← Тафсир

Тафсир · id 1509

تفسير ابن كثير - ط أولاد الشيخ

ابن كثير

Полный текст (6 736 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

(قلت): ومن هنا نزع بعضهم في الدلالة بهذه الآية الكريمة وهي قوله تعالى: ﴿وَقَال مُوسَى رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً وَأَمْوَالًا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ (٨٨) قَال قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا فَاسْتَقِيمَا وَلَا تَتَّبِعَانِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ (٨٩)﴾. فذكر الدعاء عن موسى وحده، ومن سياق الكلام ما يدل على أنّ هارون أمّن، فنزل منزلة من دعا، لقوله تعالى: ﴿قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا﴾ فدلَّ ذلك علي أن من أمّن على دعاء فكأنما قاله، فلهذا قال من قال: إنّ المأموم لا يقرأ؛ لأنّ تأمينه على قراءة الفاتحة بمنزلة قراءتها، [ولهذا جاء في الحديث: "من كان له إمام فقراءة الإمام له قراءة" [رواه أحمد في مسنده] [¬١]، وكان بلال يقول: لا تسبقني بآمين [يا رسول الله؛] [¬٢] فدل هذا المنزع على أن المأموم لا قراءة عليه في الجهرية، والله أعلم] [¬٣]. ولهذا قال ابن مردويه: حدثنا أحمد بن الحسن، حدثنا عبد الله بن محمد بن سلام، حدثنا إسحاق بن إبراهيم، حدثنا جرير، عن ليث بن أبي سليم، عن كعب، عن أبي هريرة قال قال رسول الله ﷺ : "إذا قال الإمام: ﴿غَيرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ فقال: آمين، كوافق آمين أهل الارض آمين أهل السماء، غفر الله للعبد ما تقدّم من ذنبه، ومثل من لا يقول: آمين، كمثل رجل غزا مع قوم، فاقترعوا فخرجت سهامهم، ولم يخرج سهمه، فقال: لِمَ لم يخرج سهمي؟ فقيل: إنك لم تقل آمين" (١٨٩).

стр. 317

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ [تفسير] [¬١] سورة البقرة [مدنية وآياتها ست وثمانون ومائتان] [¬٢] ذكر ما ورد في فضلها: قال الإمام أحمد: حدَّثنا عارم، حدَّثنا معتمر، عن أبيه، عن رجل، عن أبيه، عن معقل بن يسار: أن رسول الله ﷺ قال: "البقرة سنام القرآن وذروته، نزل مع كل آية منها ثمانون مَلَكًا، واستخرجت ﴿الله لا إله إلا هو الحي القيوم﴾ من تحت العرش، فوصلت [¬٣]، بها، أو فوصلت [¬٤] بسورة البقرة، ويس: قلب القرآن، لا يقرؤها رجل يريد الله والدار الآخرة إلا غفر له، واقرءوها على موتاكم" (١). انفرد به أحمد. وقد رواه أحمد أيضًا، عن عارم، عن عبد الله بن المبارك، عن سليمان التيمي، عن أبي عثمان -وليس بالنهدي- عن أبيه، عن معقل بن يسار، قال: قال رسول الله ﷺ : "اقرءوها على موتاكم" (٢) يعني يس. فقد تبيّنا [¬٥] بهذا الإسناد معرفة المبهم في الرواية الأولى. وقد أخرج هذا الحديث على هذه

стр. 318

الصفة في الرواية الثانية أبو داود، والنسائي، وابن ماجة (٣). وقد روي الترمذي من حديث حكيم بن جبير -وفيه ضعف- عن أبي صالح، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "لكل شيء سنامٌ، وإن سنام القرآن سورة [¬١] البقرة، وفيها آية هي سيدة آي القرآن: آية الكرسي" (٤).

стр. 319

وفي مسند أحمد وصحيح مسلم والترمذي والنسائي من حديث سُهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة [﵁]: أن رسول الله ﷺ قال: "لا تجعلوا بيوتكم قبورًا، فإن البيت الذي يقرأ [¬١]، فيه سورة البقرة لا يدخله الشيطان" (٥) وقال الترمذي: حسن صحيح. وقال أبو عبيد القاسم بن سلام (٦): حدثني ابن أبي مريم، في ابن لهيعة، عن يزيد بن أبي حبيب، عن سنان بن سعد، عن أنس بن مالك، قال: قال رسول الله ﷺ : "إن الشيطان يخرج من البيت إذا سمع سورة البقرة تقرأ فيه". سنان بن سعد، ويقال بالعكس، وثقه ابن معين، واستنكر حديثه أحمد بن حنبل وغيره.

стр. 320

وقال أبو عبيد (٧): حدَّثنا محمد بن جعفر، عن شعبة، عن سلمة بن كهيل، عن أبي الأحوص، عن عبد الله -يعني ابن مسعود ﵁ قال: إن الشيطان يفرّ من البيت يسمع فيه سورة البقرة. ورواه النسائي (٨) في "اليوم والليلة". وأخرجه الحاكم في مستدركه من حديث شعبة، ثم قال الحاكم: صحيح الإسناد، ولم يخرجاه. وقال ابن مَرْدُويه: حدثنا أحمد بن كامل، حدثنا أبو إسماعيل الترمذي، حدثنا أيوب بن سليمان بن بلال، حدثني أبو بكر بن أبي أويس، عن سليمان بن بلال، عن محمد بن عجلان، عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص، عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ : "لا أُلْفِيَنَّ أحدكم يضع إحدي رجليه علي الأخرى يتغنَّى، ويدع سورة البقرة يقرؤها، فإن الشيطان ينفر [¬١] من البيت الذي [¬٢] تقرأ فيه سورة البقرة، وإن أصفر البيوت الجَوف، الصِّفْر من كتاب الله" (٩). وهكذا رواه النسائي في "اليوم والليلة" عن محمد بن نصر، عن أيوب بن سليمان به. [وروي الدارمي في مسنده [¬٣] (١٠)، عن ابن مسعود قال: ما من بيت تقرأ فيه سورة البقرة

стр. 321

إلا خرج منه الشيطان وله ضراط. وقال (١١): إن لكل شيء سنامًا، وإن سنام القرآن سورة البقرة، وإن لكل شيء لبابًا، وإن لباب القرآن المفصل. وروي (١٢) أيضًا من طريق الشعبي قال: قال عبد الله بن مسعود: من قرأ عشر آيات من سورة البقرة في ليلة لم يدخل ذلك البيت شيطان تلك الليلة؟ أربع من أولها، وآية الكرسي، وآيتان بعدها، وثلاث آيات من آخرها. وفي رواية (١٣): لم يقربه ولا أهله يومئذٍ شيطان، ولا شيء يكرهه، ولا يقرأن على مجنون إلا أفاق] [¬١]. وعن سهل بن سعد [¬٢] قال: قال رسول الله ﷺ : "إن لكل شيء سنامًا، وإن [¬٣] سنام القرآن البقرة، وإن من قرأها في بيته ليلة لم يدخله شيطان [¬٤] ثلاث ليال، ومن قرأها في بيته نهارًا لم يدخله شيطان [¬٥] ثلاثة أيام". رواه أبو القاسم الطبراني (١٤) وأبو حاتم بن حبان في صحيحه [وابن مردويه من حديث الأزرق

стр. 322

ابن علي، حدثنا حسان بن إبراهيم، حدثنا خالد بن سعيد المدني، عن أبي حازم، عن سهل، به. وعند ابن حبان: خالد بن سعيد المديني] [¬١]. وقد روى الترمذي والنسائي وابن ماجة من حديث عبد الحميد بن جعفر، عن سعيد المقبري، عن عطاء مولى أبي أحمد، عن أبي هريرة ﵁ قال: بعث [¬٢] رسول اللَّه ﷺ بعثًا [¬٣] وهم ذوو عددٍ فاستقرأهم، فاستقرأ كل واحدٍ منهم -يعني- ما معه من القرآن، فأتى على رجل من أحدثهم سنًّا، فقال: "ما معك يا فلان؟ ". فقال [¬٤]: معي كذا وكذا وسورة البقرة. فقال: "أمعك سورة البقرة؟ ". قال: نعم. قال: "اذهب فأنت أميرهم". فقال رجل من أشرافهم: والله ما منعني أن أتعلم سورة [¬٥] البقرة إلا أني خشيت أن لا أقوم بها. فقال رسول الله ﷺ : "تعلموا القرآن واقرءوه؛ فإن مثل القرآن لمن تعلمه فقرأه وقام به كمثل جراب محشوّ مسكًا يفوح ريحه في كل مكان، ومثل من تعلمه فيرقد وهو في جوفه كمثل جراب [أوكي على] [¬٦] مسك" (١٥). هذا لفظ رواية [¬٧] الترمذي، ثم قال: هذا حديث [¬٨] حسن. ثم رواه من حديث الليث، عن سعيدٍ، عن عطاء مولى أبي أحمد مرسلًا، فالله أعلم. وقال البخاري (١٦): وقال الليث: حدثني يزيد بن الهاد، عن محمد بن إبراهيم، عن أسيد

стр. 323

ابن حُضير [¬١]﵁ قال: بينما [¬٢] هو يقرأ من الليل سورة البقرة، وفرسه مربوطة عنده، إذ جالت الفرس، فسكت فسكنت، فقرأ فجالت الفرس، فسكت فسكنت، ثم قرأ فجالت الفرس فانصرف، وكان ابنه يحيى قريبًا منها فأشفق أن تصيبه، فلما أخذه رفع رأسه إلى السماء حتى ما يراها، فلما أصبح حدّث النبي ﷺ فقال: "اقرأ يا ابن حُضير". قال: فأشفقت يا رسول الله؛ أن تطأ يحيى وكان منها قريبًا، فرفعت رأسي وانصرفت إليه، فرفعت رأسي إلى السماء فإذا مثل الظُلة فيها أمثال المصابيح، فخرجت حتى لا أراها. قال: "وتدري ما ذاك؟ " قال: لا. قال: "تلك الملائكة دنت لصوتك ولو قرأت لأصبحت ينظر الناس إليها لا تتوارى منهم". وهكذا رواه الإمام العالم [¬٣] أبو عبيد القاسم بن سلام (١٧)، في كتاب فضائل القرآن عن عبد الله بن صالح [¬٤] ويحيى بن بكير، عن الليث، به. وقد رُوي من [وجه آخر] [¬٥] عن أسيد بن حضير كما تقدم (١٨)، والله أعلم. وقد وقع نحو من هذا لثابت بن قيس بن شماس [¬٦]﵁ وذلك فيما رواه أبو عبيد (١٩) - حدَّثنا عباد بن عباد، عن جرير بن حازم، عن عمه [¬٧] جرير بن زيد [¬٨]: أن أشياخ أهل المدينة حدّثوه أن رسول الله ﷺ قيل له: ألم تر ثابت بن قيس بن شماس لم تزل داره البارحة تزهر مصابيحَ؟!. قال: "فلعله قرأ سورة البقرة". قال: فسئل ثابت فقال: قرأت سورة البقرة. وهذا إسناد جيد، إلا أن فيه إبهامًا، ثم هو مرسل، والله أعلم. ذكر [¬٩] ما ورد في فضلها مع آل عمران

стр. 324

قال [¬١] الإمام أحمد (٢٠): حدَّثنا أبو نعيم، حدَّثنا بشير بن المهاجر، حدّثني عبد الله بن بريدة، عن أبيه قال: كنت جالسًا عند النبي ﷺ فسمعته يقول: "تعلموا سورة البقرة؛ فإن أخذها بركة، وتركها حسرة، ولا تستطيعها البطلة". قال [¬٢]: ثم سكت ساعة ثم قال: "تعلموا سورة البقرة وآل عمران فإنهما الزهراوان، يظلان صاحبهما يوم القيامة كأنهما غمامتان أو غيايتان (٢١)، أو فرقان من طير صواف، وإن القرآن يلقى صاحبه يوم القيامة حين ينشق عنه قبره كالرجل الشاحب، فيقول له: هل تعرفني؟ فيقول: ما أعرفك. فيقول: أنا صاحبك القرآن الذي أظمأتك في الهواجر، وأسهرت ليلك، وإن كل تاجر من وراء تجارته، وإنك اليوم من وراء كل تجارة، فيعطى الملك بيمينه والخُلد بشماله، ويوضع على رأسه تاج الوقار، ويُكسى والداه حلتين لا يقوم [¬٣] لهما أهل الدنيا، فيقولان: بمَ كُسينا هذا؟ فيقال: بأخذ ولدكما القرآن، ثم يقال: اقرأ واصعد في درج الجنة وغرفها، فهو في صعود ما دام يقرأ هذًّا [¬٤] كان أو ترتيلًا". وروى ابن ماجة (٢٢) من حديث بشير بن المهاجر [] [¬٥] بعضه، وهذا إسناد حسنٌ على شرط مسلم؛ فإن بشيرًا هذا أخرج له مسلم ووثقه ابن معين، وقال النسائي: ليس به بأس. إلا أن الإمام أحمد قال فيه: هو منكر الحديث، قد اعتبرت أحاديثه فإذا هي تجيء بالعجب. وقال البخاري: يخالف في بعض حديثه. وقال أبو حاتم الرازي: يكتب حديثه ولا يحتج به. وقال ابن عدي:

стр. 325

روى ما لا يتابع عليه. وقال الدراقطني: ليس بالقوي. (قلت): ولكن لبعضه شواهد، فمن ذلك حديث أبي أمامة الباهلي، قال الإمام أحمد (٢٣): حدَّثنا عبد الملك بن عمرو، حدَّثنا هشام، عن يحيى بن أبي [¬١] كثير، عن أبي سلام، عن أبي أمامة، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "اقرءوا القرآن؛ فإنه شافع لأصحابه يوم القيامة، اقرءوا الزهراوين: البقرة وآل عمران، فإنهما يأتيان يوم القيامة كأنهما غمامتان أو كأنهما غيايتان، أو كأنهما فرقان من [¬٢] طير صواف يُحاجان عن أهلهما" ثم قال: "اقرءوا البقرة فإن أخذها بركة وتركها حسرة ولا تستطيعها البطلة". وقد رواه مسلم (٢٤) في الصلاة من حديث معاوية بن سلام، عن أخيه زيد بن سلام، عن جده أبي سلام -ممطور الحبشي- عن أبي أمامة - صدي بن عجلان الباهلي [¬٣]- به. الزهراوان: المنيران [¬٤]، والغياية [¬٥]: ما أظلك من فوقك. والفرق: القطعة من الشيء، والصواف: المصطفة المتضامة. والبطة: السحرة. ومعنى لا تستطيعها؛ أي: لا يمكنهم حفظها. وقيل: لا تستطيع النفوذ [¬٦] في قارئها، والله أعلم. ومن ذلك حديث النواس بن سمعان، قال الإمام أحمد (٢٥): حدَّثنا يزيد بن عبد ربه، حدَّثنا الوليد بن مسلم، عن محمد بن مهاجر، عن الوليد بن عبد الرحمن الجرشي، عن جبير بن نفير قال: سمعت النواس بن سمعان الكلابي، يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "يؤتى بالقرآن يوم القيامة وأهله الذين كانوا يعملون به، تقدمهم سورة البقرة وآل عمران". وضرب لهما رسول الله ﷺ ثلاثة أمثال ما نسيتهن بعدُ، قال: "كأنهما غمامتان أو ظلتان سوداوان بينهما شرقٌ، أو كأنهما فرقان من طير صواف [¬٧] يحاجان عن صاحبهما".

стр. 326

ورواه مسلم (٢٦) عن إسحاق بن منصور، عن يزيد [¬١] بن عبد ربه، به. والترمذي (٢٧)، من حديث الوليد بن عبد الرحمن الجرشي، به. وقال: حسن غريب. وقال أبو عبيد (٢٨): حدَّثنا حجاج، عن حماد بن سلمة [¬٢]، عن عبد الملك بن عمير، قال: قال حماد: أحسبه عن أبي منيب، عن عمه [¬٣]، أن رجلًا قرأ البقرة وآل عمران فلما قضى صلاته قال له كعب: أقرأت البقرة وآل عمران؟ قال: نعم. قال: فوالذي نفسي بيده إن فيهما اسم الله الذي إذا دُعي به استجاب. قال: فأخبرني به. قال: لا، واللَّه لا أخبرك به، ولو أخبرتك به لأوشكت أن تدعوه بدعوة أَهْلَكُ فيها أنا وأنت. وحدّثنا (٢٩) عبد الله بن صالح، عن معاوية بن صالح، عن سليم بن عامر، أنه سمع أبا أمامة يقول: إن أخًا لكم أُرِي في المنام أن الناس يسلكون في صدع جبل وعر طويل، وعلى رأس الجبل شجرتان خضراوان تهتفان [¬٤]: هل فيكم من يقرأ سورة البقرة؟ [] [¬٥] هل فيكم من يقرأ سورة آل عمران؟ قال: فإذا قال الرجل: نعم دنتا [¬٦] منه بأعذاقهما حتى يتعلق بهما فتخطران [¬٧] به الجبل. وحدّثنا (٣٠) عبد اللَّه بن صالح، عن معاوية بن صالح، عن أبي عمران، أنه سمع أم الدرداء تقول: إن رجلًا ممن [قد] [¬٨] قرأ القرآن أغار على جار له فقتله، وإنه أقيد منه [¬٩] فقتل، فما زال القرآن ينسل منه سورة سورة حتى بقيت البقرة وآل عمران جمعة، ثم إن آل عمران انسلت منه، وأقامت البقرة جمعة، فقيل لها: ﴿مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ قال: فخرجت

стр. 327

كأنها السحابة العظيمة. قال أبو عبيد: أراه يعني أنهما كانتا معه في قبره تدفعان [¬١] عنه وتؤنسانه، فكانتا من آخر ما بقي معه من القرآن. وقال أيضًا (٣١): حدَّثنا أبو مسهر الغساني، عن سعيد بن عبد العزيز التنوخي، أن يزيد بن الأسود الجُرَشي كان يحدث أنه من قرأ البقرة وآل عمران في يوم برئ من النفاق حتى يمسي، ومن قرأهما في ليلة برئ من النفاق حتى يصبح. قال: فكان يقرؤهما كل يوم وليلة سوى جزئه. وحدّثنا (٣٢) يزيد، عن وقاء [¬٢] بن إياس، عن سعيد بن جبير قال: قال عمر بن الخطاب ﵁: من قرأ البقرة وآل عمران في ليلة كان -أو كتب- من القانتين. فيه انقطاع، ولكن ثبت في الصحيح [¬٣] (٣٣): أن رسول الله ﷺ [وآله وسلم] [¬٤] قرأ بهما في ركعة واحدة. (ذكر [¬٥] ما ورد في فضل السبع الطول [¬٦] قال أبو عبيد (٣٤): حدَّثنا هشام بن إسماعيل الدمشقي، عن محمد بن شعيب، عن سعيد بن بشير، عن قتادة، عن أبي المليح، عن واثلة بن الأسقع، عن النبي ﷺ قال:

стр. 328

"أعطيت السبع الطول [¬١] مكان التوراة، وأعطيت المئين [¬٢] مكان الإنجيل، وأعطيت المثاني مكان الزبور، وفضلت بالمفصل". هذا حديث غريب، وسعيد بن [] [¬٣] بشير، فيه لين. وقد رواه أبو عبيد (٣٥) عن عبد الله بن صالح، عن الليث، عن سعيد بن أبي هلال، قال: بلغنا أنّ رسول الله ﷺ قال … فذكره، والله أعلم. ثم قال (٣٦): حدَّثنا إسماعيل بن جعفر، عن عمرو بن أبي عمرو مولى المطلب بن عبد الله بن حنطب، عن حبيب بن هند الأسلمي، عن عروة، عن عائشة ﵂ عن النبي ﷺ قال: "من أخذ السبع فهو حَبْر". وهذا أيضًا غريب، وحبيب بن هند بن أسماء بن هند بن حارثة الأسلمي، روى عنه عمرو بن أبي عمرو، وعبد الله بن أبي بكرة [¬٤]، وذكره أبو حاتم الرازي ولم يذكر فيه جرحًا، فالله أعلم. وقد رواه الإمام أحمد (٣٧) عن سليمان بن داود وحسين، كلاهما عن إسماعيل بن جعفر، به.

стр. 329

ورواه أيضًا عن أبي سعيد (٣٨)، عن سليمان بن بلال، عن حبيب بن [هند، عن] [¬١] عروة، عن عائشة؛ أنّ رسول الله ﷺ قال: "من أخذ السبع الأول من القرآن فهو حَبْر". قال أحمد (٣٩): وحدّثنا حسين، حدثنا ابن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ ، مثله. قال عبد الله بن أحمد: وهذا أرى فيه، عن أبيه، عن الأعرج، ولكن كذا كان في الكتاب فلا أدري [أغفله أبي] [¬٢] أو كذا هو مرسل. [وروى الترمذي (٤٠)، عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ بعث بعثًا وهم ذوو عدد، وقدّم عليهم أحدثهم سنًّا لحفظه سورة البقرة، وقال له: "اذهب فأنت أميرهم". وصححه الترمذي] [¬٣]. ثم قال أبو عبيد (٤١): حدَّثنا هشيم، أخبرنا أبو بشر، عن سعيد بن جبير في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَينَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي﴾ قال: هي السبع الطول: البقرة، وآل عمران، والنساء، والمائدة، والأنعام، والأعراف، ويونس. قال: وقال مجاهد: هي السبع الطول [¬٤]. وهكذا قال مكحول وعطية بن قيس وأبو محمد الفارسي [و] [¬٥] شداد بن [عبيد الله] [¬٦] ويحيى بن الحارث الذماري في تفسير الآية بذلك، وفي تعدادها، وأنّ يونس هي السابعة. فصل [البقرة نزلت بالمدينة] [¬٧]

стр. 330

والبقرة جميعها مدنية بلا خلاف، [وهي من أوائل ما نزل بها، لكن قوله تعالى فيها: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ﴾ الآية، يقال: إنها آخر ما نزل من القرآن ويحتمل أن تكون منها، وكذلك آيات الربا من آخر ما نزل، وكان خالد بن معدان يسمي البقرة فسطاط القرآن] [¬١]. قال بعض العلماء: وهي مشتملة على ألف خبر، وألف أمر، وألف نهي. وقال العادّون: آياتها مائتان وثمانون وسبع آيات، وكلماتها ستة آلاف كلمة ومائة وإحدى وعشرون كلمة، وحروفها خمسة وعشرون ألفًا وخمسمائة حرف، فالله أعلم. قال ابن جريج (٤٢): عن عطاء، عن ابن عباس: نزلت بالمدينة سورة البقرة. وقال خصيف (٤٣): عن مجاهد، عن عبد الله بن الزبير، قال: نزلت [¬٢] بالمدينة سورة البقرة. وقال الواقدي (٤٤): حدثني الضحاك بن عثمان، عن أبي الزناد، عن خارجة بن زيد بن ثابت، عن أبيه، قال: نزلت البقرة بالمدينة. وهكذا قال غير واحد من الأئمة والعلماء والمفسرين ولا خلاف فيه. وقال ابن مردويه: حدَّثنا محمد بن معمر، حدَّثنا الحسن بن علي بن الوليد الفارسي [¬٣]، حدَّثنا خلف بن هشام، وحدّثنا عبيس [¬٤] بن ميمون، عن موسى بن أنس بن مالك، عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تقولوا سورة البقرة ولا سورة آل عمران ولا سورة النساء وكذا القرآن كله، ولكن قولوا: السورة [¬٥] التي يذكر فيها البقرة، والتي يذكر فيها آل عمران، وكذا القرآن كله" (٤٥).

стр. 331

هذا حديث غريب لا يصح رفعه، وعبيس [¬١] بن ميمون هذا هو أبو [¬٢] سلمة الخوّاص، وهو ضعيف الرواية، لا يحتج به، وقد ثبت في الصحيحين عن ابن مسعود أنه رمى الجمرة من بطن الوادي، فجعل البيت عن يساره، ومنى عن يمينه، ثم قال: هذا مقام الذي أنزلت عليه سورة البقرة. أخرجاه (٤٦). وروى ابن مردويه (٤٧)، من حديث شعبة، عن عقيل بن طلحة، عن عتبة بن فرقد [¬٣]، قال: رأى النبي ﷺ في أصحابه تأخرًا فقال: "يا أصحاب سورة البقرة". وأظنّ هذا كان يوم حنين حين ولوا مدبرين، أمر العباس فناداهم- "يا أصحاب الشجرة" -يعني: أهل بيعة الرضوان- وفي رواية: "يا أصحاب سورة [¬٤] البقرة"- لينشطهم [¬٥] بذلك، فجعلوا يقبلون من كل وجه. وكذلك يوم اليمامة مع أصحاب مسيلمة، جعل الصحابة يفرون لكثافة [جيش بني] [¬٦]

стр. 332

حنيفة، فجعل المهاجرون والأنصار يتنادون يا أصحاب سورة البقرة! حتى فتح الله عليهم (٤٨) رضي الله عن أصحاب رسول الله أجمعين. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الم ﴿١﴾ قد اختلف المفسرون في الحروف المقطعة التي في أوائل السور؛ فمنهم من قال: هي مما استأثر اللَّه بعلمه، فردّوا علمها إلى الله ولم يفسروها. [حكاه القرطبي في تفسيره (٤٩) عن أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وابن مسعود ﵃ أجمعين، وقاله عامر الشعبي وسفيان الثوري والربيع بن خُثيم، واختاره أبو حاتم بن حبان] [¬١] ". ومنهم من فسرها، واختلف هؤلاء في معناها؛ فقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: إنما هي أسماء السور. قال العلامة أبو القاسم محمود بن عمر الزمخشري في تفسيره (٥٠): وعليه إطباق الأكثر. ونقل عن سيبويه أنه نص عليه] [¬٢] ويعتضد لهذا [¬٣] بما ورد في الصحيحين (٥١) عن أبي هريرة أنّ رسول الله ﷺ كان يقرأ في صلاة الصبح يوم الجمعة ﴿الم﴾ السجدة، و ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ﴾. وقال سفيان الثوري (٥٢): عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، أنه قال: ﴿الم﴾، و ﴿حم﴾، و

стр. 333

﴿المص﴾، و ﴿ص﴾ فواتح افتتح الله بها القرآن. وكذا قال غيره عن مجاهد (٥٣)، وقال مجاهد (٥٤) في رواية أبي حذيفة موسى بن مسعود، عن شبل، عن ابن أبي نجيح، عنه أنه قال: ﴿الم﴾ اسم من أسماء القرآن. وهكذا قال قتادة وزيد بن أسلم (٥٥). ولعل هذا يرجع إلى معنى قول عبد الرحمن بن زيد [بن أسلم] [¬١]: إنه اسم من أسماء السور؛ فإن كل سورة يطلق عليها اسم القرآن، فإنه يبعد أن يكون المص اسمًا [¬٢] للقرآن كله؛ لأن المتبادر إلى فهم سامع من يقول: قرأت المص، إنما ذلك عبارة عن [¬٣] سورة الأعراف لا لمجموع القرآن، والله أعلم. وقيل: هي اسم من أسماء الله تعالى، فقال الشعبي: فواتح السور من أسماء الله تعالى. وكذلك قال سالم بن عبد الله، وإسماعيل بن عبد الرحمن السدي الكبير. وقال شعبة: عن السدي: بلغني أن ابن عباس قال: ﴿الم﴾ اسم من أسماء الله الأعظم. هكذا رواه ابن أبي حاتم من حديث شعبة. ورواه (٥٦) ابن جرير عن بندار، عن ابن مهدي، عن شعبة، قال: سألت السدي عن حم و طس و الم؛ فقال: قال ابن عباس: هي اسم الله الأعظم. وقال ابن جرير (٥٧): وحدّثنا محمد بن المثنى، حدَّثنا أبو النعمان، حدَّثنا شعبة، عن إسماعيل السدي، عن مرة الهمداني قال: قال عبد الله: … فذكر نحوه. [وحكي مثله عن علي وابن عباس] [¬٤]. وقال علي بن أبي طلحة: عن ابن عباس (٥٨): هو

стр. 334

قسم أقسم الله به، وهو من أسماء الله تعالى. وروى ابن أبي حاتم (٥٩) وابن جرير من حديث ابن عُليّة عن خالد الحذاء، عن عكرمة، أنه قال: ﴿الم﴾ قسم. ورويا (٦٠) أيضًا من حديث شريك بن عبد الله، عن عطاء بن السائب، عن أبي الضحى، عن ابن عباس: ﴿الم﴾ قال: أنا الله أعلم. وكذا قال سعيد بن جبير (٦١). وقال السدي عن أبي مالك، وعن أبي صالح، عن ابن عباس، وعن مرة الهمداني [¬١] عن ابن مسعود، وعن ناس من أصحاب النبي ﷺ (٦٢): ﴿الم﴾ قال: أما [¬٢] الم فهي حروف استفتحت من حروف هجاء أسماء [¬٣] الله تعالى. وقال أبو جعفر الرازي (٦٣): عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية في قوله تعالى: ﴿الم﴾ قال: هذه الأحرف الثلاثة من التسعة والعشرين حرفًا دارت فيها الألسن كلها، ليس منها حرف إلا وهو مفتاح اسم من أسمائه، وليس منها حرف إلا وهو من آلائه وبلائه، وليس منها حرف إلا وهو في مدة أقوام [¬٤] وآجالهم. قال عيسى ابن مريم ﵇ وعجب فقال: وأعجب أنهم ينطقون بأسمائه، ويعيشون في رزقه، فكيف يكفرون به. فالألف مفتاح اسمه الله. واللام مفتاح اسمه لطيف، والميم مفتاح اسمه مجيد، فالألف آلاء الله، واللام لطف الله، والميم مجد الله، والألف ستة [¬٥] واللام ثلاثون [] [¬٦]، والميم أربعون [] [¬٧].

стр. 335

هذا لفظ ابن أبي حاتم. ونحوه رواه ابن جرير (٦٤)، ثم شرع يوجه كل واحد من هذه الأقوال ويوفق بينها، وأنه لا منافاة بين كل [¬١] واحد منها وبين الآخر، وأن الجمع ممكن، فهي أسماء للسور، ومن أسماء اللَّه تعالى يفتتح بها السور، فكل حرف منها دل على اسم من أسمائه وصفة من صفاته، كما افتتح سورًا كثيرة بتحميده وتسبيحه وتعظيمه. قال: ولا مانع من دلالة الحرف منها على اسم من أسماء الله، وعلى صفة من صفاته، وعلى مدة وغير ذلك، كما ذكره الربيع بن أنس، عن أبي العالية؛ لأن الكلمة الواحدة تطلق على معاني كثيرة، كلفظة الأمة فإنها تطلق ويراد به الدين، كقوله تعالى: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ﴾، وتطلق ويراد بها الرجل المطيع للَّه كقوله تعالى: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾. وتطلق ويراد بها الجماعة كقوله: ﴿وَجَدَ عَلَيهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ﴾ وقوله: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا﴾ وتطلق ويراد بها الحين من الدهر كقوله تعالى: ﴿وَقَال الَّذِي نَجَا مِنْهُمَا وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ﴾ أي بعد حين على أصح القولين، قال: فكذلك هذا. هذا حاصل كلامه موجهًا، ولكن هذا ليس كما ذكره أبو العالية، فإن أبا العالية زعم أن الحرف دل على هذا وعلى هذا، وعلى هذا معنى، ولفظة الأمة وما أشبهها من الألفاظ المشتركة في الاصطلاح إنما دل في القرآن في كل موطن على معنى واحد دل عليه سياق الكلام، فأما حمله على مجموع محامله إذا أمكن فمسألة مختلف فيها بين علماء الأصول، ليس هذا موضع البحث فيها، والله أعلم. ثم إن لفظة [¬٢] الأمة تدل [¬٣] على كل [من معانيها] [¬٤] في سياق الكلام بدلالة الوضع، فأما دلالة الحرف الواحد على اسم يمكن أن يدل على اسم آخر من غير أن يكون أحدهما أولى من الآخر في التقدير أو الإضمار بوضع ولا بغيره، فهذا مما لا يفهم إلا بتوقيف؛ والمسألة مختلف فيها، وليس فيها إجماع حتى يحكم به. وما أنشدوه من الشواهد على صحة إطلاق الحرف الواحد على بقية الكلمة، فإن في السياق ما يدل على ما حذف بخلاف هذا، كما قال الشاعر: قلنا لها قفي لنا فقالت قاف … لا تحسبي أنا نسينا الإيجاف [¬٥]

стр. 336

تعني وقفت. وقال الآخر: ما للظليم عَال [¬١] كَيفَ لا يا … ينقَدُّ عنه جلده إذا يا فقال ابن جرير: كأنه أراد أن يقول: إذا يفعل كذا وكذا، فالفاء بالياء من يفعل. وقال الآخر: بالخير خيرات وإن شرًّا فا … ولا أريد الشرَّ إلا أن تا يقول: وإن شرًّا فشر، ولا أريد الشر إلا أن تشاء، فاكتفى بالفاء والتاء من الكلمتين عن بقيتهما، ولكن هذا ظاهر من سياق الكلام، والله أعلم. [قال القرطبي (٦٥): وفي الحديث "من أعان على قتل مسلم بشطر كلمة" الحديث قال سفيان: هو أن يقول في اقتل "اق"] [¬٢].

стр. 337

وقال خصيف (٦٦): عن مجاهد أنه قال: فواتح السور كلها ﴿ق وص وحم وطسم والر﴾ وغير ذلك هجاء موضوع. وقال بعض أهل العربية: هي حروف من حروف المعجم استغني بذكر ما ذكر منها في أوائل السور عن ذكر بواقيها التي هي تتمة الثمانية والعشرين حرفًا، كما يقول القائل: ابني يكتب في ا ب ت ث، أي في حروف المعجم الثمانية والعشرين، فيستغنى بذكر بعضها عن مجموعها. حكاه ابن جرير (٦٧). قلت: مجموع الحروف المذكورة في أوائل السور بحذف المكرر منها أربعة عشر حرفًا، وهي - ال م ص رك هـ ي ع ط س خ ق ن- يجمعها قولك: نصٌّ حكيمٌ قاطعٌ لهُ سرٌّ. وهي نصف الحروف عددًا والمذكور منها أشرف من المتروك، وبيان ذلك من صناعة التصريف. [قال الزمخشري (٦٨): وهذه الحروف الأربعة عشر مشتملة على أصناف أجناس الحروف يعني من المهموسة والمجهورة، ومن الرخوة والشديدة، ومن المطبقة والمفتوحة ومن المستعلية والمنخفضة، ومن حروف القلقلة. وقد سردها مفصلة ثم قال: فسبحان الذي دقت في كل شيء حكمته. وهذه الأجناس المعدودة مكثورة بالمذكورة منها، وقد علمت أن معظم الشيء وجله ينزل منزلة كله] [¬١]، ومن هاهنا لخص [¬٢] بعضهم في هذا المقام كلامًا فقال: لا شك أن هذه الحروف لم ينزلها عبثًا ولا سدىً، ومن قال من الجهلة: إنه في القرآن ما هو تعبد لا معنى له بالكلية فقد أخطأ خطأً كبيرًا، فتعين أن لها معنى في نفس الأمر، فإن صح لنا فيها عن المعصوم شيء قلنا به، وإلا، وقفنا حيث وقِفنا وقلنا: ﴿آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾. ولم يجمع العلماء فيها على [¬٣] شيء معين، وإنما اختلفوا فمن ظهر له بعض الأقوال بدليل فعليه اتباعه، وإلا فالوقف حتى يتبين. هذا مقام. المقام الآخر في الحكمة التي اقتضت إيراد هذه الحروف في أوائل السور، ما هي؟ مع قطع

стр. 338

النظر عن معانيها في أنفسها؛ فقال بعضهم: إنما ذكرت ليعرف [¬١] بها أوائل السور. حكاه ابن جرير (٦٩) وهذا ضعيف؛ لأن الفصل حاصل بدونها، فيما لم تذكر فيه، وفيما ذكرت فيه البسملة [¬٢] تلاوة وكتابة. وقال آخرون: بل ابتدئ بها لتُفْتَحَ لاستماعها أسماع المشركين، إذ [¬٣] تواصوا بالإعراض عن القرآن، حتى إذا استمعوا له تُلي [¬٤] عليهم المؤلَّف منه. حكاه ابن جرير أيضًا (٧٠)، وهو ضعيف أيضًا؛ لأنه لو كان كذلك لكان ذلك في جميع السور لا يكون في بعضها، بل غالبها ليس كذلك، ولو كان كذلك أيضًا لانبغي الابتداء بها في أوائل الكلام معهم، سواء كان افتتاح سورة أو غير ذلك. ثم إن هذه السورة والتي تليها أعني البقرة وآل عمران مدنيتان ليستا خطابًا للمشركين، فانتقض ما ذكروه بهذه الوجوه. وقال آخرون: بل إنما ذكرت هذه الحروف في أوائل السور التي ذكرت فيها بيانًا لإعجاز القرآن، وأن الخلق عاجزون عن معارضته بمثله، هذا مع أنه مركب [¬٥] من هذه الحروف المقطعة التي يتخاطبون بها. وقد حكى هذا المذهب الرازي في تفسيره عن المبرد وجمع من المحققين. وحكى القرطبيُّ عن الفراء وقطرب نحو هذا. وقرره الزمحشري في كشافه ونصره أتم نصر، وإليه ذهب الشيخ الإمام العلامة أبو العباس بن تيمية وشيخنا الحافظ المجتهد أبو الحجاج المزي وحكاه لي عن ابن تيمية. [قال الزمخشري: ولم ترد كلها مجموعة في أول القرآن، وإنما كررت ليكون أبلغ في التحدي والتبكيت، كما كررت قصص كثيرة، وكرر التحدي بالصريح في أماكن. قال: وجاء منها على حرف واحد كقوله- ﴿ص﴾ ﴿ن﴾ ﴿ق﴾ - وحرفين مثل ﴿حم﴾ وثلاثة مثل ﴿الم﴾ وأربعة مثل ﴿المر﴾ ﴿والمص﴾ وخمسة مثل ﴿كهيعص﴾ ﴿وحم

стр. 339

عسق﴾ لأن أساليب كلامهم على هذا من الكلمات، ما هو على حرف وعلى حرفين وعلى ثلاثة وعلى أربعة وعلى خمسة لا أكثر من ذلك. (قلت] [¬١] ولهذا كل سورة افتتحت بالحروف فلا بد أن يذكر فيها الانتصار للقرآن، وبيان إعجازه وعظمته، وهذا معلوم بالاستقراء، وهو الواقع [في تسع وعشرين سورة] [¬٢]، ولهذا يقول تعالى: ﴿الم (١) ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيبَ﴾ ﴿الم (١) اللَّهُ لَا إِلَهَ إلا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ (٢) نَزَّلَ عَلَيكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَينَ يَدَيهِ﴾، ﴿المص (١) كِتَابٌ أُنْزِلَ إِلَيكَ فَلَا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ﴾، ﴿الر كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ﴾، ﴿الم (١) تَنْزِيلُ الْكِتَابِ لَا رَيبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالمِينَ﴾، ﴿حم (١) تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ﴿كَذَلِكَ يُوحِي إِلَيكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٣)﴾ [الشورى: ٣] ﴿حم (١) عسق (٢) كَذَلِكَ يُوحِي إِلَيكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ وغير ذلك من الآيات الدالة على صحة ما ذهب إليه هؤلاء لمن أمعن النظر، والله أعلم. وأما من زعم أنها دالة على معرفة المدد، وأنه يستخرج من ذلك أوقات الحوادث والفتن والملاحم، فقد ادعى ما ليس له، وطار في غير مطاره، وقد ورد في ذلك حديث ضعيف، وهو مع ذلك أدل على بطلان هذا المسلك من التمسك به على صحته، وهو ما رواه محمد بن إسحاق بن يسار -صاحب المغازي (٧١) -: حدّثني الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس، عن جابر بن عبد الله بن رئاب [¬٣] قال: مر أبو ياسر بن أخطب في رجال من يهود برسول الله ﷺ وهو يتلو فاتحة سورة البقرة: ﴿الم (١) ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيبَ فِيهِ﴾ فأتى أخاه حُيي بن أخطب في رجال من اليهود فقال: تعلمون والله لقد سمعت محمدًا يتلو فيما أنزل اللَّه تعالى عليه: ﴿الم (١) ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾ فقال: أنت سمعته؟ قال: نعم. قال: فمشى حُيي بن أخطب في أولئك النفر من اليهود [¬٤] إلى رسول اللَّه ﷺ ، فقالوا: يا محمد، ألم تذكر أنك تتلو فيما أنزل الله عليك: ﴿الم (١) ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾؟ فقال رسول الله ﷺ : "بلى". فقالوا: جاءك [¬٥] بهذا جبريل من عند الله؟ فقال: "نعم" قالوا: لقد بعث الله قبلك أنبياء ما نعلمه بين لنبي منهم ما مدة ملكه وما أجل أمته غيرك، فقام [¬٦] حُييّ بن أخطب وأقبل على من كان معه، فقال لهم: الألف واحدة، واللام ثلاثون، والميم أربعون، فهذه إحدى وسبعون سنة، [أفتدخلون في دين نبي إنما مدة ملكه وأجل أمته إحدى وسبعون سنة؟] [¬٧] ثم أقبل على رسول

стр. 340

اللَّه، ﷺ فقال: يا محمد! هل مع هذا غيره؟ فقال: "نعم" قال: ما ذاك؟ قال: ﴿المص﴾ قال: هذه أثقل وأطول؛ الألف واحدة، واللام ثلاثون، والميم أربعون، والصاد سبعون [¬١]، فهذه إحدى وثلاثون [¬٢] ومائة [¬٣] سنة. هل مع هذا يا محمد غيره؟ قال: "نعم" قال: ما ذاك [¬٤]؟ قال ﴿الر [¬٥]﴾. قال: هذا [¬٦] أثقل وأطول الألف واحدة، واللام ثلاثون، والراء مائتان، فهذه إحدى وثلاثون ومائتا [¬٧] سنة. [فهل مع هذا يا محمد غيره؟ قال: "نعم"، [قال: ماذا؟ قال] [¬٨] ﴿المر﴾ قال: هذه أثقل وأطول؛ الألف واحدة، واللام ثلاثون، والميم أربعون والراء مائتان، فهذه إحدى وسبعون ومائتان] [¬٩]. ثم قال: لقد لُبِّسَ علينا أمرك يا محمد؛ حتى ما ندري أقليلًا أعطت أم كثيرًا، ثم قال: قوموا عنه، ثم قال أبو ياسر لأخيه حيي بن أخطب ولمن معه من الأحبار: ما يدريكم؟ لعله قد جمع هذا لمحمد كله، إحدى وسبعون، وإحدى وثلاثون ومائة، وإحدى وثلاثون ومائتان، وإحدى وسبعون ومائتان، فذلك سبعمائة وأربع سنين. فقالوا: لقد تشابه علينا أمره فيزعمون أن هؤلاء الآيات نزلت فيهم: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾. فهذا الحديث [¬١٠] مداره على محمد بن السائب الكلبي وهو ممن [¬١١] لا يحتج بما انفرد به، ثم كان مقتضى هذا المسلك إن كان صحيحًا أن يحسب [¬١٢] ما لكل حرف من الحروف الأربعة عشر التي ذكرناها وذلك يبلغ منه جملة كثيرة، وإن حُسبت مع التكرر فأطم [¬١٣]، وأعظم، والله أعلم. ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (٢)﴾ قال ابن جريج (٧٢): قال ابن عباس: ذلك الكتاب أي [¬١٤]: هذا الكتاب، وكذا [¬١٥] قال

стр. 341

مجاهد وعكرمة، وسعيد بن جبير والسدى، ومقاتل بن حيان [¬١] وزيد بن أسلم، وابن جريج أن ذلك بمعنى هذا، والعرب تقارض بين اسمي [¬٢] الإشارة، فيستعملون كلًّا منهما مكان الآخر، وهذا معروف في كلامهم. [وقد حكاه البخاري عن معمر بن المثنى أبي عبيدة وقال الزمخشري ذلك إشارة إلى ﴿الم﴾ كما قال تعالى: ﴿لَا فَارِضٌ وَلَا بِكْرٌ عَوَانٌ بَينَ ذَلِكَ﴾ وقال تعالى: ﴿ذَلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَينَكُمْ﴾ وقال: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ﴾ وأمثال ذلك مما أشير به إلى ما تقدم ذكره، والله أعلم. وقد ذهب بعض المفسرين فيما حكاه القرطبي (٧٣) وغيره إلى أن ذلك إشارة إلى القرآن الذي وعد الرسول ﷺ بإنزاله عليه أو التوراة أو الإنجيل أو نحو ذلك في أقوال عشرة. وقد ضعفت هذا المذهب كثيرون، والله أعلم [¬٣]. والكتاب: القرآن. ومن قال: إن المراد بذلك الكتاب الإشارة إلى التوراة والإنجيل كما حكاه ابن جرير [¬٤] (٧٤) وغيره فقد أبعد النجعة، وأغرق في النزع، وتكلّف ما لا علم له به. والريب: الشك. قال السديُّ: عن أبي مالك، وعن أبي صالح، في ابن عباس، وعن مرة الهمداني، عن ابن مسعود، وعن أناس من أصحاب رسول الله ﷺ (٧٥): ﴿لَا رَيبَ فِيهِ﴾: لا شك فيه. وقال أبو الدرداء (٧٦) وابن عباس (٧٧)، ومجاهد وسعيد بن جبير، وأبو مالك ونافع مولى ابن عمر، وعطاء وأبو العالية، والربيع بن أنس ومقاتل بن حيان [¬٥]، والسديُّ وقتادة، واسماعيل بن أبي خالد- وقال ابن أبي حاتم: لا أعلم في هذا خلافًا.

стр. 342

[وقد يستعمل الريب في التهمة قال جميل: بثينة قالت يا جميل أربتني … فقلت كلانا يا بثين مريب واستعمل أيضًا في الحاجة كما قال بعضهم: قضينا من تهامة كل ريب … وخيبر ثم أجمعنا السيوفا] [¬١] ومعنى الكلام هنا [¬٢] أن هذا الكتاب [و] [¬٣] هو القرآن لا شك فيه أنه نزل من عند الله كما قال اللَّه تعالى في السجدة: ﴿الم (١) تَنْزِيلُ الْكِتَابِ لَا رَيبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالمِينَ﴾ [وقال بعضهم: هذا خبر ومعناه النهي أي: لا ترتابوا فيه] [¬٤] ومن القرّاء من يقف على قوله تعالى: ﴿لَا رَيبَ﴾ ويبتدئ بقوله تعالى: ﴿فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ والوقف على [قوله تعالى]: ﴿لَا رَيبَ فِيهِ﴾ أولى للآية التي ذكرناها [¬٥] ولأنه يصير قوله تعالى: ﴿هُدًى﴾ صفة للقرآن وذلك أبلغ من كون فيه هدىً. وهدًى يحتمل من حيث العربية أن يكون مرفوعًا على النعت ومنصوبًا على الحال وخصت الهداية المتقين كما قال: ﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيهِمْ عَمًى أُولَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ (٤٤)﴾. ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إلا خَسَارًا (٨٢)﴾ إلى غير ذلك من الآيات الدالة [¬٦] على اختصاص المؤمنين بالنفع بالقرآن؛ لأنه هو [¬٧] في نفسه هدى ولكن لا يناله إلا الأبرار كما قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ (٥٧)﴾. وقد قال السدي عن أبي مالك، و [¬٨] عن أبي صالح عن ابن عباس، وعن مرّة الهمداني عن ابن مسعود، وعن أناس [¬٩] من أصحاب رسول اللَّه ﷺ (٧٨): ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ يعني نورًا اللمتقين. وقال الشعبي: هدى من الضلالة. وقال سعيد بن جبير: تبيان للمتقين. وكل [¬١٠] ذلك صحيح.

стр. 343

وقال السدى: عن أبي مالك، وعن أبي صالح، عن ابن عباس، وعن مرة الهمداني، عن ابن مسعود، وعن ناس من أصحاب رسول الله ﷺ : ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ قال: هم المؤمنون. وقال محمد بن إسحاق، عن محمد [بن أبي محمد] [¬١] مولى زيد بن ثابت، عن عكرمة أو عن [¬٢] سعيد بن جبير، عن ابن عباس (٧٩): ﴿لِلْمُتَّقِينَ﴾: أي الذين يحذرون من الله عقوبته في ترك ما يعرفون من الهدى، وهجون رحمته في التصديق بما جاء به. وقال أبو روق عن الضحاك عن ابن عباس: ﴿لِلْمُتَّقِينَ﴾ قال: المؤمنين [¬٣] الذين يتقون الشرك بي، ويعملون بطاعتي. وقال سفيان الثوري: عن رجل، عن الحسن البصري قوله تعالى (٨٠): ﴿لِلْمُتَّقِينَ﴾ قال: اتقوا ما حرم اللَّه [¬٤] عليهم، وأدَّوْا ما افترض الله [¬٥] عليهم. وقال أبو بكر بن عياش: سألني الأعمش عن ﴿لِلْمُتَّقِينَ﴾، قال: فأجبته. فقال لي: سل عنها الكلبي، فسألته، فقال: الذين يجتنبون كبائر الإثم قال [¬٦]: فرجعت إلى الأعمش، فقال: نرَى [¬٧] أنه كذلك ولم ينكره. وقال قتادة: ﴿لِلْمُتَّقِينَ﴾ هم الذين نعتهم الله [¬٨] بقوله: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ﴾ الآية و [¬٩] التي بعدها. واختار ابن جرير (٨١) أن الآية تعم ذلك كله، وهو كما قال. وقد روى الترمذي وابن ماجة (٨٢) من رواية أبي عقيل عبد اللَّه بن عقيل، عن عبد اللَّه بن

стр. 344

يزيد، عن ربيعة بن يزيد، وعطية بن قيس، عن عطية السعدي قال: قال رسول الله ﷺ "لا يبلغ العبد أن يكون من المتقين حتى يدع ما لا بأس به حذرًا مما [¬١] به بأس" ثم قال الترمذي: حسن غريب. وقال ابن أبي حاتم (٨٣): حدَّثنا أبي، حدَّثنا عبد الله بن عمران، حدثنا إسحاق بن سليمان - يعني الرازي - عن المغيرة بن مسلم، عن ميمون أبي حمزة قال: كنت جالسًا عند أبي وائل، فدخل علينا رجل يقال له: أبو عفيف - من أصحاب معاذ، فقال له شقيق بن سلمة: يا أبا عفيف؛ ألا تحدّثنا عن معاذ بن جبل! قال: بلى، سمعته يقول: يحبس الناس يوم القيامة في بقيع واحد فينادي مناد: أين المتقون؟ فيقومون في كنف من الرحمن لا يحتجب الله منهم ولا يستتر. قلت: من المتقون؟ قال: قوم اتقوا الشرك وعبادة الأوثان وأخلصوا لله العبادة، فيمرون إلى الجنة. [ويطلق الهدى ويراد به ما يقرّ في القلب من الإيمان، وهذا لا يقدر على خلقه في قلوب العباد إلا الله . قال الله تعالى: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾. وقال: ﴿لَيسَ عَلَيكَ هُدَاهُمْ﴾. وقال: ﴿مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَا هَادِيَ لَهُ﴾ وقال: ﴿مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا﴾ إلى غير ذلك من الآيات، ويطلق ويراد به بيان الحق وتوضيحه والدلالة عليه والإرشاد إليه، قال الله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ وقال: ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ﴾ وقال تعالى: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَينَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى﴾ وقال: ﴿وَهَدَينَاهُ النَّجْدَينِ (١٠)﴾ على تفسير من قال: المراد بهما الخير والشر. وهو الأرجح، والله أعلم، وأصل التقوى: التوقي مما يكره، لأن أصلها وقى من الوقاية قال النابغة: سقط النصيف ولم ترد إسقاطه … فتناولته واتقتنا باليد

стр. 345

وقال الآخر: فألقت قناعًا دونه الشمس واتقت … بأحسن موصولين كف ومعصم وقد قيل: إن عمر بن الخطاب ﵁ سأل أبي بن كعب عن التقوى، فقال له: أما سلكت طريقًا ذا شوك؟ قال: بلى. قال: فما عملت؟ قال: شمرت واجتهدت. قال: فذلك التقوى. وقد أخذ هذا المعنى ابن العتز فقال: خل الذنوب صغيرها … وكبيرها ذاك التقى واصنع كماشٍ فوق أو … ض الشوك يحذر ما يرى لا تحقرن صغيرة … إن الجبال من الحصى وأنشد أبو الدرداء يومًا: يريد المرء أن يؤتى مناه … ويأبى الله إلا ما أرادا يقول المرء فائدتي ومالي … وتقوى الله أفضل ما استفادا وفي سنن ابن ماجة (٨٤) عن أبي أمامة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "ما استفاد المرء بعد تقوى الله خيرًا من زوجة صالحة؛ إن نظر إليها سرته، وإن أمرها أطاعته، وإن أقسم عليها أبرته، وإن غاب عنها نصحته في نفسها وماله"] [¬١]. الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) قال أبو جعفر الرازي، عن العلاء بن المسيب بن رافع، عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص، عن عبد الله (٨٥) قال: الإيمان التصديق.

стр. 346

وقال علي بن أبي طلحة وغيره: عن ابن عباس (٨٦) ﵄: ﴿يُؤْمِنُونَ﴾: يصدّقون. وقال معمر، عن الزهري: الإيمان: العمل (٨٧). وقال أبو جعفر الرازي، عن الربيع بن أنس (٨٨): ﴿يُؤْمِنُونَ﴾: يخشون. قال ابن جرير (٨٩) وغيره: والأولى أن يكونوا موصوفين بالإيمان بالغيب قولًا واعتقادًا وعملًا. قال: وقد تدخل الخشية لله في معنى الإيمان، الذي هو تصديق القول بالعمل، والإيمان كلمة جامعة للإقرار بالله وكتبه ورسله، وتصديق الإقرار بالفعل. (قلت): أما الإيمان في اللغة فيطلق على التصديق المحض، وقد يستعمل في القرآن والمراد به ذلك، كما قال تعالى: ﴿يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ وكما قال إخوة يوسف لأبيهم: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ﴾ وكذلك إذا استعمل مقرونًا مع الأعمال كقوله تعالى: ﴿إلا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ فأما إذا استعمل مطلقًا فالإيمان الشرعي المطلوب لا يكون إلا اعتقادًا وقولًا وعملًا، هكذا ذهب إليه أكثر الأئمة، بل قد حكاه الشافعي وأحمد بن حنبل وأبو عبيد وغير واحد إِجماعًا أن الإيمان: قول وعمل، يريد وينقص. وقد ورد فيه آثار كثيرة، وأحاديث أوردنا الكلام فيها في أول شرح البخاري، ولله الحمد والمنة. ومنهم [¬١] من فسره بالخشية كقوله [¬٢] تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيبِ﴾ وقوله: ﴿مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيبِ وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ﴾ والخشية خلاصة الإيمان والعلم، كما قال تعالى [¬٣]: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾. [وقال بعضهم: يؤمنون بالغيب كما يؤمنون بالشهادة، وليسوا كما قال تعالى: عن المنافقين: ﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾ وقال: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ (١)﴾ فعلى هذا يكون قوله: بالغيب حالًا، أي: في حال كونهم غيبًا عن

стр. 347

الناس] [¬١]. وأما الغيب المراد هاهنا فقد اختلفت عبارات السلف فيه، وكلها صحيحة ترجع إلى أن الجميع مراد. قال أبو جعفر الرازي عن الربيع بن أنس عن أبي العالية (٩٠) في قوله تعالى: ﴿يُؤْمِنُونَ بِالْغَيبِ﴾ قال: يؤمنون بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وجنته وناره ولقائه، ويؤمنون بالحياة بعد الموت وبالبعث، فهذا غيب كله. وكذا قال قتادة بن دعامة. وقال السُّدي عن أبي مالك وعن أبي صالح عن ابن عباس، وعن مرّة الهمداني عن ابن مسعود، وعن ناس من أصحاب النبي ﷺ : أما الغيب فما غاب عن العباد من أمر الجنة وأمر النار وما ذكر في القرآن. وقال محمد بن إسحاق عن محمد بن أبي محمد، عن عكرمة -أو عن سعيد بن جبير- عن ابن عباس (٩١): ﴿بِالْغَيبِ﴾ قال: بما جاء منه -يعني من الله تعالى. وقال سفيان الثوري عن عاصم عن زر قال: الغيب: القرآن. وقال عطاء بن أبي رباح (٩٢): من آمن بالله فقد آمن بالغيب. وقال إسماعيل بن أبي خالد: ﴿يُؤْمِنُونَ بِالْغَيبِ﴾ قال: بغيب الإسلام. وقال زيد بن أسلم: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيبِ﴾ قال بالقدر. فكل هذه متقاربة [في معنى] [¬٢] واحد؛ لأن جميع هذه المذكورات من الغيب الذي يجب الإيمان به. وقال سعيد بن منصور (٩٣): حدَّثنا: أبو [¬٣]، معاوية، عن الأعمش، عن عمارة بن عمير، عن عبد الرحمن بن يزيد قال: كنا عند عبد الله بن مسعود جلوسًا، فذكرنا

стр. 348

أصحاب النبي ﷺ وما سبقونا [¬١] به، قال: فقال عبد الله: إن أمر محمد ﷺ كان بينًا لمن رآه، والذي لا إله غيره ما آمن أحد قط إيمانًا أفضل من إيمان بغيب. ثم قرأ: ﴿الم (١) ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (٢) الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيبِ﴾ إلى قوله ﴿الْمُفْلِحُونَ﴾. وهكذا رواه ابن أبي حاتم وابن مردويه والحاكم في مستدركه من طرق، عن الأعمش به (٩٤). وقال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه. وفي معنى هذا الحديث الذي رواه الإمام أحمد (٩٥): حدَّثنا أبو المغيرة، أخبرنا [¬٢] الأوزاعي، حدّثني أسيد [¬٣] بن عبد الرحمن، عن خالد بن دريك، عن ابن مُحَيريز [¬٤] قال: قلت لأبي جمعة: حدَّثنا حديثًا سمعته من رسول الله ﷺ ، قال: نعم، أحدّثك حديثًا جيدًا، تغدينا مع رسول الله ﷺ ومعنا أبو عبيدة بن الجراح، فقال: يا رسول اللَّه؛ [هل] [¬٥] أحد خير منَّا؟ أسلمنا معك وجاهدنا معك؟ قال: "نعم، قوم من بعدكم يؤمنون بي ولم يروني". طريق أخرى: قال أبو بكر بن مردويه في تفسيره (٩٦):

стр. 349

حدَّثنا عبد اللَّه بن جعفر، حدَّثنا إِسماعيل بن عبد اللَّه بن مسعود، حدَّثنا عبد اللَّه بن صالح، حدَّثنا معاوية بن صالح، [عن صالح] [¬١] بن جبير قال: قدم علينا أبو جمعة الأنصاري صاحب رسول اللَّه ﷺ بيت المقدس ليصلي فيه، ومعنا يومئذ رجاء بن حيوة [﵁] فلما انصرف [¬٢] خرجنا نشيعه، فلما أراد الانصراف قال: إن لكم جائزة وحقًّا أحدّثكم بحديث سمعته من رسول اللَّه ﷺ . قلنا: هات رحمك اللَّه! قال: كنا مع رسول اللَّه ﷺ ومعنا معاذ بن جبل عاشر عشرة، فقلنا: يا رسول اللَّه، هل من قوم أعظم منَّا أجرًا [¬٣]، آمنا باللَّه [¬٤] واتبعناك؟ قال: "ما يمنعكم من ذلك ورسول اللَّه بين أظهركم يأتيكم بالوحي من السماء، بل قوم من بعدكم يأتيهم كتاب بين لوحين يؤمنون به ويعملون بما فيه، أولئك أعظم منكم أجرًا". مرتين. ثم رواه من حديث ضمرة بن ربيعة، عن مرزوق بن نافع (٩٧)، عن صالح بن جبير، عن أبي جمعة بنحوه. وهذا الحديث فيه دلالة على العمل بالوجادة التي اختلف فيها أهل الحديث كما قررته في أول شرح البخاري؛ لأنه مدحهم على ذلك، وذكر أنهم أعظم أجرًا من هذه الحيثية لا مطلقًا. وكذا الحديث الآخر الذي رواه الحسن بن عرفة العبدي، حدَّثنا إِسماعيل بن عياش الحمصي، عن المغيرة بن قيس التميمي، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدّه قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "أي الخلق أعجب إليكم إيمانًا؟ " قالوا الملائكة. [قال: "وما لهم لا يؤمنون وهم عند ربهم؟ ". قالوا: فالنبيون.] [¬٥] قال "وما لهم لا يؤمنون والوحي ينزله عليهم؟ ". قالوا: فنحن. قال: "وما لكم لا تؤمنون وأنا بين أظهركم؟ ". قال: فقال رسول اللَّه، ﷺ : "ألا إن أعجب الخلق إليَّ إيمانًا لقومٌ يكونون من بعدكم يجدون صحفًا فيها كتاب يؤمنون بما فيها" (٩٨).

стр. 350

قال أبو حاتم الرازي: المغيرة بن قيس البصري منكر الحديث. [قلت]: ولكن قد روى أبو يعلى في مسنده (٩٩)، وابن مردويه في تفسيره، والحاكم في مستدركه من حديث محمد بن أبي حميد - وفيه ضعف - عن زيد بن أسلم، عن أبيه، عن عمر، عن النبي ﷺ بمثله أو نحوه. وقال الحاكم: صحيح الإسناد ولم يخرجاه. وقد رُوي نحوه عن [¬١] أنس بن مالك مرفوعًا (١٠٠)، واللَّه أعلم. وقال ابن أبي حاتم (١٠١): [حدَّثنا أبي] [¬٢] حدَّثنا عبد اللَّهِ بن محمد المسندي، حدَّثنا إسحاق بن إدريس، أخبرني إبراهيم بن جعفر بن محمود بن سلمة الأنصاري، أخبرني جعفر بن محمود، عن جدته نُوَيلة [¬٣] بنت أسلم قالت: صليت الظهر -أو العصر- في مسجد بني حارثة، فاستقبلنا مسجد إيلياء فصلينا سجدتين، ثم جاءنا من يخبرنا أنّ رسول اللَّه ﷺ قد استقبل البيت [¬٤] الحرام، فتحول النساء مكان الرجال والرجال مكان النساء فصلينا السجدتين الباقيتين ونحن مستقبلو [¬٥] البيت الحرام. قال إبراهيم: فحدثني رجال من بني حارثة أنّ رسول اللَّه ﷺ حين بلغه ذلك

стр. 351

قال: "أولئك قوم آمنوا بالغيب". هذا حديث غريب من هذا الوجه. قال ابن عباس: ﴿وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ﴾ أي يقيمون الصلاة بفروضها. وقال الضحاك، عن ابن عباس: إقامة الصلاة إتمام [¬١] الركوع والسجود والتلاوة والخشوع والإقبال عليها فيها. وقال قتادة: إقامة الصلاة المحافظة على مواقيتها ووضوئها وركوعها وسجودها. وقال مقاتل بن حيان [¬٢]: إقامتها المحافظة على مواقيتها وإسباغ الطهور فيها، وتمام ركوعها وسجودها وتلاوة القرآن فيها، والتشهد والصلاة على النبي ﷺ ، فهذا إقامتها. وقال علي بن أبي طلحة وغيره: عن ابن عباس: ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ قال: زكاة أموالهم. وقال السدي عن أبي مالك، وعن أبي صالح، عن ابن عباس، وعن مرة، عن ابن مسعود، وعن أناس من أصحاب رسول الله ﷺ : ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ قال: [هي [¬٣]] نفقة الرجل على أهله، وهذا قبل أن تنزل الزكاة. وقال جوبير (١٠٢) عن الضحاك: كانت النفقات قرباتٍ [¬٤] يتقربون بها إلى اللَّه تعالى على قدر ميسرتهم وجهدهم، حتى نزلت فرائض الصدقات سبع آيات في سورة براءة، مما يذكر فيهنّ الصدقات هنّ الناسخات المثبتات. وقال قتادة: ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ فأنفغوا مما أعطاكم الله هذه الأموال، عواري وودائع عندك يا بن آدم؛ يوشك أن تفارقها. واختار ابن جرير أنّ الآية عامة في الزكاة والنفقات، فإنه قال: وأولى التأويلات وأحقها بصفة القوم أن يكونوا لجميع اللازم لهم في أموالهم، مؤدين زكاة كان ذلك أو نفقة من لزمته نفقته، من أهلٍ أو [¬٥] عيال وغيرهم، ممن يجب [¬٦] عليهم نفقته بالقرابة والملك وغير ذلك؛ لأنّ اللَّه تعالى عم

стр. 352

وصفهم ومدحهم بذلك، وكل من الإنفاق والزكاة ممدوح به محمود عليه. (قلت): كثيرًا ما يقرن الله تعالى بين الصلاة والإنفاق من الأموال؛ فإن الصلاة حق الله وعبادته وهي مشتملة على توحيده والثناء عليه، وتمجيده والابتهال إليه، ودعائه والتوكل عليه، والإنفاق هو [] [¬١] الإحسان إلى المخلوقين بالنفع المتعدي إليهم، وأولى الناس بذلك القرابات والأهلون والمماليك ثم الأجانب، فكل من النفقات الواجبة والزكاة المفروضة داخل في قوله تعالى: ﴿ومما رزقناهم ينفقون﴾، ولهذا ثبت في الصحيحين (١٠٣) عن ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: "بُني الإسلام على خمس: شهادةِ أن لا إِله إلا الله، [وأن محمدًا رسول الله،] [¬٢] وإقام الصلاة، وإيتاءِ الزكاةِ، وصوم رمضان، وحج البيتِ الحرام [¬٣] ". والأحاديث في هذا كثيرة. وأصل الصلاة في كلام العرب: الدعاء، قال الأعشى: لها حارس لا يبرحُ الدّهر بيتها … وإن ذُبِحَت صلَّى عليها وَزَمْزَما وقال أيضًا [¬٤]: وقابلها الريح في دنها … وصلى على دنها وارتسم أنشدهما ابن جرير مستشهدًا على ذلك. وقال الآخر [وهو الأعشى أيضًا] [¬٥]: تقول بنتي [¬٦] وقد قَربتُ مرتحلًا … يارب جنِّب أبي الأوصابَ والوَجَعَا عليكِ مثلُ الذي صليت [¬٧] فاغتمضي … نومًا فإن لجِنَبِ المرء مُضطجعًا [¬٨] يقول: عليك من الدعاء مثل الذي دعوت [¬٩] لي، وهذا ظاهر. ثم استعملت الصلاة في الشرع في ذات الركوع والسجود والأفعال المخصوصة في الأوقات المخصوصة، بشروطها المعروفة، وصفاتها وأنواعها المشهورة.

стр. 353

قال ابن جرير: وأرى أن الصلاة الفروضة سميت صلاة؛ لأن المصلي يتعرض لاستنجاح طلبته من ثواب الله بعمله، مع ما يسأل ربه فيها [¬١] من حاجته [¬٢]. [وقيل: هي مشتقة من الصلوين إذا تحركا في الصلاة عند الركوع والسجود، وهما عرقان يمتدان من الظهر حتى يكتنفا عجب الذنب. ومنه سمي المصلي وهو التالي للسابق في حلبة الخيل، وفيه نظر. وقيل: هي مشتقة من الصلي وهو الملازمة للشيء من قوله تعالى: ﴿لا يصلاها﴾ أي لا يلزمها ويدوم فيها: ﴿إلا الأشقى﴾. وقيل: مشتقة من تصلية الخشبة في النار لتقوَّم، كما أن المصلي يقوَّم عوجه بالصلاة: ﴿إن الصلاة تنهَى عن الفحشاء والمنكر ولذكر الله أكبر﴾ واشتقاقها من الدعاء أصح وأشهر، والله أعلم] [¬٣]. وأما الزكاة فسيأتي الكلام عليها في موضعه إن شاء الله تعالى. ﴿وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (٤)﴾ قال ابن عباس (١٠٤): ﴿والذين يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك﴾ أي: يصدّقون بما جئت به من الله، وما جاء به من قبلك من المرسلين لا يفرّقون بينهم، ولا يجحدون ما جاءوهم به من ربهم. ﴿وبالآخرة هم يوقنون﴾ أي بالبعث والقيامة، والجنة والنار، والحساب والميزان. وإنما سميت الآخرة؛ لأنها بعد الدنيا، وقد اختلف الفسرون في الموصوفين هاهنا هل هم الموصوفون بما تقدم من قوله تعالى: ﴿الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون﴾ ومن هم؟ على ثلاثة أقوال حكاها ابن جرير: أحدها أن الموصوفين أوّلًا هم الموصوفون ثانيا، وهم كل مؤمن، مؤمنو العرب ومؤمنو [¬٤] أهل الكتاب وغيرهم. قاله مجاهد وأبو العالية والربيع أنس وقتادة.

стр. 354

والثاني: هما واحد وهم مؤمنو أهل الكتاب. وعلى هذين تكون الواو عاطفة صفات على صفات كما قال تعالى: ﴿سبح اسم ربك الأعلى الذي خلق فسوى والذي قدر فهدى والذي أخرج المرعى فجعله غثاء أحوى﴾. وكما قال الشاعر: إلى الملك القَرم وابن الهُمام … وليثِ الكتيبة [¬١] في المُزدَحَم فعطف الصفات بعضها على بعض، والموصوف واحد. والثالث: أن الموصوفين أوّلًا مؤمنو العرب، والموصوفون ثانيًا بقوله: ﴿والذين يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك﴾. الآية مؤمنو [¬٢] أهل الكتاب. نقله السدي في تفسيره عن ابن عباس، وابن مسعود، وأناس من الصحابة [¬٣]، واختاره ابن جرير ﵀ ويستشهد لما قال بقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيكُمْ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيهِمْ خَاشِعِينَ لِلَّهِ﴾ الآية. وبقوله تعالى: ﴿وَإِذَا يُتْلَى عَلَيهِمْ قَالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ (٥٣) أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَينِ بِمَا صَبَرُوا وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾، وبما [¬٤] ثبت في الصحيحين (١٠٥) من حديث الشعبي، عن أبي بردة، عن أبي موسى، أن رسول الله ﷺ قال: "ثلاثة يؤتون أجرهم مرتين: رجل من أهل الكتاب آمن بنبيه وآمن بي، ورجل مملوك أدَّى حق الله وحق مواليه، ورجل أدب جاريته فأحسن تأديبها ثم أعتقها وتزوجها". وأما ابن جرير فما استشهد على صحة ما قال إلا بمناسبة، وهي أن الله تعالى وصف في أول هذه السورة المؤمنين والكافرين، فكما أنه صنف الكافرين إلى صنفين: كافر، ومنافق، فكذلك المؤمنون صنفهم إلى صنفين: عربي، وكتابي. (قلت): والظاهر قول مجاهد، فيما رواه الثوري عن رجل، عن مجاهد. ورواه غير واحد عن ابن أبي نجيح عن مجاهد، أنه قال: أربع آيات من أوّل [¬٥] سورة البقرة في نعت المؤمنين، وآيتان في نعت الكافرين، وثلاث عشرة في المنافقين.

стр. 355

فهذه الآيات الأربع عامة [¬١] في كل مؤمن اتصف بها من عربي وعجمي، وكتابي من إنسي وجني، وليس تصح واحدة من هذه الصفات بدون الأخرى، بل كل واحدة مستلزمة للأخرى وشرط معها، فلا يصح الإيمان بالغيب وإقام الصلاة والزكاة إلا مع الإيمان بما جاء به الرسول [ ﷺ ] وما جاء به من قبله من [الرسل صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين] [¬٢] والإيقان بالآخرة، كما أنّ هذا لا يصح إلا بذاك. وقد أمر الله تعالى المؤمنين بذلك، كما قال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ﴾. الآية. وقال تعالى: ﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إلا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إلا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَينَا وَأُنْزِلَ إِلَيكُمْ﴾. الآية وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ [¬٣]؛ آمنوا بما نزلنا مصدّقًا لما معكم﴾. وقال تعالى: ﴿قل يا أهل الكاب لستم على شيء حتى تقيموا التوراة والإنجيل وما أنزل إليكم من ربكم﴾. وأخبر تعالى عن المؤمنين كلهم [¬٤] بذلك فقال تعالى: ﴿آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبة ورسله [لا نفرق بين أحد من رسله] [¬٥]﴾ وقال تعالى: ﴿والذين آمنوا بالله ورسله ولم يفرّقوا بين أحد منهم أولئك سوف نؤتيهم أجورهم﴾. إلى [¬٦] غير ذلك من الآيات الدالة على أمر جميع المؤمنين بالإيمان باللَّه ورسله وكتبه. لكن لمؤمني أهل الكتاب خصوصية، وذلك أنهم يؤمنون بما بأيديهم [¬٧] مفصلًا، فإذا دخلوا في الإسلام وآمنوا به مفصلًا كان لهم على ذلك الأجر مرتين، وأما غيرهم فإنما يحصل له الإيمان بما تقدم مجملًا. كما جاء في الصحيح (١٠٦): " إذا حدّثكم أهل الكتاب [فلا تكذبوهم ولا تصدّقوهم] [¬٨]، و [لكن] [¬٩] قولوا: آمنا بالذي أنزل إلينا وأنزل إليكم".
следующие страницы →