربكم أهل النار يوم القيامة، فقال أولياؤهم من الإِنس: ﴿ربنا استمتع بعضنا ببعض﴾. قال الحسن: وما كان استمتاع بعضهم ببعض إلا أن الجن أمرت وعملت الإِنس.
و [¬٤] قال محمد بن كعب في قوله: ﴿ربنا استمتع بعضنا ببعض﴾ قال: الصحابة في الدنيا.
وقال ابن جريج: كان الرجل [في الجاهلية ينزل الأرض] [¬٥]، فيقول: أعوذ بكبير هذا الوادي. فذلك استمتاعهم فاعتذروا يوم القيامة.
وأما استمتاع الجن بالإِنس: فإنه [¬٦] كان فيما ذكر: ما ينال الجن من الإنس من تعظيمهم إياهم في استعانتهم [¬٧] بهم، فيقولون: قد سدنا الإِنس والجن.
﴿وبلغنا أجلنا الذي أجلت لنا﴾ قال السدي: يعني [¬٨] الموت.
﴿قال النار مثواكم﴾ أي: مأواكم ومنزلكم أنتم وأولياؤكم ﴿خالدين فيها﴾ أي: ماكمين [فيها مكثًا] [¬٩] مخلدًا إلا ما شاء اللَّه.
قال بعضهم: يرجع معنى الاستثناء إلى البرزخ. وقال بعضهم: هذا رد إلى مدة الدنيا. وقيل
غير ذلك من الأقوال، التي سيأتي تقريرها عند قوله تعالى في سورة هود: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ (١٠٧)﴾.
стр. 2629
وقد روى ابن جرير وابن أبي حاتم (٢٧٠) في تفسير هذه الآية: من طريق عبد اللَّه بن صالح كاتب الليث، حدثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة [¬١]، عن ابن عباس قال: ﴿النار مثواكم خالدين فيها إلا ما شاء اللَّه إن ربك حكيم عليم﴾ قال: إن هذه الآية آية لا ينبغي لأحد أن يحكم على اللَّه في خلقه، ولا ينزلهم جنة ولا نارًا.
﴿وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (١٢٩)﴾
قال سعيد: عن قتادة فى تفسيرها: إنما يولي اللَّه [] [¬٢] الناي بأعمالهم، فالمؤمن ولي المؤمن أين كان وحيث كان، والكافر ولي الكافر أينما كان وحيثما كان، ليس الإِيمان بالتمني ولا بالتحلي.
واختار [هذا القول] [¬٣] ابن جرير [¬٤].
وقال معمر، عن قتادة فى تفسيرها: [﴿نولي بعض الظالمين بعضًا﴾] [¬٥] النار، يتبع بعضهم بعضًا.
وقال مالك بن دينار: قرأت في الزبور: إني أنتقم من المنافقين بالمنافقين، ثم أنتقم من المنافقين جميعًا، وذلك في كتاب اللَّه [] [¬٦] تعالى: ﴿وكذلك نولي بعض الظالمين بعضًا﴾.
[وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم فى قوله: ﴿وكذلك نولي بعض الظالمين بعضًا﴾] [¬٧] قال: ظالمي الجن وظالمي الإِنس، وقرأ ﴿ومن يعش عن ذكر الرحمن نقيض له شيطانًا فهو له قرين﴾ قال: ونسلط [¬٨] ظلمة الجن على ظلمة الإِنس.
وقد روى الحافظ ابن عساكر في ترجمة عبد الباقي بن أحمد (٢٧١): من طريق سعيد بن
стр. 2630
عبد الجبار الكرابيسي [¬١]، عن حماد بن سلمة، عن عاصم، عن زر، عن ابن مسعود مرفوعًا: "من أعان ظالماً سلطه اللَّه عليه".
وهذا حديث غريب، وقال بعض الشعراء:
وما من يد إلا يد اللَّه فوقها … ولا [¬٢] ظالم إلا سيبلى بظالم
ومعنى الآية الكريمة: كما [¬٣] ولينا هؤلاء الخاسرين من الإِنس تلك الطائفة التي أغوتهم من الجن، كذلك نفعل بالظالمين نسلط بعضهم على بعض، ونهلك بعضهم ببعض، وننتقم من بعضهم ببعض، جزاء على ظلمهم وبغيهم.
﴿يَامَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا شَهِدْنَا عَلَى أَنْفُسِنَا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَشَهِدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ (١٣٠)﴾
وهذا أيضًا مما يقرع [¬٤] اللَّه به كافرين الجن والإِنس يوم القيامة، حيث يسألهم وهو أعلم هل [¬٥] بلغتهم الرسل رسالاته؟ وهذا استفهام تقرير ﴿يا معشر الجن والإِنس ألم يأتكم رسل منكم﴾ أي: من جملتكم، والرسل من الإِنس فقط، [وليس من الجن رسل] [¬٦] كما نص على ذلك مجاهد وابن جريج وغير واحد من الأئمة من السلف والخلف.
وقال ابن عباس: الرسل من بني آدم ومن الجن نذر.
وحكى ابن جرير [¬٧] عن الضحاك بن مزاحم: أنه زعم أن فى الجن رسلًا، واحتج بهذه الآية الكريمة، وفي الاستدلال بها على ذلك نظر؛ لأنها محتملة وليست بصريحة، وهي واللَّه أعلم كقوله: ﴿مرج البحرين يلتقيان بينهما برزخ لا يبغيان﴾ إلى أن قال ﴿يخرج منهما اللؤلؤ
стр. 2631
والمرجان﴾ ومعلوم أن اللؤلؤ والمرجان إنما يستخرجان [¬١] من الملح لا من الحلو، وهذا واضح ولله الحمد، وقد نص على هذا الجواب بعينه ابن جرير [¬٢].
والدليل على أن الرسل إنما هم من الأنس قوله تعالى: ﴿إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح والنبيين من بعده﴾ إلى قوله [¬٣] ﴿رسلًا مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على اللَّه حجة بعد الرسل﴾، وقوله تعالى عن إبراهيم: ﴿وجعلنا في ذريته النبوّة والكتاب﴾ فحصر النبوّة والكتاب بعد إبراهيم في ذريته، ولم يقل أحد من الناس إن النبوّة كانت في الجن قبل إبراهيم الخليل، ثم انقطعت عنهم ببعثته، وقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاقِ﴾، وقال: ﴿وما أرسلنا من قبلك إلا رجالًا نوحي [¬٤] إليهم من أهل القرى﴾، ومعلوم أن الجن تبع للإِنس في هذا الباب، ولهذا قال تعالى إخبارًا عنهم: ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ (٢٩) قَالُوا يَاقَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ (٣٠) يَاقَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (٣١) وَمَنْ لَا يُجِبْ دَاعِيَ اللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الْأَرْضِ وَلَيْسَ لَهُ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءُ أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٣٢)﴾.
وقد جاء في الحديث الذي رواه الترمذي وغيره (٢٧٢): أن رسول اللَّه ﷺ تلا عليهم سورة الرحمن، وفيها قوله تعالى: ﴿سنفرغ لكم أيها الثقلان * فبأي آلاء ربكما تكذبان﴾.
وقال تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿يَامَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا شَهِدْنَا عَلَى أَنْفُسِنَا﴾ أي: أقررنا أن الرسل قد بلغونا رسالاتك، وأنذرونا لقاءك، وأن هذا اليوم كائن لا محالة.
و [¬٥] قال تعالى: ﴿وغرتهم الحياة الدنيا﴾ أي: وقد فرطوا في حياتهم الدنيا، [وهلكوا بتكذبيهم الرسل، ومخالفتهم للمعجزات؛ لما اغتروا به من زخرف الحياة الدنيا] [¬٦] وزينتها وشهواتها ﴿وشهدوا على أنفسهم﴾ أي: يوم القيامة ﴿أنهم كانوا كافرين﴾ أي: في الدنيا بما جاءتهم به [¬٧] الرسل صلوات اللَّه وسلامه عليهم.
стр. 2632
﴿ذَلِكَ أَنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا غَافِلُونَ (١٣١) وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ (١٣٢)﴾
يقول تعالى: ﴿ذلك أن لم يكن ربك مهلك القرى بظلم وأهلها غافلون﴾ أي: إنما أعذرنا إلى الثقلين بإرسال الرسل وإنزال الكتب؛ لئلا يعاقب أحدا بظلمه وهو لم تبلغه دعوة، ولكن أعذرنا إلى الأمم، وما عذبنا أحدًا إلا بعد إرسال الرسل إليهم، كما قال تعالى: ﴿وإن من أمة [¬١] إلا خلا فيها نذير﴾، وقال تعالى: ﴿ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت﴾، كقوله: ﴿وما كنا معذبين حتى نبعث رسولاً﴾، وقال تعالى: ﴿كلما ألقي فيها فوج سألهم خزنتها ألم يأتكم نذير [قالوا بلى قد جاءنا نذير فكذبنا﴾] [¬٢] والآيات في هذا كثيرة.
وقال الإِمام أبو جعفر بن جرير [¬٣] ويحتمل قوله تعالى: ﴿بظلم﴾ وجهين:
أحدهما: ﴿ذلك﴾ من أجل [﴿أن لم يكن ربك مهلك القرى بظلم﴾] [¬٤] أهلها بالشرك ونحوه ﴿وهم غافلون﴾ يقول: لم يكن يعاجلهم بالعقوبة، حتى يبعث إليهم رسولاً [¬٥] ينبههم على حجج الله عليهم، وينذرهم عذاب الله يوم معادهم، ولم يكن بالذي يؤاخذهم غفلة، فيقولوا: ما جاءنا من بشير ولا نذير.
والوجه الثاني: ﴿ذلك أن لم يكن ربك مهلك القرى بظلم﴾ يقول: لم يكن ربك ليهلكهم دون التنبيه والتذكير بالرسل، والآيات والعبر، فيظلمهم بذلك، والله غير ظلام لعبيده.
ثم شرع يرجح الوجه الأول، ولا شك أنه أقوى والله أعلم.
قال [¬٦]: وقوله تعالى: ﴿ولكل درجات مما عملوا﴾ أي: ولكل عامل من [¬٧] طاعة الله أو معصيته مراتب ومنازل من عمله، يبلغه الله إياها ويثيبه بها، إن خيرًا [فخيرًا، وإن شرًّا فشرًا] [¬٨].
стр. 2633
(قلت): ويحتمل أن يعود قوله: ﴿ولكل درجات مما عملوا﴾ أي: [ولكل عامل من طاعة الله أو معصيته] [¬١] من كافري الجن والإنس، أي: ولكل درجة في النار بحسبه، كقوله: ﴿قال لكل ضعف﴾، وقوله: ﴿الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله زدناهم عذابًا فوق العذاب بما كانوا يفسدون﴾.
﴿وما ربك بغافل عما يعملون﴾ قال ابن جرير [¬٢]: أي: وكل ذلك [من عملهم يا محمد] [¬٣] بعلم من ربك يحصيها ويثبتها لهم عنده؛ ليجازيهم عليها عند لقائهم إياه ومعادهم إليه.
﴿وَرَبُّكَ الْغَنِيُّ ذُو الرَّحْمَةِ إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَسْتَخْلِفْ مِنْ بَعْدِكُمْ مَا يَشَاءُ كَمَا أَنْشَأَكُمْ مِنْ ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ (١٣٣) إِنَّ مَا تُوعَدُونَ لَآتٍ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ (١٣٤) قُلْ يَاقَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدَّارِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ (١٣٥)﴾
يقول تعالى: ﴿وربك﴾ يا محمد ﴿الغني﴾ أي: عن جميع خلقه من [¬٤] جميع الوجوه، وهم الفقراء إليه في جميع أحوالهم ﴿ذو الرحمة﴾ أي: وهو مع ذلك رحيم بهم، رءوف [¬٥] كما قال تعالى: ﴿إن الله بالناس لرءوف رحيم﴾.
﴿إن يشأ يذهبكم﴾ أي: إذا خالفتم أمره ﴿ويستخلف من بعدكم ما يشاء﴾ أي: قومًا آخرين، أي: يعملون بطاعته ﴿كما أنشأكم من ذرية قوم آخرين﴾ أي: هو قادر على ذلك سهل عليه يسير لديه، كما أذهب القرون [¬٦] الأوَل وأتى بالذي بعدها [¬٧]، كذلك هو قادر على إذهاب هؤلاء والإتيان بآخرين، كما قال تعالى: ﴿إن يشأ يذهبكم أيها الناس ويأت بآخرين وكان الله على ذَلك قديرًا﴾، وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (١٥) إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ (١٦) وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ (١٧)﴾، وقال تعالى: ﴿والله [] [¬٨] الغني وأنتم الفقراء وإن تتولوا يستبدل قومًا غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم﴾.
стр. 2634
وقال محمد بن إسحاق (٢٧٣)، عن يعقوب بن عتبة قال: سمعت أبان بن عثمان يقول في هذه الآية ﴿كما أنشأكم من ذرية قوم آخرين﴾ الذرية: الأصل، والذرية: النسل. وقوله تعالى: ﴿إنما توعدون لآت وما أنتم بمعجزين﴾ أي: أخبرهم يا محمد أن الذي يوعدون به من أمر المعاد كائن لا محالة ﴿وما أنتم بمعجزين﴾ أي: و [¬١] لا تعجزون الله، بل هو قادر على إعادتكم، وإن صرتم ترابًا رفاتًا وعظامًا هو [¬٢] قادر لا يعجزه شيء.
وقال ابن أبي حاتم في تفسيرها (٢٧٤): حدثنا أبي، حدثنا محمد بن المصفى، حدثنا محمد ابن حمير، عن أبي بكر بن أبي مريم، عن عطاء بن أبي رباح، عن أبي سعيد الخدري ﵁، عن النبي ﷺ أنه قال: "يا بني آدم، إن كنتم تعقلون فعدوا أنفسكم من الموتى، والذي نفسي بيده ﴿إنما توعدون لآت وما أنتم بمعجزين﴾ ".
وقوله تعالى: ﴿قل يا قوم اعملوا على مكانتكم إني عامل فسوف تعلمون﴾ هذا تهديد [شديد، ووعيد أكيد] [¬٣]، أي: استمروا على طريقتكم وناحيتكم إن كنتم تظنون أنكم على هدى، فأنا مستمر على طريقتي ومنهجي، كقوله [¬٤]: ﴿وقل للذين لا يؤمنون اعملوا على مكانتكم إنا عاملون * وانتظروا إنا منتظرون﴾.
قال علي بن أبي طلحة (٢٧٥)، عن ابن عباس: ﴿على مكانتكم﴾ أى: ناحيتكم.
﴿فسوف تعلمون من تكون له عاقبة الدار إنه لا يفلح الظالمون﴾ أي: تكون لي أولكم،
стр. 2635
وقد أنجز الله [¬١] موعوده لرسوله [¬٢] صلوات الله عليه، فإنه تعالى مكن له في البلاد، وحكمه في نواصي مخالفيه من العباد، وفتح له مكة، وأظهره على من كذبه من قومه وعاداه وناوأه، واستقر أمره على سائر جزيرة العرب، وكذلك اليمن والبحرين، وكل ذلك في حياته، ثم فتحت الأمصار والأقاليم والرساتيق [¬٣] بعد وفاته، في أيام خلفائه ﵃ أجمعين، كما قال الله تعالى: ﴿كتب الله لأغلبن أنا ورسلي إن الله قوي عزيز﴾، وقال: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ (٥١) يَوْمَ لَا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ (٥٢)﴾، [وقال تعالى: ﴿ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون﴾] [¬٤]، وقال تعالى إخبارًا عن رسله: ﴿فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ (١٣) وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ (١٤)﴾، وقال تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا﴾ الآية، وقد فعل الله ذلك بهذه الأمة المحمدية [¬٥]، وله الحمد والمنة، أولاً وآخرًا، و [ظاهرًا وباطنًا].
﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ نَصِيبًا فَقَالُوا هَذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَذَا لِشُرَكَائِنَا فَمَا كَانَ لِشُرَكَائِهِمْ فَلَا يَصِلُ إِلَى اللَّهِ وَمَا كَانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلَى شُرَكَائِهِمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ (١٣٦)﴾
هذا ذم وتوبيخ من الله للمشركين، الذين ابتدعوا بدعًا وكفرًا وشركًا، وجعلوا لله شركاء [¬٦] وجزءًا من خلقه، وهو خالق كل شيء [عما يشركون] [¬٧]، ولهذا قال تعالى: ﴿وجعلوا لله مما ذرأ﴾ أي: مما خلق وبراً ﴿من الحرث﴾ أي: من الزروع والثمار ﴿والأنعام نصيبًا﴾ أي: جزءًا وقسمًا ﴿فقالوا هذا لله بزعمهم وهذا لشركائنا﴾.
وقوله: ﴿فما كان لشركائهم فلا يصل إلى الله وما كان لله فهو يصل إلى شركائهم﴾
стр. 2636
قال علي بن أبي طلحة والعوفي (٢٧٦)، عن ابن عباس أنه قال في تفسير هذه الآية: إن أعداء الله كانوا إذا حرثوا حرثًا أو كانت لهم ثمرة، جعلوا لله منه جزءًا واللوثن جزءًا، فما كان من حرث أو ثمرة أو شيء من نصيب الأوثان حفظوه وأحصوه، وإن سقط منه شيء فيما سمي للصمد ردّوه إلى ما جعلوه للوثن، وإن سبقهم الماء الذي جعلوه اللوثن، فسقى شيئًا جعلوه لله جعلوا ذلك للوثن. وإن سقط شيء من الحرث والثمرة التي جعلوها لله، فاختلط بالذي جعلوه للوثن، قالوا: هذا فقير ولم يردّوه إلى ما جعلوه لله، وإن سبقهم الماء الذي جعلوه لله، فسقى ما سمي للوثن تركوه للوثن، وكانوا يحرمون من أنعامهم [¬١] البحيرة والسائبة والوصيلة والحام، فيجعلونه [¬٢] للأوثان ويزعمون أنهم يحرمونه قربة [¬٣] لله، فقال الله تعالى: ﴿وجعلوا لله مما ذرأ من الحرث والأنعام نصيبًا﴾ الآية.
وهكذا قال مجاهد وقتادة والسدي وغير واحد.
وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم في الآية [¬٤]: كل شيء جعلوه [¬٥] لله من ذبح يذبحونه لا يأكلونه أبدًا، حتى يذكروا معه أسماء الآلهة، وما كان للآلهة لم يذكروا اسم الله معه، وقرأ الآية حتى بلغ: ﴿ساء ما يحكمون﴾.
أي: ساء ما يقسمون، فإنهم أخطئوا أولاً في القسمة؛ لأن [¬٦] الله تعالى هو رب كل شيء ومليكه وخالقه وله الملك، وكل شيء له وفي تصرفه، وتحت قدرته ومشيئته، لا إله غيره ولا رب سواه.
ثم لما قسموا فيما زعموا لم يحفظوا القسمة التي هي فاسدة، بل جاروا فيها، كقوله جل وعلا: ﴿ويجعلون لله البنات سبحانه ولهم ما يشتهون﴾، وقال تعالى: ﴿وجعلوا له من عباده جزءًا إن الإنسان لكفور مبين﴾، وقال تعالى: ﴿ألكم الذكر وله الأنثى * تلك إذا قسمة ضيزى﴾.
стр. 2637
﴿وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلَادِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ لِيُرْدُوهُمْ وَلِيَلْبِسُوا عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ (١٣٧)﴾
يقول تعالى: وكما زينت الشياطين لهؤلاء المشركين أن يجعلوا لله مما ذرأ من الحرث والأنعام نصيبًا، كذلك زينوا لهم قتل أولادهم خشية الإملاق [¬١]، ووأد البنات خشية العار.
وقال على بن أبي طلحة (٢٧٧)، عن ابن عباس: ﴿وكذلك زين لكثير من المشركين قتل أولادهم شركاؤهم﴾ زينوا لهم قتل أولادهم.
وقال مجاهد: ﴿شركاؤهم﴾ شياطينهم يأمرونهم أن يئدوا أولادهم خشية [¬٢] العَيْلة.
وقال السدي: أمرتهم الشياطين أن يقتلوا البنات، إما ليردوهم فيهلكوهم، وإما ليلبسوا عليهم دينهم، أي [¬٣]: فيخلطوا عليهم دينهم.
ونحو ذلك قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم وقتادة.
وهذا كقوله تعالى: ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ (٥٨) يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ أَلَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ] [¬٤]﴾، وكقوله: ﴿وإذا الموؤدة سئلت * بأي ذنب قتلت﴾ وقد كانوا أيضًا يقتلون الأولاد من الإملاق وهو الفقر، أو خشية الإملاق أن يحصل لهم في تلف [¬٥] المال، وقد نهاهم عن قتل أولادهم لذلك وإنما كان هذا كله من شرع الشيطان وتزيينه [¬٦] لهم ذلك.
قوله [¬٧] تعالى: ﴿ولو شاء اللَّه ما فعلوه﴾ أي: كل هذا واقع بمشيئته تعالى، وإرادته واختياره لذلك كونًا، وله الحكمة [¬٨] التامّة في ذلك، فلا يسأل عما يفعل وهم يسألون ﴿فذرهم وما يفترون﴾ أي: فدعهم واجتنبهم وما هم فيه، فسيحكم الله بينك وبينهم.
стр. 2638
﴿وَقَالُوا هَذِهِ أَنْعَامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ لَا يَطْعَمُهَا إِلَّا مَنْ نَشَاءُ بِزَعْمِهِمْ وَأَنْعَامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُهَا وَأَنْعَامٌ لَا يَذْكُرُونَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا افْتِرَاءً عَلَيْهِ سَيَجْزِيهِمْ بِمَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (١٣٨)﴾
قال على بن أبي طلحة (٢٧٨)، عن ابن عباس: الحجر: الحرام مما [¬١] حرموا من الوصيلة وتحريم ما حرموا.
وكذلك قال مجاهد والضحاك والسدي وقتادة وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم وغيرهم [¬٢].
وقال قتادة: ﴿وقالوا هذه أنعام وحرث حجر … ﴾: الآية تحريم كان عليهم من الشياطين [في أموالهم وتغليظ وتشديد] [¬٣]، ولم يكن من الله تعالى.
وقال ابن [¬٤] زيد بن أسلم: ﴿حجر﴾ إنما احتجروها لآلهتهم.
وقال السدي: ﴿لا يطعمها إلا من نشاء بزعمهم﴾ يقولون [¬٥]: حرام أن نطعم إلا من شئنا.
وهذه الآية الكريمة كقوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامًا وَحَلَالًا قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ (٥٩)﴾.
وكقوله تعالى: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَامٍ وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَأَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ (١٠٣)﴾.
وقال السدي: أما [الأنعام التي] [¬٦] حرمت ظهورها: فهي البحيرة والسائبة والوصيلة [¬٧] والحام، وأما الأنعام التي لا يذكرون اسم الله عليها قال: إذا أولدوها [¬٨] ولا إن نحروها.
стр. 2639
وقال أبو بكر بن عياش (٢٧٩)، عن عاصم بن أبي النجود، قال لي أبو وائل: أتدري [¬١] ما في قوله ﴿وأنعام حرمت ظهورها وأنعام لا يذكرون اسم الله عليها﴾؟ قلت: لا. قال: هي البحيرة كانوا لا يحجون عليها.
وقال مجاهد: كان من إبلهم طائفة لا يذكرون اسم الله عليها في شأن [¬٢] من شأنها، لا إن ركبوا، ولا إن حلبوا، ولا إن حملوا، ولا إن سحبوا، ولا إن عملوا شيئًا.
﴿افتراء عليه﴾ أي: على الله، وكذبًا منهم في إسنادهم ذلك إلى دين الله وشرعه؛ فإنه لم يأذن لهم في ذلك، ولا رضيه منهم ﴿سيجزيهم بما كانوا يفترون﴾ أي: عليه، ويُسْندون إليه.
﴿وَقَالُوا مَا فِي بُطُونِ هَذِهِ الْأَنْعَامِ خَالِصَةٌ لِذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَى أَزْوَاجِنَا وَإِنْ يَكُنْ مَيْتَةً فَهُمْ فِيهِ شُرَكَاءُ سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (١٣٩)﴾
قال أبو إسحاق السبيعي (٢٨٠): عن عبد الله بن أبي الهذيل، عن ابن عباس: ﴿وقالوا ما في بطون هذه الأنعام خالصة لذكورنا﴾ الآية، قال [¬٣]: اللبن.
[وقال العوفي (٢٨١)، عن ابن عباس ﴿وقالوا ما في بطون هذه الأنعام خالصة لذكورنا﴾] [¬٤] فهو اللبن كانوا يحرمونه على إناثهم، ويشربه ذكرانهم، وكانت الشاة إذا ولدت [] [¬٥] ذكرًا ذبحوه وكان للرجال دون النساء، وإن كانت أنثى تركت فلم تذبح، وإن كانت ميتة فهم فيها [¬٦] شركاء، فنهى الله عن ذلك. وكذا قال السدي.
стр. 2640
وقال الشعبي: البحيرة لا يأكل من لبنها إلا الرجال، وإن مات منها شيء أكله الرجال والنساء. وكذا قال عكرمة وقتادة وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم.
وقال مجاهد في قوله: ﴿وقالوا ما في بطون هذه الأنعام خالصة لذكورنا ومحرم على أزواجنا﴾ قال: هي السائبة والبحيرة. وقال أبو العالية ومجاهد وقتادة [في قول الله:] [¬١] ﴿سيجزيهم وصفهم﴾ أي: قولهم الكذب في ذلك. يعني قوله [¬٢] تعالى: ﴿ولا تقولوا لِما تصف ألسنتكم الكذب هذا حلال وهذا حرام لتفتروا على الله الكذب إن الذين يفترون على الله الكذب لا يفلحون متاع﴾ الآية.
﴿إنه حكيم﴾ أي: في أفعاله وأقواله وشرعه وقدره [¬٣] ﴿عليم﴾ بأعمال عباده من خير وشر، وسيجزيهم عليها [¬٤] أتم الجزاء.
﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلَادَهُمْ سَفَهًا بِغَيْرِ عِلْمٍ وَحَرَّمُوا مَا رَزَقَهُمُ اللَّهُ افْتِرَاءً عَلَى اللَّهِ قَدْ ضَلُّوا وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ (١٤٠)﴾
يقول تعالى: قد خسر الذين فعلوا [¬٥] هذه الأفعال فى الدنيا والآخرة، أما في الدنيا فخسروا أولادهم بقتلهم، وضيقوا عليهم في أموالهم، فحرموا أشياء ابتدعوها من تلقاء أنفسهم، وأما في الآخرة فيصيرون إلى شر المنازل، بكذبهم على الله وافترائهم، كقوله: ﴿قُلْ [¬٦] إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ (٦٩) مَتَاعٌ فِي الدُّنْيَا ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ نُذِيقُهُمُ الْعَذَابَ الشَّدِيدَ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ (٧٠)﴾.
وقال الحافظ أبو بكر بن مردويه (٢٨٢) في تفسير هذه الآية: حدثنا محمد بن أحمد بن إبراهيم، حدثنا محمد بن أيوب، حدثنا عبد الرحمن بن المبارك، حدثنا أبو عوانة، عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس ﵄، قال: إذا سرك أن تعلم جهل العرب، فاقرأ ما فوق الثلاثين والمائة من سورة الأنعام: ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلَادَهُمْ سَفَهًا بِغَيْرِ عِلْمٍ وَحَرَّمُوا مَا رَزَقَهُمُ اللَّهُ افْتِرَاءً عَلَى اللَّهِ قَدْ ضَلُّوا وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ (١٤٠)﴾.
стр. 2641
وهكذا رواه البخاري منفردًا في كتاب مناقب قريش بن صحيحه: عن أبي النعمان محمد بن الفضل عارم، عن [¬١] أبي عوانة واسمه الوضاح بن عبد الله اليشكري، عن أبي بشر واسمه جعفر بن أبي وحشية [] [¬٢] إياس، به.
﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنَّاتٍ مَعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفًا أُكُلُهُ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشَابِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ (١٤١) وَمِنَ الْأَنْعَامِ حَمُولَةً وَفَرْشًا كُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (١٤٢)﴾
يقول تعالى [مبينًا أنه] [¬٣] الخالق لكل شيء: من الزروع [¬٤] والثمار والأنعام، التي تصرف فيها هؤلاء [¬٥] المشركون بآرائهم الفاسدة، وقسموها وجزءوها، فجعلوا منها حرامًا وحلالاً، فقال: ﴿وهو الذي أنشأ جنات معروشات وغير معروشات﴾.
قال على بن أبي طلحة (٢٨٣)، عن ابن عباس: [﴿معروشات﴾] [¬٦] مسموكات [¬٧]. وفي رواية: المعروشات: ما عرش الناس، ﴿وغير معروشات﴾ ما خرج فى البر والجبال من الثمرات.
وقال عطاء الخراساني (٢٨٤)، عن ابن عباس: ﴿معروشات﴾: ما عرش من الكرم ﴿وغير معروشات﴾ ما لم يعرش من الكرم. وكذا قال السدي.
وقال ابن جريج: ﴿متشابهًا وغير متشابه﴾. قال: متشابهًا في المنظر، وغير متشابه في المطعم [¬٨].
وقال محمد بن كعب: ﴿كلوا من ثمره إذا أثمر﴾ قال: من رطبه وعنبه.
стр. 2642
وقوله تعالى: ﴿وآتوا حقه يوم حصاده﴾ قال ابن جرير [¬١]: قال بعضهم: هي الزكاة المفروضة.
حدثنا عمرو (٢٨٥)، حدثنا عبد الصمد، حدثنا يزيد بن درهم، قال: سمعت أنس بن مالك يقول: ﴿وآتوا حقه يوم حصاده﴾ قال: الزكاة المفروضة.
وقال على بن أبي طلحة (٢٨٦)، عن ابن عباس: ﴿وآتوا حقه يوم حصاده﴾ يعني: الزكاة المفروضة يوم يكال ويعلم كيله. وكذا قال سعيد بن المسيب.
وقال العوفي (٢٨٧)، عن ابن عباس: ﴿وآتوا حقه يوم حصاده﴾ وذلك أن الرجل كان إذا زرع فكان يوم حصاده، لم يخرج مما حصد شيئًا، فقال الله تعالى: ﴿وآتوا حقه يوم حصاده﴾ وذلك أن يعلم ما كيله، وحقه من كل عشرة واحدًا، وما يلقط الناس من سنبله.
وقد روى الإِمام أحمد وأبو داود في سننه (٢٨٨): من حديث محمد بن إسحاق، حدثني محمد بن يحيى بن حبان، [عن عمه واسع بن حبان] [¬٢]، عن جابر بن عبد الله: أن النبي
стр. 2643
ﷺ أمر مِنْ كُلِّ جَادٍ عَشْرَةَ أَوسُقٍ من التمر، بِقِنْوٍ يُعَلَّقُ في المسجد للمساكين.
وهذا إسناد [¬١] جيد قوي.
وقال طاوس وأبو الشعثاء وقتادة والحسن والضحاك وابن جريج: هي الزكاة.
وقال الحسن البصري: هى الصدقة من الحب والثمار. وكذا قال ابن زيد بن أسلم.
وقال آخرون: هو حق آخر سوى الزكاة.
وقال أشعث، عن محمد بن سيرين و [] [¬٢] نافع، عن [¬٣] ابن عمر في قوله: ﴿وآتوا حقه يوم حصاده﴾ قال: كانوا يعطون شيئًا سوى الزكاة. رواه ابن مردويه (٢٨٩).
وروى عبد الله بن المبارك وغيره، عن عبد الملك بن أبي سليمان، عن عطاء بن أبي رباح في قوله: ﴿وآتوا حقه يوم حصاده﴾ قال: يعطي من حضره يومئذ ما تيسر، وليس بالزكاة.
وقال مجاهد: إذا حضرك المساكين طرحت لهم منه.
وقال عبد الرزاق (٢٩٠): عن ابن عيينة، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد ﴿وآتوا حقه يوم حصاده﴾ قال: عند الزرع يعطي القبضَ، وعند الصِّرام يعطي القبض، ويتركهم فيتبعون آثار الصرام.
وقال الثوري: عن حماد، عن إبراهيم النخعي [¬٤]، قال: يعطي مثل الضغث.
стр. 2644
وقال ابن المبارك: عن شريك، عن سالم، عن سعيد بن جبير ﴿وآتوا حقه يوم حصاده﴾ قال: كان هذا قبل الزكاة، للمساكين القبضة، و [¬١] الضغث لعلف دابته.
وفي حديث ابن لهيعة، عن دراج، عن أبي الهيثم، عن أبي [¬٢] سعيد مرفوعًا. ﴿وآتوا حقه يوم حصاده﴾ قال: "ما سقط من السنبل". رواه ابن مردويه (٢٩١).
وقال آخرون: هذا كله [¬٣] شيء كان واجبًا، ثم نسخه الله بالعشر أو [¬٤] نصف العشر. حكاه ابن جرير: عن ابن عباس، ومحمد بن الحنفية، وإبراهيم النخعي، والحسن، والسدي، وعطية العوفي، وغيرهم، واختاره ابن جرير رحمه [¬٥] الله.
قلت: وفي تسمية هذا نسخًا نظر؛ لأنه قد كان شيئًا واجبًا في الأصل، ثم إنه فصل بيانه، وبين مقدار المخرج وكميته، قالوا: وكان هذا في السنة الثانية من الهجرة فالله أعلم.
وقد ذم الله سبحانه الذين يصرمون ولا يتصدقون، كما ذكر عن أصحاب الجنة في سورة "ن": ﴿إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ (١٧) وَلَا يَسْتَثْنُونَ (١٨) فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِنْ رَبِّكَ وَهُمْ نَائِمُونَ (١٩) فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ (٢٠)﴾ أي: كالليل المدلهم سوداء محترقة ﴿فَتَنَادَوْا مُصْبِحِينَ (٢١) أَنِ اغْدُوا عَلَى حَرْثِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَارِمِينَ (٢٢) فَانْطَلَقُوا وَهُمْ يَتَخَافَتُونَ (٢٣) أَنْ لَا يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ عَلَيْكُمْ مِسْكِينٌ (٢٤) وَغَدَوْا عَلَى حَرْدٍ﴾ أي: قوة وجلد وهمة ﴿قَادِرِينَ (٢٥) فَلَمَّا رَأَوْهَا قَالُوا إِنَّا لَضَالُّونَ (٢٦) بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ (٢٧) قَالَ أَوْسَطُهُمْ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ لَوْلَا تُسَبِّحُونَ (٢٨) قَالُوا سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ (٢٩) فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَلَاوَمُونَ (٣٠) قَالُوا يَاوَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا طَاغِينَ (٣١) عَسَى رَبُّنَا أَنْ يُبْدِلَنَا خَيْرًا مِنْهَا إِنَّا إِلَى رَبِّنَا رَاغِبُونَ (٣٢) كَذَلِكَ الْعَذَابُ وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (٣٣)﴾.
وقوله تعالى: ﴿ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين﴾ قيل: معناه لا [¬٦] تسرفوا في الإعطاء، فتعطوا فوق المعروف.
وقال أبو العالية: كانوا يعطون يوم الحصاد شيئًا، ثم تباروا فيه وأسرفوا، فأنزل الله: ﴿ولا
стр. 2645
تسرفوا﴾.
وقال ابن جريج: نزلت في ثابت بن قيس بن شماس [¬١]، جدَّ [¬٢] نخلاً له [¬٣] فقال: لا يأتيني اليوم أحد إلا أطعمته، فأطعم حتى أمسى وليست له ثمرة، فأنزل الله تعالى: ﴿ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين﴾. رواه ابن جرير (٢٩٢) عنه.
وقال ابن جريج، عن عطاء: نهوا [¬٤] عن السرف في كل شيء.
وقال إياس بن معاوية: ما جاوزت به أمر الله فهو سرف.
وقال السدي في قوله: ﴿ولا تسرفوا﴾ قال: لا تعطوا أموالكم فتقعدوا فقراء.
وقال سعيد بن المسيب ومحمد بن كعب في قوله: ﴿ولا تسرفوا﴾ قال: لا تمنعوا الصدقة فتعصوا ربكم [¬٥].
ثم اختار ابن جرير قول عطاء: إنه نَهيٌ عن الإسراف في كل شيء، ولا شك أنه صحيح، لكن الظاهر واللَّه أعلم من سياق الآية حيث قال تعالى: ﴿كلوا من ثمره إذا أثمر وآتوا حقه يوم حصاده ولا تسرفوا﴾ أن [¬٦] يكون عائدًا على [¬٧] الأكل، أي: لا تسرفوا في الأكل؛ لما فيه من مضرة العقل والبدن، كقوله تعالى: ﴿وكلوا واشربوا ولا تسرفوا [إنه لا يحب المسرفين] [¬٨]﴾.
وفي صحيح البخاري تعليقًا (٢٩٣): " كلوا واشربوا [والبسوا [وتصدقوا] [¬٩] [في] [¬١٠] غير إسراف ولا مخيلة". وهذا من هذا والله أعلم.
وقوله : ﴿ومن الأنعام حمولة وفرشًا﴾ أي: وأنشأ لكم من الأنعام ما هو
стр. 2646
حمولة، وما هو فرش، قيل المراد بالحمولة: ما يحمل عليه من الإبل، والفرش: الصغار منها، كما قال الثوري، عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص، عن عبد اَلله فى قوله: ﴿حمولة﴾ ما حمل عليه [¬١] من الإبل ﴿وفرشًا﴾ قال [¬٢]: الصغار من الإبل. رواه الحاكم (٢٩٤) وقال: صحيح الإِسناد [¬٣] ولم يخرجاه [¬٤].
وقال ابن عباس (٢٩٥): الحمولة هي الكبار، والفرش الصغار من الإِبل. وكذا قال مجاهد.
وقال على بن أبي طلحة (٢٩٦)، عن ابن عباس: ﴿ومن الأنعام حمولة وفرشًا﴾ أما الحمولة فالإِبل والخيل والبغال والحمير، وكل شيء يحمل عليه، وأما الفرش: فالغنم.
واختاره ابن جرير، قال: وأحسبه إنما سمي فرشًا لدنوه من الأرض.
وقال الربيع بن أنس والحسن والضحاك وقتادة وغيرهم [¬٥]: الحمولة: الإِبل والبقر، والفرش: الغنم.
وقال السدي: أما الحمولة: فالإبل، وأما الفرش: فالفصلان والعجاجيل [¬٦] والغنم، وما حمل عليه فهو حمولة.
стр. 2647
وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: الحمولة ما تركبون، والفرش ما تأكلون وتحلبون، شاة لا تحمل تأكلون لحمها، وتتخذون من صوفها لحافًا وفراشًا [¬١].
وهذا الذي قاله عبد الرحمن في تفسير هذه الآية الكريمة حسن، يشهد له قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ (٧١)﴾، وقال تعالى: ﴿وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَنًا خَالِصًا سَائِغًا لِلشَّارِبِينَ (٦٦)﴾ إِلى أن قال: ﴿وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثًا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ (٨٠)﴾، وقال تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَنْعَامَ لِتَرْكَبُوا مِنْهَا وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ (٧٩)﴾.
وقوله تعالى: ﴿كلوا مما رزقكم الله﴾ أي: من الثمار والزروع، والأنعام، فكلها خلقها الله، وجعلها رزقًا لكم ﴿ولا تتبعوا خطوات الشيطان﴾ أي: طرائقه وأوامره كما اتبعها المشركون، الذين حرموا ما رزقهم الله، أي: من الثمار والزروع افتراء على الله ﴿إنه لكم﴾ أي: إن الشيطان أيها الناس لكم ﴿عدو مبين﴾ أي: بين [¬٢] ظاهر العداوة، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ (٦)﴾، وقال تعالى ﴿يَابَنِي آدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآتِهِمَا﴾ الآية، وقال تعالى: ﴿أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا (٥٠)﴾ والآيات في هذا كثيرة في القرآن.
﴿ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الْأُنْثَيَيْنِ نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١٤٣) وَمِنَ الْإِبِلِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْبَقَرِ اثْنَيْنِ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الْأُنْثَيَيْنِ أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ وَصَّاكُمُ اللَّهُ بِهَذَا فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (١٤٤)﴾
стр. 2648
وهذا بيان لجهل العرب قبل الإسلام، فيما كانوا حرموا من الأنعام، وجعلوها أجزاء وأنواعا: بحيرة وسائبة ووصيلة وحامًا، وغير ذلك من الأنواع التي ابتدعوها، في الأنعام والزروع والثمار، فبين تعالى أنه أنشأ جنات معروشات وغير معروشات، وأنه أنشأ من الأنعام حمولة وفرشًا. ثم بين أصناف الأنعام؛ إلى غنم؛ وهو بياض: هو الضأن، وسواد وهو المعز: ذكره وأنثاه، وإلى إبل: ذكورها وإناثها، وبقر كذلك، وأنه تعالى لم يحرم شيئًا من ذلك، ولا شيئًا من أولادها، بل كلها مخلوقة لبني آدم: أكلًا وركوبًا، وحمولة وحلبًا، وغير ذلك من وجوه المنافع، كما قال: ﴿وأنزل لكم من الأنعام ثمانية أزواج﴾ الآية.
وقوله تعالى: ﴿أما اشتملت عليه أرحام الأنثيين﴾ رد عليهم في قولهم: ﴿مَا فِي بُطُونِ هَذِهِ الْأَنْعَامِ خَالِصَةٌ لِذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَى أَزْوَاجِنَا﴾.
وقوله تعالى: ﴿نبئوني بعلم إن كنتم صادقين﴾ أي: أخبروني عن يقين: كيف حرم الله عليكم ما زعمتم تحريمه، من البحيرة والسائبة والوصيلة والحام ونحو ذلك.
وقال العوفي (٢٩٧)، عن ابن عباس قوله: ﴿ثمانية أزواج من الضأن اثنين ومن المعز اثنين﴾ فهذه أربعة أزواج ﴿ومن الإبل اثنين ومن البقر اثنين قل آلذكرين حرم أم الأنثيين﴾ يقول: [لم أحرم شيئًا من ذلك ﴿أما اشتملت عليه أرحام الأنثيين﴾ يعني: هل يشتمل الرحم إلا على ذكر أو أنثى، فلم تحرمون بعضًا وتحلون بعضًا؟] [¬١] ﴿نبئوني بعلم إن كنتم صادقين﴾ يقول تعالى: كله حلال.
وقوله تعالى: ﴿أم كنتم شهداء إذ وصاكم الله بهذا﴾ تهكم بهم فيما ابتدعوه، وافتروه على الله من تحريم ما حرموه من ذلك ﴿فمن أظلم ممن افترى على الله كذبًا ليضل الناس بغير علم﴾ أي: لا أحد أظلم [¬٢] منه ﴿إن الله لا يهدي القوم الظالمين﴾.
وأول [¬٣] من دخل في هذه الآية عمرو بن لحي بن قمعة؛ لأنه [¬٤] أول [من غير دين الأنبياء، وأول] [¬٥] من سيب السوائب، ووصل الوصيلة، وحما الحام، كما ثبت ذلك في الصحيح (٢٩٨).
стр. 2649
﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٤٥)﴾
يقول تعالى آمرًا عبده ورسوله محمدًا ﷺ : ﴿قل﴾ لهؤلاء الذين حرموا ما رزقهم الله افتراء على الله ﴿لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ﴾ أي: آكل يأكله، قيل: معناه لا أجد شيئًا مما حرمتم حرامًا سوى هذه، وقيل: معناه لا أجد من الحيوانات شيئًا حرامًا سوى هذه، فعلى هذا يكون ما ورد من التحريمات [¬١] بعد هذا في سورة المائدة، وفي الأحاديث الواردة: رافعًا لمفهوم هذه الآية.
ومن الناس من يسمى هذا [¬٢] نسخًا، والأكثرون من المتأخرين لا يسمونه نسخًا؛ لأنه من باب رفع مباح الأصل، والله أعلم.
وقال العوفي (٢٩٩)، عن ابن عباس ﴿أو دمًا مسفوحًا﴾ يعني: المهراق.
وقال عكرمة في قوله: ﴿أو دمًا مسفوحًا﴾ لولا هذه الآية لتتبع [الناس] [¬٣] ما في العروق [¬٤]، كما تتبعه اليهود.
وقال حماد، عن عمران بن حُدَير قال: سألت أبا مجلز عن الدم، وما يتلطَّخُ من الذبح من الرأس، وعن القِدْر يرى [¬٥] فيها الحُمرة؟ فقال: إنما نهى الله عن الدم المسفوح.
وقال قتادة: حُرِّم من الدماء ما كان مسفوحًا، فأما اللحم [¬٦] خَاَلطَه دم فلا بأس به.
стр. 2650
وقال ابن جرير (٣٠٠): حدثنا المثنى، حدثنا حجاج بت منهال، حدثنا حماد، عن يحيى بن سعيد، عن القاسم، عن عائشة ﵂: أنها كانت لا ترى بلحوم السباع بأسًا، والحمرة والدم [يكونان على] [¬١] القدر بأسًا، وقرأت هذه الآية. صحيح غريب.
وقال الحميدي (٣٠١): حدثنا سفيان، حدثنا عمرو بن دينار، قال: قلت [لجابر بن عبد الله] [¬٢]: إنهم يزعمون أن رسول الله ﷺ نهى عن لحوم الحمر الأهلية زمن خيبر؟ فقال: قد كان يقول ذلك الحكم بن عمرو عن رسول الله ﷺ ، ولكن أبى ذلك البحر - يعني: ابن عباس -، وقرأ: ﴿قل لا أجد فيما أوحي إليَّ محرمًا [على طاعم يطعمه] [¬٣]﴾ الآية.
وكذا [¬٤] رواه البخاري (٣٠٢): عن علي بن المدينى، عن سفيان به. وأخرجه أبو داود: من
стр. 2651
حديث ابن جريج، عن عمرو بن دينار. ورواه الحاكم فى مستدركه (٣٠٣) [مع أنه في صحيح البخاري كما رأيت.
وقال أبو بكر بن مردويه والحاكم في مستدركه] [¬١]: حدثنا [محمد بن علي بن دحيم] [¬٢]، حدثنا أحمد بن حازم، حدثنا أبو نعيم الفضل بن دكين، حدثنا محمد بن شريك، عن عمرو ابن دينار، عن أبي الشعثاء، عن ابن عباس قال: كان أهل الجاهلية يأكلون أشياء، ويتركون أشياء تقذرًا، فبعث الله نبيه، وأنزل كتابه، وأحل حلاله، وحرم حرامه، فما أحل فهو حلال، وما حرم فهو حرام، وما سكت عنه فهو عفو، وتلا [¬٣] هذه الآية: ﴿قل لا أجد فيما أوحي إلى محرمًا على طاعم يطعمه﴾ إلى آخر الآية.
وهذا لفظ ابن مردويه (٣٠٤)، ورواه أبو داود منفردًا به: عن محمد بن داود بن صبيح، عن أبي نعيم به. وقال الحاكم: هذا حديث صحيح الإِسناد ولم يخرجاه.
وقال الإِمام أحمد (٣٠٥): حدثنا عفان، حدثنا أبو عوانة، عن سماك بن حرب، عن
стр. 2652
عكرمة، عن ابن عباس، قال: ماتت شاة لسودةَ بنت زَمْعَة، فقالت: يا رسول الله، ماتت فلانة - تعني الشاة - قال: "فلم لا أخذتم مَسْكَها؟ ". قالت: نأخذ مَسْكَ شاةٍ قد ماتت؟ فقال لها رسول اللَّه ﷺ : "إنما قال الله ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ﴾ وإنكم لا تطعمونه، إن تدبغوه فتنتفعوا [¬١] به". فأرسلت فسلخت مَسْكَها فدبغته، فاتخذت منه قربة حتى تخرَّقت عندها.
ورواه البخاري والنسائي (٣٠٦): من حديث الشعبي، عن عكرمة، عن ابن عباس، عن سودة بنت زمعة بذلك أو نحوه. وقال سعيد بن منصور (٣٠٧): حدثنا عبد العزيز بن محمد، عن عيسى بن نميلة الفزاري، عن أبيه، قال: كنت عند ابن عمر، فسأله رجل عن أكل القُنَفُذ [¬٢]، فقرأ عليه: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ﴾ الآية. فقال شيخ عنده:
стр. 2653
سمعت أبا هريرة يقول: ذكر عند النبي ﷺ فقال: "خبيث [¬١] من الخبائث". فقال ابن عمر: إن كان النبي ﷺ قاله فهو كما قال.
ورواه أبو داود: عن أبي ثور، عن سعيد بن منصور به.
وقوله تعالى: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ﴾ أي: فمن اضطر إلى أكل شيء مما حرم الله [¬٢] في هذه الآية الكريمة، وهو غير متلبس ببغي ولا عدوان ﴿فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ أي [¬٣]: غفور له رحيم به.
وقد تقدم تفسير هذه الآية في سورة [¬٤] البقرة بما فيه كفاية.
والمقصود من سياق هذه الآية الكريمة: الرد على المشركين، الذين ابتدعوا ما ابتدعوه من تحريم المحرمات على أنفسهم، بآرائهم الفاسدة من البحيرة والسائبة والوصيلة والحام ونحو ذلك، فأمر رسوله أن يخبرهم أنه لا يجد فيما أوحاه الله إليه أن ذلك محرم، وإنما حرم ما ذكر في هذه [¬٥] الآية: من الميتة، والدم المسفوح، ولحم الحنزير، وما أهل لغير الله به، وما عدا ذلك فلم يحرم، وإنما هو عفو مسكوت عنه، فكيف تزعمون أنتم [¬٦] أنه حرام؟ ومن أين حرمتموه ولم يحرمه الله [¬٧]؟ وعلى هذا فلا يبقى تحريم أشياء أخر فيما بعد هذا، كما جاء النهي عن لحوم الحمر الأهلية [¬٨]، ولحوم السباع، وكل ذي مخلب من الطير، على المشهور من مذاهب العلماء.
﴿وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إِلَّا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوِ الْحَوَايَا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِبَغْيِهِمْ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ (١٤٦)﴾
قال ابن جرير: يقول تعالى وحرمنا على اليهود كل ذي ظفر، وهو من البهائم والطير ما لم
стр. 2654
يكن مشقوق الأصابع: كالإِبل والنَّعام والأوز والبط.
قال على بن أبي طلحة (٣٠٨)، عن ابن عباس: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ﴾ وهو البعير والنعامة.
وكذا قال مجاهد والسدي في رواية.
وقال سعيد بن جبير: هو الذي ليس بمنفرج الأصابع. وفي رواية عنه: كل [] [¬١] مفترق الأصابع ومنه الديك.
وقال قتادة في قوله: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ﴾ وكان يقال: البعير والنعامة [وأشباهه] [¬٢] من الطير والحيتان. وفي رواية: البعير والنعامة، وحرم عليهم من الطير البط وشبهه، وكل شيء ليس بمشقوق الأصابع.
وقال ابن جريج، عن مجاهد ﴿كُلَّ ذِي ظُفُرٍ﴾ قال: النعامة والبعير شقًّا شقًّا. قلت للقاسم بن أبي بَزَّة: وحدثنيه [¬٣] ما شقًّا شقًّا؟ قال: كل [ما لا يفرج من] [¬٤] قوائم البهائم. قال: وما انفرج أكلته اليهود [¬٥]. قال: انفرجت قوائم البهائم والعصافير. قال: فيهود تأكلها. قال: ولم تنفرج قائمة البعير - خفه - ولا خف النعامة، ولا [¬٦] قائمة الوز، فلا تأكل اليهود الإِبل ولا النعام ولا الوز، ولا كل شيء لم تنفرج قائمته، ولا تأكل حمار وحش.
وقوله تعالى: ﴿وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا﴾ قال السدي: [يعني الثرب] [¬٧] وشحم الكليتين، وكانت اليهود تقول [¬٨] إنه حرمه إسرائيل فنحن نحرمه. وكذا قال ابن زيد.
وقال قثادة: الثرب [¬٩]، وكل شحم كان كذلك ليس في عظم.
وقال على بن أبي طلحة (٣٠٩)، عن ابن عباس: ﴿إِلَّا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا﴾ يعني: ما علق بالظهر من الشحوم. وقال السدي وأبو صالح: الإِلية مما حملت ظهورهما [¬١٠].
стр. 2655
وقوله تعالى: ﴿أَوِ الْحَوَايَا﴾ قال الإِمام أبو جعفر بن جرير [¬١]: الحوايا: جمع واحدها حاوياء [¬٢] وحاوية وحَويَّة [¬٣]، وهي [¬٤] ما تحَوَّي من البطن [فاجتمع و] [¬٥] استدار، وهي بنات [¬٦] اللبن وهي المباعر، وتسمى المرابض، وفيها الأمعاء. قال: ومعنى الكلام: ومن البقر والغنم حرمنا عليهم شحومهما إلا ما حملت ظهورهما [أو ما حملت الحوايا] [¬٧].
وقال على بن أبي طلحة (٣١٠)، عن ابن عباس: ﴿أَوِ الْحَوَايَا﴾ وهي المبعر.
وقال مجاهد: الحوايا المبعر والمربض. وكذا قال سعيد بن جبير، والضحاك، وقتادة، وأبو مالك، والسدي.
وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم [وغير واحد] [¬٨]: الحوايا المرابض التي تكون فيها الأمعاء، تكون وسطها وهي بنات اللبن، وهي في كلام العرب تدعى المرابض.
وقوله تعالى: ﴿أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ﴾ أي: وإلا ما اختلط من الشحوم بالعظام فقد أحللناه لهم.
وقال [¬٩] ابن جريج: شحم الإِلية ما [¬١٠] اختلط بالعُصْعُص؛ فهو حلال، وكل شيء في القوائم والجنب والرأس والعين، وما اختلط بعظم فهو حلال ونحوه قاله [¬١١] السدي.
وقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِبَغْيِهِمْ﴾ أي: هذا التضييق إنما فعلناه بهم، وألزمناهم به مجازاة [لهم] [¬١٢] على بغيهم ومخالفتهم أوامرنا، كما قال تعالى: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا﴾.
وقوله: ﴿وَإِنَّا لَصَادِقُونَ﴾ أي: وإنا لعادلون فيما جزيناهم به.
وقال ابن جرير [¬١٣]: وإنا لصادقون فيما أخبرناك به يا محمد، من تحريمنا ذلك عليهم، لا
стр. 2656
كما زعموا من أن إسرائيل هو الذي حرمه [على نفسه] [¬١]، والله أعلم.
وقال عبد الله بن عباس: بلغ عمر بن الخطاب ﵁ أن سمرة باع خمرًا، فقال: قاتل الله سمرة، ألم يعلم أن رسول الله ﵌ قال: "لعن الله اليهود؛ حرمت عليهم الشحوم فجملوها فباعوها".
أخرجاه (٣١١) من حديث سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن طاوس، عن ابن عباس، عن عمر، به.
وقال الليث: حدثني يزيد بن أبي حبيب، قال: قال عطاء بن أبي رباح، سمعت جابر بن عبد الله يقول: [سمعت رسول الله ﷺ يقول] [¬٢] عام الفتح: "إن الله ورسوله حرم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام". فقيل: يا رسول الله، أرأيت شحوم الميتة، فإنها [¬٣] يدهن بها الجلود، ويطلى بها السفن، ويستصبح بها الناس؟ فقال: "لا، هو حرام". ثم قال رسول الله ﷺ عند ذلك: "قاتل الله اليهود، إن الله لما حرم عليهم شحومها، جملوه ثم باعوه وأكلوا ثمنه".
رواه الجماعة من طرق عن يزيد بن أبي حبيب، به (٣١٢).
وقال الزهري: عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : "قاتل اللّه اليهود [¬٤]، حرمت عليهم الشحوم فباعوها وأكلوا أثمانها [¬٥] ". ورواه
стр. 2657
البخاري ومسلم جميعًا (٣١٣): عن عبدان، عن ابن المبارك، عن يونس، عن الزهري، به.
وقال ابن مردويه (٣١٤): حدثنا محمد بن عبد الله بن إبراهيم، حدثنا إسماعيل بن إسحاق، حدثنا سليمان بن حرب، حدثنا وهيب، حدثنا خالد الحذاء، عن بركة أبي الوليد، عن ابن عباس: أن رسول الله ﵌ كان قاعدًا خلف المقام، فرفع بصره إلى السماء فقال: "لعن الله اليهود - ثلاثًا -؛ إن الله حرم عليهم الشحوم فباعوها وأكلوا ثمنها، وإن الله لم يحرم على قوم أكل شيء إلا حرم عليهم ثمنه".
وقال الإِمام أحمد (٣١٥): حدثنا على بن عاصم، أنبأنا خالد الحذاء، عن بركة أبي الوليد، أنبأنا ابن عباس، قال: كان رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم قاعدًا في المسجد، مستقبلًا الحِجْر، فنظر إلى السماء فضحك، ثم [¬١] قال: "لعن الله اليهود؛ حرمت عليهم الشحوم فباعوها وأكلوا أثمانها، وإن الله إذا حرم على قوم أكل شيء حرم عليهم ثمنه".
ورواه أبو داود: من حديث خالد الحذاء.
стр. 2658
وقال الأعمش (٣١٦): عن جامع بن شداد، عن كلثوم، عن أسامة بن زيد، قال: دخلنا على رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم وهو مريض نعوده، فوجدناه نائمًا قد غطى وجهه ببرد عدني، فكشف عن وجهه وقال [¬١]: "لعن الله اليهود، يحرمون شحوم الغنم ويأكلون أثمانها". وفي رواية: "حرمت عليهم الشحوم فباعوها وأكلوا أثمانها".
﴿فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ وَاسِعَةٍ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ (١٤٧)﴾
يقول تعالى: فإن كذبك [¬٢] يا محمد مخالفوك من المشركين واليهود ومن شابههم ﴿فَقُلْ رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ وَاسِعَةٍ﴾ وهذا ترغيب لهم في ابتغاء رحمة الله الواسعة واتباع رضوانه [¬٣] ﴿وَلَا يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ﴾ ترهيب لهم من [¬٤] مخالفتهم الرسول خاتم النبيين، وكثيرًا ما يقرن الله تعالى بين الترغيب والترهيب في القرآن، كما قال تعالى في آخر هذه السورة: ﴿إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ [¬٥] الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾، وقال: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ الْعِقَابِ﴾، وقال تعالى: ﴿نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٤٩) وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ﴾، وقال تعالى: ﴿غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ﴾، وقال: ﴿إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ (١٢) إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ (١٣) وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ﴾ والآيات في هذا كثيرة جدًّا.
﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ
стр. 2659
مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ (١٤٨) قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ (١٤٩) قُلْ هَلُمَّ شُهَدَاءَكُمُ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ أَنَّ اللَّهَ حَرَّمَ هَذَا فَإِنْ شَهِدُوا فَلَا تَشْهَدْ مَعَهُمْ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَهُمْ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ (١٥٠)﴾
هذه مناظرة ذكرها الله تعالى، وشبهة تشبث [¬١] بها المشركون في شركهم وتحريم ما حرموا، فإن الله مطلع على ما هم فيه من الشرك والتحريم لما حرموه، وهو قادر على تغييره بأن يلهمنا الإِيمان، أو يحول بيننا وبين الكفر فلم يغيره، فدل على أنه بمشيئته وإرادته ورضاه منا ذلك، ولهذا قالوا [¬٢]: ﴿لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ﴾، كما في قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ مَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ] [¬٣]﴾، وكذلك [¬٤] الآية التي في النحل [¬٥] مثل هذه سواء، قال الله تعالى: ﴿كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ أي: بهذه الشبهة ضل من ضل قبل هؤلاء، وهي حجة داحضة باطلة؛ لأنها لو كانت صحيحة لما أذاقهم الله بأسه، ودمر عليهم، وأدال عليهم رسله الكرام، وأذاق المشركين من أليم الانتقام.
﴿قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا﴾ أي: بأن الله راض عنكم فيما أنتم فيه ﴿فَتُخْرِجُوهُ لَنَا﴾ أي: فتظهروه لنا وتبينوه وتبرزوه ﴿إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ﴾ أي: الوهم والخيال، والمراد بالظن هاهنا الاعتقاد الفاسد ﴿وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ﴾ أي: تكذبون على الله فيما ادعيتموه.
قال على بن أبي طلحة (٣١٧)، عن ابن عباس: ﴿لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا﴾، وقال: ﴿كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾، ثم قال: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكُوا﴾ فإنهم قالوا عبادتنا الآلهة تقربنا إلى الله زلفى، فأخبرهم الله أنها لا تقربهم، وقوله: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكُوا﴾ يقول تعالى: لو شئت لجمعتهم على الهدى أجمعين.
стр. 2660
وقوله تعالى: ﴿قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ يقول تعالى لنبيه ﷺ : ﴿قُلْ﴾ لهم يا محمد ﴿فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ﴾ أي: له الحكمة التامة، والحجة البالغة، في هداية من هدى، وإضلال من أضل ﴿فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ فكل [¬١] ذلك بقدرته ومشيئته واختياره، وهو مع ذلك يرضى عن المؤمنين، ويبغض الكافرين، كما قال تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى﴾، وقال تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ﴾، وقوله: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ (١١٨) إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾. قال [¬٢] الضحاك: لا حجة لأحد عصى الله، ولكن لله الحجة البالغة على عباده.
وقوله تعالى: ﴿قُلْ هَلُمَّ شُهَدَاءَكُمُ [﴾ أي: أحضروا شهداءكم ﴿] [¬٣] الَّذِينَ يَشْهَدُونَ أَنَّ اللَّهَ حَرَّمَ هَذَا﴾ أي: هذا الذي حرمتموه وكذبتم وافتريتم على الله فيه ﴿فَإِنْ شَهِدُوا فَلَا تَشْهَدْ مَعَهُمْ﴾ أي؛ لأنهم إنما يشهدون والحالة هذه كذبًا وزورًا ﴿وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَهُمْ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ أي: يشركون به ويجعلون له عديلًا.
﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (١٥١)﴾
قال داود الأودي (٣١٨): عن الشعبي، عن علقمة، عن ابن مسعود ﵁ قال:
стр. 2661
من أراد أن يقرأ صحيفة رسول الله ﷺ التي عليها خاتمه فليقرأ هؤلاء الآيات: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ إلى قوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾.
وقال الحاكم في مستدركه (٣١٩): حدثنا بكر بن محمد الصيرفي بمرو، حدثنا عبد الصمد بن الفضل، حدثنا مالك بن إسماعيل النهدي، حدثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن عبد الله بن خليفة، قال: سمعت ابن عباس يقول: في الأنعام آيات محكمات هنّ أم الكتاب؛ ثم قرأ: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ﴾ الآيات.
ثم قال الحاكم [¬١]: صحيح الإِسناد ولم يخرجاه.
قلت: ورواه زهير وقيس بن الربيع كلاهما، عن أبي إسحاق، عن عبد الله بن قيس، عن ابن عباس به، والله [¬٢] أعلم.
وروى الحاكم أيضًا في مستدركه (٣٢٠) [¬٣]: من حديث يزيد بن هارون، عن سفيان بن
стр. 2662
حسين، عن الزهري، عن أبي إدريس، عن عبادة بن، صامت، قال: قال رسول الله ﷺ : "أيكم يبايعني على ثلاث". ثم تلا رسول الله ﷺ : ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ﴾ حتى فرغ من الآيات. "فمن وفى فأجره على الله، ومن انتقص منهن شيئًا، فأدركه الله به في الدنيا كانت عقوبته [¬١]، ومن أخر إلى الآخرة فأمره إلى الله، إن شاء عذبه، وإن شاء عفا عنه".
ثم قال: صحيح الإِسناد ولم يخرجاه. وإنما اتفقا على حديث الزهري، عن أبي إدريس، عن عبادة: "بايعوني على أن لا تشركوا بالله شيئًا .... " (٣٢١) الحديث. وقد روى سفيان بن حسين كلا الحديثين [¬٢]، فلا ينبغي أن ينسب إلى الوهم في أحد الحديثين إذا جمع بينهما، والله أعلم.
وأما تفسيرها: فيقول تعالى لنبيه ورسوله محمد ﷺ : قل يا محمد لهؤلاء المشركين الذين عبدوا غير الله، وحرموا ما رزقهم الله، وقتلوا أولادهم، وكل ذلك فعلوه بآرائهم وتسويل الشياطين لهم ﴿قُلْ﴾ لهم ﴿تَعَالَوْا﴾ أي: هلموا وأقبلوا ﴿أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ﴾ أي: أقص عليكم، وأخبركم بما حرم ربكم عليكم، حقًّا لا تخرصًا ولا طنًّا، بل وحيًا منه وأمرًا من عنده ﴿أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ وكأن في الكلام محذوفًا دل عليه السياق، وتقديره: وأوصاكم ﴿أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ ولهذا قال في آخر الآية: ﴿ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾، وكما قال الشاعر:
حَجَّ وَأَوْصَى بِسُلَيْمَى الأَعْبُدَا [¬٣] … أَنْ لَا تَرَى ولا تُكَلِّمْ أَحَدَّا
وَلَا يَزَلْ [¬٤] شَرَابُها مُبَرَّدا
وتقول العرب: أمرتك أن لا تقوم.
стр. 2663
وفي الصحيحين (٣٢٢): من حديث أبي ذر ﵁ قال: قال رسول الله صلى الله عديه وسلم: "أتانى جبريل، فبشرني أنه من مات لا يشرك بالله شيئًا من أمّتك دخل الجنة. قلت: وإن زنى وإن سرق؟ قال: وإن زنى وإن سرق، قلت: وإن زنى وإن سرق؟ قال: وإن زنى وإن سرق، قلت: وإن زنى وإن سرق [وإن شرب الخمر] [¬١]؟ قال: وإن زنى وإن سرق وإن شرب الخمر". وفي بعض الروايات: أن قائل [¬٢] ذلك إنما هو أبو ذر لرسول الله ﷺ ، وأنه ﵊ قال في الثالثة: "وإن رغم أنف أبي ذر"، فكان أبو ذر يقول بعد تمام الحديث: وإن رغم أنف أبي ذر.
وفي بعض المسانيد والسنن (٣٢٣): عن أبي ذر، قال: قال رسول الله ﷺ : "يقول الله تعالى: "يا بن آدم، إنك ما دعوتني ورجوتني فإني أغفر لك على ما كان منك ولا أبالي، ولو أتيتني بقراب الأرض خطيئة أتيتك بقرابها مغفرة ما لم تشرك بي شيئًا، وإن أخطأت حتى تبلغ خطاياك عنان السماء ثم استغفرتني غفرت لك".
ولهذا شاهد في القرآن، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾. وفي صحيح مسلم (٣٢٤): عن ابن مسعود: "من مات لا يشرك بالله شيئًا دخل
стр. 2664
الجنة". والآيات والأحاديث في هذا كثيرة جدًّا. وروى ابن مردويه (٣٢٥): من حديث عبادة وأبي الدرداء: "لا تشركوا بالله شيئًا وإن قطعتم أو صلبتم أو حرقتم".
وقال ابن أبي حاتم (٣٢٦): حدثنا محمد بن عوف الحمصي، حدثنا ابن أبي مريم، حدثنا نافع ابن يزيد، حدثني سيار بن عبد الرحمن، عي يزيد بن قوذر، عن سلمة بن شريح، عن عبادة بن الصامت، قال: أوصانا رسول الله ﷺ بسبع خصال: " [ألا تشركوا] [¬١] بالله شيئًا وإن حرّقتم وقطعتم وصلبتم".
وقوله تعالى: ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ أي: وأوصاكم وأمركم بالوالدين إحسانا، [أي: أن تحسنوا إليهم، كما قال تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا] [¬٢]﴾، وقرأ بعضهم: ﴿وَوَصَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [أي: أحسنوا إليهم] [¬٣]، والله تعالى كثيرًا ما [¬٤] يقرن بين طاعته وبر الوالدين، كما قال: ﴿أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ (١٤) وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا
стр. 2665
مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾. فأمر بالإحسان إليهما وإن كانا مشركين بحسبهما، وقال تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ الآية، والآيات في هذا كثيرة، وفي الصحيحين (٣٢٧) عن ابن مسعود ﵁ أنه [¬١] قال: سألت رسول الله ﷺ أي العمل أفضل [¬٢]؟ قال: "الصلاة على وقتها"، قلت: ثم أي؟ قال: "بر الوالدين". قلت: ثم أي؟ قال: "الجهاد في سبيل الله". قال ابن مسعود: حدثني بهن رسول الله ﷺ ، ولو استزدته لزادني.
وروى الحافظ أبو بكر بن مردويه بسنده (٣٢٨): عن أبي الدرداء وعن عبادة بن الصامت، كل منهما يقول: أوصاني خليلي [رسول الله] [¬٣] ﷺ : "أطع والديك وإن أمراك أن تخرج لهما من الدنيا فافعل".
ولكن في إسناديهما ضعف والله أعلم.
وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ﴾ لما أوصى [¬٤] تعالى