ثم أسلم فحسن إسلامه، وقتل يوم أحد شهيدًا ﵁ وأرضاه، وجعل جنة الفردوس مأواه.
وقوله: ﴿وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدَى لَا يَتَّبِعُوكُمْ [سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنْتُمْ صَامِتُونَ] [¬١]﴾. يعني: أن هذه الأصنام لا تسمع دعاء من دعاها، وسواء لديها من دعاها ومن دحاها. كما قال إبراهيم: ﴿يَاأَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا﴾ ثم ذكر تعالى أنَّها عبيد مثل عابديها، أي مخلوقات مثلهم، بل الأناسي [¬٢] أكمل منها؛ لأنها تسمع وتبصر وتبطش، وتلك لا تفعل شيئًا من ذلك.
وقوله: ﴿قُلِ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ فَلَا تُنْظِرُونِ﴾ ". أي: استنصروا بها على، فلا تؤخروني طرفة عين، واجهدوا جهدكم، ﴿إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ﴾ أي: الله حسبي وكافيَّ [¬٣]، وهو نصيري، وعليه متكلي، واليه ألجأ، وهو وليي في الدنيا والآخرة، وهو ولي كل صالح بعدي، وهذا كما قال هود ﵇ لما [¬٤] قال له قومه: ﴿إِنْ نَقُولُ إِلَّا اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ قَالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (٥٤) مِنْ دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لَا تُنْظِرُونِ (٥٥) إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾. وكقول الخليل: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ (٧٥) أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ (٧٦) فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ (٧٧) الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ﴾ الآيات. وكقوله لأبيه وقومه: ﴿إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ (٢٦) إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ (٢٧) وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾.
وقوله: ﴿وَالَّذِينَ تَدْعُونَ [¬٥] مِنْ دُونِهِ﴾ إلى آخر الآية، مؤكد [¬٦] لما تقدم، إلا أنَّه بصيغة الخطاب، وذاك [¬٧] بصيغة الغيبة، ولهذا قال: ﴿وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ وَلَا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ (١٩٧)﴾.
стр. 2942
وقوله: ﴿وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدَى لَا يَسْمَعُوا وَتَرَاهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ﴾ كقوله تعالى: ﴿إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ [وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ] [¬١]﴾.
وقوله: ﴿وَتَرَاهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ﴾. إنما قال: ﴿يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ﴾ أي: يقابلونك بعيون مصورة كأنها ناظرة وهي جماد، ولهذا عاملهم معاملة من يعقل؛ لأنها على صور مصورة كالإِنسان، وتراهم ينظرون اليك فعبر عنها بضمير من يعقل.
وقال السدي: المراد بهذا: المشركون، وروي عن مجاهد نحوه. والأول أولى. وهو اختيار ابن جرير، وقاله قَتَادة.
﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ (١٩٩) وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٠٠)﴾
قال على بن أبي طلحة عن ابن عبَّاس: قوله: ﴿خُذِ الْعَفْوَ﴾ يعني: خذ ما عفى [¬٢] لك من أموالهم، وما أتوك به من شئ فخذه. وكان هذا قبل أن تنزل براءة بفرائض الصدقات وتفصيلها، وما انتهت إليه الصدقات. قاله السدي.
وقال الضحاك: عن ابن عبَّاس: ﴿خُذِ الْعَفْوَ﴾ أنفق الفضل.
وقال سعيد بن جبير: عن ابن عبَّاس: ﴿خُذِ الْعَفْوَ﴾ قال: الفضل.
وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم في قوله: ﴿خُذِ الْعَفْوَ﴾ أمره الله بالعفو والصفح عن المشركين عشر سنين، ثم أمره بالغلظة [¬٣] عليهم واختار هذا القول ابن جرير.
وقال غير واحد. عن مجاهد في قوله تعالى: ﴿خُذِ الْعَفْوَ﴾ قال: من أخلاق الناس وأعمالهم [من غير تجسس] [¬٤].
وقال هشام بن عروة، عن أبيه: أمر الله رسوله، ﷺ ، أن يأخذ العفو من أخلاق الناس. وفي رواية قال: خذ ما عفي [¬٥] لك من أخلاقهم.
стр. 2943
وفي صحيح البخاري (٣٠١)، عن هشام، عن أبيه عروة، عن أخيه عبد الله بن الزُّبَير، قال: إنما أنزل ﴿خُذِ الْعَفْوَ﴾ من أخلاق الناس، وفي رواية (٣٠٢) لغيره: عن هشام، عن أبيه، عن ابن عمر، وفي رواية (٣٠٣): عن هشام، عن أبيه، عن عائشة أنهما قالا مثل ذلك. والله أعلم.
стр. 2944
وفي رواية سعيد بن منصور (٣٠٤)، عن أبي معاوية، عن هشام، عن وَهْب بن كيسان، عن ابن [¬١] الزُّبَير ﴿خُذِ الْعَفْو﴾ قال: من أخلاق الناس؛ والله لآخذنه منهم ما صحبتهم.
وهذا أشهر الأقوال [¬٢]، ويشهد له ما، رواه ابن جرير وابن أبي حاتم جميعًا (٣٠٥): حدَّثنا يونس، حدَّثنا سفيان - هو ابن عيينة - عن أُميّ قال: لما أنزل الله على نبيه ﷺ : ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ قال رسول الله ﷺ : "ما هذا يا جبريل؟ قال: إن الله أمرك أن كعفو عمن ظلمك، وتعطي من حرمك، وتصل من قطعك".
وقد رواه ابن أبي حاتم أيضًا (٣٠٦)، عن أبي يزيد القراطيسي كتابةً، عن أصبغ بن الفرج، عن سفيان، عن [¬٣] أُميّ، عن الشعبي نحوه، وهذا مرسل على كل حال. وقد روي له شواهد [¬٤]
стр. 2945
من وجوه أخر، وقد روي مرفوعًا عن جابر وقيس بن سعد بن عبادة، عن النبي ﷺ . أسندهما ابن مردويه (٣٠٧).
وقال الإِمام أحمد (٣٠٨): حدَّثنا أَبو المغيرة، [] [¬١]، حدَّثنا معان [¬٢] بن رفاعة، حدثني على ابن يزيد، عَن القاسم عن أبي أمامة الباهلي، عن عقبة بن عامر ﵁ قال: لقيت رسول الله ﷺ فابتدأته فأخذت بيده، فقلت: يا رسول الله أخبرني بفواضل الأعمال فقال: "يا عقبة، صل من قطعك، وأعط من حرمك، وأعرض عمن ظلمك". وروى التِّرمِذي نحوه، من طريق عبيد الله [] [¬٣] بن زَحْر، عن علي بن يزيد به. وقال: حسن.
قلت: ولكن على بن يزيد، وشيخه القاسم أَبو عبد الرحمن فيهما ضعف.
стр. 2946
وقال البخاري (٣٠٩): قوله: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ العرف المعروف؛ حدَّثنا أَبو اليمان، حدَّثنا شعيب، عن الزُّهْريّ، أخبرني عبيد الله بن عبد الله [بن عتبة] [¬١]، أن ابن عبَّاس ﵄ قال: قدم عيينة بن حصن بن حذيفة، فنزل [¬٢] على ابن أخيه الحر بن قيس، وكان من النفر الله - من يدنيهم عمر، وكان القراء أصحاب مجالس عمر ومشاورته كهولًا كانوا أو [¬٣] شبانًا؛ فقال عيينة لابن أخيه: يا ابن أخى، لك وجه عند هذا الأمير، فاستأذن لي عليه، قال: سأستأذن لك عليه، قال ابن عبَّاس: فاستأذن الحر لعيينة، فأذن له عمر، [فلما دخل] [¬٤] عليه، قال: هِيّ يا ابن الخطاب، فوالله ما تعطينا الجزل، ولا تحكم بيننا بالعدل. فغضب عمر حتَّى هم أن يوقع به، فقال له الحر: يا أمير المؤمنين، [إن الله تعالى قال] [¬٥] لنبيه ﷺ : ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾، وإن هذا من الجاهلين. والله ما جاوزها عمر حين تلاها عليه، وكان وقّافًا عند كتاب الله . انفرد بإخراجه البخاري.
وقال ابن أبي حاتم (٣١٠): حدَّثنا يونس بن عبد الأعلى قراءة، أخبرنا ابن وَهْب، أخبرني مالك بن أنس، عن عبد الله بن نافع، أن سالم بن عبد الله بن عمر مر على عير لأهل الشام، وفيها جرس، فقال: إن [¬٦] هذا منهي [¬٧] عنه؛ فقالوا نحن أعلم بهذا منك، إنما يكره الجلجل الكبير، فأما مثل هذا فلا بأس به. فسكت سالم وقال: ﴿وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾.
وقول البخاري العرف المعروف نص عليه عروة بن الزُّبَير والسدي وقَتَادة وابن جرير وغير واحد، وحكى ابن جرير أنه يقال: أوليته [معروفًا] [¬٨] وعارفا وعارفة، كل ذلك بمعنى المعروف. قال: وقد أمر الله نبيه، ﷺ ، أن يأمر عباده بالمعروف، ويدخل في ذلك جميع الطاعات، وبالإِعراض عن الجاهلين وذلك وإن كان أمرًا لنبيه، ﷺ ، فإنه تأديب
стр. 2947
لخلقه باحتمال من ظلمهم واعتدى عليهم، لا بالإِعراض عمن جهل الحق الواجب من حق الله، ولا بالصفح عمن كفر بالله وجهل وحدانيته، وهو للمسلمين حرب.
وقال سعيد بن أبي عروبة، عن قَتَادة في قوله: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ قال: هذه أخلاق أمر الله بها نبيه، ﷺ ، ودله عليها وقد أخذ بعض الحكماء هذا المعنى فسبكه في بيتين فيهما [¬١] جناس فقال:
خُذِ العفوَ وَأْمُرْ بعُرْفٍ [¬٢] كما … أُمِرْتَ وَأَعْرِض عن الجاهلينْ
وَلِنْ في الكلام لكل الأنام … فمستحسنٌ مِن ذَوِي الجاه لين
وقال بعض العلماء: الناس رجلان: فرجل محسن، فخذ ما عفا لك من إحسانه، ولا تكلفه فوق طاقته، ولا ما يحرجه. وإما مسيء، فمره بالمعروف، فإن تمادى على ضلاله واستعصى عليك واستمر في جهله فأعرض عنه؛ فلعل ذلك أن يرد كيده، كما قال تعالى: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ (٩٦) وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ (٩٧) وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ﴾، [وقال تعالى: ﴿وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ] [¬٣] * وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ أي هذه الوصية. ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾، [وقال في هذه السورة الكريمة أيضًا: ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾] [¬٤] فهذه الآيات الثلاث في الأعراف، والمؤمنون، وحم السجدة، لا رابع لهن، فإنه تعالى يرشد فيهن إلى معاملة المعاصي من الإنس [¬٥] بالمعروف فالتي [¬٦] هي أحسن، فإن ذلك يكفه عما هو فيه من التمرد بإذنه تعالى، [ولهذَا قال: ﴿فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾، ثم يرشد تعالى إلى الاستعاذة به] [¬٧] من شيطان الجان، فإنه لا [يكفه عنك] [¬٨] الإحسان، وإنَّما يريد هلاكك ودمارك بالكلية، فإنه عدو مبين لك ولأبيك من قبلك.
قال ابن جرير في تفسير قوله: ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ﴾ وإما يغضبنك من الشيطان غضب، يصدك عن الإِعراض عن الجاهلين [¬٩]، ويحملك على مجازاتهم ﴿فَاسْتَعِذْ
стр. 2948
بِاللَّهِ﴾ يقول: فاستجر بالله من نزغه ﴿إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾، [يقول: إن الله الذي تستعيذ به من نزغ الشيطان] [¬١] سميع لجهل الجاهل عليك، والاستعاذة به من نزغه، ولغير [¬٢] ذلك من [كلام خلقه] [¬٣]، لا يخفى عليه منه شيء، عليم بما يذهب عنك نزغ الشيطان، وغير ذلك من أمور خلقه.
وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم (٣١١): لما نزل: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ قال [رسول إنله ﷺ ] [¬٤]: "يا رب كيف بالغضب"؟ فأنزل الله: ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾.
قلت: وقد تقدم (٣١٢) في أول الاستعاذة حديث الرجلين اللذين تسابا بحضرة النبي ﷺ فغضب أحدهما حتَّى جعل أنفه يتمزع [¬٥] غضبًا، فقال رسول الله ﷺ : "إني لأعلم كلمة لو قالي لذهب عنه ما يجد: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم" فقيل له، فقال: ما بي من جنون.
وأصل "النزغ" الفساد، إما بالغضب أو غيره، قال الله تعالى: ﴿وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ﴾. و"العياذ" الالتجاء والاستناد والاستجارة من الشر. وأما "الملاذ" ففي طلب الخير، كما قال [الحسن بن المتنبي] [¬٦] في شعره] [¬٧]
يا مَنْ ألوذ به فيما أُؤَمِّلُهُ … ومن أعوذ به مما أحاذره
لا يجبر الناسُ عَظْمًا أنت كاسره … ولا يَهِيضون عظمًا أنت جابره
وقد قدمنا أحاديث الاستعاذة في أول التفسير، بما أغنى عن إعادته هاهنا.
﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ
стр. 2949
﴿مُبْصِرُونَ (٢٠١) وَإِخْوَانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الْغَيِّ ثُمَّ لَا يُقْصِرُونَ (٢٠٢)﴾
يخبر تعالى عن المتقين من عباده الذين أطاعوه فيما أمر، وتركوا ما عنه زجر، أنهم ﴿إِذَا مَسَّهُمْ﴾ أي: أصابهم (طيف)، وقرأ الآخرون [¬١] ﴿طَائِفٌ﴾ (٣١٣)، وقد جاء فيه حديث (٣١٤)، وهما قراءتان مشهورتان، فقيل: بمعنى واحد، وقيل: بينهما فرق، ومنهم من فسر ذلك بالغضب، ومنهم من فسره بمس الشيطان بالصح ونحوه، ومنهم من فسره بالهم بالذنب، ومنهم من فسره بإصابة الذنب.
وقوله: ﴿تَذَكَّرُوا﴾ أي: عقاب الله وجزيل ثوابه، ووعده ووعيده، فتابوا وأنابوا، واستعاذوا [¬٢] بالله ورجعوا إليه من قريب، ﴿فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ﴾ أي: قد استقاموا وصحوا مما كانوا فيه.
وقد أورد الحافظ أبو بكر بن مردويه (٣١٥) هاهنا حديث محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة ﵁ قال: جاءت امرأة إلى النبيّ ﷺ وبها طيف فقالت: يا رسول الله، ادع الله أن يشفيني، فقال: "إن شئت دعوت الله فشفاك، وإن شئت
стр. 2950
فاصبري ولا حساب عليك". فقالت: بل أصبر ولا حساب عليَّ.
ورواه غير واحد من أهل السنن (٣١٦) وعندهم: قالت: يا رسول الله، إني أُصْرَعُ وأتكشَّف؛ فادع الله أن يشفيني. فقال: "إن شئت دعوت الله أن يشفيك، إن شئت صبرت ولك الجنَّةَ" فقالت: بل أصبر ولي الجنَّةَ، ولكن ادع الله أن لا أتكشف، فدعا لها، فكانت لا تتكشف [¬١].
وأخرجه الحاكم في مستدركه، وقال: صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه.
وقد ذكر الحافظ ابن عساكر في ترجمة "عمرو بن جامع" من تاريخه [¬٢]: أن شابًّا كان يتعبد في المسجد، فَهَويته امرأة، فدعته إلى نفسها، فما [¬٣] زالت به حتَّى كاد يدخل معها المنزل؛ فذكر هذه الآية: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ [¬٤] مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ﴾ فخرَّ مغشيًّا عليه، ثم أفاق فأعادها، فمات، فجاء عُمَر فعزَّى فيه أباه، وكان قد دفن ليلًا، فذهب فصلى على قبره بمن معه، ثم ناداه عمر فقال: يا فتى ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾، فأجابه الفتى من داخل القبر: يا عمر، قد أعطانيهما [¬٥] ربي في الجنَّةَ مرتين.
وقوله تعالى: ﴿وَإِخْوَانُهُمْ﴾ أي: وإخوان الشياطين من الإِنس، كقوله: ﴿إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ﴾ [من الإنس] [¬٦] وهم أتباعهم، والمستمعون [¬٧] لهم، القابلون [¬٨] لأوامرهم، ﴿يَمُدُّونَهُمْ [¬٩] فِي الْغَيِّ﴾ أي: تساعدهم الشياطين على المعاصي وتسهلها عليهم وتحسنها لهم.
وقال ابن كثيم [¬١٠]: "المد": الزِّيادة، يعني: يزيدونهم في الغي، يعني: الجهل والسفه.
стр. 2951
﴿ثم لا يقصرون﴾ قيل معناه: إن الشياطين [تمد، و] [¬١] الإِنس لا تقصر [¬٢] في أعمالهم بذلك، كما قال على بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله: ﴿وَإِخْوَانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الْغَيِّ ثُمَّ لَا يُقْصِرُونَ (٢٠٢)﴾ الآية قال: لا الإِنس يقصرون عما يعملون [من السيئات] [¬٣]، ولا الشياطين تمسك عنهم.
وقيل: معناه كما رواه العوفي، عن ابن عباس في قوله: ﴿يَمُدُّونَهُمْ فِي الْغَيِّ ثُمَّ لَا يُقْصِرُونَ (٢٠٢)﴾ قال: هم [¬٤] الجن يوحون إلى أوليائهم من الإِنس ﴿ثُمَّ لَا يُقْصِرُونَ﴾، يقول: لا يسأمون.
وكذا قال السُّدي وغيره: يعني [¬٥] إن الشياطين يمدون [¬٦] أولياءهم من الإنس، ولا تسأم من إمدادهم من الشر؛ لأن ذلك طبيعة لهم وسجية لا تفتر [¬٧] فيه ولا تَبْطُل [¬٨] عنه، كما قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا﴾ قال ابن عباس وغيره: تزعجهم إلى المعاصي إزعاجًا.
﴿وَإِذَا لَمْ تَأْتِهِمْ بِآيَةٍ قَالُوا لَوْلَا اجْتَبَيْتَهَا قُلْ إِنَّمَا أَتَّبِعُ مَا يُوحَى إِلَيَّ مِنْ رَبِّي هَذَا بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٢٠٣)﴾
قال على بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿قَالُوا لَوْلَا اجْتَبَيْتَهَا﴾، يقول: لولا تلقيتها. وقال مرة أخرى: لولا أحدَثْتها فأنشأتها.
وقال ابن جرير (٣١٧)، عن عبد الله بن كثير، عن مجاهد في قوله: ﴿وَإِذَا لَمْ تَأْتِهِمْ بِآيَةٍ قَالُوا لَوْلَا اجْتَبَيْتَهَا﴾ قال: لولا اقتضبتها [¬٩]، قالوا: تخرجها من نفسك. وكذا قال قتادة والسدي وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم، واختاره ابن جرير.
стр. 2952
وقال العوفي، عن ابن عباس: ﴿لَوْلَا اجْتَبَيْتَهَا﴾ يقول: تلقيتها من الله تعالى.
وقال الضحاك: ﴿لَوْلَا اجْتَبَيْتَهَا﴾ يقول: لولا أخذتها أنت فجئت بها من السماء.
ومعنى قوله تعالى: ﴿وَإِذَا لَمْ تَأْتِهِمْ بِآيَةٍ﴾ أي: معجزة وخارق، كما قال تعالى: ﴿إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ (٤)﴾، يقولون للرسول ﷺ : لا تجهد نفسك في طلب الآيات حتى نراها ونؤمن بها، قال الله تعالى له: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَتَّبِعُ مَا يُوحَى إِلَيَّ مِنْ رَبِّي﴾ أي: أنا لا أتقدم إليه تعالى في شيء [¬١]، وإنما أتبع ما أمرني به، فأمتثل ما يوحيه إلي؛ فإن بعث آية قبلتها، و إن منعها لم أسأله ابتداءً إياها، إلا أن يأذن لي في ذلك، فإنه حكيم عليم.
ثم أرشدهم إلى أن هذا القرآن هو أعظم المعجزات، وأبين الدلالات، وأصدق الحجج والبينات، فقال: ﴿هَذَا بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾.
﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (٢٠٤)﴾
لما ذكر تعالى أن القرآن بصائر للناس وهدًة ورحمة، أمر تعالى بالإنصات عند تلاوته إعظامًا له واحترامًا، لا كما كان يعتمده [¬٢] كفار قريش المشركون [¬٣] في قولهم: ﴿لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ﴾. ولكن يتأكد ذلك في الصلاة المكتوبة إذا جهر الإِمام بالقراءة، كما ورد الحديث الذي رواه مسلم في صحيحه (٣١٨) من حديث أبي موسى الأشعري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إنما جعل الإِمام ليؤتم به؛ فإذا كبر فكبروا، وإذا
стр. 2953
قرأ فأنصتوا". وكذا رواه أهل السنن [¬١] من حديث أبي هريرة (٣١٩)، وصححه مسلم بن الحجاج
стр. 2954
أيضًا، ولم يخرجه في كتابه. وقال إبراهيم بن مسلم الهجري (٣٢٠)، عن أبي عياض، عن أبي
стр. 2955
هريرة قال: كانوا يتكلمون في الصلاة، فلما نزلت هذه الآية: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ﴾، والآية الأخرى، أمروا بالإِنصات.
وقال ابن جرير (٣٢١): حدثنا أبو كريب، حدثنا أبو بكر بن عياش، عن عاصم، عن المسيب ابن رافع، قال ابن مسعود: كنا [يسلم بعضنا على] [¬١]- بعض في الصلاة، فجاء القرآن ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (٢٠٤)﴾.
وقال أيضًا (٣٢٢): حدثنا أبو كريب، حدثنا المحاربي، عن داود بن أبي هند، عن [يسير] [¬٢] ابن جابر، قال: صلي ابن مسعود فسمع ناسًا يقرءون مع الإِمام، فلما انصرف قال: أما آن لكم أن تفهموا أما آن لكم أن تعقلوا ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا﴾، كما أمركم الله.
قال (٣٢٣): وحدثني أبو السائب، حدثنا حفص، عن أشعث، عن الزهري قال: نزلت هذه
стр. 2956
الآية في فتي من الأنصار كان رسول الله ﷺ كلما قرأ شيئًا قرأه؛ فنزلت: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا﴾.
وقد روي الإِمام أحمد وأهل السنن (٣٢٤)، من حديث الزهري، عن أبي أكيمة [¬١] الليثي، عن أبي هريرة أن رسول الله، ﷺ ، انصرف من صلاة جَهَرَ فيها بالقراءة، فقال: "هل قرأ أحد منكم معي آنفًا" [قال رجل: نعم، يا رسول الله، قال: "إني أقول مالي أُنازَع القرآن] [¬٢] ". قال: فانتهي الناس عن القراءة مع رسول الله، ﷺ ، [فيما جهر فيه سول الله، ﷺ ] [¬٣] بالقراءة من الصلوات، حين سمعوا ذلك من رسول الله ﷺ .
وقال الترمذي: هذا حديث حسن. [وصححه أبو حاتم الرازي] [¬٤].
وقال عبد الله بن المبارك، عن يونس، عن الزهري قال: لا يقرأ مَن وراء الإِمام فيما يجهر به الإِمام، تكفيهم قراءة الإِمام، وإن لم يسمعهم صوته، ولكنهم يقرءون [¬٥] فيما لا يجهر به سرًّا
стр. 2957
في أنفسهم، ولا يصلح لأحد خلفه أن يقرأ معه فيما يجهر به سرًّا ولا علانية، فإن الله تعالى قال: ﴿وَإِذَا [¬١] قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (٢٠٤)﴾.
قلت: هذا مذهب طائفة من العلماء: أن المأموم لا يجب عليه في الصلاة الجهرية قراءة فيما جهر فيه الإِمام، لا الفاتحة ولا غيرها، وهو أحد قولي الشافعي [¬٢]، وهو القديم، كمذهب مالك، ورواية عن أحمد بن حنبل، لما ذكرناه من الأدلة المتقدمة. و [¬٣] قال في الجديد: يقرأ الفاتحة فقط في سكتات الإِمام. وهو قول طائفة من الصحابة والتابعين فمن بعدهم. وقال أبو حنيفة وأحمد بن حنبل: لا يجب على المأموم قراءة أصلًا في السرية ولا الجهرية؛ لما ورد في الحديث "من كان له إمام فقراءته له قراءة". وهذا الحديث رواه الإمام أحمد في مسنده عن جابر مرفوعًا، وهو في موطأ مالك عن وهب بن كيسان، عن جابر موقوفًا، وهذا أصح (٣٢٥) وهذه المسألة مبسوطة في غير هذا الموضع، وقد أفرد لها الإمام أبو عبد الله البخاري [¬٤] مصنفًا على حدة، واختار وجوب القراءة خلف الإِمام في السرية والجهرية أيضًا، والله أعلم.
وقال على بن أبي طلحة، عن ابن عباس في قوله: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا﴾، يعني: في الصلاة المفروضة. وكذا روي عن عبد الله بن المغفل.
وقال ابن جرير (٣٢٦): حدثنا حميد بن مسعدة، حدثنا بشر بن المفضل، حدثنا الجريري، عن طلحة بن عبيد الله بن كريز قال: رأيت عبيد بن عمير وعطاء بن أبي رباح يتحدثان، والقاص يقص، فقلت: ألا تستمعان [¬٥] [إلى الذكر] [¬٦] وتستوجبان الموعود؟ قال: فنظرا إليّ، ثم أقبلا على حديثهما، قال: فأعدت، فنظرا إلى وأقبلا على حديثهما، قال: [فأعدت الثالثة] [¬٧] فنظرا إلي فقالا: إنما ذلك في الصلاة: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا﴾.
وقال سفيان الثوري، عن أبي هاشم إسماعيل بن كثير، عن مجاهد في قوله: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا﴾ قال: في الصلاة. وكذا رواه غير واحد عن مجاهد.
وقال عبد الرزاق، عن الثوري، عن ليث، عن مجاهد قال: لا بأس إذا قرأ الرجل في غير
стр. 2958
الصلاة أن يتكلم.
وكذا قال سعيد بن جبير والضحاك وإبراهيم النخعي وقتادة والشعبي والسدي وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم: أن المراد بذلك في الصلاة.
وقال شعبة، عن منصور، سمعت [إبراهيم بن أبي حُرَّة] [¬١] يحدث، أنه سمع مجاهدًا يقول في هذه الآية: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا﴾ قال: في الصلاة والخطبة يوم الجمعة.
وكذا روي ابن جريج عن عطاء مثله.
وقال هشيم، عن الربيع بن صبيح، عن الحسن قال: في الصلاة وعند الذكر.
وقال ابن المبارك، عن بقية، سمعت ثابت بن عجلان يقول: سمعت سعيد بن جبير يقول في قوله: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا﴾ قال: الإِنصات يوم الأضحي، ويوم الفطر، ويوم الجمعة، وفيما يجهر به الإِمام من الصلاة.
وهذا اختيار ابن جرير [¬٢]، أن المراد بذلك خلف الإمام وحال الخطة.
وقال عبد الرزاق، عن الثوري، عن ليث، عن مجاهد، أنه كره إذا مر الإِمام بآية خوف، أو بآية رحمة، أن يقول أحد من خلفه شيئًا، قال: السكوت.
وقال مبارك بن فضالة، عن الحسن: إذا جلست إلى القرآن فأنصت له.
وقال الإِمام أحمد (٣٢٧): حدثنا أبو سعيد مولي بني هاشم، حدثنا عباد بن ميسرة، عن
стр. 2959
الحسن، عن أبي هريرة ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: "من استمع إلى آية من كتاب الله كبت له حسنة مضاعفة، ومن تلاها كانت له نورًا يوم القيامة". تفرد به الإمام أحمد رحمه الله تعالى.
﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ وَلَا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ (٢٠٥) إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ (٢٠٦)﴾
يأمر تعالى بذكره أول النهار وآخره، كما أمر بعبادته في هذين الرقتين في قوله: ﴿وَسَبِّحْ [¬١] بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ﴾. وقد كان هذا [¬٢] قبل أن تفرض الصدوات الخمس ليلة الإسراء وهذه الآية مكية.
وقال هاهنا: ﴿بِالْغُدُوِّ﴾ وهو أول [¬٣] النهار، ﴿وَالْآصَالِ﴾ جمع أصيل، كما أن الأيمان جمع يمين.
وأما قوله: ﴿تَضَرُّعًا وَخِيفَةً [¬٤]﴾ أي: اذكر ربك في نفسك، [رهبة ورغبة] [¬٥] وبالقول لا جهرًا، ولهذا قال: ﴿وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ﴾، وهكذا يُستحب أن يكون الذكر، لا يكون نداء وجهرًا بليغًا، ولهذا لما سألوا رسول الله ﷺ فقالوا (٣٢٨): أقريب ربنا فنناجيه أم بعيد فنناديه؟؟ فأنزل الله : ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ] [¬٦]﴾.
وفي الصحيحين (٣٢٩) عن أبي موسى الأشعري ﵁ قال: رفع الناس أصواتهم
стр. 2960
بالدعاء في بعض الأسفار؛ فقال لهم النبي ﷺ : "يا [¬١] أيها الناس؛ أربعوا على أنفسكم؛ فإنكم لا تدعون أصم ولا غائبًا، إن الذي تدعونه سميع قريب".
وقد يكون المراد من هذه الآية كما في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا﴾، فإن المشركين كانوا إذا سمعوا القرآن سبوه، وسبوا من أنزله ومن جاء به، فأمره [¬٢] الله تعالى أن لا يجهر به؛ لئلا ينال منه المشركون، ولا يخافت به [¬٣] عن أصحابه فلا يسمعهم، وليتخذ سبيلًا بين الجهر والإِسرار، وكذا قال في هذه الآية الكريمة: ﴿وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ وَلَا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ (٢٠٥)﴾.
وقد زعم ابن جرير [¬٤]، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم قبله: أن المراد بهذه الآية: أمر السامع للقرآن في حال استماعه بالذكر على هذه الصفة، وهذا بعيد مناف للإِنصات المأمور به، ثم إن [¬٥] المراد [] [¬٦] بذلك في الصلاة كما تقدم، أو في [¬٧] الصلاة والخطبة، ومعلوم أن الإِنصات إذ ذاك أفضل من الذكر [باللسان، سواء كان سرًّا أو جهرًا، فهذا الذي قالاه لم يتابعا عليه، بل المراد الحض على كثرة الذكر] [¬٨] من العباد بالغدو والآصال؛ لئلا يكونوا من الغافلين، ولهذا مدح الملائكة الذين يسبحون الليل والنهار لا يفترون؛ فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ﴾. وإنما ذكرهم بهذا ليُتشَبَّه بهم في كثرة طاعتهم وعبادتهم؛ ولهذا شرع [¬٩] لنا السجود هاهنا لما ذكر سجودهم لله ، كما جاء في الحديث (٣٣٠): " ألا تَصفّون كما تصف الملائكة [¬١٠] عند ربها، يُتمون الصفوف الأوَل، ويتراصون في الصف".
стр. 2961
وهذه أول سجدة فى القرآن، مما يشرع لتاليها ومستمعيها السجود بالإجماع، وقد ورد في حديث رواه ابن ماجة (٣٣١) عن أبي الدرداء، عن النبي صلى الله عليه: سلم، أنه عدها في
стр. 2962
سجدات القرآن.
آخر سورة الأعراف، ولله الحمد والمنة
* * *
انتهى بحمد الله وحسن توفيقه المجلد السادس
ويليه إن شاء الله تعالى المجلد السابع
وأوله سورة الأنفال
стр. 2963
تفسير سورة الأنفال
وهي مدنية
آياتها: سبعون [¬١] وست آيات، كلماتها: ألف كلمة، وستمائة كلمة، وإحدى وثلاثون كلمة، حروفها: خمسة آلاف ومئتان، وأربعة وتسعون حرفًا، والله أعلم.
﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١)﴾
قال البخاري (١): قال ابن عباس: ﴿الْأَنْفَالِ﴾ الغنائم. حدثنا محمد بن عبد الرحيم، حدثنا سعيد بن سليمان، أخبرنا [¬٢] هُشيم، أخبرنا أبو بشر، عن سعيد بن جبير، قال: قلت لابن عباس، ﵄: سورة الأنفال؟ قال: نزلت في بدر. أما ما علَّقه عن ابن عباس، فكذلك رواه على بن أبي طلحة، عن ابن عباس (٢) أنه قال: ﴿الْأَنْفَالِ﴾ الغنائم، كانت لرسول الله، ﷺ ، خالصة، ليس لأحد منها شيء. وكذا قال مجاهد، وعكرمة، وعطاء، والضحاك، وقتادة، وعطاء الخراساني، ومقاتل بن حيان، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم وغير واحد: إنها الغنائم (٣). وقال الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس (٤) أنه قال: ﴿الْأَنْفَالِ﴾ المغانم [¬٣]، قال فيها لبيد [¬٤]:
إنّ تقوى ربنا خيرُ نَفَلْ … وبإذن الله رَيثي وَعَجَلْ (٥)
وقال ابن جرير (٦): حدثني يونس، أخبرنا ابن وهب، أخبرني مالك بن أنس، عن ابن
стр. 2964
شهاب، عن القاسم بن محمد قال: سمعت رجلًا يسأل ابن عباس عن ﴿الْأَنْفَالِ﴾ فقال ابن عباس، ﵄: الفرس من النَّفَل، والسلَب من النفل. ثم عاد لمسألته، فقال ابن عباس ذلك أيضًا. ثم قال الرجل: ﴿الْأَنْفَالِ﴾ التي قال الله في كتابه، ما هي؟ قال القاسم: فلم يزل يسأله حتى كاد يُحرجه، فقال ابن عباس: أتدرون ما مثل هذا؟ مثل صبيغ الذي ضربه عمر بن الخطاب.
وقال عبد الرزاق (٧): أخبرنا معمر، عن الزهري، عن القاسم بن محمد قال: قال ابن عباس: كان عمر بن الخطاب، ﵁، إذا سئل عن شيء قال: لا آمرك ولا أنهاك. ثم قال ابن عباس: والله ما بعث الله نبيه، ﷺ ، إلا زاجرًا آمرًا محلًّا محرمًا. قال القاسم: فسُلِّط على ابن عباس رجل، يسأله [¬١] عن الأنفال، فقال ابن عباس: كان الرجل يُنَفَّل فرس الرجل وسلاحه، فأعاد عليه الرجل، فقال له مثل ذلك، ثم أعاد عليه حتى أغضبه، فقال ابن عباس: أتدرون ما مَثَل هذا؟ مثل صبيغ الذي ضربه عمر ابن الخطاب، حتى سالت الدماء على [¬٢] عقبيه - أو على رجليه - فقال الرجل: أما أنت فقد انتقم الله لعمر منك.
وهذا إسناد صحيح إلى ابن عباس، أنه فسر النفل بما ينفله الإِمام لبعض الأشخاص من سَلَب أو نحوه، بعد قَشم أصل المغنم، وهو المتبادر إلى فهم كثير من الفقهاء من لفظ النفَل، والله أعلم.
وقال ابن أبي نجيح (٨): عن مجاهد: إنهم سألوا رسول الله، ﷺ ، عن الخُمْس بعد الأربعة الأخماس، فنزلت: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ﴾.
وقال ابن مسعود ومسروق: لَا نفَل يوم الزحف، إنما النفل قبل التقاء الصفوف [¬٣]. رواه ابن أبي حاتم عنهما.
وقال ابن المبارك وغير واحد، عن عبد الملك بن أبي سليمان، عن عطاء بن أبي رباح:
стр. 2965
﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ﴾ قال: يسألونك فيما شذ من المشركين إلى المسلمين في غير قتال، من دابة، أو عبد، أو أمة، أو متاع، فهو نفل للنبي، ﷺ ، يصنع به ما يشاء.
رهذا يقتضي أنه فسر الأنفال بالفيء وهو ما أخذ من الكفار من غير قتال.
قال ابن جرير (٩): وقال آخرون: هي أنفال السرايا.
حدثني الحارث، حدثنا عبد العزيز، حدثنا على بن صالح بن حيّ قال: بلغني في قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ﴾ قال: السرايا.
ويعني هذا ما ينفله الإمام لبعض السرايا زيادة على قَشمهم مع بقية الجيش، وقد صرح بذلك الشعبي، واختار ابنَ جرير أنها الزيادات على القسم، ويشهد لذلك ما ورد في سبب نزول الآية، وهو ما رواه الإِمام أحمد حيث قال (١٠):
حدثنا أبو معاوية، حدثنا أبو إسحاق الشيباني، عن محمد بن عبيد الله الثقفي، عن سعد بن أبي وقاص قال: لما كان يوم بدر، وقتل أخي عمير، وقتلت سعيد بن العاص وأخذت سيفه، وكان يسمى: "ذا الكتيفَة (١١) "، فأتيت به النبي، ﷺ ، فقال: "اذهب فاطرحه في القَبَض (١٢) "، قال: فرجعت ربي ما لا يعلمه إلا الله، من قتل أخي وأخذ سلبي، قال: فما حاوزت إلا يسيرًا، حتى نزلت سورة الأنفال، فقال لي رسول الله، صلى الله عليه ومسلم، "اذهب فخذ سيفك".
وقال الإمام أحمد أيضًا (١٣): حدثنا أسود بن عامر، أخبرنا أبو بكر، عن عاصم بن أبي النجود، عن مصعب بن سعد، عن سعد بن مالك قال: قلت: يا رسول الله، قد شفانى الله اليوم من المشركين، فهب لي هذا السيف، فقال: "إن هذا السيف لا لك ولا لي، ضعه" قال: فوضعته، ثم رجعت فقلت. عسى أن يعطي هذا السيف اليوم من
стр. 2966
لا يبلي بلائي، قال: إذا [¬١] رجل يدعوني من ورائي، قال: قلت: قد أنزل الله في شيئًا؟ قال: كنت سألتني السيف، وليس هو لي، وإنه قد وهب لي، فهو لك. قال: وأنزل الله هذه الآية: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾.
ورواه أبو داود، والترمذي، والنسائي، من طرق عن أبي بكر بن عياش، به. وقال الترمذي: حسن صحيح.
وهكذا رواه أبو داود الطيالسي (١٤): أخبرنا شعبة، أخبرنا سماك بن حرب، قال: سمعت مصعب بن سعد، يحدث عن سعد، قال: نزلت فيَّ أربع آيات: أصبت سيفًا يوم بدر، فأتيت النبي، ﷺ ، فقلت: نَفِّلْنِيهِ، فقال: "ضعه من حيث أخذته"، مرتين، ثم عاودته فقال النبي ﷺ : "ضعه من حيث أخذته"، فنزلت هذه الآية: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ﴾.
وتمام الحديث في نزول: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا﴾، وقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ﴾، وآية الوصية. وقد رواه مسلم في صحيحه من حديث شعبة به (١٥).
وقال محمد بن إسحاق (١٦): حدثني عبد الله بن أبي بكر، عن بعض بنى ساعدة قال: سمعت أبا أسيد مالك بن ربيعة يقول: أصبت سيف ابن عائذ يوم بدر، وكان السيف يدعى بالمرزبان، فلما أمر رسول الله، ﷺ ، الناس أن يردوا ما في أيديهم من النفَل، أقبلت به فألقيته في النفل، وكان رسول الله، ﷺ ، لا يمنع شيئًا يُسأله، فرآه الأرقم بن أبي الأرقم المخزومي، فسأله رسول الله، ﷺ ، فأعطاه، إياه.
ورواه ابن جرير من وجه آخر (١٧).
стр. 2967
(سبب آخر في نزول الآية)
وقال الإِمام أحمد (١٨): حدثنا محمد بن سلمة، عن ابن إسحاق، عن عبد الرحمن، عن سليمان بن موسى، عن مكحول، عن أبي أمامة قال: سألت عبادة عن الأنفال، فقال: فينا - أصحاب بدر - نزلت، حين اختلفنا في النفل، وساءت فيه أخلاقنا، فانتزعه الله من أيدينا، وجعله إلى رسول الله، ﷺ ، فقسمه رسول الله، ﷺ ، بين المسلمين عن بواء - يقول: عن سواء.
وقال الإِمام أحمد أيضًا (١٩): حدثنا معاوية بن عمرو، أخبرنا أبو إسحاق، عن عبد الرحمن بن الحارث بن عبد الله بن عياش [¬١] بن أبي ربيعة، عن سليمان بن موسى، عن أبي سلام، عن أبي أمامة، عن عبادة بن الصامت قال: خرجنا مع رسول الله، ﷺ ، فشهدت معه بدرًا، فالتقى الناس، فهزم الله تعالى العدو، فانطلقت طائفة في آثارهم يهزمون ويقتلون، وأكَبَّت طائفة على العسكر يحوونه ويجمعونه، وأحدقت طائفة برسول الله، ﷺ ، لا يصيب العدو منه غرة، حتى إذا كان الليل، وفاء الناس بعضهم إلى بعض، قال الذين جمعوا الغنائم: نحن حويناها، فليس لأحد فيها نصيب، وقال الذين خرجوا في طلب العدو: لستم بأحق به منا، نحن منعنا عنها العدو وهزمناهم، وقال الذين أحدقوا برسول الله ﷺ : [لستم أحق بها منا، نحن أحدقنا برسول الله ﷺ ، و] [¬٢] خفنا أن يصيب العدو منه غرة، فاشتغلنا به، فنزلت: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ﴾، فقسمها رسول الله، ﷺ ، بين المسلمين، وكان رسول الله، ﷺ ، إذا أغار في أرض العدو نفل الربع، فإذا أقبل -[وكلّ الناس] [¬٣]- راجعًا، نفل الثلث، وكان يكره الأنفال [ويقول: "ليرد قَويُّ المؤمنين على ضعيفهم] [¬٤] ".
стр. 2968
ورواه الترمذي (٢٠) وابن ماجة، من حديث سفيان الثوري، عن عبد الرحمن بن الحارث، له نحوه. وقال الترمذي: هذا حديث حسن.
ورواه ابن حبان في صحيحه، والحاكم في مستدركه، من حديث عبد الرحمن بن الحارث، وقال الحاكم: صحيح الإِسناد على شرط مسلم ولم يخرجاه.
وروى أبو داود، والنسائي، وابن جرير، وابن مردويه (٢١) - واللفظ له - وابن حبان، والحاكم من طرق، عن داود بن أبي هند، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: لما كان يوم بدر، قال رسول الله ﷺ : "من صنع كذا وكذا فله كذا وكذا" فتسارع [¬١] في ذلك شبان الرجال، وبقي الشيوخ تحت الرايات، فلما كانت المغانم جاءوا يطبون الذي جعل لهم، فقال الشيوخ: لا تستأثروا علينا، فإنا كنَّا ردءًا لكم، لو انكشفتم لفئتِم إلينا، فتنازعوا، فأنزل الله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ﴾ إلى قوله: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾.
وقال الثوري (٢٢)، عن الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس قال: لما كان يوم بدر، قال رسول الله، ﷺ : "من قتل قتيلًا فله كذا وكذا، ومن أتى بأسير فله كذا وكذا" فجاء أبو اليسر بأسيرين، فقال: في رسول الله! وعدتنا، فقام سعد ابن عبادة فقال: يارسول الله! إن أعطيت هؤلاء لم يبق لأصحابك شيء، وإنه لم يمنعنا من هذا زهادة في الأجر، ولا [¬٢] جبن عن العدو، وإنما قمنا هذا المقام محافظةً عليك، نخاف أن يأتوك من ورائك، فتشاجروا، ونزل القرآن: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ قال: ونزل القرآن: ﴿اعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ إلى آخر الآية.
وقال الإِمام أبو عبيد القاسم بن سلام ﵀ (٢٣) في كتاب "الأموال الشرعية وبيان
стр. 2969
جهاتها ومصارفها": أما الأنفال فهى المغانم، وكل نيل ناله المسلمون من أموال أهل الحرب، فكانت الأنفال الأولى [لرسول الله] [¬١] ﷺ ، يقول الله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾، فقسمها يوم بدر على ما أراه الله من غير أن يخمسها على ما ذكرناه في حديث سعد، ثم نزلت بعد ذلك آية الخمس، فنسخت الأولى.
قلت: هكذا روى على بن أبي طلحة، عن ابن عباس سواء، وبه قال مجاهد وعكرمة والسدي.
وقال ابن زيد: ليست منسوخة بل هي محكمة.
قال أبو عبيد: وفي ذلك آثار … والأنفال أصلها جماع الغنائم، إلا أن الخمس منها مخصوص لأهله، على ما نزل به الكتاب وجرت به السنة، ومعنى الأنفال في كلام العرب: كل إحسان فعله فاعل تفضلًا من غير أن يجب ذلك عليه، فذلك النفل الذي أحله الله للمؤمنين من أموال عدوهم، وإنما [هو شيء] [¬٢] خصهم الله [¬٣] به تطولًا منه عليهم، بعد أن كانت المغانم محرمة على الأم قبلهم، فنفلها الله تعالى هذه الأمة. فهذا أصل النفل.
قلت: شاهد هذا فى الصحيحين عن جابر ﵁ أن رسول الله، ﷺ ، قال: "أعطيت خمسًا لم يعطهن أحد قبلي" فذكر الحديث إلى أن قال: "وأحلت لي الغنائم، ولم تحل لأحد قبلي" وذكر تمام الحديث (٢٤)
ثم قال أبو عبيد: ولهذا سُمي ما جعل الإِمام للمقاتلة نفلًا، وهو تفضيله بعض الجيش على بعض بشيء سوى سهامهم، يفعل ذلك بهم على قدر الغناء عن الإِسلام والنكاية في العدو، وفي النفل الذي ينفله الإِمام سنن أربع، لكل واحدة منهن موضع غير موضع الأخرى:
(فإحداهن): في النفل لا خمس فيه، وذلك السلب.
(والثانية): في [¬٤] النفل الذي يكون من الغنيمة بعد إخراج الخمس، وهو أن يوجه الإِمام السرايا في أرض الحرب، فتأتي بالغنائم، فيكون للسرية مما جاءت به الربع أو الثلث [بعد
стр. 2970
الخمس] [¬١].
(والثالثة): في النفل من الخمس نفسه، وهو أن تحاز الغنيمة كلها، ثم تخمس، فإذا صار الخمس في يدي الإِمام نفل منه على قدر ما ورى.
(والرابعة): في النفل في جملة الغنيمة قبل أن يخمس منها شئ، وهو أن يعطي الأدلاء ورعاة الماشية والسُّوَّاق لها، وفي كل ذلك اختلاف.
قال الربيع: قال الشافعي: الأنفال أن لا يخرج [¬٢] من رأس الغنيمة قبل الخمس شيء غير السلب.
قال أبو عبيد: والوجه الثاني من النفل: هو شيء زيدوه غير الذي كان لهم، وذلك من خمس النبي، ﷺ ، فإن له خمس الخمس من كل غنيمة، فينبغي للإِمام أن يجتهد، فإذا كثر العدو، واشتدّت شوكتهم، وقل من بإزائه من المسلمين، نفل منه اتباعًا لسنة رسول الله، ﷺ ، وإذا لم يكن ذلك لم ينفل.
(والوجه الثالث) من النفل: إذا بعث الإِمام سرية أو جيشًا، فقال لهم قبل اللقاء: من غنم شيئًا [فهو له] [¬٣] بعد الخمس، فذلك لهم على ما شرط الإِمام؛ لأنهم على ذلك غزوا، وبه رضوا. انتهى كلامه.
وفيما تقدّم من كلامه، وهو قوله: إن غنائم بدر لم تخمس - نظر، ويرد عليه حديث على بن أبي طالب في شارفيه الذين حصلا له من الخمس يوم بدر، وقد بينت ذلك في كتاب السيرة بيانًا شافيًا (٢٥). ولله الحمد والمنة [¬٤].
وقوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ﴾ أي: اتقوا الله في أموركم، وأصلحوا فيما بينكم، ولا تظالموا، ولا تخاصموا، ولا تشاجروا، فما آتاكم الله من الهدى والعلم خير مما تختصمون بسببه. ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ أي: في قسمه بينكم على ما أراده [¬٥] الله، فإنه إنما [¬٦] قسمه كما أمره الله من العدل والإِنصاف.
وقال ابن عباس (٢٦): هذا تحريج من الله [على المؤمنين] [¬٧] أن يتقوا ويصلحوا ذات
стр. 2971
بينهم. وكذا قال مجاهد.
وقال السدي: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ﴾ أي: لا تستبوا.
ولنذكر هاهنا حديثًا [¬١] أورده الحافظ أبو يعلى أحمد بن علي بن المثنى الموصلي، ﵀، في مسنده فإنه قال (٢٧): حدثنا مجاهد بن موسى، حدثنا عبد الله بن بكر [¬٢]، حدثنا عباد بن شيبة الحبطي [¬٣]، عن سعيد بن أنس، عن أنس ﵁ قال: بينا رسول الله ﷺ جالس، إذ رأيناه ضحك حتى بدت ثناياه، فقال عمر: ما أضحكك يا رسول الله؟ بأبي أنت وأمي! فقال: "رجلان جثيا من أمّتي بين يدي رب العزة ﵎، فقال أحدهما: يا رب خذ لي مظلمتي من أخي. قال الله تعالى: أعط أخاك مظلمته، قال: يا رب، لم يبق في حسناتي شيء. قال: رب، فليحمل عني من أوزاري" قال: وفاضت عينا رسول الله، ﷺ ، بالبكاء، ثم قال: "إن ذلك ليوم عظيم، يوم يحتاج الناس إلى من [¬٤] يتحمل عنهم من أوزارهم، فقال الله تعالى للطالب: ارفع بصرك فانظر في الجنان، فرفع رأسه فقال: يارب، أرى مدائن من فضة، وقصورًا [¬٥] من ذهب، مكللة باللؤلؤ، لأيِّ نبي هذا؟ لأي صديق هذا؟ لأي شهيد هذا؟ قال: هذا لمن أعطى الثمن، قال: يا رب، ومن يملك ذلك؟ قال: أنت تملكه، قال: ماذا يارب؟ قال: تعفو عن أخيك، قال: يارب، فإني قد
стр. 2972
عفوت عنه، قال الله تعالى: خذ بيد أخيك فأدخله الجنة". ثم قال رسول الله ﷺ : "فاتقوا الله، وأصلحوا ذات بينكم، فإن الله تعالى يصلح بين المؤمنين يوم القيامة".
﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٤)﴾
قال على بن أبي طلحة، عن ابن عباس في [¬١] قوله: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ قال: المنافقون، لا يدخل قلوبهم شيء من ذكر الله عند أداء [¬٢] فرائضه، ولا يؤمنون بشيء من آيات الله، ولا يتوكلون، ولا يصلون إذا غابوا، ولا يؤدّون زكاة أموالهم، فأخبر الله تعالى أنهم ليسوا بمؤمنين، ثم وصف الله [¬٣] المؤمنين فقال: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ فأدَّوْا فرائضه - ﴿وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾ يقول: تصديقًا ﴿وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ يقول: لا يرجون غيره.
وقال مجاهد: ﴿وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ فرقت، أي: فزعت وخافت. وكذا قال السدي وغير واحد.
وهذه صفة المؤمن حق المؤمن، الذي إذا ذكر الله وجل قلبه، أي خاف منه، ففعل أوامره، وترك زواجره، كقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾. وكقوله تعالى: ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى (٤٠) فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى﴾. ولهذا قال سفيان الثوري: سمعت السدي يقول في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ قال: هو الرجل يريد أن يظلم - أو قال: يهم بمعصية - فيقال له: اتق الله فَيَجِلُ قلبه.
وقال الثوري أيضًا، عن عبد الله بن عثمان بن خُثَيْم، عن شهر بن حوشب، عن أمِّ الدرداء في قوله: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ قالت: الوجل في
стр. 2973
القلب كإحراق [¬١] السعفة، أما تجد لها [¬٢] قشعريرة؟ قال: بلى. قالت: إذا وجدت ذلك، فادع الله عند ذلك، فإن الدعاء يذهب ذلك.
وقوله: ﴿وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾، كقوله: ﴿وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾.
وقد استدل البخاري وغيره من الأئمة بهذه الآية وأشباهها على زيادة الإِيمان وتفاضله في القلوب، كما هو مذهب جمهور الأمة [¬٣]. بل قد حكى الإِجماع على ذلك غير واحد من الأئمة، كالشافعي وأحمد بن حنبل وأبي عبيد، كما بينا ذلك مستقصى في أول شرح البخاري، ولله الحمد والمنة.
﴿وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ أي: لا يرجون سواه، ولا يقصدون إلا إياه، ولا يلوذون إلا بجنابه، ولا يطلبون الحوائج إلا منه، ولا يرغبون إلا إليه، ويعلمون أن [¬٤] ما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن، وأنه المتصرف في الملك، وحده لا شريك له، ولا معقب لحكمه، وهو سريع الحساب، ولهذا قال سعيد بن جبير: التوكل على الله جماع الإِيمان.
وقوله: ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾، ينبه تعالى بذلك على أعمالهم، بعد ما ذكر اعتقادهم. وهذه الأعمال تشمل أنواع الخير كلها، وهو إقامة الصلاة، وهو حق الله تعالى.
وقال قتادة: إقامة الصلاة: المحافظة على مواقيتها، ووضوئها، وركوعها، وسجودها.
وقال مقاتل بن حيان: إقامتها: المحافظة على مواقيتها، وإسباغ الطهور فيها [¬٥]، وتمام ركوعها وسجودها، وتلاوة القرآن فيها، والتشهد، والصلاة على النبي ﷺ هذا إقامتها.
والإِنفاق مما رزقهم الله: يشمل إخراج الزكاة وسائر الحقوق للعباد، من واجب ومستحب، والخلق كلهم عيال الله فأحبهم إلى الله أنفعهم لخلقه.
قال قتادة في قوله: ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ فأنفقوا مما أعطاكم الله، فإنما هذه الأموال عَواري وودائع عندك يا بن آدم، أوشكت أن تفارقها.
стр. 2974
وقوله: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا﴾ أي: المتصفون بهذه الصفات، هم المؤمنون حق الإِيمان.
وقال الحافظ أبو القاسم الطبراني (٢٨): حدثنا محمد بن عبد الله الحضرمي، حدثنا أبو كريب، حدثنا زيد بن الحباب، حدثنا ابن لهيعة، عن خالد بن يزيد السكسكي، عن سعيد بن أبي هلال، عن محمد بن أبي الجهم، عن الحارث بن مالك الأنصاري أنه مر برسول الله، ﷺ ، فقال له: "كيف أصبحت في حارث؟ " قال: أصبحت مؤمنًا حقًّا. قال: "انظر ماذا تقول؛ فإن لكل شيء حقيقة، فما حقيقة إيمانك؟ فقال: عزفت نفسي عن الدنيا، فأسهرت ليلي، وأظمأت نهاري، وكأني أنظر إلى عرش ربي بارزًا، وكأني أنظر إلى أهل الجنة يتزاورون فيها، وكأني أنظر إلى أهل النار يتضاغون [¬١] فيها. فقال: "في حارث، عرفت فالزم" ثلاثًا.
стр. 2975
وقال عمرو بن مرة في قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا﴾، إنما أنزل القرآن بلسان العرب، كقولك: فلان سيد حقًّا، وفي القوم سادة، وفلان تاجر حقًّا، وفي القوم تجار. وفلان شاعر حقًّا [وفي القوم] [¬١] شعراء.
وقوده: ﴿لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ أي: منازل و [¬٢] مقامات ودرجات في الجنات. كما قال تعالى: ﴿هُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ﴾.
﴿وَمَغْفِرَةٌ﴾ أي: يغفر لهم السيئات، ويشكر لهم الحسنات.
وقال الضحاك في قوله: ﴿لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾: أهل الجنة بعضهم فوق بعض، فيرى [¬٣] الذي هو فوق فضله على الذي هو أسفل منه، ولا يرى الذي هو أسفل منه أنه فُضِّل عليه أحد.
ولهذا جاء في الصحيحين (٢٩)، أن رسول الله، ﷺ ، قال: "إن أهل عليين ليراهم من أسفل منهم، كما ترون [¬٤] الكوكب الغابر [¬٥] في أفق من آفاق السماء". قالوا: يا رسول الله، تلك منازل الأنبياء، لا ينالها غيرهم؟ فقال: "بلى، والذي نفسي بيده، رجال آمنوا بالله وصدقوا المرسلين".
وفي الحديث الآخر الذي رواه الإِمام أحمد وأهل السنن (٣٠) من حديث عطية، عن أبي سعيد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسملم: "إن أهل الجنة ليتراءون أهل [¬٦]
стр. 2976
الدرجات العلى، كما ترون الكوكب الغابر في أفق السماء، وإن أبا بكر وعمر منهم وأنعما".
﴿كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ (٥) يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَ مَا تَبَيَّنَ كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ (٦) وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ (٧) لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ (٨)﴾
قال الإِمام أبو جعفر الطبري: اختلف المفسرون في السبب الجالب لهذه "الكاف" في قوله: ﴿كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ﴾ فقال بعضهم: شُبّه به في الصلاح للمؤمنين، اتقاؤهم ربهم، وإصلاحهم ذات بينهم، وطاعتهم لله [¬١] ورسوله.
ثم روي عن عكرمة نحو هذا.
ومعنى هذا أن الله تعالى يقول: كما أنكم لما اختلفتم في المغانم، وتشاححتم فيها، فانتزعها الله منكم، وجعلها إلى قَسْمه وقَسْم رسوله، ﷺ ، فقسمها على العدل والتسوية، فكان هذا هو المصلحة التامة لكم، وكذلك لما كرهتم الخروج إلى الأعداء من قتال ذات الشوكة - وهم النفير الذين خرجوا لنصر دينهم، وإحراز عيرهم - فكان عاقبة كراهتكم للقتال - بأن قدّره لكم، وجمع به بينكم وبين عدوكم على غير ميعاد - رَشَدًا وهدى، ونصرًا وفتحًا، كما قال تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ
стр. 2977
لَا تَعْلَمُونَ﴾.
قال ابن جرير: وقال آخرون: معنى ذلك: ﴿كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ﴾ على كره من فريق من المؤمنين، كذلك هم كارهون للقتال، فهم يجادلونك فيه بعدما تبين لهم. ثم روى نحوه عن مجاهد، أنه قال: ﴿كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ﴾ قال: كذلك يجادلونك في الحق.
وقال السدي: أنزل الله في خروجه إلى بدر ومجادلتهم إياه، فقال: ﴿كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ﴾ لطلب المشركين، ﴿يُجَادِلُونَكَ [فِي الْحَقِّ] [¬١] بَعْدَ مَا تَبَيَّنَ﴾.
وقال بعضهم: يسألونك عن الأنفال مجادلة؛ كما جادلوك يوم بدر فقالوا: أخرجتنا للعير، ولم تعلمنا قتالًا فنستعدَّ له.
قلت: رسول الله، ﷺ ، إنما خرج من المدينة طالبًا لعير أبي سفيان، التي بلغه خبرها أنها صادرة من الشام، فيها أموال جزيلة لقريش، فاستنهض رسول الله، ﷺ ، المسلمين من [¬٢] خَفَّ منهم، فخرج في ثلاثمائة وبضعة عشر رجلًا، وطلب نحو الساحل من على طريق بدر، وعلم أبو سفيان بخروج رسول الله، ﷺ ، في طلبه، فبعث ضمضم بن عمرو نذيرًا إلى مكة، فنهضوا في قريب من ألف مُقَنَّع ما بين التسعمائة إلى الألف، وتيامن أبو سفيان بالعير إلى سيف البحر فنجا، وجاء النفير فوردوا ماء بدر، وجمع الله بين [¬٣] المسلمين والكافرين على غير ميعاد، لما يريد الله تعالى من إعلاء كلمة المسلمين، ونصرهم على عدوهم، والتفرقة بين الحق والباطل، كما سيأتي بيانه.
والغرض أن رسول الله، ﷺ ، لما بلغه خروج النفير، أوحى الله إليه يَعِدُه إحدى الطائفتين، إما العير وإما النفير، ورغب كثير من المسلمين إلى العير؛ لأنه كسب بلا قتال، كما قال تعالى: ﴿وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ﴾.
قال الحافظ أبو بكر بن مردويه في تفسيره (٣١): حدثنا سليمان بن أحمد الطبراني،
стр. 2978
حدثنا بكر بن سهل، حدثنا عبد الله بن يوسف، حدثنا ابن لهيعة، عن يزيد بن أبي حبيب، عن أسلم بن [¬١] أبي عمران حدثه أنه سمع أبا أيوب الأنصاري يقول: قال رسول الله، ﷺ ، ونحن [¬٢] بالمدينة: "إني أخبرت عن عير أبي سفيان أنها مقبلة، فهل لكم أن نخرج قبل هذه العير، لعل الله أن [¬٣] يُغْنمناها؟ " فقلنا: نعم، فخرج وخرجنا، فلما سرنا يومًا أو يومين قال لنا: "ما ترون في قتال القوم، فإنهم قد أخبروا بمخرجكم؟ " فقلنا: لا والله، ما لنا طاقة بقتال العدو، ولكنا أردنا العير. ثم قال: "ما ترون في قتال القوم؟ " فقلنا مثل ذلك، فقال المقداد بن عمرو: إذًا لا نقول، لك يا رسول الله؛ كما قال قوم موسى لموسى: ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾. قال: فتمنينا - معشر الأنصار - أن لو قلنا كما قال المقداد، أحب إلينا من [¬٤] أن يكون لنا مال عظيم. قال: فأنزل الله على رسوله ﷺ : ﴿كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ﴾. وذكر تمام الحديث. ورواه ابن أبي حاتم، من حديث ابن لهيعة بنحوه.
وروى ابن مردويه أيضًا من حديث محمد بن عمرو بن علقمة بن وقاص الليثي، عن أبيه، عن جده، قال: خرج رسول الله، ﷺ ، إلى بدر، حتى إذا كان بالروحاء، خطب الناس فقال: "كيف يرون؟ " فقال أبو بكر رضي الله تعالى عنه: يا رسول الله، بلغنا أنهم [بمكان كذا] [¬٥] وكذا. قال: ثم خطب الناس فقال: "كيف ترون؟ "؟ فقال عمر مثل قول أبي بكر، ثم خطب الناس فقال: "كيف ترون" فقال سعد بن معاذ: يا رسول الله، إيانا تريد؟ فوالذي أكرمك وأنزل عليك الكتاب، ما سلكتها قط، ولا لي بها علم، ولئن سرت حتى تأتي (برك الغماد) من ذي يمن لنسيرن معك، ولا نكون كالذين قالوا لموسى: ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾، ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكم متبعون، ولعلك أن تكون خرجت لأمر، وأحدث الله [¬٦] إليك غيره، فانظر الذي أحدث الله إليك، فامض له، فَصِلْ حبال من شئت، واقطع حبال من شئت، وَعَادِ من شئت، وسالم من شئت، وخذ من أموالنا ما شئت، فنزل القرآن
стр. 2979
على قول سعد: ﴿كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ﴾ الآيات.
وقال العوفي (٣٢)، عن ابن عباس: لما شاور النبي، ﷺ ، في لقاء العدو، وقال له سعد بن عبادة ما قال، وذلك يوم بدر، أمر الناس فعبئوا [¬١] للقتال، وأمرهم بالشوكة، فكره ذلك أهل الإِيمان، فأنزل الله ﴿كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ (٥) يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَ مَا تَبَيَّنَ كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ﴾.
[وقال مجاهد: ﴿يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ﴾، في القتال. وقال محمد بن إسحاق: ﴿يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ﴾] [¬٢] أي: كراهية للقاء المشركين، وإنكارًا لمسير قريش حين ذكروا لهم.
وقال السدي: ﴿يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَ مَا تَبَيَّنَ﴾ أي: بعد ما تبين لهم [أنك لا] [¬٣] تفعل إلا ما أمرك الله به.
قال أبن جرير: وقال آخرون: عنى بذلك المشركين.
حدثنا يونس، أنبأنا ابن وهب؛ قال: قال ابن زيد في قوله تعالى: ﴿يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَ مَا تَبَيَّنَ كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ﴾، قال: هؤلاء المشركون جادلوه في الحق، ﴿كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ﴾ حين يدعون إلى الإسلام ﴿وَهُمْ يَنْظُرُونَ﴾ قال: وليس هذا من صفة الآخرين. هذه صفة مبتدأة لأهل الكفر.
ثم قال ابن جرير: ولا معنى لما قاله؛ لأن الذي قبل قوله: ﴿يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ﴾ خبر عن أهل الإِيمان، والذي يتلوه خبر عنهم، والصواب قول ابن عباس وابن إسحاق: إنه خبر عن المؤمنين.
وهذا الذي نصره ابن جرير هو الحق، وهو الذي يدل عليه سياق الكلام. والله أعلم.
وقال الإِمام أحمد ﵀ (٣٣): حدثنا يحيى بن أبي بكير وعبد الرزاق؛ قالا: حدثنا
стр. 2980
إسرائيل، عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: قيل لرسول الله ﷺ حين فرغ من بدر، عليك بالعير ليس دونها شيء، فناداه العباس بن عبد المطلب - قال عبد الرزاق: وهو أسير في وثاقه - ثم اتفقا: أنه لا يصلح لك. قال: "ولم؟ " قال: لأن الله إنما وعدك إحدى الطائفتين، وقد أعطاك ما وعدك.
إسناد جيد، ولم يخرجوه [¬١].
ومعنى قوله تعالى: ﴿وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ﴾ أي: يحبون أن الطائفة التي لا حَدَّ لها ولا منعة ولا قتال تكون لهم، وهي العير، ﴿وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ﴾ أي: هو يريد أن يجمع بينكم وبين الطائفة التي لها الشوكة والقتال؛ ليظفركم بهم وينصركم عليهم، ويظهر دينه، ويرفع كلمة الإِسلام، ويجعله غالبًا على الأديان، وهو أعلم بعواقب الأمور، وهو الذي يدبركم بحسن تدبيره، وإن كان العباد يحبون خلاف ذلك فيما يظهر لهم، كما قال: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ﴾.
وقال محمد بن إسحاق ﵀ (٣٤): حدثنى محمد بن مسلم الزهري، وعاصم بن عمر بن قتادة، وعبد الله بن أبي بكر، ويزيد بن رومان، عن عروة بن الزبير وغيرهم من علمائنا، عن عبد الله بن عباس - كل قد حدثني بعض هذا الحديث، فاجتمع حديثهم فيما سقت من حديث بدر - قالوا: لما سمع رسول الله، ﷺ ، بأبي سفيان مقبلًا من الشام ندب المسلمين إليهم. وقال: "هذه عِيرُ قريش فيها أموالهم فاخرجوا إليها [¬٢]؛ لعل الله أن ينفلكموها"، فانتدب الناس فخف بعضهم وثقل بعضهم، وذلك أنهم لم يظنوا أن رسول الله، ﷺ ، يلقى حربًا، وكان أبو سفيان قد استنفر حين دنا من الحجاز يتجسس الأخبار، ويسأل من لقي من الركبان، تخوفًا على أمر الناس، حتى أصاب خبرًا من بعض الركبان: أن محمدًا قد استنفر أصحابه لك ولعيرك، فَحَذِرَ عند ذلك فاستأجر ضمضم بن عمرو الغفاري، فبعثه إلى أهل [¬٣] مكة، وأمره أن يأتي قريشًا، فيستنفرهم إلى أموالهم، ويخبرهم أن محمدًا قد عرض لها في أصحابه، فخرج