وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ (١٤٣)﴾
يخبر تعالى عن موسى ﵇ أنه لما جاء لميقات الله تعالى وحصل له التكليم من اللَّه سأل الله تعالى أن ينظر إليه فقال: ﴿رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي﴾.
وقد أشكل حرف (لن) هاهنا على كثير من العلماء؛ لأنها موضوعة لنفي التأبيد، فاستدل به المعتزلة على نفي الرؤية في الدنيا والآخرة، وهذا أضعف الأقوال؛ لأنه قد تواترت الأحاديث عن رسول اللَّه ﷺ بأن المؤمنين يرون الله في الدار الآخرة؛ كما سنوردها عند قوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [¬١].
وقوله تعالى إخبارًا عن الكفار: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾.
وقيل: إنها لنفي التأبيد في الدنيا، جمعًا بين هذه الآية وبين الدليل القاطع على صحة الرؤية [¬٢] في الدار الآخرة.
و [¬٣] قيل: إن هذا الكلام في هذا المقام كالكلام في قوله تعالى: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾. وقد تقدم ذلك في الأنعام.
وفي الكتب المتقدمة: أن الله تعالى قال لموسى ﵇: "يا موسى! إنه لا يراني حي إلا مات، ولا يابس إلا تدهْده"؛ ولهذا قال تعالى: ﴿فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا﴾.
قال أبو جعفر بن جرير الطبري في تفسير هذه الآية (١٦٨): حدثنا أحمد بن سهيل الواسطي،
стр. 2837
حدثنا قُرَّة بن عيسى، حدثنا الأعمش، عن رجل، عن أنس عن النبي، ﷺ ، قال: "لما تجلى ربه للجبل أشار بأصبعه، فجعله دكًّا". وأرانا أبو إسماعيل بأصبعه السبابة.
هذا الإِسناد فيه رجل مبهم لم يسم، ثم قال (١٦٩):
حدثني المثنى، حدثنا الحجاج [¬١] بن منهال، حدثنا حماد، [عن ليث] [¬٢]، عن أنس: أن النبي، ﷺ ، قرأ هذه الآية ﴿فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا﴾ قال [¬٣] هكذا بأصبعه - ووضع النبي، ﷺ ، أصبعه الإِبهام على المفصل الأعلى من الخنصر، فساخ الجبل.
هكذا وقع في هذه الرواية: حماد بن سلمة [] [¬٤]، عن ليث، عن أنس. والمشهور: حماد ابن سلمة، عن ثابت، عن أنس، كما قال ابن جرير (١٧٠):
حدثني المثنى، حدثنا هدبة بن خالد، حدثنا حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس قال: قرأ رسول الله، ﷺ : ﴿فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا﴾ قال: "وضع
стр. 2838
الإِبهام قريبًا من طرف خنصره، قال: فساخ الجبل"، قال حميد لثابت: تقول [¬١] هذا؟ فرفع ثابت يده فضرب صدر حميد وقال: يقوله رسول الله ﷺ ويقوله أنس، وأنا أكتمه؟.
وهكذا رواه الإِمام أحمد في مسنده (١٧١): حدثنا أبو المثنى معاذ بن معاذ العنبري، حدثنا حماد بن سلمة، حدثنا ثابت البناني، عن أنس بن مالك، عن النبي، ﷺ ، في قوله: ﴿فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ﴾ قال: قال: "هكذا"، يعني: أنه أخرج طرف الخنصر. قال أحمد: أرانا معاذ، فقال له حميد الطويل: ما تريد إلى هذا يا محمد؟ قال: فضرب صدره ضربة شديدة، وقال: من أنت يا أبا [¬٢] حميد؟! وما أنت يا أبا حميد؟! يحدثني به أنس ابن مالك عن النبي، ﷺ ، [فتقول أنت] [¬٣]: ما تريد إليه؟.
وهكذا رواه الترمذي في تفسير هذه الآية: عن عبد الوهاب بن الحكم الوراق، عن معاذ بن معاذ به. وعن عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي، عن سليمان بن حرب، عن حماد به، ثم قال: هذا حديث حسن صحيح غريب، لا نعرفه إلا من حديث حماد.
وهكذا رواه الحاكم في مستدركه (١٧٢) من طرق، عن حماد بن سلمة، به، وقال: "هذا
стр. 2839
حديث صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه".
ورواه أبو محمد الحسن بن محمد الخلال (١٧٣)، عن محمد بن علي بن سويد، عن أبي القاسم البغوي، عن هدبة [¬١] بن خالد، عن حماد بن سلمة، فذكره وقال: هذا إسناد صحيح لا علة فيه.
وقد رواه داود بن المحبر [¬٢] (١٧٤)، عن شعبة، عن ثابت، عن أنس مرفوعًا بنحوه [¬٣]، وأسنده ابن مردويه (١٧٥) من طريقين، عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن أنس مرفوعًا بنحوه.
[وأسنده ابن مردويه (١٧٦)، من طريق ابن البيلماني، عن أبيه، عن ابن عمر مرفوعًا] [¬٤]، ولا يصح أيضًا.
وقال السدي: عن عكرمة، عن ابن عباس في قول الله تعالى: ﴿فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ﴾ قال: ما تجلى منه إلا قدر الخنصر ﴿جَعَلَهُ دَكًّا﴾ قال: ترابا ﴿وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا﴾ قال:
стр. 2840
مغشيًّا عليه.
رواه ابن جرير (١٧٧).
وقال قتادة: ﴿وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا﴾ قال: ميتًا.
وقال سفيان الثوري: ساخ الجبل في الأرض حتى وقع في البحر، فهو يذهب معه.
وقال سنيد: عن حجاج بن محمد الأعور، عن أبي بكر الهذلي ﴿فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا﴾: انقعر فدخل تحت الأرض، فلا يظهر إلى يوم القيامة.
وجاء في بعض الأخبار: أنه ساخ في الأرض، فهو يهوي فيها إلى يوم القيامة. رواه ابن مردويه.
وقال ابن أبي حاتم (١٧٨): حدثنا عمر بن شبة، حدثنا محمد بن يحيى أبو غسان الكناني، حدثنا عبد العزيز بن عمران، عن معاوية بن عبد الله، عن الجلد بن أيوب، [عن معاوية] [¬١] بن قرة، عن أنس بن مالك: أن النبي، ﷺ ، قال: "لما تجلى الله للجبال طارت لعظمته ستة أجبل، فوقعت ثلاثة بالمدينة وثلاثة بمكة؛ بالمدينة: أحد وَوَرِقان [¬٢] ورضوى. ووقع بمكة: حراء [¬٣] وثَبِير وثور".
стр. 2841
وهذا حديث غريب، بل منكر.
وقال ابن أبي حاتم (١٧٩): ذُكر عن محمد بن عبد الله بن أبي الثلج، حدثنا الهيثم بن خارجة، حدثنا عثمان بن حصين بن علاق، عن عروة بن رُوَيم قال: كانت الجبال قبل أن يتجلى الله لموسى على الطور صُمًّا مُلْسًا، فلما تجلى الله لموسى على الطور دُكَّ، وتفطرت الجبال، فصارت الشقوق والكهوف.
وقال الربيع بن أنس: ﴿فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا﴾، وذلك أن الجبل حين كشف الغطاء، ورأى النور صار مثل دك من الدكَّات [¬١]. وقال بعضهم: ﴿جَعَلَهُ دَكًّا﴾ أي: فتَّته.
وقال مجاهد في قوله: ﴿وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي﴾، فإنه أكبر منك وأشد خلقًا، ﴿فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ﴾ فنظر إلى الجبل لا يتمالك، وأقبل الجبل فَدُكَّ على أوله، ورأى موسى ما يصنع الجبل، فخر صعقًا.
وقال عكرمة ﴿جَعَلَهُ دَكًّا﴾ قال: نظر الله إلى الجبل فصار صحراء [¬٢] ترابًا.
وقد قرأ بهذه القراءة بعض القراء [¬٣]، واختارها ابن جرير، وقد ورد فيها حديث مرفوع رواه ابن مردويه (١٨٠).
والمعروف أن الصعق هو الغَشْي هاهنا، كما فسره ابن عباس وغيره، كما فسره قتادة بالموت، وإن كان ذلك صحيحًا في اللغة، كقوله تعالى: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ﴾، فإن هنا قرينة تدل على الموت كما أن هناك قرينة تدل على الغشي، وهي قوله: ﴿فَلَمَّا أَفَاقَ﴾ والإِفاقة إنما تكون من [¬٤] غشي.
стр. 2842
﴿قَالَ سُبْحَانَكَ﴾ تنزيهًا وتعظيمًا وإجلالاً أن وراه أحد في الدنيا إلا مات.
وقوله: ﴿تُبْتُ إِلَيْكَ﴾ قال مجاهد: أن أسألك الرؤية.
﴿وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ قال ابن عباس ومجاهد: من بني إسرائيل. واختاره ابن جرير، وفي رواية أخرى عن ابن عباس: ﴿وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ أنه لا يراك أحد، وكذا قال أبو العالية: قد كان قبله مؤمنون، ولكن يقول: أنا أوّل من آمن بك أنه لا يراك أحد من خلقك إلى يوم القيامة.
وهذا قول حسن له اتجاه، وقد ذكر محمد بن جرير في تفسيره هاهنا [¬١] أثرًا طويلاً فيه غرائب وعجائب عن محمد بن إسحاق بن يسار، وكأنه تلقاه من الإِسرائيليات والله أعلم.
[] [¬٢] وقوله: ﴿وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا﴾ فيه أبو سعيد وأبو هريرة عن النبي ﷺ ؛ فأما حديث أبي سعيد فأسنده [البخاري في صحيحه] [¬٣] هاهنا (١٨١) فقال:
حدثنا [¬٤] محمد بن يوسف، حدثنا سفيان، عن عمرو [¬٥] بن يحيى المازني، عن أبيه، عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: جاء رجل من اليهود إلى النبي ﷺ قد لُطم وجهُه، فقال: يا محمد إن رجلًا من أصحابك من الأنصار [لطم وجهي] [¬٦]. قال [¬٧]: "ادعُوه". فدعَوه، قال [¬٨]: "لم لطمت وجهه؟ ". قال [¬٩]: يا رسول الله! إني مررت باليهود [¬١٠] فسمعته يقول: والذي اصطفي موسى على البشر. قال: [قلت: و] [¬١١] على محمد؟. فأخذتني غضبة، فلطمته. قال: "لا تخيروني من بين الأنبياء، فإن الناس يصعقون يوم القيامة فأكون أول من يفيق، فإذا أنا بموسى آخذ بقائمة من قوائم العرش، فلا أدري أفاق قبلي أم جُوزي بصعقة الطور".
стр. 2843
وقد رواه البخاري في أماكن كثيرة من صحيحه، ومسلم في أحاديث الأنبياء من صحيحه، وأبو داود في كتاب السنة من سننه من طرق عن عمرو بن يحيى بن عمارة بن أبي الحسن المازني الأنصاري المدني، عن أبيه، عن أبي سعيد سعد بن مالك بن سنان الخدري به.
وأما حديث أبي هريرة، فقال الإِمام أحمد في مسنده (١٨٢):
حدثنا [¬١] أبو كامل، حدثنا إبراهيم بن سعد، حدثنا ابن شهاب، عن أبى سلمة بن عبد الرحمن وعبد الرحمن الأعرج، عن أبي هريرة ﵁ قال [¬٢]: استب رجلان: رجل من المسلمين ورجل من اليهود، فقال المسلم: والذي اصطفي محمدًا على العالمين، وقال اليهودي: والذي اصطفي موسى على العالمين، فغضب المسلم على اليهودي فلطمه، فأتى اليهودي رسول الله ﷺ فأخبره، فدعاه رسول الله ﷺ فسأله فاعترف بذلك، فقال رسول الله، صلى الذ عليه وسلم: "لا تخيروني على موسى، فإن الناس يُصعَقون يوم القيامة فأكون أول من يفيق. فأجد [¬٣] موسى ممسكًا بجانب العرش، فلا أدري أكان ممن صعق فأفاق قبلي، أم كان ممن استثناه الله ".
أخرجاه في الصحيحين من حديث الزهري به.
وقد روى الحافظ أبو بكر بن أبي الدنيا (١٨٣) ﵀: أن الذي لطم اليهودي في هذه القضية هو أبو بكر الصديق رضي الذ عنه، ولكن تقدم (١٨٤) في الصحيحين: أنه رجل من
стр. 2844
الأنصار، وهذا هو أصح وأصرح، والله أعلم.
والكلام في قوله ﵇: "لا تخيروني على موسى" كالكلام على قوله: "لا تفضلوني على الأنبياء، ولا على يونس بن متى" (١٨٥)، قيل: من باب التواضع، وقيل: قبل أن يعلم بذلك، وقيل: نهى أن يفضل بينهم على وجه الغضبية والتعصب، وقيل: على وجه القول بمجرد الرأي والتشهي، والله أعلم.
وقوله: "فإن الناس يصعقون يوم القيامة"، الظاهر: أن هذا الصعق يكون في عَرَصَات القيامة، يحصل أمر يصعقون منه، والله أعلم به، وقد يكون ذلك إذا جاء الرب ﵎ لفصل القضاء، وتجلى للخلائق الملك الديان، كما صُعق موسى من تجلي الرب ﵎؛ ولهذا قال ﵇: "فلا أدري: أفاق قبلي أم جُوزي بصعقة الطور".
وقد روى القاضي عياض في أوائل كتابه (الشفاء) بسنده (١٨٦): عن محمد بن محمد بن مرزوق، [حدثنا قتادة] [¬١]، حدثنا الحسن، عن قتادة، عن يحيى بن وَثَّاب، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: "لما تجلى الله لموسى ﵇ كان يبصر النملة على الصفا في الليلة الظلماء مسيرة عشرة فراسخ". ثم قال: ولا يبعد على هذا أن يختص
стр. 2845
نبينا بما ذكرناه من هذا الباب بعد الإسراء والحُظْوة بما رأى من آيات ربه الكبرى.
انتهى ما قاله، وكأنه صحح هذا الحديث، وفي صحته نظر، ولا يخلو رجال إسناده من مجاهيل لا يعرفون، ومثل هذا إنما يقبل من رواية [¬١] العدل الضابط عن مثله حتى ينتهي إلى منتهاه، والله أعلم.
﴿قَالَ يَامُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالَاتِي وَبِكَلَامِي فَخُذْ مَا آتَيْتُكَ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ (١٤٤) وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا سَأُرِيكُمْ دَارَ الْفَاسِقِينَ (١٤٥)﴾
يذكر تعالى أنه خاطب موسى بأنه اصطفاه على عالمي زمانه برسالاته وكلامه [¬٢]، ولا شك أن محمدًا ﷺ سيد ولد آدم من الأولين والآخرين، ولهذا اختصه [¬٣] الله بأن جعله خاتم الأنبياء والمرسلين، التي تستمر شريعته إلى قيام الساعة، وأتباعه أكثر من أتباع سائر [¬٤] الأنبياء والمرسلين كلهم، وبعده في الشرف والفضل إبراهيم الخليل ﵇، ثم موسى [بن عمران] [¬٥] كليم الرحمن ﵇؛ ولهذا قال الله تعالى له: ﴿فَخُذْ مَا آتَيْتُكَ﴾ أي: من الكلام والمناجاة ﴿وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ أي: على ذلك، ولا تطلب ما لا طاقة لك به.
ثم أخبر تعالى أنه كتب ﴿لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ قيل: كانت الألواح من جوهر، وإن الله تعالى كتب له فيها مواعظ وأحكامًا مفصلة مبينة للحلال و [¬٦] الحرام، وكانت هذه الألواح مشتملة على التوراة التي قال الله تعالى فيها: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولَى بَصَائِرَ لِلنَّاسِ﴾.
وقيل: الألواح أعطيها موسى قبل التوراة. فالله أعلم. وعلى كل تقدير كانت كالتعويض له عما سأل من الرؤية ومُنع منه [¬٧]، والله أعلم.
وقوله: ﴿فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ﴾ أي: بعزم على الطاعة ﴿وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا﴾ قال
стр. 2846
سفيان بن عيينة (١٨٧): ثنا أبو سعد [¬١]، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: أمر موسى ﵇ أن يأخذ بأشد ما أمِر قومه.
وقوله: ﴿سَأُرِيكُمْ دَارَ الْفَاسِقِينَ﴾ أي: سترون [¬٢] عاقبة من خالف أمري وخرج عن طاعتي كيف يصير إلى الهلاك والدمار والتباب؟
قال ابن جرير [¬٣]: وإنما قال: ﴿سَأُرِيكُمْ دَارَ الْفَاسِقِينَ﴾ كما يقول القائل لمن يخاطبه: (سأوريك [¬٤] غدًا إلام يصير إليه حال من خالف أمري)، على وجه التهديد [¬٥] والوعيد لمن عصاه وخالف أمره.
ثم نقل معنى ذلك عن مجاهد والحسن البصري.
وقيل: معناه ﴿سَأُرِيكُمْ دَارَ الْفَاسِقِينَ﴾ أي: من أهل الشام، وأعطيكم اياها. وقيل: منازل قوم فرعون، والأول أولى، والله أعلم؛ لأن هذا كان بعد انفصال موسى وقومه عن بلاد مصر، وهو خطاب لبني إسرائيل قبل دخولهم التيه، والله أعلم.
стр. 2847
سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لَا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ (١٤٦) وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَلِقَاءِ الْآخِرَةِ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٤٧)﴾
يقول تعالى: ﴿سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ أي: سأمنع فهمَ الحُجَج والأدلة الدالة على عظمتي وشريعتي وأحكامي قلوبَ المتكبرين عن طاعتى، ويتكبرون على الناس بغير حق، أي: كما استكبروا بغير حق أذلهم الله بالجهل، كما قال تعالى: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾، وقال تعالى: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾.
وقال بعض السلف (١٨٧): لا ينال العلم حَيِيٌّ ولا مستكبر.
وقال آخر: من لم يصبر على ذل التعلم [¬١] ساعة بقي في ذل الجهل أبدًا.
وقال سفيان بن عيينة في قوله: ﴿سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ قال: أنزع عنهم فهم القرآن، وأصرفهم عن آياتي.
قال ابن جرير [¬٢]: وهذا يدل على أن هذا خطاب لهذه الأمة.
قلت: ليس هذا بلازم؛ لأن ابن عيينة إنما أراد أن هذا مطرد في حق كل أمة، ولا فرق بين أحد وأحد في هذا، والله أعلم.
стр. 2848
وقوله: ﴿وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا﴾ كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ (٩٦) وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ﴾.
وقوله: ﴿وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لَا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا﴾ أي: وإن ظهر لهم ﴿سَبِيلَ الرُّشْدِ﴾ أي: طريق النجاة لا يسلكوها، وإن ظهر لهم طريق الهلاك والضلال ﴿يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا﴾.
ثم علل مصيرهم إلى هذه الحال [¬١] بقوله: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا﴾ أي: كذبت بها قلوبهم ﴿وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ﴾ أي: لا يعلمون شيئًا مما فيها.
وقوله: ﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَلِقَاءِ الْآخِرَةِ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ﴾ أي: من فعل منهم ذلك واستمر عليه إلى الممات حبط عمله.
وقوله: ﴿هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ أي: إنما نحازيهم بحسب أعمالهم التي أسلفوها؛ ان خيرًا فخير وإن شرًّا فشر، وكما تَدين تُدان.
﴿وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لَا يُكَلِّمُهُمْ وَلَا يَهْدِيهِمْ سَبِيلًا اتَّخَذُوهُ وَكَانُوا ظَالِمِينَ (١٤٨) وَلَمَّا سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ وَرَأَوْا أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّوا قَالُوا لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنَا رَبُّنَا وَيَغْفِرْ لَنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (١٤٩)﴾
يخبر تعالى عن ضلال من ضل من بني إسرائيل في عبادتهم العجل، الذي اتخذه لهم السامري من حُليٍّ القبط، الذي كانوا استعاروه منهم، فشكل لهم منه عجلا، ثم ألقى فيه القبضة من التراب التي أخذها من أثر فرس جبريل ﵇، فصار عجلا جسدًا له خُوار، والخوار: صوت البقر، وكان هذا منهم بعد ذهاب موسى لميقات ربه تعالى، وأعلمه الله تعالى بذلك وهو على الطور، حيث يقول تعالى إخبارًا عن نفسه الكريمة: ﴿قَالَ فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِنْ بَعْدِكَ وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ﴾.
وقد اختلف المفسرون في هذا العجل: هل صار لحمَّا ودمًا له خوار؟ أو استمر على كونه من ذَهَبٍ إلا أنه يدخل فيه الهواء [¬٢] فيصوِّت كالبقر؟ على قولين، والله أعلم.
стр. 2849
ويقال: إنهم لما صَوَّت لهم العجل رقصوا حوله وافتتنوا به قالوا [١] ﴿هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى فَنَسِيَ﴾، فقال الله تعالى: ﴿أَفَلَا يَرَوْنَ أَلَّا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلًا وَلَا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا﴾.
وقال في هذه الآية الكريمة: ﴿أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لَا يُكَلِّمُهُمْ وَلَا يَهْدِيهِمْ سَبِيلًا﴾ ينكر تعالى عليهم في ضلالهم بالعجل، وذُهُولهم عن خالق السماوات والأرض ورب كل شيء ومليكه، أن عبدوا معه عجلا جسدًا له خوار لا يكلمهم ولا يرشدهم إلى خير، ولكن غَطَّى على أعين بصائرهم عمى الجهل والضلال، كما تقدم من رواية الإمام أحمد وأبي داود، عن أبي الدرداء قال: قال رسول الله ﷺ : "حبك الشَّيء [٢] يُعْمي وَيُصِمّ" [¬١٨٨].
وقوله: ﴿وَلَمَّا سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ﴾ أي: ندموا على ما فعلوا ﴿وَرَأَوْا أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّوا قَالُوا لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنَا رَبُّنَا وَيَغْفِرْ لَنَا﴾ وقرأ بعضهم [٣]: (لئن لم ترحمنا [٤]) بالتاء المثناة من فوق [٥]، ﴿رَبُّنَا﴾ منادى ﴿وَيَغْفِرْ [٦] لَنَا﴾، ﴿لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ أي: من الهالكين، وهذا اعتراف منهم بذنبهم، والتجاء إلى الله .
﴿وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا قَالَ بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي مِنْ بَعْدِي أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ وَأَلْقَى الْأَلْوَاحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ قَالَ ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكَادُوا يَقْتُلُونَنِي فَلَا تُشْمِتْ بِيَ الْأَعْدَاءَ وَلَا تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (١٥٠) قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِأَخِي وَأَدْخِلْنَا فِي رَحْمَتِكَ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (١٥١)﴾
يخبر تعالى أن موسى ﵇ رجع إلى قومه من مناجاة ربه تعالى وهو غضبان أسف. قال أبو الدرداء: والأسَف: أشد الغضب.
﴿ا قَالَ بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي مِنْ بَعْدِي﴾ يقول: بئس ما صنعتم في عبادتكم العجل بعد أن ذهبت وتركتكم!
стр. 2850
[وقوله: ﴿أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ﴾ يقول: استعجلتم مجيئي إليكم، وهو مقدَّر من الله تعالى] [¬١].
وقوله: ﴿وَأَلْقَى الْأَلْوَاحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ﴾ قيل: كانت الألواح من زُمُرُّد، وقيل: من ياقوت، وقيل: من برد. وفي هذا دلالة على ما جاء في الحديث (١٨٩): " ليس الخبر كالمعاينة".
ثم ظاهر السياق: أنه إنما ألقى الألواح غضبًا على قومه، وهذا قول جمهور العلماء سلفًا وخلفًا، وروى ابن جرير (١٩٠) عن قتادة في هذا قولا غريبًا، لا يصح إسناده إلى حكاية قتادة، وقد رده ابن عطية وغير واحد من العلماء، وهو جدير بالرد، وكأنه تلقاه قتادة عن بعض أهل الكتاب، وفيهم كذابون ووضاعون وأفاكون وزنادقة.
وقوله: ﴿وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ﴾ خوفًا أن يكون قد قصر في نهيهم، كما قال في الآية الأخرى ﴿قَالَ يَاهَارُونُ مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا (٩٢) أَلَّا تَتَّبِعَنِ [¬٢] أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي (٩٣) قَالَ يَبْنَؤُمَّ لَا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلَا بِرَأْسِي إِنِّي خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي﴾، وقال هاهنا: ﴿[قَالَ] [¬٣] ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكَادُوا يَقْتُلُونَنِي فَلَا تُشْمِتْ بِيَ الْأَعْدَاءَ وَلَا تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ أي: لا تشقني [¬٤] مَسَاقهم، ولا تخلطنى [¬٥] معهم، وإنما قال: ﴿ابْنَ أُمَّ﴾ لتكون أرأف وأنجع عنده، وإلا فهو شقيقه لأبيه وأمه، فلما تحقق موسى ﵇ براءة ساحة هارون ﵇؛ [¬٦] كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ قَالَ لَهُمْ هَارُونُ مِنْ قَبْلُ يَاقَوْمِ إِنَّمَا فُتِنْتُمْ بِهِ وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوا أَمْرِي﴾ فعند ذلك قال موسى: ﴿قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِأَخِي وَأَدْخِلْنَا فِي رَحْمَتِكَ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾.
стр. 2851
قال ابن أبي حاتم (١٩١): حدثنا الحسن بن محمَّد بن الصباح، ثنا عفان، ثنا أبو عوانة، عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : "يرحم الله موسى! ليس المعاين كالمخبر، أخبره وبه أن قومة فتنوا بعده فلم يلق الألواح، فلما رآهم وعاينهم ألقى الألواح".
﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ (١٥٢) وَالَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ ثُمَّ تَابُوا مِنْ بَعْدِهَا وَآمَنُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (١٥٣)﴾
أما الغضب الذي نال بني إسرائيل في عبادة العجل، فهو أن الله تعالى لم يقبل لهم توبة حتى نتل بعضهم بعضًا، كما تقدم في سورة البقرة: ﴿فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾.
وأما الذلة فأعقبهم ذلك ذلًا [¬١] وصغارًا في الحياة الدنيا.
وقوله: ﴿وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ﴾ نائلة لكل من افترى بدعة، فإن ذل البدعة ومخالفة الرسالة متصلة من قلبه على كتفيه، كما قال الحسن البصري: إن ذل البدعة على أكتافهم وإن
стр. 2852
هَمْلَجَت [¬١] بهم البغلات، وَطْقَطَقَتْ بهم البراذين [¬٢].
وهكذا روى أيوب السختياني: عن أبي قلابة الجرمي أنه قرأ هذة الآية: ﴿وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ﴾ فقال [¬٣]: هي والله لكل مفتر إلى يوم القيامة.
وقال سفيان بن عيينة: كلُّ صاحب بدعة ذليل.
ثم نبه تعالى عباده وأرشدهم إلى أنه يقبل توبة عباده من أي ذنب كان، حتى ولو كان من كفر أو شرك أو نفاق أو شقاق، ولهذا عقب هذه القصة بقوله: ﴿وَالَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ ثُمَّ تَابُوا مِنْ بَعْدِهَا وَآمَنُوا إِنَّ رَبَّكَ﴾ أي: يا محمَّد يا رسول الرحمة ونبي النور ﴿مِنْ بَعْدِهَا﴾ أي: من بعد تلك الفعلة ﴿لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾.
وقال ابن أبي حاتم (١٩٢): حدثنا أبي، حدثنا مسلم بن إبراهيم، ثنا أبان، ثنا قتادة، عن عزرة [¬٤]، عن الحسن العرني، عن علقمة، عن عبد الله بن مسعود: أنه سئل عن ذلك - يعني - عن الرجل يزني بالمرأة ثم يتزوجها - فتلا هذه الآية: ﴿وَالَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ ثُمَّ تَابُوا مِنْ بَعْدِهَا وَآمَنُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ فتلاها عبد الله عشر مرات، فدم يأمرهم بها ودم ينههم عنها.
﴿وَلَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ أَخَذَ الْأَلْوَاحَ وَفِي نُسْخَتِهَا هُدًى وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ (١٥٤)﴾
يقول تعالى: ﴿وَلَمَّا سَكَتَ﴾ أي: سكن ﴿عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ﴾ أي: غضبه على قومه ﴿أَخَذَ الْأَلْوَاحَ﴾ أي: التي كان ألقاها من شدة الغضب على عبادتهم العجل غيرةً لله وغضبًا له ﴿وَفِي نُسْخَتِهَا هُدًى وَرَحْمَةٌ﴾.
стр. 2853
يقول كثير من المفسرين: إنها لما ألقاها تكسرت ثم جمعها بعد ذلك؛ ولهذا قال بعض السلف: فوجد فيها هدى ورحمة، وأما التفصيل فذهب، وزعموا أن رُضاضها [¬١] لم يزل موجودًا في خزائن الملوك لبني إسرائيل إلى الدولة الإسلامية، والله أعلم بصحة هذا. وأما الدليل القاطع على أنها تكسرت حين ألقاها، وهي من جوهر [من] [¬٢] الجنة، فقد [¬٣] أخبر تعالى أنه لما أخذها بعد ما ألقاها وجد فيها ﴿هُدًى وَرَحْمَةٌ﴾.
﴿لِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ﴾ ضمَّن الرهبة معنى الخضوع، ولهذا عداها باللام.
وقال قتادة (١٩٣) في قوله تعالى: ﴿أَخَذَ الْأَلْوَاحَ﴾ قال: "ربِّ، إني [¬٤] أجد في الألواح أمة، خير أمةً أخرجت للناس، يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، فاجعلهم [¬٥] أمتي، قال: تلك أمة أحمد [¬٦]، قال: رب، إنى أجد في الألواح أمة هم الآخرون - أي: آخرون فما الخلق - السابقون [¬٧] في دخول الجنة، رب اجعلهم أمتي، قال: تلك أمة أحمد، قال: رب إني أجد في الألواح أمة أناجيلهم في صدورهم يقرءونها [] [¬٨] وكان من قبلهم يقرءون كتابهم نظرًا، حتى إذا رفعوها لم يحفظوا شيئًا ولم يعرفوه" [قال قتادة] [¬٩]: وإن الله أعطاكم [أيتها الأمة] [¬١٠] من الحفظ شيئًا لم يعطه أحدًا من الأم قال: "رب اجعلهم أمتي، قال: تلك أمة أحمد، قال: رب إني أجد في الألواح أمة يؤمنون بالكتاب الأول وبالكتاب الآخر ويقاتلون فضول [¬١١] الضلالة [¬١٢] حتى يقاتلوا الأعور الكذاب، فاجعلهم أمتي، قال: تلك أمة أحمد، قال: رب، إني أجد في الألواح أمة صدقاتهم يأكلونها في بطونهم ويؤجرون عليها - وكان من قبلهم [من الأمم] [¬١٣] إذا تصدق بصدقة فقبلت منه بعث الله عليها [¬١٤] نارًا فأكلتها [¬١٥] وإن ردت عليه تركت، فقال لها السباع والطير وإن الله أخذ صدقاتكم من غنيكم لفقيركم - قال: رب! اجعلهم أمتي، قال:
стр. 2854
تلك أمة أحمد.
[قال: رب إني أجد في الألواح أمة إذا همَّ أحدهم بحسنة ثم لم يعملها كتبت له حسنة، فإن عملها كتبت له عشر أمثالها إلى سبعمائة، رب اجعلهم أمتي، قال: تلك أمة أحمد، قال: رب إني أجد في الألواح أمة إذا همَّ أحدهم بسيئة لم تكتب حتى يعملها، فإذا عملها كتبت له سيئة واحدة، فاجعلهم أمتي. قال: تلك أمة أحمد. قال: ربِّ! إني أجد في الألواح أمة هم المستجيبون والمستجاب لهم، فاجعلهم أمتي. قال: تلك أمة أحمد. قال: رب! إني أجد في الألواح أمة هم المشفَّعون والمشفوع لهم، فاجعلهم أمتي، قال: تلك أمة أحمد"] [¬١]. قال قتادة: فذكر لنا أن نبي الله موسى نبذ الألواح، وقال: "اللهم اجعلني [¬٢] من أمة أحمد".
﴿وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا لِمِيقَاتِنَا فَلَمَّا أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ قَالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيَّايَ أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَنْ تَشَاءُ وَتَهْدِي مَنْ تَشَاءُ أَنْتَ وَلِيُّنَا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الْغَافِرِينَ (١٥٥)﴾
قال على بن أبي طلحة: عن ابن عباس في تفسير هذه الآية: كان الله أمره أن يختار من قومه سبعين رجلا، فاختار سبعين رجلًا، فبرز بهم [¬٣] ليدعوا ربهم، فكان فيما دَعَوُا الله قالوا: اللهم أعطا ما لم تعط أحدًا قبلنا ولا تعطيه [¬٤] أحدًا بعدنا. فكره الله ذلك من دعائهم فأخذتهم الرجفة قال موسى: ﴿رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيَّايَ﴾ الآية.
وقال السدي: إن الله أمر موسى أن يأتيه في ناس من بني إسرائيل، يعتذرون إليه من عبادة العجل، ووعدهم موعدًا واختار موسى [من] [¬٥] قومه سبعين رجلًا على عينه، ثم ذهب بهم ليعتذروا، فلما أتوا ذلك المكان قالوا: لن نؤمن لك يا موسى حتى نرى الله جهرة فإنك قد كلمته، فأرناه. فأخذتهم الصاعقة فماتوا، فقام موسى يبكي [¬٦]، ويدعو الله، ويقول: رب! ماذا أقول لبني إسرائيل إذا لقيتهم وقد أهلكت خيارهم؟ رب لو شئت أهلكتهم من قبل وإياي.
стр. 2855
وقال محمَّد بن إسحاق: اختار موسى من بني إسرائيل سبعين رجلًا الخيِّر فالخير، وقال: انطلقوا إلى الله فتوبوا إليه مما صنعتم، وسلوه [¬١] التوبة على من تركتم وراءكم من قومكم، صوموا وتطهروا وطهروا ثيابكم، فخرج بهم إلى طور سيناء لميقات وقَّته له ربه، وكان لا يأتيه إلا بإذن منه وعلم. فقال له السبعون - فيما ذكر لي، حين صنعوا ما أمرهم به وخرجوا معه للقاء ربه - لموسى: اطلب لنا نسمع كلام ربنا، فقال: أفعل، فلما دنا موسى من الجبل وقع عليه عمود الغمام، حتى تغشى الجبل كله، ودنا موسى فدخل فيه، وقال للقوم: ادنوا، وكان موسى إذا كلمه الله وقع على جبهة موسى نور ساطع، لا يستطع أحد من بني آدم أن ينظر إليه، فضرب دونه بالحجاب، ودنا القوم، حتى إذا دخلوا في الغمام وقعوا سجودًا، فسمعوه وهو يكلم موسى، يأمره وينهاه: افعل، ولا تفعل. فلما فرغ إليه من أمره [] [¬٢] انكشف عن موسى الغمام، فأقبل إليهم، فقالوا لموسى: لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة فأخذتهم الرجفة وهي: الصاعقة، فافْتُلِتَتْ [¬٣] أرواحهم، فماتوا جميعًا، فقام موسى يناشد ربه ويدعوه ويرغب إليه ويقول: رب، لو شئت أهلكتهم من قبل وإياي، قد سفهوا، أفتهلك [¬٤] من ورائي من بني إسرائيل.
وقال سفيان الثوري (١٩٤): حدثني أبو إسحاق، عن عمارة بن عبد [¬٥] السَّلولي، عن علي ابن أبي طالب ﵁ قال: انطلق موسى وهارون وشبر وشبير، فانطقوا إلى سفح جبل، فنام [¬٦] هارون على سرير فتوفاه الله ، فلما رجع موسى إلى بني إسرائيل قالوا له: أين
стр. 2856
هارون؟ قال: توفاه الله [¬١]، قالوا: أنت قتلته، حسدتنا على خلقه ولينه - أو كلمة نحوها. قال: فاختاروا من شئتم. قال: فاختاروا سبعين رجلًا، قال: فذلك قوله تعالى: ﴿وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا﴾، فلما انتهوا إليه قالوا: يا هارون! من قتلك؟ قال: ما قتلني أحد [¬٢]، ولكن توفاني [¬٣] الله، قالوا: يا موسى، لن تعصى بعد اليوم، قال: فأخذتهم الرجفة. قال: فجعل [¬٤] موسى ﵇ يرجع يمينًا وشمالا وقال: يا ﴿رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيَّايَ أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَنْ تَشَاءُ وَتَهْدِي مَنْ تَشَاءُ﴾ قال: فأحياهم الله وجعلهم أنبياء كلهم.
هذا أثر غريب جدًّا، وعمارة بن عبد هذا لا أعرفه [¬٥]، وقد رواه شعبة: عن أبي إسحاق، عن رجل من بني سلول، [عن علي] [¬٦]، فذكره.
وقال ابن عباس وقتادة ومجاهد وابن جريج: إنما أخذتهم الرجفة؛ لأنهم لم يزايلوا قومهم في عبادتهم العجل، ولا نهوهم.
ويتوجه هذا القول يقول موسى: ﴿أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا﴾.
وقوله: ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ﴾ أي: ابتلاؤك واختبارك وامتحانك. قاله ابن عباس وسعيد بن جبير وأبو العالية والربيع [¬٧] بن أنس وغير واحد من علماء السلف والخلف، ولا معنى له غير ذلك، يقول: إِنِ الأمرُ إلا أمرُك، وإن الحكم إلا لك، فما شئت كان، تضل من تشاء، وتهدي من تشاء، ولا هادي لمن أضللت، ولا مضل لمن هديت، ولا معطي لما منعت، ولا مانع لما أعطيت، فالملك كله لك، والحكم كله لك، لك الخَلْق والأمر.
وقوله: ﴿أَنْتَ وَلِيُّنَا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الْغَافِرِينَ﴾ الغفر: هو الستر وترك المؤاخذة بالذنب، والرحمة إذا قرنت مع الغَفْر يراد بها أن لا يوقعه [¬٨] في مثله في المستقبل ﴿وَأَنْتَ خَيْرُ الْغَافِرِينَ﴾ أي: لا يغفر الذنوب إلا أنت ﴿وَاكْتُبْ لَنَا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ﴾ هناك الفصل الأول من الدعاء في دفع المحذور، وهذا لتحصيل المقصود. ﴿وَاكْتُبْ لَنَا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ﴾ أي: أوجب لنا وأثبت لنا فيهما [¬٩] حسنة، وقد تقدم
стр. 2857
ذلك في سورة البقرة.
﴿إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ﴾ أي: تبنا ورجعنا وأنبنا إليك، قاله ابن عباس وسعيد بن جبير ومجاهد وأبو العالية والضحاك وإبراهيم التيمي والسدي وقتادة وغير واحد، وهو كذلك لغة.
وقال ابن جرير (١٩٥): حدثنا ابن وكيع، حدثنا أبي، عن شريك، عن جابر، عن عبد الله ابن نجَن، عن علي قال: إنما سميت اليهود؛ لأنهم قالوا: ﴿إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ﴾.
جابر هو ابن يزيد الجُعْفي، ضعيف.
﴿وَاكْتُبْ لَنَا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ قَالَ عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاءُ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ (١٥٦)﴾
يقول تعالى مجيبًا لموسى في قوله: ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَنْ تَشَاءُ وَتَهْدِي مَنْ تَشَاءُ﴾، قال: ﴿عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاءُ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْء﴾ أي: أفعل ما أشاء، وأحكم ما أريد، ولي الحكمة والعدل في كل ذلك، سبحانه لا إله إلا هو.
وقوله تعالى: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ آية عظيمة الشمول والعموم، كقوله تعالى إخبازا عن حَمَلة العرش ومن حوله أنهم يقولون: ﴿رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا﴾.
وقال الإِمام أحمد (١٩٦): حدثنا عبد الصمد، حدثنا أبي، حدثنا الجُرَيري، عن أبي عبد الله الجُشَمي، حدثنا جندب - هو ابن عبد الله البجلى ﵁ قال: جاء أعرابي فأناخ راحلته ثم عَقَلها ثم صلى خلف رسول الله، ﷺ ، فلما صلى رسول الله صلى
стр. 2858
الله عليه وسلم أتى راحلته فأطلق عقالها ثم ركبها ثم نادى: اللهم ارحمني ومحمدًا، ولا تشرك في رحمتنا أحدًا. فقال رسول الله، ﷺ : "أتقولون [¬١] هذا أضل أم بعيره؟ ألم تسمعوا ما قال؟ ". قالوا: بلى. قال: "لقد حَظَرْتَ رحمة واسعة، إن الله خلق مائة رحمة، فأنزل رحمة واحدة [¬٢] يتعاطف بها الخلق جنها وإنسها وبهائمها، وأخَّر عنده تسعًا وتسعين [¬٣] رحمة، أتقولون [¬٤] هو أضل أم بعيره؟ ".
ورواه أحمد [¬٥] وأبو داود: عن علي بن نصر، عن عبد الصمد بن عبد الوارث، به.
وقال أحمد أيضًا (١٩٧): حدثنا يحيى بن سعيد، عن سليمان، عن أبي عثمان، عن سلمان، عن النبي، ﷺ ، قال: "إن لله مائة رحمة؛ فمنها رحمة يتراحم بها الخلق، وبها تعطف الوحوش على أولادها، وأخَّر تسعة وتسعين إلى يوم القيامة".
تفرد [¬٦] بإخراجه مسلم فرواه من حديث سليمان - هو ابن طرخان - وداود بن أبي هند، كلاهما عن أبي عثمان - واسمه عبد الرحمن بن مِلّ - عن سلمان - هو الفارسي [عن النبي ﷺ به] [¬٧].
وقال الإِمام أحمد (١٩٨): حدثنا عفان، حدثنا [¬٨] حماد، عن عاصم بن بهدلة، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، أن النبي، ﷺ ، قال: "إن [¬٩] لله مائة رحمة؛ عنده
стр. 2859
تسعة وتسعون، وجعل عندكم واحدة تتراحمون بها بين الجن والإِنس وبين الخلق، فإذا كان يوم القيامة ضمها إليه". تفرد به أحمد من هذا الوجه.
وقال أحمد (١٩٩): حدثنا عفان [¬١]، حدثنا عبد الواحد، حدثنا الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي سعيد، قال: قال رسول الله، ﷺ : "لله مائة رحمة؛ فقسم منها جزءًا واحدًا بين الخلق، فيه يتراحم الناس والوحش والطير".
ورواه ابن ماجه من حديث أبي معاوية، عن الأعمش، به.
وقال الحافظ أبو القاسم الطبراني (٢٠٠) [¬٢]: حدثنا محمَّد بن عثمان بن أبي شيبة، حدثنا
стр. 2860
أحمد ابن يونس، حدثنا سعد أبو غيلان الشيباني، عن حماد بن أبي سليمان، عن إبراهيم، عن صِلة ابن زُفر، عن حذيفة بن اليمان ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "والذي نفسي بيده يدخلن الجنة [¬١] الفاجرُ في دينه الأحمق في معيشته، والذي نفسي بيده ليدخلن الجنة الذي قد مَحَشته النار بذنبه [¬٢]، والذي نفسي بيده ليغفرن الله يوم القيامة مغفرة يتطاول لها إبليس رجاء أن تصيبه".
هذا حديث غريب جدًّا، وسعد هذا لا أعرفه.
وقوله: ﴿فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾ [إلى آخرها] [¬٣]، يعني: فسأوجب حصول رحمتي منة مني، وإحسانا إليهم؛ كما قال تعالى: ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾.
وقوله: ﴿لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾ أي: سأجعلها للمتصفين بهذه الصفات، وهم أمة محمَّد ﷺ ﴿الَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾ أي: الشرك والعظائم من الذنوب.
قوله [¬٤]: ﴿وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ قيل: زكاة النفوس، وقيل: الأموال، ويحتمل [¬٥] أن تكون عامة لهما، فإن الآية مكية.
﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ﴾ أي: يصدقون.
﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي
стр. 2861
أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٥٧)﴾
﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ﴾ وهذه صفة محمد، ﷺ ، في كتب الأنبياء بشروا [¬١] أممهم ببعثه، وأمروهم بمتابعته، ولم تزل صفاته موجودة في كتبهم، يعرفها علماؤهم وأحبارهم؛ كما قال الإِمام أحمد (٢٠١): حدَّثنا إسماعيل، عن الجُرَيري، عن أبي صخر العقيلي، حدثني رجل من الأعراب، قال: جلبت جَلُوبة [¬٢] إلى المدينة في حياة رسول الله، ﷺ ، فلما فرغت من بيعتي قلت: لألقين هذا الرجل فلأسمعن منه، قال: فتلقاني بين أبي بكر وعمر يمشون، فتبعتهم [في أقفائهم] [¬٣]. حتَّى أتوا على رجل من اليهود ناشرًا [¬٤] التوراة يقرؤها يعزي بها نفسه عن ابن له في الموت كأحسن الفتيان وأجمله، فقال رسول الله ﷺ : "أنشدك بالذي أنزل التوراة، هل تجد [¬٥]، في كتابك ذا صفتي ومخرجي؟ ". فقال برأسه:
стр. 2862
هكذا، أي: لا. فقال ابنه: إي والذي أنزل التوراة إنا لنجد في كتابنا صفتك ومخرجك، وإني أشهد [¬١] أن لا اله إلا الله، وأشهد أنك رسول الله. فقال: "أقيموا اليهودي عن أخيكم". ثم وَلِى كفنه [¬٢] والصلاة عليه.
هذا حديث جيد قوي، له شاهد فى الصحيح، عن أَنس.
وقال الحاكم صاحب المستدرك (٢٠٢): أخبرنا [أَبو محمد بن عبد الله] [¬٣] بن إسحاق البغوي، حدَّثنا إبراهيم ابن الهيثم البلدي، حدَّثنا عبد العزيز بن مسلم بن إدريس، [حدَّثنا عبد الله بن إدريس] [¬٤]، عن شرحبيل بن مسلم [¬٥]، عن أبي أمامة الباهلى، عن هشام بن العاص الأموي قال: بعثت أنا ورجل آخر إلى هرقل صاحب الروم ندعوه إلى الإِسلام، فخرجنا حتَّى قدمنا الغَوطة - يعنى: غوطة دمشق - فنزلنا على جبلة بن الأيهم الغساني، فدخلنا عليه، فإذا هو على سرير له، فأرسل إلينا برسول نكلمه، فقلنا: والله لا نكلم رسولًا، و [¬٦] إنما بعثنا إلى الملك، فإن أذن لنا كلمناه، وإلَّا لم نكلم الرسول، فرجع إليه الرسول فأخبره بذلك، قال: فأذن لنا، فقال: تكلموا، فكلمه هشام بن العاص، ودعاه إلى الإسلام، فإذا عليه ثياب سواد [¬٧]، فقال له هشام: وما هذه التي عليك؟ فقال: لبستها وحلَفت أن لا أنزعها حتَّى أخرجكم من الشام، قلنا: ومجلسك هذا، والله [¬٨] لنأخذنَّه منك، ولنأخذنّ مُلك الملَك الأعظم إن شاء الله، أخبرنا بذلك نبينا محمد [¬٩]، ﷺ ، قال: لستم بهم؛ بل
стр. 2863
هم قوم يصومون بالنهار ويقومون بالليل، فكيف صومكم؟، فأخبرناه فملئ وجهه سوادًا فقال: قوموا، وبعث معنا رسولًا إلى الملك، فخرجنا حتَّى إذا كنا قريبًا من المدينة قال لنا الذي معنا: إن دوابكم هذه لا تدخل مدينة الملك، فإن شئتم حملناكم على براذين وبغال، قلنا: والله لا ندخل إلَّا عليها. فأرسلوا إلى الملك أنهم يأَبون ذلك، فدخلنا على رواحلنا متقلدين سيوفنا حتَّى انتهينا إلى غرفة، فأنخنا في أصلها وهو ينظر إلينا، فقلنا: لا إله إلَّا الله والله أكبر، فالله يعلم لقد تنَفَّضَت [¬١] الغرفة حتَّى صارت كأنها عذق تصفّقه الرياح، فأرسل إلينا: ليس لكم أن تجهروا علينا بدينكم، وأرسل إلينا: أن ادخلوا، فدخلنا عليه، وهو على فراش له، وعنده بطارقته من الروم، وكل شيء في مجلسه أحمر، وما حوله حمرة، وعليه ثياب من الحمرة، فدنونا منه، فضحك فقال: ما [كان] [¬٢] عليكم لو حييتموني بتحيتكم فيما بينكم؟ وإذا عنده رجل فصيح بالعربية كثير الكلام، فقلنا: إن تحيتنا فيما بيننا لا تحل لك، وتحيتك التي تحيا بها لا يحل [¬٣] لنا أن نحييك بها، قال: كيف [¬٤] تحيتكم فيما بينكم؟ قلنا: السلام عليك، قال: وكيف تحيون ملككم؟ قلنا: بها، قال: فكيف [¬٥] يرد عليكم؟ قلنا: بها، قال: فما أعظمُ كلامكم؟ قلنا: لا إله إلَّا الله والله أكبر، فلما تكلمنا بها، والله يعلم، لقد تنفضت الغرفة حتَّى رفع رأسه إليها، [قال: فهذه] [¬٦] الكلمة التي قلتموها حيث تنفضت الغرفة، كلما قلتموها في بيوتكم تنفضت عليكم غرفكم [¬٧]؟ قلنا: لا، ما رأيناها فعلت هذا قطُّ إلَّا عندك، قال: لوددت أنكم كلما قلتم تنفض كل شئ عليكم، وأني قد [¬٨] خرجت من نصف ملكي، قلنا: لم؟ قال: لأنه كان أيسر لشأنها، وأجدر أن لا تكون من أمر النبوة، وأنها تكون من حيل الناس، ثم سألنا عما أراد فأخبرناه، ثم قال: كيف صلاتكم وصومكم؟ فأخبرناه، فقال: قوموا. فقمنا [¬٩]: فأمر لنا بمنزل حسن ونُزُل كثير [¬١٠]، فأقمنا ثلاثًا.
فأرسل إلينا ليلا فدخلنا عليه، فاستعاد قولنا، فأعدناه، ثم دعا بشيء كهيئة الرَّبْعَة العظيمة [¬١١] مُذَهبة، فيها بيوت صغار عليها أَبواب، ففتح بيتًا وقفلًا، فاستخرج حريرة سوداء، فنشرها، فإذا فيها صورة حمراء، وإذا فيها رجل ضخم العينين عظيم الأليتين، لم أر مثل طول عنقه، وإذا ليست له لحية، وإذا له ضفيرتان [¬١٢] أحسن ما خلق الله، قال: أتعرفون هذا؟ قلنا: لا، قال: هذا آدم ﵇، وإذا هو أكثر الناس شعرًا.
стр. 2864
ثم فتح بابًا آخر، فاستخرج منه حريرة سوداء، وإذا فيها صورة بيضاء، وإذا له شعر كشعر [¬١] القطط، أحمر العينين، ضخم الهامة، حسن اللحية، فقال: هل تعرفون هذا؟ قلنا: لا، قال: هذا نوح ﵇.
ثم فتح بابًا آخر، فاستخرج حريرة سوداء، وإذا فيها رجل شديد البياض، حسن العينين، صَلْت الجبين، طويل الخد، أبيفى اللحية كأنه يبتسم [¬٢]، فقال: هل تعرفون هذا؟ قلنا: لا، قال: هذا إبراهيم ﵇.
ثم فتح بابًا آخر، فإذا فيه [¬٣] صورة بيضاء، وإذا والله رسول الله ﷺ ، فقال: أتعرفون هذا؟ قلنا: نعم، محمد رسول الله، ﷺ ، قال: وبكينا، قال - والله يعلم أنَّه قام قائمًا ثم جلس، وقال -: والله إنه لهو، قلنا: نعم إنه لهو؟ كأنك تنظر إليه، فأمسك ساعة ينظر إليها، ثم قال: أما إنه كان آخر البيوت، ولكني عَجَّلته لكم لأنظر ما عندكم.
ثم فتح بابًا آخر، فاستخرج منه حريرة سوداء، فإذا [¬٤] فيها صورة آدماء سحماء، وإذا رجل جعد قَطط، غائر العينين، حديد النظر، عابس [متراكب الأسنان] [¬٥] مقلص الشفة كأنه غضبان، فقال: هل تعرفون هذا؟ قلنا: لا، قال: هذا موسى ﵇، وإلى جانبه صورة تشبهه إلا أنَّه مُدْهَان الرأس، عريض الجبين، في عينيه قَبَل، فقال: هل تعرفون هذا؟ قلنا: لا، قال: هذا هارون بن عمران ﵇.
ثم فتح بابًا آخر، فاستخرج منه حريرة بيضاء، فإذا فيها صورة رجل آدم سَبط ربعة، كأنه غضبان، فقال: هل تعرفون هذا؟ قلنا: لا، قال: هذا لوط ﵇.
ثم فتح بابًا آخر، فاستخرج منه حريرة بيضاء، فإذا فيها صورة رجل أبيض مُشْرب حمرة، أقْنى، خفيف العارضين، حسن الوجه، فقال: هل تعرفون هذا؟ قلنا: لا، قال: هذا إسحاق ﵇.
ثم فتح بابًا آخر، فاستخرج حريرة بيضاء، فإذا فيها صورة تشبه إسحاق، إلا أنَّه على شفته [¬٦] خَال، فقال: هل تعرفون هذا؟ قلنا: لا، قال: هذا يعقوب ﵇.
ثم فتح بابًا آخر، فاستخرج منه حريرة سوداء، فيها صورة رجل أبيض، حسن الوجه، أقنى
стр. 2865
الأنف، حسن القامة، يعلو وجهه نور، يعرف في وجهه الخشوع، يضرب إلى الحمرة، قال: هل تعرفون هذا؟ قلنا: لا، قال: هذا إسماعيل جد نبيكم ﵉.
ثم فتح دابًا آخر، فاستخرج حريرة بيضاء، فيها صورة كأنَّها صورة [¬١] آدم ﵇، كأن وجهه الشمس، فقال: هل تعرفون هذا؟ قلنا: لا، قال: هذا يوسف ﵇.
ثم فتح بابًا آخر، فاستخرج حريرة بيضاء، فإذا فيها صورة رجل أحمر حَمْش الساقين، أخفش العينين، ضخم البطن ربعة متقلد سيفًا، فقال: هل تعرفون هذا؟ قلنا: لا، قال: هذا داود ﵇.
ثم فتح بابًا آخر، فاستخرج حريرة بيضاء، فيها صورة رجل ضخم الأليتين، طويل الرجلين، راكب فرسًا، فقال: هل تعرفون هذا؟ قلنا: لا، قال: هذا سليمان بن داود ﵉.
ثم فتح بابًا آخر، فاستخرج منه حريرة سوداء، فيها صورة بيضاء، وإذا شابٌّ [¬٢] شديد سواد اللحية، كثير الشعر، حسن العينين، حسن الوجه، فقال: هل تعرفون هذا؟ قلنا: لا، قال: هذا عيسى ابن مريم ﵇.
قلنا من أين لك هذه الصور؟ لأنا نعلم أنَّها على ما صُوّرت عليه الأنبياء ﵈ لأنا رأينا صورة نبينا ﵇ مثله، فقال: إن آدم ﵇ سأل ربه أن يريه الأنبياء من ولده، فأنزل عليه صورهم، فكان في خزانة آدم ﵇ عند مغرب الشمس، فاستخرجها ذو القرنين من مغرب الشمس، فدفعها إلى دانيال، ثم قال: أما والله إن نفسي طابت بالخروج من مُلكي، وإني كنت عبدًا لأشركم [¬٣] ملكة حتَّى أموت، ثم أجازنا فأحسن جائزتنا وسرحنا، فلما أتينا أبا بكر الصديق ﵁، [فحدثناه بما أرانا وبما قال لنا وما أجازنا قال: فبكى أبو بكر] [¬٤]، وقال: مسكين! لو أراد الله به خيرًا لفعل، ثم قال: أخبرنا رسول الله، ﷺ ، أنهم واليهود يجدون نعت محمد، ﷺ ، عندهم.
هكذا أورده الحافظ الكبير أَبو بكر البيهقي ﵀ فى كتاب "دلائل النبوَّة" عن
стр. 2866
الحاكم إجازة، فذكره، وإسناده لا بأس به.
وقال ابن جرير (٢٠٣): [حدثنا ابن المثنى] [¬١]، حدَّثنا عثمان بن عمر، حدَّثنا فليح، عن هلال ابن علي، عن عطاء بن يسار قال: لقيت عبد الله بن عمرو فقلت: أخبرني عن صفة رسول الله، ﷺ ، في التوراة. قال: أجل والله، إنه لموصوف في التوراة كصفته في القرآن: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا﴾ وحرزًا للأميين، أنت عبدي ورسولي، أسميتك [¬٢] المتوكل، ليس بفظ ولا غليظ [ولا صخاب في الأسواق، ولا يجزي بالسيئة السيئة، ولكن يعفو ويصفح] [¬٣]، ولن يقبضه الله حتَّى يقيم به الملة العوجاء بأن يقولوا: لا إله إلا الله، ويفتح به قلوبًا غلفا، وآذانًا صمًّا، وأعينًا عميًا. قال عطاء: ثم لقيت كعبًا فسألته عن ذلك، فما اختلف حرفًا، إلَّا أن كعبًا قال بلغته، قال: قلوبًا غُلُوفيا، وآذانا صُمُوميا، وأعينًا عموميًا.
وقد رواه البخاري في صحيحه: عن محمد بن سنان، عن فليح، عن هلال بن علي، فذكر بإسناده نحوه، وزاد بعد قوله: ليس بفظ ولا غليظ: ولا صخاب في الأسواق، ولا يجزي بالسيئة السيئة ولكن يعفو ويصفح.
ويقع في كلام كثير من السلف إطلاق "التوراة" على كتب أهل الكتاب، وقد ورد في بعض الأحاديث ما يشبه هذا، والله أعلم.
وقال الحافظ أَبو القاسم الطبراني (٢٠٤): حدَّثنا موسى بن هارون، حدَّثنا محمد بن إدريس - ورّاق [¬٤] الحميدي - حدَّثنا محمد بن عمر بن إبراهيم من ولد جبير بن مطعم قال: حدثتنى أم
стр. 2867
عثمان بنت سعيد وهي جدتي، عن أبيها سعيد بن محمد بن جبير، عن أبيه محمد بن جبير، عن أبيه جبير بن مطعم قال: خرجت تاجرًا إلى الشام، فلما كنت بأدنى الشام لقيني رجل من أهل الكتاب فقال: هل عندكم رجل تنبأ [¬١]؟ قلت: نعم. قال: هل تعرف صورته إذا رأيتها؟ قلت: نعم، فأدخلني بيتًا فيه صور، فلم أر صورة النبي ﷺ ، فبينما أنا كذلك إذ دخل رجل منهم علينا فقال: فيم أنتم؟ فأخبرناه، فذهب بنا إلى منزله، فساعة ما دخلتُ نظرتُ إلى صورة النبي، ﷺ ، وإذا رجل آخذ بعَقِبِ النبيّ ﷺ ، قلت: من هذا الرجل القابض على عقبه؟ قال: إنه لم يكَن [نبي إلَّا كان] [¬٢] بعده نبي، إلَّا [¬٣] هذا النبيّ [¬٤] فإنه لا نبي بعده، وهذا الخليفة بعده، وإذا صفة أبي بكر، ﵁.
وقال أَبو داود (٢٠٥): حدَّثنا [حفص بن عمر] [¬٥] أَبو عمر [¬٦] الضرير، حدَّثنا حمَّاد بن سلمة: أن سعيد بن إياس الجريري أخبرهم، عن عبد الله بن شقيق العقيلي، عن الأقرع مؤذن عمر بن الخطاب قال: بعثني عمر إلى الأسقف، فدعوته، فقال له عمر: هل تجدني في الكتاب؟ قال: نعم، قال: كيف تجدني؟ قال: أجدك قرنًا، قال [¬٧]: فرفع عمر الدرّة وقال: [قرن مه؟ قال] [¬٨]: قرن حديد، أمير [¬٩] شديد، قال: فكيف تجد الذي بعدي؟ قال: أجد خليفة صالحًا، غير أنَّه يؤثر قرابته، قال عمر: يرحم الله عثمان، ثلاثًا، قال: كيف
стр. 2868
تجد الذي بعده؟ قال: أجده [¬١] صَدَأ حديد، قال: فوضع عمر يده على رأسه، وقال: يا دَفْراه، يا دَفْرَاه! قال: يا أمير المؤمنين، إنه خليفة صالح، ولكنه يُستخلَف حين يُستخلَف والسيف مسلول، والدم مُهْرَاق.
وقوله تعالى: ﴿يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ هذه صفة الرسول، صلى الله تعالى علىه وسلم، في الكتب المتقدمة، وهكذا كانت [¬٢] حاله ﵊، لا يأمر إلَّا بخير، ولا ينهى إلا عن شر؛ كما قال عبد الله بن مسعود (٢٠٦): إذا سمعت الله يقول: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ فَأرْعها سمعك، فإنه خير يأمر به أو شر ينهى عنه. ومن أهم ذلك وأعظمه ما بعثه الله به من الأمر بعبادته وحده لا شريك له، والنهي عن عبادة من سواه، كما أرسل به جميع الرسل قبله، كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾.
وقال الإمام أحمد (٢٠٧): حدثنا أَبو عامر - هو العَقَدي عبد الملك بن عمرو - حدَّثنا سليمان - هو ابن بلالَ - عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن، عن عبد الملك بن سعيد، عن أبي حميد وأبي أسيد ﵄ أن رسول الله، ﷺ قال: "إذا سمعتم الحديث عني تعرفه قلوبكم، وتلين له أشعاركم وأبشاركم، وترون أنَّه منكم قريب، فأنا أولاكم به. وإذا سمعتم الحديث عني تنكره قلوبكم، وتنفر منه أشعاركم وأبشاركم، وترون أنَّه منكم بعيد فأنا أبعدكم منه".
هذا حديث [¬٣] جيد الإسناد، لم يخرجه أحد من أصحاب الكتب.
стр. 2869
وقال الإِمام أحمد (٢٠٨): حدَّثنا أَبو معاوية، حدَّثنا الأعمش، عن عمرو بن مرة، عن أبي البختري، عن علي ﵁ قال: إذا سمعتم [¬١] عن رسول الله، ﷺ ، حديثا فظنوا به الذي هو أهدى، والذي هو أهنى، والذي هو أتقى.
ثم رواه عن يحيى بن سعيد، عن مسعر، عن عمرو بن مرة، عن أبي البختري [¬٢]، عن أبي عبد الرحمن، عن علي ﵁ قال: إذا حدثتم عن رسول الله ﷺ حديثًا، فظنوا به الذي هو أهداه، وأهناه، وأتقاه.
وقوله: ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ أي: يحل لهم مما كانوا حرموه على أنفسهم من البحائر والسوائب والوصائل والحام ونحو ذلك، مما كانوا ضيقوا به على أنفسهم.
﴿وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾. قال على بن أبي طلحة: عن ابن عبَّاس: كلحم الخنزير، والربا، ومما كانوا يستحلونه من المحرمات من المآكل التي حرمها الله تعالى.
وقال بعض العلماء: كل ما أحل الله تعالى فهو طيب نافع في البدن والدين، وكل ما حرمه فهو خبيث ضار في البدن والدين.
وقد تمسك بهذه الآية الكريمة من يرى التحسين والتقبيح العقليين، وأجيب عن ذلك بما لا يتسع هذا الموضع له.
وكذا احتج بها من ذهب من العلماء إلى أن المرجع في حِلِّ المأكل التي لم ينص على تحليلها ولا تحريمها إلى ما استطابته العرب في حال رفاهيتها، وكذا في جانب التحريم إلى ما استخبثته، وفيه كلام طويل أيضًا.
وقوله: ﴿وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ﴾ أي: أنَّه جاء بالتيسير والسماحة؛ كما ورد الحديث من طرق عن رسول الله، ﷺ ، أنَّه قال (٢٠٩):
стр. 2870
"بعثتُ بالحَنيفية السمحة".
وقال ﷺ لأميريه معاذ وأبي موسى الأشعري لما بعثهما إلى اليمن: "بشرا ولا تنفرا، ويسرا ولا تعسرا، وتطاوعا ولا تختلفا" (٢١٠). وقال صاحبه أَبو برزة الأسلمي: إنى صحبت رسول الله ﷺ وشهدت تيسيره (٢١١).
وقد كانت الأم الذين قبلنا في شرائعهم ضيق عليهم، فوسع الله على هذه الأمة أمورها وسهلها لهم؛ ولهذا قال رسول الله ﷺ : "إن الله تجاوز لأمتي ما حدَّثتْ به أنفسها ما لم تقل أو تعمل" (٢١٢). وقال: "رُفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه" (٢١٣). ولهذا [] [¬١] أرشد الله هذه الأمة أن يقولوا: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾. وثبت في صحيح مسلم (٢١٤): أن الله تعالى قال بعد كل سؤال من هذه "قد فعلتُ قد فعلتُ".
وقوله: ﴿فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ﴾ أي: عظموه ووقروه ﴿وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ﴾ [أي: القرآن والوحي الذي جاء به مبلغًا إلى الناس] [¬٢]، ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ أي: فى الدنيا والآخرة.
﴿قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ
стр. 2871
السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٥٨)﴾
يقول تعالى لنبيه ورسوله محمد، ﷺ ﴿قل﴾ يا محمد: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ﴾ وهذا خطاب للأحمر والأسود والعربي والعجمي ﴿إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ أي: جميعكم، وهذا من شرفه وعظمته، ﷺ ، أنه خاتم النبيين، وأنه مبعوث إلى الناس كافة، كما قال تعالى: ﴿قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾، وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الْأَحْزَابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ﴾، وقال تعالى: ﴿وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ﴾ والآيات في هذا كثيرة، كما أن الأحاديث في هذا أكثر من أن تحصر، وهو معلوم من دين الإِسلام ضرورة أنه - صلوات الله وسلامه عليه - رسول الله إلى الناس كلهم.
قال البخاري ﵀ في تفسير هذه الآية (٢١٥): حدثنا عبد الله، حدثنا سليمان بن عبد الرحمن وموسى بن هارون قالا: حدثنا الوليد بن مسلم، حدثنا عبد الله بن العلاء بن زَبْر، حدثني بُسر [¬١] بن عبيد الله، حدثني أبو إدريس الخولاني قال: سمعت أبا الدرداء ﵁ يقول: كانت بين أبي بكر وعمر ﵄ محاورة، فأغضب أبو بكر عمر، فانصرف عمر عنه مغضبًا، فاتبعه أبو بكر يسأله [¬٢] أن يستغفر له، فلم يفعل حتى أغلق بابه في وجهه، فأقبل أبو بكر إلى رسول الله ﷺ فقال أبو الدرداء: ونحن عنده فقال رسول الله ﷺ : "أما صاحبكم هذا فقد غَامَرَ". [أي: غاضب وحاقد] [¬٣]، قال: وندم
стр. 2872
عمر على ما كان منه، فأقبل حتى سلم وجلس إلى النبي ﷺ وقص على رسول الله ﷺ [الخبر. قال أبو الدرداء: وغضب رسول الله ﷺ ] [¬١] وجعل أبو بكر يقول: والله يا رسول الله لأنا كنت أظلم. فقال رسول الله ﷺ : "هل أنتم تاركوا لي صاحبى؟ إني قلت: يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعًا. فقلتم: كذبت. وقال أبو بكر: صدقت". انفرد به البخاري.
وقال الإِمام أحمد (٢١٦): حدثنا عبد الصمد، حدثنا عبد العزيز بن مسلم، حدثنا يزيد بن أبي زياد، عن مقسم، عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ قال: "أعطيت خمسًا لم يعطهن نبي قبلي، ولا أقوله [¬٢] فخرًا: بعثتُ إلى الناس كافة: الأحمر والأسود، ونُصرتُ بالرعب مسيرة شهر، وأحلت لي الغنائم ولم تحل لأحد قبلي، وجعلتْ لي الأرض مسجدا وطهورا، وأعطيتُ الشفاعة فأخرتها لأمتي [يوم القيامة] [¬٣]، فهي لمن لا يشرك بالله شيئًا". إسناد جيد، ولم يخرجوه.
وقال الإِمام أحمد أيضًا (٢١٧): حدثنا قتيبة بن سعيد، حدثنا بكر بن مُضَر، عن ابن [¬٤]
стр. 2873
الهاد، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده: أن رسول الله ﷺ عام غزوة تبوك، قام من الليل يصلي [¬١]، فاجتمع وراءه رجال من أصحابه يحرسونه، حتى إذا صلى انصرف إليهم فقال لهم: "لقد أعطيت الليلة خمسًا ما أعطيهن أحد قبلي: أما أنا فأرسلت إلى الناس كلهم عامة، وكان من قبلي إنما يُرسَل إلى قومه، ونصرت على العدو بالرعب، ولو كان بيني وبينهم مسيرة شهر لمُلئَ مني رعبًا، وأحلت لي الغنائم آكلها، وكان مَن قبلي يعظمون أكلها، كانوا يحرقونها، وجعلت لي الأرض مساجد وطهورًا، أينما أدركتني الصلاة تمسَّحتُ وصليت، وكان من قبلي يعظمون ذلك، إنما كانوا يصلون في بِيَعهم وكنائسهم، والخامسة هي ما هي، قيل لي: سل؛ فإن كل نبي قد سأل، فأخرت مسألتي إلى يوم القيامة، فهي لكم ولمن شهد أن لا إله إلا الله". إسناد جيد قوي أيضًا، ولم يخرجوه.
وقال [¬٢] أيضًا (٢١٨): حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير، عن أبي موسى الأشعري ﵁، عن رسول الله ﷺ قال: "من سمع بي من أمتي أو يهودي أو نصراني فلم يؤمن بي لم يدخل الجنة".
وهذا الحديث في صحيح مسلم (٢١٩) من وجه آخر عن أبي موسى قال: قال رسول الله ﷺ : "والذي نفسي بيده لا يسمع بي رجل من هذه الأمة: يهودي ولا نصراني، ثم لا يؤمن بي إلا دخل النار".
وقال الإِمام أحمد (٢٢٠): حدثنا حسن، حدثنا ابن لهيعة، حدثنا أبو يونس، وهو سليم بن
стр. 2874
جبير، عن أبي هريرة، عن رسول الله ﷺ [أنه قال] [¬١]: "والذي نفسي بيده، لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي أو نصراني، ثم يموت ولا يؤمن بالذي أرسلت به إلا كان من أصحاب النار". تفرد به أحمد.
وقال الإِمام أحمد (٢٢١): حدثنا حسين بن محمد، حدثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، [عن أبي بردة، عن أبي موسى ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "أعطيت خمسًا: بعثت إلى الأحمر والأسود، وجعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا وأحلت لي الغنائم ولم تحل لمن كان قبلي، ونصرت بالرعب شهرًا، وأعطيت الشفاعة، وليس من نبي إلا و [¬٢] قد سأل الشفاعة، وإني قد اختبأت شفاعتي، ثم جعلتها لمن مات من أمتي لم يشرك بالله شيئًا".
وهذا أيضًا إسناد صحيح، ولم أرهم خرجوه، والله أعلم، وهذا الحديث ثابت في الصحيحين أيضًا من حديث [¬٣] جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ : "أعطيت خمسًا لم يعطهن أحد من الأنبياء قبلي: نصرت بالرعب مسيرة شهر، وجعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا، فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصل، وأحلت لي الغنائم ولم تحل لأحد قبلي، وأعطيت الشفاعة، وكان النبي ﷺ يبعث إلى قومه وبعثت إلى الناس عامة" (٢٢٢).
وقوله: ﴿الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾ صفة الله تعالى في قوله: ﴿رسول الله﴾: أي: إن [¬٤] الذي أرسلني هو خالق كل شيء وربه ومليكه، الذي بيده الملك والإِحياء والإماتة، وله الحكم.
стр. 2875
وقوله: ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ﴾ أخبرهم أنه رسول الله إليهم، ثم أمرهم باتباعه والإيمان به ﴿النبي الأمي﴾ أي: الذي وُعِدتم به وبشرتم به في الكتب المتقدمة، فإنه منعوت بذلك في كتبهم؛ ولهذا قال: ﴿الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ﴾ أي: يصدق قوله عمله، وهو يؤمن بما أنزل إليه من ربه ﴿وَاتَّبِعُوهُ﴾ أي: اسلكوا طريقه واقتفوا أثره ﴿لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ أي: إلى الصراط المستقيم.
﴿وَمِنْ قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ (١٥٩﴾
يقول تعالى مخبرًا عن بني إسرائيل إن منهم طائفة يتبعون الحق ويعدلون به، كما قال تعالى: ﴿مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ (١١٣)﴾، وقال تعالى: ﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ لِلَّهِ لَا يَشْتَرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (١٩٩)﴾، وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ (٥٢) وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ قَالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ (٥٣) أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا﴾ الآية، وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ الآية، وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا * وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا] [¬١] وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا﴾.
وقد ذكر ابن جرير في تفسيرها خبرًا عجيبًا فقال (٢٢٣): حدثنا القاسم، حدثنا الحسين، حدثنا حجاج، عن ابن جريج قوله: ﴿وَمِنْ قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ (١٥٩)﴾ قال: بلغني أن بني إسرائيل لما قتلوا أنبياءهم وكفروا وكانوا اثني عشر سبطًا، تبرأ سبط منهم مما صنعوا، واعتذروا، وسألوا الله أن يفرق بينهم وبينهم، ففتح الله لهم نفقًا في الأرض، فساروا فيه حتى خرجوا من وراء الصين، فهم هنالك حنفاء مسلمون [¬٢] يستقبلون قبلتنا. قال ابن جربج: قال ابن عباس: فذلك قوله: ﴿وَقُلْنَا مِنْ بَعْدِهِ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ اسْكُنُوا الْأَرْضَ فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفًا (١٠٤)﴾ و ﴿وعد الآخرة﴾ عيسى بن مريم - قال ابن جريج: قال ابن عباس: ساروا في السرب سنة ونصفًا.