جاءوا فاعتذروا فلم يعذرهم الله. وكذا قال الحسن وقَتَادة ومحمد بن إسحاق. والقول الأول أظهر - والله أعلم - لما قدمنا من قوله بعده: ﴿وَقَعَدَ الَّذِينَ كَذَبُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ أي: وقعد آخرون من الأعراب عن المجيء للاعتذار، ثم أوعدهم بالعذاب الأليم فقال: ﴿سَيُصِيبُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾.
﴿لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَى وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٩١) وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ (٩٢) إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ وَهُمْ أَغْنِيَاءُ رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ وَطَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٩٣)﴾
ثم بين تعالى الأعذار التي لا حرج على من قعد معها [¬١] عن القتال، فذكر منها: [ما هو لازم] [¬٢] للشخص لا ينفك عنه وهو الضعف في التركيب الذي لا يستطيع معه الجلاد في الجهاد، ومنه العمى والعرج ونحوهما؛ ولهذا بدأ به، ومنها [¬٣] ما هو عارض بسبب مرض عنّ له في بدنه شغله عن الخروج فى سبيل الله، أو بسبب فقره لا يقدر على التجهز [¬٤] للحرب، فليس على هؤلاء حرج اٍ ذا قعدوا ونصحوا في حال قعودهم، ولم يرجفوا بالناس، ولم [¬٥] يثبطوهم، وهم محسنون في حالهم هذا؛ ولهذا قال: ﴿مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾.
وقال سفيان الثَّوري، عن عبد العزيز بن رفيع، عن أبي ثمامة، ﵁، قال: قال الحواريون: يا روح الله، أخبرنا عن الناصح لله؟ قال: الذي يؤثر حق الله على حق الناس، وإذا حدث له أمران، أو بدا له أمر الدنيا وأمر الآخرة، بدأ بالذي للآخرة، ثم تفرغ [¬٦] للذي للدنيا.
وقال الأوزاعي: خرج الناس للاستسقاء، فقام فيهم بلال بن سعد، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: يا معشر من حضر، ألستم مقرين بالإِساءة؟ قالوا: اللهم، نعم. فقال:
стр. 3222
اللهم إنا نسمعك تقول: ﴿مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ﴾ اللهم، وقد أقررنا بالإساءة؛ فاغفر لنا وارحمنا واسقنا. ورفع يديه ورفعوا أيديهم، فسقوا.
وقال قَتَادة: نزلت هذه الآية في عائذ بن عمرو المزني.
وقال [¬١] ابن أبي حاتم (٢٠٨): حدَّثنا أَبى، حدَّثنا هشام بن عبيد الله الرازي، حدَّثنا ابن جابر، عن أبي فروة، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن زيد بن ثابت، قال: كنت أكتب لرسول الله، ﷺ ، فكنت أكتب براءة، فإني لواضع القلم على أذني اذ أمرنا بالقتال، فجعل رسول الله، ﷺ ، ينظر ما ينزل عليه، اذ جاء أعمى فقال: كيف بي يا رسول الله، وأنا أعمى؟! فنزلت ﴿لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَى﴾ [¬٢] [إلى آخر] [¬٣] الآية.
وقال العوفي، عن ابن عبَّاس في هذه الآية: وذلك أن رسول الله، ﷺ ، أمر الناس أن ينبعثوا غاز - من معه، فجاءته عصابة من أصحابه - فيهم عبد الله بن مُغَفل [] [¬٤] المزني - فقالوا: يا رسول الله، احملنا. فقال لهم: "والله، لا أجد ما أحملكم عليه". فتولوا [ولهم بكاء] [¬٥]، وعز عليهم أن يجلسوا عن الجهاد، ولا يجدون نفقة ولا محملًا، فلما رأى الله حرصهم على محبته ومحبة رسوله - أنزل عذرهم في كتابه فقال: ﴿لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ﴾ إلى قوله: ﴿فَهُمْ لَا يَعْمَلُونَ﴾.
وقال مجاهد في قوله: ﴿وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ﴾: نزلت في بني مقرن من مزينة.
وقال محمد بن كعب (٢٠٩): كانوا سبعة نفر، من بني عمرو بن عوف: سالم بن عوف، ومن بني واقف: [هرمي] بن عمرو، ومن بني مازن بن النجار: عبد الرحمن بن كعب، ويكنى أبا ليلى، ومن بني المعلى: [سلمان بن صخر، ومن بني حارثة: عبد الرحمن بن يزيد أَبو عبلة وهو الذي تصدق بعرضه فقبله الله منه] [¬٦]؛ ومن بني
стр. 3223
سلمة: عمرو بن عَنَمة [¬١] وعبد الله بن عمرو المزني.
وقال محمد بن إسحاق في سياق غزوة تبوك: ثم إِن رجالًا من المسلمين أتوا رسول الله ﷺ وهم البكاءون، وهم سبعة نفر من الأنصار وغيرهم، من بني عمرو بن عوف: سالم بن عمير، وعَلْبة [¬٢] بن زيد أخو بني حارثة، وأبو ليلى عبد الرحمن بن كعب أخو بني مازن بن النجار، وعمرو بن الحمام بن الجموح أخو بني سلمة، وعبد الله بن المغفل المزني، وبعض الناس يقول: بل هو عبد الله بن عمرو المزني، وهَرَميّ [¬٣] بن عبد الله أخو بني واقف، وعرْباض [¬٤] بن سارية الفزاري، فاستحملوا [¬٥] رسول الله، ﷺ ، وكانوا أهل حاجة، فقال: " ﴿لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا [¬٦] وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ﴾ (٢١٠).
وقال ابن أبي حاتم: حدَّثنا عمر بن الأودي، حدَّثنا وكيع، عن الربيع، عن الحسن، قال: قال رسول الله، ﷺ : "لقد خلفتم بالمدينة أقوامًا، ما أنفقتم من نفقة، ولا قطعتم واديًا، ولا نلتم من عدو نيلًا، إلا وقد شركوكم في الأجر". ثم قرأ: ﴿وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ﴾. الآية.
وأصل [هذا] [¬٧] الحديث فى الصحيحين (٢١١) من حديث أنس [¬٨]، أن رسول الله، ﷺ ، قال: "إن بالمدينة أقوامًا مما قطعتم واديًا، ولا سرتم سيرًا إلَّا وهم معكم". قالوا: وهم بالمدينة؟! قال: "نعم، حبسهم العذر".
وقال الإِمام أحمد (٢١٢): حدَّثنا وكيع، حدَّثنا الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر، قال: قال رسول الله، ﷺ : " لقد خلفتم بالمدينة رجالًا، ما قطعتم واديًا، ولا سلكتم طريقًا إلَّا شركوكم في الأجر، حبسهم المرض".
стр. 3224
ورواه مسلم وابن ماجة من طرق، عن الأعمش، به.
ثم ردّ تعالى الملامة على الذين يستأذنون في القعود: هم أغنياء، وأنبهم في رضاهم بأن يكونوا مع النساء الخوالف في الرحال ﴿وَطَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾.
﴿يَعْتَذِرُونَ إِلَيْكُمْ إِذَا رَجَعْتُمْ إِلَيْهِمْ قُلْ لَا تَعْتَذِرُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكُمْ قَدْ نَبَّأَنَا اللَّهُ مِنْ أَخْبَارِكُمْ وَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٩٤) سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ إِنَّهُمْ رِجْسٌ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (٩٥) يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنْ تَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ (٩٦)﴾
أخبر تعالى عن المنافقين بأنهم إذا رجعوا إلى المدينة أنهم يعتذرون إليهم ﴿قُلْ [لَا تَعْتَذِرُوا] [¬١] لَنْ نُؤْمِنَ لَكُمْ﴾ أي: لن نصدقكم ﴿قَدْ نَبَّأَنَا اللَّهُ مِنْ أَخْبَارِكُمْ﴾ أي: قد أعلمنا الله أحوالكم ﴿وَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ﴾ أي: سيظهر أعمالكم للناس فى الدنيا ﴿ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ أي: فيخبركم بأعمالكم، خيرِها وشرِّها، ويجزيكم عليها.
ثم أخبر عنهم أنهم سيحلفون لكم [¬٢] معتذرين ﴿لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ﴾ فلا تؤنبوهم ﴿فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ﴾ احتقارًا لهم ﴿إِنَّهُمْ رِجْسٌ﴾ أي: خبثاءُ، نجس بواطنهم واعتقاداتهم، ﴿وَمَأْوَاهُمْ﴾ في آخرتهم (﴿جَهَنَّمُ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ أي: من الآثام والخطايا، وأخبر أنهم وإن [¬٣] رضوا عنهم بحلفهم [¬٤] لهم ﴿فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾ أي: الخارجين عن طاعة الله وطاعة رسوله، فإن الفسق هو الخروج، ومنه سميت الفأرة فويسقة، لخروجها من جحرها للإِفساد، ويقال: فسقت الرطبة إذا خرجت من أكمامها.
﴿الْأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا وَأَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى
стр. 3225
رَسُولِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٩٧) وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَنْ يَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ مَغْرَمًا وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوَائِرَ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٩٨) وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ قُرُبَاتٍ عِنْدَ اللَّهِ وَصَلَوَاتِ الرَّسُولِ أَلَا إِنَّهَا قُرْبَةٌ لَهُمْ سَيُدْخِلُهُمُ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٩٩)﴾
أخبر تعالى أن في الأعراب [كفارًا ومنافقين ومؤمنين] [¬١]، وأن كفرهم ونفاقهم أعظم من غيرهم وأشد ﴿وَأَجْدَرُ﴾ أي: أحرى ﴿أَلَّا يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ﴾ كما قال الأعمَش، عن إبراهيم؛ قال: جلس أعرابي إلى زيد بن صوحان وهو يحدث أصحابه، وكانت يده قد أصيبت يوم "نهاوند"، فقال الأعرابي: والله إن حديثك ليعجبني، وإن يدك لتريبني. فقال زيد: ما يريبك من يدي إنها الشمال؟ فقال الأعرابى: والله ما أدري اليمين يقمون أو الشمال. فقال زيد بن صوحان: صدق الله [] [¬٢] ﴿الْأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا وَأَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ﴾.
وقال الإِمام أحمد (٢١٣): حدَّثنا عبد الرحمن بن مهدي، حدَّثنا سفيان، عن أبي موسى، عن وَهْب بن مُنَبِّه، عن ابن عبَّاس، عن رسول الله، ﷺ ، قال: "من سكن البادية جفا، ومن اتبع الصيد غفل، ومن أتى السلطان افتتن".
ورواه أَبو داود والتِّرمِذي والنَّسائي من طرق عن سفيان الثوري، به. وقال التِّرمِذي: حسن غريب لا نعرفه إلَّا من حديث الثَّوري.
ولما كانت الغلظة والجفاء في أهل البوادي، لم يبعث الله منهم رسولًا، وإنما كانت البعثة من أهل القرى، كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ [¬٣] قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي [¬٤] إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى﴾. ولما أهدى ذلك الأعرابي تلك الهدية لرسول الله، ﷺ ،
стр. 3226
فرد عليه أضعافها حتى رضى، قال: "لقد هممت ألاَّ أقبل هدية إلا من قرشى أو ثقفي أو أنصاري أو دَوسِي" (٢١٤)؛ لأن هؤلاء كانوا يسكنون المدن [¬١]: مكة والطائف والمدينة واليمن، فهم ألطف أخلاقًا من الأعراب؛ لما في طباع الأعراب من الجفاء.
(حديث [الأعرابي في تقبيل الولد) قال مسلم: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة وأبو كريب، قال: ثنا أبو أسامة وابن نمير، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة قالت: قدم ناس من الأعراب على رسول الله، ﷺ ، فقالوا: أتقبلون صبيانكم؟ قالوا: نعم. قالوا: لكنا والله ما نقبل. فقال رسول الله، ﷺ : "وأملِكُ إن كان الله نزع منكم الرحمة". وقال ابن نمير: "من قلبك الرحمة" (٢١٥)] [¬٢].
وقوله: ﴿والله عليم حكيم﴾ أي: عليم بمن يستحق أن يعلمه الإِيمان والعلم، حكيم فيما قسم بين عباده من العلم والجهل، والإِيمان والكفر والنفاق، لا يسأل عما يفعل لعلمه وحكمته.
وأخبر تعالى أن منهم ﴿من يتخذ [¬٣] ما ينفق﴾ أي: في سبيل الله ﴿مَغْرَمًا﴾ أي: غرامة وخسارة ﴿وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوَائِرَ﴾ أي: ينتظر بكم [¬٤] الحوادث والآفات ﴿عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ﴾ أي: هي منعكسة عليهم، والسوء دائر عليهم ﴿وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ أي: سميع لدعاء عباده، عليم بمن يستحق النصر ممن يستحق الخذلان.
وقوله: ﴿وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ قُرُبَاتٍ عِنْدَ اللَّهِ وَصَلَوَاتِ الرَّسُولِ﴾ هذا هو القسم الممدوح من الأعراب وهم: الذين يتخذون ما ينفقون في سبيل الله قربة يتقربون بها عند الله، ويبتغون بذلك دعاء الرسول لهم ﴿ألا إنها قربة لهم﴾ أي: ألا إن ذلك حاصل لهم ﴿سيدخلهم الله في رحمته إن الله غفور رحيم﴾.
﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٠٠)﴾
стр. 3227
يخبر تعالى عن رضاه عن السابقين من المهاجرين والأنصار، والتابعين لهم بإحسان، ورضاهم عنه بما أعد لهم من جنات النعيم، والنعيم المقيم. قال الشعبي: السابقون الأوّلون من المهاجرين والأنصار: من أدرك بيعة الرضوان عام الحديبية.
وقال أبو موسى الأشعري، وسعيد بن المسيب، ومحمد بن سيرين، والحسن، وقتادة: هم الذين صلوا إلى القبلتين مع رسول الله، ﷺ .
وقال محمد بن كَعب القرظي [¬١]: مر عمر بن الخطاب برجل يقرأ [] [¬٢] ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ﴾ فأخذ عمرَ بيده فقال: من أقرأك هذا؟ فقال: أبيُّ بن
كعب. فقال: لا تفارقني حتى أذهب بك إليه. فلما جاءه قال عزَّ: أنت أقرأت هذا هذه الآية هكذا؟ قال: نعِم. قال: وسمعتها من رسول الله ﷺ ؟ قال: نعم. قال لقد كنت أرى أنا رُفِعْنَا رفعة لا يبلغها أحد بعدنا. فقال أبي: تصديق هذه الآية في أول سورة الجمعة: ﴿وآخرين منهم لما يلحقوا بهم وهو العزيز الحكيم﴾ وفي سورة الحشر: ﴿والذين جاءوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان﴾، وفي الأنفال ﴿والذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا معكم فأولئك منكم﴾. [إلى آخر] [¬٣] الآية.
ورواه ابن جرير قال (٢١٦): وذكر عن الحسن البصري أنه كان يقرؤها برفع ﴿الأنصار﴾ عطفًا على [] [¬٤] ﴿السابقون الأوّلون﴾.
فقد أخبر الله العظيم أنه قد رضي عن السابقين الأوّلين من المهاجرين والأنصار، والذين اتبعوهم بإحسان، فيا ويلَ من أبغضهم أو سبّهم، أو أبغض أو سب بعضهم، ولا سيما سيد الصحابة بعد الرسول وخيرهم وأفضلهم، أعني الصديق الأكبر والخليفة الأعظم أبا بكر ابن أبى قحاقة ﵁ فإن الطائفة المخذولة من الرافضة يعادون أفضل الصحابة ويبغضونهم ويسبونهم، عياذًا بالله من ذلك.
وهذا يدل على أن عقولهم معكوسة، وقلوبهم منكوسة، فأنى هؤلاء من الإيمان بالقرآن إذ يسبون من ﵃؟ وأما أهل السنة فإنهم يترضون عمن ﵁، ويسبون من سبه الله ورسوله، ويوالون من يوالي الله، ويعادون من يعادي الله وهم متبعون
стр. 3228
لا مبتدعون، ويقتدون [] [¬١] لا يبتدون، ولهذا هم حزب الله المفلحون، وعباده المؤمنون.
﴿وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لَا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ (١٠١)﴾
يخبر تعالى رسوله، صلوات الله وسلامه عليه، أن في أحياء العرب ممن حول المدينة منافقين، وفي أهل المدينة أيضًا منافقون ﴿مردوا على النفاق﴾ أي: مرنوا واستمروا عليه، ومنه يقال: شيطان مريد ومارد، ويقال: تمرد فلان على الله، أي: عتا وتجبر.
وقوله: ﴿لا تعلمهم نحن نعلمهم﴾ لا ينافي قوله تعالى: ﴿ولو نشاء لأريناكهم فلعرفتهم بسيماهم ولتعرفنهم في لحن القول﴾ الآية؛ لأن هذا من باب التوسم فيهم بصفات يعرفون بها، لا أنه يعرف جميع من عنده من أهل النفاق والريب على التعيين، وقد كان يعلم أن في بعض من يخالطه من أهل المدينة نفاقًا، وإن كان يراه صباحًا ومساء، وشاهد هذا بالصحة ما رواه الإِمام أحمد في مسنده حيث قال:
حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن النعمان بن سالم، عن رجل، عن جبير بن مطعم ﵁؛ قال: قلت: يا رسول الله، إنهم يزعمون أنه ليس لنا أجر بمكة. فقال: "لتأتينكم أجوركم ولو كنتم في جحر ثعلب". وأصغى إليَّ رسول الله، ﷺ ، برأسه فقال: "إن في أصحابي منافقين" (٢١٧).
ومعناه: أنه قد يبوح [¬٢] بعض المنافقين والمرجفين من الكلام بما [¬٣] لا صحة له، ومن مثلهم صدر هذا الكلام الذي سمعه جبير بن مطعم، وتقدم في تفسير قوله: ﴿وهموا بما لم ينالوا﴾ أنه، ﷺ ، أعلم حذيفة بأعيان أربعة عشر أبي خمسة عشر منافقًا، وهذا تخصيص لا يقتضي أنه أطلع على أسمائهم وأعيانهم كلهم، والله أعلم.
وروى الحافظ ابن عساكر في ترجمة أبي عمر البيروتي، من طريق هشام بن عمار، حدثنا صدقة بن خالد، حدثنا ابن جابر، حدثني شيخ ببيروت يكنى أبا عمرَ أظنه حدثني عن أبي الدرداء، أن رجلًا يقال له حرملة أتى النبيَّ، ﷺ ، فقال: الإِيمان هاهنا وأشار بيده إلى لسانه، والنفاق هاهنا وأشار بيده إلى قلبه، ولم يذكر الله إلا قليلاً.
стр. 3229
فقال رسول الله، ﷺ : "اللهم؛ اجعل له لسانًا ذاكرًا، في قلبًا شاكرًا، وارزقه حبي وحب من يحبني، وصير أمره إلى خير". فقال: يا رسول الله، إنه كان في أصحاب من المنافقين، في كنت رأسًا فيهم أفلا آتيك بهم؟ قال: "من أتانا استغفرنا له، ومن أصر على دينه فالله أولى به، ولا تخرقن على أحد سترًا" (٢١٨).
قال: وكذا رواه أبو أحمد الحاكم عن أبي بكر الباغندي عن هشام بن عمار، به.
وقال عبد الرزاق (٢١٩): أخبرنا معمر، عن قتادة في هذه الآية أنه قال: ما بال أقوام يتكلفون علم الناس، فلان في الجنة وفلان في النار، فإذا سألت أحدهم عن نفسه قال: لا أدري، لعمري أنت بنفسك [¬١] أعلم منك بأحوال الناس! ولقد تكلفت شيئًا ما تكلفه الأنبياء قبلك، قال نبي الله نوح ﵇: ﴿وما علمي بما كانوا يعملون﴾. وقال نبي الله شعيب ﵇: ﴿بقية الله خير لكم إن كنتم مؤمنين وما أنا عليكم بحفيظ﴾. وقال الله تعالى لنبيه، ﵌: ﴿لا تعلهم نحن نعلمهم﴾.
وقال السدي (٢٢٠)، عن أبي مالك، عن ابن عباس في هذه الآية قال: قام رسول الله، ﵌، خطبًا يوم الجمعة فقال: "اخرج يا فلان؛ فإنك منافق، واخرج يا فلان؛ فإنك منافق". فأخرج من المسجد ناسًا منهم فضحهم [¬٢]، فجاء عمر وهم يخرجون من المسجد، فاختبأ منهم حياء أنه لم يشهد الجمعة، وظن أن الناس قد انصرفوا، واختبئوا هم من عمر ظنوا أنه قد علم بأمرهم، فجاء عمر فدخل المسجد، فإذا الناس لم يصلوا، فقال له رجل من المسلمين: أبشر [¬٣] [يا عمر] [¬٤]؛ قد فضح الله المنافقين اليوم. قال ابن عباس: فهذا العذاب الأول حين أخرجهم من المسجد، والعذاب الثانى عذاب القبر.
وكذا قال الثوري، عن السدي، عن أبي مالك نحو هذا.
وقال مجاهد في قوله: ﴿سنعذبهم مرتين﴾ يعني: القتل والسباء.
стр. 3230
وقال في رواية: بالجوع وعذاب القبر، ثم يردون إلى عذاب عظيم.
وقال ابن جريج: عذاب في [¬١] الدنيا وعذاب في [¬٢] القبر ﴿ثم يردون إلى عذاب عظيم﴾ النار.
وقال الحسن البصري: عذاب في الدنيا وعذاب في القبر.
وقال عبد الرحمن بن زيد: أما عذاب في الدنيا فالأموال والأولاد، وقرأ [قول الله] [¬٣]: ﴿فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم إنما يريد الله ليعذبهم بها في الحياة الدنيا﴾ فهذه المصائب لهم عذاب وهي للمؤمنين أجر، وعذاب في الآخرة في النار ﴿ثم يردون إلى عذاب عظيم﴾ قال: النار.
وقال: محمد بن إسحاق ﴿سنعذبهم مرتين﴾ قال: هو - فيما بلغنى - ما هم فيه من أمر الإسلام، وما يدخل عليهم من غيظ [¬٤] ذلك على غير حسبة، ثم عذابهم في القبور إذا صاروا إليها، ثم العذاب العظيم الذي يردون إليه عذاب الآخرة والخلد فيه.
وقال سعيد، عن قتادة في قوله: ﴿سنعذبهم مرتين﴾ عذاب الدنيا وعذاب القبر ﴿ثم يردّون إلى عذاب عظيم﴾ و [¬٥] ذكر لنا أن نبي الله، ﷺ ، أسرَّ إلى حذيفة باثني عشر رجلًا من المنافقين، فقال: "ستة منهم تكفيكهم الدبيلة [¬٦] (*): سراج من نار جهنم يأخذ في كتف أحدهم حتى يفضى إلى صدره، وستة يموتون موتًا"، وذكر لما أن عمر ابن الخطاب، ﵁، كان إذا مات رجل ممن يرى أنه منهم، نظر إلى حذيفة، فإن صلى عليه وإلا [¬٧] تركه، وذكر لنا أن عمر قال لحذيفة: أنشدك بالله، أمنهم أنا؟ قال: لا، ولا أومِن [¬٨] منها أحدًا بعدك (٢٢١).
﴿وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٠٢)﴾
стр. 3231
لما بين تعالى حال المنافقين المتخلفين عن الغزاة رغبة عنها وتكذيبا وشكًا - شرع في بيان حال المذنبين الذين تأخروا عن الجهاد كسلاً وميلاً إلى الراحة، مع إيمانهم وتصديقهم بالحق فقال: ﴿وآخرون اعترفوا بذنوبهم﴾ أي: أقروا بها، واعترفوا فيما بينهم وبين ربهم، ولهم أعمال أخر صالحة، خلطوا هذه بتلك، فهؤلاء تحت عفو الله وغفرانه.
وهذه الآية وإن كانت نزلت فى أناس معينين، إلا أنها عامة في كل المذنبين الخطائين المخلطين المتلوثين.
وقد قال مجاهد: إنها نزلت في أبي لبابة لما قال لبني قريظة: إنه الذبح، وأشار بيده إلى حلقه.
وقال ابن عباس: ﴿وآخرون﴾ نزلت في أبي لبابة وجماعة من أصحابه، تخلفوا عن [رسول الله، ﷺ ، في] [¬١] غزوة تبوك. فقال بعضهم: أبو لبابة وخمسة معه، وقيل: وسبعة معه، وقيل: وتسعة معه؛ فلما رجع رسول الله، ﷺ ، من غزوته ربطوا أنفسهم بسواري المسجد، وحلفوا لا يحلهم إلا رسول الله، ﷺ ، فلما أنزل الله هذه الآية ﴿وآخرون اعترفوا بذنوبهم﴾ أطلقهم رسول الله، ﷺ ، وعفا عنهم.
وقال البخاري: حدثنا مؤمل بن هشام، حدثنا إسماعيل بن إبراهيم، حدثنا عوف، حدثنا أبو رجاء، حدثنا سمرة بن جندب؛ قال: قال رسول الله، ﷺ ، لنا: "أتاني الليلة آتيان فابتعثاني فانتهينا إلى مدينة مبنية بلَبن ذهب ولَبن فضة، فتلقانا رجال، شطرٌ من خلقهم كأحسن ما أنت راءٍ [¬٢]، وشطر كَأقبح ما أنتَ راءٍ [¬٣]، قالا لهم: اذهبوا فقعوا في ذلك النهر، فوقعوا فيه، ثم رجعوا إلينا قد ذهب ذلك السوء عنهم، فصاروا في أحسن سورة، قالا [¬٤] لي: هذه جنة عدن، وهذا منزلك. قال: [] [¬٥] أما القوم الذين كانوا شطر منهم حسن وشطر فيم قيح، فإنهم خلطوا عملًا صالحا وآخر سيئًا فتجاوز الله عنهم".
هكذا رواه البخاري [¬٦] مختصرًا في تفسير هذه الآية (٢٢٢).
стр. 3232
﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (١٠٣) أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (١٠٤)﴾
أمر الله تعالى رسوله، ﷺ ، بأن [¬١] يأخذ من أموالهم صدقة يطهرهم ويزكيهم بها، وهذا عام وإن أعاد بعضهم الضمير في أموالهم إلى ﴿الذين اعترفوا بذنوبهم وخلطوا عملاً صالحًا وآخر سيئاً﴾ ولهذا اعتقد بعض مانعي الزكاة من أحياء العرب أن دفع الزكاة إلى الإِمام لا يكون، وإنما كان هذا خاصًّا [برسول الله] [¬٢]، ﷺ ، ولهذا احتجوا بقوله تعالى: ﴿خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها وصل عليهم إن صلاتك سكن لهم﴾، وقد رد عليهم هذا التأويل والفهم الفاسد [الصديق أبو بكر] [¬٣] وسائر الصحابة، وقاتلوهم حتى أدوا الزكاة إلى الخليفة كما كانوا يؤدونها إلى رسول الله، ﷺ ، حتى قال الصديق: والله لو منعوني عناقًا - وفي رواية عقالا - كانوا يؤدونه إلى رسول الله، ﷺ ، لأقاتلنهم على منعه (٢٢٣).
وقوله: ﴿وصل عليهم﴾ أي: ادع لهم واستغفر لهم، كما رواه مسلم في صحيحه: عن عبد الله بن أبي أوفى؛ قال: كان النبي، ﷺ ، إذا أتى بصدقة قوم صلى عليهم، فأتاه أبي بصدقته فقال: "اللهم؛ صلّ على آل أبي أوفي" (٢٢٤). وفي الحديث الآخر: أن امرأة قالت: يا رسول الله؛ صل علي وعلى زوجي. فقال: "صلى الله عليك وعلى زوجك" (٢٢٥).
وقوله؛ ﴿إن صلاتك سكن لهم﴾ قرأ بعضهم: (صلواتك) على الجمع [¬٤]،
стр. 3233
وآخرون قرءوا: ﴿إن صلاتك﴾ [¬١] على الإِفراد ﴿سكن لهم﴾ قال ابن عباس: رحمةٌ لهم. وقال قتادة: وقارٌ.
وقوله: ﴿والله سميع﴾ أي: لدعائك ﴿عليم﴾ أي: بمن يستحق ذلك منك ومن هو أهل له.
قال الإمام أحمد (٢٢٦): حدثنا وكيع، حدثنا أبو العميس، عن أبي بكر بن عمرو بن [¬٢] عتبة، عن ابنٍ لحذيفة [¬٣]، عن أبيه؛ أن النبي، ﷺ ، كان إذا دعا لرجل أصابته وأصابت ولده وولد ولده.
ثم رواه عن أبي نعيم، عن مسعر، عن أبي بكر بن عمرو بن عتبة، عنٍ ابن لحذيفة [¬٤]- قال مسعر: وقد ذكره مرة عن حذيفة -: أن صلاة النبي، ﷺ ، لتدرك الرجل وولده وولد ولده (٢٢٧).
وقوله: ﴿ألم يعلموا أن الله هو يقبل التوبة عن عباده ويأخذ الصدقات﴾ هذا تهييج إلى التوبة والصدقة اللتين كل منهما يحط الذنوب ويمحصها ويمحقها.
وأخبر تعالى أنه [¬٥] كل من تاب إليه تاب عليه، ومن تصدق بصدقة من كسب حلال فإن الله تعالى يتقبلها بيمينه، فيربيها لصاحبها حتى تفسير التمرة مثل أحد، كما جاء بذلك الحديث عن رسول الله، ﷺ ؛ كما قال الثوري ووكيع، كلاهما عن عباد ابن منصور، عن القاسم بن محمد؛ أنه سمع أبا هريرة يقول: قال رسول الله، ﷺ : "إن الله يقبل الصدقة ويأخذها بيمينه، فيربيها لأحدكم كما يربي أحدكم مهره، حتى إن اللقمة لتصير [¬٦] مثل أحد". وتصديق ذلك في كتاب الله : ﴿ألم يعلموا أن الله هو [] [¬٧] يقبل التوبة عن عباده ويأخذ الصدقات﴾، وقوله [¬٨]: ﴿يمحق الله الربا ويربي الصدقات﴾ (٢٢٨).
стр. 3234
وقال الثوري والأعمش، كلاهما عن عبد الله بن السائب، عن عبد الله بن أبي قتادة؛ قال: قال عبد الله بن مسعود، ﵁: إن الصدقة تقع في يد الله قبل أن تقع في يد السائل، ثم قرأ هذه الآية ﴿ألم يعلموا أن الله هو يقبل التوبة عن عبادة ويأخذ الصدقات".
وقد روى ابن عساكر في تاريخه (٢٢٩) في ترجمة عبد الله بن الشاعر السكسكي الدمشقي، وأصله حمصي، وكان أحد الفقهاء، روى عن معاوية وخيره، وحكى عنه حوشب بن سيف السكسكي الحمصي؛ قال: غزا الناس في زمان معاوية؛ ﵁، وعليهم عبد الرحمن، بن خالد بن الوليد، فَغَلَّ رجل من المسلمين مائة دينار رومية، فلما قفل الجيش ندم وأتى الأمير فأبى أن يقبلها منه، وقال: قد تفرق الناس، ولن أقبلها منك حتى تأتي الله بها يوم القيامة. فجعل الرجل يستقرئ الصحابة فيقولون له مثل ذلك، فلما قدم دمشق ذهب إلى معاوية ليقبلها منه فأبى عليه، فخرج من عنده وهو يبكي ويسترجع، فمر بعبد الله بن الشاعر السكسكي، فقال له: ما يبكيك؟ فذكر له أمره، فقال له [¬١]: [أمطيعني] [¬٢] أنت؟ فقال: نعم. فقال: اذهب إلى معاوية فقل له اقبل مني خُمسَك، فادفع إليه عشرين دينارًا، وانظر [] [¬٣] الثمانين الباقية فتصدق بها عن ذلك الجيش، فإن الله يقبل التوبة عن عباده، وهو أعلم بأسمائهم ومكانهم، ففعل الرجل، فقال معاوية ﵁؛ لأن أكون أفتيته بها أحب إلى من كل شيء أملكه، أحسن الرجل!
﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (١٠٥)﴾
قال مجاهد: هذا وعيد. يعني: من الله تعالى للمخالفين أوامره، بأن أعمالهم ستعرض عليه ﵎، وعلى الرسول، ﷺ ، وعلى المؤمنين، وهذا كائن لا محالة يوم القيامة: كما قال: ﴿يومئذ تعرضون لا تخفى منكم خافية﴾، وقال تعالى: ﴿يوم تبلى السرائر﴾، وقال: ﴿وحُصِّل ما في الصدور﴾، وقد يظهر الله تعالى ذلك للناس في الدنيا، كما قال الإمام أحمد:
حدثنا حسن بن موسى، حدثنا ابن لهيعة، حدثنا دراج، عن أبي الهيثم، عن أبي
стр. 3235
سعيد [] [¬١]، عن رسول الله، ﷺ ، أنه قال: "لو أن أحدكم [¬٢] يعمل في صخرة صماء، ليس لها باب ولا كُوَّةّ (*)، لأخرج الله عمله للناس كائنا ما كان" (٢٣٠).
وقد ورد أن أعمال الأحياء تعرض على الأموات من الأقرباء والعشائر في البرزخ، كما قال أبو داود الطيالسي (٢٣١): حدثنا الصلت بن دينار، عن الحسن، عن جابر بن عبد الله؛ قال: قال رسول الله، ﷺ : "إن أعمالكم تعرض على أقربائكم وعشائركم في قبورهم، فإن كان خيرًا استبشروا به، وإن كان غير ذلك قالوا: اللهم؛ ألهمهم أن يعملوا بطاعتك".
وقال الإِمام أحمد (٢٣٢): أخبرنا عبد الرزاق، عن سفيان، عمن سمع أنسًا يقول: قال النبي ﷺ : "إن أعمالكم تعرض على أقاربكم وعشائركم من الأموات، فإن كان خيرًا استبشروا به، وإن كان غير ذلك قالوا: اللهم، لا تمتهم حتى تهديهم كما هديتنا".
وقال البخاري (٢٣٣): قالت عائشة، ﵂: إذا أعجبك حسن عمل امرئ مسلم [¬٣]، فقل ﴿اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون﴾.
وقد ورد في الحديث شبيه بهذا؛ قال الإمام أحمد (٢٣٤): حدثنا يزيد، حدثنا حميد،
стр. 3236
عن أنس؛ أن رسول الله، ﷺ ، قال: "لا عليكم أن تعجبوا بأحد حتى تنظروا بما يختم له، فإن العامل يعمل زمانًا من عمره - أو برهة من دهره - بعمل صالح لو مات عليه لدخل [¬١]، الجنة، ثم يتحول فيعمل عملًا سيئًا، وإن العبد ليعمل البرهة من دهره بعمل سيئ لو مات عليه دخل النار، ثم يتحول فيعمل عملًا [¬٢]، صالحًا، وإذا أراد اللَّه بعبده خيرًا استعمله قبل موته". قالوا: يا رسول اللَّه، وكيف يستعمله؟ قال: "يوفقه لعمل صالح ثم يقبضه عليه". تفرد [به الإِمام] [¬٣] أحمد من هذا الوجه.
﴿وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللَّهِ إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (١٠٦)﴾ [التوبة: ١٠٦]
قال ابن عباس ومجاهد وعكرمة والضحاك وغير واحد: هم الثلاثة الذين خلفوا. أي: عن التوبة، وهم: مرارة بن الربيع، وكعب بن مالك، وهلال بن أمية، قعدوا عن [¬٤] غزوة تبوك فى جملة من قعد كسلاً وميلاً إلى الدعة والحفظ، وطيب الثمار والظلال، لا شكا ونفاقًا، فكانت منهم طائفة ربطوا أنفسهم بالسواري كما فعل أبو لبابة وأصحابه، وطائفة لم يفعلوا ذلك، وهم هؤلاء الثلاثة المذكورون، فنزلت توبة أولئك قبل هؤلاء، وأرجئ هؤلاء عن التوبة حتى نزلت الآية الآتية، وهي قوله: ﴿لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ﴾ الآية، ﴿وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ﴾ الآية، كما سيأتي بيانه فى حديث كعب بن مالك.
وقوله: ﴿إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة: ١٠٦] أي: هم تحت عفو اللَّه إن شاء فعل بهم هذا، وإن شاء فعل بهم ذاك، ولكن رحمته تغلب غضبه، ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ أي: عليم بمن يستحق العقوبة ممن يستحق العفو، حكيم فى أفعاله وأقواله، لا إله إلا هو ولا رب سواه.
﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا
стр. 3237
لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا الْحُسْنَى وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (١٠٧) لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ (١٠٨)﴾
سبب نزول هذه الآيات الكريمات أنه كان بالمدينة قبل مقدم رسول اللَّه، ﷺ ، إليها رجل من الخزرج يقال له: أبو عامر الراهب، وكان قد تنصر في الجاهلية، وقرأ علم أهل الكتاب، وكان فيه عبادة في الجاهلية، وله شرف في الخزرج كبير، فلما قدم رسول اللَّه، ﷺ ، مهاجرًا إلى المدينة، واجتمع المسلمون عليه، وصارت للإِسلام كلمة عالية، وأظهرهم اللَّه يوم بدر شَرِق [¬١] اللعين أبو عامر بريقه، وبارز بالعدواة وظاهر بها، وخرج فارًّا إلى كفار مكة من مشركي قريش فألبهم [¬٢] على حرب رسول اللَّه، ﷺ ، فاجتمعوا بمن وافقهم من أحياء العرب، وقدموا عام أحد، فكان من أمر المسلمين ما كان، وامتحنهم اللَّه ، وكانت العاقبة للمتقين.
وكان هذا الفاسق قد حفر حفائر فيما بين الصفين، فوقع في إحداهن رسول اللَّه، صلى الَّه عليه وسلم، وأصيب ذلك اليوم، فجرح في وجهه، وكسرت رَباعِيَّتُه [¬٣] اليمنى السفلى، وشُجَّ رأسه، صلوات اللَّه وسلامه عليه، وتقدم أبو عامر في أول المبارزة إلى قومه من الأنصار، فخاطبهم واستمالهم إلى نصره وموافقته، فلما عرفوا كلامه قالوا: لا أنعم اللَّه بلث عينًا يا فاسق يا عدو اللَّه، ونالوا منه وسبوه، فرجع وهو يقول: واللَّه لقد أصاب قومي بعدي شر.
وكان رسول اللَّه، ﷺ ، قد دعاه إلى اللَّه قبل فراره وقرأ عليه من القرآن، فأبى أن يسلم وتّمرد؛ فدعا عليه رسول اللَّه أن يموت بعيدًا طريدًا فنالته هذه الدعوة؛ وذلك أنه لما فرغ الناس من أحد، ورأى أمر الرسول ﷺ [] [¬٤] في ارتفاعٍ وظهور، ذهب إلى هرقل ملك الروم يستنصره على النبي، ﷺ ، فوعده ومناه وأقام عنده، وكتب إلى جماعة من قومه من الأنصار من أهل النفاق والريب، يعدهم ويمنيهم أنه سيقدم بجيش يقاتل به رسول اللَّه، ﷺ ، ويغلبه، ويرده عما هو فيه، وأمرهم أن يتخذوا له معقلاً يقدم عليهم فيه من يقدم من عنده لأداء كتبه، ويكون مرصدًا له إذا قدم عليهم بعد ذلك.
стр. 3238
فشرعوا في بناء مسجد مجاور لمسجد قباء، فبنوه وأحكموه وفرغوا منه قبل خروج رسول اللَّه، ﷺ ، إلى تبوك، وجاءوا فسألوا رسول اللَّه، ﷺ ، أن يأتي إليهم فيصلي في مسجدهم؛ ليحتجوا بصلاته [﵇] فيه على تقريره وإثباته، وذكروا أنهم إنما بنوه للضعفاء منهم وأهل العلة في الليلة الشاتية، فعصمه اللَّه من الصلاة فيه، وقال [¬١]: "إنا على سفر، ولكن إذا وجعنا إن شاء اللَّه". فلما قفل ﵇ راجعًا إلى المدينة من تبوك، ولم يبق بينه وبينها إلا يوم أو بعض يوم، نزل عليه الوحي [¬٢] بخبر مسجد الضرار، وما اعتمده بانوه من الكفر والتفريق بين جماعة المؤمنين في مسجدهم: مسجد قباء الذي أسس من أول يوم على التقوى، فبعث رسول اللَّه، ﷺ ، إلى ذلك المسجد مَنْ هَدَمَه قبل مقدمه المدينة.
كما قال على بن أبي طلحة، عن ابن عباس في قوله: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا﴾: هم أناس من الأنصار ابتنوا [¬٣] مسجدًا، فقال لهم أبو عامر: ابنوا مسجدًا واستعدوا بما [¬٤] استطعتم من قوة ومن سلاح، فإني ذاهب إلى قيصر ملك الروم، فآتي بجند من الروم، وأخرج محمدًا وأصحابه، فلما فرغوا من مسجدهم أتوا النبي، ﷺ ، فقالوا له [¬٥]: قد فرغنا من بناء مسجدنا فنحب أن تصلي فيه، وتدعو لنا بالبركة. فأنزل اللَّه : ﴿لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا﴾ إلى قوله: ﴿الظَّالِمِينَ﴾.
وكذا روي عن سعيد بن جبير، ومجاهد، وعروة بن الزبير، وقتادة وغير واحد من العلماء.
وقال محمد بن إسحاق بن يسار، عن الزهري، ويزيد بن رومان، وعبد اللَّه بن أبي بكر، وعاصم بن عمر بن قتادة، وغيرهم قالوا: أقبل رسول اللَّه، ﷺ يعني من تبوك - حتى نزل بذي أوان - بلد بينه وبين المدينة - ساعة من نهار، وكان أصحاب مسجد الضرار قد كانوا أتوه وهو يتجهز إلى تبوك، فقالوا: يا رسول اللَّه، إنا قد بنينا مسجدًا لذي العلة والحاجة والليلة المطيرة والليلة الشاتية، وإنا نحب أن تأتينا فتصلي لنا فيه. فقال: "إني على جناح سفرٍ وحال شغل" - أو كما قال رسول اللَّه، ﷺ "ولو قد قدمنا إن شاء اللَّه تعالى أتيناكم فصلينا لكم فيه". فلما نزل بذي أوان أتاه خبر المسجد، فدعا رسول اللَّه، ﷺ ، مالك بن الدخشم أخا بني سالم بن عوف، ومعن بن عدي، أو أخاه عامر بن عدي أخا بلعجلان [¬٦]، فقال: "انطلقا إلى هذا المسجد الظالم أهله فاهدماه وحرّقاه".
стр. 3239
فخرجا سريعين حتى أتيا بني سالم بن عوف، وهم رهط مالك بن الدخشم، فقال مالك لمعن: أنظرني حتى أخرج إليك بنار من أهلي، فدخل أهله، فأخذ سعفًا من النخل، فأشعل فيه نارًا، ثم خرجا يشتدان حتى دخلا المسجد وفيه أهله، فحرقاه وهدماه وتفرقوا عنه، ونزل فيهم من القرآن ما نزل: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا﴾ إلى آخر القصة، وكان الذين بنوه اثني عشر رجلًا: خِذَام [¬١] بن خالد، من بني عبيد [¬٢] بن زيد أحد بني عمرو بن عوف، ومن داره أخرج مسجد الشقاق، وثعلبة بن حاطب من بني عبيد، وهو إلى بني أمية [بن زيد، ومعتب بن قشير من بني ضبيعة بن زيد، وأبو حبيبة ابن الأزعر من بني ضُبَيْعة بن زيد، وعباد بن حنيف أخو سهل بن حنيف من بني عمرو بن عوف، وجارية بن عامر، وابناه. مجمع بن جارية، وزيد بن جارية ونبتل [بن] [¬٣] الحارث وهم من بني ضبيعة، وبحزج وهو من بني ضبيعة، وبجاد بن عثمان وهو من بني ضبيعة، ووديعة بن ثابت وهو إلى بني أمية] [¬٤] رهط أبي لبابة بن عبد المنذر (٢٣٥).
وقوله: ﴿وَلَيَحْلِفُنَّ﴾ أي: الذين بنوه ﴿إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا الْحُسْنَى﴾ أي: ما أردنا ببنيانه إلا خيرًا ورفقًا بالناس، قال اللَّه تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ أي: فيما قصدوا وفيما نووا، وإنما بنوه ضرارًا لمسجد قباء، وكفرًا باللَّه، وتفريقًا بين المؤمنين، وإرصادًا لمن حارب اللَّه ورسوله [من قبل] [¬٥]، وهو: أبو عامر الفاسق الذي يقال له الراهب لعنه اللَّه.
وقوله: ﴿لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا﴾ نهْي [من الله لرسوله] [¬٦]، ﷺ ، والأمّة تبع له في ذلك، عن أن يقوم فيه، أي: يصلي فيه أبدًا.
ثم حثه على الصلاة بمسجد قباء: الذي أسس من أول يوم بنائه على التقوى، وهي طاعة اللَّه وطاعة رسوله، وجمعًا لكلمة المؤمنين، ومعقلاً وموئلًا للإسلام وأهله؛ ولهذا قال تعالى: ﴿لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ﴾ والسياق إنما هو في معرض مسجد قباء؛ ولهذا جاء في الحديث الصحيح، أن رسول اللَّه، ﷺ ، [قال: "صلاة في مسجد قباء كعمرة" (٢٣٦).
стр. 3240
وفي الصحيح: أن رسول اللَّه، ﷺ ] [¬١]، كان يزور مسجد قباء راكبًا وماشيًا (٢٣٧)، وفي الحديث أن رسول اللَّه، صلى اللَّه عليه ومسلم، لما بناه وأسسه أول قدومه ونزوله على بني عمرو [¬٢] بن عوف، كان جبريل هو الذي عين له جهة القبلة (٢٣٨)، فاللَّه أعلم.
وقال أبو داود: حدثنا محمد بن العلاء، حدثنا معاوية بن هشام، عن يونس بن الحارث، عن إبراهيم بن أبي ميمونة، عن أبى صالح، عن أبي هريرة، ﵁، عن النبى، ﷺ ؛ قال: "نزلت هذه الآية في أهل قباء، فيه رجال يحبون أن يتطهروا". قال: كانوا يستنجون بالماء فنزلت فيهم هذه الآية.
ورواه [¬٣] الترمذي وابن ماجة، من حديث يونس بن الحارث وهو ضعيف، وقال الترمذي: غريب من هذا الوجه.
وقال الطبراني (٢٣٩): حدثنا الحسن بن علي المعمري [¬٤]، حدثنا محمد بن حميد
стр. 3241
الرازي، حدثنا سلمة بن الفضل، عن محمد بن إسحاق، عن الأعمش، عن مجاهد، عن ابن عباس؛ قال: لما [¬١] نزلت هذه الآية ﴿فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا﴾ بعث رسول اللَّه، ﷺ ، إلى عويم بن ساعدة، فقال: "ما هذا الطهور الذي أثنى اللَّه عليكم؟ " فقال: يا رسول اللَّه، ما خرج منا رجل ولا امرأة من الغائط إلا غسل فرجه - أو قال: مقعدته - فقال [¬٢] النبي، ﷺ : "هو هذا".
وقال الإِمام أحمد (٢٤٠): حدثنا حُسَينُ [¬٣] بن محمد، حدثنا أبو أويس، حدثنا شرحبيل، عن عويم بن ساعدة الأنصاري أنه حدثه؛ أن النبي، ﷺ ، أتاهم في مسجد قباء فقال: "إن اللَّه تعالى قد أحسن [عليكم الثناء] [¬٤] في الطهور في قصة مسجدكم، فما هذا الطهور الذي تطهرون به؟ " قالوا [¬٥]: واللَّه يا رسول اللَّه، ما نعلم شيئًا إلا أنه كان لنا جيران من اليهود، فكانوا يغسلون أدبارهم من الغائط، فغسلنا كما غسلوا.
ورواه ابن خزيمة في صحيحه.
وقال هشيم، عن عبد الحميد المدني، عن إبراهيم بن المعلى الأنصاري؛ أن رسول اللَّه، ﷺ ، قال لعويم بن ساعدة: "ما هذا الذي أثنى اللَّه عليكم ﴿فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ﴾؟ ". قالوا [¬٦]: يا رسول اللَّه، إنا نغسل الأدبار بالماء (٢٤١).
وقال ابن جرير: حدثني محمد بن عمارة الأسدي، حدثنا محمد بن سعد، ثنا إبراهيم ابن محمد، عن شرحبيل بن سعد؛ قال: سمعت خزيمة بن ثابت يقول: نزلت هذه الآية ﴿فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ﴾ قال: كانوا يغسلون أدبارهم من
стр. 3242
الغائط (٢٤٢).
(حديث آخر) (٢٤٣) قال [¬١] الإِمام أحمد بن حنبل: حدثنا يحيى بن آدم، حدثنا مالك - يعني: ابن مغول - سمعت سيارًا أبا الحكم، عن شهر بن حوشب، [عن محمد ابن عبد اللَّه بن سلام] [¬٢] قال: لَقَد [¬٣] قدم رسول اللَّه، ﵌ يعني قباء - فقال: "إن اللَّه قد أثنى عليكم في الطهور خيرًا، أفلا تخبروني؟ " يعني قوله: ﴿فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ﴾ فقالوا: يا رسول اللَّه، إنا نجده مكتوبًا علينا في التوراة: الاستنجاء بالماء.
وقد صرح [بأنه مسجد قباء جماعة من السلف] [¬٤]. رواه على بن أبي طلحة، عن ابن عباس، ورواه عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري، عن عروة بن الزبير. وقاله عطية العوفي، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم والشعبي، والحسن البصري، ونقله البغوي عن سعيد بن جبير وقتادة.
وقد ورد في الحديث الصحيح أن مسجد رسول اللَّه، ﷺ ، الذي [هو] [¬٥] في جوف المدينة هو المسجد الذي أسس على التقوى، وهذا صحيح، ولا منافاة لين الآية وبين هذا؛ لأنه إذا كان مسجد قباء قد أسس على التقوى من أول يوم، فمسجد رسول اللَّه، ﷺ ، بطريق الأولى والأحرى؛ ولهذا قال الإِمام أحمد بن حنبل في مسنده:
حدثنا أبو نعيم، حدثنا عبد اللَّه بن عامر الأسلمي، عن عمران بن أبي أنس، عن سهل
стр. 3243
ابن سعد، عن أبي بن كعب؛ أن النبي، ﷺ ، قال: "المسجد الذي أسس على التقوى مسجدي هذا". تفرد به أحمد (٢٤٤).
(حديث آخر) قال الإِمام أحمد (٢٤٥): حدثنا وكيع، حدثنا ربيعة بن عثمان التيمي، عن عمران بن أبي أنس [¬١]، عن سهل بن سعد الساعدي؛ قال: اختلف رجلان على عهد رسول اللَّه، ﷺ ، في المسجد الذي أسس على التقوى، فقال أحدهما: هو مسجد [الرسول، ﷺ ]. وقال الآخر: هو مسجد قباء، فأتيا النبي، ﷺ ، فسألاه، فقال: "هو مسجدي هذا". تفرد به أحمد أيضًا.
(حديث آخر) قال الإِمام أحمد (٢٤٦): حدثنا موسى بن داود، حدثنا ليث، عن عمران بن أبي أنس، عن سعيد بن أبي سعيد الخدري، ﵁، قال: تمارى رجلان في المسجد الذي أسس على التقوى [من أول يوم] [¬٢]، فقال أحدهما: هو مسجد قباء، وقال الآخر: هو مسجد رسول اللَّه، ﷺ ، فقال رسول اللَّه، ﷺ : "هو مسجدي هذا". تفرد به أحمد.
(طريق أخرى) قال الإِمام أحمد (٢٤٧): حدثنا إسحاق بن عيسى، حدثنا ليث، حدثني عمران بن أبي أنس، عن ابن أبي سعيد، عن أبيه أنه قال: تمارى رجلان في المسجد الذي أسس على التقوى من أول يوم، فقال أحدهما [¬٣]: هو مسجد قباء، وقال الآخر: هو مسجد رسول اللَّه، ﷺ ، فقال رسول اللَّه، ﷺ : "هو مسجد".
стр. 3244
وكذا رواه الترمذي والنسائى، عن قتيبة، عن الليث، وصححه الترمذي، ورواه مسلم كماسيأتي.
(طريق أخرى) قال الإِمام أحمد: حدثنا يحيى، عن أنيس بن أبي يحيى، حدثني أبي قال: سمعت أبا سعيد الخدري قال: اختلف رجلان، رجل من بني خدرة، ورجل من بني عمرو بن عوف - في المسجد الذي أسس على التقوى، فقال الخدري: هو مسجد رسول اللَّه ﷺ ، وقال العمري: هو مسجد قباء، فأتيا رسول اللَّه، صلى اللَّه تعالى عليه وسلم، فسألاه عن ذلك، فقال: "هو هذا المسجد". لمسجد رسول اللَّه، صلى اللَّه تعالى عليه وسلم، وقال: "في ذلك [خير كثير"] [¬١]. يعني مسجد قباء (٢٤٨).
стр. 3245
(طريق أخرى) قال أبو جعفر بن جرير: حدثنا ابن بشار، حدثنا يحيى بن سعيد، حدثنا حميد الخراط المدني، سألت أبا سلمة بن عبد الرحمن بن أبي سعيد، فقلت: كيف سمعت أباك يقول في المسجد الذي أسس على التقوى؟ فقال: [قال] [¬١] أبي [¬٢]: أتيت رسول اللَّه، ﷺ ، فدخلت عليه في بيت لبعض نسائه، فقلت: يا رسول اللَّه، أين المسجد الذي أسس على التقوى؟ قال: فأخذ كفًّا من حصباء فضرب به الأرض، ثم قال: "هو مسجدكم هذا". ثم قال: [فقلت له: هكذا] [¬٣] سمعت أباك يذكره.
رواه مسلم منفردًا به (٢٤٩)، عن محمد بن حاتم، عن يحيى بن سعيد، به.
وروه عن أبي بكر بن أبي شيبة وغيره، عن حاتم بن إسماعيل، عن حميد الخراط، به (٢٥٠).
وقد قال بأنه مسجد النبي، ﷺ ، جماعةٌ من السلف والخلف، وهو مرويَّ عن عمر بن الخطاب وابنه عبد اللَّه، وزيد بن ثابت وسعيد بن المسيب، واختاره ابن جرير.
وقوله: ﴿لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ﴾ دليل على استحباب الصلاة في المساجد القديمة المؤسسة من أول بنائها على عبادة اللَّه وحده لا شريك له، وعلى استحباب الصلاة مع جماعة [¬٤] الصالحين، والعباد العاملين، المحافظين على إسباغ الوضوء، والتنزه عن [¬٥] ملابسة القاذورات.
وقد قال الإِمام أحمد (٢٥١) حدّثنا محمد بن جعفر، عن شعبة، عن عبد الملك بن
стр. 3246
عمير، سمعت شبيبًا أبا روح، يحدث عن رجل من أصحاب رسول اللَّه، ﷺ ، أن رسول اللَّه، ﷺ ، صلى بهم الصبح فقرأ بهم الروم فأوْهَم [¬١] [¬٢] فلما انصرف قال: "إنه يلبس علينا القرآن، إن أقوامًا منكم يصلون معنا لا يحسنون الوضوء، فمن شهد الصلاة معنا فليحسن الوضوء".
ثم رواه من طريقين آخرين، عن عبد الملك بن عمير، عن شبيب أبى روح، عن [¬٣] ذي الكلاع؛ أنه صلى مع النبي، ﷺ … فذكره، فدل هذا على أن [¬٤] إكمال الطهارة يسهل القيام في العبادة، ويعين على إتمامها وإكمالها، والقيام بمشروعاتها.
وقال أبو العالية في قوله: ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ﴾: إن الطهور بالماء لحسن، ولكنهم المطهرون من الذنوب.
وقال الأعمش: التوبة من الذنب، والتطهير [¬٥] من الشرك.
وقد ورد في الحديث المروي من طرق في السنن وغيرها، أن رسول اللَّه، صلى اللَّه عليه وسدم، قال لأهل قباء: "قد أثنى اللَّه عليكم في الطهور، فماذا تصنعون؟ ". فقالوا: نستنجي بالماء.
وقد قال الحافظ أبو بكر البزار: حدثنا عبد اللَّه بن شبيب، حدثنا أحمد بن محمد بن عبد العزيز؛ قال: وجدته في كتاب أبى، عن الزهري، عن عبيد اللَّه بن عبد اللَّه، عنِ ابن عباس؛ قال: نزلت هذه الآية في أهل قباء ﴿فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ﴾ فسألهم رسول اللَّه ﷺ فقالوا: إنا نتبع الحجارة الماء [¬٦].
[رواه البزار] [¬٧]، ثم قال: تفرد به محمد بن عبد العزرز، عن الزهري، ولم يرو عنه سوى ابنه (٢٥٢).
стр. 3247
قلت: وإنما ذكرته بهذا اللفظ؛ لأنه مشهور بين الفقهاء، ولم يعرفه كثير من المحدثين المتأخرين أو كلهم، واللَّه أعلم.
﴿أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (١٠٩) لَا يَزَالُ بُنْيَانُهُمُ الَّذِي بَنَوْا رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ إِلَّا أَنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (١١٠)﴾
يقول تعالى: لا يستوي من أسس بنيانه على تقوى من اللَّه ورضوان، ومن بنى مسجدًا ضرارًا وكفرًا، وتفريقًا بين المؤمنين، وإرصادًا لمن حارب اللَّه ورسوله من قبل. فإنما بنى هؤلاء بنيانهم على شفا جرف هار أي: طرف حفيرة [مُنْثالة] ﴿فِي نَارِ جَهَنَّمَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ أي: لا يصلح عمل المفسدين.
قال جاببر بن عبد اللَّه: رأيت المسجد الذي بني ضرارًا يخرج منه الدخان على عهد رسول اللَّه ﷺ .
وقال ابن جريج: ذكر لنا أن رجالًا حفروا فوجدوا الدخان يخرج منه. وكذا قال قتادة.
وقال خلف بن ياسين الكوفي: رأيت مسجد المنافقين الذي ذكره اللَّه تعالى فى القرآن، وفيه جحر يخرج منه الدخان، وهو اليوم مزبلة. رواه [] [¬١] ابن جرير ﵀ (٢٥٣).
وقوله تعالى: ﴿لَا يَزَالُ بُنْيَانُهُمُ الَّذِي بَنَوْا رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ﴾ أي: شكًّا ونفاقًا؛ بسبب إقدامهم على هذا الصنيع الشنيع، أورثهم نفافا في قلوبهم، كما أشرب عابدو العجل حُبَّه.
وقوله: ﴿إِلَّا أَنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ﴾ أي: بموتهم. قاله ابن عباس ومجاهد، وقتادة وزيد ابن أسلم، والسدي وحبيب بن أبي ثابت، والضحاك، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم، وغير واحد من علماء السلف.
﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ﴾ أي: بأعمال خلقه ﴿حَكِيمٌ﴾ في مجازاتهم عنها من خير وشر.
стр. 3248
﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١١١)﴾
يخبر تعالى أنه عاوض [] [¬١] عباده المؤمنين عن أنفسهم وأموالهم اذ بذلوها في سبيله بالجنة، وهذا من فضله وكرمه وإحسانه، فإنه قَبِلَ العوض عما [¬٢] يملكه بما تفضل به على عباده الممعين له؛ ولهذا قال الحسن البصري وقتادة: بايعهم - واللَّه - فأغلى ثمنهم.
وقال شمر بن عطية: ما من مسلم إلا وللَّه في عنقه بيعة، وَفَّى بها أو مات عليها، ثم تلا هذه الآية، ولهذا يقال: من حمل في سبيل اللَّه بايع اللَّه، أي: قبل هذا العقد ووفَّى به.
وقال محمد بن كعب القرظى وغيره: قال عبد اللَّه بن رواحة، ﵁، لرسول اللَّه، ﷺ ، يعني ليلة العقبة -: اشترط لربك ولنفسك ما شئت، فقال: "أشترط لربي أن كعبدوه [¬٣] ولا تشركوا به شيئًا، وأشترط لنفسي أن تمنعوني مما تمنعون منه أنفسكم وأموالكم". قالوا: فما لنا إذا فعلنا ذلك؟ قال: "الجنة". قالوا: ربح البيع لا نقيل ولا نستقيل، فنزلت ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ﴾ الآية.
وقوله: ﴿يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ﴾ أي: سواء قَتَلُوا [أو قُتِلُوا] [¬٤]، أو اجتمع لهم هذا وهذا فقد وجبت لهم الجنة؛ ولهذا جاء في الصحيحين: "وتكفل اللَّه لمن خرج في سبيله، لا يخرجه إلا جهاد في سبيلي وتصديق برسلي [¬٥]- بأن توفاه أن يدخله الجنة، أو يرجعة إلى مسكنه [¬٦] الذي خرج منه، نائلًا ما نال من أجر أو غنيمة" (٢٥٤).
стр. 3249
وقوله: ﴿وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ﴾ تأكيد لهذا [¬١] الوعد، وإخبار بأنه قد كتبه على نفسه الكريمة، وأنزله على رسله في كتبه الكبار، وهي التوراة المنزلة على موسى، والإنجيل المنزل على عيسى، والقرآن المنزل على محمد، صلوات اللَّه وسلامه عليهم أجمعينَ.
وقوله: ﴿وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ﴾ فإنه لا يخلف الميعاد، وهذا [¬٢] كقوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا﴾ ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا﴾؛ ولهذا قال: ﴿فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ أي: فليستبشر من قام بمقتضى هذا العقد، ووَفى بهذا العهد، بالفوز العطم والنعيم المقيم.
﴿التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (١١٢)﴾
هذا نعت المؤمنين الذين اشترى اللَّه منهم أنفشهم وأموالهم، بهذه الصفات الجميلة والخلال الجليلة ﴿التَّائِبُونَ﴾ من الذنوب كلها، التاركون للفواحش ﴿الْعَابِدُونَ﴾ أي: القائمون بعبادة ربهم محافظين عليها، وهي الأقوال [¬٣] والأفعال، فمن أخص الأقوال: الحمد، فلهذا قال: ﴿الْحَامِدُونَ﴾ ومن أفضل الأعمال: الصيام، وهو ترك الملاذ من الطعام والشراب والجماع، وهو المراد بالسياحة هاهنا؛ ولهذا قال: ﴿السَّائِحُونَ﴾ كما وصف أزواج النبي، ﷺ ، بذلك في قوله تعالى: ﴿سَائِحَاتٍ﴾ أي: صائمات، وكذا الركوع والسجود وهما عبارة عن الصلاة؛ ولهذا قال: ﴿الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ﴾ وهم مع ذلك ينفعون خلق اللَّه، ويرشدونهم إلى طاعة اللَّه بأمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر، مع العلم بما ينبغي فعله ويجب تركه، وهو حفظ حدود اللَّه في تحليله وتحريمه، علمًا وعملًا، فقاموا بعبادة الحق ونصح الخلق؛ ولهذا قال: ﴿وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾؛ لأن الإِيمان يشمل هذا كله، والسعادة كل السعادة لمن اتصف به.
(بيان أن المراد بالسياحة الصيام)
قال سفيان الثوري عن عاصم، عن زر، عن عبد اللَّه بن مسعود قال: ﴿السَّائِحُونَ﴾
стр. 3250
الصائمون. وكذا رُوِي عن سعيد بن جبير، والعوفي عن ابن عباس.
وقال على بن أبي طلحة، عن ابن عباس: كل ما ذكر اللَّه في القرآن السياحة هم الصائمون. وكذا قال الضحاك ﵀.
وقال إلى جرير (٢٥٥): حدثنا أحمد بن إسحاق، حدثنا أبو أحمد، حدثنا إبراهيم بن يزيد، عن الوليد بين عبد اللَّه، عن عائشة، ﵂، قالت: سياحة هذه الأمة الصيام.
وهكذا قال مجاهد وسعيد بن جبير، وعطاء، وأبو [¬١] عبد الرحمن السلمي، والضحاك ابن مزاحم، وسفيان بين عيينة، وغيرهم: إن المراد بالسائحين الصائمون.
وقال الحسن البصري: ﴿السَّائِحُونَ﴾: الصائمون شهر رمضان.
وقال أبو عمرو العبدي: ﴿السَّائِحُونَ﴾: الذين يديمون الصيام من المؤمنين.
وقد ورد في حديث مرفوع نحو هذا. فقال [¬٢] ابن جرير (٢٥٦): حدثني محمد بن عبد اللَّه ابن بزيع، حدثنا حكيم بن حزام، حدثنا سليمان، عن أبي صالح، عن أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه، ﷺ : "السائحون هم الصائمون". وهذا الموقوف أصح.
وقال أيضًا (٢٥٧): حدثني يونس، عن ابن وهب، عن عمر بن الحارث، عن عمرو بن دينار، عن عبيد بن عمير قال: سئل النبي، ﷺ ، عن السائحين فقال: " هم الصائمون ".
وهذا مرسل جيّد، فهذا [¬٣] أصحّ الأقوال وأشهرها، وجاء ما يدل على أن السياحة الجهاد، وهو ما روى أبو داود في سننه من حديث أبي أمامة؛ أن رجلًا قال: يا رسول اللَّه، ائذن لى في السياحة؛ فقال النبى، ﷺ : "سياحه أمتي الجهاد في سبيل اللَّه" (٢٥٨).
стр. 3251
وقال ابن المبارك، عن ابن لهيعة: أخبرني عمارة بن غزية؛ أن السياحة ذكرت عند رسول اللَّه، ﷺ ، فقال رسول اللَّه، ﷺ : "أبدلنا اللَّه بذلك الجهاد في سبيل اللَّه، والتكبير على كل شَرَفٍ" (٢٥٩).
وعن عكرمة أنه قال: هم طلبة العلم. وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: هم المهاجرون. رواهما ابن أبي حاتم.
وليس المراد من السياحة ما قد يفهمه بعض من يتعبد بمجرد السياحة في الأرض، والتفرد في شواهق الجبال والكهوف والبراري، فإن هذا ليس بمشروع إلا في أيام الفتن والزلازل في الدين، كما ثبت فى صحيح البخاري عن أبي سعيد الخدرِي: أن رسول اللَّه، ﷺ قال: "يوشك أن يكون خير مال الرجل غنَم يتبع بها شعف [¬١] الجبال، ومواقع القطر، يفر بدينه من الفتن" (٢٦٠).
وقال العوفي، وعلى بن أبي طلحة، عن ابن عباس فى قوله: ﴿وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ﴾ قال: القائمون بطاعة اللَّه، وكذا قال الحسن البصري، وعنه رواية ﴿وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ﴾ قال: لفرائض اللَّه. وفي رواية: القائمون على أمر اللَّه.
﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ (١١٣) وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ (١١٤)﴾
قال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرزاق، حدثنا معمر، عن الزهري، عن ابن المسيب، عن أبيه قال: لما حضرت أبا طالب الوفاة، دخل عليه النبي، ﷺ ، وعنده أبو جهل وعبد اللَّه بن أبي أمية، فقال: "أي عم، قل: لا إله إلا اللَّه، كلمة أحاج لك بها عند اللَّه ". فقال أبو جهل، وعبد اللَّه بن أبي أمية: يا أبا طالب،
стр. 3252
أترغب عن ملة عبد المطلب؟ [قال: فلم يزالا يكلّمانه حتى قال آخر شئ كلمهم به: أنا على ملة عبد المطلب] [¬١]. فقال النبي، ﷺ : "لأستغفرن لك ما لم أنه عنك". فنزلت ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى [¬٢] مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾ قال: ونزلت فيه ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾. أخرجاه (٢٦١).
وقال الإِمام أحمد (٢٦٢): حدثنا يحيى بن آدم، أخبرنا سفيان، عن أبي إسحاق، عن أبي الخليل، عن علي، ﵁، قال: سمعت رجلًا يستغفر لأبويه وهما مشركان، فقلت: أيستغفر الرجل لأبويه وهما مشركان؟! فقال: أو لم يستغفر إبراهيم لأبيه؟!. فذكرت ذلك للنبي، ﷺ ، فنزلت: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ﴾ إلى قوله: ﴿فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ﴾] [¬٣] الآية [¬٤]. قال: لما مات. فلا أدري قاله سفيان أو قاله إسرائيل، أو هو في الحديث: " لما مات ".
(قلت): هذا ثابت عن مجاهد أنه قال: لما مات.
وقال الإِمام أحمد (٢٦٣): حدثنا الحسن بن موسى، حدثنا زهير، حدثنا زبيد بن الحارث اليامي، عن محارب بن دثار، عن ابن بريدة، عن أبيه قال: كنا مع النبي، ﷺ ، [ونحن في سفر] [¬٥]، فنزل بنا ونحن [معه] [¬٦] قريب من ألف راكب فصلّى ركعتين، ثم أقبل علينا بوجهه وعيناه تذرفان، فقام إليه عمر بن الخطاب، وفداه بالأب والأم وقال: يا رسول اللَّه؛ ما لَكَ؟! قال: "إني سألت ربي في الاستغفار [¬٧] لأمي فلم يأذن لي، فدمعت عيناي رحمة لها من النار، وإني كنت نهيتكم عن ثلاث:
стр. 3253
نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها؛ لتذكركم زيارتها خيرًا، ونهيتكم عن لحوم الأضاحي بعد ثلاث فكلوا وأمسكوا ما شئتم، ونهيتكم عن الأشربة في الأوعية فاشربوا في أي وعاء شئتم، ولا تشربوا مسكرًا".
وروى ابن جرير (٢٦٤) من حديث علقمة بن مرثد، عن سليمان بن بريدة، عن أبيه: أن النبي، ﷺ ، لما قدم مكة أتى رسم قبر فجلس إليه فجعل يخاطب، ثم قام مستعبرًا، فقلنا: يا رسول اللَّه، إنا رأينا ما صنعت! قال: "إني استأذنت ربي في زيارة قبر أمي فأذن لي، واستأذنته في الاستغفار لها فلم يأذن لي". فما رُئيَ باكيًا أكثر من يومئذ.
وقال ابن أبي حاتم في تفسيره (٢٦٥): حدثنا أبي، حدثنا خالد بن خداش، حدثنا عبد اللَّه بن وهب، عن ابن جريج، عن أيوب بن هانئ عن مسروق، عن عبد اللَّه بن مسعود قال: خرج رسول اللَّه ﷺ ، يومًا إلى المقابر فاتبعناه، فجاء حتى جلس إلى قبر منها فناجاه طويلًا، ثم بكى فبكينا لبكائه [¬١]، ثم قام فقام إليه عمر بن الخطاب فدعاه، ثم دعانا فقال: " ما أبكاكم؟ " فقلنا: بكينا لبكائك؟ قال: "إن القبر الذي جلست عنده قبر آمنة، وإني استأذنت ربي في زيارتها فأذن لي".
[ثم أورده من وجه آخر، ثم ذكر من حديث ابن مسعود قريبًا منه، وفيه] [¬٢]: "وإني استأذنت ربي في الدعاء لها فلم يأذن لي وأنزل عليَّ ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى﴾ الآية. فأخذني ما يأخذ الولد للوالد [¬٣]، وكنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها؛ فإنها تذكر الآخرة".
(حديث آخر في معناه) قال الطبراني: حدثنا محمد بن علي المروزي، حدثنا أبو الدرداء عبد العزيز بن منيب [¬٤]، حدثنا إسحاق بن عبد اللَّه بن كيسان، عن أبيه، عن عكرمة، عن ابن عباس أن رسول اللَّه، ﷺ ، لما أقبل من غزوة تبوك واعتمر، فلما هبط من ثنية عسفان أمر أصحابه: "أن [¬٥] استندوا [¬٦] إلى العقبة حتى أرجع
стр. 3254
إليكم". فذهب فنزل على قبر أمه، فناجى ربه طويلًا، ثم إنه بكى فاشتد بكاؤه، وبكى هؤلاء لبكائه، وقالوا: ما بكى نبي اللَّه بهذا المكان إلا وقد أحدث في أمته شيء لا تطيقه، فلما بكى هؤلاء قام فرجع إليهم، فقال: "ما يبكيكم؟ " قالوا: يا نبي اللَّه، بكينا لبكائك؛ قلنا [¬١] لعله أحدلط في أمتك شئ لا تطيقه، قال: "لا، وقد كان بعضه، ولكن نزلت على قبر أمي فدعوت [¬٢] اللَّه أن يأذن لي في شفاعتها [¬٣] يوم القيامة فأبى اللَّه أن يأذن لي، فرحمتها وهي أمي فبكيت، لم جاءني جبريل فقال: ﴿وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ﴾ فتبرأ أنت من أمك، كما تبرأ إبراهيم من أبيه، فرحمتها وهي أمي، ودعوت ربي أن يرفع عن أمتي أربعًا، فرفع عنهم اثنتين، وأبى أن ووفع عنهم اثنتين: دعوت ربي أن يرفع عنهم الرجم من السماء، والغرق من الأرض، وأن لا يلبسهم شيئًا، وأن لا يذيق بعضهم بأس بعض، فرفع اللَّه عنهم الرجم من السماء، والغرق من الأرض، وأبى اللَّه أن يرفع عنهم القتل والهرج". وإنما عدل إلى قبر أمه؛ لأنها كانت مدفونة تحت كداء، وكانت عسفان لهم (٢٦٦).
وهذا حديث غريب، وسياق عجيب، وأغرب منه وأشد نكارة ما رواه الخطيب البغدادي في كتاب "السابق واللاحق" بسند مجهول عن عائشة في حديث فيه قصة: أن اللَّه أحيا أمَّهُ فآمنت ثم عادت. وكذلك ما رواه السهيلي في الروض (٢٦٧) بسند فيه جماعة مجهولون، أن اللَّه أحيا له أباه وأمه فآمنا به.
وقد قال الحافظ ابن دحية: [هذا حديث موضوع يرده القرآن والإِجماع قال تعالى: ﴿وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّار﴾.
وقال القرطبي (٢٦٨): إن مقتضى هذا الحديث … وردَّ على ابن دحية] [¬٤] في هذا الاستدلال بما حاصله: أن هذه حياة جديدة، كما رجعت الشمس بعد غيبوبتها فصلى عليٌّ العصر.
стр. 3255
قال الطحاوي: وهو حديث ثابت. يعني: حديث الشمس.
قال القرطبي (٢٦٩): فليس إحياؤهما يمتنع عقلًا ولا شرعًا. قال: وقد سمعت أن اللَّه أحيا عمه أبا طالب فآمن به.
(قلت): وهذا كله متوقف على صحة الحديث، فإذا صح فلا مانع منه، واللَّه أعلم.
وقال العوفي عن ابن عباس في قوله: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ﴾. الآية: إن [¬١] النبي [¬٢]، ﷺ ، أراد أن يستغفر لأمه فنهاه اللَّه عن ذلك، فقال: "فإن [¬٣] إبراهيم خليل اللَّه [ ﷺ ، قد استغفر لأبيه". فأنزل اللَّه: ﴿وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ﴾ الآية.
وقال على بن أبي طلحة، عن ابن عباس في هذه الآية: كانوا يستغفرون لهم حتى نزلت هذه الآية، فلما [نزلت أمسكوا عن الاستغفار لأمواتهم ولم ينهوا أن يستغفروا للأحياء حتى يموتوا] [¬٤]، ثم [¬٥] أنزل اللَّه: ﴿وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ … ﴾ الآية.
وقال قتادة في هذه [¬٦] الآية: ذكر لنا أن رجالًا من أصحاب النبي، ﵌، قالوا: يا نبي اللَّه، إن من آبائنا من كان يحسن الجوار، ويصل الأرحام، ويفك العاني، ويوفي بالذم، أفلا نستغفر لهم؟! قال: فقال النبي، ﷺ : "بلى، والله إني لأستغفر لأبي كما استغفر إبراهيم لأبيه". فأنزل اللَّه: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ﴾ حتى بلغ قوله [¬٧]: ﴿الْجَحِيمِ﴾، ثم عذر اللَّه تعالى إبراهيم ﵇ فقال: ﴿وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ﴾. قال: وذكر لنا أن نبي اللَّه، صلى اللَّه عليه وآله
стр. 3256
وسلم، قال: " [أوحي إليَّ] [¬١] كلمات، فدخلن في أذني ووقرن في قلبي: أمرت أن لا أستغفر لمن مات مشركًا، ومن أعطى فضل ماله فهو خير له، ومن أمسك فهو شر له، ولا يلوم الله على كفاف".
وقال الثوري، عن الشيباني، عن سعيد بن جبير، قال: مات رجل يهودي وله ابن مسلم فلم يخرج معه، فذكر ذلك لابن عباس؛ فقال [¬٢]: فكان ينبغي له أن يمشي معه ويدفنه، ويدعو له بالصلاح ما دام حيًّا، فإذا مات وكله إلى شأنه، ثم قال: ﴿وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ (١١٤)﴾: لم يَدْعُ.
وهذا يشهد له بالصحة [¬٤] ما رواه أبو داود وغيره: عن علي بن أبي طالب، ﵁، قال: لما مات أبو طالب قلت: يا رسول الله، إن عمك الشيخ الضال [قد مات] [¬٥]. قال: "اذهب فواره ولا [¬٦] تحدثن شيئًا [¬٧] حتى تأتيني … " وذكر [¬٨] تمام الحديث (٢٧٠).
ويُرْوَى [أن رسول الله] [¬٩]، ﷺ ، لما مرت به جنازة عمه أبي طالب قال: "وصلتك رحم يا عم" (٢٧١).
وقال عطاء بن أبي رباح: ما كنت لأدع الصلاة على أحد من أهل القبلة، ولو كانت حبشية حُبلى من الزنا؛ لأني لم أسمع الله حجب الصلاة إلا عن المشركين، يقول الله : ﴿ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين﴾ الآية.
стр. 3257
وروى ابن جرير (٢٧٢) عن ابن وكيع، عن أبيه، عن عصمة بن زامل [¬١]، عن أبيه قال: سمعت أبا هريرة يقول: رحم الله رجلًا استغفر لأبي هريرة ولأمه. قلت: ولأبيه. قال: لا. قال: إن أبي مات مشركًا.
وقوله: ﴿فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه﴾ قال ابن عباس: ما زال إبراهيم يستغفر لأبيه حتى مات، فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه. وفي رواية: لما [¬٢] مات تبين له أنه عدو لله.
وكذا قال مجاهد، والضحاك، وقتادة، وغيرهم ﵏.
وقال [عبيد بن عمير]، وسعيد بن جبير: إنه يتبرأ منه [في] [¬٣] يوم القيامة، حين يلقى أباه وعلى وجه أبيه [الغبرة والقترة] [¬٤]، فيقول: يا إبراهيم، إني كنت أعصيك، وإني اليوم لا أعصيك. فيقول: أي رب، ألم تعدني أن لا تخزني [¬٥] يوم يبعثون؟ فأي خزي أخزى من أبي الأبعد؟! فيقال: انظر إلى ما وراءك، فإذا هو بذِيخ [¬٦] [¬٧] متلطِّخ، أي: قد مسخ ضبعًا، ثم [¬٨] يسحب [¬٩] بقوائمه ويلقى في النار.
وقوله: ﴿إن إبراهيم لأواه حليم﴾ قال سفيان الثوري وغير واحد، عن عاصم بن بهدلة، عن زر [¬١٠] بن حبيش، عن عبد الله بن مسعود أنه قال: الأواه: الدعَّاء. وكذا رُوِيَ من غير وجه عن ابن مسعود.
وقال ابن جرير (٢٧٣): حدثني المثنى، حدثنا الحجاج بن منهال، حدثني عبد الحميد بن بهرام، حدثنا شهر بن حوشب، عن عبد الله بن شداد بن الهاد؛ قال: بينما [رسول الله] [¬١١]، ﷺ ، جالس، قال رجل: يا رسول الله، ما الأوّاه؟ قال: "المتضرع". قال: ﴿إن إبراهيم لأواه حليم﴾.
стр. 3258
ورواه [¬١] ابن أبي حاتم من حديث ابن المبارك، عن عبد الحميد بن بهرام، به. ولفظه [¬٢]: قال: "الأواه [¬٣]: المتضرع الدعاء".
وقال الثوري، عن سلمة بن كهيل، عن مسلم البطين، عن [أبي العُبَيْدَيْنِ] [¬٤] أنه سأل ابن مسعود عن الأواه فقال: هو الرحيم.
وبه قال مجاهد، وأبو [¬٥] ميسرة عمرو [¬٦] بن شرحبيل، والحسن البصرى، وقتادة: إنَّه الرحيم، أي: بعباد الله.
وقال ابن المبارك، عن خالد، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: الأوّاه: الموقن، بلسان الحبشة. وكذا قال العوفي عن ابن عباس: إنه الموقن، وكذا قال مجاهد، والضحاك، وقال على بن أبي طلحة ومجاهد، عن ابن عباس: الأوّاه: المؤمن. زاد على بن أبي طلحة عنه: [] [¬٧] المؤمن التواب. وقال العوفي عنه: هو المؤمن، بلسان الحبشة. وكذا قال ابن جريج: هو المؤمن، بلسان الحبشة.
وقال الإمام أحمد (٢٧٤): حدثنا موسى، حدثنا ابن لهيعة، عن الحارث بن يزيد [¬٨]، عن علي بن رباح، عن عقبة بن عامر أن رسول الله، ﷺ ، قال لرجل يقال له: ذو البجادين [¬٩]: "إنه أوّاه" وذلك أنه رجل [كثير الذكر لله] [¬١٠] في القرآن ويرفع [¬١١] صوته في الدعاء [¬١٢]. ورواه ابن جرير.
وقال سعيد بن جبير والشعبي: الأوّاه: المسبح. وقال ابن وهب، عن معاوية بن
стр. 3259
صالح، عن أبي الزاهرية [¬١]، [] [¬٢] عن جبير بن نفير، عن أبي الدرداء، ﵁، قال: [لا يحافظ] على سبحة [¬٣] الضحى [إلا أوّاه].
وقال شُفَيُّ [¬٤] بن ماتع [¬٥]، عن أبي أيوب: الأواه الذي إذا ذكر خطاياه استغفر منها.
وعن مجاهد: الأوّاه: الحفيظ الوجل، يذنب الذنب سرًّا ثم يتوب منه سرًّا.
ذكر ذلك كله ابن أبي حاتم ﵀.
وقال ابن جرير: حدثنا ابن وكيع، حدثنا المحاربي، عن حجاج، عن الحكم، عن الحسن بن مسلم بن يَنَّاق [¬٦]: أن رجلاً كان يكثر ذكر الله ويسبح، فذكر ذلك للنبي، ﷺ ، فقال: "إنه أوَّاه" (٢٧٥).
وقال أيضًا: حدثنا أبو كريب، حدثنا ابن هانئ (*)، حدثنا المنهال بن خليفة، عن حجاج بن أرطاة، عن عطاء، عن ابن عباس أن النبي، ﷺ ، دفن ميتًا فقال: "رحمك الله، إن كنت لأواهًا". يعني: تلاء للقرآن (٢٧٦).
وقال شعبة عن أبي يونس الباهلي قال: سمعت رجلًا بمكة - وكان أصله روميًّا، وكان قاصًّا - يحدث عن أبي ذر قال: كان رجل يطوف بالبيت الحرام، ويقول في دعائه: أوَّه أوَّه. فذكر ذلك للنبي، ﷺ ، فقال: "إنه أوَّاه". قال: خرجت ذات ليلة فإذا رسول الله، ﷺ ، يدفن ذلك الرجل ليلًا ومعه المصباح.
هذا حديث غريب (٢٧٧)، رواه ابن جرير ومشاه [¬٧].
وروي عن كعب الأحبار أنه قال: سمعت ﴿إن إبراهيم لأوّاه﴾ قال: كان إذا ذكر النار قال: أوه من النار.
стр. 3260
وقال [¬١] ابن جريج عن ابن عباس ﴿إن إبراهيم لأواه﴾ قال: فقيه.
قال: الإِمام العَلَم أبو جعفر بن جرير (٢٧٨): وأولى الأقوال قول من قال: إنه الدَّعَّاء، وهو المناسب للسياق، وذلك أن الله تعالى لما ذكر أن إبراهيم إنما استغفر لأبيه عن موعدة وعدها إيّاه، وقد كان إبراهيم كثيرَ الدعاء، حليمًا عمن ظلمه وأناله مكروهًا؛ ولهذا استغفر لأبيه مع شدة أذاه له في قوله: ﴿قَالَ أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يَاإِبْرَاهِيمُ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا (٤٦) قَالَ سَلَامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا (٤٧)﴾ فحلم عنه مع أذاه له، ودعا له واستغفر، ولهذا قال تعالى: ﴿إن إبراهيم لأواه حليم﴾.
﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١١٥) إِنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ (١١٦)﴾
يقول تعالى مخبرًا عن نفسه الكريمة وحكمه [¬٢] العادل: إنه لا يضل قومًا [إلا] بعد بلاغ الرسالة [إليهم] [¬٣]، حتى يكونوا قد قامت عليهم الحجة، كما قال تعالى: ﴿وأما ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى على الهدى﴾ الآية.
وقال مجاهد في قوله تعالى: ﴿وما كان الله ليضل قومًا بعد إذ هداهم حتى يبين لهم ما يتقون﴾. قال: بيان الله للمؤمنين [¬٤] في ترك [¬٥] الاستغفار للمشركين خاصة، وفي بيانه [لهم في] [¬٦] [طاعته ومعصيته] عامة، فافعلوا أو ذروا.
وقال ابن جرير: يقول الله تعالى: وما كان الله ليقضي عليكم في استغفاركم لموتاكم المشركين بالضلال، بعد إذ رزقكم الهداية، ووفقكم للإِيمان به وبرسوله، حتى يتقدم إليكم بالنهي عنه فتتركوا، فأمّا قبل أن يبين لكم كراهته ذلك بالنهي عنه، [ثم تتعدوا] [¬٧] نهيه إلى ما نهاكم عنه؛ فإنه لا يحكم عليكم بالضلال؛ فإن الطاعة والمعصية إنما يكونان من المأمور والمنهي، فأما [¬٨] من لم يؤمر، ولم ينه فغير كائن [] مطيعًا [كان] [¬٩] أو عاصيًا