← Тафсир

Тафсир · id 1509

تفسير ابن كثير - ط أولاد الشيخ

ابن كثير

Полный текст (6 736 стр.). Показаны 2801–2840 · переход к 2806.

стр. 2801

﴿فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ (٨٣) وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ (٨٤)﴾ يقول تعالى: فأنجينا لوطًا وأهله، ولم يؤمن به أحد منهم سوى أهل بيته فقط، كما قال تعالى: ﴿فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٣٥) فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾، إلا امرأته فإنها لم تؤمن به، بل كانت على دين قومها تمالئهم عليه، وتعلمهم بمن يَقْدم عليه من ضيفانه باشارات بينها وبينهم، ولهذا لما أمر لوط ﵇ أن يسري بأهله أمر أن لا يعلم امرأته ولا يخرجها من البلد، ومنهم من يقول: بل اتبعتهم، فلما جاء العذاب التفتت هي فأصابها ما أصابهم. والأظهر: أنها لم تخرج من البلد، ولا أعلمها لوط، بل بقيت معهم؛ ولهذا قال هاهنا: ﴿إِلَّا امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ﴾ أي: الباقين، ومنهم من فسر ذلك (من الغابرين): الهالكين، وهو تفسير باللازم. وقوله: ﴿وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا﴾ مفسر [¬١] بقوله: ﴿وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ (٨٢) مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ﴾؛ ولهذا قال ﴿فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ﴾ أي: انظر يا محمد، كيف كانت [¬٢] عاقبة من تجهرم على معاصي الله وكذب رسله. وقد ذهب الإمام أبو حنيفة ﵀ إلى أن اللائط يلقى من شاهق، ويتبع بالحجارة، كما فعل بقوم لوط، وذهب آخرون من العلماء إلى أنه يرجم، سواء كان محصنًا أو غير محصن، وهو أحد قولي الشافعي ﵀، والحجة ما رواه الإمام أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجة من حديث الدراوردي، عن عمرو بن أبي عمرو، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : "من وجدتموه يعمل عمل قوم لوط، فاقتلوا الفاعل والمفعول به (١٣٣) ". وقال آخرون: هو كالزاني؛ فإن كان محصنًا رجم، وإن لم يكن محصنًا جلد مائة جلدة.

стр. 2802

وهو القول الآخر للشافعي، وأما إتيان النساء في الأدبار فهو اللوطية الصغرى، وهو حرام بإجماع العلماء، إلا قولا شاذًّا لبعض السلف، وقد ورد في النهي عنه أحاديث كثيرة عن رسول الله ﷺ ، وقد تقدم الكلام عليها في سورة البقرة. ﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٨٥)﴾ قال محمد بن إسحاق: هم من سلالة مدين بن مديان بن إبراهيم، وشعيب هو ابن ميكيل ابن يشجر [¬١]. قال: واسمه بالسريانية "يثرون [¬٢] ". (قلت): "مدين" تطلق [¬٣] على القبيلة وعلى المدينة، وهي التي بقرب "مَعَان" من طريق الحجاز. قال الله تعالى: ﴿وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ﴾ وهم أصحاب الأيكة، كما سنذكره إن شاء الله وبه الثقة. ﴿قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ هذه دعوة الرسل كلهم ﴿قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ أي: قد أقام اللَّه الحجج والبينات على صدق ما جئتكم به، ثم وعظهم في معاملتهم الناس، بأن يوفوا المكيال والميزان، ولا يبخسوا الناس أشياءهم، أي: لا يخونوا [¬٤] الناس في أموالهم، ويأخذوها [¬٥] على وجه البخس وهو نقص المكيال والميزان خفية وتدليسًا، كما قال تعالى: ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ﴾ إلى قوله: ﴿لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ وهذا تهديد شديد، ووعيد أكيد، نسأل اللَّه العافية منه. ثم قال تعالى إخبارًا عن شعيب، الذي يقال له: خطب الأنبياء، لفصاحة عبارته، وجزالة موعظته. ﴿وَلَا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِرَاطٍ تُوعِدُونَ وَتَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ

стр. 2803

بِهِ وَتَبْغُونَهَا عِوَجًا وَاذْكُرُوا إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلًا فَكَثَّرَكُمْ وَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ (٨٦) وَإِنْ كَانَ طَائِفَةٌ مِنْكُمْ آمَنُوا بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ وَطَائِفَةٌ لَمْ يُؤْمِنُوا فَاصْبِرُوا حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَنَا وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ (٨٧)﴾ ينهاهم شعيب ﵇ عن قطع الطريق الحسي والمعنوي، بقوله: ﴿وَلَا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِرَاطٍ تُوعِدُونَ﴾ أي: تتوعدون الناس بالقتل إن لم يعطوكم أموالهم. قال السدي وغيره: كانوا عشارين. وعن ابن عباس، ومجاهد، وغير واحد: ﴿وَ [¬١] لَا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِرَاطٍ تُوعِدُونَ﴾ أي: تتوعدون المؤمنين الآتين إلى شعيب ليتبعوه. والأوَّل أظهر؛ لأنه قال: ﴿بِكُلِّ صِرَاطٍ﴾: هي الطرق، وهذا الثاني هو قوله: ﴿وَتَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِهِ وَتَبْغُونَهَا عِوَجًا﴾ أي: وتودّون أن تكون [¬٢] سبيل الله عوجًا مائلة ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلًا فَكَثَّرَكُمْ﴾ أي: كنتم مستضعفين لقلتكم، فصرتم أعزة لكثرة عددكم [¬٣]، فاذكروا نعمة الله عليكم في ذلك ﴿وَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ﴾ أي: من الأمم الخالية والقرون الماضية، وما حل بهم من العذاب والنكال باجترائهم على معاصي الله وتكذيب رسله. وقوله ﴿وَإِنْ كَانَ طَائِفَةٌ مِنْكُمْ آمَنُوا بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ وَطَائِفَةٌ لَمْ يُؤْمِنُوا﴾ أي: قد [¬٤] اختلفتم عليَّ ﴿فَاصْبِرُوا﴾ أي: انتظروا ﴿حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَنَا﴾ وبينكم، أي: يفصل ﴿وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ﴾ فإنه سيجعل العاقبة للمتقين، والدمار على الكافرين. ﴿قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يَاشُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا قَالَ أَوَلَوْ كُنَّا كَارِهِينَ (٨٨) قَدِ افْتَرَيْنَا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْهَا وَمَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَعُودَ فِيهَا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّنَا وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا

стр. 2804

وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ (٨٩)﴾ هذا إخبار من الله تعالى عما واجهت به الكفار نبيه [¬١] شعيبًا ومن معه من المؤمنين، في توعدهم إياه ومن معه بالنفي من [¬٢] القرية أو [¬٣] الإكراه على الرجوع فى ملتهم والدخول معهم فيما هم فيه، وهذا خطاب مع الرسول، والمراد: أتباعه الذين كانوا معه على الملة. وقوله: ﴿أَوَلَوْ كُنَّا كَارِهِينَ﴾ يقول: أو أنتم فاعلو ذلك ولو [¬٤] كنا كارهين ما تدعونا إليه، فإنا إن رجعنا إلى ملتكم، ودخلنا معكم فيما أنتم فيه، فقد أعظمنا الفرية على اللَّه في جعل الشركاء معه أندادًا، وهذا تنفير [¬٥] منه عن اتباعه ﴿وَمَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَعُودَ فِيهَا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّنَا﴾ وهذا رد إلى المشيئة، فإنه يعلم كل شيء، وقد أحاط بكل شيء علمًا ﴿عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا﴾ أي: في أمورنا ما نأتي منها وما نذر ﴿رَبَّنَا افْتَحْ [¬٦] بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقّ﴾ أي: افصل بيننا وبين قومنا وانصرنا عليهم ﴿وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ﴾ أي: خير الحاكمين، فإنك العادل الذي لا يجور [¬٧] أبدًا. ﴿وَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَئِنِ اتَّبَعْتُمْ شُعَيْبًا إِنَّكُمْ إِذًا لَخَاسِرُونَ (٩٠) فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ (٩١) الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَانُوا هُمُ الْخَاسِرِينَ (٩٢)﴾ يخبر تعالى عن شدة كفر قوم شعيب، وتمردهم وعتوهم، وما هم فيه من الضلال، وما جبلت عليه قلوبهم من المخالفة للحق؛ ولهذا أقسموا وقالوا: ﴿لَئِنِ اتَّبَعْتُمْ شُعَيْبًا إِنَّكُمْ إِذًا لَخَاسِرُونَ﴾؛ فلهذا عقب ذلك بقوله: ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ﴾ أخبر تعالى هاهنا أنهم أخذتهم الرجفة، [وذلك كما] [¬٨] أرجفوا شعيبًا وأصحابه وتوعدوهم بالجلاء، كما أخبر عنهم في سورة هود، فقال: ﴿وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا شُعَيْبًا وَالَّذِينَ آمَنُوا [¬٩] مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ﴾ والمناسبة فى ذلك - والله أعلم - أنهم لما تهكموا [بنبي الله شعيب] [¬١٠] في قولهم: ﴿أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ أن

стр. 2805

نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ﴾، فجاءت الصيحة فأسكتتهم [¬١]. وقال تعالى إخبارًا عنهم في سورة الشعراء: ﴿فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ إِنَّهُ كَانَ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ وما ذاك إلا لأنهم قالوا له في سياق القصة: ﴿فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾، فأخبر أنه أصابهم عذاب يوم الظلة، وقد اجتمع عليهم ذلك كله أصابهم، ﴿عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ﴾ وهي سحابة أظلتهم فيها شرر من نار، ولهب [¬٢] ووهج عطم، ثم جاءتهم صيحة من السماء، ورجفة من الأرض شديدة من أسفل منهم، فزهقت الأرواح، وفاضت النفوس، وخمدت الأجسام [¬٣] ﴿فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ﴾. ثم قال تعالى: ﴿كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا﴾ أي: كأنهم لما أصابتهم النقمة، لم يقيموا بديارهم التي أرادوا إجلاء الرسول وصحبه منها. ثم قال تعالى مقابلاً لقيلهم: ﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَانُوا هُمُ الْخَاسِرِينَ﴾. ﴿فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَاقَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ فَكَيْفَ آسَى عَلَى قَوْمٍ كَافِرِينَ (٩٣)﴾ أي: فتولى عنهم شعيب ﵇ بعد ما أصابهم ما أصابهم من العذاب والنقمة والنكال، وقال مقرعًا لهم وموبخًا: ﴿يَاقَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ﴾ أي: قد أديت إليكم ما أرسلت به، فلا أسفة عليكم وقد كفرتم بما جئتكم به؛ ولهذا قال: ﴿فَكَيْفَ آسَى عَلَى قَوْمٍ كَافِرِينَ﴾. ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا أَخَذْنَا أَهْلَهَا بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ (٩٤) ثُمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ حَتَّى عَفَوْا وَقَالُوا قَدْ مَسَّ آبَاءَنَا الضَّرَّاءُ وَالسَّرَّاءُ فَأَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (٩٥)﴾ يقول تعالى مخبرًا عما اختبر به الأمم الماضية، الذين أرسل إليهم الأنبياء ﴿بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ﴾، يعني بالبأساء: ما يصيبهم في أبدانهم من أمراض وأسقام، والضراء: ما يصيبهم

стр. 2806

من فقر وحاجة ونحو ذلك؛ ﴿لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ﴾ أي: يدعون ويخشعون، ويبتهلون إلى الله تعالى في كشف ما نزل بهم. وتقدير الكلام: أنه ابتلاهم بالشدة ليتضرعوا، فما فعلوا شيئًا من الذي أراد الله [¬١] منهم، فقدب عليهم [¬٢] الحال إلى الرخاء ليختبرهم فيه؛ ولهذا قال: ﴿ثُمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ﴾ أي: حولنا الحال من شدة إلى رخاء، ومن مرض وسقم إلى صحة وعافية، ومن فقر إلى غنى، ليشكروا على ذلك فما فعلوا. وقوله: ﴿حَتَّى عَفَوْا﴾ أي: كثروا وكثرت أموالهم وأولادهم. يقال: عفا الشيء إذا كثر. ﴿وَقَالُوا قَدْ مَسَّ آبَاءَنَا الضَّرَّاءُ وَالسَّرَّاءُ فَأَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ يقول تعالى: ابتليناهم [¬٣] بهذا وهذا؛ ليتضرعوا وينيبوا إلى الله، فما نجع فيهم لا هذا ولا هذا، ولا انتهوا [¬٤] بهذا ولا بهذا، بل قالوا: قد مسنا من البأساء والضراء ثم بعده من الرخاء، مثل ما أصاب آباءنا في قديم الدهر، وإنما هو الدهر تارات وتارات، ولم يتفطوا لأمر الله فيهم ولا استشعروا ابتلاء الله لهم في الحالين، وهذا بخلاف حال المؤمنين، الذين يشكرون الله على السراء، ويصبرون على الضراء، كما ثبت في الصحيحين (١٣٤): " عجبًا للمؤمن، لا يقضي الله له قضاء إلا كان خيرًا له، إن أصابته ضراء صبر فكان خيرا له، وإن أصابته سراء شكر فكان خيرا له". فالمؤمن من [¬٥] يتفطن لما ابتلاه الله به من الضراء والسراء، ولهذا جاء في الحديث (١٣٥): " لا يزال البلاء بالمؤمن حتى يخرج نقيّا من ذنوبه، والمنافق مثله كمثل الحمار، لا يدري فيم ربطه

стр. 2807

أهله، ولا فيم أرسلوه". أو [¬١] كما قال. ولهذا عقب هذه الصفة بقوله: ﴿فَأَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ أي: أخذناهم بالعقوبة بغتة، أي: على بغتة وعدم شعور منهم، أي: أخذناهم فجأة، كما في الحديث (١٣٦): " موت الفجأة رحمة للمؤمن، وأخذه أسف للكافر". ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (٩٦) أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بَيَاتًا وَهُمْ نَائِمُونَ (٩٧) أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ (٩٨) أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ (٩٩)﴾ [يخبر تعالى] [¬٢] عن قلة إيمان أهل القرى الذين أرسل فيهم الرسل؛ كقوله تعالى: ﴿فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ﴾ أي: ما آمنت قرية بتمامها إلا قوم يونس فإنهم آمنوا، وذلك بعد ما عاينوا العذاب، كما قال تعالى: ﴿وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ (١٤٧) فَآمَنُوا فَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ﴾، وقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ﴾. وقوله [¬٣] تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا﴾ أي: آمنت قلوبهم بما جاءتهم به

стр. 2808

الرسل، وصدقت به واتبعوه [¬١]، واتقوا بفعل الطاعات وترك المحرمات ﴿لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ أي: قطر السماء ونبات الأرض. قال تعالى: ﴿وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ أي: ولكن كذبوا رسلهم فعاقبناهم بالهلاك على ما كسبوا من المآثم

стр. 2809

والمحارم. ثم قال تعالى مخوفًا ومحذرًا من مخالفة أوامره، والتجرؤ على زواجره: ﴿أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى﴾ أي: الكافرة ﴿أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا﴾ أي: عذابنا ونكالنا ﴿بَيَاتًا﴾ أي: ليلاً ﴿وَهُمْ نَائِمُونَ (٩٧) أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ﴾ أي: في حال شغلهم وغفلتهم ﴿أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ﴾ أي: بأسه ونقمته وقدرته عليهم، وأخذه إياهم فى حال سهوهم وغفلتهم ﴿فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ﴾، ولهذا قال الحسن البصرى ﵀: المؤمن يعمل بالطاعات وهو مشفق وجل خائف، والفاجر يعمل بالمعاصي وهو آمن. ﴿أَوَلَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ أَهْلِهَا أَنْ لَوْ نَشَاءُ أَصَبْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَنَطْبَعُ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ (١٠٠)﴾ قال ابن عباس ﵄ في قوله: ﴿أَوَلَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ أَهْلِهَا﴾: أو لم نبين لهم أن لو نشاء أصبناهم بذنوبهم. وقال أبو جعفر بن جرير [¬١] في تفسيرها: يقول تعالى أو لم يَبن [¬٢] للذين يستخلفون في الأرض من بعد إهلاك [¬٣] آخرين قبلهم كانوا أهلها، فساروا سيرتهم وعملوا أعمالهم، وعتوا على ربهم. ﴿أَنْ لَوْ نَشَاءُ أَصَبْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ﴾ يقول: أن لو نشاء فعلنا بهم كما فعلنا بمن قبلهم ﴿وَنَطْبَعُ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ يقول ونختم على قلوبهم ﴿فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ﴾ موعظة ولا تذكيرًا. (قلت): وهكذا قال تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِأُولِي النُّهَى﴾، وقال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ أَفَلَا يَسْمَعُونَ﴾، وقال: ﴿أَوَلَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُمْ مِنْ قَبْلُ مَا لَكُمْ مِنْ زَوَالٍ (٤٤) وَسَكَنْتُمْ فِي مَسَاكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ وَضَرَبْنَا لَكُمُ الْأَمْثَالَ﴾. وقال تعالى: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا [] [¬٤] قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزًا﴾ أي: هل ترى لهم شخصًا، أو تسمع لهم صوتًا، وقال تعالى: ﴿[أَو أَلَمْ] [¬٥] يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ وَأَرْسَلْنَا السَّمَاءَ عَلَيْهِمْ مِدْرَارًا وَجَعَلْنَا الْأَنْهَارَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ

стр. 2810

وَأَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ﴾، وقال تعالى بعد ذكره إهلاك عاد: ﴿فَأَصْبَحُوا لَا يُرَى [¬١] إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ (٢٥) وَلَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ فِيمَا إِنْ مَكَّنَّاكُمْ فِيهِ وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعًا وَأَبْصَارًا وَأَفْئِدَةً فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلَا أَبْصَارُهُمْ وَلَا أَفْئِدَتُهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِذْ كَانُوا يَجْحَدُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (٢٦) وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا مَا حَوْلَكُمْ مِنَ الْقُرَى وَصَرَّفْنَا الْآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٢٧)﴾، وقال تعالى: ﴿وَكَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَمَا بَلَغُوا مِعْشَارَ مَا آتَيْنَاهُمْ فَكَذَّبُوا رُسُلِي فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ﴾، وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ﴾، وقال تعالى: ﴿فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ فَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَشِيدٍ (٤٥) ﴿(٤٥) أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ (٤٦)﴾ وقال تعالى: ﴿وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ إلى غير ذلك من الآيات الدالة على حلول نقمه بأعدائه، وحصول نعمه لأوليائه، ولهذا عقب ذلك بقوله وهو أصدق القائلين ورب العالمين. ﴿تِلْكَ الْقُرَى نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَائِهَا وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا بِمَا كَذَّبُوا مِنْ قَبْلُ كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِ الْكَافِرِينَ (١٠١) وَمَا وَجَدْنَا لِأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ وَإِنْ وَجَدْنَا أَكْثَرَهُمْ لَفَاسِقِينَ (١٠٢)﴾ لما قص تعالى على نبيه، ﷺ ، خبر قوم نوح وهود وصالح ولوط وشعيب، وما كان من إهلاكه الكافرين وإنجائه المؤمنين، وأنه تعالى أعذر إليهم بأن بين لهم الحق [¬٢] بالحجج [¬٣] على ألسنة الرسل، صلوات الله عليهم أجمعين، قال تعالى: ﴿تِلْكَ الْقُرَى نَقُصُّ عَلَيْكَ﴾ أي: يا محمد ﴿مِنْ أَنْبَائِهَا﴾ أي: من أخبارها ﴿وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ﴾ أي: بالحجج على صدقهم فيما أخبروهم به، كما قال تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾، وقال تعالى: ﴿ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْقُرَى نَقُصُّهُ عَلَيْكَ مِنْهَا قَائِمٌ وَحَصِيدٌ (١٠٠) وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ﴾. وقوله تعالى: ﴿فَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا بِمَا كَذَّبُوا مِنْ قَبْلُ﴾ الباء سببية، أي: فما كانوا ليؤمنوا بما جاءتهم به الرسل بسبب تكذيبهم بالحق أول ما ورد عليهم. حكاه ابن عطية ﵀، وهو متجه حسن، كقوله: ﴿وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَاءَتْ لَا يُؤْمِنُونَ (١٠٩) وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ﴾

стр. 2811

كما لم يؤمنوا به أول مرة [﴿وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ] [¬١]﴾. ولهذا قال هنا: ﴿كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِ الْكَافِرِينَ (١٠١) وَمَا وَجَدْنَا لِأَكْثَرِهِمْ﴾ أي: لأكثر الأمم الماضية ﴿مِنْ عَهْدٍ وَإِنْ وَجَدْنَا أَكْثَرَهُمْ لَفَاسِقِينَ﴾ أي: ولقد وجنا أكثرهم فاسقين، خارجين عن الطاعة والامتثال، والعهد الذي أخذه هو ما [¬٢] جبلهم عليه وفطرهم عليه، وأخذ عليهم في [¬٣] الأصلاب: أنَّه ربهم ومليكهم، وأنه لا إله إلَّا هو، فأقروا بذلك، وشهدوا على أنفسهم به، فخالفوه وتركوه وراء ظهورهم، وعبدوا مع الله غيره بلا دليل ولا حجة، لا من عقل ولا شرع، وفي الفطر السليمة خلاف ذلك، وجاءت الرسل الكرام من أولهم إلى آخرهم بالنهي عن ذلك، كما جاء في صحيح مسلم (١٣٧): يقول الله تعالى: "إني خلقت عبادي حنفاء، فجاءتهم الشياطين فجالتهم عن دينهم، وحرمت عليهم ما أحللت لهم". وفي الصحيحين (١٣٨): " كل مولود يولد على الفطرة، فأَبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه" الحديث. وقال تعالى في كتابه العزيز: (﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي [¬٤] إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾، وقوله تعالى: (﴿وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ﴾، وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ إلى غير ذلك من الآيات. وقد قيل في تفسير قوله تعالى: ﴿فَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا بِمَا كَذَّبُوا مِنْ قَبْلُ﴾ [ما روى] [¬٥] أَبو جعفر الرازي (١٣٩): عن الربيع بن أَنس، عن أبي العالية، عن أبي بن كعب في قوله: ﴿فَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا بِمَا كَذَّبُوا مِنْ قَبْلُ﴾ قال: كان في علمه تعالى يوم أقروا له بالميثاق. أي: فما كانوا ليؤمنوا لعلم الله منهم ذلك. وكذا لحال الربيع بن أنس: واختاره ابن جرير [¬٦]. وقال السدي: ﴿فَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا بِمَا كَذَّبُوا مِنْ قَبْلُ﴾ فال: ذلك يوم أخذ منهم الميثاق، فآمنوا كرهًا. وقال مجاهد في قوله: ﴿فَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا بِمَا كَذَّبُوا مِنْ قَبْلُ﴾: هذا كقوله: ﴿وَلُوْ

стр. 2812

رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ ". ﴿ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ مُوسَى بِآيَاتِنَا إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَظَلَمُوا بِهَا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ (١٠٣)﴾ يقول تعالى: ﴿ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ أي: الرسل المتقدم ذكرهم، كنوح وهود وصالح ولوط وشعيب، صلوات الله وسلامه عليهم وعلى سائر أنبياء الله أجمعين ﴿مُوسَى بِآيَاتِنَا﴾ أي: بحججنا ودلائلنا البينة إلى فرعون، وهو ملك مصر في زمان موسى ﴿وَمَلَئِهِ﴾ أي: قومه ﴿فَظَلَمُوا بِهَا﴾ أي: جحدوا وكفروا بها ظلما منهم وعنادًا، كقوله تعالى: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ﴾ أي: الذين صدوا عن سبيل الله وكذبوا رسله، أي: انظر يا محمد، كيف فعلنا بهم، وأغرقناهم عن آخرهم بمرأى من موسى وقومه، وهذا أبلغ فى النكال بفرعون وقومه، وأشفى لقلوب أولياء الله: موسى وقومه من المؤمنين به. ﴿وَقَالَ مُوسَى يَافِرْعَوْنُ إِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٠٤) حَقِيقٌ عَلَى أَنْ لَا أَقُولَ عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ قَدْ جِئْتُكُمْ بِبَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَرْسِلْ مَعِيَ بَنِي إِسْرَائِيلَ (١٠٥) قَالَ إِنْ كُنْتَ جِئْتَ بِآيَةٍ فَأْتِ بِهَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (١٠٦)﴾ يخبر تعالى عن مناظرة موسى لفرعون، لالجامه إياه بالحجة، لاظهاره الآيات البينات بحضرة فرعون وقومه من قبط مصر، فقال تعالى: ﴿وَقَالَ مُوسَى يَافِرْعَوْنُ إِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ أي: أرسلني الذي هو خالق كل شيء وربه ومليكه. ﴿حَقِيقٌ عَلَى أَنْ لَا أَقُولَ عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ﴾ فقال بعضهم: معناه حقيق بأن لا أقول على الله إلَّا الحق، أي: جدير بذلك وحري به. قالوا: "والباء" "وعلى" يتعاقبان، فيقال: رميت بالقوس وعلى القوس، وجاء على حال حسنة وبحال حسنة. وقال بعض المفسرين: معناه: حريص على أن لا أقول على الله إلا الحق. _________

стр. 2813

وقرأ [¬١] آخرون من أهل المدينة: (حقيق عليَّ) بمعنى واجب وحق على ذلك: أن لا أخبر عنه إلَّا بما هو حق وصدق لما أعلم من جلاله وعظيم سلطانه [¬٢]. ﴿قَدْ جِئْتُكُمْ بِبَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ أي: بحجة قاطعة من الله أعطانيها دليلًا على صدقي فيما جئتكم به ﴿فَأَرْسِلْ مَعِيَ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ أي: أطلقهم من أسرك وقهرك، ودعهم وعبادة ربك وربهم، فإنهم من سلالة نبي كريم إسرائيل، وهو يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم خليل الرحمن. ﴿قَالَ إِنْ كُنْتَ جِئْتَ بِآيَةٍ فَأْتِ بِهَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ أي: قال فرعون: لست بمصدقك فيما قلت، ولا بمطيعك [¬٣] فيما طلبت، فإن كانت معك حجة فأظهرها لنراها، إن كنت صادقًا فيما ادعيت. ﴿فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ (١٠٧) وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَاءُ لِلنَّاظِرِينَ (١٠٨)﴾ قال على بن أبي طلحة: عن ابن عبَّاس في قوله: ﴿ثُعْبَانٌ مُبِينٌ﴾ الحية الذكر. وكذا قال السدي والضحاك. وفي حديث الفتون (١٤٠) من رواية - يزيد بن هارون أخبرنا [¬٤] الأصبغ بن زيد، عن القاسم بن أبي أيوب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عبَّاس قال: ﴿فَأَلْقَى [¬٥] عَصَاهُ﴾ فتحولت حية عظيمة فاغرة فاها مسرعة إلى فرعون، فلما رأى [¬٦] فرعون أنها قاصدة إليه اقتحم عن سريره، واستغاث بموسى أن يكفها عنه، ففعل. وقال قَتَادة: تحولت حية عظيمة مثل المدينة. وقال السدي في قوله: ﴿فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ﴾ والثعبان: الذكر من الحيات، فاتحة فاها واضعة لحيها الأسفل في الأرض، والآخر على سور القصر، ثم توجهت نحو فرعون لتأخذه، فلما رآها ذعر منها ووثب وأحدث، ولم يكن بحدث قبل ذلك، وصاح: يا موسى، خذها وأنا أومن بك، وأرسل معك بني إسرائيل. فأخذها موسى ﵇، فعادت عصًا. وروي عن عكرمة، عن ابن عبَّاس نحو هذا.

стр. 2814

وقال وَهْب بن منبه: لما دخل موسى على فرعون قال له فرعون: أعرفك. قال: نعم. قال: ﴿قَالَ أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا﴾. قال: فردَّ إليه موسى الذي ردَّ. وقال فرعون: خذوه. فبادره موسى: ﴿فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ﴾ فحملت على الناس فانهزموا منها، فمات منهم خمسة وعشرون ألفًا قتل بعضهم بعضًا، وقام فرعون منهزمًا حتَّى دخل البيت. رواه ابن جرير والإِمام أحمد في كتابه "الزهد"، وابن أبي حاتم (١٤١)، وفيه غرابة فى سياقه، والله أعلم. وقوله: ﴿وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَاءُ لِلنَّاظِرِينَ﴾ أي: أخرج [¬١] يده [] [¬٢] من درعه بعد ما أدخلها فيه، فخرجت بيضاء تتلألأ من غير برص ولا مرض، كما قال تعالى: ﴿وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ﴾. [وقال ابن عبَّاس في حديث الفتون (١٤٢): ﴿مِنْ غَيْرِ سُوءٍ﴾] [¬٣] يعني: من غير برص، ثم أعادها إلى كمه فعادت إلى لونها الأول. وكذا قال مجاهد وغير واحد. ﴿قَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ (١٠٩) يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ (١١٠)﴾ أي: قال الملأ وهم الجمهور والسادة من قوم فرعون، موافقين لقول فرعون فيه، بعد ما رجع إليه روعه [¬٤]، واستقر على سرير مملكته، بعد ذلك قال للملأ حوله: ﴿إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ﴾ فوافقوه وقالوا كمقالته، وتشاوروا في أمره، وماذا [¬٥] يصنعون في أمره، وكيف تكون حيلتهم في إطفاء نوره وإخماد كلمته، وظهور كذبهم وافترائهم، وتخوفوا [] [¬٦] أن يستميل الناس [إليه] [¬٧] بسحره فيما يعتقدون، فيكون ذلك سببًا لظهوره عليهم، وإخراجه إياهم من أرضهم، والذي خافوا منه وقعوا فيه، كما قال تعالى: ﴿وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا

стр. 2815

يَحْذَرُونَ﴾، فلما تشاوروا في شأنه، وائتمروا فيه، اتفق رأيهم على ما حكاه الله [¬١] تعالى عنهم في قوله تعالى: ﴿قَالُوا أَرْجِهْ وَأَخَاهُ وَأَرْسِلْ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ (١١١) يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَاحِرٍ عَلِيمٍ (١١٢)﴾ قال ابن عبَّاس: ﴿أَرْجِهْ﴾: أَخِرْه. وقال قَتَادة: احبسه. ﴿وَأَرْسِلْ﴾ أي: ابعث ﴿فِي الْمَدَائِنِ﴾ أي: في الأقاليم ومعاملة ملكك ﴿حَاشِرِينَ﴾ أي: من يحشر لك السحرة من سائر البلاد ويجمعهم. وقد كان السحر في زمانهم غالبا كثيرًا ظاهرًا، واعتقد من اعتقد منهم، وأوهم من أوهم منهم، أن ما جاء به موسى ﵇ من قبيل ما تشعبذه سحرتهم؛ فلهذا جمعوا له السحرة، ليعارضوه بنطر ما أراهم من البينات، كما أخبر تعالى عن فرعون حيث قال: ﴿قَالَ أَجِئْتَنَا لِتُخْرِجَنَا مِنْ أَرْضِنَا بِسِحْرِكَ يَامُوسَى (٥٧) فَلَنَأْتِيَنَّكَ بِسِحْرٍ مِثْلِهِ فَاجْعَلْ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ مَوْعِدًا لَا نُخْلِفُهُ نَحْنُ وَلَا أَنْتَ مَكَانًا سُوًى (٥٨) قَالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى (٥٩) فَتَوَلَّى فِرْعَوْنُ فَجَمَعَ كَيْدَهُ ثُمَّ أَتَى﴾، وقال تعالى هاهنا: ﴿وَجَاءَ السَّحَرَةُ فِرْعَوْنَ قَالُوا إِنَّ لَنَا لَأَجْرًا إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ (١١٣) قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ (١١٤)﴾ يخبر تعالى عما تشارط عليه فرعون والسحرة، الذين استدعاهم لمعارضة موسى ﵇، إن غلبوا موسى ليثيبنهم وليعطينهم عطاءً جزيلًا، فوعدهم ومناهم ان يعطهم ما أرادوا، وليجعلنهم من جلسائه والمقربين عنده، فلما توثقوا من فرعون لعنه الله. ﴿قَالُوا يَامُوسَى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ (١١٥) قَالَ أَلْقُوا فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ (١١٦)﴾ هذه مبارزة من السحرة لموسى ﵇ في قولهم: ﴿قَالُوا يَا مُوسَى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ﴾ أي: قبلك؛ كما قال في الآية الأخرى: ﴿وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقَى﴾. فقال لهم موسى ﵇: ﴿أَلْقُوا﴾ أي: أنتم أولًا قبلي [¬٢] والحكمة في هذا والله أعلم؛

стр. 2816

ليرى الناس صنيعهم ويتأطوه، فإذا فُرِغَ من بهرجهم ومحالهم جاءهم الحق الواضح الجلي بعد التطب له والانتظار منهم لمجيئه، فيكون أوقع في النفوس، وكذا كان؛ ولهذا قال تعالى: ﴿فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ﴾ أي: خيلوا إلى الأبصار أن ما فعلوه له حقيقة في الخارج، ولم يكن إلا مجرد صنعة [¬١] وخيال؛ كما قال تعالى: ﴿فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى (٦٦) فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَى (٦٧) قُلْنَا لَا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلَى (٦٨) وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى﴾. قال سفيان بن عيينة (١٤٣): حدَّثنا أَبو سعد [¬٢]، عن عكرمة، عن ابن عبَّاس: ألقوا حبالًا غلاظًا وخشبًا طوالًا. قال: فأقبلت يخيل [¬٣] إليه من سحرهم أنَّها تسعى. وقال محمد بن إسحاق: صف خمسة عشر ألف ساحر مع كل ساحر، حباله وعصيه، وخرج موسى ﵇، معه أخوه [¬٤] يتكئ على عصاه، حتَّى أتى الجمع وفرعون في مجلسه مع أشراف أهل مملكته، ثم قالت [¬٥] السحرة: ﴿قَالُوا يَامُوسَى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقَى (٦٥) قَالَ بَلْ أَلْقُوا فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ﴾ فكان أول ما اختطفوا بسحرهم بصر موسى وبصر فرعون، ثم أبصار الناس بعد، ثم ألقى كل رجل منهم ما في يده من الحبال والعصي، فإذا حيات كأمثال الجبال، قد ملأت الوادي يركب بعضها بعضًا. وقال السدي: كانوا بضعة وثلاثين [¬٦] ألف رجل، ليس رجل منهم إلا ومعه حبل وعصا ﴿فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ﴾ يقول: فرقوهم، أي: من الفرق. وقال ابن جرير (١٤٤): حدَّثنا يعقوب بن إبراهيم، حدَّثنا ابن علية، عن هشام الدستوائي، حدَّثنا القاسم بن أبي بزَّة، قال: جمع فرعون سبعين ألف ساحر فألقوا سبعين ألف حبل، وسبعين ألف عصا، حتَّى جعل يخيل إليه من سحرهم أنَّها تسعى. ولهذا قال تعالى: ﴿وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ﴾. ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ (١١٧) فَوَقَعَ﴾

стр. 2817

﴿الْحَقُّ وَبَطَلَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١١٨) فَغُلِبُوا هُنَالِكَ وَانْقَلَبُوا صَاغِرِينَ (١١٩) وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ (١٢٠) قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (١٢١) رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ (١٢٢)﴾ يخبر تعالى أنَّه أوحى إلى عبده ورسوله موسى ﵇ في ذلك الموقف العظيم، الذي فرق الله تعالى فيه بين الحق والباطل، يأمره بأن يلقي ما فى يمينه، وهي عصاه ﴿فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ أي: قال ﴿مَا يَأْفِكُونَ﴾ أي: ما يلقونه، ويوهمون أنَّه حق وهو باطل. قال ابن عبَّاس: فجعلت لا تمر بشيء من حبالهم ولا من خشبهم إلا التقمته، فعرفت السحرة أن هذا أمر من السماء و [¬١] ليس هذا بسحر، فخروا سجدًا، وقالوا: ﴿قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (١٢١) رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ﴾. وقال محمد بن إسحاق: جعلت تبتلع [¬٢] تلك الحبال والعصي واحدة واحدة، حتَّى ما يرى [¬٣] بالوادي قليل ولا كثير مما ألقوا، ثم أخذها موسى، فإذا هي عصا في يده كما كانت، ووقع السحرة سجدًا ﴿قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (١٢١) رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ﴾، لو كان هذا ساحرًا [¬٤]، ما غلبنا. وقال القاسم بن أبي بزَّة: أوحى الله إليه أن ألق عصاك، [فألقى عصاه] [¬٥]، فإذا هي ثعبان [] [¬٦]، فاغر فاه يبتلع حبالهم وعصيهم، فألقي السحرة عند ذلك سجدًا، فما رفعوا رءوسهم حتَّى رأوا الجنَّةَ والنار وثواب أهلهما [¬٧]. ﴿قَالَ فِرْعَوْنُ آمَنْتُمْ بِهِ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّ هَذَا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ لِتُخْرِجُوا مِنْهَا أَهْلَهَا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (١٢٣) لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ ثُمَّ لَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ (١٢٤) قَالُوا إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنْقَلِبُونَ (١٢٥) وَمَا تَنْقِمُ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِآيَاتِ رَبِّنَا لَمَّا جَاءَتْنَا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ (١٢٦)﴾ يخبر تعالى عما توعد به فرعون - لعنه الله - السحرةَ لما آمنوا بموسى ﵇، وما أظهره

стр. 2818

للناس من كيده ومكره في قوله: ﴿أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّ هَذَا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ لِتُخْرِجُوا مِنْهَا أَهْلَهَا﴾ أي: إن غَلَبَه لكم في يومكم هذا، إنما كان عن تشاور منكم ورضا منكم لذلك؛ كقوله في الآية الأخرى: ﴿إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ﴾ وهو يعلم وكل من له لب أن هذا الذي قاله من أبطل الباطل، فإن موسى ﵇ بمجرد ما جاء من مدين دعا فرعون إلى الله، وأظهر المعجزات الباهرة والحجج القاطعة على صدق ما جاء به، فعند ذلك أرسل فرعون في مدائن ملكه ومعاملة سلطته، فجمع سحرة متفرقين من سائر الأقاليم ببلاد مصر، ممن اختار هو من قومه وأحضرهم عنده، ووعدهم بالعطاء الجزيل؛ و [¬١] قد كانوا من [¬٢] أحرص الناس على ذلك، وعلى الظهور في مقامهم ذلك، والتقدم عند فرعون. وموسى ﵇ لا يعرف أحدًا منهم، ولا رآه ولا اجتمع به، وفرعون يعلم ذلك، وإنما قال هذا [¬٣] تسترًا وتدليسًا على رعاع دولته وجهلتهم، كما قال تعالى: ﴿فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ﴾، فإن قويًّا صدقوه فى قوله: ﴿فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾ من أجهل خلق الله وأضلهم. وقال السدي في تفسيره بإسناده المشهور (١٤٥): عن ابن مسعود وابن عبَّاس وغيرهما من الصحابة في قوله تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ﴾ قال [¬٤]: التقى موسى ﵇ وأمير السحرة، فقال له موسى: أرأيتك إن غلبتك أتؤمن بي، وتشهد أن ما جئت به حق؟ قال الساحر: لآتين غذا بسحر لا يغلبه سحر، والله لئن غلبتني لأومن بك ولأشهدن أنك حق. وفرعون ينظر إليهما. قالوا: فلهذا قال ما قال. وقوله: ﴿لِتُخْرِجُوا مِنْهَا أَهْلَهَا﴾ أي: تجتمعوا أنتم وهو، و [تكون لكم] [¬٥] دولة وصولة، وتخرجوا منها الأكابر والرؤساء، وتكون الدولة والتصرف لكم ﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ أي: ما أصنع بكم. ثم فسر هذا الوعيد بقوله: ﴿لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ﴾ يعني: يقطع يد الرجل اليمنى ورجله اليسرى، أو [¬٦] بالعكس ﴿لَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ وقال في الآية الأخرى: ﴿فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ أي: على الجذوع. قال ابن عبَّاس: وكان أول من صلب، وأول من قطع الأيدي والأرجل من خلاف فرعون.

стр. 2819

وقول السحرة: ﴿قَالُوا إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنْقَلِبُونَ (١٢٥)﴾ أي: قد تحققنا أنا إليه راجعون، وعذابه أشد من عذابك، ونكاله على ما تدعونا إليه وما أكرهتنا عليه من السحر أعظم من نكالك، فلنصبرن [¬١] اليوم على عذابك؛ لنخلص من عذاب الله؛ ولهذا قالوا [¬٢]: ﴿رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا﴾ أي: عمنا بالصبر على دينك والثبات عليه ﴿وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ﴾ أي: متابعين لنبيك موسى ﵇، وقالوا لفرعون: ﴿فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (٧٢) إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى (٧٣) إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَى (٧٤) وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ فَأُولَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلَى﴾ كانوا في أول النهار سحرة، فصاروا في آخره [¬٣] شهداء بررة. قال ابن عبَّاس وعبيد بن عمير وقَتَادة [وابن جريج] [¬٤]: كانوا فى أول النهار سحرة، وفى آخره شهداء. ﴿وَقَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءَهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ (١٢٧) قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ (١٢٨) قَالُوا أُوذِينَا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنَا وَمِنْ بَعْدِ مَا جِئْتَنَا قَالَ عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ (١٢٩)﴾ يخبر تعالى عما تمالأ عليه فرعون وملؤه، وما أظهروه لموسى ﵇ وقومه من الأذى والبغضة: ﴿وَقَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ﴾ أي: لفرعون ﴿أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ﴾ أي: أتدعهم ليفسدوا في الأرض، أي: يفسدوا [¬٥] أهل رعيتك ويدعوهم ابن عبادة ربهم دونك. يالله للعجب [¬٦]! صار هؤلاء يشفقون [¬٧] من إفساد موسى وقومه! ألا إن فرعون وقومه هم المفسدون

стр. 2820

ولكن لا يشعرون، ولهذا قالوا: ﴿وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ﴾ قال بعضهم: الواو هاهنا [¬١] حالية، أي: أتذره وقومه يفسدون في الأرض وقد ترك عبادتك؟ وقرأ ذلك أبي بن كعب: (وقد تركوك أن يَعْبُدُوك [¬٢] وَآلِهَتَكَ)، حكاه ابن جرير [¬٣]. وقال آخرون: هي عاطفة، أي: لا تدع موسى يصنع هو وقومه من الفساد ما قد أقررتهم عليه وعلى ترك آلهتك. وقرأ بعضهم: (إلاهتك). أي: عبادتك، وروي ذلك عن ابن عبَّاس ومجاهد. وعلى القراءة الأولى قال بعضهم: كان لفرعون إله يعبده. قال الحسن البصري: كان لفرعون إله يعبده في السر. وقال في رواية أخرى: [كان له جمانة] [¬٤] في عنقه معلقة يسجد لها. وقال السدي في قوله تعالى: ﴿وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ﴾: وآلهته، فيما زعم ابن عبَّاس [كانت البقر] [¬٥] كانوا إذا رأوا بقرة حسناء أمرهم فرعون أن يعبدوها، فلذلك أخرج لهم عجلا جسدًا. فأجابهم فرعون فيما سألوا بقوله: ﴿سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءَهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ﴾، وهذا أمر ثان بهذا الصنيع، وقد كان نكل بهم قبل ولادة موسى ﵇ حذرًا من وجوده، فكان [¬٦] خلاف ما رامه وضد ما قصده فرعون، وهكذا عومل فى صنيعه [هذا] [¬٧] أيضًا إنما أراد قهر بني إسرائيل وإذلالهم، فجاء الأمر على خلاف ما أراد، نصرهم الله عليه وأذله، وأرغم أنفه، وأغرقه وجنوده. ولما صمم فرعون على ما ذكره من المساءة لبني إسرائيل ﴿قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا﴾ ووعدهم بالعاقبة، وأن الدار ستصير لهم فى قوله: ﴿إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ (١٢٨) قَالُوا أُوذِينَا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنَا وَمِنْ بَعْدِ مَا جِئْتَنَا﴾ أي: قد جرى علينا مثل ما رأيت من الهوان والإِذلال عن قبل ما جئت يا موسى ومن بعد ذلك، فقال منبهًا لهم على حالهم الحاضرة، وما يصيرون إليه في ثاني الحال: ﴿قَالَ عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾، وهذا تحضيض لهم على العزم على الشكر عند حلول النعم وزوال النقم.

стр. 2821

﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ (١٣٠) فَإِذَا جَاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قَالُوا لَنَا هَذِهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَلَا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (١٣١)﴾ يقول تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَوْنَ﴾ أي: اختبرناهم وامتحناهم وابتليناهم ﴿بِالسِّنِينَ﴾ وهي سني الجوع بسبب قلة الزروع ﴿وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَرَاتِ﴾ قال مجاهد: وهو دون ذلك. وقال أبو إسحاق: عن رجاء بن حيوة: كانت النخلة لا تحمل إلا ثمرة واحدة. ﴿لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ (١٣٠) فَإِذَا جَاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ﴾ أي: صت الخصب والرزق ﴿قَالُوا لَنَا هَذِهِ﴾ أي: هذا لنا بما نستحقه ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ﴾ أي: جدب [¬١] وخط ﴿يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَنْ مَعَهُ﴾ أي: هذا بسببهم وما جاءوا به. ﴿أَلَا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ﴾ [قال على بن أبي طلحة: عن ابن عباس ﴿أَلَا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ﴾ يقول:] [¬٢] مصائبهم عند الله قال الله [¬٣]: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾. وفال ابن جريج: عن ابن عباس قال: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ أي [¬٤]: الأمر [¬٥] من قِبَل الله. ﴿وَقَالُوا مَهْمَا تَأْتِنَا بِهِ مِنْ آيَةٍ لِتَسْحَرَنَا بِهَا فَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ (١٣٢) فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ آيَاتٍ مُفَصَّلَاتٍ فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ (١٣٣) وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ قَالُوا يَامُوسَى ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِنْدَكَ لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إِسْرَائِيلَ (١٣٤) فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الرِّجْزَ إِلَى أَجَلٍ هُمْ بَالِغُوهُ إِذَا هُمْ

стр. 2822

يَنْكُثُونَ (١٣٥)﴾ هذا إخبار من الله عن تمرّد قوم فرعون وعتوّهم وعنادهم للحق، وإصرارهم على الباطل في [¬١] قولهم: ﴿وَقَالُوا مَهْمَا تَأْتِنَا بِهِ مِنْ آيَةٍ لِتَسْحَرَنَا بِهَا فَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ يقولون: أي آية جئتنا بها، ودلالة وحجة أقمتها رددناها، فلا نقبلها منك، ولا نؤمن بك، ولا بما جئت به. قال الله تعالى: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ﴾. اختلفوا في معناه؛ فعن ابن عباس في رواية: كثرة الأمطار المغرقة المتلفة للزروع والثمار. وبه قال الضحاك بن مزاحم. وقال ابن عباس في رواية أخرى: هو كثرة الموت. وكذا قال عطاء. وقال مجاهد: الطوفان: الماء والطاعون على كل حال. وقال ابن جرير (١٤٦): حدثنا أبو هشام الرفاعي، حدثنا يحيى بن يمان [¬٢]، حدثنا المنهال بن خليفة، عن الحجاج، عن الحكم بن ميناء، عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : "الطوفان: الموت". وكذا رواه ابن مردويه: من حديث يحيى بن يمان [¬٣] به، وهو حديث غريب. وقال ابن عباس في رواية أخرى: هو أمر من الله طاف بهم، ثم قرأ: ﴿فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِنْ رَبِّكَ وَهُمْ نَائِمُونَ﴾. وأما الجراد فمعروف مشهور، وهو مأكول؛ لما ثبت في الصحيحين (١٤٧) عن أبي يعفور قال:

стр. 2823

سألت عبد الله بن أبي أوفى عن الجراد، فقال: غزونا مع رسول الله، ﷺ ، سبع غزوات نأكل الجراد. وروى الشافعي وأحمد بن حنبل وابن ماجة (١٤٨): من حديث عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، عن أبيه، عن ابن عمر، عن النبي، ﷺ ، قال: "أحلت لنا متتان ودمان؛ الحوت والجراد، والكبد والطحال". ورواه أبو القاسم البغوي (١٤٩): عن داود بن رشيد، عن سويد بن عبد العزيز، [عن أبي هشام [¬١] الأبلي [¬٢]، عن زيد بن أسلم، عن ابن عمر مرفوعًا مثله. وروى أبو داود (١٥٠): عن محمد بن الفرج، عن محمد بن الزبرقان الأهوازي، عن سليمان

стр. 2824

التيمي، عن أبي عثمان، عن سلمان قال: سئل رسول الله، ﷺ ، عن الجراد فقال: "أكثر [¬١] جنود الله، لا آكله ولا أحرمه". وإنما تركه ﵇ لأنه كان يعافه، كما عافت نفسه الشريفة أكل الضب وأذن فيه (١٥١). وقد روى الحافظ ابن عساكر في جزء جمعه في الجراد (١٥٢): من حديث أبي سعيد الحسن بن

стр. 2825

على العدوي حدثنا نصر بن يحيى بن سعيد، حدثنا يحيى بن خالد، عن ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عباس قال: كان رسول الله، ﷺ ، لا يأكل الجراد ولا الكلوتين ولا الضب من غير أن يحرمها، أما الجراد فرجز وعذاب، وأما الكلوتان فلقربهما من البول، وأما الضب فقال: "أتخوف أن يكون مسخًا". ثم قال: غريب لم أكتبه إلا من هذا الوجه. وقد كان أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ يشتهيه ويحبه، فروى عبد الله بن دينارًا [¬١] عن ابن عمر: أن عمر سئل عن الجراد، فقال: ليت أن عندنا منه قفعة أو قفعتين [¬٢] نأكله. وروى ابن ماجة (١٥٣): حدثنا أحمد بن منيع، عن سفيان بن عيينة، عن أبي سعد سعيد بن المرزبان البقال، سمع أنس بن مالك يقول: كان [¬٣] أزواج النبي ﷺ يتهادين الجراد على الأطباق. وقال أبو القاسم البغوي (١٥٤): حدثنا داود بن رشيد، حدثنا بقية بن الوليد، عن نمير [¬٤] بن

стр. 2826

يزيد القَيْني [¬١]، حدثني أبي، عن صدي بن عجلان، وهو [¬٢] أبو [¬٣] أمامة قال: قال رسول الله ﷺ : "إن مريم بنت عمران ﵍ سألت ربها أن يطعمها لحمًا لا دم له، فأطعمها الجراد، فقالت: اللهم أعشه بغير رضاع، وتابع بينه بغير شياع". وقال نمير: الشياع: الصوت [¬٤]. وقال أبو بكر بن أبي داود (١٥٥): حدثنا [أبو تقي] [¬٥] هشام بن عبد الملك اليَزَني [¬٦]، حدثنا

стр. 2827

بقية بن الوليد، حدثنا إسماعيل بن عياش، عن ضمضم بن زرعة، عن شريح بن عبيد، عن أبي زهير النميري قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تقاتلوا [¬١] الجراد، فإنه جند الله الأعظم". غريب جدًا. وقال ابن أبي نجيح: عن مجاهد في قوله تعالى: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ﴾ قال: كانت تأكل مسامير أبوابهم وتدع الخشب. وروى ابن عساكر (١٥٦): من حديث على بن زيد الخرائطي [¬٢]، عن محمد بن كثير، سمعت الأوزاعي يقول: خرجت إلى الصحراء، فإذا أنا برِجْل من جراد في السماء، وإذا [¬٣] برجل راكب على جرادة منها وهو شاك في الحديد، وكلما قال بيده هكذا مال الجراد مع يده وهو يقول: الدنيا باطل، باطل ما فيها، الدنيا باطل، باطل مما فيها، الدنيا باطل، باطل ما فيها. وروى الحافظ أبو الفرج المعافى بن زكريا الجريري [¬٤]: حدثنا محمد بن الحسن بن زياد، حدثنا أحمد بن عبد الرحيم، أخبرنا وكيع، عن الأعمش، أنبأنا عامر قال: سئل شريح القاضي عن الجراد، فقال: قبح الله الجرادة، فيها خلقة سبعة جبابرة، رأسها رأس فرس، وعنقها عنق ثور، وصدرها صدر أسد، وجناحها جناح نسر، ورجلاها رجلا جمل. وذنبها ذنب حية، وبطنها بطن عقرب. وقدمنا عند قوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ﴾ (١٥٧) حديث حماد بن سلمة، [عن أبي المهزم، عن أبي هريرة] [¬٥] قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ في حج أو عمرة، فاستقبلنا رِجْل جراد، فجعلنا نضربه بالعصي ونحن محرمون، فسألنا رسول الله، ﷺ ، فقال: "لا بأس بصيد البحر". وروى ابن ماجة (١٥٨): عن هارون الحمال [¬٦]، عن هاشم [¬٧] بن القاسم، عن زياد بن عبد الله بن

стр. 2828

علاثة [] [¬١] عن موسى بن [] [¬٢] محمد بن إبراهيم التيمي، عن اً بيه، عن أنس وجابر عن رسول الله، ﷺ ، أنه كان إذا دعا على الجراد قال: "اللَّهم أهلك كباره واقتل صغاره، وافسد بيضه واقطع دابره، وخذ بأفواهه عن معايشنا وأرزاقنا، إنك سميع الدعاء". فقال له جابر: يا رسول الله أتدعو على جند من أجناد الله بقطع دابره؟ فقال: "إنما هو نثرة [¬٣] حوت في البحر". قال هاشم: أخبرني زياد: أنه أخبره من رآه ينثره [¬٤] الحوت، قال من حقق ذلك: إن السمك إذا باض فى ساحل البحر فنضب الماء [¬٥] عنه وبدا للشمس، أنه يفقس كله جرادًا طيارًا. وقدمنا عند قوله: ﴿إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ﴾ (١٥٩) حديث عمر ﵁: "أن الله خلق ألف أمة؛ ستمائة في البحر وأربعمائة في البر، وإن أولها هلاكًا الجراد". وقال أبو بكر بن أبي داود (١٦٠): حدثنا نريد بن المبارك، حدثنا عبد الرحمن بن قيس،

стр. 2829

[حدثنا سلم] [¬١] بن سالم، حدثنا أبو المغيرة الجوزجاني محمد بن مالك، عن البراء بن عازب قال: قال رسول الله ﷺ : "لا وَبَاء [¬٢] مع السيف، ولا نَجَاءَ [¬٣] مع الجراد". حديث غريب. وأما القمل، فعن ابن عباس: هو السوس الذي يخرج من الحنطة. وعنه: أنه الدبى [¬٤]. وهو الجراد الصغار الذي لا أجنحة له، وبه قال مجاهد وعكرمة وقتادة. وعن الحسن وسعيد بن جبير: القمل دواب سود صغار. وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: القمل البراغيث. وقال ابن جرير: القمل جمع واحدتها قُمَّلة، وهي دابة تشبه القمل تأكلها الإبل فيما بلغني، وهي التي عناها الأعشى [¬٥] بقوله: [قَوْمٌ تُعَالجُ [¬٦] قُمَّلًا أَبْنَاؤُهُمْ [¬٧] … وَسَلاسِلًا أُجُدًا وَبَابًا مُؤْصَدًا] [¬٨] قال: وكان بعض أهل العلم بكلام العرب من أهل البصرة يزعم أن القمل عند العرب: الحَمنان [¬٩]، واحدتها حمنانة [¬١٠]، وهي صغار القِرْدان فوق القَمْقَامة [¬١١].

стр. 2830

وقال الإمام أبو جعفر بن جرير (١٦١): حدثنا ابن حميد الرازي، حدثنا يعقوب القمي، عن جعفر بن أبي المغيرة، عن سعيد بن جبير قال: لما أتى موسى ﵇ فرعون قال له: أرسل معي بنى إسرائيل [فأبى عليه] [¬١]، فأرسل الله عليهم الطوفان وهو المطر، فصب عليهم منه شيئًا، خافوا أن يكون عذابًا، فقالوا لموسى: ادع لنا ربك يكشف عنا المطر، فنؤمن لك ونرسل معك بني إسرائيل، فدعا ربه، فلم يؤمنوا ولم يرسلوا معه بني إسرائيل، فأنبت لهم في تلك السنة شيئًا لم ينبته قبل ذلك من الزروع والثمار [¬٢] والكلأ، فقالوا: هذا ما كنا نتمنى، فأرسل اللَّه عليهم الجراد فسلطه على الكلأ، فلما رأوا أثره في [¬٣] الكلأ عرفوا أنه لا يبقي الزرع، فقالوا: يا موسى ادع لنا ربك يكشف عنا الجراد فنؤمن لك ونرسل معك بني إسرائيل، فدعا ربه فكشف عنهم الجراد، فلم يؤمنوا ولم يرسلوا معه بني إسرائيل، فداسوا وأحرزوا في البيوت، فقالوا: قد أحرزنا، فأرسل الله عليهم القمل وهو السوس الذي يخرج منه، فكان الرجل يخرج عشرة أجربة إلى الرحى، فلا يرد منها ثلاثة أقفزة، فقالوا لموسى ادع لنا ربك يكشف عنا القمل، فنؤمن لك ونرسل معك بني إسرائيل، فدعا ربه فكشف عنهم، فأبوا أن يرسلوا معه بني إسرائيل، فبينما هو جالس عند فرعون إذ سمع نقيق ضفدع، فقال لفرعون: ما تلقى أنت وقومك من هذا؟ فقال [¬٤]: وما عسى أن يكون كيد هذا؟ فما أمسوا حتى كان الرجل يجلس إلى ذقنه في الضفادع، ويهم أن يتكلم فيثب الضفدع في فيه، فقالوا لموسى: ادع لنا ربك يكشف عنا هذه الضفادع، فنؤمن لك ونرسل معك بني إسرائيل، [فدعا ربه، فكشف عنهم فلم يؤمنوا] [¬٥] وأرسل الله عليهم الدم، فكان [¬٦] ما استقوا من الأنهار والآبار وما كان في أوعيتهم وجدوه دمًا عبيطًا [¬٧]، فشكوا إلى فرعون فقالوا: إنا قد ابتلينا بالدم وليس لنا شراب، فقال: إنه قد سحركم، فقالوا: من أين سحرنا؟ ونحن لا نجد في أوعيتنا شيئًا من الماء إلا وجدناه دمًا عبيطًا [¬٨]، فأتوه وقالوا: يا موسى ادع لنا ربك يكشف عنا هذا الدم، فنؤمن لك [¬٩] ونرسل معك بني إسرائيل، فدعا ربه فكشف عنهم، فلم يؤمنوا ولم يرسلوا معه بني إسرائيل. وقد روي نحو هذا عن ابن عباس والسدي وقتادة وغير واحد من علماء السلف.

стр. 2831

وقال محمد بن إسحاق بن يسار ﵀ (١٦٢): فرجع عدو الله فرعون حين آمنت السحرة مغلوبًا مغلولًا، ثم أبى إلا الإِقامة على الكفر والتمادي في الشر، فتابع الله عليه [الآيات وأخذه] [¬١] بالسنين، فأرسل عليه الطوفان، ثم الجراد، ثم القمل، ثم الضفادع، ثم الدم، آيات مفصلات. فأرسل [¬٢] الطوفان - وهو الماء - ففاض على وجه الأرض ثم ركد لا يقدرون على أن يحرثوا ولا يعملوا شيئًا حتى جُهِدوا جوعًا، فلما بلغهم ذلك ﴿قَالُوا يَامُوسَى ادْعُ لَنَا رَبَّكَ [بِمَا عَهِدَ عِنْدَكَ] [¬٣] لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾، فدعا موسى ربه فكشف عنهم، فلم يفوا له بشيء [مما قالوا] [¬٤]، فأرسل الله عليهم الجراد فأكل الشجر فيما بلغني، حتى إن كان ليأكل مسامير الأبواب من الحديد حتى تقع دورهم ومساكنهم، فقالوا مثل ما قالوا، فدعا ربه فكشف عنهم، فلم يفوا له بشيء مما قالوا، فأرسل الله عليهم القمل، فذُكر لي أن موسى ﵇ أمر أن يمشي إلى كثيب حتى يضربه بعصاه، فمشى إلى كثيب أهيل عظيم، فضربه بها فانثال [¬٥] عليهم قملًا حتى غلب على البيوت والأطعمة ومنعهم النوم والقرار، فلما جهدهم، قالوا له مثل ما قالوا له، فدعا ربه فكشف [¬٦] عنهم، فلم يفوا له بشيء مما قالوا، فأرسل الله عليهم الضفادع، فملأت البيوت والأطعمة والآنية، فلا يكشف أحد ثوبًا ولا طعامًا إلا وجد فيه الضفادع قد غلبت [¬٧] عليه، فلما جهدهم ذلك قالوا له مثل ما قالوا، فسأل ربه فكشف عنهم، فلم يفوا له بشيء مما قالوا، فأرسل الله عليهم الدم، فصارت مياه آل فرعون دمًا، لا يستقون من بئر ولا نهر، ولا يغترفون من إناء إلا عاد دمًا عبيطًا [¬٨]. وقال ابن أبي حاتم (١٦٣): حدثنا أحمد بن منصور المروزي، أنا النضر، أنا [¬٩] إسرائيل، أنا جابر بن يزيد [¬١٠]، عن عكرمة، عن [¬١١] عبد [¬١٢] الله بن عمرو قال [¬١٣]: لا تقتلوا الضفادع، فإنها لما أرسلت على [قوم فرعون] [¬١٤] انطلق ضفدع منها فوقع في تنور فيه نار

стр. 2832

يطلب [¬١] بذلك مرضاة الله، فأبدلهن الله [من هذا] [¬٢] أبرد شيء يعلمه من الماء، وجعل نقيقهن التسبيح. وروي من طريق عكرمة، عن ابن عباس نحوه. وقال زيد بن اسلم: يعني بالدم الرعاف. رواه ابن أبي حاتم (١٦٤). ﴿فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ (١٣٦) وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُوا وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ (١٣٧)﴾ يخبر تعالى أنهم لما عتوا وتمردوا مع ابتلائه إياهم بالآيات المتواترة واحدة بعد واحدة [أنه] [¬٣]، انتقم منهم بإغراقه إياهم في اليم، وهو البحر الذي فَرَقه لموسى فجاوزه وبنو إسرائيل معه، ثم وَرَدَهُ فرعون وجنوده على أثرهم، فلما استكملوا فيه ارتطم عليهم، فغرقوا عن آخرهم، وذلك بسبب تكذيبهم بآيات الله وتغافلهم عنها. وأخبر تعالى أنه أورث القوم الذين [¬٤] كانوا يستضعفون - وهم بنو إسرائيل -[﴿مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا﴾ [¬٥]، كما قال تعالى: ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ (٥) وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ﴾، وقال تعالى: ﴿كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (٢٥) وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ (٢٦) وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ (٢٧) كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْمًا آخَرِينَ﴾. وعن الحسن البصري وقتادة في قوله: ﴿مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا﴾ يعني: الشام. وقوله: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُوا﴾ قال مجاهد وابن جرير [¬٦]: وهي قوله تعالى: ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ (٥) وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ [¬٧] مَا كَانُوا

стр. 2833

يَحْذَرُونَ﴾. وقوله: ﴿وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ﴾ [أي: وخربنا ما كان فرعون وقومه يصنعونه من العمارات والمزارع] [¬١] ﴿وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ﴾ قال ابن عباس ومجاهد: ﴿يَعْرِشُونَ﴾: يبنون. ﴿وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْا عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ قَالُوا يَامُوسَى اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ (١٣٨) إِنَّ هَؤُلَاءِ مُتَبَّرٌ مَا هُمْ فِيهِ وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٣٩)﴾ يخبر تعالى عما قاله جَهَلَةُ بني إسرائيل لموسى ﵇ حين جاوزوا البحر، وقد رأوا من آيات الله وعظيم سلطانه ما رأوا ﴿فَأَتَوْا﴾ أي: فمروا ﴿عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ﴾ قال بعض المفسرين: كانوا من الكنعانيين. وقيل: كانوا من لخم. قال ابن جريج [¬٢]: وكانوا يعبدون أصنامًا على صور البقر، فلهذا أثار [¬٣] ذلك شبهة لهم في عبادتهم العجل بعد ذلك فقالوا: ﴿يَامُوسَى اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾. أي: تجهلون عظمة الله وجلاله، وما يجب أن ينزه عنه من الشريك والمثيل. ﴿إِنَّ هَؤُلَاءِ مُتَبَّرٌ مَا هُمْ فِيهِ﴾ أي: هالك ﴿وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾. وروى الإِمام أبو جعفر بن جرير في تفسير هذه الآية (١٦٥): من حديث محمد بن إسحاق وعقيل ومعمر، كلهم عن الزهري، عن سنان بن أبي سنان، عن أبي واقد [¬٤] الليثي: أنهم خرجوا من مكة مع رسول الله، ﵌، إلى حنين، قال: وكان للكفار سدرة يعكفون عندها ويعلقون بها أسلحتهم، يقال لها: ذات أنواط، قال: فمررنا بسدرة

стр. 2834

خضراء عظيمة، قال: فقلنا: يا رسول الله! اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط. فقال: "قلتم - والذي نفسي بيده- كما قال قوم موسى لموسى: ﴿اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ (١٣٨) إِنَّ هَؤُلَاءِ مُتَبَّرٌ مَا هُمْ فِيهِ وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ". وقال الإِمام أحمد (١٦٦): حدثنا عبد الرزاق، حدثنا معمر، عن الزهري، عن سنان بن أبي سنان الديلي [¬١]، عن أبي واقد الليثي قال: خرجنا مع رسول الله، ﷺ ، قبل حنين فمررنا بسدرة فقلت: يا نبي الله! اجعل لنا هذه [¬٢] ذات أنواط، كما للكفار ذات أنواط، وكان الكفار ينوطون سلاحهم بسدرة، ويعكفون حولها، فقال النبي، ﷺ : "الله أكبر، هذا كما قالت بنو إسرائيل لموسى: ﴿اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ﴾ إنكم تركبون سنن من قَبْلَكم". ورواه ابن أبي حاتم (١٦٧): من حديث كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف المزني، عن أبيه، عن جده مرفوعًا. ﴿قَالَ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِيكُمْ إِلَهًا وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ (١٤٠) وَإِذْ أَنْجَيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُقَتِّلُونَ أَبْنَاءَكُمْ

стр. 2835

وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ (١٤١)﴾ يذكرهم موسى ﵇ بنعمة الله عليهم، من إنقاذهم من أسر فرعون وقهره، وما كانوا فيه من الهوان والذلة. وما صاروا إليه من العزة والاشتفاء من عدوهم والنظر إليه في حال هوانه وهلاكه وغرقه ودماره [¬١]، وقد تقدم تفسيرها في البقرة. ﴿وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلَاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً وَقَالَ مُوسَى لِأَخِيهِ هَارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلَا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ (١٤٢)﴾ يقول تعالى ممتنًّا على بني إسرائيل بما حصل لهم من الهداية بتكليمه موسى ﵇، وإعطائه التوراة وفيها أحكامهم وتفاصيل شرعهم، فذكر تعالى أنه واعد موسى ثلاثين ليلة. قال المفسرون: فصامها موسى ﵇ فلما تم الميقات استاك بلحاء شجرة، فأمره الله تعالى أن يكمل بعشرة أربعين. وقد اختلف المفسرون في هذه العشر: ما هي؟ فالأكثرون على أن الثلاثين هي ذو القعدة، والعشر عشر ذي الحجة. قاله مجاهد ومسروق وابن جريج، وروي عن ابن عباس وغيره [¬٢]. فعلى هذا يكون قد كمل الميقات [¬٣] يوم النحر، وحصل فيه التكليم لموسى ﵇، وفيه أكمل الله الدين لمحمد ﷺ كما قال تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾. فلما تم الميقات وعزم موسى على الذهاب إلى الطور؛ كما قال تعالى: ﴿يَابَنِي إِسْرَائِيلَ قَدْ أَنْجَيْنَاكُمْ مِنْ عَدُوِّكُمْ وَوَاعَدْنَاكُمْ جَانِبَ الطُّورِ الْأَيْمَنَ﴾ الآية، فحينئذ استخلف موسى على بني إسرائيل أخاه هارون، وأوصاه بالإِصلاح وعدم الإِفساد، وهذا تنبيه وتذكير، وإلا فهارون ﵇ نبي شريف كريم على الله، وله وجَاهة وجلالة، صلوات الله وسلامه عليه وعلى سائر الأنبياء [¬٤]. ﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي

стр. 2836

وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ (١٤٣)﴾ يخبر تعالى عن موسى ﵇ أنه لما جاء لميقات الله تعالى وحصل له التكليم من اللَّه سأل الله تعالى أن ينظر إليه فقال: ﴿رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي﴾. وقد أشكل حرف (لن) هاهنا على كثير من العلماء؛ لأنها موضوعة لنفي التأبيد، فاستدل به المعتزلة على نفي الرؤية في الدنيا والآخرة، وهذا أضعف الأقوال؛ لأنه قد تواترت الأحاديث عن رسول اللَّه ﷺ بأن المؤمنين يرون الله في الدار الآخرة؛ كما سنوردها عند قوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [¬١]. وقوله تعالى إخبارًا عن الكفار: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾. وقيل: إنها لنفي التأبيد في الدنيا، جمعًا بين هذه الآية وبين الدليل القاطع على صحة الرؤية [¬٢] في الدار الآخرة. و [¬٣] قيل: إن هذا الكلام في هذا المقام كالكلام في قوله تعالى: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾. وقد تقدم ذلك في الأنعام. وفي الكتب المتقدمة: أن الله تعالى قال لموسى ﵇: "يا موسى! إنه لا يراني حي إلا مات، ولا يابس إلا تدهْده"؛ ولهذا قال تعالى: ﴿فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا﴾. قال أبو جعفر بن جرير الطبري في تفسير هذه الآية (١٦٨): حدثنا أحمد بن سهيل الواسطي،

стр. 2837

حدثنا قُرَّة بن عيسى، حدثنا الأعمش، عن رجل، عن أنس عن النبي، ﷺ ، قال: "لما تجلى ربه للجبل أشار بأصبعه، فجعله دكًّا". وأرانا أبو إسماعيل بأصبعه السبابة. هذا الإِسناد فيه رجل مبهم لم يسم، ثم قال (١٦٩): حدثني المثنى، حدثنا الحجاج [¬١] بن منهال، حدثنا حماد، [عن ليث] [¬٢]، عن أنس: أن النبي، ﷺ ، قرأ هذه الآية ﴿فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا﴾ قال [¬٣] هكذا بأصبعه - ووضع النبي، ﷺ ، أصبعه الإِبهام على المفصل الأعلى من الخنصر، فساخ الجبل. هكذا وقع في هذه الرواية: حماد بن سلمة [] [¬٤]، عن ليث، عن أنس. والمشهور: حماد ابن سلمة، عن ثابت، عن أنس، كما قال ابن جرير (١٧٠): حدثني المثنى، حدثنا هدبة بن خالد، حدثنا حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس قال: قرأ رسول الله، ﷺ : ﴿فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا﴾ قال: "وضع

стр. 2838

الإِبهام قريبًا من طرف خنصره، قال: فساخ الجبل"، قال حميد لثابت: تقول [¬١] هذا؟ فرفع ثابت يده فضرب صدر حميد وقال: يقوله رسول الله ﷺ ويقوله أنس، وأنا أكتمه؟. وهكذا رواه الإِمام أحمد في مسنده (١٧١): حدثنا أبو المثنى معاذ بن معاذ العنبري، حدثنا حماد بن سلمة، حدثنا ثابت البناني، عن أنس بن مالك، عن النبي، ﷺ ، في قوله: ﴿فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ﴾ قال: قال: "هكذا"، يعني: أنه أخرج طرف الخنصر. قال أحمد: أرانا معاذ، فقال له حميد الطويل: ما تريد إلى هذا يا محمد؟ قال: فضرب صدره ضربة شديدة، وقال: من أنت يا أبا [¬٢] حميد؟! وما أنت يا أبا حميد؟! يحدثني به أنس ابن مالك عن النبي، ﷺ ، [فتقول أنت] [¬٣]: ما تريد إليه؟. وهكذا رواه الترمذي في تفسير هذه الآية: عن عبد الوهاب بن الحكم الوراق، عن معاذ بن معاذ به. وعن عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي، عن سليمان بن حرب، عن حماد به، ثم قال: هذا حديث حسن صحيح غريب، لا نعرفه إلا من حديث حماد. وهكذا رواه الحاكم في مستدركه (١٧٢) من طرق، عن حماد بن سلمة، به، وقال: "هذا

стр. 2839

حديث صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه". ورواه أبو محمد الحسن بن محمد الخلال (١٧٣)، عن محمد بن علي بن سويد، عن أبي القاسم البغوي، عن هدبة [¬١] بن خالد، عن حماد بن سلمة، فذكره وقال: هذا إسناد صحيح لا علة فيه. وقد رواه داود بن المحبر [¬٢] (١٧٤)، عن شعبة، عن ثابت، عن أنس مرفوعًا بنحوه [¬٣]، وأسنده ابن مردويه (١٧٥) من طريقين، عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن أنس مرفوعًا بنحوه. [وأسنده ابن مردويه (١٧٦)، من طريق ابن البيلماني، عن أبيه، عن ابن عمر مرفوعًا] [¬٤]، ولا يصح أيضًا. وقال السدي: عن عكرمة، عن ابن عباس في قول الله تعالى: ﴿فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ﴾ قال: ما تجلى منه إلا قدر الخنصر ﴿جَعَلَهُ دَكًّا﴾ قال: ترابا ﴿وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا﴾ قال:

стр. 2840

مغشيًّا عليه. رواه ابن جرير (١٧٧). وقال قتادة: ﴿وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا﴾ قال: ميتًا. وقال سفيان الثوري: ساخ الجبل في الأرض حتى وقع في البحر، فهو يذهب معه. وقال سنيد: عن حجاج بن محمد الأعور، عن أبي بكر الهذلي ﴿فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا﴾: انقعر فدخل تحت الأرض، فلا يظهر إلى يوم القيامة. وجاء في بعض الأخبار: أنه ساخ في الأرض، فهو يهوي فيها إلى يوم القيامة. رواه ابن مردويه. وقال ابن أبي حاتم (١٧٨): حدثنا عمر بن شبة، حدثنا محمد بن يحيى أبو غسان الكناني، حدثنا عبد العزيز بن عمران، عن معاوية بن عبد الله، عن الجلد بن أيوب، [عن معاوية] [¬١] بن قرة، عن أنس بن مالك: أن النبي، ﷺ ، قال: "لما تجلى الله للجبال طارت لعظمته ستة أجبل، فوقعت ثلاثة بالمدينة وثلاثة بمكة؛ بالمدينة: أحد وَوَرِقان [¬٢] ورضوى. ووقع بمكة: حراء [¬٣] وثَبِير وثور".
следующие страницы →