← Тафсир

Тафсир · id 1509

تفسير ابن كثير - ط أولاد الشيخ

ابن كثير

Полный текст (6 736 стр.). Показаны 3256–3295 · переход к 3261.

стр. 3256

وسلم، قال: " [أوحي إليَّ] [¬١] كلمات، فدخلن في أذني ووقرن في قلبي: أمرت أن لا أستغفر لمن مات مشركًا، ومن أعطى فضل ماله فهو خير له، ومن أمسك فهو شر له، ولا يلوم الله على كفاف". وقال الثوري، عن الشيباني، عن سعيد بن جبير، قال: مات رجل يهودي وله ابن مسلم فلم يخرج معه، فذكر ذلك لابن عباس؛ فقال [¬٢]: فكان ينبغي له أن يمشي معه ويدفنه، ويدعو له بالصلاح ما دام حيًّا، فإذا مات وكله إلى شأنه، ثم قال: ﴿وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ (١١٤)﴾: لم يَدْعُ. وهذا يشهد له بالصحة [¬٤] ما رواه أبو داود وغيره: عن علي بن أبي طالب، ﵁، قال: لما مات أبو طالب قلت: يا رسول الله، إن عمك الشيخ الضال [قد مات] [¬٥]. قال: "اذهب فواره ولا [¬٦] تحدثن شيئًا [¬٧] حتى تأتيني … " وذكر [¬٨] تمام الحديث (٢٧٠). ويُرْوَى [أن رسول الله] [¬٩]، ﷺ ، لما مرت به جنازة عمه أبي طالب قال: "وصلتك رحم يا عم" (٢٧١). وقال عطاء بن أبي رباح: ما كنت لأدع الصلاة على أحد من أهل القبلة، ولو كانت حبشية حُبلى من الزنا؛ لأني لم أسمع الله حجب الصلاة إلا عن المشركين، يقول الله : ﴿ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين﴾ الآية.

стр. 3257

وروى ابن جرير (٢٧٢) عن ابن وكيع، عن أبيه، عن عصمة بن زامل [¬١]، عن أبيه قال: سمعت أبا هريرة يقول: رحم الله رجلًا استغفر لأبي هريرة ولأمه. قلت: ولأبيه. قال: لا. قال: إن أبي مات مشركًا. وقوله: ﴿فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه﴾ قال ابن عباس: ما زال إبراهيم يستغفر لأبيه حتى مات، فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه. وفي رواية: لما [¬٢] مات تبين له أنه عدو لله. وكذا قال مجاهد، والضحاك، وقتادة، وغيرهم ﵏. وقال [عبيد بن عمير]، وسعيد بن جبير: إنه يتبرأ منه [في] [¬٣] يوم القيامة، حين يلقى أباه وعلى وجه أبيه [الغبرة والقترة] [¬٤]، فيقول: يا إبراهيم، إني كنت أعصيك، وإني اليوم لا أعصيك. فيقول: أي رب، ألم تعدني أن لا تخزني [¬٥] يوم يبعثون؟ فأي خزي أخزى من أبي الأبعد؟! فيقال: انظر إلى ما وراءك، فإذا هو بذِيخ [¬٦] [¬٧] متلطِّخ، أي: قد مسخ ضبعًا، ثم [¬٨] يسحب [¬٩] بقوائمه ويلقى في النار. وقوله: ﴿إن إبراهيم لأواه حليم﴾ قال سفيان الثوري وغير واحد، عن عاصم بن بهدلة، عن زر [¬١٠] بن حبيش، عن عبد الله بن مسعود أنه قال: الأواه: الدعَّاء. وكذا رُوِيَ من غير وجه عن ابن مسعود. وقال ابن جرير (٢٧٣): حدثني المثنى، حدثنا الحجاج بن منهال، حدثني عبد الحميد بن بهرام، حدثنا شهر بن حوشب، عن عبد الله بن شداد بن الهاد؛ قال: بينما [رسول الله] [¬١١]، ﷺ ، جالس، قال رجل: يا رسول الله، ما الأوّاه؟ قال: "المتضرع". قال: ﴿إن إبراهيم لأواه حليم﴾.

стр. 3258

ورواه [¬١] ابن أبي حاتم من حديث ابن المبارك، عن عبد الحميد بن بهرام، به. ولفظه [¬٢]: قال: "الأواه [¬٣]: المتضرع الدعاء". وقال الثوري، عن سلمة بن كهيل، عن مسلم البطين، عن [أبي العُبَيْدَيْنِ] [¬٤] أنه سأل ابن مسعود عن الأواه فقال: هو الرحيم. وبه قال مجاهد، وأبو [¬٥] ميسرة عمرو [¬٦] بن شرحبيل، والحسن البصرى، وقتادة: إنَّه الرحيم، أي: بعباد الله. وقال ابن المبارك، عن خالد، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: الأوّاه: الموقن، بلسان الحبشة. وكذا قال العوفي عن ابن عباس: إنه الموقن، وكذا قال مجاهد، والضحاك، وقال على بن أبي طلحة ومجاهد، عن ابن عباس: الأوّاه: المؤمن. زاد على بن أبي طلحة عنه: [] [¬٧] المؤمن التواب. وقال العوفي عنه: هو المؤمن، بلسان الحبشة. وكذا قال ابن جريج: هو المؤمن، بلسان الحبشة. وقال الإمام أحمد (٢٧٤): حدثنا موسى، حدثنا ابن لهيعة، عن الحارث بن يزيد [¬٨]، عن علي بن رباح، عن عقبة بن عامر أن رسول الله، ﷺ ، قال لرجل يقال له: ذو البجادين [¬٩]: "إنه أوّاه" وذلك أنه رجل [كثير الذكر لله] [¬١٠] في القرآن ويرفع [¬١١] صوته في الدعاء [¬١٢]. ورواه ابن جرير. وقال سعيد بن جبير والشعبي: الأوّاه: المسبح. وقال ابن وهب، عن معاوية بن

стр. 3259

صالح، عن أبي الزاهرية [¬١]، [] [¬٢] عن جبير بن نفير، عن أبي الدرداء، ﵁، قال: [لا يحافظ] على سبحة [¬٣] الضحى [إلا أوّاه]. وقال شُفَيُّ [¬٤] بن ماتع [¬٥]، عن أبي أيوب: الأواه الذي إذا ذكر خطاياه استغفر منها. وعن مجاهد: الأوّاه: الحفيظ الوجل، يذنب الذنب سرًّا ثم يتوب منه سرًّا. ذكر ذلك كله ابن أبي حاتم ﵀. وقال ابن جرير: حدثنا ابن وكيع، حدثنا المحاربي، عن حجاج، عن الحكم، عن الحسن بن مسلم بن يَنَّاق [¬٦]: أن رجلاً كان يكثر ذكر الله ويسبح، فذكر ذلك للنبي، ﷺ ، فقال: "إنه أوَّاه" (٢٧٥). وقال أيضًا: حدثنا أبو كريب، حدثنا ابن هانئ (*)، حدثنا المنهال بن خليفة، عن حجاج بن أرطاة، عن عطاء، عن ابن عباس أن النبي، ﷺ ، دفن ميتًا فقال: "رحمك الله، إن كنت لأواهًا". يعني: تلاء للقرآن (٢٧٦). وقال شعبة عن أبي يونس الباهلي قال: سمعت رجلًا بمكة - وكان أصله روميًّا، وكان قاصًّا - يحدث عن أبي ذر قال: كان رجل يطوف بالبيت الحرام، ويقول في دعائه: أوَّه أوَّه. فذكر ذلك للنبي، ﷺ ، فقال: "إنه أوَّاه". قال: خرجت ذات ليلة فإذا رسول الله، ﷺ ، يدفن ذلك الرجل ليلًا ومعه المصباح. هذا حديث غريب (٢٧٧)، رواه ابن جرير ومشاه [¬٧]. وروي عن كعب الأحبار أنه قال: سمعت ﴿إن إبراهيم لأوّاه﴾ قال: كان إذا ذكر النار قال: أوه من النار.

стр. 3260

وقال [¬١] ابن جريج عن ابن عباس ﴿إن إبراهيم لأواه﴾ قال: فقيه. قال: الإِمام العَلَم أبو جعفر بن جرير (٢٧٨): وأولى الأقوال قول من قال: إنه الدَّعَّاء، وهو المناسب للسياق، وذلك أن الله تعالى لما ذكر أن إبراهيم إنما استغفر لأبيه عن موعدة وعدها إيّاه، وقد كان إبراهيم كثيرَ الدعاء، حليمًا عمن ظلمه وأناله مكروهًا؛ ولهذا استغفر لأبيه مع شدة أذاه له في قوله: ﴿قَالَ أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يَاإِبْرَاهِيمُ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا (٤٦) قَالَ سَلَامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا (٤٧)﴾ فحلم عنه مع أذاه له، ودعا له واستغفر، ولهذا قال تعالى: ﴿إن إبراهيم لأواه حليم﴾. ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١١٥) إِنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ (١١٦)﴾ يقول تعالى مخبرًا عن نفسه الكريمة وحكمه [¬٢] العادل: إنه لا يضل قومًا [إلا] بعد بلاغ الرسالة [إليهم] [¬٣]، حتى يكونوا قد قامت عليهم الحجة، كما قال تعالى: ﴿وأما ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى على الهدى﴾ الآية. وقال مجاهد في قوله تعالى: ﴿وما كان الله ليضل قومًا بعد إذ هداهم حتى يبين لهم ما يتقون﴾. قال: بيان الله للمؤمنين [¬٤] في ترك [¬٥] الاستغفار للمشركين خاصة، وفي بيانه [لهم في] [¬٦] [طاعته ومعصيته] عامة، فافعلوا أو ذروا. وقال ابن جرير: يقول الله تعالى: وما كان الله ليقضي عليكم في استغفاركم لموتاكم المشركين بالضلال، بعد إذ رزقكم الهداية، ووفقكم للإِيمان به وبرسوله، حتى يتقدم إليكم بالنهي عنه فتتركوا، فأمّا قبل أن يبين لكم كراهته ذلك بالنهي عنه، [ثم تتعدوا] [¬٧] نهيه إلى ما نهاكم عنه؛ فإنه لا يحكم عليكم بالضلال؛ فإن الطاعة والمعصية إنما يكونان من المأمور والمنهي، فأما [¬٨] من لم يؤمر، ولم ينه فغير كائن [] مطيعًا [كان] [¬٩] أو عاصيًا

стр. 3261

فيما [¬١] لم يؤمر به ولم ينه عنه [¬٢]. وقوله تعالى: ﴿إن الله له ملك السموات والأرض يحيى ويميت وما لكم من دون الله من ولي ولا نصير﴾ قال ابن جرير: هذا تحريض من الله تعالى لعباده المؤمنين في قتال المشركين وملوك الكفر، أن [¬٣] يثقوا بنصر الله [¬٤] مالك السموات والأرض، ولا يرهبوا من أعدائه، فإنه لا ولي لهم من دون الله، ولا نصير لهم سواه. وقال ابن أبي حاتم (٢٧٩): حدثنا على بن أبي دلامة البغدادي، حدثنا عبد الوهاب بن عطاء، حدثنا سعيد، عن قتادة، عن صفوان بن محرز، عن حكيم بن حزام قال: بينا رسول الله، ﷺ ، بين أصحابه إذ قال لهم: "هل تسمعون ما أسمع؟ " قالوا: ما نسمع من شيء. فقال رسول الله، ﷺ : "إني لأسمع أَطِيط [¬٥] السماء، وما تلام أن تئط، وما فيها من موضع شبر إلا وعليه ملك ساجد أو قائم". وقال كعب الأحبار: ما من موضع خرمة إبرة من الأرض، إلا وملك موكل بها، يرفع علم ذلك إلى الله، وإن ملائكة السماء لأكثر من عدد التراب، وإن حملة العرش ما بين كعب أحدهم إلى مخه مسيرة مائة عام. ﴿لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١١٧)﴾ قال مجاهد وغير واحد: نزلت هذه الآية في غزوة تبوك، وذلك أنهم خرجوا إليها في شدة من الأمر، في سنة مجدبة وحر شديد، وعسر من الزاد والماء. قال قتادة: خرجوا إلى الشام عام تبوك في لهبان الحر، على ما يعلم الله من الجهد،

стр. 3262

أصابهم فيها جهد شديد، حتى لقد ذكر لنا: أن الرجلين [¬١] كانا يشقان التمرة بينهما، وكان النفر يتداولون التمرة بينهم، يمصها هذا، ثم يشرب عليها، ثم يمصما هذا، و [¬٢] يشرب عليها، فتاب الله عليهم وأقفلهم من غزوتهم. وقال ابن جرير (٢٨٠): حدثني يونس بن عبد الأعلى، أخبرنا ابن وهب، أخبرني عمرو بن الحارث، عن سعيد بن أبي هلال، عن عتبة بن أبي عتبة، عن نافع بن جبير بن مطعم، عن عبد الله بن عباس: أنه قيل لعمر بن الخطاب في شأن العسرة، فقال عمر بن الخطاب: خرجنا مع رسول الله، ﷺ ، إلى تبوك في قيظ [¬٣] شديد، فنزلنا منزلاً فأصابنا فيه عطش، حتى ظننا أن رقابنا ستنقطع، [حتى إن] [¬٤] كان [¬٥] الرجل [¬٦] [ليذهب يلتمس الماء فلا يرجع حتى يظن أن رقبته ستنقطع] [¬٧]، [وحتى إن الرجل] [¬٨] لينحر بعيره فيعصر فرثه فيشربه، ويجعل ما بقي على كبده، فقال [¬٩] أبو بكر الصديق: يا رسول الله، إن الله قد عودك في الدعاء خيرًا فادع لنا. فقال [¬١٠]: "تحب ذلك؟ " قال: نعم. فرفع يديه فلم يرجعهما حتى مالت السماء فأهطلت [¬١١]، ثم سكبت فملئوا ما معهم، ثم ذهبنا ننظر فلم نجدها جاوزت العسكر. وقال ابن جرير في قوله: ﴿لقد تاب الله على النبي والمهاجرين والأنصار الذين اتبعوه في ساعة العسرة﴾ أي: من النفقة والظهر والزاد والماء ﴿من بعد ما كاد يزيغ [¬١٢] قلوب فريق منهم﴾ أي: عن الحق، ويشك في دين [رسول الله] [¬١٣]، ﷺ ، ويرتاب بالذي [¬١٤] نالهم من المشقة والشدة في [سفره وغزوه] [¬١٥] ﴿ثم تاب عليهم﴾ يقول: ثم رزقهم الإنابة إلى ربهم، والرجوع إلى الثبات على دينه ﴿إنه بهم رءوف رحيم﴾.

стр. 3263

﴿وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (١١٨) يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ (١١٩)﴾ قال الإِمام أحمد (١): حدثنا يعقوب بن إبراهيم، حدثنا ابن أخي الزهرى محمد بن عبد الله، عن عمه محمد بن مسلم الزهري، أخبرني عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب ابن مالك، أن [عبد الله] [¬١] بن كعب بن مالك - وكان قائد كعب من بنيه [¬٢] حين عَمِيَ - قال: سمعت كعب بن مالك يحدث حديثه حين تخلف عن رسول الله، ﷺ ، في غزرة [¬٣] تبوك، فقال كعب بن مالك: لم أتخلف عن رسول الله، ﷺ ، في غزاة غزاها قط إلا في غزرة تبوك، غير أني كنت تخلفت في غزاة بدر، ولم يعاتب أحد تخلف عنها، إنما [¬٤] خرج رسول الله، ﷺ ، يريد عير (٢) قريش، حتى جمع الله بينهم وبين عدوهم على غير ميعاد، ولقد شهدت مع رسول الله، ﷺ ، ليلة العقبة حين توافقنا [¬٥] على الإسلام، وما أحب أن لي بها مشهد بدر، وإن كانت بدر أذكر في الناس منها وأشهر، وكان من خبري حين تخلفت عن رسول الله، ﷺ ، في غزرة تبوك: أني لم أكن قط أقوى ولا أيسر مني حين تخلفت عنه في تلك الغزاة، والله ما جمعت قبلها راحلتين قط حتى جمعتهما في تلك الغزاة، وكان رسول الله، ﷺ ، قلما يريد غزرة يغزرها

стр. 3264

إلا ورَّى [¬١] بغيرها، حتى كانت تلك الغزوة فغزاها رسول الله، ﷺ ، في حر شديد، واستقبل سفرًا بعيدًا ومفازًا (١)، واستقبل [¬٢] عدوًّا كثيرًا، فَجَلَّى [¬٣] للمسلمين أمرهم ليتأهبوا أهبة عدوهم، فأخبرهم وجهه الذي يريد، والمسلمون مع رسول الله، ﷺ ، كثير لا يجمعهم كتاب حافظ - يريد الديوان. قال [¬٤] كعب: فقل رجل يريد أن يتغيب إلا ظن أن ذلك سيخفى له، ما لم ينزل فيه وحي من الله ، وغزا رسول الله، ﷺ ، تلك الغزاة حين طابت الثمار والظل [¬٥]، وأنا إليها أصعر [¬٦] (٢) - أميل [¬٧]- فتجهز إليها رسول الله، ﷺ ، والمؤمنون معه، وطفقت [¬٨] أغدو لكي أتجهز معهم، فأرجع ولم أقض من جهازي شيئًا، فأقول لنفسي: أنا قادر على ذلك إذا أردت، فلم يزل ذلك يتمادى بي حتى شمر [¬٩] (٣) بالناس الجد، فأصبح رسول الله، ﷺ ، غاديًا والمسلمون معه، ولم أقض من جهازي شيئًا، وقلت: الجهاز [¬١٠] بعد يوم أو يومين ثم ألحقه، فغدوت بعد ما فَصَلوا [¬١١] (٤) لأتجهز، فرجعت ولم أقض [¬١٢] [شيئًا] [¬١٣] من جهازي [] [¬١٤]، ثم غدوت فرجعت ولم أقض شيئًا، فلم يزل ذلك [¬١٥] يتمادى بي حتى أسرعوا وتفارط [¬١٦] (٥) الغزو، فهممت أن أرتحل فأدركهم [¬١٧]- وليت أني فعلت - ثم لم يقدر ذلك لي، فطفقت إذا خرجت في الناس بعد خروج [¬١٨] رسول الله، صلى الله عليه

стр. 3265

وسلم، [فطفت فيهم] [¬١] يحزنني أن [¬٢] لا أرى إلا رجلاً مغموصًا (١) عليه في النفاق، أو رجلًا ممن عذره الله ، ولم يذكرني رسول الله، ﷺ ، حتى بلغ تبوك، فقال وهو جالس في القوم بتبوك: "ما فعل كعب ابن مالك؟ " فقال رجل من بني سلمة: حبسه يا رسول الله برداه والنظر في عطفيه (٢). فقال له معاذ بن جبل: بئسما قلت! والله يا رسول الله؛ ما علمنا عليه إلا خيرًا. فسكت رسول الله ﷺ . قال كعب بن مالك: فلما بلغني أن رسول الله ﷺ قد توجه قافلاً من تبوك حضرني بثي (٣)، وطفقت أتفكر [¬٣] الكذب، وأقول: بماذا أخرج من سخطه غدًا؟ أستعين على ذلك كل ذي رأي من أهلي، فلما قيل: إن رسول الله، ﷺ ، قد أظل قادمًا زاح عني الباطل، وعرفت أني لم أنج منه بشيء أبدًا، فأجمعت (٤) صدقه، فأصبح [¬٤] رسول الله، ﷺ ، وكان إذا قدم من سفر بدأ بالمسجد فركع [¬٥] ركعتين ثم جلس للناس، فلما فعل ذلك جاءه المتخلفون، فطفقوا يعتذرون إليه ويحلفون له، وكانوا [¬٦] بضعة وثمانين رجلاً، فقبل [¬٧] منهم رسول الله، ﷺ ، علانيتهم ويستغفر لهم، ويكل سرائرهم إلى الله تعالى، حتى [¬٨] جئت. فلما سلمت عليه تبسم تبسم المُغْضَب (٥)، ثم قال لي: "تعال". فجئت أمشى حتى جلست بين [¬٩] يديه، فقال لي: "ما خلَّفك، ألم تك [¬١٠] قد اشتريت ظهرك [¬١١]؟ ". [قال] [¬١٢] فقلت: يا رسول الله، إني لو جلست عند غيرك من أهل الدنيا لرأيت أن أخرج

стр. 3266

من سخطه بعذر؛ لقد أعطيت جدلاً (١)، ولكنه [¬١] والله لقد علمت لئن حدثتك اليوم بحديث [¬٢] كذب ترضى به عني - ليوشكن الله أن [¬٣] يسخطك عليَّ، ولئن حدثتك يصدق تجد عليَّ فيه، إني لأرجو أقرب عقبى ذلك [¬٤] من الله ، والله ما كان لي عذر، والله ما كنت قط أفرغ ولا أيسر مني حين تخلفت عنك. قال: فقال رسول الله، ﷺ : "أما هذا فقد صدق، فقم حتى يقضي الله فيك". فقمت وبادرني رجال من بني سلمة واتبعوني، فقالوا لي: والله ما علمناك كنت أذنبت ذنبًا قبل هذا، ولقد عجزت ألا تكون اعتذرت إلى رسول الله، ﷺ ، بما اعتذر به المتخلفون، فقد كان كافيك [من ذنبك] [¬٥] استغفارُ رسول الله، ﷺ ، لك [¬٦]. قال: فوالله ما زالوا يؤنبوني [¬٧] حتى أردت أن أرجع فأكذب نفسي. قال: ثم قلت لهم: هل لقي [هذا معي] [¬٨] أحد؟ قالوا: نعم، [لقيه معك] [¬٩] رجلان قالا مثل [¬١٠] ما قلت، وقيل لهما مثل ما قيل لك، فقلت [¬١١]: فمن هما؟ قالوا: مرارة بن الربيع [¬١٢] العامري، وهلال بن أمية الواقفي: فذكروا لي رجلين صالحين قد شهدا بدرًا، لي فيهما أسوة. قال: فمضيت حين ذكروهما لي. فقال: ونهى رسول الله، ﷺ ، المسلمين عن كلامنا أيّها الثلاثة (٢) من بين من تخلف عنه [¬١٣]، فاجتنبنا الناس وتغيروا لنا، حتى تنكرت لي في نفسي الأرضُ، فما هي بالأرض التي كنت أعرف، فلبثنا على ذلك خمسين ليلة، فأما صاحباي فاستكانا وقعدا في بيوتهما يبكيان، وأما أنا فكنت أشد القوم وأجلدهم، فكنت أشهد الصلاة مع المسلمين وأطوف بالأسواق فلا يكلمني أحد، وآتِي رسول الله، ﷺ ، وهو في مجلسه بعد الصلاة فأسلم، وأقول في نفسي: أحَرَّكَ [¬١٤] شفتيه برد السلام

стр. 3267

عليَّ [¬١] أم لا؟ ثم أصلي قريبًا منه وأسارقه النظر، فإذا أقبلت على صلاتي نظر إليَّ، فإذا التفت نحوه أعرض عني، حتى إذا طال عليَّ ذلك من هجر المسلمين، مشيت حتى تسورت [] [¬٢] حائط أبي قتادة - وهو ابن عمي وأحب الناس إليَّ - فسلمت عليه، فوالله ما رد عليَّ السلام، فقلت له: يا أبا قتادة، أنشدك الله [¬٣] هل تعلم أني أحب الله ورسوله؟ قال: فسكت، قال: فعدت له [¬٤] فنشدته [فسكت، فعدت له فنشدته فسكت] [¬٥]، فقال: الله ورسوله أعلم. قال ففاضت عيناي، وتوليت حتى تسورت الجدار. فبينا [¬٦] أنا أمشي بسوق المدينة، إذا [أنا بنبطي] [¬٧] من أنباط الشام ممن قدم بطعام يبيعه بالمدينة، يقول: من يدل على كعب بن مالك. قال: فطفق الناس يشيرون له إليَّ حتى جاء، فدفع إليَّ كتابًا من ملك غسان، وكنت كاتبًا، فإذا فيه: أما بعد، فقد بلغنا أن صاحبك قد جفاك، [ولم يجعلك الله بدار] [¬٨] هوان ولا مضيعة (١)، فالحق بنا نواسك. قال: فقلت حين قرأتها [¬٩]: وهذا أيضًا من البلاء. قال: فتيممت بها [¬١٠] التنور فسجرته بها [¬١١] (٢). حتى إذا مضت أربعون ليلة من الخمسين، إذا برسول رسول [¬١٢] الله، ﷺ ، يأتيني [فقال: إن] [¬١٣] رسول الله، ﷺ ، يأمرك [¬١٤] أن تعتزل امرأتك. قال: فقلت: أطلقها أم ماذا أفعل؟ فقال: بل اعتزلها ولا تقربها. قال: وأرسل إلى صاحبي بمثل ذلك. قال: فقلت لامرأتي: الحقي بأهلك، فكوني عندهم حتى يقضي الله فى هذا الأمر [ما يشاء] [¬١٥]. قال: فجاءت امرأة هلال بن أمية رسول الله، صلى

стр. 3268

الله عليه وسلم، فقالت له: يا رسول الله، إن هلالاً شيخ ضائع [¬١] (١) ليس له خادم، فهل تكره أن أخدمه؟ قال: "لا، ولكن لا يقربنك". قالت: وإنه والله ما به [] [¬٢] حركة إلى شيء. [] [¬٣] والله ما يزال [¬٤] يبكي [من لدن أن كان من أمرك] [¬٥] ما كان إلى يومه هذا. قال: فقال لي بعض أهلى: لو استأذنت رسول الله، ﷺ ، في امرأتك فقد أذن لامرأة هلال بن أمية أن تخدمه. قال: فقلت: والله لا أستأذن فيها رسول الله، ﷺ ، وما أدري ما يقول [] [¬٦] رسول الله، ﷺ ، إذا استأذنته وأنا رجل شاب. قال: فلبثنا [بعد ذلك] [¬٧] عشر ليال، فكمل لنا خمسون ليلة من حين نهى عن كلامنا. قال: ثم صليت صلاة الفجر [¬٨] صباح خمسين ليلة على ظهر بيت من بيوتنا، فبينا أنا جالس على الحال التي ذكر الله تعالى منا قد ضاقت عليّ نفسي، وضاقت علىَّ الأرض بما رحبت، سمعت صارخًا أوفى على جبل سَلْع يقول بأعلى صوته: [] [¬٩] يا كعب بن مالك [أبشر] [¬١٠]. قال: فخررت ساجدًا وعرفت أن قد جاء [الفرج من الله بالتوبة علينا] [¬١١]، فآذن رسول الله، ﷺ ، بتوبة الله علينا حين صلى الفجر، فذهب الناس يبشروننا، وذهب قِبَلَ صاحبي مبشرون، وركض إليَّ رجل فرسا، وسعى ساع من أسلم وأوفى على الجبل، فكان الصوت أسرع من الفرس، فلما جاءني الذي سمعت صوته يبشرني فنزعت [¬١٢] له [¬١٣] ثوبي فكسوتهما إياه ببشارته لي، والله ما أملك [يومئذ غيرهما]، واستعرت ثوبين فلبستهما، وانطلقت أؤم رسول الله، ﷺ ، ويلقاني [¬١٤] الناس فوجًا فوجًا [¬١٥] يهنئوني [بتوبة الله] [¬١٦] يقولون: ليَهنك [¬١٧] توبة الله عليك. حتى دخلت المسجد، فإذا رسول الله، صلى الله

стр. 3269

عليه وسلم، جالس في المسجد [حوله الناس] [¬١]، فقام إليَّ طلحة بن عُبَيْد الله يهرول حتى صافحني وهنأني، والله ما قام إليَّ رجل من المهاجرين غيره. قال: فكان [¬٢] كعب لا ينساها لطلحة. قال كعب: فلما سلمت على رسول الله، ﷺ ، قال وهو يبرق وجهه من السرور: "أبشر بخير يوم مر عليك منذ ولدتك أمك". قال: قلت: أمن عندك يا رسول الله أم من عند الله؟ قال: "لا، بل من عند الله". قال: وكان رسول الله، ﷺ ، إذا سر استنار وجهه، حتى كأنه قطعة قمر، حتى يعرف ذلك منه، فلما جلست بين يديه قلت: يا رسول الله، [إن من] [¬٣] توبتي أن أنخلع من مالي صدقة إلى الله وإلى رسوله. قال: "أمسك عليك بعض مالك فهو خير لك". قال: فقلت: فإني أمسك سهمي الذي بخيبر، وقلت: يا رسول الله، إنما نجاني الله بالصدق، وإن من توبتي أن لا أحدث إلا صدقًا ما بقيت. قال: فوالله ما أعلم أحدًا من المسلمين أبلاه الله من الصدق في الحديث منذ ذكرت ذلك لرسول الله، ﷺ ، أحسن مما [¬٤] أبلاني الله تعالى، والله ما تعمدت كذبةً منذ قلت ذلك لرسول الله ﷺ إلى يومي هذا، وإني لأرجو أن يحفظني الله فيما بقي. قال: وأنزل الله تعالى ﴿لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ [¬٥] قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١١٧) وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (١١٨) يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ (١١٩)﴾. [] [¬٦] قال كعب: فوالله ما أنعم الله عليَّ من نعمة قط بعد أن هداني للإسلام، أعظم في نفسي من صدقي رسول الله، ﷺ ، يومئذ؛ أن لا أكون كذبته فأهلك كما هلك الذين كذبوه [حين كذبوه] [¬٧]، فإن الله تعالى قال للذين كذبوه حين أنزل الوحي شر ما قال لأحد، فقال [¬٨] الله تعالى: ﴿سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ إِنَّهُمْ رِجْسٌ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (٩٥) يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنْ تَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ (٩٦)﴾ قال: وكنا [خُلِّفْنَا أيها الثلاثة] [¬٩]

стр. 3270

عن أمر أولئك الذين قبل منهم رسول الله، ﵌، حين حَلَفُوا فبايعهم واستغفر لهم، وأرجأ رسول الله أمرنا حتى قضى الله فيه، فبذلك [¬١] قال الله : ﴿وعلى الثلاثة الذين خلفوا﴾ وليس تخليفه إيانا وإرجاؤه أمرنا الذي ذكر مما خلفنا بتخلفنا عن الغزو، وإنما هو عمن حلف له واعتذر إليه فقبل منه. هذا حديث صحيح ثابت متفق على صحته، رواه صاحبا الصحيح: البخاري ومسلم من حديث الزهري بنحوه، فقد تضمن هذا الحديث تفسير هذه الآية الكريمة بأحسن الوجوه وأبسطها، وكذا روي عن غير واحد من السلف في تفسيرها، كما رواه الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر بن عبد الله في قوله تعالى: ﴿وعلى الثلاثة الذين خلفوا﴾ قال: هم كعب ابن مالك، وهلال بن أمية، ومرارة بن الربيع [¬٢]، وكلهم من الأنصار. وكذا قال مجاهد والضحاك وقتادة والسدي وغير واحد، وكلهم قال: مرارة بن ربيعة، وفي رواية عن سعيد بن جبير: ربيع بن مرارة. وقال الحسن [البصري] [¬٣]: [ربيع بن مرارة بن ربيع] [¬٤] [وكذا في مسلم: ربيعة في بعض نسخه وفي بعضها مرارة بن الربيع] [¬٥]. وفي رواية عن الضحاك: مرارة بن الربيع، كما وقع في الصحيحين وهو الصواب. وقوله: فسمَّوا رجلين شهدا بدرًا، قيل: إنه خطأ من الزهري، فإنه لا يعرف شهود واحد من هؤلاء الثلاثة بدرًا، والله أعلم. ولما ذكر تعالى ما فرج به عن هؤلاء الثلاثة من الضيق والكرب، من هجر المسلمين إياهم نحوًا من خمسين ليلة بأيامها، وضاقت عليهم أنفسهم، وضاقت عليهم الأرض بما رحبت - أي: مع سعتها - فسددت عليهم المسالك والمذاهب، فلا يهتدون ما يصنعون، فصبروا لأمر الله واستكانوا لأمر الله، وثبتوا حتى فرج الله عنهم بسبب صدقهم رسول الله، ﷺ ، في تخلفهم، وأنه كان عن غير عذر، فعوقبوا على ذلك هذه المدة ثم تاب الله عليهم، فكان عاقبة صدقهم خيرًا لهم وتوبة عليهم؛ ولهذا قال: ﴿يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين﴾ أي: اصدقوا والزموا الصدق تكونوا مع أهله، وتنجوا من المهالك، ويجعل لكم فرجًا من أموركم ومخرجًا.

стр. 3271

وقد قال الإِمام أحمد: حدثنا أبو معاوية، حدثنا الأعمش، عن شقيق، عن عبد الله - هو ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله، ﷺ : "عليكم بالصدق؛ فإن الصدق يهدي إلى البر، وإن البر يهدي إلى الجنة، وما [¬١] يزال الرجل يصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صدّيقًا، وإياكم والكذب؛ فإن الكذب يهدي إلى الفجور، وإن الفجور يهدي إلى النار، وما [¬٢] يزال الرجل يكذب ويتحرى الكذب حتى يكتب عند الله كذّابًا". أخرجاه في الصحيحين (٢٨٢). وقال شعبة، عن عمرو بن مرة، سمع أبا عبيدة يحدّث، عن عبد الله بن مسعود، ﵁، أنه قال: الكذب لا يصلح منه جد ولا هزل، اقرءوا إن شئتم ﴿يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا من [¬٣] الصادقين﴾. هكذا قرأها، ثم قال: فهل تجدون لأحد فيه رخصة؟ وعن عبد الله بن عمر [في قوله] [¬٤]: ﴿اتقوا الله وكونوا مع الصادقين﴾ قال [¬٥]: مع محمد، ﷺ وأصحابه. وقال الضحاك: مع أبي بكر وعمر وأصحابهما [¬٦]. وقال الحسن البصري: إن أردت أن تكون مع الصادقين فعليك بالزهد في الدنيا، والكف عن أهل الملة. ﴿مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَلَا يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لَا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلَا نَصَبٌ وَلَا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلَا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ إِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (١٢٠)﴾

стр. 3272

يعاتب ﵎ المتخلفين عن رسول الله، ﷺ ، في غزوة تبوك، من أهل المدينة، ومن حولها من أحياء العرب، ورغبتهم بأنفسهم عن مواساته فيما حصل له [¬١] من المشقة، فإنهم نقصوا أنفسهم من الأجر؛ لأنهم ﴿لا يصيبهم ظمأ﴾ وهو العطش ﴿ولا نصب﴾ وهو التعب ﴿ولا مخمصة﴾ وهي المجاعة ﴿ولا يطئون موطئًا يغيظ الكفار﴾ أي: ينزلون منزلًا يرهب عدوهم ﴿ولا ينالون﴾ منه ظفرًا وغلبة عليه إلا كتب الله لهم بهذه الأعمال التي ليست داخلة تحت قدرهم، وإنما هي ناشئة عن أفعالهم - أعمالاً صالحة وثوابًا جزيلاً ﴿إن الله لا يضيع أجر المحسنين﴾ كقوله: ﴿إنا لا نضيع أجر من أحسن عملاً﴾. ﴿وَلَا يُنْفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً وَلَا يَقْطَعُونَ وَادِيًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٢١)﴾ يقول تعالى: ﴿ولا ينفقون [¬٢]﴾ هؤلاء الغزاة في سبيل الله ﴿نفقة صغيرة ولا كبيرة﴾ أي: قليلًا ولا كثيرًا ﴿ولا يقطعون واديًا﴾ أي: في السير إلى الأعداء ﴿إلا كتب لهم﴾ ولم يقل هاهنا به؛ لأن هذه أفعال صادرة عنهم، ولهذا قال: ﴿ليجزيهم الله أحسن ما كانوا يعملون﴾. وقد حصل لأمير المؤمنين عثمان بن عفان من هذه الآية الكريمة حظ وافر ونصيب عظيم، وذلك أنه أنفق في هذه الغزوة النفقات الجليلة والأموال الجزيلة، كما قال عبد الله بن الإِمام أحمد (٢٨٣): حدثنا أبو موسى العَنَزِي [¬٣]، حدثنا عبد الصمد بن عبد الوارث، حدثني سكن [¬٤] بن المغيرة، حدثني الوليد بن أبي هشام [¬٥]، عن فرقد أبي طلحة، عن عبد الرحمن بن

стр. 3273

خبّاب [¬١] السلمي؛ قال: خطب رسول الله، ﷺ ، فحث على جيش العسرة، فقال [¬٢] عثمان بن عفان ﵁: عليَّ مائة بعير بأحلاسها وأقتابها، قال: ثم حث، فقال عثمان: عليّ مائة بعير [¬٣] أخرى بأحلاسها وأقتابها، قال: ثم نزل مرقاة من المنبر ثم حث فقال عثمان بن عفان: عليّ مائة أخرى بأحلاسها وأقتابها. قال: فرأيت رسول الله، ﷺ ، يقول [¬٤] بيده هكذا يحركها - وأخرج عبد الصمد يده كالمتعجب -: "ما على عثمان ما عمل بعد هذا!!! ". وقال عبد الله أيضًا (٢٨٤): حدثنا هارون بن معروف، حدثنا ضمرة، حدثنا عبد الله بن شوذب، عن عبد الله بن القاسم، عن كثير مولى عبد الرحمن بن سمرة، عن عبد الرحمن ابن سمرة؛ قال: جاء عثمان، ﵁، إلى النبي، ﷺ ، بألف دينار في ثوبه حين [¬٥] جهز النبي ﷺ جيش العسرة، قال: فصبها في حجر النبي، ﷺ ، فجعل [¬٦] النبي، ﵌، يقلبها بيده ويقول: "ما ضر ابن عفان ما عمل بعد اليوم!!! " يرددها مرارًا. وقال قتادة في قوله تعالى: ﴿ولا يقطعون واديًا إلا كتب لهم﴾ الآية. ما ازداد قوم [من أهليهم في سبيل الله بعدًا] [¬٧] إلا ازدادوا قربًا من الله. ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ (١٢٢)﴾ هذا بيان من الله تعالى لما أراد من نفير الأحياء مع الرسول، ﷺ ، في غزوة تبوك، فإنه قد ذهبت طائفة من السلف إلى أنه كان يجب النفير على كل مسلم إذا خرج رسول الله، ﷺ ؛ ولهذا قال تعالى: ﴿انفروا خفافًا وثقالا﴾، وقال:

стр. 3274

﴿ما كان لأهل المدينة ومن حولهم من الأعراب أن يتخلفوا عن رسول الله﴾، قالوا: فنسخ ذلك بهذه الآية. وقد يقال: [إنها] [¬١] بيان لمراده تعالى من نفير الأحياء كلها، وشرذمة من كل قبيلة إن لم يخرجوا كلهم؛ ليتفقه الخارجون مع الرسول بما ينزل من الوحي عليه، وينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم بما كان من أمر العدو، فيجتمع لهم الأمران في هذا النفير المعين، وبعده، ﷺ ، تكون الطائفة النافرة من الحي إما للتفقه، وإما للجهاد فإنه فرض كفاية على الأحياء. وقال على بن أبي طلحة، عن ابن عباس [في الآية] [¬٢] ﴿وما كان المؤمنون لينفروا كافة﴾. يقول: ما كان المؤمنون لينفروا جميعًا ويتركوا النبي، ﷺ ، وحده ﴿فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة﴾ يعنى: عصبة، يعني: السرايا، ولا يسيروا إلا بإذنه، فإذا رجعت السرايا وقد نزل [¬٣] بعدهم قرآن تعلمه القاعدون مع النبي، ﷺ ، وقالوا: إنّ الله قد أنزل على نبيكم قرآنا وقد تعلمناه، فتمكث السرايا يتعلمون ما أنزل الله على نبيهم بعدهم، ويبعث سرايا أخرى، فذلك قوله: ﴿ليتفقهوا في الدين﴾ يقول: ليتعلموا ما أنزل الله [¬٤] على نبيهم، وليعلموا السرايا إذا رجعت إليهم ﴿لعلهم يحذرون﴾. وقال مجاهد: نزلت هذه الآية في أناس من أصحاب محمد [¬٥]، ﷺ ، خرجوا في البوادي فأصابوا من الناس معروفًا، ومن الخصب [¬٦] ما ينتفعون به؛ ودعوا من وجدوا من الناس إلى الهدى، فقال الناس لهم: ما نراكم إلا وقد تركتم أصحابكم وجئتمونا، فوجدوا في أنفسهم من ذلك [تحرجًا، وأقبلوا] [¬٧] من البادية كلهم حتى دخلوا على النبي، ﷺ ، فقال الله : ﴿فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة﴾ يبتغون [¬٨] الخير ﴿ليتفقهوا في الدين﴾ وليسمعوا [¬٩] ما في الناس، وما أنزل الله بعدهم [¬١٠]، ﴿ولينذروا قومهم﴾ الناس كلهم ﴿إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون﴾.

стр. 3275

وقال قتادة في هذه الآية: هذا إذا بعث رسول الله، ﷺ ، الجيوش، أمرهم الله أن لا [¬١] [يُعَرُّوا نبيه] [¬٢]، ﷺ ، وتقيم طائفة مع رسول الله تتفقه في الدين، وتنطلق طائفة تدعو قومها وتحذرهم وقائع الله فيمن خلا قبلهم. وقال الضحاك: كان رسول الله، ﷺ ، إذا غزا بنفسه لم يحل لأحد من المسلمين أن يتخلف عنه إلا أهل العذر [¬٣]، وكان إذا قام فاسترت السرايا لم يحل لهم [¬٤] أن ينطلقوا إلا بإذنه، فكان [¬٥] الرجل إذا استرى فنزل بعده قرآن، وتلاه [¬٦] نبي الله، ﷺ ، على أصحابه القاعدين [¬٧] معه، فإذا رجعت السرية قال لهم الذين أقاموا مع رسول الله ﷺ : إن الله أنزل بعدكم على نبيه قرآنا، فيقرئونهم ويفقهونهم في الدين، وهو قوله: ﴿وما كان المؤمنون لينفروا كافة﴾ يقول: إذا أقام [¬٨] رسول الله ﴿فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة﴾ يعني بذلك: أنه لا ينبغي للمسلمين أن ينفروا جميعًا ونبي الله، ﷺ ، قاعد، ولكن إذا قعد نبي الله فسرت السرايا وقعد معه عُظْم الناس. وقال على [¬٩] بن أبي طلحة أيضًا، عن ابن عباس قوله: ﴿وما كان المؤمنون لينفروا كافة﴾ إنها [¬١٠] ليست في الجهاد، ولكن لما دعا رسول الله، ﷺ ، على مضر بالسنين أجدبت بلادهم، وكانت القبيلة منهم تقبل بأسرها حتى يحلوا بالمدينة من الجهد، ويعتلوا [¬١١] بالإِسلام وهم كاذبون، فضيقوا على أصحاب رسول الله، ﷺ ، وأجهدوهم، فأنزل الله تعالى يخبر رسوله أنهم ليسوا مؤمنين، فردهم رسول الله، ﷺ ، إلى عشائرهم، وحذر قومهم [¬١٢] أن يفعلوا فعلهم، فذلك قوله: ﴿ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون﴾. وقال العوفي، عن ابن عباس في هذه الآية: كان ينطق من كل حي من العرب

стр. 3276

عصابة، فيأتون النبي، ﷺ ، ويسألونه [¬١] عما يريدون من أمر دينهم، ويتفقهون في دينهم، ويقولون [لنبي الله] [¬٢] ﷺ : ما تأمرنا أن نفعله؛ وأخبرنا أ بما نقول لعشائرنا إذا قدمنا عليهم] [¬٣]. قال: فيأمرهم نبي الله، ﷺ ، بطاعة الله وطاعة رسوله، ويبعثهم إلى قومهم بالصلاة والزكاة، وكانوا إذا أتوا [¬٤] قومهم نادوا: إن من أسلم فهو منا، وينذرونهم [ربهم حتَّى] [¬٥] إن الرجل ليفارق أباه وأمه، وكان النبي، ﷺ ، يخبرهم وينذرهم قومهم، فإذا رجعوا إليهم يدعونهم إلى الإِسلام، وينذرونهم النار ويبشرونهم بالجنة. وقال عكرمة: لما نزلت هذه الآية ﴿إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾، ﴿مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ١٢٠]. قال المنافقون: هناك أصحاب البدو الذين تخلفوا عن محمد ولم ينفروا معه، وقد [¬٦] كان ناس من أصحاب النبي، ﷺ ، خرجوا إلى البدو إلى قومهم يفقهونهم، فأنزل الله : (﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ﴾ الآية، ونزلت: ﴿وَالَّذِينَ يُحَاجُّونَ فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا اسْتُجِيبَ لَهُ حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ﴾. وقال الحسن البصري ﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ﴾ قال: ليتفقه الذين خرجوا بما يريهم [¬٧] الله من الظهور على المشركين والنصرة، وينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم. ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ (١٢٣)﴾ أمر الله تعالى المؤمنين أن يقاتلوا الكفار أولًا فأولًا [¬٨]، الأقرب فالأقرب إلى حوزة الإسلام، ولهذا بدأ رسول الله، ﷺ ، بقتال المشركين في جزيرة العرب، فلمَا فرغ منهم، وفتح الله عليه مكة والمدينة، والطائف واليمن، واليمامة وهجر، وخيبر وحضرموت، وغير ذلك من أقاليم جزيرة العرب، ودخل الناس من سائر أحياء العرب في

стр. 3277

دين الله أفواجًا - شرع في قتال أهل الكتاب، فتجهز لغزو الروم الذين هم أقرب الناس إلى جزورة العرب، وأولى الناس بالدعوة إلى الإِسلام؛ لكونهم [¬١] أهل الكتاب، فبلغ تبوك ثم رجع، لأجل جهد الناس وجدب البلاد [¬٢] وضيق الحال، وكان ذلك سنة تسع من هجرته ﵇. ثم اشتغل في السنة العاشرة [بحجته حجة] [¬٣] الوداع، ثم عاجلته المنية، صلوات الله وسلامه عليه، بعد حجته [¬٤] بأحد وثمانين يومًا، فاختاره الله لما عنده. وقام بالأمر بعده وزيره وصديقه وخليفته أَبو بكر الصديق [¬٥]، ﵁، وقد مال الدين ميلة كاد أن ينجفل [¬٦] فثبته الله تعالى به، فوطد [¬٧] القواعد وثبت الدعائم، وردّ شارد الدين وهو راغم، ورد أهل الردة إلى الإِسلام، وأخذ الزكاة ممن منعها من الطغام [¬٨]، وبين الحق لمن جهله، وأدَّى عن الرسول ما حمله، ثم شرع في تجهيز الجيوش الإسلامية إلى الروم عبدة الصلبان، وإلى الفرس عبدة النيران، ففتح الله ببركة سفارته البلَاد، وأرغم أنف كسرى وقيصر ومن أطاعهما من العباد، وأنفق كنوزهما في سبيل الله كما أخبر بذلك رسول الإله [¬٩]. وكان تمام الأمر على يدي وصيه من بعده، وولي عهده الفاروق الأواب، شهيد المحراب، أبي حفص عمر بن الخطاب، ﵁، فأرغم الله به أنوف الكفرة الملحدين، وقمع الطغاة والمنافقين، واستولى على الممالك شرقًا وغربًا، وحملت إليه خزائن الأموال من سائر الأقاليم بعدًا وقربًا، ففرقها على الوجه الشرعي، والسبيل المرضي. ثم لما مات شهيدًا، وقد عاش حميدًا، أجمع الصحابة من المهاجرين والأنصار على خلافة أمير المؤمنين عثمان بن عفان، ﵁، شهيد الدار، فكسا الإسلام رياسة حلة سابغة، وامتدت [] [¬١٠] في سائر الأقاليم على رقاب العباد - حجة الله البالغة، فظهر الإِسلام في مشارق الأرض ومغاربها، وعلَتْ كلمة الله وظهر دينُه، وبلغت الأمة [¬١١] الحنيفية من أعداء الله غاية مآربها، فكلما [¬١٢] علوا أمة انتقلوا إلى من بعدهم، ثم الذين

стр. 3278

يلونهم من العتاة الفجار، امتثالًا لقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً﴾ [أي: وليجد الكفار منكم غلظة] [¬١] عليهم في قتالكم لهم، فإن المؤمن الكامل هو الذي يكون رفيقًا لأخيه المؤمن، غليظًا على عدوه الكافر، كقوله تعالى: ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾، وقوله تعالى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾، وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾ وفي الحديث أن رسول الله، ﷺ ، قال: "أنما الضحوك القتَّال". يعني: أنَّه ضحوك في وجه وليه، قتال لهامة عدوه. وقوله: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾ أي: قاتلوا الكفار، وتوكلوا على الله، واعلموا أن الله معكم إن [¬٢] اتقيتموه وأطعتموه. وهكذا الأمر لما كانت القرون الثلاثة الذين هم خير هذه الأمة، في غاية الاستقامة والقيام بطاعة الله تعالى - لم يزالوا ظاهرين على عدوهم، ولم تزل الفتوحات كثيرة، ولم تزل الأعداء في سفال وخسار، ثم لما وقعت الفتن والأهواء والاختلافات بين الملوك، طمع الأعداء في أطراف البلاد، وتقدموا إليها، فلم يمانعوا لشغل الملوك بعضهم ببعض، ثم تقدموا إلى حوزة الإِسلام فأخذوا من الأطراف بلدانا كثيرة، ثم لم يزالوا حتَّى استحوذوا على كثير من بلاد الإِسلام، ولله سبحانه الأمر من قبل ومن بعد!! فكلما قام ملك من ملوك الإسلام، وأطاع أوامر الله وتوكل على الله - فتح الله عليه من البلاد، واسترجع من الأعداء بحسبه وبقدر ما فيه من ولاية الله، والله المسئول المأمول أن يمكن المسلمين من نواصي أعدائه الكافرين، وأن يعلي كلمتهم في سائر الأقاليم، إنه جواد كريم. ﴿وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (١٢٤) وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ (١٢٥)﴾ يقول تعالى: ﴿وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ﴾ فمن المنافقين ﴿مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ

стр. 3279

إِيمَانًا﴾ أي: يقول بعضهم لبعض: أيكم زادته هذه السورة إيمانا، قال الله تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾. وهذه الآية من أكبر الدلائل على أن الإيمان يزيد وينقص، كما هو مذهب أكثر السلف والخلف من أئمة العلماء، بل قد حكى [الإجماع على ذلك - غيرُ واحد] [¬١] وقد بسط الكلام على هذه المسألة في أول شرح البخَاري ﵀. ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ﴾ أي: زادتهم شكًّا إلى شكهم، وريبًا إلى ريبهم، كما قال تعالى: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا﴾. و [قال تعالى] [¬٢]: ﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُولَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ﴾ وهذا من جملة شقائهم، أن ما يهدي القلوب يكون سببًا لضلالهم ودمارهم! كما أن سيئ المزاج لو غذي بما غذي به لا يزيده إلَّا خبالًا ونقصًا. ﴿أَوَلَا يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عَامٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ لَا يَتُوبُونَ وَلَا هُمْ يَذَّكَّرُونَ (١٢٦) وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ نَظَرَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ هَلْ يَرَاكُمْ مِنْ أَحَدٍ ثُمَّ انْصَرَفُوا صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ (١٢٧)﴾ يقول تعالى: أو لا يرى هؤلاء المنافقون [¬٣] ﴿أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ﴾ أي: يختبرون ﴿فِي كُلِّ عَامٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ لَا يَتُوبُونَ وَلَا هُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾ أي: لا يتوبون من ذنوبهم السالفة، ولا هم يذكرون فيما يستقبل من أحوالهم. قال مجاهد: يختبرون بالسنة والجوع. وقال قَتَادة: بالغزو في السنة مرة أو مرتين. وقال شريك، عن جابر - هو الجعفي - عن أبي الضحى عن حذيفة [في قوله] [¬٤]: ﴿أَوَلَا يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عَامٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ﴾ قال: كنا نسمع في كل عام كذبة أو كذبتين، فيضل بها فئام من الناس كثير. رواه ابن جرير.

стр. 3280

وفي الحديث عن أَنس (٢٨٥): " لا يزداد الأمر إلَّا شدة، ولا يزداد الناس إلَّا شحًّا، وما هن عام إلَّا والذي بعده شر منه". سمعته من نبيكم، ﷺ . وقوله: ﴿وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ نَظَرَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ هَلْ يَرَاكُمْ مِنْ أَحَدٍ ثُمَّ انْصَرَفُوا صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ (١٢٧)﴾. هذا أيضًا إخبار عن المنافقين أنهم إذا أنزلت سورة على رسول الله، ﷺ ﴿نَظَرَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ﴾ أي: تلفتوا ﴿هَلْ يَرَاكُمْ مِنْ أَحَدٍ ثُمَّ انْصَرَفُوا﴾ أي: تولوا عن الحق وانصرفوا عنه، وهذا حالهم في الدنيا [¬١]: لا يثبتون عند الحق ولا يقبلونه ولا يفهمونه، كقوله تعالى: ﴿فَمَا لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ (٤٩) كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ (٥٠) فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ (٥١)﴾، وقوله تعالى: ﴿فَمَالِ الَّذِينَ كَفَرُوا قِبَلَكَ مُهْطِعِينَ (٣٦) عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ عِزِينَ﴾ أي: ما لهؤلاء القوم يتفللون عنك يمينًا وشمالًا، هروبًا من الحق وذهابًا إلى الباطل. وقوله: ﴿ثُمَّ انْصَرَفُوا صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾، كقوله: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ أي: لا يفهمون عن الله خطابه ولا يقصدون لفهمه ولا يريدونه، بل هم في شغل [¬٢] عنه ونفور منه، فلهذا صاروا إلى ما صاروا إليه.

стр. 3281

﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَاعَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٢٨) فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (١٢٩)﴾ يقول تعالى ممتنًّا على المؤمنين بما أرسل إليهم رسولًا من أنفسهم، أي: من جنسهم وعلى لغتهم، كما قال إبراهيم ﵇: ﴿رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا﴾، وقال تعالى: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾، قال تعالى: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾ أي: منكم وبلُغَتِكُم، كما قال جعفر بن أبي طالب، ﵁، للنجاشي، والمغيرة بن شعبة لرسول كسرى: إن الله بعث فينا رسولًا منَّا نعرف نسبه وصفته، ومدخله ومخرجه، وصدقه وأمانته … وذكر الحديث. وقال سفيان بن عيينة، عن جعفر بن محمد، عن أبيه في قوله تعالى: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾ قال: لم يصبه شيء من ولادة الجاهلية. وقال ﷺ : "خرجت من نكاح ولم أخرج من سفاح". وقد وصل هذا من رجه آخر، كما قال الحافظ أَبو محمد الحسن بن عبد الرحمن الرامهرمزي في كتابه الفاصل بين الراوي والواعي: حدَّثنا أَبو أحمد يوسف بن هارون بن زياد، حدَّثنا ابن أبي عمر، حدَّثنا محمد بن جعفر بن محمد، قال: أشهد على أبي لحدثني، عن أبيه، عن جده، عن علي قال: قال رسول الله، ﷺ : "خرجت من نكاح ولم أخرج من سفاح، من لدن آدم إلى أن ولدني أبي وأمي لم يمسني [¬١] من سفاح الجاهلية شيء [¬٢] " (٢٨٦). وقوله تعالى: ﴿عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَاعَنِتُّمْ﴾ أي: يعز عليه الشيء الذي يُعنت أمتَه ويشق عليها؛ ولهذا جاء في الحديث المروي من طرق عنه أنَّه قال: "بعثت بالحنيفية السمحة" (٢٨٧).

стр. 3282

وفي الصحيح (٢٨٨): " إن هذا الدين يسر". وشريعته كلها سهلة [¬١] سمحة كاملة، يسيرة على من يسرها الله تعالى عليه. ﴿حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ﴾ أي: على هدابتكم ووصول النفع الدنيوي والأخروي إليكم. وقال الطبراني: حدَّثنا محمد بن عبد الله الحضرمي، حدَّثنا محمد بن عبد الله بن يزيد المقري، حدَّثنا سفيان بن عيينة، عن فطْر، عن أبي الطفيل، عن أبي ذر قال: تركنا رسول الله، ﷺ ، وما طائر يقلب جناحيه في الهواء إلَّا وهو [يذكر لنا] [¬٢] منه علمًا. قال: وقال رسول الله، ﷺ : "ما بقي شيء يقرِّب من الجنَّةَ ويباعد من النار إلَّا وقد بُينِّ لكم" (٢٨٩). وقال الإِمام أحمد (٢٩٠): حدَّثنا أبو [¬٣] قطن [¬٤]، حدَّثنا المسعودي، عن الحسن بن سعد، عنَ عبدة النهدي [¬٥]، عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ : "إن الله لم يحرم حرمة إلَّا وقد علم أنَّه سيطلعها منكم مطلع، ألا وإني آخذ بحجزكم أن تهافتوا في النار كتهافت الفراش أو [¬٦] الذباب". وقال الإِمام أحمد (٢٩١): حدَّثنا حسن بن موسى، حدَّثنا حمَّاد بن سلمة، عن علي بن زيد بن جدعان، عن يوسف بن مهران، عن ابن عبَّاس: أن رسول الله، ﷺ ، أتاه ملكان فيما يرى النائم، ففعد أحدهما عند [¬٧] رجليه، والآخر عند رأسه، فقال الذي عند رجليه للذي عند رأسه: اضرب مثل هذا ومثل أمته. فقال: إن مثله ومثل أمته كمثل قوم سفر انتهوا إلى رأس مفازة، ولم [¬٨] يكن معهم من الزاد ما يقطعون به المفازة،

стр. 3283

ولا ما يرجعون به، فبينما هم كذلك اذ أتاهم رجل في حلة حبرة فقال: أرأيتم إن وردت [¬١] بكم رياضًا معشبة، وحياضًا رواء تتبعوني؟ فقالوا: نعم!. قال: فانطلق بهم فأوردهم رياضًا معشبة وحياضًا رواء، فأكلوا وشربوا وسمنوا، فقال لهم: ألم ألفكم على تلك الحال، فجعلتم لي إن وردت بكم رياضًا معشبة وحياضًا رواء أن تتبعوني؟ فقالوا: بلى. فقال [¬٢]: فإن بين أيديكم رياضًا هي أعشب من هذه، وحياضًا هي أروى من هذه فاتبعوني. فقالت طائفة: صدق والله لنتبعنه، وقالت طائفة: قد رضينا بهذا نقيم عليه. وقال البزار (٢٩٢): حدَّثنا سلمة بن شبيب، وأحمد بن منصور، قالا: حدَّثنا إبراهيم بن الحكم بن أبان، حدَّثنا أبي، عن عكرمة، عن أبي هريرة، ﵁، أن أعرابيًّا جاء إلى رسول الله، ﷺ ، يستعينه في شيء - قال عكرمة: أراه قال في دم - فأعطاه رسول الله، ﷺ ، شيئًا ثم قال: "أحسنت إليك؟ " قال الأعرابي: لا، ولا أجملت. فغضب بعض المسلمين وهمُّوا أن يقوموا إليه، فأشار رسول الله، ﷺ ، إليهم أن كفوا، فلما قام رسول الله ﷺ وبلغ إلى منزله، دعا الأعرابي إلى البيت فقال له: "إنك جئتنا فسألتنا فأعطيناك، فقلت ما قلت". فزاده رسول الله، ﷺ ، شيئًا وقال: "أحسنت إليك؟ " فقال الأعرابي: نعم، فجزاك الله من أهلٍ وعشيرة خيرًا. قال النبي، ﷺ : "إنك جئتنا تسألنا فأعطيناك فقلت ما قلت، وفي أنفس أصحابي عليك من ذلك شيء، فإذا جئت فقل بين أيديهم ما قلت بين يدي حتَّى يذهب عن صدورهم". فقال [¬٣]: نعم. فلما جاء الأعرابي، قال [رسول الله، ﷺ ] [¬٤]: "إن صاحبكم كان جاءنا فسألنا فأعطيناه فقال ما قال، وإنا قد دعوناه فأعطيناه فزعم أنَّه قد رضي، [كذلك يا أعرابي] [¬٥]؟ فقال [¬٦] الأعرابي: نعم، فجزاك الله من أهل وعشيرة خيرًا. فقال النبيّ ﷺ : "إن مثلي ومثل هذا الأعرابي، كمثل رجل كانت له ناقة فشردت عليه، فاتبعها الناس فلم يزيدوها إلَّا نفورًا، فقال لهم صاحب الناقة: خلوا بيني وبين ناقتي، فأنا أرفق بها وأنا [¬٧] أعلم بها، فتوجه إليها وأخذ [¬٨] لها من قتام (*) الأرض،

стр. 3284

ودعاها حتَّى جاءت واستجابت وشد عليها رحلها، وإني [¬١] لو أطعتكم حيث قال ما قال لدخل النار". [ثم قال] [¬٢] البزار، [] [¬٣]: لا نعدمه يروى إلَّا من هذا الوجه. (قلت): وهو ضعيف بحال إبراهيم بن الحكم بن أبان، والله أعلم. وقوله [¬٤]: ﴿بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ كما قال تعالى: ﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢١٥) فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ (٢١٦) وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ﴾ وهكذا أمره تعالى. وهذه الآية الكريمة، وهي قوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا﴾ أي: تولوا عما جئتهم به من الشريعة العظيمة المطهرة الكاملة الشاملة ﴿فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ أي: الله كافيّ لا إله إلَّا هو عليه توكلت - كما قال تعالى: ﴿رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا﴾. ﴿وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ أي: هو مالك كل شيء وخالقه؛ لأنه رب العرش العظيم الذي هو سقف المخلوقات، وجميع الخلائق من السموات والأرضين وما فيهما وما بينهما تحت العرش مقهورين، بقدرة الله تعالى، وعلمه محيط بكل شئ، وقدره نافذ في كل شيء، وهو على كل شيء وكيل. قال [عبد الله ابن] الإِمام أحمد (٢٩٣): حدَّثنا محمد بن أبي بكر، حدَّثنا بشر بن عمر، حدَّثنا شعبة، عن علي بن زيد، عن يوسف بن مهران، عن ابن عبَّاس، ﵄، عن أبي بن كعب قال: آخر آية نزلت من القرآن هذه الآية: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾ إلى آخر السورة.

стр. 3285

وقال عبد الله ابن الإِمام أحمد (٢٩٤): حدَّثنا روح بن عبد المؤمن، حدَّثنا عمر بن شقيق، حدَّثنا أَبو جعفر الرازي، عن الربيع بن أَنس، عن أبي العالية، عن أبي بن كعب، ﵁، أنهم جمعوا القرآن في مصالحف فى خلافة أبي بكر، ﵁، فكان رجال يكتبون ويملي عليهم أبي بن كعب، فلما انتهوا إلى هذه الآية من سورة براءة ﴿صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ﴾. فظنوا أن هذا آخر ما نزل من القرآن، فقال لهم أبي بن كعب: إن رسول الله، ﷺ ، أقرأني بعدها آيتي ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَاعَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ إلى قوله: ﴿هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾. قال: هذا آخر ما نزل من القرآن [] [¬١] فختم بما فتح به - بالله الذي لا إله إلَّا هو - وهو قول اللَّه تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي [¬٢] إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾. وهذا [¬٣] غريب أيضًا. وقال الإِمام أحمد (٢٩٥): حدَّثنا على بن بحر، حدَّثنا محمد بن سلمة، عن محمد بن إسحاق، عن يحيى بن عباد، عن أبيه عباد بن عبد الله بن الزُّبَير، ﵁، قال: أتى الحارث بن خزيمة بهاتين الآيتين من آخر براءة ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾ إلى عمر بن الخطاب، فقال: من معك على هذا؟ قال: لا أدري، والله إني أشهد [¬٤] لسمعتها من رسول الله، ﵌، ووعيتها وحفظها. فقال عمر: وأنا أشهد لسمعتها من رسول الله، ﷺ . ثم قال: لو كانت ثلاث آيات لجعلتها سورة على حدة، فانظروا سورة من القرآن فضعوها فيها، فوضعوها في آخر براءة. وقد تقدم [] [¬٥] أن عمر بن الخطاب هو الذي أشار على أبي بكر الصديق، ﵄، بجمع القرآن، فأمر زيد بن ثابت فجمعه، وكان عمر يحضرهم وهم يكتبون

стр. 3286

ذلك. وفي الصحيح أن زيدًا قال: فوجدت آخر سورة براءة مع خزيمة بن ثابت أو أبي خزيمة (٢٩٦). وقد قدَّمْنا أن جماعة من الصحابة تذكروا [¬١]، ذلك عن [¬٢] رسول الله، ﷺ ، كما قال خزيمة بن ثابت حين ابتدأهم بها، والله أعلم. وقد روى أَبو داود عن يزيد بن محمد، عن عبد الرزاق بن عمر - وقال كان من ثقات المسلمين من المتعبدين - عن مدرك بن سعد - قال يزيد: شيخ ثقة - عن يونس بن ميسرة، عن أم الدرداء، عن أبي الدرداء قال: من قال إذا أصبح وإذا أمسى: حسبي الله لا إله إلا هو، عليه توكلت وهو رب العرش العظيم - سبع مرات - إلا كفاه الله ما يهمّه [¬٣] (٢٩٧). وقد رواه ابن عساكر في ترجمة عبد الرزاق بن [¬٤] عمر هذا من رواية أبي زرعة الدمشقي عنه، عن أبي سعد مدرك بن أبي سعد الفزاري، عن يونس بن ميسرة بن حلبس، عن أم الدرداء، سمعت أبا الدرداء يقول: ما من عبد يقول: حسبي الله لا إله إلَّا هو، عليه توكلت وهو رب العرش العظيم، سبع مرات - صادقًا كان بها أو كاذبًا - إلَّا كفاه الله ما أهمّه [¬٥] (٢٩٨). وهذه زيادة غريبة، ثم رواه في ترجمة عبد الرزاق أبي محمد، عن أحمد بن عبد الله ابن عبد الرزاق، عن جده عبد الرزاق بن عمر بسنده، فرفعه (٢٩٩) فذكر مثله بالزِّيادة، وهذا منكر، والله أعلم. آخر سورة براءة، والحمد لله وحده * * *

стр. 3287

[تفسير] سورة يونس ﵇ [وهي مكية] ﴿الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ (١) أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنَا إِلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ أَنْ أَنْذِرِ النَّاسَ وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ قَالَ الْكَافِرُونَ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ مُبِينٌ (٢)﴾. أما الحَروف المقطعة في أوائل السور فقد تقدم الكلام عليها في أوائل سورة البقرة. وقال أَبو الضحى (١) عن ابن عبَّاس في قوله تعالى: ﴿الر﴾ أي: أنا الله أرى. وكذا قال الضحاك وغيره. ﴿تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ﴾ أي: هذه آيات القرآن المحكم المبين. وقال مجاهد: ﴿الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ﴾ [قال الحسن: التوراة والزبور] [¬١]. وقال قَتَادة ﴿تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ﴾ قال: الكتب التي كانت قبل القرآن. وهذا القول لا أعرف وجهه ولا معناه. وقوله: ﴿أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنَا إِلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ أَنْ أَنْذِرِ النَّاسَ وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾. يقول تعالى منكرًا على من تعجب من الكفار من إرسال المرسلين من البشر، كما أخبر تعالى عن القرون الماضية [¬٢] من [¬٣] قولهم ﴿أَبَشَرٌ يَهْدُونَنَا﴾، وقول [¬٤] هود وصالح لقومهما: ﴿أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جَاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِنْكُمْ﴾ وقال تعالى مخبرًا عن كفار قريش انهم قالوا: ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ ". وقال الضحاك (٢)، عن ابن عبَّاس: لما بعث الله تعالى محمّدًا ﷺ

стр. 3288

رسولًا أنكرت العرب ذلك، أو من أنكر منهم فقالوا: الله أعنطم من أن يكون رسوله بشرًا مثل محمد، قال: فأنزل الله ﴿أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنَا إِلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ﴾. و [¬١] قوله: ﴿أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ اختلفوا فيه؛ فقال على بن أبي طلحة (٣)، عن ابن عباس في قوله: ﴿أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ يقول: سبقت لهم السعادة في الذكر الأول. وقال العوفي (٤)، عن ابن عبَّاس: ﴿أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ يقول أجرًا حسنًا بما قدموا. وكذا قال الضحاك، والربيع بن أنس، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم، وهذا كقوله تعالى ﴿قَيِّمًا لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِنْ لَدُنْهُ وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا (٢) مَاكِثِينَ فِيهِ أَبَدًا (٣)﴾. وقال مجاهد ﴿أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ قال: الأعمال الصالحة، صلاتهم وصومهم، وصدقتهم، وتسبيحهم. قال: ومحمد ﷺ شفيع [¬٢] لهم. وكذا قال زيد بن أسلم ومقاتل بن حيان. وقال قَتَادة: سلف صدق عند ربهم. واختار ابن جرير قول مجاهد: إنها [¬٣] الأعمال الصالحة التي قدموها، [قال] [¬٤] كما يقال: له قدم في الإِسلام، [كقول حسان] [¬٥]: لنا القدم العليا (*) إليك وخَلْفُنا … لأولِنا في طَاعةِ الله تابِعُ وتول ذي الرمَّة: لَكُمْ قدم لا يُنْكِرُ الناسُ أنَّها … مَعَ الحَسَب العادِي طَمَّتْ على البَحْرِ وقوله تعالى: ﴿قَالَ الْكَافِرُونَ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ مُبِينٌ﴾ أي: مع أنا بعثنا إليهم رسولًا منهم رجلًا من جنسهم بشيرًا ونذيرًا ﴿قَالَ الْكَافِرُونَ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ مُبِينٌ﴾ أي: ظاهر

стр. 3289

وهم الكاذبون في ذلك. ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (٣)﴾ يخبر تعالى أنَّه رب العالم جميعه، وأنه خلق السموات والأرض في ستة أيام، قيل: كهذه الأيام، وقيل: كل يوم كألف سنة مما تعدّون، كما سيأتي بيانه. ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ والعرش أعظم المخلوقات وسقفها. قال ابن أبي حاتم (٥): حدَّثنا حجاج بن حمزة، حدَّثنا أَبو أسامة، حدَّثنا إسماعيل بن أبي خالد، قال: سمعت سعدًا الطائي يقول: العرش: ياقوتة حمراء. وقال وَهْب بن منبه: خلفه الله من نوره، وهذا غريب. وقوله [¬١]: ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ﴾ أي: يدبر أمر الخلائق ﴿لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ﴾ ولا يشغله شأن عن شأن، ولا تغئطه المسائل، ولا يتبرم بإلحاح الملحين، ولا يلهيه تدبير الكبير عن الصغير في الجبال، والبحار، والعمران، والقفار ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾، ﴿وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (٥٩)﴾. وقال الدراوردي، عن سعد بن إسحاق بن كعب؛ أنَّه قال لما [¬٢] نزلت هذه الآية ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ﴾. لقيهم [¬٣] ركب عظيم لا [يرون

стр. 3290

إلَّا] [¬١] أنهم من العرب، فقالوا لهم: من أنتم؟ قالوا: من الجن، خرجنا من المدينة، أخرجتنا هذه الآية. رواه ابن أبي حاتم (٦). وقوله [¬٢]: ﴿مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ﴾ كقوله تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾، وكقوله تعالى: ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى (٢٦)﴾ ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى (٢٦)﴾، وقوله: ﴿وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾. وقوله: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾ أي: أفردوه بالعبادة وحده لا شريك له ﴿أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾ أي: أيها المشركون في أمركم، تعبدون مع الله إلهًا [¬٣] غيره وأنتم تعلمون أنَّه المتفرّد [¬٤] بالخلق، كقوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ [مَنْ خَلَقَهُمْ] [¬٥] لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [¬٦]: ﴿قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (٨٦) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ﴾ وكذا الآية التى قبلها والتي بعدها. ﴿إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا إِنَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ بِالْقِسْطِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ شَرَابٌ مِنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ (٤)﴾ يخبر تعالى أن إليه مرجع الخلائق يوم القيامة، لا يترك منهم أحدًا حتَّى يعيده كما بدأه، ثم ذكر تعالى أنَّه كما بدأ الخلق كذلك يعيده ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾. ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ بِالْقِسْطِ﴾ أي: بالعدل والجزاء الأوفى ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ شَرَابٌ مِنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ﴾ أي: بسبب كفرهم يعذبون كوم القيامة بأنواع العقاب [¬٧]؛ من سموم وحميم، وظل من يحموم ﴿هَذَا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ (٥٧) وَآخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ﴾، ﴿هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي يُكَذِّبُ بِهَا الْمُجْرِمُونَ (٤٣) يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ﴾.

стр. 3291

﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ يُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٥) إِنَّ فِي اخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَّقُونَ (٦)﴾ يخبر تعالى عما خلق من الآيات الدالة على كمال قدرته وعظيم سلطانه، وأنه جعل الشعاع الصادر عن جرم الشمس ضياءٌ، وجعل [¬١] شعاع القمر نورًا، هذا فن وهذا فن آخر، ففاوت بينهما لئلا يشتبها، وجعل سلطان الشمس بالنهار، وسلطان القمر بالليل، وقدر القمر منازل، فأول ما يبدو صغيرًا، ثم يتزايد نوره وجرمه حتَّى يستوسق ويكمل إبداره، ثم يشرع في النقص حتَّى يرجع إلى حاله الأول في تمام شهر، كقوله تعالى: ﴿وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ (٣٩) لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾، [وقوله تعالى] [¬٢]: ﴿وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾. وقال [¬٣] في هذه الآية الكريمة: ﴿وَقَدَّرَهُ﴾ أي: القمر ﴿مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ﴾ فبالشمس تعرف الأيام، وبسير القمر تعرف الشهور والأعوام. ﴿مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ أى: لم يخلقه عبثًا بل له حكمة عظيمة في ذلك، وحجة بالغة، كقوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ﴾، وقال تعالى: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ (١١٥) فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ﴾. وقوله [¬٤]: ﴿نُفَصِّلُ الْآيَاتِ﴾ أي: نبين [¬٥] الحجج والأدلة ﴿لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾. وقوله: ﴿إِنَّ فِي اخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ أي: تعاقبهما إذا جاء هذا ذهب هذا، وإذا ذهب هذا جاء هذا لا يتأخر عنه شيئًا، كقوله تعالى: ﴿يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا﴾، وقال: ﴿لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ﴾. وقال تعالى: ﴿فَالِقُ الْإِصْبَاحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ

стр. 3292

الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾. وقوله: ﴿وَمَا خَلَقَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ أي: من الآيات الدالة على عظمته تعالى، كما قال: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ … ﴾ [الآية. وقوله: ﴿قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ] [¬١] وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ﴾، وقال: ﴿أَفَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾، وقال: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ أي: العقول، وقال هاهنا: ﴿لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَّقُونَ﴾ أي: عقاب الله وسخطه وعذابه. ﴿إِنَّ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ (٧) أُولَئِكَ مَأْوَاهُمُ النَّارُ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (٨)﴾ يقول تعالى مخبرًا عن حال الأشقياء؛ الذين كفروا بلقاء الله يوم القيامة، ولا يرجون [¬٢] في [لقاء الله] [¬٣] شيئًا، ورضوا بهذه الحياة الدنيا، واطمأنت إليها أنفسهم [¬٤]. قال الحسن: والله ما زينوها ولا رفعوها حتَّى رضوا بها، وهم غافلون عن آيات الله الكونية [¬٥] فلا يتفكرون فيها، والشرعية [¬٦] فل يأتمرون بها، فإن [¬٧] مأوأهم يوم معادهم النار جزاء على ما كانوا يكسبون في دنياهم من الآثام والخطايا والإِجرام، مع ما هم فيه من الكفر بالله ورسله واليوم الآخر. ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (٩) دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٠)﴾ وهذا إخبار عن حال السعداء الذين آمنوا بالله، وصدقوا المرسلين، وامتثلوا ما أمروا به فعملوا الصالحات، بأنه سيهديهم بإيمانهم.

стр. 3293

يحتمل أن تكون الباء هاهنا سببيةً، فتقديره: بسبب إيمانهم في الدنيا يهديهم الله يوم القيامة على الصراط المستقيم [¬١]، حتَّى يجوزوه ويخلصوا إلى الجنَّةَ، ويحتمل أن تكون للاستعانة، كما قال مجاهد في قوله: ﴿يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ﴾ قال: [يكون لهم نورًا يمشون به] [¬٢]. [وقال ابن جريج في الآية] [¬٣]: يمثل له عمله في صورة حسنة وريح طيبة، إذا قام من قبره يعارض [¬٤] صاحبه ويبشره [¬٥] بكل خير، فيقول له: من أنت؟ فيقول: أنا عملك. فيجعل له نورًا من بين يديه حتَّى يدخله الجنَّةَ، فذلك قوله تعالى: ﴿يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ﴾ والكافر يمثل له عمله في صورة سيئة وريحٍ منتنة، فيلازم [¬٦] صاحبه ويلَازُّه [¬٧] حتَّى يقذفه في النار. وروي نحوه عن قَتَادة مرسلًا، فالله أعلم. وقوله: ﴿دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ أي: هذا حال أهل الجنَّةَ. وقال ابن جريج: أُخبرتُ أن قوله: ﴿دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ﴾ [] [¬٨] قال: إذا مر بهم الطير يشتهونه [قالوا: سبحانك اللهم، وذلك دعواهم، فيأتيهم الملك بما يشتهونه، [¬٩]، فيسلم عليهم فيردون عليه، فذلك قوله [¬١٠]: ﴿وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ﴾. قال [¬١١]: فإذا أكلوا حمدوا الله ربَّهم، فذلك قوله: ﴿وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. وقال مقاتل بن حيان: إذا أراد [¬١٢] أهل الجنَّةَ أن يدعوا [¬١٣] بالطعام، قال أحدهم ﴿سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ﴾ قال: فيقوم على أحدهم عشرة آلاف خادم، مع كل خادم صحفة من ذهب فيها طعام ليس في الأخرى، قال: فيأكل منهن كلهن [¬١٤]. وقال سفيان الثَّوري: إذا أراد أحدهم أن يدعو بشيء قال: ﴿سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ﴾.

стр. 3294

وهذه الآية فيها شبه من قوله: ﴿تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلَامٌ وَأَعَدَّ لَهُمْ أَجْرًا كَرِيمًا (٤٤)﴾. وقوله: ﴿لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا تَأْثِيمًا (٢٥) إِلَّا قِيلًا سَلَامًا سَلَامًا﴾، وقوله: ﴿سَلَامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ﴾، وقوله: ﴿وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ (٢٣) سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ﴾. وقوله [¬١]: ﴿وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ هذا فيه دلالة على أن الله تعالى هو المحمود أبدًا، المعبود على طول المدى؛ ولهذا حمد نفسه عند ابتداء خلقه واستمراره، وفي ابتداء كتابه، وعند ابتداء تنزيله، حيث يقول تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَاب﴾، [﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ الْسَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾] [¬٢] إلى غير ذلك من الأحوال التي يطول بسطها، وأنه المحمود في الأول والآخر، في الحياة الدنيا وفي الآخرة، في جميع الأحوال؛ ولهذا جاء في الحديث: "إن أهل الجنَّةَ يلهمون التسبيح والتحميد كما يلهمون النفس" (٧). وإنَّما يكون ذلك كذلك لما يرون [¬٣] [من تضاعف] [¬٤] نعم الله [¬٥] عليهم [فتكرر وتعاد] [¬٦] وتُزاد فليس لها انقضاء ولا أمد، فلا إله إلَّا هو ولا ربَّ سواه. ﴿وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجَالَهُمْ بِالْخَيْرِ لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ فَنَذَرُ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (١١)﴾ يخبر تعالى عن حلمه [¬٧] ولطفه بعباده أنَّه لا يستجيب لهم [¬٨] إذا دعوا على أنفسهم أو أموالهم أو أولادهم في حال ضجرهم وغضبهم، وأنَّه يعلم منهم عدم القصد إلى إرادة ذلك، فلهذا لا يستجيب لهم والحالة هذه لطفًا ورحمة، كما يستجيب لهم إذا دعوا لأنفسهم أو لأموالهم أو لأولادهم بالخير والبركة والنماء؛ ولهذا قال: ﴿وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجَالَهُمْ بِالْخَيْرِ لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ﴾. أي: لو استجاب لهم [¬٩] كلما دعوه به في ذلك لأهلكهم، ولكن لا ينبغي الإِكثار من ذلك، كما جاء في الحديث الذي

стр. 3295

رواه الحافظ أبو بكر البزار في مسنده (٨): حدثنا محمد بن معمر، حدثنا يعقوب بن محمد، حدثنا حاتم بن إسماعيل، حدثنا يعقوب بن مجاهد أبو حَزْرَةَ، عن عبادة بن الوليد، حدثنا جابر قال: قال رسول الله، ﷺ : "لا تدعوا على أنفسكم، لا تدعوا على أولادكم، لا تدعوا على أموالكم، لا توافقوا من الله ساعة فيها إجابة فيستجيب لكم". ورواه أبو داود من حديث حاتم بن إسماعيل به. قال البزار: وتفرد به عبادة بن الوليد بن عبادة بن الصامت الأنصاري، لم يشاركه أحد فيه. وهذا كقوله تعالى: ﴿وَيَدْعُ الْإِنْسَانُ بِالشَّرِّ دُعَاءَهُ بِالْخَيْرِ وَكَانَ الْإِنْسَانُ عَجُولًا﴾ الآية. وقال مجاهد في تفسير هذه الآية: ﴿وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجَالَهُمْ بِالْخَيْرِ﴾ الآية: هو [¬١] قول الإِنسان لولده أو [¬٢] ماله إذا غضب عليه: اللهم لا تبارك فيه والعنه. فلو يعجل [¬٣] لهم الاستجابة في ذلك كما يستجاب لهم في الخير لأهلكهم. ﴿وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنْبِهِ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرٍّ مَسَّهُ كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٢)﴾ يخبر تعالى عن الإنسان وضجره وقلقه إذا مسه الشر [¬٤] ﴿وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُو دُعَاءٍ عَرِيضٍ﴾ أي: كثير وهما في معنى واحد، وذلك لأنه إذا أصابته شدة قلق لها وجزع منها، وأمصر الدعاء عند ذلك فدعا الله في كشفها وزوالها [¬٥]، عنه، في حال [¬٦] اضطجاعه وقعوده، وقيامه وفي جميع أحواله، فإذا فرج الله شدته، وكشف كربته، أعرض ونأى بجانبه، وذهب كأنه ما كان به من ذلك [¬٧] شيء ﴿مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرٍّ مَسَّهُ﴾.
следующие страницы →