← Тафсир

Тафсир · id 1509

تفسير ابن كثير - ط أولاد الشيخ

ابن كثير

Полный текст (6 736 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

ما ذكروه، وعلى هذا فيكون تقدير [¬١] اسم الله الذي لم يسم به [¬٢] أحد غيره، ووصفه أولًا بالرحمن الذي منع من التسمية به لغيره، كما قال تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَو ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾. وإنما تجمهر مسيلمة اليمامة في التسمي به، ولم يتابعه على ذلك إلا من كان معه في الضلالة [¬٣]. وأما الرحيم فإنه [تعالى وصف] [¬٤] به غيره، حيث قال: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيهِ مَاعَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾. كما وصف غيره بغير ذلك من أسمائه [كما قال تعالى] [¬٥]: ﴿إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾. والحاصل أن من أسمائه تعالى ما يسمى به غيرُه، ومنها ما لا يسمى به غيره، كاسم [¬٦] الله والرحمن والخالق والرزاق ونحو ذلك، فلهذا بدأ باسم الله ووصفه بالرحمن؛ لأنه أخص وأعرف من الرحيم؛ لأن التسمية أولًا إنما تكون بأشرف [¬٧] الأسماء فلهذا ابتدأ بالأخص فالأخص. فإن قيل: فإذا كان الرحمن أشد مبالغة فهلا اكتفي به عن الرحيم؟. فقد روي عن عطاء الخراساني ما معناه، أنه لما تسمى غيره تعالى بالرحمن، جيء بلفظ الرحيم ليقطع التوهم بذلك، فإنه لا يوصف بالرحمن الرحيم إلا الله تعالى، كذا رواه ابن جرير عن عطاء، ووجَّهَه بذلك والله أعلم. وقد زعم بعضهم أن العرب لا تعرف الرحمن، حتى رد الله عليهم ذلك بقوله: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَو ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ ولهذا قال كفار قريش يوم الحديبية، لما قال رسول الله ﷺ لعلى: "اكتب "بسم المه الرحمن الرحيم" فقالوا: لا نعرف الرحمن ولا الرحيم. رواه البخاري (١١١). وفي بعض الروايات؛ لا نعرف الرحمن إلا رحمن اليمامة. وقال تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ قَالُوا وَمَا الرَّحْمَنُ أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا وَزَادَهُمْ نُفُورًا﴾. والظاهر أن إنكارهم هذا إنما هو جحود وعناد وتعنّت في كفرهم؛ فإنه [¬٨] قد [¬٩] وجد في [أشعارهم في] [¬١٠] الجاهلية تسمية الله تعالى بالرحمن.

стр. 282

قال ابن جرير: وقد أنشد بعض الجاهلية الجهال: ألا ضربت تلك الفتاة هجينها … ألا قضب الرحمن ربي يمينها (١١٢) وقال سلامة بن جندل الطهوي: عَجِلْتُم علينا عَجْلَتَيْنا [¬١] عليكم … وما يشأِ الرحمنُ يَعْقِدْ ويُطْلِقِ (١١٣) وقال ابن جرير (١١٤): حدثنا أبو كريب، حدّثنا عثمان بن سعيد، حدّثنا بشر بن عمارة، حدّثنا أبو روق، عن الضحاك، عن عبد الله بن عباس قال: الرحمن: الفعلان من الرحمة، هو من كلام العرب. وقال ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ الرفيق الرقيق بمن أحب أن يرحمه، والبعيد الشديد على من أحب أن يعنف عليه، وكذلك أسماؤه كلها. وقال ابن جرير (١١٥) أيضًا [¬٢]: حدّثنا محمَّد بن بشار، حدّثنا حماد بن مسعدة، عن عوف عن الحسن قال: الرحمن اسم ممنوع. وقال ابن أبي حاتم (١١٦): حدثنا أبو سعيد بن [¬٣] يحيى بن سعيد القطان، حدّثنا زيد بن الحباب، حدّثني أبو الأشهب، عن الحسن قال: [الرحمن] اسم لا يستطيع الناس أن ينتحلوه، تسمى به ﵎. [وقد جاء في حديث أم سلمة (١١٧) أن رسول الله ﷺ كان يقطع قراءته حرفًا حرفًا ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (١) الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣) مَالِكِ يَوْمِ

стр. 283

الدِّينِ﴾ فقرأ بعضهم كذلك وهم طائفة، ومنهم من وصلها بقوله ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالمِينَ﴾ وكُسِرت الميم لالتقاء الساكنين وهم الجمهور. وحكى الكسائي من الكوفيين عن بعض العرب أنها تقرأ بفتح الميم وصلة الهمزة فيقولون: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (١) الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالمِينَ (٢)﴾. فنقلوا حركة الهمزة إلى الميم بعد تسكينها كما قُرئ قوله تعالى: ﴿الم (١) اللَّهُ لَا إِلَهَ إلا هُوَ﴾ قال ابن عطية: ولم ترد هذه قراءة عن أحد فيما علمت] [¬١]. ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالمِينَ (٢)﴾ [القراء السبعة على ضم الدال في قوله: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ هو مبتدأ وخبر، وروي عن سفيان ابن عيينة، ورؤبة بن العجاج أنهما قالا: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ بالنصب وهو على إضمار فعل. وقرأ ابن أبي عبلة ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ بضم الدال والسلام إتباعًا للثاني الأول، وله شواهد لكنه شاذ. وعن الحسن وزيد بن علي ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ بكسر الدال إتباعًا للأوّل الثاني] [¬٢]. قال أبو جعفر بن جرير [﵀]: معنى [¬٣] ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ الشكر لله خالصًا دون سائر ما يعبد من دونه، ودون كل ما برأ من خلقه، بما أنعم على عباده من النعم التي لا يحصيها العدد، ولا يحيط بعددها غيره أحد؛ في تصحيح الآلات لطاعته، وتمكين جوارح أجسام المكلفين لأداء فرائضه، مع ما بسط لهم في دنياهم من الرزق، وغذاهم به من نعيم العيش، من غير استحقاق منهم ذلك عليه، ومع ما نبههم عليه ودعاهم إليه، في الأسباب المؤدية إلى دوام الخلود في دار المقام في النعيم المقيم، فلربنا الحمد على ذلك كله أولًا وآخرًا. [وقال ابن جرير ﵀: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ ثناء أثنى به على نفسه، وفي ضمنه أمر عباده أن يثنوا عليه فكأنه قال: قولوا: الحمد لله] [¬٤] قال: وقد قيل: إن قول القائل: [الحمد لله] [¬٥]، ثناء عليه [بأسمائه الحسنى وصفاته العلى] [¬٦]، وقوله: (الشكر لله) ثناء عليه بنعمه وأياديه. ثم شرع في ردّ ذلك بما حاصله: أن جميع أهل المعرفة بلسان العرب يوقعون كلًّا من الحمد والشكر مكان الآخر، [وقد نقل السلمي هذا المذهب أنهما سواء عن جعفر الصادق وابن عطاء من الصوفية. وقال ابن عباس: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ كلمة كل شاكر.

стр. 284

وقد استدل القرطبي (١١٨) لابن جرير بصحة قول القائل: الحمد لله شكرًا] [¬١]ـ. وهذا الذي ادعاه [ابن جرير] [¬٢] فيه نظر؛ لأنه اشتهر عند كثير من العلماء من المتأخرين أن الحمد هو الثناء بالقول على المحمود بصفاته اللازمة والمتعدية، والشكر لا يكون إلا على المتعدية، ويكون بالجنَان واللسان والأركان، كما قال الشاعر: أفادتكم [¬٣] النعماء مني ثلاثة … يدي ولساني والضمير المحجبا ولكنهم [¬٤] اختلفوا أيهما أعم، الحمد أو الشكر؟ على قولين، والتحقيق أن بينهما عمومًا وخصوصًا، فالحمد أعم من الشكر من حيث ما يقعان عليه؛ لأنه يكون على الصفات اللازمة والمتعدية، تقول: حمدته لفروسيته، وحمدته لكرمه، وهو أخص؛ لأنه لا يكون إلا بالقول. والشكر أعم من حيث ما يقعان عليه [¬٥]؛ لأنه يكون بالقول والفعل [¬٦] والنية كما تقدّم، وهو أخص؛ لأنه لا يكون إلا على الصفات المتعدية، لا يقال شكرته لفروسيته. وتقول: شكرته على كرمه وإحسانه إليَّ. هذا حاصل ما حرره بعض المتأخرين، والله أعلم. وقال أبو نصر إسماعيل بن حماد الجوهري: الحمد نقيض الذم، تقول: حمدت الرجل أحمده حمدًا ومحمدة فهو حميد ومحمود، والتحميد أبلغ من الحمد، والحمد أعم من الشكر. وقال في الشكر: هو الثناء على المحسن بما أولاكه من المعروف، يقال: شكرته وشكرت له. وباللام أفصح. [وأما المدح فهو أعم من الحمد؛ لأنه يكون للحي وللميت وللجماد أيضًا، كما يمدح الطعام والمكان ونحو ذلك، ويكون قبل الإحسان وبعده وعلى الصفات المتعدية واللازمة أيضًا فهو أعم] [¬٧]. ذكر أقوال السلف في الحمد قال ابن أبي حاتم (١١٩): حدثنا أبي، حدَّثنا أبو معمر القطيعي، حدَّثنا حفص، عن حجاج عن ابن أبي مليكة، عن ابن عباس ﵄ قال: قال عمر ﵁: قد عَلِمنَا

стр. 285

سبحان الله [ .... ] [¬١] ولا إله إلا الله فما الحمد لله؟ فقال علي: كلمة رضيها الله لنفسه. ورواه غير أبي معمر، عن حفص فقال: قال عمر لعلي - وأصحابه عنده -: لا إله إلا الله وسبحان الله والله أكبر قد عرفناها، فما الحمد لله؟ قال عَلي: كلمة أحبها [الله تعالى] لنفسه، ورضيها لنفسه، وأحب أن تقال (١٢٠). وقال علي بن زيد بن جدعان (١٢١)، عن يوسف بن مهران قال: قال ابن عباس: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾: كلمة الشكر وإذا قال العبد: الحمد لله، قال: شكرني عبدي. رواه ابن أبي حاتم. وروى أيضًا هو وابن جرير، من حديث بشر بن عمارة، عن أبي روق، عن الضحاك، عن ابن عباس أنه قال: الحمد لله هو الشكر لله، [والاستخذاء له] [¬٢]، والإقرار له بنعمه وهدايته وابتدائه وغير ذلك. وقال كعب الأحبار (١٢٢): الحمد لله ثناء الله. وقال الضحاك: الحمد؛ رداء الرحمن. وقد ورد الحديث بنحو ذلك. قال ابن جرير (١٢٣): حدَّثنا [¬٣] سعيد بن عمرو السكوني، حدثنا بقية بن الوليد، حدّثني عيسى بن إبراهيم، عن موسى بن أبي حبيب، عن الحكم بن عمير - وكانت له صحبة - قال: قال

стр. 286

رسول الله ﷺ : "إذا قلتَ: الحمد لله رب العالمين فقد شكرت الله، فزادك". وقد روى الإِمام أحمد بن حنبل (١٢٤): حدَّثنا روح، حدَّثنا عوف، عن الحسن، عن الأسود بن سريع، قال: قلت: يا رسول الله؛ ألا أنشدك محامد حمدت بها ربي ﵎؟ فقال: "أما إنّ ربك يحب الحمد". ورواه النسائي عن علي بن حجر، عن ابن علية، عن يونس بن عبيد، عن الحسن، عن الأسود بن سريع، به. وروى [أبو عيسى الحافظ] [¬١] الترمذي والنسائي وابن ماجه من حديث موسى بن إبراهيم بن كثير، عن طلحة بن خراش [¬٢] عن جابر بن عبد الله؛ قال: قال رسول الله ﷺ : "أفضل الذكر لا إله إلا الله، وأفضل الدعاء الحمد لله" (١٢٥). وقال الترمذي: حسن غريب.

стр. 287

[وروى ابن ماجه عن أنس بن مالك (١٢٦) ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "ما أنعم الله على عبد نعمة فقال: الحمد لله، إلا كان الذي أعطى أفضل مما أخذ". وقال القرطبي في تفسيره: وفي نوادر الأصول عن أنس عن النبي ﷺ قال: "لو أن الدنيا بحذافيرها في يد رجل من أمَّتي، ثم قال: الحمد لله لكان الحمد لله أفضل من ذلك" (١٢٧). قال القرطبي وغيره: أي لكان إلهامه الحمد لله أكثر نعمة عليه من نعم الدنيا؛ لأنّ ثواب الحمد لا يفنى ونعيم الدنيا لا يبقى. قال الله تعالى: ﴿الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيرٌ أَمَلًا (٤٦)﴾ [الكهف: ٤٦]. وفي سنن ابن ماجه عن ابن عمر (١٢٨): أن رسول الله ﷺ حدثهم: "أن عبدًا

стр. 288

من عباد الله قال: يا رب؛ لك الحمد كما ينبغي لجلال وجهك وعظيم سلطانك. فعضلت بالملكين فلم يدريا كيف يكتبانها فصعدا إلى الله فقالا: يا ربنا؛ إنّ عبدًا قد قال مقالة لا ندري كيف نكتبها. قال الله - وهو أعلم بما قال عبده: ماذا قال عبدي؟ قالا: يا رب، إنه قال: لك الحمد يا رب كما في لجلال وجهك وعظيم سلطانك. فقال الله لهما: اكتباها كما قال عبدي حتى يلقاني فأجزيه بها". وحكى القرطبي (١٢٩) عن طائفة أنهم قالوا: قول العبد: الحمد لله رب العالمين أفضل من قوله: لا إله إلا الله؛ لاشتمال الحمد لله رب العالمين على التوحيد مع الحمد. وقال آخرون: لا إله إلا الله أفضل؛ لأنها تفصل بين الإيمان والكفر، وعليها يقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، كما ثبت في الحديث المتفق عليه (١٣٠). وفي الحديث الآخر [] (١٣١): " أفضل ما قلت أنا والنبيون من قبلي: لا إله إلا الله وحده لا شريك له". وقد تقدّم عن جابر مرفوعًا: "أفضل الذكر لا إله إلا الله، وأفضل الدعاء الحمد لله". وحسنه الترمذي] [¬١].

стр. 289

والألف واللام في الحمد لاستغراق جميع أجناس الحمد وصنوفه لله تعالى، كما جاء في الحديث (١٣٢): " اللهم لك الحمد كله، ولك الملك كله، وبيدك الحير كله، وإليك يرجع الأمر كله". الحديث. ﴿رَبِّ الْعَالمِينَ﴾ والربُّ هو المالك المتصرف، ويطلق في اللغة على السيد وعلى المتصرف للإصلاح. وكل ذلك صحيح في حق الله تعالى، [ولا يستعمل الرب لغير الله بل بالإضافة تقول: رب الدار، رب كذا. وأما الرب فلا يقال إلا لله ، وقد قيل: إنه الاسم الأعظم] [¬١] والعالمين جمع عالم،

стр. 290

[وهو كل موجود سوى الله ] [¬١]، والعالم جمعٌ لا واحد له من لفظه، والعوالم أصناف المخلوقات [في السموات] [¬٢] وفي البر والبحر، وكل قرن منها وجيل يسمى [¬٣] عالمًا أيضًا. قال بشر بن عمارة، عن أبي روق، عن الضحاك، عن ابن عباس: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالمِينَ (٢)﴾ [الفاتحة: ٢]. الحمد لله الذي له الخلق كله، السموات والأرضون، وما [¬٤] فيهن وما بينهنّ، مما نعلم ومما [¬٥] لا نعلم. وفي رواية سعيد بن جبير وعكرمة عن ابن عباس - رب الجنّ والإنس؛ وكذلك قال سعيد بن جبير ومجاهد وابن جريج، وروي عن علي [نحوه] [¬٦]. وقال ابن أبي حاتم: بإسناد لا يعتمد عليه. [واستدل القرطبي لهذا القول بقوله تعالى: ﴿لِيَكُونَ لِلْعَالمِينَ نَذِيرًا﴾. وهم الجنّ والإنس. قال الفراء وأبو عبيد: العالم عبارة عما يعقل وهم: الإنس والجن، والملائكة والشياطين، ولا يقال للبهائم عالم. وعن زيد بن أسلم وأبي محيصن: العالم كل ماله روح ترفرف] [¬٧] وقال قتادة: ﴿رَبِّ الْعَالمِينَ﴾ كل صنف عالم. [وقال الحافظ ابن عساكر في ترجمة مروان بن محمَّد - وهو أحد خلفاء بني أمية، وهو يعرف بالجعد، ويلقب بالحمار - أنه قال: خلق الله سبعة عشر ألف عالم؛ أهل السموات - وأهل الأرض عالم واحد، وسائرهم لا يعلمهم إلا الله ] [¬٨]. وقال أبو جعفر الرازي: عن الربيع بن أنس عن أبي العالية في قوله تعالى: ﴿رَبِّ الْعَالمِينَ﴾ قال الإنس عالم، والجن عالم، وما سوى ذلك ثمانية عشر ألف عالم أر أربعة عشر ألف عالم -هو يشك - من [¬٩] الملائكة على الأرض، وللأرض أربع زوايا، في كل زاوية ثلاثة آلاف عالم، وخمسمائة عالم خلقهم الله [¬١٠] لعبادته. رواه ابن جرير وابن أبي حاتم. [وهذا كلام غريب يحتاج مثله إلى دليل صحيح] [¬١١].

стр. 291

وقال ابن أبي حاتم (١٣٣): حدثنا أبي، حدَّثنا هشام بن خالد، حدَّثنا الوليد بن مسلم، حدَّثنا الفرات -يعني ابن الوليد- عن مغيث [¬١] بن سمي، عن تُبَيع -يعني الحميري- في قوله تعالى: ﴿رَبِّ الْعَالمِينَ﴾ قال: العالمين ألف أمّة فستمائة في البحر، وأربعمائة في البر. [وحكي مثله عن سعيد بن المسيب] [¬٢]، وقد روي نحو هذا مرفوعًا. كما قال الحافظ أبو يعلى أحمد بن علي بن المثنى في مسنده: حدَّثنا محمَّد بن المثنى، حدَّثنا عبيد بن واقد القيسي أبو عباد، حدّثني محمَّد بن عيسى بن كيسان، حدثنا محمَّد بن المنكدر، عن جابر بن عبد الله قال: قلَّ [¬٣] الجراد في سنة من سنين عمر التي وليَ فيها فسأل عنه، فلم يخبر بشيء، فاغتم لذلك، فأرسل راكبًا يضرب إلى اليمن [¬٤] وآخر إلى الشام، وآخر إلى العراق، يسأل هل رُئيَ من الجراد شيءٌ أم لا؟ قال: فأتاه الراكب الذي في قِبَل اليمن بقبضة من جراد فألقاها بين يديه، فلما رآها كبر ثم قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "خلق الله ألف أمّة؛ ستمائة في البحر، وأربعمائة في البر، فأوّل شيء [يهلك] [¬٥]، من هذه الأم الجراد، فإذا هلك تتابعت مثل النظام إذا قطع سلكه" (١٣٤).

стр. 292

[و] [¬١] محمد بن عيسى هذا [¬٢]-وهو الهلالي- ضعيف. [وحكى البغوي عن سعيد بن المسيب أنه قال: لله ألف عالم؛ ستمائة في البحر، وأربعمائة في البر. وقال وهب بن منبه: لله ثمانية عشر ألف عالم، الدنيا عالم منها. وقال مقاتل: العوالم ثمانون ألفًا وقال كعب الأحبار: لا يعلم عدد العوالم إلا الله . نقله كله البغوي. وحكى القرطبي عن أبي سعيد الخدري أنه قال: إن لله أربعين ألف عالم، الدنيا من شرقها إلى مغربها عالم واحد منها. وقال الزجاج: العالم كل ما خلق الله في الدنيا والآخرة. قال القرطبي: وهذا هو الصحيح أنه شامل لكل العالمين كقوله: ﴿قَال فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَالمِينَ قَال رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَينَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ﴾ والعالم مشتق من العلامة قلت: لأنه علم دال على وجود خالقه وصانعه ووحدانيته، كما قال ابن المعتز: فيا عجبًا كيف يعصى الإله … أم كيف يجحده الجاحد وفي كل شيء له آية … تدل على أنه واحد] [¬٣] وقوله تعالى:

стр. 293

﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣)﴾ تقدم الكلام عليه في البسملة بما أغنى عن إعادته. [قال القرطبي إنَّما وصف نفسه بالرحمن الرحيم بعد قوله: رب العالمين؛ ليكون من باب قرن الترغيب بعد الترهيب. كما قال تعالى: ﴿نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ﴾ وقوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾. قال: فالربُّ فيه ترهيب، والرحمن الرحيم ترغيب. وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "لو يعلم المؤمن ما عند الله من العقوبة ما طمع في جنته أحد، ولو يعلم الكافر ما عند الله من الرحمة ما قنط من رحمته أحد" (١٣٥)] [¬١]. ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤)﴾ قرأ بعض القراء ﴿مَالِكِ﴾ وقرأ آخرون ﴿مَلِك﴾. وكلاهما صحيح متواتر في السبع. [ويقال: ملك بكسر اللام وبإسكانها. ويقال: مليك أيضًا، وأشبع نافع كسرة الكاف فقرأ: (ملكي يوم الدين) وقد رجَّح كلا من القراءتين مرجِّحون من حيث المعنى، وكلاهما صحيحة حسنة. ورجح الزمخشري ملك؛ لأنَّها قراءة أهل الحرمين، ولقوله: ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ﴾، وقوله: ﴿قَوْلُهُ الْحَقُّ وَلَهُ الْمُلْكُ﴾ وحكي من أبي حنيفة أنَّه قرأ ﴿مَلَكَ يوم الدين﴾ على أنَّه فعل وفاعل ومفعول وهذا شاذ غريب جدًّا] [¬٢]. وقد روى أبو بكر بن أبي داود (١٣٦) في ذلك شيئًا غريبًا حيث قال: حدَّثنا أبو عبد الرحمن

стр. 294

الأَذْرميُّ، حدَّثنا عبد الوهاب عن [¬١] عدي بن الفضل، عن أبي المطرف، عن ابن شهاب - أنَّه بلغه أن رسول الله ﷺ وأبا بكر وعمر وعثمان ومعاوية وابنه يزيد بن معاوية كانوا يقرءون: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ قال ابن شهاب: وأول من أحدث "ملك" مروان. (قلت): مروان عنده علم بصحة ما قرأه، لم يطلع عليه ابن شهاب، والله أعلم. وقد روي من طرق متعدّدة (١٣٧) أوردها ابن مردويه أن رسول الله ﷺ كان يقرؤها: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾، ومالك مأخوذ من المِلك كما قال تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيهَا وَإِلَينَا يُرْجَعُونَ﴾ وقال: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ * مَلِكِ النَّاسِ﴾، وملك مأخوذ من المُلك كما قال تعالى: ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ وقال: ﴿قَوْلُهُ الْحَقُّ وَلَهُ الْمُلْكُ﴾، وقال: ﴿الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ وَكَانَ يَوْمًا عَلَى الْكَافِرِينَ عَسِيرًا﴾. وتخصيص [¬٢] الملك بيوم الدين لا ينفيه عما عداه؛ لأنَّه قد تقدَّم الإخبار بأنه رب العالمين، وذلك عام في الدُّنيا والآخرة، وإنما أضيف إلى يوم الدين؛ لأنَّه لا يدعي أحد هنالك شيئًا، ولا يتكلم أحد إلَّا بإذنه. كما قال تعالى: ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ صَفًّا لَا يَتَكَلَّمُونَ إلا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَال صَوَابًا﴾. وقال تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدَّاعِيَ لَا عِوَجَ لَهُ وَخَشَعَتِ الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ فَلَا تَسْمَعُ إلا هَمْسًا﴾ وقال تعالى: ﴿يَوْمَ يَأْتِ لَا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إلا بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ﴾. وقال الضَّحَّاك: عن ابن عباس: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ يقول: لا يملك أحد في ذلك اليوم معه حكمًا، كملكهم في الدُّنيا. قال: ويوم الدين يوم الحساب للخلائق وهو يوم القيامة، يدينهم [¬٣] بأعمالهم إن خيرًا فخير وإن شرّا فشر، إلَّا من عفا عنه. وكذلك قال غيره من الصّحابة والتابعين والسلف وهو ظاهر. وحكى ابن جرير عن بعضهم أنَّه ذهب إلى [أن] [¬٤] تفسير مالك يوم الدين -أنَّه القادر على

стр. 295

إقامته، ثم شرع يضعفه. والظاهر أنَّه لا منافاة لين هذا القول وما تقدَّم، وأن كلًّا من القائلين هذا [¬١] القول وبما قبله يعترف بصحة القول الآخر ولا ينكره، ولكن السياق أدل على المعنى الأوّل من هذا. كما قال تعالى: ﴿الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ﴾. والقول الثَّاني يشبه [¬٢] قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ﴾، والله أعلم. [والملك في الحقيقة هو الله قال الله تعالى: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إلا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ﴾. وفي الصحيحين عن أبي هريرة (١٣٨) ﵁ مرفوعًا: "أخنع اسم عند الله رجل تسمى بملك الأملاك، ولا مالك إلَّا الله". وفيهما (١٣٩) عنه عن رسول الله ﷺ قال: "يقبض الله الأرض ويطوي السماء بيمينه، ثم يقول: أنا الملكِ أين ملوك الأرض؟ أين الجبارون؟ أين المتكبرون؟ ". وفي القرآن العظيم ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ فأمَّا تسمية غيره في الدُّنيا بملك فعلى سبيل المجاز. كما قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا﴾ ﴿وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ﴾ ﴿إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا﴾. وفي الصحيحين (١٤٠): " مثل الملوك على الأسرة".

стр. 296

والدين: الجزاء والحساب. كما قال تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ﴾ وقال: ﴿أَإِنَّا لَمَدِينُونَ﴾ أي: مجزيون محاسبون، وفي الحديث: "الكَيِّس من دان نفسه وعَمِل لما بعد الموت" (١٤١). أي: حاسب نفسه. كما قال عمر ﵁: حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوا أنفسكم قبل أن توزنوا، وتأهبوا للعرض الأكبر على من لا تخفى عليه أعمالكم ﴿يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لَا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ﴾] [¬١]. ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥)﴾ [قرأ السبعة والجمهور بتشديد الياء من "إياك"، وقرأ عمرو بن فايد بتخفيفها مع الكسر، وهي قراءة شاذة مردودة، لأنَّ "إيا" ضوء الشَّمس، وقرأ بعضهم "أياك" بفتح الهمزة وتشديد الياء، وقرأ بعضهم: هياك بالهاء بدل الهمزة، كما قال الشَّاعر: فهياك والأمر الذي إن تراحبت … موارده ضاقت عليك مصادره و "نستعين" بفتح النون أوّل الكلمة في قراءة الجميع سوى يَحْيَى بن وثاب، والأعمش فإنهما كسراها. وهي لغة بني أسد وربيعة وبني تميم] [¬٢]. والعبادة في اللُّغة من الذلة يقال: طريق معبّد وبعير معبد أي مذلَّل، وفي الشرع عبارة عما يجمع كمال المحبة والخضوع والخوف. وقدّم المفعول وهو إياك وكرَّر للاهتمام والحصر؛ أي لا نعبد إلَّا إياك، ولا نتوكل إلَّا عليك، وهذا هو كمال الطاعة. والدين يرجع كله إلى هذين المعنيين. وهذا كما قال بعض السلف: الفاتحة سر القرآن وسرها هذه الكلمة ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ فالأوّل تبرؤ من الشرك،

стр. 297

والثَّاني تبرؤ من الحول والقوّة والتفويض إلى الله ، وهذا المعنى في غير آية من القرآن، كما قال تعالى: ﴿فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيهِ وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ [¬١]﴾. ﴿قُلْ: هُوَ الرَّحْمَنُ آمَنَّا بِهِ وَعَلَيهِ تَوَكَّلْنَا﴾. ﴿رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لَا إِلَهَ إلا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا﴾. وكذلك هذه الآية الكريمة:. وتحوّل الكلام من الغيبة إلى المواجهة بكاف الخطاب، وهو مناسبه؛ لأنَّه لما أثنى على الله تعالى فكأنه اقترب وحضر بين يدي الله تعالى، فلهذا قال: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾. وفي هذا دليل على أن أوّل السورة خبر من الله تعالى بالثناء على نفسه الكريمة بجميل صفاته الحسنى، وإرشاد لعباده بأن [¬٢] يثنوا عليه بذلك؛ ولهذا لا تصح صلاة من لم يقل ذلك وهو قادر عليه. كما جاء في الصحيحين (١٤٢)، عن عبادة بن الصَّامت أن رسول الله ﷺ قال: "لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة [¬٣] الكتاب". وفي صحيح مسلم (١٤٣)، من حديث العلاء بن عبد الرحمن [مولى الحُرَقة] [¬٤]، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن رسول الله ﷺ : "يقول الله تعالى: قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين، فنصفها لي، ونصفها لعبدي، ولعبدي ما سأل، إذا قال العبد: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالمِينَ﴾ قال الله [¬٥]: حمدني عبدي. وإذا قال: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ قال الله [¬٦]: أثنى عليَّ عبدي. فإذا قال: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ قال الله: مجدني عبدي. فإذا [¬٧] قال: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ قال: هذا بيني وبين عبدي ولعبدي ما سأل. فإذا قال: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ *صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيهِمْ غَيرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ قال: هذا لعبدي ولعبدي ما سأل". وقال الضَّحَّاك عن ابن عباس ﵄: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ يعني إياك نوحد ونخاف ونرجو يا ربنا لا غيرك ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [على طاعتك وعلى أمورنا كلها. وقال قتادة (﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾] [¬٨] يأمركم أن تخلصوا له العبادة، وأن تستعينوه على

стр. 298

أموركم [¬١]. وإنَّما قدّم: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ على ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ لأنَّ العبادة له هي المقصودة، والاستعانة وسيلة إليها، والاهتمام والحزم هو [¬٢] تقديم [¬٣] ما هو الأهم فالأهم والله أعلم. [فإن قيل: فما معنى النون في قوله تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ فإن كانت للجمع فالداعي واحد، وإن كانت للتعظيم فلا يناسب هذا المقام. وقد أجيب بأن المراد من ذلك الإخبار عن جنس العباد، والمصلي فرد منهم، ولا سيما إن كان في جماعة أو إمامهم فأخبر عن نفسه وعن إخوانه المؤمنين بالعبادة التي خلقوا لأجلها، وتوسط لهم بخير. ومنهم من قال: يجوز أن تكون للتعظيم كأن العبد قيل له: إذا كنت داخل العبادة فأنت شريف، وجاهك عريض فقل: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾. وإن كنت خارج العبادة فلا تقل نحن ولا فعلنا، ولو كنت في مائة ألف أو ألف ألف لاحتياج الجميع إلى الله وفقرهم إليه. ومنهم من قال: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ ألطف في التواضع من إياك عَبَدْنا؛ لما في الثاني من تعظيم نفسه، من جعله نفسه وحده أهلًا لعبادة الله تعالى الذي لا يستطيع أحد أن يعبده حق عبادته، ولا يثني عليه كما يليق به، والعبادة مقام عظيم يشرف به العبد لانتسابه إلى جناب الله تعالى كما قال بعضهم: لا تدعني إلَّا بيا عبدها … فإنَّه أشرف أسمائي وقد سمى الله رسول الله ﷺ بعبده في أشرف مقاماته فقال: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ﴾ ﴿وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ﴾ ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيلًا﴾ فسماه عبدًا عند إنزاله عليه، وعند قيامه في الدعوة، وإسرائه به، وأرشده إلى القيام بالعبادة في أوقات يضيق صدره من تكذيب المخالفين حيث يقول: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ * وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾. وقد حكى الرَّازي في تفسيره عن بعضهم: أنّ مقام العبودية أشرف من مقام الرسالة؛ لكون العبادة تصدر من الخلق إلى الحق، والرسالة من الحق إلى الخلق. قال: ولأن الله يتولَّى مصالح عبده والرسول يتولَّى مصالح أمته. وهذا القول خطأ، والتوجيه أيضًا ضعيف لا حاصل له، ولم يتعرَّض له الرَّازي بتضعيف ولا ردّ. وقال بعض الصوفية: العبادة إمَّا لتحصيل ثواب أو درء عقاب. قالوا: وهذا ليس بطائل إذ

стр. 299

مقصوده تحصيل مقصوده، وإما للتشريف بتكاليف الله تعالى. وهذا أيضًا عندهم ضعيف، بل العالي أن يعبد الله لذاته المقدسة الموصوفة بالكمال قالوا: ولهذا يقول المصلي: أصلي لله. ولو كان لتحصيل الثواب ودرء العقاب لبطلت الصَّلاة. وقد ردّ ذلك عليهم آخرون وقالوا: كون العبادة لله لا ينافي أن يطب معها ثوابًا ولا أن يدفع عذابًا، كما قال ذلك الأعرابي: أما إنِّي لا أحسن دندنتك ولا دندنة معاذ، إنما أسأل الله الجنَّة وأعوذ به من النَّار. فقال النَّبيُّ ﷺ : "حولها ندندن" (١٤٤). ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦)﴾ قراءة الجمهور بالصاد وقرئ السراط، وقرئ بالزَّاي، قال الفراء: وهي لغة بني عذرة وبني كلب] [¬١]. لا تقدَّم الثّناء على المسئول ﵎ ناسب أن يعقب بالسؤال كما قال: "فنصفها إلى ونصفها لعبدي ولعبدي ما سأَل". وهذا أكمل أحوال السائل، أن يمدح مسئوله، ثم يسأله حاجته [وحاجة إخوانه المؤمنين بقوله: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾] [¬٢] لأنَّه أنجح للحاجة وأنجع للإجابة، ولهذا أرشد الله تعالى إليه لأنَّه الأكمل. وقد يكون السؤال بالإخبار عن حال السائل واحتياجه، كما قال موسى ﵇: ﴿رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيرٍ فَقِيرٌ﴾ وقد يتقدّمه مع ذلك وصف المسئول كقول ذي النون: ﴿لَا إِلَهَ إلا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾. وقد يكون بمجرّد الثّناء على المسئول، يقول الشَّاعر:

стр. 300

أأذكرُ حاجتي أم قد كفانِي … حياؤك إنَّ شيمتَكَ الحياءُ إذا أثنى عليك المرءُ يومًا … كفاهُ مِنْ تعرضِه الثناءُ والهداية ها هنا الإرشاد والتوفيق، وقد تُعدى الهداية بنفسها كما [ها هنا] [¬١]: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ فتضمن معنى ألهمنا أو وفقنا أو ارزقنا أو أعطنا، ﴿وَهَدَينَاهُ النَّجْدَينِ﴾ أي: بينا له الخير والشر وقد تعدى بإلى كقوله تعالى: ﴿اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾. ﴿فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ﴾ وذلك بمعنى الإرشاد والدلالة، وكذلك قوله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ وقد تُعدى باللام كقول أهل الجنَّة: ﴿وَالْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا﴾ أي وفقنا لهذا وجعلنا له أهلًا [¬٢]. وأمَّا الصراط المستقيم فقال الإمام أبو جعفر بن جرير: أجمعت الأمة من أهل التأويل جميعًا على أن الصراط المستقيم هو: الطَّريق الواضح الذي لا اعوجاج فيه. وكذلك في لغة جميع العرب، فمن ذلك قول جرير بن عطيف الخطفي: أمير المؤمنين على صراط … إذا اعوج الموارد مستقيم قال: والشواهد على ذلك أكثر من أن تحصر. قال: ثم تستعيرُ العرب الصراط فتستعمله في كل قول وعمل وُصف باستقامة أو اعوجاج، فتصف المستقيم باستقامته والمعوج باعوجاجه. ثم اختلفت عبارات المفسرين من السلف والخلف في تفسير الصراط، وإن كان يرجع حاصلها إلى شيء واحد وهو المتابعة لله وللرسول، فروي أنَّه كتاب الله. قال ابن أبي حاتم (١٤٥): حدَّثنا الحسن بن عرفة، حدّثني يَحْيَى بن يمان، عن حمزة الزيات، عن سعد -[وهو أبو [¬٣] المختار الطَّائي] [¬٤]- عن ابن أخي الحارث الأعور، عن الحارث الأعور، عن علي بن أبي طالب [﵁] قال: قال رسول الله ﷺ : "الصراط المستقيم كتاب الله". وكذلك رواه ابن جرير من حديث حمزة بن حبيب الزيات، [وقد تقدَّم في فضائل القرآن] [¬٥] وقد رواه أحمد والترمذي (١٤٦) من رواية الحارث الأعور، عن علي مرفوعًا "وهو حبل الله

стр. 301

المتين، وهو الذكر الحكيم، وهو الصراط المستقيم". وقد روي هذا موقوفًا عن علي ﵁، وهو أشبه (١٤٧)، والله أعلم. وقال الثوري عن منصور عن أبي وائل، عن عبد الله قال (١٤٨): الصراط المستقيم كتاب الله. وقيل: هو الإسلام. وقال الضَّحَّاك: عن ابن عباس قال: قال جبريل لمحمد ﵉: قل يا محمَّد: اهدنا الصراط المستقيم. يقول: اهدنا الطَّريق [¬١] الهادي، وهو دين الله الذي لا عوج فيه. وقال ميمون بن مهران (١٤٩): عن ابن عباس، في قوله تعالى: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ قال: ذاك الإسلام. وقال إسماعيل بن عبد الرحمن السدي الكبير عن أبي مالك، و عن أبي صالح، عن ابن عباس، وعن مرَّة الهمدانيّ، عن ابن مسعود، وعن ناس من أصحاب النبيِ ﷺ : ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ قالوا: هو الإسلام (١٥٠).

стр. 302

وقال عبد الله بن محمد بن عقيل عن جابر (١٥١): ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ قال: الإسلام، هو أوسع مما بين السماء والأرض. وقال ابن الحنفية (١٥٢) في قوله تعالى: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ قال: هو دين الله الذي لا يقبل من العباد غيره. وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم (١٥٣): ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ قال: هو الإسلام. وفي معنى هذا؛ الحديث الذي رواه الإمام أحمد في مسنده، حيث قال: حدثنا الحسن بن سوار أبو العلاء، حدَّثنا ليث -يعني ابن سعد- عن معاوية بن صالح- أنّ عبد الرحمن بن جبير بن نفيرٍ، حدّثه عن أبيه، عن النواس بن سمعان، عن رسول الله ﷺ قال: (ضرب الله مثلًا صراطًا مسقيمًا وعلى جنبتي [¬١] الصراط سوران فيهما أبواب مفتحة، وعلى الأبواب ستور مرخاة، وعلى باب الصراط داع يقول يا أيها الناس، ادخلوا الصراط [جميعًا ولا تعوجوا. وداع يدعو من فوق [¬٢] الصراط] [¬٣]، فإذا أراد الإنسان أن يفتح شيئًا من تلك الأبواب قال: ويحك! لا تفتحه، فإنك إن تفتحه تلِجْه. فالصراط الإسلام، والسوران حدود الله، والأبواب المفتحة محارم اللَّه، وذلك الداعي على رأس الصراط كتاب الله، والداعي من فوق الصراط [¬٤] واعظ الله في [¬٥] قلب كل مسلم". وهكذا رواه ابن أبي حاتم وابن جرير من حديث الليث بن سعد به (١٥٤). ورواه الترمذي والنسائي جميعًا (١٥٥)، عن علي بن حجر، عن بقية، عن بحير بن سعد، عن

стр. 303

خالد بن معدان، عن جبير بن نفير، عن النوّاس بن سمعان، به. وهو إسناد حسن صحيح، والله أعلم. وقال مجاهد (١٥٦): ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ قال: الحق. وهذا أشمل، ولا منافاة بينه وبين ما تقدم. وروى ابن أبي حاتم وابن جرير (١٥٧)، من حديث أبي النضر هاشم بن القاسم، حدثنا [¬١] حمزة بن المغيرة، عن عاصم الأحول، عن أبي العالية: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ قال: هو النبي ﷺ وصاحباه من بعده. قال عاصم: فذكرنا ذلك للحسن، فقال: صدق أبو العالية، ونصح. وكل هذه الأقوالِ صحيحةٌ، وهي متلازمة؛ فإن من اتبع النبي ﷺ واقتدى باللذين من بعده أبي بكر وعمر - فقد اتبع الحق، ومن اتبع الحق فقد اتبع الإسلام، ومن اتبع الإسلام فقد اتبع القرآن، وهو كتاب الله وحبله المتين، وصراطه المستقيم، فكلها صحيحة يصدّق بعضها بعضا، ولله الحمد. وقال الطبراني (١٥٨): حدثنا محمد بن الفضل السقطي، حدثنا إبراهيم بن مهدي المصيصي، حدثنا يحيى بن زكريا بن أبي زائدة، عن الأعمش، عن أبي وائل، عن عبد الله قال ﴿الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ الذي تركنا عليه رسول الله ﷺ . ولهذا قال الإمام أبو جعفر بن جرير ﵀: والذي هو أولى بتأويل هذه الآية عندي -أعنى- ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ أن يكون معنيًّا به: وفقنا للثبات على ما ارتضيته، ووفقت له من أنعمت عليه من عبادك من قول وعمل، وذلك هو الصراط المستقيم؛ لأنّ من وفق لما وفق له من أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين [¬٢] فقد وفق للإسلام، وتصديق الرسل والتمسك بالكتاب، والعمل بما أمره الله به والانزجار عما زجره عنه، واتباع منهاج النبي

стр. 304

ﷺ ومنهاج الخلفاء الأربعة وكل عبد صالح، وكل ذلك من الصراط المستقيم. (فإن قيل): فكيف يسأل المؤمن الهداية في كل وقت من صلاة وغيرها وهو متصف بذلك؟ فهل [¬١] هذا من باب تحصيل الحاصل أم لا؟ فالجواب أن لا، ولولا احتياجه ليلًا ونهارًا إلى سؤال الهداية لما أرشده الله تعالى إلى ذلك، فإن العبد مفتقر في كل ساعة وحالة إلى الله تعالى، في تثبيته على الهداية ورسوخه فيها، وتبصره وازدياده منها، واستمراره عليها، فإن العبد لا يملك لنفسه نفعًا ولا ضرًّا إلا ما شاء الله، فأرشده تعالى إلى أن يسأله في كل وقت أن يمده بالمعونة والثبات والتوفيق، فالسعيد من وفقه الله تعالى لسؤاله، فإنه تعالى قد تكفل بإجابة الداعي إذا دعاه، ولا سيما المضطر المحتاج المفتقر إليه آناء الليل وأطراف النهار. وقد قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ﴾. الآية. فقد أمر الذين آمنوا بالإيمان، وليس [ذلك من باب] [¬٢] تحصيل الحاصل؛ لأن المراد الثبات والاستمرار والمداومة على الأعمال المعينة على ذلك، والله أعلم. [وقال تعالى، آمرًا لعباده المؤمنين أن يقولوا: ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ وقد كان الصدّيق ﵁ يقرأ بهذه الآية في الركعة الثالثة من صلاة المغرب بعد الفاتحة سرًّا، فمعنى قوله تعالى: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ استمرّ بنا عليه ولا تعدل بنا إلى غيره] [¬٣] (١٥٩). ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيهِمْ غَيرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (٧)﴾ قد تقدّم الحديث فيما إذا قال العبد: اهدنا الصراط المستقيم إلى آخرها أن الله يقول: "هذا لعبدي ولعبدي ما سأل". وقوله تعالى: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ مفسر للصراط المستقيم، وهو بدل منه عند النحاة، ويجوز أن يكون عطف بيان، والله أعلم. والذين [أنعم اللَّه] [¬٤] عليهم هم المذكورون في سورة النساء حيث قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ

стр. 305

وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا (٦٩) ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ عَلِيمًا﴾. وقال الضحاك (١٦٠): عن ابن عباس: صراط الذين أنعمت عليهم بطاعتك، وعبادتك، من ملائكتك، وأنبيائك، والصدّيقين، والشهداء، والصالحين، وذلك نظير ما قال ربنا تعالى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيهِمْ﴾ الآية. وقال أبو جعفر الرازي: عن الربيع بن أنس: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيهِمْ﴾ قال: هم النبيون. وقال ابن جريج (١٦١): عن ابن عباس: هم المؤمنون. وكذا قال مجاهد. وقال وكيع: هم المسلمون. وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: هم: النبي ﷺ ومن معه. والتفسير المتقدّم عن ابن عباس ﵄ أعم [¬١] وأشمل، [والله أعلم] [¬٢]. وقوله تعالى: ﴿غَيرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ [قرأ الجمهور ﴿غَيرِ﴾ بالجر على النعت. قال الزمخشري: وقريء بالنصب على الحال، وهي قراءة رسول الله ﷺ وعمر بن الخطاب، ورويت عن ابن كثير، وذو الحال الضمير في عليهم، والعامل أنعمت عليهم] [¬٣] يعني اهدنا الصراط المستقيم، صراط الذين أنعمت عليهم ممن تقدّم وصفهم ونعتهم، وهم: أهل الهداية والاستقامة، والطاعة لله ورسله، وامتثال أوامره وترك نواهيه وزواجره -غير صراط المغضوب عليهم- وهم [¬٤] الذين فسدت إرادتهم [¬٥] فعلموا الحق وعدلوا عنه، ولا صراط الضالين [وهم الذين] [¬٦] فقدوا [¬٧] العلم، فهم هائمون في الضلالة لا يهتدون إلى الحق. وأكد الكلام بـ "لا"، ليدل على أن ثَمّ مسلكين فاسدين، وهما طريقتا اليهود والنصارى. وقد زعم بعض النحاة أن غير هاهنا استثنائية، فيكون على هذا منقطعًا لاستثنائهم من المنعم عليهم وليسوا منهم، وما أوردناه أولى لقول [¬٨] الشاعر (١٦٢): كأنك من جِمال بني أقيش … يقعقع عند رجليه بشنٍّ

стр. 306

أي: كأنك جمل من جمال بني أقيش، فحذت الموصوف واكتفى بالصفة، وهكذا غير المغضوب عليهم [أي: غير صراط المغضوب عليهم] [¬١] اكتفي بالمضاف إليه عن ذكر المضاف، وقد دل عليه سياق الكلام وهو قوله تعالى: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيهِمْ﴾ ثم قال تعالى: ﴿غَيرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيهِمْ﴾. ومنهم من زعم أن "لا". في قوله تعالى: ﴿وَلَا الضَّالِّين﴾ زائدة، وأنَّ تقدير الكلام: عنده غير المغضوب عليهم والضالين، واستشهد ببيت العجاج: في بئر لا حور [¬٢] سعى [¬٣] وما شعر (١٦٣) أي في بئر حور [¬٤]، والصحيح ما قدمناه؛ ولهذا روى أبو عبيد القاسم بن سلام في كتاب فضائل القرآن (١٦٤) عن [أبي معاوية] [¬٥]، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه كان يقرأ ﴿غَيرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ [وهذا إسناد صحيح، وكذلك حكي عن أبيّ بن كعب أنه قرأ كذلك [¬٦]، وهو محمول على أنه صدر منهما [¬٧] على وجه التفسير. فيدل على ما قلناه من أنه إنما جيء- "بلا [¬٨]- لتأكيد النفي [لئلا يتوهم أنه معطوف على الذين أنعمت عليهم] [¬٩]، وللفرق بين الطريقتين لتجتنب كل واحد [¬١٠] منهما، فإن طريقة أهل الإيمان مشتملة على العلم بالحق والعمل به، واليهود فقدوا العمل، والنصارى فقدوا العلم؛ ولهذا كان الغضب لليهود، والضلال للنصارى، لأن من علم وترك استحق الغضب بخلاف من لم يعلم. والنصارى لما كانوا قاصدين شيئًا لكنهم لا يهتدون إلى طريقه [¬١١]؛ لأنهم لم يأتوا الأمر من بابه، وهو اتباع الرسول الحق- ضلوا، وكل من اليهود والنصارى ضال مغضوب عليه، لكن أخص أوصاف اليهود الغضب، [كما قال تعالى عنهم: ﴿مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيهِ﴾] [¬١٢]، وأخص أوصاف النصارى الضلال [كما قال تعالى عنهم: ﴿قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ﴾] [¬١٣]. وبهذا جاءت الأحاديث والآثار.

стр. 307

[وذلك واضح بين فيما] [¬١] قال الإمام أحمد: حدَّثنا محمد بن جعفر، ثنا شعبة قال [¬٢] سمعت سماك بن حرب، يقول [¬٣]: سمعت عباد بن حبيش، يحدّث عن عدي بن حاتم قال: جاءت خيلُ رسول الله ﷺ فأخذوا عمتي وناسًا، فلما أتوا بهم إلى [¬٤] رسول الله ﷺ صُفوا له، فقالت: يا رسول الله؛ ناء الوافد، وانقطع الولد، وأنا عجوز كبيرة. ما لي من خدمة، فمُنَّ عليَّ مَنَّ الله عليك! قال: "من وافدك؟ ". قالت: عدي بن حاتم. قال: "الذي فرّ من الله ورسوله". قالت: فمن علي، فلما رجع، ورجل إلى جنبه، ترى أنه علي، قال: سليه حملانا [¬٥] فسألته، فأمر لها قال: فأتتني فقالت: لقد فعلت فعلة ما كان أبوك [¬٦] يفعلها، فإنه [ق] أتاه فلان فأصاب منه، وأتاه فلان فأصاب منه، فأتيته فإذا عنده امرأة وصبيان أو صبي، وذكر قربهم من النبي ﷺ قال: فعرفت أنه ليس بملك كسرى ولا قيصر، فقال: "يا عدي؛ ما أفرك؟ أن يقال: لا إله إلا الله؟ فهل من [] [¬٧] إله إلا الله؟ قال: ما أفرك أن يقال: الله أكبر؟ فهل شيء أكبر من الله ؟ ". قال: فأسلمت فرأيت وجهه استبشر وقال: (إن المغضوب عليهم [¬٨] اليهود، وإن الضالين النصارى" (١٦٥). وذكر الحديث. ورواه الترمذي من حديث سماك بن حرب، وقال: حسن غريب لا نعرفه إلا من حديثه.

стр. 308

(قلت): وقد رواه حماد بن سلمة (١٦٦)، عن سماك، عن مُرِّي بن قَطَرِي، عن عدي بن حاتم قال: سألت رسول الله ﷺ عن قوله الله تعالى: ﴿غَيرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيهِمْ﴾ قال: "هم اليهود" ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾ قال: "النصارى هم الضالون". وهكذا رواه سفيان بن عيينة، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن الشعبي، عن عدي بن حاتم، به (١٦٧). وقد روي حديث عدي هذا من طرق، وله ألفاظ كثيرة يطول ذكرها. وقال عبد الرزاق (١٦٨): أخبرنا معمر، عن بُدَيل العُقَيلي، أخبرني عبد الله بن شقيق أنه أخبره من سمع [رسول الله] [¬١] ﷺ وهو بوادي القُرى، وهو على فرسه، وسأله رجل من بني القين، فقال: يا رسول الله؟ من هؤلاء؟ قال: "المغضوب عيهم -وأشار إلى اليهود- والضالون هم النصارى له. وقد رواه الجُرَيري وعروة وخالد الحَذَّاء عن عبد الله بن شقيق، فأرسلوه (١٦٩)، ولم يذكروا من سمع النبي ﷺ . ووقع في رواية عروة تسمية عبد الله بن عمر، فالله أعلم. وقد روى ابن مَرْدُويه من حديث إبراهيم بن طهمان، عن بديل بن ميسرة، عن عبد اللَّه بن شقيق عن أبي ذرّ قال: سألت رسول الله ﷺ عن المغضوب عليهم؟ قال: "اليهود". قال: قلت: [] [¬٢] الضالين [¬٣]؟ قال: "النصارى" (١٧٠).

стр. 309

وقال السُّدي: عن أبي مالك وعن أبي صالحٍ عن ابن عباس، وعن مرة الهمداني، عن ابن مسعود، وعن أناس من أصحاب النبي ﷺ ﴿غَيرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيهِمْ﴾: هم اليهود، ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾: هم النصارى. وقال الضحاك وابن جريج، عن ابن عباس: ﴿غَيرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيهِمْ﴾: اليهود [¬١]، ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾: النصارى. وكذا [¬٢] قال الربيع بن أنس، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم، وغير واحد. وقال ابن أبي حاتم: ولا أعلم بين المفسرين في هذا اختلافًا. وشاهد ما قاله هؤلاء الأئمة من أن اليهود مغضوب عليهم، والنصارى ضالون، الحديث المتقدم، وقوله تعالى في خطابه مع بني إسرائيل في [سورة] [¬٣] البقرة: ﴿بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ بَغْيًا أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾. وقال في المائدة: ﴿قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضَلُّ عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ [¬٤]﴾. وقال تعالى: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ (٧٨) كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾. وفي السيرة (١٧١) عن زيد بن عمرو بن نفيل -أنه لما خرج هو وجماعة من أصحابه إلى الشام يطلبون الدين الحنيف، قالت له اليهود: إنك لن تستطيع الدخول معنا حتى تأخذ بنصيبك من غضب الله. فقال: أنا من غضب الله أفر، وقالت له النصارى: إنك لن تستطع الدخول معنا حتى تأخذ بنصيبك من سخط الله. فقال: لا أستطيعه. فاستمرّ على فطرته، وجانب عبادة الأوثان ودين المشركين، ولم يدخل مع أحد من اليهود ولا النصارى. وأما أصحابه فتنصروا ودخلوا في دين النصرانية؛ لأنهم وجدوه أقرب من دين اليهود إذ ذاك، وكان منهم ورقة بن نوفل حتى هداه الله بنبيه لما بعثه آمن بما وجد من الوحي، ﵁. [مسألة: والصحيح من مذاهب العلماء أنه يغتفر الإخلال بتحرير ما بين الضاد والظاء لقرب

стр. 310

مخرجيهما وذلك أنّ الضاد مخرجها من أول حافة اللسان وما يليها من الأضراس، ومخرج الظاء من طرف اللسان وأطراف الثنايا العليا؛ ولأن كلًّا من الحرفين من الحروف المجهورة، ومن الحروف الرخوة، ومن الحروف المطبقة، فلهذا كله اغتفر استعمال أحدهما مكان الآخر لمن لا يميز ذلك، والله أعلم. وأما حديث: "أنا أفصح من نطق بالضاد" (١٧٢) فلا أصل له، والله أعلم] [¬١]. [فصل] اشتملت هذه السورة الكريمة، وهي سبع آيات، على حمد الله وتمجيده والثناء عليه، بذكر أسمائه الحسنى المستلزمة لصفاته العليا [¬٢]، وعلى ذكر المعاد وهو يوم الدين، وعلى إرشاده [¬٣] عبيده إلى سؤاله والتضرع إليه، والتبرؤ من حولهم وقوتهم، وإلى إخلاص العبادة له وتوحيده بالألوهية ﵎، وتنزيهه أن يكون له شريك أو نظير أو مماثل، وإلى سؤالهم إياه الهداية إلى الصراط المستقيم وهو الدين القويم، وتثبيتهم عليه حتى يفضي بهم ذلك إلى جواز الصراط الحسي يوم القيامة، المفضي بهم إلى جنات النعيم في جوار النبيين والصديقين والشهداء والصالحين. واشتملت على الترغيب في الأعمال الصالحة ليكونوا مع أهلها يوم القيامة، والتحذير من مسالك الباطل، لئلا يحضروا مع سالكيها يوم القيامة وهم المغضوب عليهم والضالون. وما أحسن ما جاء إسناد الإنعام إليه في قوله تعالى ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيهِمْ﴾ وحذف الفاعل في الغضب في قوله تعالى: ﴿غَيرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيهِمْ﴾ وإن كان هو الفاعل لذلك في الحقيقة كما قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ تَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيهِمْ﴾. الآية. وكذلك إسناد الضلال إلى من قام به، وإن كان هو الذي أضلهم بقدره كما قال تعالى: ﴿مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا﴾، وقال: ﴿مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَا هَادِيَ لَهُ وَيَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ إلى غير ذلك من الآيات الدالة على أنه سبحانه هو المنفرد بالهداية والإضلال، لا كما تقول الفرقة القدرية ومن حذا حذوهم من أن العباد هم الذين يختارون ذلك ويفعلونه، ويحتجون على بدعتهم [¬٤] بمتشابه من القرآن، ويتركون ما يكون فيه صريحًا في الرد عليهم. وهذا حال أهل الضلال والغي، وقد ورد في الحديث الصحيح: "إذا رأيتم الذين يتبعون ما تشابه منه فأولئك الذين سمى الله فاحذووهم" (١٧٣). يعني في قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي

стр. 311

قُلُوبِهِمْ زَيغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ﴾ فليس -بحمد الله- لمبتدع في القرآن حجة صحيحة؛ لأن القرآن جاء ليفصل الحق من الباطل، مفرقًا بين الهدى والضلال، وليس فيه تناقض ولا اختلاف؛ لأنه من عند الله تنزيل من حكيم حميد. [فصل] يستحب لمن قرأ الفاتحة أن يقول بعدها آمين، [مثل يس] [¬١] ويقال: أمين بالقصر أيضًا، ومعناه: اللهم، استجب، والدليل على [استحباب التأمين] [¬٢] ما رواه الإمام أحمد وأبو داود والترمذي عن وائل بن حجر (١٧٤)، قال: سمعت النبي ﷺ قرأ ﴿غَيرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ فقال: "آمين". مدّ بها صوته، ولأبي داود: رفع بها صوته. وقال

стр. 312

الترمذي: هذا حديث حسن. وروي عن علي وابن مسعود وغيرهم (١٧٥). وعن أبي هريرة قال: كان رسول الله ﷺ إذا تلا ﴿غَيرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ قال: "آمين"، حتى يسمع من يليه من الصف الأوّل. رواه أبو داود وابن ماجة وزاد

стр. 313

فيه [¬١]: يرتج بها المسجد (١٧٦). والدارقطني وقال: هذا إسناد حسن. وعن بلال أنه قال: يا رسول الله؛ لا تسبقني بآمين. رواه أبو داود (١٧٧). [ونقل أبو نصر القشيري عن الحسن وجعفر الصادق، أنهما شدّدا الميم من آمين مثل ﴿آمِّينَ الْبَيتَ الْحَرَامَ﴾] [¬٢]. قال أصحابنا وغيرهم: ويستحب ذلك لمن هو خارج الصلاة، ويتأكد في حق المصلي، وسواء كان منفردًا أو إمامًا أو مأمومًا وفي جميع الأحوال؛ لما جاء في الصحيحين (١٧٨) عن أبي هريرة ﵁ أنّ رسول الله ﷺ قال: "إذا أمّن الإمام فأمِّنوا؛ فإنه من وافق تأمينه تأمين الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه". ولمسلم أنّ رسول الله ﷺ قال: "إذا قال أحدكم في الصلاة: آمين والملائكة في السماء: آمين، فوافقت إحداهما الأخرى غفر له ما تقدّم من ذنبه" (١٧٩). [قيل بمعني من وافق تأمينه تأمين الملاثكة في الزمان، وقيل: في الإجابة، وقيل: في صفة الإخلاص] [¬٣]. وفي صحيح مسلم (١٨٠) عن أبي موسى مرفوعًا: "إذا [¬٤] قال -يعني- الإمام: ﴿ولا الضالين﴾ فقولوا: آمين، يجبكم [¬٥] الله".

стр. 314

وقال جويبر [¬١]: عن الضحاك، عن ابن عباس قال: قلت: يا رسول الله، ما معنى آمين؟ قال: "رب افعل" (١٨١). [وقال الجوهري: معنى آمين: كذلك فليكن. وقال الترمذي: معناه لا تخيب رجاءنا. وقال الأكثرون: معناه اللَّهم، استجب لنا. وحكي القرطبي (١٨٢) عن مجاهد وجعفر الصادق وهلال بن يساف أن آمين اسم من أسماء الله تعالى. وروي عن ابن عباس مرفوعًا ولا يصح، قاله أبو بكر بن العربي المالكي] [¬٢]. وقال أصحاب مالك: لا يؤمّن الإمام ويؤمّن المأموم؛ لما رواه مالك عن سمي، عن أبي صالح، عن أبي هريرة أنّ رسول الله ﷺ قال: ["وإذا قال -يعني الإمام-: ﴿ولا الضالين﴾ فقولوا: آمين" (١٨٣). الحديث] [¬٣]. واستأنسوا أيضًا بحديث أبي موسى عند مسلم: "وإذا قرأ ﴿ولا الضالين﴾ فقولوا: آمين". وقد قدّمنا في المتفق عليه "إذا أمّن الإمام فأمّنوا"، وأنه ﵊ كان يؤمّن إذا قرأ ﴿غَيرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾. وقد اختلف أصحابنا في الجهر بالتأمين للمأموم في الجهرية، وحاصل الخلاف أنّ الإمام إن نسي التأمين جهر المأموم به قولا واحدًا، وإن أمّن الإمام جهرًا فالجديد أنه لا يجهر المأموم، وهو مذهب أبي حنيفة ورواية عن مالك؛ لأنه ذكرٌ من الأذكار فلا يجهر به كسائر أذكار الصلاة. والقديم أنه يجهر به وهو مذهب الإمام أحمد بن حنبل، والرواية الأخرى عن مالك لما تقدّم: "حتى يرتج المسجد". ولنا قول آخر ثالث: أنه إن كان المسجد صغيرًا لم يجهر المأموم؛ لأنهم يسمعون قراءة الإمام،

стр. 315

وإن كان كبيرًا جهر ليبلغ التأمين من في أرجاء المسجد، والله أعلم. وقد روي الإمام أحمد في مسنده عن عائشة (١٨٤) ﵂ أن رسول الله ﷺ ذكرت عنده اليهود فقال: "إنهم لن [¬١] يحسدونا عيي شيء كما يحسدونا علي الجمعة التي هدانا الله لها وضلوا عنها، وعلي القبلة التي هدانا الله لها [¬٢] وضلوا عنها، وعلي قولنا خلف الإمام: آمين". ورواه ابن ماجة (١٨٥)، ولفظه: "ما حسدتكم اليهود علي شيء ما حسدتكم علي السلام والتأمين". وله عن ابن عباس (١٨٦) أن رسول الله ﷺ قال: "ما حسدتكم اليهود علي شيء ما حسدتكم على قول: آمين، فأكثروا من قول: آمين". وفي إسناده طلحة بن عمرو، وهو ضعيف. وروي ابن مردويه عن أبي هريرة؛ أن رسول الله ﷺ قال: "آمين: خاتم رب العالمين علي عباده المؤمنين" (١٨٧). وعن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : "أعطيت آمين في الصلاة وعند الدعاء، لم يعط أحد قبلي إلا أن يكون موسى، كان موسى يدعو وهارون يؤمّن، فاختموا الدعاء بآمين، فإنّ الله يستجيبه لكم" (١٨٨).

стр. 316

(قلت): ومن هنا نزع بعضهم في الدلالة بهذه الآية الكريمة وهي قوله تعالى: ﴿وَقَال مُوسَى رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً وَأَمْوَالًا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ (٨٨) قَال قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا فَاسْتَقِيمَا وَلَا تَتَّبِعَانِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ (٨٩)﴾. فذكر الدعاء عن موسى وحده، ومن سياق الكلام ما يدل على أنّ هارون أمّن، فنزل منزلة من دعا، لقوله تعالى: ﴿قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا﴾ فدلَّ ذلك علي أن من أمّن على دعاء فكأنما قاله، فلهذا قال من قال: إنّ المأموم لا يقرأ؛ لأنّ تأمينه على قراءة الفاتحة بمنزلة قراءتها، [ولهذا جاء في الحديث: "من كان له إمام فقراءة الإمام له قراءة" [رواه أحمد في مسنده] [¬١]، وكان بلال يقول: لا تسبقني بآمين [يا رسول الله؛] [¬٢] فدل هذا المنزع على أن المأموم لا قراءة عليه في الجهرية، والله أعلم] [¬٣]. ولهذا قال ابن مردويه: حدثنا أحمد بن الحسن، حدثنا عبد الله بن محمد بن سلام، حدثنا إسحاق بن إبراهيم، حدثنا جرير، عن ليث بن أبي سليم، عن كعب، عن أبي هريرة قال قال رسول الله ﷺ : "إذا قال الإمام: ﴿غَيرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ فقال: آمين، كوافق آمين أهل الارض آمين أهل السماء، غفر الله للعبد ما تقدّم من ذنبه، ومثل من لا يقول: آمين، كمثل رجل غزا مع قوم، فاقترعوا فخرجت سهامهم، ولم يخرج سهمه، فقال: لِمَ لم يخرج سهمي؟ فقيل: إنك لم تقل آمين" (١٨٩).

стр. 317

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ [تفسير] [¬١] سورة البقرة [مدنية وآياتها ست وثمانون ومائتان] [¬٢] ذكر ما ورد في فضلها: قال الإمام أحمد: حدَّثنا عارم، حدَّثنا معتمر، عن أبيه، عن رجل، عن أبيه، عن معقل بن يسار: أن رسول الله ﷺ قال: "البقرة سنام القرآن وذروته، نزل مع كل آية منها ثمانون مَلَكًا، واستخرجت ﴿الله لا إله إلا هو الحي القيوم﴾ من تحت العرش، فوصلت [¬٣]، بها، أو فوصلت [¬٤] بسورة البقرة، ويس: قلب القرآن، لا يقرؤها رجل يريد الله والدار الآخرة إلا غفر له، واقرءوها على موتاكم" (١). انفرد به أحمد. وقد رواه أحمد أيضًا، عن عارم، عن عبد الله بن المبارك، عن سليمان التيمي، عن أبي عثمان -وليس بالنهدي- عن أبيه، عن معقل بن يسار، قال: قال رسول الله ﷺ : "اقرءوها على موتاكم" (٢) يعني يس. فقد تبيّنا [¬٥] بهذا الإسناد معرفة المبهم في الرواية الأولى. وقد أخرج هذا الحديث على هذه

стр. 318

الصفة في الرواية الثانية أبو داود، والنسائي، وابن ماجة (٣). وقد روي الترمذي من حديث حكيم بن جبير -وفيه ضعف- عن أبي صالح، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "لكل شيء سنامٌ، وإن سنام القرآن سورة [¬١] البقرة، وفيها آية هي سيدة آي القرآن: آية الكرسي" (٤).

стр. 319

وفي مسند أحمد وصحيح مسلم والترمذي والنسائي من حديث سُهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة [﵁]: أن رسول الله ﷺ قال: "لا تجعلوا بيوتكم قبورًا، فإن البيت الذي يقرأ [¬١]، فيه سورة البقرة لا يدخله الشيطان" (٥) وقال الترمذي: حسن صحيح. وقال أبو عبيد القاسم بن سلام (٦): حدثني ابن أبي مريم، في ابن لهيعة، عن يزيد بن أبي حبيب، عن سنان بن سعد، عن أنس بن مالك، قال: قال رسول الله ﷺ : "إن الشيطان يخرج من البيت إذا سمع سورة البقرة تقرأ فيه". سنان بن سعد، ويقال بالعكس، وثقه ابن معين، واستنكر حديثه أحمد بن حنبل وغيره.

стр. 320

وقال أبو عبيد (٧): حدَّثنا محمد بن جعفر، عن شعبة، عن سلمة بن كهيل، عن أبي الأحوص، عن عبد الله -يعني ابن مسعود ﵁ قال: إن الشيطان يفرّ من البيت يسمع فيه سورة البقرة. ورواه النسائي (٨) في "اليوم والليلة". وأخرجه الحاكم في مستدركه من حديث شعبة، ثم قال الحاكم: صحيح الإسناد، ولم يخرجاه. وقال ابن مَرْدُويه: حدثنا أحمد بن كامل، حدثنا أبو إسماعيل الترمذي، حدثنا أيوب بن سليمان بن بلال، حدثني أبو بكر بن أبي أويس، عن سليمان بن بلال، عن محمد بن عجلان، عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص، عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ : "لا أُلْفِيَنَّ أحدكم يضع إحدي رجليه علي الأخرى يتغنَّى، ويدع سورة البقرة يقرؤها، فإن الشيطان ينفر [¬١] من البيت الذي [¬٢] تقرأ فيه سورة البقرة، وإن أصفر البيوت الجَوف، الصِّفْر من كتاب الله" (٩). وهكذا رواه النسائي في "اليوم والليلة" عن محمد بن نصر، عن أيوب بن سليمان به. [وروي الدارمي في مسنده [¬٣] (١٠)، عن ابن مسعود قال: ما من بيت تقرأ فيه سورة البقرة
следующие страницы →