وقد ورد في معنى هذه الآية حديث رواه الحافظ أبو يعلى الموصلي في مسنده حيث قال (٢٥٤): حدثنا محمد بن مرزوق، حدثنا محمد بن بكر، عن الصلت بن بهرام، حدثنا الحسن، حدثنا جندب البجلي في هذا المسجد: أن حذيفة - يعني: ابن اليمان ﵁ حدثه قال: قال [¬١] رسول الله ﷺ : "إن مما أتخوف عليكم رجل قرأ القرآن، حتى إذا رؤيت [¬٢] بهجته عليه وكان رِدْء [¬٣] الإسلام اعتراه [¬٤] إلى ما شاء الله: انسلخ منه ونبذه وراء ظهره، وسعى على جاره بالسيف ورماه بالشرك". قال: قلت: يا نبي الله أيهما أولى بالشرك: المرمي أو الرامي؟ قال: "بل الرامي".
هذا إسناد جيد، والصلت بن بهرام كان من ثقات الكوفيين، ولم يرم بشيء سوى الإِرجاء، وقد وثقه الإِمام أحمد بن حنبل ويحيى بن معين وغيرهما.
وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ﴾ يقول تعالى: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا﴾ أي: لرفعناه من التدنس عن قاذورات الدنيا بالآيات التي آتيناه إياها ﴿وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ﴾ أي: مال إلى زينة الحياة [¬٥] الدنيا وزهرتها، وأقبل على لذاتها ونعيمها، وغرته كما غرت غيره من غير أولي البصائر والنهى.
وقال أبو الزاهرية [¬٦] في قوله تعالى: ﴿وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ﴾ قال: تراءى [¬٧] له الشيطان على غلوة [¬٨] من قنطرة بانياس فسجدت الحمارة لله، وسجد بلعام للشيطان. وكذا قال عبد الرحمن بن جبير بن نفير وغير واحد.
стр. 2907
وقال الإِمام أبو جعفر بن جرير (٢٥٥) ﵀: وكان من قصة هذا الرجل: ما حدثنا محمد ابن عبد الأعلى، حدثنا المعتمر، عن أبيه: أنه سئل عن هذه الآية: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا﴾ فحدث عن سيار: أنه كان رجلا يقال له: بلعام [وكان قد أوتي النبوة] [¬١]، وكان مجاب الدعوة، قال: وإن موسى أقبل في بني إسرائيل يريد الأرض التي فيها بلعام - أو قال: الشام - قال: فَرعب الناس منه رعبًا شديدًا، قال: فأتوا بلعام، فقالوا: ادع الله على هذا الرجل وجيشه، قال: حتى أوامر ربي - أو حتى أؤامر - قال: فَوَامر في الدعاء عليهم، فقيل له: لا تدع عليهم فإنهم عبادي، وفيهم نبيهم، قال: فقال لقومه: إني قد وامرت ربي في الدعاء عليهم، وإني قد نهيت، فأهدوا له هدية فقبلها، ثم راجعوه فقالوا: ادع عليهم، فقال: حتى أوامر، فوامر [¬٢] [فلم يَحُر إليه] [¬٣] شيء [¬٤]، فقال: قد وامرت فلم [يحر إلىّ شيء] [¬٥]، [قال] [¬٦] فقالوا: لو كره ربك أن تدعو عليهم لنهاك كما نهاك المرة الأولى، قال: فأخذ يدعو عليهم، فإذا دعا عليهم جرى على لسانه الدعاء على قومه، وإذا أراد [أن يدعو] [¬٧] أن يُفتح لقومه، دعا أن يفتح لموسى وجيشه أو نحوًا [¬٨] من ذلك [¬٩] إن شاء الله - قال: فقالوا: ما نراك تدعو إلا علينا، قال: ما يجرى على لساني إلا هكذا، ولو دعوت عليه أيضًا ما استجيب لي، ولكن سأدلكم على أمر عسى أن يكون فيه هلاكهم، إن الله يبغض الزنا، وإنهم إن وقعوا [في الزنا] [¬١٠] هلكوا، ورجوت أن يهلكهم الله، فأخرجوا النساء يَسْتقبلنَهم [¬١١]، فإنهم قوم مسافرون، فعسى أن [¬١٢] يزنوا فيهلكوا، قال: ففعلوا، فأخرجوا النساء يَسْتقبلنَهم [¬١٣]، قال: وكان للملك ابنة، فذكر من عظمها ما الله أعلم به، قال: فقال أبوها أو بلعام: لا تمكني نفسك إلا من موسى، قال: ووقعوا [¬١٤] في الزنا، قال: وأتاها رأس سبط من أسباط بني إسرائيل، فأرادها على نفسه [¬١٥]، فقالت: ما أنا بممكنة نفسي إلا من موسى، قال: فقال: إن
стр. 2908
منزلتي كذا وكذا، وإن من حالي كذا وكذا، [] [¬١] فأرسلت إلى أبيها تستأمره، قال: فقال لها: فأمكنيه، قال: ويأتيهما رجل من بني هارون ومعه الرمح فيطعنهما، قال: وأيده الله بقوة، فانتظمهما جميعًا، ورفعهما على رمحه، فرآهما الناس أو كما حدث قال: وسلط الله عليهم الطاعون، فمات منهم سبعون ألفا.
قال أبو [¬٢] المعتمر: فحدثني سيار: أن بلعاما ركب حمارة له حتى أتى علولي [¬٣]. أو قال: طريقًا من علولي [¬٤]. جعل يضربها ولا تُقدم، وقامت عليه فقالت: علام تضربني؟ أما ترى هذا الذي بين يديك؟ فإذا الشيطان بين يديه، قال: فنزل وسجد له، قال الله تعالى: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا﴾ إلى قوله: ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾.
قال: فحدثني بهذا سيار، ولا أدري لعله قد دخل فيه شيء من حديث غيره.
(قلت): هو بلعام. ويقال: بلعم بن باعوراء ويقال: ابن أبر، ويقال: ابن باعور بن شهوم ابن قوشتم بن ماب بن لوط بن هاران. ويقال: ابن حران بن آزر، وكان يسكن قرية من قرى البلقاء.
قال ابن عساكر [¬٥]: وهو الذي كان يعرف اسم الله الأعظم، فانسلخ من دينه، له ذكر في القرآن. ثم أورد من قصته نحوًا مما ذكرنا هاهنا، أورده عن وهب وغيره، والله أعلم.
وقال محمد بن إسحاق بن يسار (٢٥٦)، عن سالم أبي النضر: أنه حدث: أن موسى ﵇ لما نزل في أرض بني كنعان من أرض الشام، أتى قوم بلعام إليه، فقالوا له: هذا موسى ابن عمران في بني إسرائيل، قد جاء [¬٦] يخرجنا من بلادنا ويقتلنا ويحلها بني إسرائيل، وإنا قومك، وليس لنا منزل، وأنت رجل مجاب الدعوة، فاخرج فادع الله عليهم، قال: ويلكم، نبي الله معه الملائكة والمؤمنون [¬٧]، كيف أذهب أدعو عليهم، وأنا أعلم من الله ما أعلم؟! قالوا له: ما لنا من منزل، فلم يزالوا به يرققونه [¬٨] ويتضرعون إليه، حتى فتنوه فافتُتِنَ، فركب حمارة [¬٩] له متوجهًا [¬١٠] إلى الجبل الذي يطلعه على عسكر بني إسرائيل، وهو جبل حُسْبان،
стр. 2909
فلما سار عليها غير كثير، ربضت به، فنزل عنها فضربها، حتى إذا أذلقها قامت فركبها، فلم تسر به كثيرًا حتى ربضت به فضربها، حتى إذا أذلقها أذن الله لها فكلمته حجة عليه، فقالت: ويحك يا بلعم، أين تذهب؟ أما ترى الملائكة أمامي تردني عن وجهي هذا؟ أتذهب [¬١] إلى نبي الله والمؤمنين لتدعو عليهم؟ فلم ينزع عنها يضربها [¬٢]، فخلى الله سبيلها حين فعل بها ذلك، فانطلقت به حتى إذا أشرفت به على رأس حسبان، على عسكر موسى وبني إسرائيل، جعل يدعو عليهم، ولا يدعو عليهم بشر إلا صرف به [¬٣] لسانه إلى قومه، ولا يدعو لقومه بخير إلا صرف لسانه إلى بني إسرائيل، فقال له قومه: أتدري يا بلعم ما تصنع؟ إنما تدعو لهم وتدعو علينا، قال: فهذا مالا أملك، هذا شيء قد غلب الله عليه، قال: واندلع لسانه فوقع على صدره، فقال لهم: قد ذهبت مني الآن الدنيا والآخرة، ولم يبق إلا المكر والحيلة، فسأمكر لكم وأحتال. جمّلوا النساء وأعطوهن السلع، ثم أرسلوهن إلى العسكر يبعنها فيه، ومُرُوهن فلا تمنع امرأة نفسها من رجل أرادها، فإنهم إن زنى رجل منهم واحد كُفِيتُموهم، ففعلوا، فلما دخل النساء العسكر، مرت امرأة من الكنعانيين اسمها كسبى [¬٤] ابنة صور رأس أمته [¬٥] برجل من عظماء بني إسرائيل، وهو "زمري [¬٦] بن شلوم"، رأس سبط [] [¬٧] شمعون [¬٨] بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم ﵈[فقام إليها، فأخذ بيدها حين أعجبه جمالها، ثم أقبل بها حتى وقف بها على موسى ﵇] [¬٩]، فقال: إني أظنك ستقول هذا حرام عليك؟ قال: أجل، هى حرام عليك، لا تقربها قال: فوالله لا نطيعك في هذا، ثم دخل بها قبته فوقع عليها، وأرسل الله الطاعون في بني إسرائيل، وكان فنحاص بن العيزار بن هارون، صاحب أمر موسى، وكان غائبًا حين صنع زمري بن شلوم ما صنع، فجاء و [¬١٠] الطاعون يجوس في بني إسرائيل، فأخبر الخبر، فأخذ حربته وكانت من حديد كلها، ثم دخل القبة وهما متضاجعان، فانتظمهما بحربته، ثم خرج بهما رافعهما إلى السماء، والحربة قد أخذها بذراعه، واعتمد بمرفقه على خاصرته، وأسند الحربة إلى لَحْيَيْه [¬١١]- وكان بكر العيزار - وجعل يقول: اللهم هكذا نفعل بمن يعصيك، ورفع الطاعون، فحُسِب من هلك من بني إسرائيل في الطاعون فيما بين أن أصاب زمري المرأة إلى أن قتله فنحاص، فوجدوه قد هلك منهم سبعون ألفًا - والمقلل لهم يقول: عشرون ألفًا في ساعة من النهار، فمن هنالك تعطي بنو إسرائيل
стр. 2910
ولد فنحاص من كل ذبيحة ذبحوها القَبَة والذراع واللحْي. [لاعتماده بالحربة على خاصرته، وأخذه إياها بذراعه، وإسناده إياها إلى لحييه] [¬١] والبكر من كل أموالهم وأنفسهم؛ لأنه كان بكر أبيه العيزار، ففي بلعام بن باعوراء أنزل الله: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا﴾ إلى قوله: ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ﴾ اختلف المفسرون في معناه [¬٢]؛ فأما على سياق ابن إسحاق، عن سالم أبي النضر: أن بلعامًا اندلع لسانه على صدره، فتشبيهه [¬٣] بالكلب في لَهْثه [¬٤] في كلتا حالتيه إن زجر وإن ترك. وقيل: معناه: فصار مثله في ضلاله، واستمراره فيه، وعدم انتفاعه بالدعاء إلى الإِيمان، وعدم الدعاء كالكلب في لَهْثه [¬٥] في حالتيه، إن حملت عليه وإن تركته، هو يلهث في الحالين، فكذلك هذا لا ينتفع بالموعظة والدعوة إلى الإِيمان ولا عدمه، كما قال تعالى: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾. ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ [إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ] [¬٦] يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ ونحو ذلك.
وقيل: معناه أن قلب الكافر والمنافق والضال ضعيف فارغ من الهدى، فهو كثير الوجيب، فعبر عن هذا بهذا. نقل نحوه عن الحسن البصري وغيره.
وقوله تعالى: ﴿فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾، يقول تعالى لنبيه محمد ﷺ : ﴿فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ﴾ أي: لعل بني إسرائيل العالمين بحال بلعام، وما جرى له في إضلال الله إياه وإبعاده من رحمته؛ بسبب أنه استعمل نعمة الله عليه [¬٧] في تعليمه الاسم الأعظم، الذي إذا سئل به أعطى، وإذا دُعِيَ به أجاب - في غير طاعة ربه، بل دعا به على حزب الرحمن؛ وشَعْب الإِيمان، أتباع عبده ورسوله في ذلك الزمان، كليم الله موسى بن عمران ﵇، ولهذا قال: ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ أي: فيحذروا أن يكونوا مثله، فإن الله قد أعطاهم علمًا، وميزهم على من عداهم من الأعراب، وجعل بأيديهم صفة محمد ﷺ يعرفونها كما يعرفون أبناءهم، فهم أحق الناس وأولاهم باتباعه ومناصرته ومؤازرته كما أخبرتهم أنبياؤهم بذلك وأمرتهم به؛ ولهذا من خالف منهم ما في كتابه وكتمه فلم يعلم به العباد أحل الله به ذلًّا في الدنيا موصولًا بذلِّ الآخرة.
وقوله: ﴿سَاءَ مَثَلًا الْقَوْمُ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَأَنْفُسَهُمْ كَانُوا يَظْلِمُونَ﴾ يقول تعالى:
стр. 2911
ساء [¬١] مثلًا مثل القوم الذين كذبوا بآياتنا، أي: ساء مثلهم أن شُبِّهوا بالكلاب التي [¬٢] لا همة لها [¬٣] إلا في تحصيل أكلة أو شهوة، فمن خرج عن حيز العلم والهدى، وأقبل على شهوة نفسه، واتبع هواه، صار شبيهًا بالكلب، وبئس المثل مثله، ولهذا ثبت في الصحيح (٢٥٧) أن رسول الله ﷺ قال: "ليس لنا مثل السوء، العائد [في هبته] [¬٤]، كالكلب يعود في قيئه".
وقوله: ﴿وَأَنْفُسَهُمْ كَانُوا يَظْلِمُونَ﴾ أي: ما ظلمهم الله، ولكن هم ظلموا أنفسهم بإعراضهم عن اتباع الهدى، وطاعة المولى، إلى الركون إلى دار البلى، والإِقبال على تحصيل اللذات وموافقة الهوى.
﴿مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَنْ يُضْلِلْ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (١٧٨)﴾
يقول تعالى: من هداه الله فإنه لا مضل له، ومن أضله فقد خاب وخسر وضل لا محالة، فإنه تعالى ما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن؛ ولهذا جاء في حديث ابن مسعود: "إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستهديه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله".
الحديث بتمامه رواه الإِمام أحمد وأهل السنن وغيرهم (٢٥٨).
стр. 2912
﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ (١٧٩)﴾
يقول تعالى: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا﴾ أي: خلفنا وجعلنا ﴿لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ﴾ أي: هيأناهم لها، وبعمل أهلها يعملون، فإنه تعالى لما أراد أن يخلق الخلق علم ما هم عاملون قبل كونهم، فكتب ذلك عنده في كتاب قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة كما ررد في صحيح مسلم (٢٥٩)، عن عبد الله بن عمرو: أن رسول الله ﷺ قال: "إن الله قدّر مقادير الخلائق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة، وكان عرشه على الماء".
وفي صحيح مسلم أيضًا (٢٦٠)، من حديث عائشة بنت طلحة، عن خالتها عائشة أم المؤمنين ﵂ أنها قالت: دُعِيَ النبي صلى الله عليه ومسلم إلى جنازة صبي من الأنصار، فقلت: يا رسول الله طوبى له، عصفور من عصافير الجنة، لم يعمل السوء ولم يدركه. فقال رسول الله صلى الله عليه ومسلم: "أَوَ غير ذلك، يا عائشة؟ إن الله خلق الجنة وخلق لها أهلًا، وهم في أصلاب آبائهم، وخلق النار وخلق لها أهلًا وهم في أصلاب آبائهم".
стр. 2913
وفي الصحيحين (٢٦١) من حديث ابن مسعود: "لم يبعث الله [¬١] إليه الملك، فيؤمر بأربع كلمات، فيكتب: رزقه، وأجله، وعمله، وشقي أم سعيد".
وتقدم أن الله لما استخرج ذرية آدم من صلبه، وجعلهم فريقين: أصحاب اليمين وأصحاب الشمال قال: "هؤلاء للجنة ولا أبالي، وهؤلاء للنار ولا أبالي" (٢٦٢).
والأحاديث في هذا كثيرة، ومسألة القَدَر كبيرة ليس هذا موضع بسطها.
وقوله تعالى: ﴿لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا﴾ يعني: ليس ينتفعون بشيء من هذه الجوارح التي جعلها الله سببًا للهداية، كما قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعًا وَأَبْصَارًا وَأَفْئِدَةً فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلَا أَبْصَارُهُمْ وَلَا أَفْئِدَتُهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِذْ كَانُوا يَجْحَدُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ﴾. الآية. وقال تعالى: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ﴾، هذا في حق المنافقين، وقال في حق الكافرين: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾، ولم يكونوا صمًّا و [¬٢] بكمًا و [¬٣] عميًا إلا عن الهدى، كما قال تعالى: ﴿وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾، وقال: ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾، وقال: ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ (٣٦) وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ﴾ أي: هؤلاء الذين لا يسمعون الحق ولا يَعُونه ولا يبصرون الهدى كالأنعام [¬٤] السارحة التي لا تنتفع [¬٥] بهذه الحواس منها إلا في الذي يعيشها في ظاهر الحياة الدنيا، كقوله تعالى: ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً﴾، أي: ومثلهم في حال دعائهم إلى الإِيمان، كمثل الأنعام إذا دعاها راعيها، لا تسمع إلا صوته، ولا تفقه ما يقول؛ ولهذا قال في هؤلاء: ﴿بَلْ هُمْ أَضَلُّ﴾ أي: من الدواب؛ لأن الدواب قد تستجيب مع ذلك لراعيها إذا أبَسَّ [¬٦] (٢٦٣) بها، وإن لم تفقه كلامه، بخلاف هؤلاء، ولأن الدواب تفقه ما خلقت له إما بطبعها وإما بتسخيرها، بخلاف الكافر فإنه إنما خلق
стр. 2914
ليعبد الله ويوحده، فكفر بالله وأشرك به؛ ولهذا من أطاع الله من البشر كان أشرف من مثله من الملائكة في معاده، ومن كفر به من البشر، كانت الدواب أتم منه؛ ولهذا قال تعالى: ﴿أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾.
﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٨٠)﴾
عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ "إن لله تسعةً وتسعين اسمًا [مائة إلا واحدًا] [¬١]، من أحصاها دخل الجنة، وهو وتر يحب الوتر".
أخرجاه في الصحيحين (٢٦٤)، من حديث سفيان بن عيينة، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عنه. ورواه البخاري (٢٦٥)، عن أبى اليمان، عن شعيب بن أبي حمزة، عن أبي الزناد به. وأخرجه الترمذي [في جامعه] [¬٢] (٢٦٦)، عن الجوزجاني، عن صفوان بن صالح، عن الوليد بن مسلم، عن شعيب، فذكر بسنده مثله، وزاد بعد قوله: "يحب الوتر: هو الله الذي لا إله إلا هو الرحمن الرحيم، الملك، القدوس، السلام، المؤمن، المهيمن، العزيز، الجبار، المتكبر، الخالق، البارئ، المصور، الغفار، القهار، الوهاب، الرزاق، الفتاح، العليم، القابض، الباسط، الخافض، الرافع، المعز، المذل، السميع، البصير، الحكم، العدل، اللطيف، الخبير، الحليم، العظيم، الغفور، الشكور، العلي، الكبير، الحفيظ، المقيت، الحسيب، الجليل، الكريم، الرقيب، المجيب، الواسع، الحكيم، الودود، المجيد، الباعث، الشهيد، الحق، الوكيل، القوي، المتين، الولي، الحميد، المحصي، المبدئ، المعيد، المحيي، المميت، الحي، القيوم، الواجد، الماجد، الواحد، الأحد، الفرد، الصمد، القادر، المقتدر، المقدم، المؤخر، الأول، الآخر، الظاهر، الباطن، الوالي،
стр. 2915
المتعالي، البر، التواب، المنتقم، العفو، الرءوف، مالك الملك، ذو الجلال والإِكرام، المقسط، الجامع، الغني، المغني، المانع، الضار، النافع، النور، الهادي، البديع، الباقي، الوارث، الرشيد، الصبور".
ثم قال الترمذي: هذا حديث غريب، وقد روي من غير وجه عن أبي هريرة، ولا نعلم فى كثير من الروايات ذكر الأسماء إلا فى هذا الحديث.
ورواه ابن حبان في صحيحه، من طريق صفوان به. وقد رواه ابن ماجة فى سننه من طريق آخر، عن موسى بن عقبة، عن الأعرج، عن أبي هريرة مرفوعًا، فسرد الأسماء كنحو ما تقدم بزيادة ونقصان.
والذي عوّل عليه جماعة من الحفاظ أن سرد الأسماء في هذا الحديث مُدرج فيه، وإنما ذلك
كما رواه الوليد بن مسلم وعبد الملك بن محمد الصنعاني [¬١]، عن زهير بن محمد: أنه بلغه عن غير واحد من أهل العلم أنهم قالوا ذلك، أي: أنهم جمعوها من القرآن، كما ورد عن جعفر ابن محمد وسفيان بن عيينة وأبي [¬٢] زيد اللغوي [¬٣]، والله أعلم.
ثم ليعلم أن الأسماء الحسنى ليست منحصرة في التسعة والتسعين، بدليل ما رواه الإِمام أحمد في مسنده (٢٦٧)، عن يزيد بن هارون، عن فضيل بن مرزوق، عن أبي سلمة [¬٤] الجهني، عن
стр. 2918
القاسم بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن عبد الله بن مسعود ﵁ عن رسول الله ﷺ أنه قال: "ما أصاب أحدًا قطٌّ همٌّ ولا حَزَنٌ فقال: اللهم! إني عبدك، ابن عبدك، ابن أمتك، ناصيتي بيدك، ماض فيَّ حكمك، عَدْلٌ في قضاؤك، أسألك بكل اسم هو لك سَمَّيْتَ به نفسك، أو أنزلته في كتابك، أو علمته أحدًا من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك أن تجعل القرآن العظيم [¬١] ربيع قلبي، ونور صدري، وجلاء حزني، وذهاب همي، إلا أذهب الله همه وحزنه وأبدله [¬٢] مكانه فرحًا". فقيل: يا رسول الله، أفلا نتعلمها؟ فقال: "بلى، ينبغي [لكل من] [¬٣] سمعها أن يتعلمها".
وقد أخرجه الإِمام أبو حاتم بن حبان البستي في صحيحه بمثله.
وذكر الفقيه الإِمام أبو بكر بن العربي أحد أئمة المالكية في كتابه "عارضة الأحوذي في شرح الترمذي" أن بعضهم جمع من [¬٤] الكتاب والسنة من أسماء الله ألف اسم، فالله أعلم.
وقال العوفي عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ﴾ قال:
стр. 2919
[إلحاد الملحدين: أن دعوا اللات في أسمائه] [¬١].
[وقال ابن جريج، عن مجاهد: ﴿وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ] [¬٢]﴾ قال: اشتقوا "اللات" من الله، [واشتقوا] [¬٣] " [] [¬٤] العزى" من العزيز.
وقال قتادة: ﴿يُلْحِدُونَ﴾: يشركون. وقال على بن أبي طلحة، عن ابن عباس: الإِلحاد: التكذيب.
وأصل الإِلحاد في كلام العرب: العدول [¬٥] عن القصد؛ والميل والجور والانحراف، ومنه اللحد في القبر، لانحرافه إلى جهة القبلة عن سمت الحفر.
﴿وَمِمَّنْ خَلَقْنَا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ (١٨١)﴾
يقول تعالى: ﴿وَمِمَّنْ خَلَقْنَا﴾ أي: ومن الأم ﴿أُمَّةٌ﴾ قائمة بالحق، قولًا وعملًا ﴿يَهْدُونَ بِالْحَقِّ﴾ يقولونه ويدعون إليه، ﴿وَبِهِ يَعْدِلُونَ﴾ يعملون ويقضون.
وقد جاء في الآثار أن المراد بهذه الأمة المذكورة في الآية هي هذه الأمة المحمدية.
قال سعيد (٢٦٨)، عن قتادة في تفسير هذه الآية: بلغنا أن النبي ﷺ كان يقول إذا قرأ هذه الآية: "هذه لكم، وقد أعطي القوم بين أيديكم مثلها ﴿وَمِنْ قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ﴾ ".
وقال أبو جعفر الرازي (٢٦٩)، عن الربيع بن أنس في قوله تعالى: ﴿وَمِمَّنْ خَلَقْنَا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ﴾ قال: فال رسول الله ﷺ : "إن من أمتي قومًا على الحق، حتى ينزل عيسى ابن مريم متى ما نزل".
стр. 2920
وفي الصحيحين (٢٧٠)، عن معاوية بن أبى سفيان قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق، لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم، حتى تقوم الساعة". وفي رواية: "حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك". وفي رواية: "وهم بالشام".
﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ (١٨٢) وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ (١٨٣)﴾
يقول تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ﴾ ومعناه: أنه يفتح لهم أبواب الرزق ووجوه المعاش في الدنيا، حتى يغتروا بما هم فيه ويعتقدوا أنهم على شيء، كما قال تعالى: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ (٤٤) فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾؛ ولهذا قال تعالى: ﴿وَأُمْلِي لَهُمْ﴾ أي: وسأملي لهم، أي: أطول لهم ما هم فيه ﴿إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾ أي: قوي شديد.
﴿أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِهِمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ (١٨٤)﴾
يقول تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا﴾ هؤلاء المكذبون بآياتنا ﴿مَا بِصَاحِبِهِمْ﴾ يعني: محمدًا ﷺ ﴿مِنْ جِنَّةٍ﴾ أي: ليس به جنون، بل هو رسول الله حقًّا، ودعا إلى حق ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ أي: ظاهر لمن كان له لب وقلب يعقل به ويعي به؛ كما قال تعالى: ﴿وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ﴾، وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ﴾، يقول: إنما أطلب منكم أن تقوموا لله قيامًا خالصًا [] [¬١]، ليس فيه تعصب ولا عناد، ﴿مَثْنَى وَفُرَادَى﴾ أي: مجتمعين ومتفرقين، ﴿ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا﴾ فى هذا الذي جاءكم بالرسالة من الله: أبه [¬٢] جنون أم لا؟ فإنكم إذا فعلتم ذلك بأن لكم وظهر أنه رسول الله حقًّا وصدقًا.
стр. 2921
وقال قتادة بن دعامة (٢٧١): ذكر لنا أن نبي الله، ﷺ ، كان على الصفا، فدعا قريشًا فجعل يُفخِّذهم فخذًا فخذًا [¬١]: يابني فلان يابني فلان، فحذرهم بأس الله ووقائع الله، فقال قائلهم: إن صاحبكم هذا لمجنون، بات يصوت إلى الصباح أو حتى أصبح، فأنزل الله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِهِمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ [الأعراف: ١٨٤].
﴿أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ (١٨٥)﴾
يقول تعالى ﴿أَوَلَمْ يَنْظُرُوا﴾ هؤلاء الكذبون [¬٢] بآياتنا، في ملك الله وسلطانه في السموات والأرض، وفيما خلق من شيء فيهما، فيتدبروا ذلك ويعتبروا به، ويعلموا أن ذلك لمن لا نظير له ولا شبيه، ومن فِعْل من لا ينبغي أن تكون العبادة والدين الخالص إلا له، فيؤمنوا به، ويصدقوا رسوله، وينيبوا إلى طاعته، ويخلعوا الأنداد والأوثان، ويحذروا أن تكون آجالهم قد اقتربت، فيهلكوا على كفرهم، ويصيروا إلى عذاب الله وأليم عقابه.
وقوله: ﴿فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ﴾ يقول: فبأي تخويف وتحذير وترهيب - بعد تحذير محمَّد، ﷺ ، وترهيبه، الذي أتاهم به من عند الله في آى كتابه - يصدقون؟ إن لم يصدقوا بهذا الحديث الذي جاءهم به محمَّد من عند الله .
وقد روى الإِمام اً حمد (٢٧٢)، عن حسن بن موسى وعفان [¬٣] بن مسلم وعبد الصمد بن
стр. 2922
عبد الوارث، كلهم [¬١] عن حماد بن سلمة، عن علي بن زيد بن جدعان [¬٢]، عن أبي الصلت، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "رأيت ليلة أسري بي، لما [¬٣] انتهينا إلى السماء السابعة، فنظرت فوقي، فهذا أنا برعد وبرق وصواعق، قال: وأتيت على قوم بطونهم كالبيوت فيها الحيات ترى من خارج بطونهم، قلت: من هؤلاء [¬٤]، يا جبريل؟ قال: هؤلاء أكلة الربا، فلما نزلت إلى السماء الدنيا فنظرت إلى أسفل مني، فهذا أنا برهج ودخان وأصوات فقلت: ما هذا يا جبريل؟ قال: هؤلاء [¬٥]، الشياطين يحومون [¬٦] على أعين بني آدم أن لا يتفكروا في ملكوت السموات والأرض، ولولا ذلك لرأوا العجائب".
على بن زيد بن جدعان [¬٧] له منكرات. ثم قال تعالى:
﴿مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَا هَادِيَ لَهُ وَيَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾
يقول تعالى: من كتب عليه الضلالة فإنه لا يهديه أحد، ولو نظر لنفسه فيما نظر، فإنه لا يجزي عنه شيئًا ﴿وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾، وكما [¬٨] قال تعالى: ﴿قل انظروا ماذا في السموات والأرض وما تغني الآيات والنذر عن قوم لا يؤمنون﴾.
﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (١٨٧)﴾
يقول تعالى: ﴿يسألونك عن الساعة﴾، كما قال تعالى: ﴿يسألك الناس عن الساعة﴾.
стр. 2923
قيل: نزلت في قريش. وقيل: في نفر من اليهود، والأول أشبه؛ لأن الآية مكية، وكانوا يسألون عن وقت الساعة، استبعادًا لوقوعها، وتكذيبًا بوجودها، كما قال تعالى: ﴿ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين﴾.
وقال تعالى: ﴿يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِهَا وَالَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنْهَا وَيَعْلَمُونَ أَنَّهَا الْحَقُّ أَلَا إِنَّ الَّذِينَ يُمَارُونَ فِي السَّاعَةِ لَفِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ (١٨)﴾.
وقوله: ﴿أيان مرساها﴾ قال على بن أبي طلحة، عن ابن عباس: منتهاها، أي: متى محطها، وأيان آخر مدة الدنيا الذي [هو أقل وقت الساعة] [¬١] ﴿قل إنما علمها عند ربي لا يجليها لوقتها إلا هو﴾ أمر تعالى رسوله، ﷺ ، إذا سئل عن وقت الساعة، أن يرد علمها إلى الله تعالى، فإنه هو الذي يجليها لوقتها، أي: يعلم جلية [¬٢] أمرها، ومتى يكون على التحديد، لا يعلم ذلك إلا هو تعالى، ولهذا قال: ﴿ثقلت في السموات والأرض﴾.
قال عبد الرزاق (٢٧٣)، عن معمر، عن قتادة في قوله: ﴿ثقلت في السموات والأرض﴾ قال: ثقل علمها على أهل السموات والأرض، إنهم لا يعلمون.
قال معمر: قال الحسن: إذا جاءت ثقلت على أهل السموات والأرض، يقول: كَبُرت عليهم.
وقال الضحاك، عن ابن عباس في قوله: ﴿ثقلت في السموات والأرض﴾ قال: ليس شيء من الخلق إلا يصيبه من ضرر يوم القيامة.
وقال ابن جريج: ﴿ثقلت في السموات والأرض﴾ قال: إذا جاءت انشقت السماء، وانتثرت النجوم، وكورت الشمس، وسيرت الجبال، وكان ما قال الله ، فذلك ثقلها.
واختار ابن جرير ﵀ [¬٣]: أن المراد ثَقُلَ علم وقتها على أهل السموات والأرض، كما قال قتادة.
стр. 2924
وهو كما قالاه؛ كقوله تعالى: ﴿لا تأتيكم إلا بغتة﴾، ولا ينفي ذلك ثقل مجيئها على أهل السموات والأرض، والله أعلم.
وقال السدي: ﴿ثقلت في السموات والأرض﴾، يقول: خفيت في السموات والأرض، فلا [¬١] يعلم قيامها - حين تقوم ملك مُقَرَّبٌ ولا نبي مرسل.
﴿لَا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً﴾ يبغتهم قيامها، تأتيهم على غفلة.
وقال قتادة (٢٧٤) في قوله تعالى: ﴿لا تأتيكم إلا بغتة﴾: قضى الله أنها ﴿لا تأتيكم إلا بغتة﴾ - قال: وذكر لنا أن نبي الله، ﷺ ، قال: "إن الساعة تهيج بالناس والرجل يصلح حوضه، والرجل يسقي ماشيته، والرجل يقيم سلعته في السوق، ويخفض ميزانه ويرفعه".
وقال البخاري (٢٧٥): حدثنا أبو اليمان، أنبأنا شعيب، أنبأنا [¬٢] أبو الزناد، عن عبد الرحمن، عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "لا تقوم الساعة حتى تطلع الشمس من مغربها، فإذا طلعت فرآها الناس آمنوا أجمعون، فذلك حين لا ينفع نفسًا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرًا، ولتقومن الساعة وقد نشر الرجلان ثوبهما بينهما فلا يتبايعانه ولا يطويانه، ولتقومن الساعة وقد انصرف الرجل بلبن لقحته فلا يطعمه، ولتقومن الساعة وهو يليط حوضه فلا يسقي فيه، ولتقومن الساعة والرجل قد رفع أكْلَته إلن فيه فلا يطعمها".
وقال مسلم في صحيحه (٢٧٦): حدثني زهير بن حرب، حدثنا سفيان بن عيينة، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة يبلغ به النبي، ﷺ ، قال: "تقوم الساعة
стр. 2925
والرجل يحلب لقحته [¬١]، فما يصل الإناء إلى فيه حتى تقوم الساعة، والرجلان يتبايعان الثوب، فما يتبايعانه حتى تقوم الساعة [¬٢]، والرجل يلوط حوضه، فما يصدر حتى تقوم".
وقوله: ﴿يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا﴾، اختلف المفسرون في معناه؛ فقيل: معناه كما [] [¬٣] قال العوفي، عن ابن عباس: ﴿يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا﴾ يقول: كأن بينك وبينهم مودّة، كأنك صديق لهم. قال ابن عباس: لما سأل الناس محمدًا، ﷺ ، عن الساعة، سألوه سؤال قوم كأنهم يرون أن محمدًا حفي بهم، فأوحى الله إليه: إنما علمها عنده، استأثر بعلمها فلم يطلع الله عليها ملكا مقربًا ولا رسولًا.
وقال قتادة: قالت قريش لمحمد ﷺ : إن بيننا وبينك قرابة، فأسر إلينا متى الساعة؟ فقال الله : ﴿يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا﴾.
وكذا روي عن مجاهد وعكرمة وأبي مالك والسدي، وهذا قول. والصحيح عن مجاهد - من رواية ابن أبي نجيح وغيره -: ﴿يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا﴾ قال: استحفيت [¬٤] (٢٧٧) عنها السؤال، حتى علمت وقتها.
وكذا قال الضحاك، عن ابن عباس: ﴿يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا﴾ يقول: كأنك عالم بها، لست تعلمها، ﴿قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ﴾.
وقال معمر [¬٥]، عن بعضهم: ﴿كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا﴾: كأنك عالم بها.
[وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: ﴿كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا﴾ كأنك عالم بها] [¬٦]، وقد أخفى الله علمها على خلقه، وقرأ: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ الآية.
وهذا القول أرجح في المعنى من الأول، والله أعلم.
ولهذا قال: ﴿قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾.
ولهذا لما جاء جبريل ﵇ في صورة أعرابي، ليعلم الناس أمر دينهم، فجلس من رسول الله، ﷺ ، مجلس السائل المسترشد، وسأله، ﷺ ، عبئ الإِسلام، ثم عن الإِيمان، ثم عن الإِحسان، ثم قال: فمتى الساعة؟ قال له رسول الله، صلى الله
стр. 2926
عليه وسلم: "ما المسئول عنها بأعلم من السائل". أي: لست أعلم بها منك، ولا أحد أعلم بها من أحد، ثم قرأ النبي ﷺ : ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ الآية.
وفي رواية: "فسأله عن أشراط الساعة، فبين له أشراط الساعة، ثم قال: "في خمس لا يعلمهن إلا الله"، وقرأ هذه الآية. وفي هذا كله يقول له بعد كل جواب: صدقت؛ ولهذا عجيب الصحابة من هذا السائل يسأله وصدقه، ثم لما انصرف قال رسول الله ﷺ : "هذا جبريل أتاكم يعلمكم دينكم" (٢٧٨).
وفي رواية قال (٢٧٩): " وما أتاني في صورة إلا عرفته فيها، إلا صورته هذه".
وقد ذكرت هذا الحديث بطرقه وألفاظه من الصحاح والحسان والمسانيد في أول شرح صحيح [¬١] البخاري، ولله الحمد والمنة.
ولما سأله ذلك الأعرابي وناداه بصوت جَهْوَرِيّ، فقال: يا محمَّد. قال [¬٢] له رسول الله ﷺ : "هَاؤم [¬٣] " - على نحو من صوته - قال: يا محمَّد! متى الساعة؟ قال له رسول الله ﷺ : "ويحك، إن الساعة آتية، فما أعددت لها"؟ قال: ما [¬٤] أعددت لها كبير صلاة ولا صيام، ولكني أحب الله ورسوله. فقال له رسول الله ﷺ : "المرء مع من أحب" (٢٨٠). فما فرح المسلمون بشيء فرحهم بهذا الحديث.
стр. 2927
وهذا له طرق متعددة (٢٨١) في الصحيحين وغيرهما عن جماعة من الصحابة، عن رسول الله ﷺ أنه قال: "المرء مع من أحب". وهي متواترة عند كثير من الحفاظ المتقنين.
ففيه أنه ﵇ أنه [¬١] كان إذا سئل عن هذا الذي لا يحتاجون إلى علمه، أرشدهم إلى ما هو الأهم في حقهم، وهو الاستعداد لوقوع ذلك، والتهيؤ له قبل نزوله، وإن لم يعرفوا تعيين وقته.
ولهذا قال مسلم في صحيحه (٢٨٢): حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة وأبو كريب قالا: حدثنا أبو أسامة، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة، ﵂، قالت: كانت الأعراب إذا قدموا على رسول الله، ﷺ ، سألوه عن الساعة: متى الساعة؟ فينظر إلى أحدث إنسان [¬٢] منهم فيقول [¬٣]: "إن يعش هذا لم يدركه الهَرَم حتى قامت ساعتكم".
يعني بذلك: موتهم الذي يفضي بهم إلى الحصول في برزخ الدار الآخرة.
ثم قال مسلم (٢٨٣): وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا يونس بن محمَّد، عن حماد بن
стр. 2928
سلمة، عن ثابت، عن أنس: أن رجلًا سأل رسول الله، ﷺ ، عن الساعة، [وعنده غلام من الأنصار يقال له: محمَّد] [¬١]، فقال رسول الله، ﷺ : "إن يعش هذا الغلام فعسى أن لا يدركه الهرم حتى تقوم الساعة". انفرد به مسلم.
وحدثني حجاج بن الشاعر (٢٨٤)، حدثنا سليمان بن حرب، حدثنا حماد بن زيد، [حدثنا معبد بن هلال العَنَزي] [¬٢]، عن أنس بن مالك ﵁: أن رجلًا سأل النبي ﷺ قال: متى الساعة؟ فسكت رسول الله ﷺ هُنَيْهة، ثم نظر إلى غلام بين يديه من أزد شنوءة فقال: "إن عُمِّرَ هذا لم يدركه الهرم حتى تقوم الساعة". قال أنس: ذلك الغلام من أترابي.
وقال: حدثنا هارون بن عبد الله، حدثنا عفان بن مسلم، حدثنا همام، حدثنا قتادة، عن أنس قال: مر غلام للمغيرة بن شعبة - وكان [من أقراني] [¬٣]- فقال النبي ﷺ : "إن يؤخر هذا لم يدركه الهرم حتى تقوم الساعة" [] [¬٤].
ورواه البخاري في كتاب الأدب من صحيحه، عن عمرو بن عاصم، عن همام بن يحيى، عن قتادة، عن أنس: أن رجلًا من أهل البادية قال: يا رسول الله؛ متى الساعة؟ فذكر الحديث، وفي آخره: فمر غلام للمغيرة بن شعبة، وذكره.
وهذا الإِطلاق في هذه الروايات محمول على التقييد بـ"ساعتكم" في حديث عائشة ﵂.
وقال ابن جريج: أخبرني أبو الزبير أنه سمع جابر بن عبد الله يقول: سمعت رسول الله، ﷺ ، يقول قبل أن يموت بشهر [] [¬٥]: "تسألوني عن الساعة، وإنما علمها عند الله، وأقسم بالله ما على ظهر الأرض اليوم من نفس منفوسة تأتي [¬٦] عليها مائة سنة". رواه
стр. 2929
مسلم (٢٨٥).
وفي الصحيحين (٢٨٦) عن ابن عمر مثله. قال ابن عمر [¬١]: وإنما أراد رسول الله ﷺ انخرام ذلك القرن.
وقال الإِمام أحمد (٢٨٧): حدثنا هشيم، أنبأنا العوام، عن جبلة بن سحيم، عن مؤثر بن عفازة [¬٢]، عن ابن مسعود ﵁ عن النبي، ﷺ ، قال: "لقيت ليلة أسري بي إبراهيم وموسى وعيسى، قال: فتذاكروا أمر الساعة، قال: فردوا أمرهم إلى إبراهيم ﵇ فقال: لا علم لي بها، فردوا أمرهم [¬٣] إلى موسى، فقال: لا علم لي بها، فردوا أمرهم إلى عيسى، فقال عيسى: أما وجبتها فلا يعلم بها أحد إلا الله عز
стр. 2930
وجل، وفيما عهد إليَّ ربي أن الدجال خارج، قال: ومعي قضيبان، فإذا رآني ذاب كما يذوب الرصاص، قال: فيهلكه الله إذا رآني، حتى إن الحجر والشجر يقول: يا مسلم، إن تحتي كافرًا فتعال [¬١] فاقتله، قال: فيهلكهم الله ، ثم يرجع الناس إلى بلادهم وأوطانهم، قال: فعند ذلك يخرج يأجوج ومأجوج، وهم من كل حدب ينسلون فيطئون بلادهم، لا يأتون على شيء إلا أهلكوه، ولا يمرون على ماء إلا شربوه، قال: ثم يرجع الناس إليّ فيشكونهم، فأدعو الله عليهم، فيهلكهم ويميتهم، حتى تَجوَى الأرض من نتن ريحهم - أي: تنتن - قال: فينزل الله المطر، فيجترف [¬٢] أجسادهم حتى يقذفهم [¬٣] في البحر".
قال الإِمام أحمد: قال يزيد بن هارون: "ثم تنسف الجبال، وتُمَدُّ الأرض مد الأديم - ثم رجع إلى حديث هشيم قال: "ففيما عهد إلى ربي أن ذلك إذا كان كذلك، فإن الساعة كالحامل المُتِم، لا يدري أهلها متى تَفْجَؤُهم بولادها ليلًا أو نهارًا".
ورواه ابن ماجة، عن بندار، عن يزيد بن هارون، عن العوام بن حوشب بسنده، نحوه.
فهؤلاء أكابر أولي العزم من المرسلين ليس عندهم علم بوقت الساعة على التعيين، وإنما ردوا الأمر إلى عيسى ﵇ فتكلم على أشراطها؛ لأنه ينزل في آخر هذه الأمة منفذًا لأحكام رسول الله ﷺ ، ويقتل المسيح الدجال، ويجعل الله هلاك يأجوج ومأجوج ببركة دعائه، فأخبر بما أعلمه الله تعالى به.
وقال الإِمام أحمد (٢٨٨): حدثنا يحيى بن أبي بكير، حدثنا [عبيد الله بن إياد] [¬٤] بن لقيط قال: سمعت أبي يذكر، عن حذيفة قال: سُئل رسول الله، ﷺ ، عن الساعة، فقال: "علمها عند ربي، لا يجليها لوقتها إلا هو، ولكن سأخبركم [¬٥] بمشاريطها
стр. 2931
وما يكون بين يديها، إن بين يديها فتنة وهرجًا". قالوا: يا رسول. الله، الفتنة قد عرفناها، فالَهَرج [¬١]، ما هو؟ قال: "بلسان الحبشة القتل". قال: "ويُلقى بين الناس التناكر، فلا يكاد [¬٢] أحد يعرف أحدًا". لم يروه أحد من أصحاب الكتب الستة [¬٣] من هذا الوجه.
وقال وكيع (٢٨٩): حدثنا ابن أبي خالد، عن طارق بن شهاب قال: كان رسول الله ﷺ لا يزال يذكر من شأن الساعة حتى نزلت ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا﴾ الآية.
ورواه النسائي، من حديث عيسى بن يونس، عن إسماعيل بن أبي خالد، به. وهذا إسناد جيد قوي.
فهذا النبي الأمي سيد الرسل وخاتمهم - صلوات الله عليه وسلامه - نبي الرحمة، ونبي التوبة، ونبي الملحمة، والعاقب، والمُقَفِّي، والحاشر الذي تحشر الناس على قدميه، مع قوله فيما ثبت عنه في الصحيح (٢٩٠) من حديث أنس وسهل بن سعد ﵄: "بعثت أنما
стр. 2932
والساعة كهاتين"، وقرن بين أصبعيه السبابة والتي تليها، ومع هذا كله قد أمره الله تعالى أن يرد عدم وقت الساعة إليه إذا سئل عنها فقال: ﴿قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾.
﴿قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (١٨٨)﴾
أمره الله تعالى أن يفوّض الأمور إليه، وأن يخبر عن نفسه أنه لا يعلم الغيب، ولا اطلاع له على شيء من ذلك إلا بما أطلعه الله عليه، كما قال تعالى: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا (٢٦) [إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا] [¬١]﴾.
وقوله: ﴿وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ﴾، قال عبد الرزاق (٢٩١)، عن الثوري، عن منصور، عن مجاهد ﴿وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ﴾ قال: لو كنت أعلم متى أموت لعملت عملًا صالحًا.
وكذا [¬٢] روى ابن أبي نجيح عن مجاهد، وقال مثله ابن جريج.
وفيه نظر؛ لأن عمل رسول الله ﷺ كان ديمة، وفي رواية: كان إذا عمل عملًا أثبته (٢٩٢)، فجميع عمله كان على منوال واحد، كأنه ينظر إلى الله في جميع أحواله، اللهم إلا أن يكون المراد أن يرشد غيره إلى الاستعداد لذلك، والله أعلم.
والأحسن في هذا ما رواه الضحاك، عن ابن عباس ﴿وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ﴾ أي: من المال، وفي رواية: لعلمت إذا اشتريت شيئًا ما أربح فيه، فلا أبيع شيئًا إلا ربحت فيه، [وما مسني السوء، قال] [¬٣] ": ولا يصيبني الفقر.
стр. 2933
وقال ابن جرير [¬١]: وقال آخرون: معنى ذلك: لو كنت أعلم الغيب لأعددت للسنة المجدبة [¬٢] من الخصبة، ولعرفتُ [¬٣] الغلاء من الرخص، فاستعددت له من الرخص.
وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم ﴿وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ﴾ قال: لاجتنبت ما يكون من الشر قبل أن يكون واتقيته [¬٤].
ثم أخبر أنه إنّما هو ﴿نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ﴾ أي: نذيرا من العذاب، وبشيرا للمؤمنين بالجنات كما قال تعالى: ﴿فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْمًا لُدًّا﴾.
﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا فَلَمَّا تَغَشَّاهَا حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا فَمَرَّتْ بِهِ فَلَمَّا أَثْقَلَتْ دَعَوَا اللَّهَ رَبَّهُمَا لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحًا لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (١٨٩)﴾
ينبه تعالى على أنه خلق جميع الناس من آدم ﵇ وأنه خلق منه زوجه حواء، ثم انتشر الناس [¬٥] منهما، كما قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾، وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾ الآية.
وقال في هذه الآية الكريمة: ﴿وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا﴾ أي: ليألفها ويسكن بها؛ كما قال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾، فلا ألفة بين روحين [¬٦] أعظم مما بين الزوجين؛ ولهذا ذكر تعالى أن الساحر ربما توصل بكيده الن التفرقة بين المرء وزوجه.
﴿فَلَمَّا تَغَشَّاهَا﴾ أي: وطئها ﴿حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا﴾ وذلك أول الحمل لا تجد المرأة له ألمًا، إنّما هي النطفة ثم العَلَقة، ثم المضغة.
وقوله: ﴿فَمَرَّتْ بِهِ﴾ قال مجاهد: استمرت بحمله. وروي عن الحسن وإبراهيم النخعي والسدي نحوه.
وقال ميمون بن مهران، عن أبيه: استخفته.
стр. 2934
وقال أيوب: سألت الحسن عن قوله: ﴿فَمَرَّتْ بِهِ﴾ قال: لو كنت رجلًا عربيًّا لعرفت ما هي؟، إنما هي فاستمرت به.
وقال قتادة: ﴿فَمَرَّتْ بِهِ﴾ و [¬١] استبان حملها.
وقال ابن جرير [¬٢]: استمرت بالماء: قامت به وقعدت.
وقال العوفي عن ابن عباس: استمرت به، فشكَّت؛ أحملت أم لا؟
﴿فَلَمَّا أَثْقَلَتْ﴾ أي: صارت ذات ثقل بحملها.
وقال السدي: كبر الولد في بطنها.
﴿دَعَوَا اللَّهَ رَبَّهُمَا لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحًا﴾ أي [¬٣]: بَشَرًا سويًّا، كما قال الضحاك، عن ابن عباس: أشفقا أن يكون بهيمة.
وكذلك قال أبو البختري وأبو مالك: أشفقا أن لا يكون إنسانًا.
وقال الحسن البصري: لئن آتيتنا غلامًا.
﴿لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (١٨٩) فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ ذكر المفسرون هاهنا آثارًا وأحاديث [¬٤] سأوردها وأبين ما فيها، ثم نتبع ذلك ببيان الصحيح في ذلك إنّ شاء الله، وبه الثقة.
قال الإمام أحمد في مسنده (٢٩٣): حدثنا عبد الصمد، حدثنا عمر بن إبراهيم، حدثنا قتادة، عنَ الحسن، عن سمرة، عن النبي ﷺ قال: "لما ولدت حواء طاف بها إبليس - وكان لا يعيش لها ولد - فقال: سميه عبد الحارث، فإنه يعيش، فسمته عبد الحارث فعاش، وكان ذلك من وحي الشيطان وأمره".
стр. 2935
وهكذا رواه ابن جرير، عن محمد بن بشار، [] [¬١] بندار، عن عبد الصمد بن عبد الوارث به.
ورواه الترمذي في تفسير هذه الآية عن محمد بن المثنى، عن عبد الصمد به. وقال: هذا حديث حسن غريب، لا نعرفه إلا من حديث عمر بن إبراهيم [عن قتادة] [¬٢]، ورواه بعضهم عن عبد الصمد ولم يرفعه.
ورواه الحاكم في مستدركه، من حديث عبد الصمد مرفوعًا، ثم قال: هذا حديث صحيح الإِسناد، ولم يخرجاه.
ورواه الإِمام أبو محمد بن أبى حاتم في تفسيره، عن أبي زرعة الرازي، عن هلال بن فياض، عن عمر بن إبراهيم به مرفوعًا.
وكذا رواه الحافظ أبو بكر بن مردويه في تفسيره، من حديث شاذ بن فياض، عن عمر بن إبراهيم به مرفوعًا.
قلت: و"شاذ" هو: هلال، وشاذ لقبه، والغرض أن هذا الحديث معلول من ثلاثة أوجه: (أحدها) أن عمر بن إبراهيم هذا هو البصري [¬٣]، وقد وثقه ابن معين، ولكن قال أبو حاتم
стр. 2936
الرازي: لا يحتج به. ولكن رواه ابن مردويه [¬١] من حديث المعتمر، عن أبيه، عن الحسن، عن سمرة مرفوعًا. فالله أعلم.
(الثاني) أنه قد روي من قول سمرة نفسه، ليس مرفوعًا، كما قال ابن جرير (٢٩٤): حدثنا ابن عبد الأعلى، حدثنا المعتمر، عن أبيه، و [¬٢] حدثنا [ابن علية] [¬٣]، عن سليمان التيمي، عن أبي العلاء بن الشخير، عن سمرة بن جندب قال: سمى آدم ابنه عبد [¬٤] الحارث.
(الثالث) أن الحسن نفسه فسر الآية بغير هذا، فلو كان هذا عنده عن سمرة مرفوعًا، لما عدل عنه.
قال ابن جرير (٢٩٥): حدثنا ابن وكيع، حدثنا سهل بن يوسف، عن عمرو، عن الحسن: ﴿جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا﴾ قال: كان هذا في بعض أهل الملل، ولم يكن بآدم.
وحدثنا محمد بن عبد الأعلى، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، قال: قال الحسن: عني بها ذرية آدم، ومن أشرك منهم بعده، يعني: ﴿جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا﴾.
وحدثنا بشر، حدثنا يزيد، حدثنا سعيد، عن قتادة قال: كان الحسن يقول: هم اليهود والنصارى، رزقهم الله أولادًا فهوَّدوا ونصروا.
وهذه أسانيد صحيحة عن الحسن ﵁، أنه فسر الآية بذلك، وهو بن أحسن التفاسير، وأولى ما حملت عليه الآية، ولو كان هذا الحديث عنده محفوظًا عن رسول الله، ﷺ ، لما عدل عنه [¬٥] هو ولا غيره، لا سيما مع تقواه لله وورعه. فهذا يدلك على أنه موقوف على الصحابي، ويحتمل أنه تلقاه من بعض أهل الكتاب من آمن منهم؛ مثل كعب أو وهب بن منبه وغيرهما، كما سيأتى بيانه إنّ شاء الله، إلا أننا [¬٦] برئنا من عهدة المرفوع، والله أعلم.
стр. 2937
فأما الآثار فقال محمد بن إسحاق بن يسار، عن داود بن الحصين، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: كانت حواء تلد لآدم ﵇ أولادًا فيعبّدهم لله، ويسميهم [¬١]: عبد الله، وعبيد الله، ونحو ذلك، فيصيبهم الموت، [فأتاها إبليس وآدمَ] [¬٢] فقال: إنكما لو تُسميانه بغير الذي تسميانه به لعاش [¬٣]، قال: فولدت له رجلًا فسماه عبد الحارث، ففيه أنزل الله يقول: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ إلى قوله: ﴿جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا﴾ إلى آخر الآية.
وقال العوفي عن ابن عباس: قوله في آدم: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ إلى قوله ﴿فَمَرَّتْ بِهِ﴾ شكت: حملت [¬٤] أم لا؟ ﴿فَلَمَّا أَثْقَلَتْ دَعَوَا اللَّهَ رَبَّهُمَا لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحًا لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ فأتاهما الشيطان، فقال: هل تدريان ما يولد لكما؟ أم هل تدريان ما يكون؟ أبهيمة يكون ة [¬٥] أم لا؟ وزين لهما الباطل، إنه غوي مبين، وقد كانت قبل ذلك ولدت ولدين فماتا، فقال لهما الشيطان: إنكما إن لم تسمياه بي لم يخرج سويًّا، ومات كما مات الأولان [¬٦] فسميا ولدهما عبد الحارث؛ فذلك قول الله تعالى: ﴿فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا﴾ الآية.
وقال عبد الله بن المبارك، عن شريك، عن خصيف، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس في قوله: ﴿فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا﴾ قال: قال الله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا فَلَمَّا تَغَشَّاهَا﴾ آدم، ﴿حَمَلَتْ﴾ آتاهما إبليس لعنه الله، فقال: إني صاحبكما الذي أخرجتكما من الجنة؛ لتطيعانِّي [¬٧] أو لأجعلن له قرني أبل [¬٨]، فيخرج من بطك فيشقه، ولأفعلن ولأفعلن، يخوفهما، فسمياه عبد الحارث، فأبيا أن يطيعاه فخرج ميتًا، ثم حملت، [يعني الثانية، فأتاهما أيضًا فقال: أنا صاحبكما الذي فعلت ما فعلت، لتفعلن أو لأفعلن - يخوفهما - فأبيا أن يطيعاه، فخرج ميتًا، ثم [¬٩] حملت الثالثة، فأتاهما أيضًا فذكر لهما، فأدركهما حب الولد، فسمياه عبد الحارث؛ فذلك قوله تعالى: ﴿جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا﴾. رواه ابن أبي حاتم (٢٩٦).
стр. 2938
وقد تلقى هذا الأثر عن ابن عباس جماعة من أصحابه؛ كمجاهد وسعيد بن جبير وعكرمة. ومن الطبقة الثانية قتادة: السدي وغير واحد من السلف، وجماعة من الخلف، ومن المفسرين من المتأخرين جماعات لا يحصون كثرة، وكأنه - والله أعلم - أصله مأخوذ من أهل الكتاب؛ فإن ابن عباس رواه عن أبي بن كعب، كما رواه ابن أبي حاتم (٢٩٧):
حدّثنا أبي، حدثنا أبو الجماهر، حدثنا سعيد، يعني ابن بشير، عن عقبة، عن قتادة، عن مجاهد، عن ابن عباس، عن أبي بن كعب قال: لما حملت حواء أتاها الشيطان؛ [فقال لها] [¬١]: أتطعيني ويسلم لك ولدك؟ سميه عبد الحارث، فلم تفعل، فولدت فمات، ثم حملت، فقال لها مثل ذلك، فلم تفعل، ثم حملت الثالثة، فجاءها، فقال: إن تطيعيني يسلم؛ وإلا فإنه يكون بهيمة، فهيبهما؛ فأطاعا.
وهذه الآثار يظهر عليها - والله أعلم - أنها من آثار أهل الكتاب، وقد صح الحديث عن رسول الله، ﷺ ، أنه قال: "إذا حدّثكم أهل الكتاب؛ فلا تصدّقوهم ولا تكذبوهم" (٢٩٨).
ثم أخبارهم على ثلاثة أقسام: فمنها ما علمنا صحته بما دل عليه الدليل من كتاب الله أو سنة رسوله، ومنها ما علمنا كذبه بما دل على خلافه من الكتاب والسنة أيضًا، ومنها ما هو مسكوت عنه، فهو المأذون في روايته، بقوله ﵇: "حدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج" (٢٩٩). وهو الذي لا يصدق ولا يكذب، لقوله: "فلا تصدقوهم ولا تكذبوهم".
стр. 2939
وهذا الأثر هو من القسم الثانى أو الثالث؛ فيه نظر، فأما من حدث به من صحابي أو تابعي، فإنه يراه من القسم الثالث، وأما نحن فعلى مذهب الحسن البصري ﵀ في هذا، وأنه ليس المراد من هذا السياق آدم وحواء، وإنما المراد من ذلك المشركون من ذريته، ولهذا قال الله: ﴿فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ ثم قال: [فذكر آدم وحواء أولاً كالتوطئة لما بعدهم من الوالدين، وهو كالاستطراد من ذكر الشخص إلى الجنس، كقوله: ﴿وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ﴾ الآية. ومعلوم أن المصابيح وهي النجوم التي زينت بها السماء ليست هي التي يرمي بها، وإنما هذا استطراد من شخص المصابيح إلى جنسها، ولهذا نظائر في القرآن، والله أعلم] [¬١].
﴿فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (١٩٠) أَيُشْرِكُونَ مَا لَا يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ (١٩١) وَلَا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْرًا وَلَا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ (١٩٢) وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدَى لَا يَتَّبِعُوكُمْ سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنْتُمْ صَامِتُونَ (١٩٣) إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١٩٤) أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا قُلِ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ فَلَا تُنْظِرُونِ (١٩٥) إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ (١٩٦) وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ وَلَا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ (١٩٧) وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدَى لَا يَسْمَعُوا وَتَرَاهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ (١٩٨)﴾
هذا إنكار من الله على المشركين الذين عبدوا مع الله غيره من الأنداد والأصنام والأوثان، وهي مخلوقة لله مربوبة مصنوعة، لا تملك شيئًا من الأمر ولا تضر ولا تنفع، [] [¬٢] ولا تنتصر لعابديها، بل هي جماد لا تتحرك ولا تسمع ولا تبصر، و [¬٣] عابدوها أكمل منها بسمعهم
стр. 2940
وبصرهم وبطشهم؛ ولهذا قال: ﴿أَيُشْرِكُونَ مَا لَا يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾ أي: أتشركون به من المعبودات ما لا يخلق شيئًا، ولا يستطيع ذلك؛ كقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ [¬١] مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ (٧٣) مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ أخبر تعالى [أن آلهتهم لو اجتمعوا كلهم] [¬٢] ما استطاعوا خلق ذبابة، بل لو سلبتهم [¬٣] الذبابة شيئًا من حقير المطاعم وطارت لما استطاعوا [استنقاذ ذلك] [¬٤] منها، فمن هذه صفته وحاله كيف يعبد ليرزق ويستنصر؟ ولهذا قال تعالى: ﴿لَا يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾ أي: بل هم مخلوقون مصنوعون كما قال الخليل: ﴿قَالَ أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ [وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ] [¬٥]﴾.
ثم قال تعالى: ﴿وَلَا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْرًا﴾ أي: لعابديهم، ﴿وَلَا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ﴾ يعني: ولا لأنفسهم ينصرون ممن أرادهم بسوء، كما كان الخليل ﵊ يكسر أصنام قومه، ويهينها غاية الإِهانة، كما أخبر تعالى عنه في قوله: ﴿فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا بِالْيَمِينِ﴾ وقال تعالى: ﴿فَجَعَلَهُمْ جُذَاذًا إِلَّا كَبِيرًا لَهُمْ لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ﴾ وكما كان معاذ ابن عمرو بن الجموح ومعاذ بن جبل ﵄ وكانا شابين قد أسلما، لما قدم رسول الله، ﷺ ، المدينة فكانا يعدوان في الليل على أصنام المشركين، يكسرانها ويتلفانها ويتخذانها حطبًا للأرامل؛ ليعتبر قومهما بذلك، ويرتَئوا لأنفسهم. فكان لعمرو بن الجموح - وكان سيدًا في قومه -[كان له] [¬٦] صنم يعبده ويطبه، فكانا يجيئان في الليل، فينكسانه على رأسه، ويلطخانه بالعذرة، فيجيء عمرو بن الجموح فيرى ما صنع به فيغسله ويطيبه ويضع عنده سيفًا ويقول له: انتصر. ثم يعودان لمثل ذلك، ويعود إلى صنيعه أيضًا، حتى أخذاه مرة، [فقرنا معه جرو] [¬٧] كلب ميت، ودلياه في حبل في بئر هناك، فلما جاء عمرو بن الجموح ورأى ذلك، نظر فعلم أن ما كان عليه من الدين باطل، وقال:
تالله لو كنت إلها مستدن … لم تَكُ والكلبُ جميعًا في قرن (٣٠٠) [¬٨]
стр. 2941
ثم أسلم فحسن إسلامه، وقتل يوم أحد شهيدًا ﵁ وأرضاه، وجعل جنة الفردوس مأواه.
وقوله: ﴿وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدَى لَا يَتَّبِعُوكُمْ [سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنْتُمْ صَامِتُونَ] [¬١]﴾. يعني: أن هذه الأصنام لا تسمع دعاء من دعاها، وسواء لديها من دعاها ومن دحاها. كما قال إبراهيم: ﴿يَاأَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا﴾ ثم ذكر تعالى أنَّها عبيد مثل عابديها، أي مخلوقات مثلهم، بل الأناسي [¬٢] أكمل منها؛ لأنها تسمع وتبصر وتبطش، وتلك لا تفعل شيئًا من ذلك.
وقوله: ﴿قُلِ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ فَلَا تُنْظِرُونِ﴾ ". أي: استنصروا بها على، فلا تؤخروني طرفة عين، واجهدوا جهدكم، ﴿إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ﴾ أي: الله حسبي وكافيَّ [¬٣]، وهو نصيري، وعليه متكلي، واليه ألجأ، وهو وليي في الدنيا والآخرة، وهو ولي كل صالح بعدي، وهذا كما قال هود ﵇ لما [¬٤] قال له قومه: ﴿إِنْ نَقُولُ إِلَّا اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ قَالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (٥٤) مِنْ دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لَا تُنْظِرُونِ (٥٥) إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾. وكقول الخليل: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ (٧٥) أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ (٧٦) فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ (٧٧) الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ﴾ الآيات. وكقوله لأبيه وقومه: ﴿إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ (٢٦) إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ (٢٧) وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾.
وقوله: ﴿وَالَّذِينَ تَدْعُونَ [¬٥] مِنْ دُونِهِ﴾ إلى آخر الآية، مؤكد [¬٦] لما تقدم، إلا أنَّه بصيغة الخطاب، وذاك [¬٧] بصيغة الغيبة، ولهذا قال: ﴿وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ وَلَا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ (١٩٧)﴾.
стр. 2942
وقوله: ﴿وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدَى لَا يَسْمَعُوا وَتَرَاهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ﴾ كقوله تعالى: ﴿إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ [وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ] [¬١]﴾.
وقوله: ﴿وَتَرَاهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ﴾. إنما قال: ﴿يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ﴾ أي: يقابلونك بعيون مصورة كأنها ناظرة وهي جماد، ولهذا عاملهم معاملة من يعقل؛ لأنها على صور مصورة كالإِنسان، وتراهم ينظرون اليك فعبر عنها بضمير من يعقل.
وقال السدي: المراد بهذا: المشركون، وروي عن مجاهد نحوه. والأول أولى. وهو اختيار ابن جرير، وقاله قَتَادة.
﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ (١٩٩) وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٠٠)﴾
قال على بن أبي طلحة عن ابن عبَّاس: قوله: ﴿خُذِ الْعَفْوَ﴾ يعني: خذ ما عفى [¬٢] لك من أموالهم، وما أتوك به من شئ فخذه. وكان هذا قبل أن تنزل براءة بفرائض الصدقات وتفصيلها، وما انتهت إليه الصدقات. قاله السدي.
وقال الضحاك: عن ابن عبَّاس: ﴿خُذِ الْعَفْوَ﴾ أنفق الفضل.
وقال سعيد بن جبير: عن ابن عبَّاس: ﴿خُذِ الْعَفْوَ﴾ قال: الفضل.
وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم في قوله: ﴿خُذِ الْعَفْوَ﴾ أمره الله بالعفو والصفح عن المشركين عشر سنين، ثم أمره بالغلظة [¬٣] عليهم واختار هذا القول ابن جرير.
وقال غير واحد. عن مجاهد في قوله تعالى: ﴿خُذِ الْعَفْوَ﴾ قال: من أخلاق الناس وأعمالهم [من غير تجسس] [¬٤].
وقال هشام بن عروة، عن أبيه: أمر الله رسوله، ﷺ ، أن يأخذ العفو من أخلاق الناس. وفي رواية قال: خذ ما عفي [¬٥] لك من أخلاقهم.
стр. 2943
وفي صحيح البخاري (٣٠١)، عن هشام، عن أبيه عروة، عن أخيه عبد الله بن الزُّبَير، قال: إنما أنزل ﴿خُذِ الْعَفْوَ﴾ من أخلاق الناس، وفي رواية (٣٠٢) لغيره: عن هشام، عن أبيه، عن ابن عمر، وفي رواية (٣٠٣): عن هشام، عن أبيه، عن عائشة أنهما قالا مثل ذلك. والله أعلم.
стр. 2944
وفي رواية سعيد بن منصور (٣٠٤)، عن أبي معاوية، عن هشام، عن وَهْب بن كيسان، عن ابن [¬١] الزُّبَير ﴿خُذِ الْعَفْو﴾ قال: من أخلاق الناس؛ والله لآخذنه منهم ما صحبتهم.
وهذا أشهر الأقوال [¬٢]، ويشهد له ما، رواه ابن جرير وابن أبي حاتم جميعًا (٣٠٥): حدَّثنا يونس، حدَّثنا سفيان - هو ابن عيينة - عن أُميّ قال: لما أنزل الله على نبيه ﷺ : ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ قال رسول الله ﷺ : "ما هذا يا جبريل؟ قال: إن الله أمرك أن كعفو عمن ظلمك، وتعطي من حرمك، وتصل من قطعك".
وقد رواه ابن أبي حاتم أيضًا (٣٠٦)، عن أبي يزيد القراطيسي كتابةً، عن أصبغ بن الفرج، عن سفيان، عن [¬٣] أُميّ، عن الشعبي نحوه، وهذا مرسل على كل حال. وقد روي له شواهد [¬٤]
стр. 2945
من وجوه أخر، وقد روي مرفوعًا عن جابر وقيس بن سعد بن عبادة، عن النبي ﷺ . أسندهما ابن مردويه (٣٠٧).
وقال الإِمام أحمد (٣٠٨): حدَّثنا أَبو المغيرة، [] [¬١]، حدَّثنا معان [¬٢] بن رفاعة، حدثني على ابن يزيد، عَن القاسم عن أبي أمامة الباهلي، عن عقبة بن عامر ﵁ قال: لقيت رسول الله ﷺ فابتدأته فأخذت بيده، فقلت: يا رسول الله أخبرني بفواضل الأعمال فقال: "يا عقبة، صل من قطعك، وأعط من حرمك، وأعرض عمن ظلمك". وروى التِّرمِذي نحوه، من طريق عبيد الله [] [¬٣] بن زَحْر، عن علي بن يزيد به. وقال: حسن.
قلت: ولكن على بن يزيد، وشيخه القاسم أَبو عبد الرحمن فيهما ضعف.