بل الله يضل من يشاء ويهدي من يشاء ﴿فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ﴾، ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾، ﴿لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾، ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾، ﴿فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ﴾، ﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ (٢١) لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ﴾ إلى غير ذلك من الآيات الدالة على أن الله تعالى هو الفعال لما يريد، الهادي من يشاء، المضل لمن يشاء، لعلمه وحكمته وعدله؛ ولهذا قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ﴾ وهو الخبال والضلال ﴿عَلَى الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ﴾ أي: حجج الله وأدلته، وهو العادل في كل ذلك في هداية من هدى وإضلال من ضل.
﴿قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ (١٠١) فَهَلْ يَنْتَظِرُونَ إِلَّا مِثْلَ أَيَّامِ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِهِمْ قُلْ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ (١٠٢) ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا كَذَلِكَ حَقًّا عَلَيْنَا نُنْجِ الْمُؤْمِنِينَ (١٠٣)﴾
يرشد تعالى عباده إلى التفكر في آلائه، وما خلق الله [¬١] في السموات والأرض من الآيات الباهرة لذوي الألباب، مما [¬٢] في السموات [¬٣] من كواكب نيرات، ثوابت وسيارات، والشمس والقمر والليل والنهار واختلافهما، وإيلاج أحدهما في الآخر حتى يطول هذا ويقصر هذا، ثم يقصر هذا ويطول هذا، وارتفاع السماء واتساعها وحسنها وزينتها، وما أنزل الله منها من مطر فأحيا به الأرض بعد موتها، وأخرج فيها من أفانين الثمار والزروع والأزاهير وصنوف النبات، وما ذرأ فيها من دواب مختلفة الأشكال والألوان والمنافع، وما فيها من جبال وسهول وقفار وعمران وخراب؛ وما في البحر من العجائب والأمواج، وهو مع هذا مسخر [¬٤] مذلل للسالكين، يحمل سفنهم ويجري بها برفق بتسخير [¬٥] القدير [له]، لا إله إلا هو ولا رب سواه.
وقوله: ﴿وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ أي: رأي شيء نجدي [¬٦] الآيات السماوية والأرضية والرسل، بآياتها وحججها وبراهينها [الدالة] على صدقها - عن
стр. 3362
قوم لا يؤمنون، كقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ (٩٦) وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ﴾.
وقوله: ﴿فَهَلْ يَنْتَظِرُونَ إِلَّا مِثْلَ أَيَّامِ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ أي: فهل ينتظر هؤلاء المكذبون لك يا محمَّد؛ من النقمة والعذاب إلا مثل أيام الله في الذين خلوا من قبلهم من الأمم الماضية [¬١] المكذبة لرسلهم ﴿قُلْ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ (١٠٢) ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ أي: ونهلك المكذبين بالرسل ﴿كَذَلِكَ حَقًّا عَلَيْنَا نُنْجِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ أي: حقا أوجبه الله تعالى على نفسه الكريمة، كقوله ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾، وكما جاء في الصحيحين عن رسول الله ﷺ أنه قال (١٠٠): " إن الله كتب [¬٢] كتابًا فهو عنده فوق العرش: إن رحمتي سبقت غضبي".
﴿قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي شَكٍّ مِنْ دِينِي فَلَا أَعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ أَعْبُدُ اللَّهَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (١٠٤) وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٠٥) وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ (١٠٦) وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (١٠٧)﴾
يقول تعالى لرسوله محمَّد ﷺ : قل: يا أيها الناس؛ إن كنتم في شك من صحة ما جئتكم به من الدين الحنيف، الذي أوحاه الله إلى، فها أنا لا أعبد الذين تعبدون من دون الله، ولكن أعبد الله وحده لا شريك له، وهو الذي يتوفاكم كما أحياكم
стр. 3363
ثم إليه مرجعكم، فإن كانت آلهتكم التي تدعون من دون الله حقًا فأنا لا أعبدها [¬١]، فادعوها فلتضرني فإنها لا تضر ولا تنفع، وإنما الذي بيده الضر والنفع هو الله وحده لا شريك له، وأمرت أن أكون من المؤمنين.
وقوله: ﴿وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِين﴾. أي: أخلص العبادة لله وحده ﴿حَنِيفًا﴾ أي: منحرفًا عن الشرك، ولهذا قال: ﴿وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ وهو معطوف على قوله: ﴿وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾.
وقول: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ﴾. الآية [¬٢]. فيه [¬٣] بيان لأن الخير والشر والنفع والضر إنما هو راجع إلى الله تعالى وحده، لا يشاركه [¬٤] في ذلك أحد، فهو الذي يستحق العبادة وحده لا شريك له.
روى الحافظ ابن عساكر في ترجمة صفوان بن سليم (١٠١)، من طريق عبد الله بن وهب، أخبرني يحيى بن أيوب، عن عيسى بن موسى، عن صفوان بن سليم، عن أنس ابن مالك؛ أن رسول الله ﷺ قال: "اطلبوا الخير دهركم كله، وتعرضوا لنفحات رحمة ربكم، فإن لله نفحات من رحمته، يصيب بها من يشاء من عباده، واسألوه أن يستر عوراتكم، ويؤمن روعاتكم".
стр. 3364
ثم رواه (١٠٢) من طريق الليث، عن عيسى بن موسى، عن صفوان، عن رجل من أشجع، عن أبي هريرة مرفوعا بمثله سواء [¬١].
وقوله: ﴿وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ أي: لمن تاب إليه وتوكل عليه، ولو من أي ذنب كان، حتى من الشرك به فإنه يتوب عليه.
﴿قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ (١٠٨) وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَاصْبِرْ حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ (١٠٩)﴾
يقول تعالى آمرًا لرسوله ﷺ أن يخبر الناس أن الذي جاءهم به من عند الله هو الحق الذي لا مرية فيه ولا شك، فمن اهتدى به واتبعه فإنما يعود نفع ذلك الإتباع [¬٢] على نفسه، أو من ضل عنه فإنما يرجع وبال ذلك عليه] [¬٣] ﴿وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ﴾ أي: وما أنا موكل بكم حتى تكونوا مؤمنين به [¬٤]، و [¬٥] إنما أنا نذير لكم، والهداية على الله تعالى.
وقوله: ﴿وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَاصْبِرْ﴾ أي: تمسك بما أنزل الله عليك وأوحاه إليك [¬٦]، واصبر على مخالفة من خالفك من الناس ﴿حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ﴾ أي: يفتحَ بينك وبينهم ﴿وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ﴾ أي: خير الفاتحين بعدله وحكمته.
* * *
стр. 3365
تفسير سورة هود
وهي مكية
قال الحافظ أبو يعلى (١): حدثنا خلف بن هشام البزار، حدثنا أبو الأحوص، عن أبي إسحاق، عن عكرمة؛ قال: قال أبو بكر: سألت رسول اللَّه ﷺ ما شيبك؟ قال: "شيبتني هود، والواقعة، وعم يتساءلون، وإذا الشمس كورت".
[وقال أبو عيسى الترمذي (٢): حدثنا أبو كريب محمد بن العلاء، حدثنا معاوية بن هشام، عن شيبان، عن أبى إسحاق، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: قال أبو بكر: يا رسول اللَّه، قد شبت! قال: "شيبتني هود، والواقعة، والمرسلات، وعم يتساءلون، وإذا الشمس كورت". وفي رواية: "هود وأخواتها"] [¬١].
وقال الطبراني (٣): حدثنا عبدان بن أحمد، حدثنا حماد [¬٢] بن الحسن، حدثنا سعيد بن سلام، حدثنا عمر بن محمد، عن أبي حازم، عن سهل بن سعد؛ قال: قال رسول
стр. 3366
اللَّه، ﷺ : "شيبتني هود وأخواتها: الواقعة، والحاقة، وإذا الشمس كورت". وفما رواية: "هود وأخواتها".
وقد روي من حديث ابن مسعود نحوه [¬١]:
فقال الحافظ أبو القاسم سليمان بن أحمد الطبراني في معجمه الكبير (٤): حدثنا محمد بن عثمان بن أبي شيبة، حدثنا أحمد بن طارق الرائشي [¬٢]، حدثنا عمرو بن ثابت، عن أبي إسحاق، عن عبد اللَّه بن مسعود ﵁ أن أبا بكر قال: يا رسول اللَّه، ما شيبك؟ قال: "هود والواقعة".
عمرو بن ثابت متروك، وأبو إسحاق لم يدرك ابن مسعود [¬٣]، واللَّه أعلم.
﴿الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ (١) أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنَّنِي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ (٢) وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعًا حَسَنًا إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ (٣) إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٤)﴾
قد تقدم الكلام على حروف الهجاء في أول سورة البقرة بما أغنى عن إعادته هاهنا [¬٤] وباللَّه التوفيق.
стр. 3367
وأما قوله: ﴿أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ﴾ أي: هي محكمة في لفظها، مفصلة في معناها، فهو كامل صورة ومعنى؛ هذا معنى ما روي عن مجاهد وقتادة، واختاره ابن جرير.
وقوله: ﴿مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾ أي: من عند اللَّه الحكيم في أقواله وأحكامه، الخبير بعواقب الأمور.
﴿أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ﴾ أي: نزَّل هذا القرآن المحكم المفصل لعبادة اللَّه وحده لا شريك له، كقوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي [¬١] إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾، وقال [¬٢]: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾.
وقوله: ﴿إِنَّنِي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ﴾ أي: إني لكم نذير من العذاب إن خالفتموه، وبشير بالثواب إن أطعتموه، كما جاء في الحديث الصحيح (٥)، أن رسول اللَّه ﷺ صعد الصفا، فدعا بطون قريش الأقرب ثم الأقرب، فاجتمعوا فقال: "يا معشر قريش؛ أرأيتم لو أخبرتكم أن خيلًا تصبحكم ألستم مصدقيّ؟ " فقالوا: ما جربنا عليك كذبًا. قال: "فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد".
وقوله: ﴿وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعًا حَسَنًا إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ﴾ أي: وآمركم بالاستغفار من الذنوب السالفة، والتوبة منها إلى اللَّه فيما تستقبلونه، وأن تستمروا على ذلك ﴿يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعًا حَسَنًا﴾ أي: في الدنيا ﴿[إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى] [¬٣] وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ﴾ أي: في الدار الآخرة. قاله قتادة. كقوله: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾. وقد جاء في الصحيح (٦) أن رسول اللَّه ﷺ قال لسعد: "وإنك لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه اللَّه إلا أجرت
стр. 3368
بها، حتى ما تجعل في فيِّ امرأتك".
وقال ابن جرير (٧): حدثني [¬١] [¬٢] المسيب بن شريك، عن أبي بكر، عن سعيد بن جبير، عن ابن مسعود ﵁ في قوله: ﴿وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ﴾ قال: من عمل سيئة كتبت عليه سيئة، ومن عمل حسنة كتبت له عشر حسنات، فإن عوقب بالسيئة التي كان عملها في الدنيا بقيت له عشر حسنات، وإن لم يعاقب بها في الدنيا أخذ من الحسنات العشر واحدة وبقيت له تسمع حسنات، ثم يقول: هلك من غلب آحاده على أعشاره.
وقوله: ﴿وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ﴾ هذا تهديد شديد لمن تولى عن أوامر اللَّه تعالى وكذب رسله، فإن العذاب يناله يوم معاده [¬٣] لا محالة ﴿إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ﴾ أي: معادكم ومرجعكم يوم القيامة ﴿وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ أي: وهو القادر على ما يشاء من إحسانه إلى أوليائه، وانتقامه من أعدائه، وإعادته [¬٤] الخلائق يوم القيامة، وهذا مقام الترهيب كما أن الأول مقام [¬٥] ترغيب.
﴿أَلَا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ أَلَا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (٥)﴾
قال ابن عباس: كانوا يكرهون أن يستقبلوا السماء بفروجهم وحال وقاعهم، فأنزل اللَّه هذه الآية. رواه البخاري (٨) من حديث ابن جريج، عن [¬٦] محمد بن عباد بن جعفر، أن
стр. 3369
ابن عباس قرأ: (ألا إنهم تَثْنَوْني [¬١] صدورهم) الآية.
قلت [¬٢]: يا أبا العباس، ما تثنوني [¬٣] صدورهم؟ قال: [كان الرجل] [¬٤] يجامع امرأته فيستحي أو يتخلى فيستحي، فنزلت: (ألا إنهم تَثْنَوْني [¬٥] صدورهم). وفى لفظ آخر له (٩) قال ابن عباس: أناس كانوا يستحيون أن يتخلوا فيفضوا إلى السماء، وأن يجامعوا نساءهم [فيفضوا إلى السماء] [¬٦]، فنزل ذلك فيهم.
قال البخاري: وقال غيره عن ابن عباس: ﴿يَسْتَغْشُونَ﴾ يغطون رءوسهم.
[ثم قال (١٠): حدثنا الحميدي، حدثنا سفيان، حدثنا عمرو قال: قرأ [¬٧] ابن عباس ﴿أَلَا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ أَلَا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ [¬٨]﴾.
وقال ابن عباس في رواية أخرى في تفسير هذه الآية (١١): يعني به الشك في اللَّه، وعمل السيئات. وكذا روي عن مجاهد والحسن وغيرهم، أي: أنهم كانوا يثنون صدورهم إذا قالوا شيئًا أو عملوه، يظنون [¬٩] أنهم يستخفون من اللَّه بذلك، فأعلمهم [¬١٠] اللَّه تعالى أنهم حين يستغشون ثيابهم عند منامهم في ظلمة الليل ﴿يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ﴾ من القول ﴿وَمَا يُعْلِنُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ أي: يعلم مما تكن صدورهم من النيات والضمائر والسرائر، وما أحسن ما قال زهير بن أبي سلمى في معلقته المشهورة:
فَلا تَكْتُمُنَّ اللَّه ما في نفوسِكم [¬١١] … [ليخفى فمهما يُكتم] [¬١٢] اللَّه يَعْلمِ
يُؤَخَّرْ فَيُوضَعْ في كتاب فَيُدَّخرْ [¬١٣] … ليوم حسابٍ [¬١٤] أو يُعَبلْ فَيُنْقَمِ
стр. 3370
فقد اعترف هذا الشاعر الجاهلي بوجود الصانع، وعلمه بالجزئيات وبالمعاد وبالجزاء، وبكتابة الأعمال في الصحف ليوم القيامة.
وقال عبد اللَّه بن شداد (١٢): كان أحدهم إذا مر برسول اللَّه، ﷺ ، ثنى صدره وغطن رأسه، فأنزل اللَّه ذلك.
وعود الضمير [] [¬١] على اللَّه أولى لقوله: ﴿أَلَا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ﴾.
وقرأ ابن عباس (١٣) [¬٢]: (ألا إنهم تَثْنَوْنِي صدورُهم) برفع الصدور على الفاعلية، وهو قريب المعنى.
﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (٦)﴾
أخبر تعالى أنه متكفل بأرزاق المخلوقات من سائر دواب الأرض؛ صغيرها وكبيرها، بحريها وبريها، وأنه يعلم مستقرها ومستودعها، أي: يعلم أين منتهى سيرها في الأرض، وأين تأوي إليه من وكرها، وهو مستودعها.
وقال على بن أبى طلحة وغيره، عن ابن عباس (١٤) ﴿وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا﴾ أي: حيث تأوي ﴿وَمُسْتَوْدَعَهَا﴾ حيث تموت.
وعن مجاهد: ﴿مُسْتَقَرَّهَا﴾ في الرحم ﴿وَمُسْتَوْدَعَهَا﴾ في الصلب كالتي في الأنعام. وكذا روي عن ابن عباس والضحاك وجماعة، وذكر ابن أبي حاتم أقوال المفسرين هاهنا كما ذكره عند تلك الآية، فالله أعلم. وأن جميع ذلك مكتوب في كتاب عند اللَّه مبين عن جميع ذلك، كقوله ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ﴾، وقوله: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ
стр. 3371
الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾.
﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَلَئِنْ قُلْتَ إِنَّكُمْ مَبْعُوثُونَ مِنْ بَعْدِ الْمَوْتِ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ (٧) وَلَئِنْ أَخَّرْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ إِلَى أُمَّةٍ مَعْدُودَةٍ لَيَقُولُنَّ مَا يَحْبِسُهُ أَلَا يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفًا عَنْهُمْ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (٨)﴾
يخبر تعالى عن قدرته على كل شيء، وأنه خلق السموات والأرض في ستة أيام، وأن عرشه كان على الماء قبل [¬١] ذلك، كما قال الإِمام أحمد (١٥):
حدثنا أبو معاوية، حدثنا الأعمش، عن جامع بن شداد، عن صفوان بن مُحْرز، عن عمران بن حصين؛ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "اقبلوا البشرى يا بني تميم". قالوا: قد بشرتنا فأعطنا. قال: "اقبلوا البشرى يا أهل اليمن". قالوا: قد قبلنا. فأخبرنا عن أول هذا الأمر كيف كان؟ قال: "كان اللَّه قبل كل شيء، وكان عرشه على الماء، ومحب في اللوح المحفوظ ذكر كل شيء". قال: فأتاني آت فقال: يا عمران، انحلت ناقتك من عقالها. قال: فخرجت فى إثرها فلا أدري ما كان بعدي.
وهذا الحديث مخرج في صحيحي البخاري ومسلم [¬٢] بألفاظ كثيرة؛ فمنها: قالوا: جحناك نسألك عن أول هذا الأمر. فقال: "كان اللَّه ولم يكن شيء قبله" (١٦)، وفى
стр. 3372
رواية: " غيره " (١٧)، وفي رواية: " معه " (١٨) - " وكان عرشه على الماء، وكتب في الذكر كل شيء، ثم خلق السموات والأرض ".
وفي صحيح مسلم (١٩) عن عبد اللَّه بن عمرو بن العاص؛ قال: قال رسول اللَّه، ﷺ : "إن اللَّه قدر مقادير الخلائق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة، وكان عرشه على الماء".
وقال البخاري في تفسير هذه الآية (٢٠): حدثنا أبو اليمان، أخبرنا شعيب، حدثنا أبو الزناد، عن الأعرج، فيِ أبي هريرة ﵁ أن رسول اللَّه، ﷺ ، قال: " قال اللَّه : أَنفقْ أُنفقْ عليك ". وقال: " يد اللَّه ملأى لا يغيضها (*) نفقة، سَحَّاءُ (**) الليلَ والنهارَ". وقال: "أفرأيتم ما أنفق منذ خلق السموات والأرض، فإنه لم يفض ما في يده، وكان عرشه على الماء، وبيده الميزان يخفض ويرفع".
وقال الإِمام أحمد (٢١): حدثنا يزيد بن هارون، أخبرنا حماد بن سلمة، عن يعلى بن
стр. 3373
عطاء، عن وكيع بن عُدُس [¬١]، عن عمه أبي رزين - واسمه لقيط بن عامر بن المنتفق [¬٢] العَقِيلى - قال: قلت: يا رسول اللَّه، أين كان ربنا قبل أن يخلق خلقه؟ قال: "كان في عَمَاءٍ - سحاب [¬٣]- ما تحته هواء وما فوقه هواء، ثم خلق العرش بعد ذلك".
وقد رواه الترمذي في التفسير، وابن ماجة في السنة [¬٤] من حديث يزيد بن هارون، به. وقال الترمذي: هذا حديث حسن.
وقال مجاهد: ﴿وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ﴾ قبل أن يخلق شيئًا. وكذا قال وهب ابن منبه، وضمرة بن [حبيب] [¬٥]، وقاله قتادة وابن جرير وغير واحد.
وقال قتادة في قوله: ﴿وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ﴾ ينبئكم كيف كان بدء خلقه قبل أن يخلق السموات والأرض.
وقال الربيع بن أنس: ﴿وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ﴾ فلما خلق السموات والأرض قسم ذلك الماء قسمين؛ فجعل نصفا تحت العرش وهو البحر المسجور.
وقال ابن عباس (٢٢): إنما سمي العرش عرشاً لارتفاعه.
وقال إسماعيل بن أبي خالد: سمعت سعدًا الطائي يقول (٢٣): العرش ياقوتة حمراء.
стр. 3374
وقال محمد بن إسحاق في قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ﴾ فكان كما وصف نفسه تعالى، إذ ليس إلا الماء و [¬١] عليه العرش، وعلى العرش ذو الجلال والإِكرام، والعزة والسلطان، والملك والقدرة، والحلم والعلم، والوحمة والنعمة، الفعالُ لما يريد.
وقال الأعمش، عن المنهال بن عمرو، عن سعيد بن جبير؛ قال: سئل ابن عباس عن قول اللَّه: ﴿وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ﴾ على أي شيء كان الماء؟ قال: على متن الريح (٢٤).
وقوله تعالى: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ أي: خلق السموات والأرض لنفع عباده الذين خلقهم ليعبدوه وحده [لا شريك له] [¬٢]، ولم يخلق ذلك عبثًا، كقوله ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ﴾، وقال تعالى ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ﴾، وقال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾.
وقوله: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ﴾ أي: ليختبركم ﴿أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ ولم يقل: أكثر عملًا، بل أحسن عملًا، و [لا يكون] [¬٣] العمل حسنًا حتى يكون خالصًا للَّه على شريعة رسول اللَّه، ﷺ ، فمتى فَقَدَ العمل واحدًا من هذين [¬٤] الشرطين بطل وحبط.
وقوله: ﴿وَلَئِنْ قُلْتَ إِنَّكُمْ مَبْعُوثُونَ مِنْ بَعْدِ الْمَوْتِ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ يقول تعالى: ولئن أخبرت يا محمد هؤلاء المشركين أن اللَّه سيبعثهم بعد
стр. 3375
مماتهم كما بدأهم، مع أنهم يعلمون أن الله تعالى هو الذي خلق السموات والأرض، [كما قال تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾، ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ] [¬١] وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾، وهم مع هذا ينكرون البعث والمعاد يوم القيامة، الذي هو بالنسبة إلى القدرة أهون [¬٢] من البداءة، كما قال تعالى ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾، وقال تعالى: ﴿مَا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾.
وقولهم: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ أي: يقولون كفرًا وعنادًا: ما نصدقك على وقوع البعث، وما يذكر [¬٣] ذلك إلا من سَحَرتَه فهو يتبعك على ما تقول.
وقوله: ﴿وَلَئِنْ أَخَّرْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ إِلَى أُمَّةٍ مَعْدُودَةٍ لَيَقُولُنَّ مَا يَحْبِسُهُ﴾ يقول تعالى: ولئن أخرنا العذاب والمؤاخذة عن هؤلاء المشركين إلى أجل معدود، وأمد محصور، وأوعدناهم به إلى مدة مضروبة، ليقولن تكذيبًا واستعجالًا: ﴿ما يحبسه﴾ أي: يؤخر هذا العذاب عنا، فإن سجاياهم قد ألفت التكذيب والشك، فلم يبق لهم محيص عنه ولا محيد.
والأمة تستعمل في القرآن والسنة في معان متعددة؛ فيراد بها الأمد، كقوله في هذه الآية: ﴿إلى أمة معدودة﴾، وقوله في يوسف: ﴿وَقَالَ الَّذِي نَجَا مِنْهُمَا وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ﴾، وتستعمل في الإمام المقتدى به، كقوله: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾، وتستعمل في الملة والدين، كقوله اخبارًا عن المشركين أنهم قالوا: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾، وتستعمل في الجماعة؛ كقوله: ﴿وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ﴾، وقال تعالى [¬٤]: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾، وقال تعالى: ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ رَسُولٌ فَإِذَا جَاءَ رَسُولُهُمْ قُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ والمراد من الأمة هاهنا الذين يبعث فيهم الرسول؛ مؤمنهم وكافرهم، كما في صحيح مسلم (٢٥): " والذي نفسي بيده، لا يسمع بي أحد من [¬٥] هذه الأمة؛ يهودي ولا نصراني، ثم لا
стр. 3376
يؤمن بي إلا دخل النار".
وأما أمة الأتباع فهم المصدقون للرسل، كما قال تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾، وفي الصحيح (٢٦): " فأقول: أُمتي! أمتي! ".
وتستعمل الأمة في الفرقة والطائفة؛ كقوله تعالى: ﴿وَمِنْ قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ﴾، وكقوله: ﴿مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ﴾.
﴿وَلَئِنْ أَذَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ إِنَّهُ لَيَئُوسٌ كَفُورٌ (٩) وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ نَعْمَاءَ بَعْدَ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ عَنِّي إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ (١٠) إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ (١١)﴾
يخبر تعالى عن الإنسان وما فيه من الصفات الذميمة، إلا من رحم الله من عباده المؤمنين: أنه [¬١] إذا أصَابته شدة بعد نعمة، حصل له إياس [¬٢] وقنوط من الخير بالنسبة إلى المستقبل، وكفر وجحود لماضي الحال، كأنه لم ير خيرًا ولم يرج بعد ذلك [¬٣] فرجًا، وهكذا إذا [¬٤] أصابته نعمة بعد نقمة ﴿ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ عَنِّي﴾ أي: يقول ما بقي ينالني بعد هذا ضيم ولا سوء ﴿إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ﴾ أي: فرح بما في يده، بطر فخور على غيره، قال الله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا﴾ [أي: في [¬٥] الشدائد والمكاره] [¬٦] ﴿وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ أي: في الرخاء والعافية ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ﴾ أي: بما يصيبهم من الضراء ﴿وَأَجْرٌ كَبِيرٌ﴾ بما أسلفوه في زمن الرخاء، كما جاء في الحديث (٢٧):
стр. 3377
"والذي نفسي بيده، لا يصيب المؤمن هم ولا غم، ولا نصب ولا وصب ولا حزن [حتى الشوكة يُشاكُها] [¬١]، إلا كفر الله عنه بها من خطاياه". وفي الصحيحين (٢٨): " والذي نفسي بيده، لا يقضي الله للمؤمن قضاء إلا كان خيرا له: إن أصابته سراء فشكر كان خيرًا له، وإن أصابته ضراء فصبر كان خيرًا له، وليس ذلك لأحد غير المؤمن". ولهذا [¬٢] قال الله تعالى: ﴿وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾، وقال تعالى: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا إِلَّا الْمُصَلِّينَ﴾.
﴿فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَضَائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ أَنْ يَقُولُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ جَاءَ مَعَهُ مَلَكٌ إِنَّمَا أَنْتَ نَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٢) أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١٣) فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ وَأَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٤)﴾
يقول تعالى مسليًا لرسوله، ﷺ ، عما كان يتعنت به المشركون، فيما كانوا يقولونه عن الرسول، كما أخبر تعالى عنهم [في قوله] [¬٣]: ﴿وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ لَوْلَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا * أَوْ يُلْقَى إِلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَا وَقَالَ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا﴾، فأمر الله تعالى رسوله، صلوات الله وسلامه عليه، وأرشده إلى أن لا يضيق بذلك منهم صدره، ولا يهيدنه [¬٤] ذلك ولا يثنيه عن دعائهم إلى الله ، آناء الليل وأطراف النهار، كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ. فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ. وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾. وقال هاهنا: ﴿﴿فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَضَائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ أَنْ يَقُولُوا﴾ أي: لقولهم ذلك، فإنما أنت نذير، ولك
стр. 3378
أسوة بإخوانك من الرسل قبلك، فإنهم كذبوا وأوذوا فصبروا حتى أتاهم نصر الله . ثم بين تعالى إعجاز القرآن، وأنه لا يستطيع [البشر الإتيان] [¬١] بمثله، ولا بعشر سور مثله، ولا بسورة من مثله؛ لأن كلام الرب تعالى لا يشبهه [¬٢] كلام المخلوقين، كما أن صفاته لا تشبه صفات المحدثات، وذاته لا يشبهها شيء، تعالى وتقدس وتنزه، لا إله إلا هو ولا رب سواه.
ثم قال تعالى: ﴿فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ﴾ أي: فإن لم يأتوا بمعارضة ما دعوتموهم [¬٣] إليه، فاعلموا أنهم عاجزون عن ذلك، وأن هذا الكلام منزل من عند الله، متضمنًا علمه وأمره ونهيه، ﴿وَأَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾.
﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ (١٥) أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٦)﴾
قال العوفي عن ابن عباس في هذه الآية (٢٩): إن أهل الرياء يعطون بحسناتهم في الدنيا، وذلك أنهم لا يظلمون نقيرًا، يقول: من عمل صالحًا التماس الدنيا؛ صومًا أو صلاة أو تهجدًا بالليل، لا يعمله إلا لالتماس [¬٤] الدنيا، يقول الله تعالى: أوفيه الذي التمس في الدنيا من المثابة، وحبط عمله الذي كان يعمله لالتماس [¬٥] الدنيا، وهو في الآخرة من الخاسرين.
وهكذا روي عن مجاهد والضحاك وغير واحد.
وقال أنس بن مالك (٣٠)، والحسن: نزلت في اليهود والنصارى.
стр. 3379
وقال مجاهد وغيره: نزلت في أهل الرياء.
وقال قتادة: من كانت الدنيا همه وسدمه (٣١) [¬١]، جازاه الله بحسناته في الدنيا، ثم يفضي إلى الآخرة وليس له حسنة يعطى بها جزاء، وأما المزمن فيجازى بحسناته في الدنيا ويثاب عليها في الآخرة.
وقد ورد في الحديث المرفوع نحو من هذا (٣٢).
وقال تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا * وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا * كُلًّا نُمِدُّ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا * انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا﴾، وقال تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ﴾.
﴿أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنْهُ وَمِنْ قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى إِمَامًا وَرَحْمَةً أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الْأَحْزَابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ فَلَا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ (١٧)﴾
يخبر تعالى عن حال المؤمنين الذين هم على فطرة الله تعالى التي فطر عليها عباده بن الاعتراف له بأنه لا إله إلا هو، كما قال تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾. وفي الصحيحين [¬٢] عن أبي
стр. 3380
هريرة قال (٣٣): قال رسول الله، ﷺ : "كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه و [¬١] ينصرانه و [¬٢] يمجسانه، كما تولد البهيمة بهيمة جمعاء، هل تحسون فيها من جدعاء؟ " الحديث [¬٣].
وفي صحيح مسلم (٣٤) عن عياض بن حمار، عن رسول الله، ﷺ ، قال: "يقول الله تعالى: إني خلقت عبادي حنفاء، فجاءتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم، وحرّمت عليهم ما أحللت لهم، [وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطانًا] [¬٤] ".
وفي المسند والسنن (٣٥)(٣٦): " كل مولود يولد على هذه الملة، حتى يعرب عنه لسانه". الحديث. فالمؤمن باق على هذه الفطرة.
[وقوله: ﴿ويتلوه شاهد منه﴾ أي] [¬٥]: وجاءه شاهد من الله، وهو ما أوحاه إلى الأنبياء من الشرائع المطهرة المكملة المعظمة، المختتمة بشريعة محمد، صلوات الله وسلامه [عليه و] [¬٦] عليهم أجمعين، ولهذا قال ابن عباس (٣٧)، ومجاهد وعكرمة، وأبو العالية، والضحاك، وإبراهيم النخعي، والسدي وغير واحد في قوله تعالى: ﴿ويتلوه شاهد منه﴾: إنه جبريل ﵇.
стр. 3381
وعن علي (٣٨) ﵁ والحسن وقتادة: هو محمد ﷺ .
وكلاهما قريب في المعنى؛ لأن كلًّا من جبريل ومحمد، صلوات الله عليهما، بلغ رسالة الله تعالى، فجبريل إلى محمد ومحمد إلى الأمة.
وقيل: هو على، وهو ضعيف لا يثبت له قائل، والأول والثاني هو الحق، وذلك أن المؤمن عنده من الفطرة ما يشهد للشريعة من حيث الجملة، والتفاصيل تؤخذ من الشريعة، والفطرة تصدقها وتؤمن بها، ولهذا قال تعالى: ﴿أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنْهُ﴾ وهو القرآن، بلغه جبريل إلى النبي، ﷺ ، وبلغه النبي محمد، ﷺ ، إلى أمته.
ثم قال تعالى: ﴿ومن قبله كتاب موسى﴾ أي: ومن قبل القرآن كتاب موسى وهو التوراة ﴿إمامًا ورحمة﴾ أي: أنزله الله تعالى إلى تلك الأمة إمامًا لهم، وقدوة يقتدون بها، ورحمة من الله بهم، فمن آمن بها حق الإيمان قاده ذلك إلى الإيمان بالقرآن؛ ولهذا قال تعالى: ﴿أولئك يؤمنون به﴾.
ثم قال تعالى متوعدًا لمن كذب بالقرآن أو بشيء منه: ﴿ومن يكفر به من الأحزاب فالنار موعده﴾ أي: ومن كفر بالقرآن من سائر أهل الأرض؛ مشركيهم و [¬١] أهل الكتاب، وغيرهم من سائر طوائف بني آدم، على اختلاف ألوانهم وأشكالهم وأجناسهم ممن بلغه القرآن، كما قال تعالى: ﴿لأنذركم ومن بلغ﴾، وقال تعالى: ﴿قل يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعًا﴾، وقال تعالى: ﴿ومن يكفر به من الأحزاب فالنار موعده﴾. وفي صحيح مسلم (٣٩) من حديث شعبة، عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير، عن أبي موسى الأشعري ﵁: أن رسول الله، ﷺ ، قال:
стр. 3382
"والذي نفسي بيده [¬١]، لا يسمع بي أحد من هذه الأمة؛ يهودي أو نصراني، ثم لا يؤمن بي إلا دخل النار".
وقال أيوب [¬٢] السختياني، عن سعيد بن جبير قال (٤٠): كنت لا أسمع بحديث عن النبي، ﷺ ، على وجهه إلا وجدت [¬٣] مصداقه - أو قال: تصديقه - في القرآن، فبلغني أن النبي، ﷺ ، قال: "لا يسمع بي أحد من هذه الأمة؛ ولا [¬٤] يهودي ولا نصراني، فلا يؤمن بي إلا دخل النار"، فجعلت أقول: أين مصداقه في كتاب الله؟ قال: وقلما سمعت عن رسول الله، ﷺ ، إلا وجدت له تصديقًا في القرآن، حتى وجدت هذه الآية: ﴿ومن يكفر به من الأحزاب فالنار موعده﴾ قال [¬٥]. من الملل كلها.
وقوله: ﴿فَلَا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ﴾. أي: القرآن حق من الله لا مرية ﴿فيه ولا شك﴾، كما قال تعالى: ﴿الم * تَنْزِيلُ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، وقال تعالى: ﴿الم * ذلك الكتاب لا ريب فيه﴾.
وقوله: ﴿ولكن أكثر الناس لا يؤمنون﴾؛ كقوله تعالى: ﴿وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين﴾، وقال تعالى: ﴿وإن تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل الله﴾، وقال تعالى: ﴿ولقد صدق عليهم إبليس ظنه فاتبعوه إلا فريقًا من المؤمنين﴾.
﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أُولَئِكَ يُعْرَضُونَ عَلَى رَبِّهِمْ وَيَقُولُ
стр. 3383
الْأَشْهَادُ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ (١٨) الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ (١٩) أُولَئِكَ لَمْ يَكُونُوا مُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ يُضَاعَفُ لَهُمُ الْعَذَابُ مَا كَانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَمَا كَانُوا يُبْصِرُونَ (٢٠) أُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (٢١) لَا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ (٢٢) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾
بين تعالى حال المفترين عليه، وفضيحتهم في الدار الآخرة على رءوس الخلائق؛ من الملائكة والرسل والأنبياء [¬١] وسائر البشر والجان، كما قال الإِمام أحمد (٤١):
حدثنا بهز وعفان؛ قالا: أخبرنا همام، حدثنا قتادة، عن صفوان بن محرز [¬٢] قال: كنت آخذًا بيد ابن عمر، إذ [¬٣] عرض له رجل قال: كيف سمعت رسول الله، ﷺ ، يقول في النجوى يوم القيامة؟ قال: [سمعت رسول الله، ﷺ ] [¬٤]، يقول: "إن الله يدني المؤمن، فيضع عليه كنفه، ويستره من الناس، ويقرره بذنوبه، ويقول له: أتعرف ذنب كذا؟ أتعرف ذنب كذا؟ أتعرف ذنب كذا؟ حتى إذا قرره بذنوبه، ورأى في نفسه أنه قد هلك، قال: فإني قد سترتها عليك في الدنيا، وإني أغفرها لك اليوم. ثم يعطى كتاب حسناته، وأما الكفار والمنافقون فـ ﴿يَقُولُ الْأَشْهَادُ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ ".
أخرجه البخاري ومسلم في الصحيحين: من حديث قتادة، به [¬٥].
стр. 3384
وقوله: ﴿الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا﴾ [أي: يردون الناس عن اتباع الحق، وسلوك طريق الهدى الموصلة إلى الله ، ويجنبونهم الجنة ﴿وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا [¬١]﴾ أي: ويريدون أن يكون طريقهم [¬٢] عوجًا غير معتدلة ﴿وَهُمْ بِالْآخِرَةِ كَافِرُونَ﴾ أي: جاحدون بها مكذبون بوقوعها وكونها.
﴿أُولَئِكَ لَمْ يَكُونُوا مُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ﴾ أي: بل كانوا تحت قهره وغلبته، وفي قبضته وسلطانه، وهو قادر على الانتقام منهم في الدار الدنيا قبل الآخرة ﴿إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ﴾، وفي الصحيحين (٤٢): " إن الله ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته"، ولهذا قال تعالى: ﴿يُضَاعَفُ لَهُمُ الْعَذَابُ مَا كَانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَمَا كَانُوا يُبْصِرُونَ﴾. أي: يضاعف عليهم العذاب، وذلك أن الله تعالى جعل لهم سمعًا وأبصارًا وأفئدة، فما أغنى عنهم سمعهم ولا أبصارهم ولا أفئدتهم، بل كانوا صمًّا عن سماع الحق، عميًّا عن اتباعه، كما أخبر تعالى عنهم حين دخولهم النار، كقوله [¬٣]: ﴿وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾، وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ زِدْنَاهُمْ عَذَابًا فَوْقَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُوا يُفْسِدُونَ﴾، ولهذا يعذبون على كل أمر تركوه، وعلى كل نهي ارتكبوه، ولهذا كان أصح الأقوال أنهم مكلفون بفروع الشرائع؛ أمرها ونهيها، بالنسبة إلى الدار الآخرة.
وقوله: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ أي: خسروا أنفسهم؛ لأنهم دخلوا [¬٤] نارًا حامية فهم معذبون فيها، لا يفتر عنهم من عذابها طرفة عين، كما قال تعالى: ﴿كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا﴾.
﴿وضل عنهم﴾ أي: ذهب عنهم ﴿ما كانوا يفترون﴾ من دون الله من الأنداد والأصنام، فلم تجد عنهم شيئًا، بل ضرتهم كل الضرر، كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ﴾، وقال تعالى: ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا * كَلَّا سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا﴾، وقال
стр. 3385
الخليل لقومه: ﴿إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾، وقوله: ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ﴾ إلى غير ذلك من الآيات الدالة على خسرهم ودمارهم، ولهذا قال:
﴿لَا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ﴾ يخبر تعالى عن حالهم أنهم أخسر الناس صفقة في الدار الآخرة؛ لأنهم استبدلوا الدركات [¬١] عن الدرجات، واعتاضوا عن نعيم الجنان بحميم آن، وعن شرب الرحيق المختوم بسموم وحميم وظلّ من يحموم، وعن الحور العين بطعام من غسلين، وعن القصور العالية بالهاوية، وعن قرب الرحمن ورؤيته بغضب الديان وعقوبته، فلا جرم أنهم في الآخرة هم الأخسرون.
﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَخْبَتُوا إِلَى رَبِّهِمْ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٢٣) مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ كَالْأَعْمَى وَالْأَصَمِّ وَالْبَصِيرِ وَالسَّمِيعِ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾
لما ذكر تعالى حال الأشقياء ثَنَّى بذكر السعداء، وهم الذين آمنوا وعملوا الصالحات، فآمنت قلوبهم، وعملت جوارحهم الأعمال الصالحة، قولا وفعلًا، من الإِتيان بالطاعات، وترك المنكرات، وبهذا ورثوا الجنات، المشتملة على الغرف العاليات، والسرر المصفوفات، والقطوف الدانيات، والفرش المرتفعات، والحسان الخيرات، والفواكه المتنوعات، والمآكل المشتهيات، والمشارب المستلذات، والنظر إلى خالق الأرض والسموات، وهم في ذلك خالدون لا يموتون، ولا يهرمون ولا يمرضون، ولا [¬٢] ينامون ولا يتغوطون، ولا يبصقون ولا يتمخطون، ان هو إلا رشح مسك يعرقون.
ثم ضرب تعالى مثل الكافرين والمؤمنين فقال: ﴿مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ﴾ أي: الذين وصفهم أولًا بالشقاء، والمؤمنين السعداء، فأولئك كالأعمى والأصم، وهؤلاء كالبصير والسميع، فالكافر: أعمى عن [¬٣] وجه الحق في الدنيا وفي الآخرة، لا يهتدي إلى خير ولا يعرفه، أصم عن سماع الحجج، فلا يسمع ما ينتفع به ﴿وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾. وأما المؤمن: ففطن ذكي لبيب، بصير بالحق يميز بينه وبين الباطل، فيتبع الخير ويترك الشر، سميع للحجة يفرق بينها وبين الشبهة فلا يروج
стр. 3386
عليه [¬١] باطل، فهل يستوي هذا وهذا؟ ﴿أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾ أفلا تعتبرون فتفرقون [¬٢] بين هؤلاء وهؤلاء، كما قال في الآية الأخرى: ﴿لَا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾، وقال [¬٣] ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ (١٩) وَلَا الظُّلُمَاتُ وَلَا النُّورُ (٢٠) وَلَا الظِّلُّ وَلَا الْحَرُورُ (٢١) وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاءُ وَلَا الْأَمْوَاتُ إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ (٢٢) إِنْ أَنْتَ إِلَّا نَذِيرٌ (٢٣) إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ﴾.
﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٢٥) أَنْ لَا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ (٢٦) فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مَا نَرَاكَ إِلَّا بَشَرًا مِثْلَنَا وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ (٢٧)﴾
يخبر تعالى عن نوح، ﵇ وكان أول رسول بعثه الله إلى أهل الأرض من المشركين عبدة الأصنام - أنه قال لقومه: ﴿إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ أي: ظاهر النذارة لكم من عذاب الله إن أنتم عبدتم غير الله، ولهذا قال: ﴿أَنْ لَا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ﴾ [] [¬٤]. ﴿إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ﴾ أي: إن استمررتم على ما أنتم عليه عذبكم الله عذابا أليمًا موجعًا شاقًّا في الدار الآخرة.
﴿فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ﴾ والملأ: هم السادة والكبراء من الكافرين منهم [﴿مَا نَرَاكَ إِلَّا بَشَرًا مِثْلَنَا﴾ أي: لست بملك ولكنك بشر، فكيف أوحي إليك من دوننا، ثم] [¬٥] ما نراك اتبعك إلا [الذين هم] [¬٦] أراذلنا، كالباعة والحاكة وأشباههم، ولم يتبعك الاشراف ولا الرؤساء منا [¬٧]، ثم هؤلاء الذين اتبعوك لم يكن عن تروٍّ منهم ولا فكر [¬٨] ولا نظر، بل بمجرد [¬٩] ما دعوتهم أجابوك فاتبعوك، ولهذا قالوا [¬١٠]: ﴿وَمَا [¬١١]
стр. 3387
نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ﴾ أي: في أول بادئ الرأي، [] [¬١] ﴿وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ﴾ يقولون: ما رأينا لكم علينا فضيلة في خَلْقٍ، ولا خلق ولا رزق ولا حال، لما دخلتم في دينكم هذا ﴿بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ﴾ أي: فيما تدعونه لكم من البر والصلاح والعبادة، والسعادة في الدار الآخرة إذا صرتم إليها.
هذا اعتراض الكافرين على نوح ﵇ وأتباعه، وذلك [¬٢] دليل على جهلهم وقلة علمهم وعقلهم، فإنه ليس بعار على الحق رذالة من اتبعه، فإن الحق في نفسه صحيح، سواء اتبعه الأشراف أو الأراذل، بل الحق الذي لا شك فيه: أن أتباع الحق هم الأشراف ولو كانوا فقراء، والذين يأبونه هم الأراذل ولو كانوا أغنياء، ثم الواقع غالبًا أن ما يتبع الحق ضعفاء الناس، والغالب على الأشراف والكبراء مخالفته، كما قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾، ولما سأل هرقل ملك الروم [أبا سفيان] [¬٣] صخر بن حرب عن صفات النبي، ﷺ ، قال له فيما قال: أشراف الناس اتبعوه أو ضعفاؤهم؟ قال: بل ضعفاؤهم. فقال هرقل: هم أتباع الرسل (٤٣).
وقولهم: ﴿بَادِيَ الرَّأْيِ﴾ ليس [¬٤] بمذمة ولا عيب؛ لأن الحق إذا وضح لا يبقى للرأي [¬٥]، ولا للفكر مجال، بل لا بد من اتباع الحق - والحالة هذه - لكل ذي زكاء وذكاء، بل [¬٦] لا يفكر هاهنا إلا عيي أو غبي، والرسل، صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، إنما جاءوا بأمر جلي واضح. وقد جاء في الحديث أن رسول الله، ﷺ ، قال (٤٤): " ما دعوت أحدًا إلى الإسلام إلا كانت له كبوة، غير أبي بكر، فإنه لم يتلعثم" أي: ما تردد ولا تروى؛ لأنه رَأى أمرًا جليًّا عظيمًا واضحًا فبادر إليه وسارع. وقوله [¬٧]: ﴿وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ﴾ هم لا يرون ذلك؛ لأنهم عُمْي عن الحق لا يسمعون ولا يبصرون، بل هم في ريبهم يترددون، في ظلمات الجهل يعمهون، وهم الأفاكون الكاذبون، الأقلون الأرذلون، وفي الآخرة هم الأخسرون.
﴿قَالَ يَاقَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتَانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنْتُمْ لَهَا كَارِهُونَ (٢٨)﴾
стр. 3388
يقول تعالى مخبرًا [عمَّا ردّ به] [¬١] نوح [] [¬٢] على قومه في ذلك ﴿أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي﴾ أي: على يقين وأمر جلي ونبوة صادقة، وهي الرحمة العظيمة من الله به وبهم ﴿فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ﴾ أي: خفيت عليكم فلم تهتدوا إليها، ولا عرفتم قدرها، بل بادرتم إلى تكذيبها وردها ﴿أَنُلْزِمُكُمُوهَا﴾ أي: نغصبكم بقبولها وأنتم لها كارهون.
﴿وَيَاقَوْمِ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مَالًا إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ وَلَكِنِّي أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ (٢٩) وَيَاقَوْمِ مَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ طَرَدْتُهُمْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (٣٠)﴾
يقول لقومه: لا أسألكم على نصحي لكم مالًا أجرة آخذها منكم، إنما أبتغي الأجر من [¬٣] الله ﴿وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ كأنهم طلبوا منه أن يطرد المؤمنين عنه احتشامًا ونفاسة منهم أن يجلسوا معهم، كما سأل أمثالهم خاتم [¬٤] الرسل، ﷺ ، أن يطرد عنهم جماعة من الضعفاء، ويجلس معهم مجلسًا خالصًّا، فأنزل الله تعالى: ﴿وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ﴾ الآية. [﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ [¬٥] يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ﴾] [¬٦] وقال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهَؤُلَاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ﴾ الآية.
﴿وَلَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ وَلَا أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ لَنْ يُؤْتِيَهُمُ اللَّهُ خَيْرًا اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا فِي أَنْفُسِهِمْ إِنِّي إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ (٣١)﴾
يخبرهم أنه رسول من الله، يدعو إلى عبادة الله وحده لا شريك له، بإذن الله له في ذلك، ولا يسألهم على ذلك أجرًا، بل هو يدعو من لقيه من شريف ووضيع، فمن استجاب له فقد نجا، ويخبرهم أنه لا [يقدر] [¬٧] على التصرف في خزائن الله، ولا يعلم
стр. 3389
من الغيب إلا ما أطلعه الله عليه، وليس هو بملك من الملائكة، بل هو بشر مرسل مؤيد بالمعجزات، ولا أقول عن هؤلاء الذين تحتقرونهم وتزدرونهم [: إنهم] [¬١] ليس لهم عند الله ثواب على أعمالهم، الله أعلم بما في أنفسهم، فإن كانوا مؤمنين باطنًا - كما هو الظاهر من حالهم - فلهم جزاء الحسنى، ولو قطع لهم أحد بشر بعد ما آمنوا لكان ظالمًا قائلًا ما لا علم له به.
﴿قَالُوا يَانُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٣٢) قَالَ إِنَّمَا يَأْتِيكُمْ بِهِ اللَّهُ إِنْ شَاءَ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ (٣٣) وَلَا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ هُوَ رَبُّكُمْ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٣٤)﴾
يقول تعالى مخبرًا عن استعجال قوم نوح نقمة الله وعذابه وسخطه - والبلاء موكل بالمنطق - ﴿قَالُوا يَانُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا﴾ أي: حاججتنا فأكثرت من ذلك، ونحن لا نتبعك ﴿فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا﴾ أي: من النقمة والعذاب، ادع علينا بما شئت فليأتنا ما تدعو به ﴿إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٣٢) قَالَ إِنَّمَا يَأْتِيكُمْ بِهِ اللَّهُ إِنْ شَاءَ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾ أي: إنما الذي يعاقبكم ويعجلها لكم الله الذي لا يعجزه شئ ﴿وَلَا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ﴾ أيْ [¬٢]: أَيُّ شيء يجدي عليكم إبلاغي لكم، وإنذاري إياكم ونصحي ﴿إِنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ﴾ أي [¬٣]: إغواءكم ودماركم ﴿هُوَ رَبُّكُمْ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ أي: هو مالك أزمة الأمور، المتصرف الحاكم العادل الذي لا يجور، له الخلق وله الأمر، وهو المبدئ المعيد، مالك الدنيا والآخرة.
﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَعَلَيَّ إِجْرَامِي وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تُجْرِمُونَ (٣٥)﴾
هذا كلام معترض في وسط هذه القصة مؤكد لها و [¬٤] مقرر شأنها [¬٥]، يقول تعالى [لنبيه محمد] [¬٦]، ﷺ : أم يقول هؤلاء الكافرون الجاحدون: افترى هذا
стр. 3390
وافتعله من عنده ﴿قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَعَلَيَّ إِجْرَامِي﴾ أي: فإثم ذلك على ﴿وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تُجْرِمُونَ﴾ أي: ليس ذلك مفتعلًا ولا مفترًى؛ لأني أعلم ما عند الله من العقوبة لمن كذب عليه.
﴿وَأُوحِيَ إِلَى نُوحٍ أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ فَلَا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (٣٦) وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ (٣٧) وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِنْ قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ قَالَ إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ (٣٨) فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُقِيمٌ (٣٩)﴾
يخبر تعالى أنه أوحى إلى نوح لما استعجل قومه نقمة الله بهم وعذابه لهم، فدعا عليهم نوح دعوته التى قال الله تعالى مخبرًا عنه أنه قال: ﴿رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا﴾، ﴿فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ﴾ فعند ذلك أوحى الله تعالى إليه: ﴿أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ﴾ فلا تحزن عليهم ولا يهمنك أمرهم.
﴿وَاصْنَعِ الْفُلْكَ﴾ يعني: السفينة ﴿بِأَعْيُنِنَا﴾ أي: بمرأًى منا ﴿وَوَحْيِنَا﴾ أي: وتعليمنا لك ماذا تصنعه ﴿وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ﴾.
فقال بعض السلف: أمره الله تعالى أن يغرز الخشب ويقطعه وييبسه، فكان ذلك في مائة سنة، ونجرها في مائة سنة أخرى، وقيل: في أربعين سنة، فالله أعلم.
وذكر محمد بن إسحاق عن التوراة، أن الله أمره أن يصنعها من خشب الساج، وأن يجعل طولها ثمانين ذراعًا، وعرضها خمسين ذراعًا، [وأن يطلي باطنها وظاهرها بالقار، وأن يجعل لها جؤجؤًا (٥) أزورًا يشق الماء.
وقال قتادة: كان طولها ثلثمائة ذراع فى عرض خمسين] [¬١].
وعن الحسن: طولها ستمائة ذراع، وعرضها ثلثمائة [ذراع] [¬٢].
стр. 3391
وعنه مع ابن عباس: طولها ألف ومائتا ذراع في عرض ستمائة.
وقيل: طولها ألفا ذراع وعرضها مائة ذراع، فالله أعلم.
قالوا كلهم: وكان ارتفاعها في السماء ثلاثين ذراعًا [¬١]، ثلاث طبقات كل طبقة عشرة أذرع، فالسفلى للدواب والوحوش، والوسطى للإِنس، والعليا للطيور، وكان بابها في عرضها، ولها غطاء من فوقها مطبق عليها.
وقد ذكر الإِمام أبو جعفر بن جرير أثرًا غريبًا (٤٥) من حديث على بن زيد بن جدعان، عن يوسف بن مهران، عن عبد الله بن عباس، أنه قال. قال الحواريون لعيسى ابن مريم: لو بعثت لنا رجلًا شهد السفينة فحدثنا عنها. قال: فانطلق بهم حتى انتهى [¬٢] بهم إلى كثيب من تراب، فأخذ كفًّا من ذلك التراب بكفه، قال [¬٣]: أتدرون ما هذا؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. قال هذا كعب حام بن نوح. قال: فضرب [¬٤] الكثيب بعصاه، قال: قم بإذن الله. فإذا هو قائم ينفض التراب عن رأسه قد شاب. قال له عيسى ﵇: هكذا [¬٥] هلكت؟ قال: لا، ولكني مت وأنا شاب، ولكنني ظننت أنها الساعة فمن ثم شبت. قال: حَدِّثْنَا عن سفينة نوح؟ قال: كان طولها ألف ذراع ومائتي ذراع، وعرضها ستمائة ذراع، وكانت ثلاث طبقات، فطبقة فيها الدواب والوحش [¬٦]، وطبقة فيها الإِنس، وطبقة فيها الطير، فلما كثر أرواث الدواب، أوحى الله إلى نوح ﵇ أن اغمز ذَنَبَ الفيل، فغمزه فوقع منه خنزير وخنزيرة فأقبلا على الروث، فلما وفع الفأر بخرز السفينة يقرضه [¬٧] وحبالها [¬٨]، أوحى الله [إلى نوح] [¬٩] أن اضرب بين
стр. 3392
عيني الأسد، فضرب [¬١] فخرج من منخره سِنَّوْر وسِنَّوْرة فأقبلا على الفأر. فقال له عيسى ﵇: كيف علم نوح أن البلاد قد غرقت؟ قال: بعث الغراب يأتيه بالخبر، فوجد جيفة فوفع عليها، فدعا عليه بالخوف فلذلك لا يألف البيوت. قال: ثم بعث الحمامة فجاءت بورق زيتون بمنقارها وطين برجليها، فعلم أن البلاد قد غرقت قال فطوقها الخضرة التي في عنقها، ودعا لها أن تكون في أنس وأمان، فمن ثم تألف البيوت. قال: فقلنا: يا رسول الله، ألا ننطلق به إلى أهلينا فيجلس معنا ويحدّثنا؟ قال: كيف يتبعكم من لا رزق له؟ قال: فقال له: عد بإذن الله، فعاد ترابًا.
وقوله: ﴿وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِنْ قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ﴾ أي: يطنزون (٥) به، ويكذبون [¬٢] بما يتوعدهم به من الغرق ﴿قَالَ إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ (٣٨) فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾. وعيد شديد وتهديد أكيد ﴿مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ﴾ أي: يهينه في الدنيا ﴿وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُقِيمٌ﴾ أي: دائم مستمر أبدًا [¬٣].
﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَمَنْ آمَنَ وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ (٤٠)﴾
هذه مواعدة [¬٤] من الله تعالى لنوح ﵇ إذا جاء أمر الله من الأمطار المتتابعة والهَتَّان الذي لا يقلع ولا يفتر، بل هو كما قال تعالى: ﴿فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ (١١) وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ (١٢) وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ (١٣) تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا جَزَاءً لِمَنْ كَانَ كُفِرَ﴾.
وأما قوله: ﴿وَفَارَ التَّنُّورُ﴾ فعن ابن عباس: التنور: وجه الأرض. أي: صارت الأرض عيونًا تفور، حتى فار الماء من التنانير التي هي مكان النار صارت تفور ماء، وهذا قول جمهور السلف وعلماء الخلف.
وعن علي بن أبى طالب ﵁: التنور: فلق الصبح، وتنوير الفجر وهو ضياؤه وإشراقه. والأول أظهر.
وقال مجاهد والشعبي: كان هذا التنور بالكوفة. وعن ابن عباس: عين بالهند. وعن قتادة: عين بالجزيرة يقال لها عين الوردة. وهذه أقوال غريبة.
стр. 3393
فحينئذ أمر الله نوحًا ﵇ أن يحمل معه في السفينة من كلٍّ زوجين اثنين [¬١] من صنوف المخلوقات ذوات الأرواح، قيل: وغيرها من النباتات اثنين: ذكرًا وأنثى، فقيل: كان أول من أدخل من الطور الدُّرَّة (٥)، وآخر من أدخل من الحيوانات الحمار، فدخل إبليس متعلقًا بذنبه، [فدخل بيده] [¬٢]، وجعل يريد أن ينهض فيثقله إبليس وهو متعلق بذنبه، فجعل يقول له نوح ﵇: مالك؟ ويحك! ادخل، فينهض ولا يقدر، فقال: ادخل وإن كان إبليس معك، فدخلا في السفينة.
وذكر [أبو عبيدة بن عبد الله بن مسعود] [¬٣] أنهم لم يستطعوا أن يحملوا معهم الأسد حتى ألقيت عليه الحمى.
وقال ابن أبي حاتم (٤٦): حدثنا أبي، حدثنا عبد الله بن صالح كاتب الليث، حدثني الليث، حدثني هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم، [عن أبيه] [¬٤] أن رسول الله، ﷺ ، قال: "لما حمل نوح في السفينة من كل زوجين اثنين قال أصحابه: وكيف [نطمئن أو تطمئن المواشي] ومعنا الأسد؟ فسلط الله عليه الحمى فكانت أول حمى نزلت في [¬٥] الأرض، ثم شكوا الفأرة فقالوا: الفويسقة تفسد علينا طعامنا ومتاعنا [¬٦]، فأوحى الله إلى الأسد فعطس فخرجت الهرة منه فتخبأت الفأرة منها.
وقوله: ﴿وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ﴾ أي: واحمل فيها أهلك - وهم أهل بيته وقرابته - إلا من سبق عليه القول منهم ممن [¬٧] لم يؤمن بالله، فكان منهم ابنه يام الذي انعزل وحده وامرأة نوح وكانت كافرة بالله ورسوله.
وقوله: ﴿وَمَنْ آمَنَ﴾ أي: من قومك ﴿وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ﴾ أي: نزر يسير مع طول المدة والمقام بين أظهرهم ألف سنة إلا خمسين عامًا، فعن ابن عباس: كانوا ثمانين
стр. 3394
نفسًا منهم نساؤهم، وعن كعب الأحبار كانوا اثنتين وسبعين نفسًا، وقيل: كانوا عشرة، وقيل: إنما كانوا نوح وبنوه الثلاثة: سام، وحام، ويافث، وكنائنه الأربع نساء هؤلاء الثلاثة [¬١]، وامرأة يام، [] [¬٢]، وقيل: بل امرأة نوح كانت معهم في السفينة، وهذا فيه نظر، بل الظاهر أنها هلكت؛ لأنها كانت على دين قومها، فأصابها ما أصابهم، كما أصاب امرأة لوط ما أصاب قومها، والله أعلم وأحكم.
﴿وَقَالَ ارْكَبُوا فِيهَا بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (٤١) وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَالْجِبَالِ وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ وَكَانَ فِي مَعْزِلٍ يَابُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنَا وَلَا تَكُنْ مَعَ الْكَافِرِينَ (٤٢) قَالَ سَآوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ قَالَ لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ (٤٣)﴾
يقول تعالى إخبارًا عن نوح ﵇ إنه قال للذين أمر بحملهم معه في السفينة: ﴿ارْكَبُوا فِيهَا بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا﴾ أي: باسم الله يكون جريها على وجه الماء، و [¬٣] باسم الله يكون منتهى سيرها وهو رسوّها، وقرأ أبو رجاء العطاردي ﴿بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا﴾.
وقال الله تعالى: ﴿فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ فَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَجَّانَا مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٢٨) وَقُلْ رَبِّ أَنْزِلْنِي مُنْزَلًا مُبَارَكًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ﴾؛ ولهذا تستحب التسمية في ابتداء الأمور عند الركوب على السفينة وعلى الدابة؛ كما قال تعالى: ﴿وَالَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ وَالْأَنْعَامِ مَا تَرْكَبُونَ (١٢) لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وَتَقُولُوا سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ (١٣) وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ﴾.
وجاءت السنة بالحث على ذلك والندب إليه، كما سيأتي فى سورة الزخرف إن شاء الله وبه الثقة.
стр. 3395
وقال أبو القاسم الطبراني (٤٧): [] [¬١] حدثنا إبراهيم بن هاشم البغوي، حدثنا محمد بن أبي بكر المقدمي.
وحدثنا زكريا بن يحيى الساجي، حدثنا محمد بن موسى الحرشي قالا: حدثنا. عبد الحميد بن الحسن الهلالي، عن نهشل بن سعيد، عن الضحاك بن مزاحم، عن ابن عباس، عن النبي، ﷺ ؛ قال: "أمان أمتي من الغرق إذا ركبوا في السفن أن يقولوا: باسم الله الملك ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (٦٧)﴾. ﴿بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾.
وقوله: ﴿إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ مناسب عند ذكر الانتقام من الكافرين بإغراقهم أجمعين، فذكر أنه غفور رحيم، كقوله: ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ وقال: ﴿وإن ربك لذو مغفرة للناس على ظلمهم وإن ربك لشديد العقاب﴾ إلى غير ذلك من الآيات التي يقرن [¬٢] فيها انتقامه ورحمته. وقوله: ﴿وهي تجري بهم في موج كالجبال﴾ أي: السفينة سائرة بهم على وجه الماء الذي قد طبق جميع الأرض حتى طفت على رءوس الجبال وارتفع عليها بخمسة عشر ذراعًا وقيل بثمانين ميلاً، وهذه السفينة جارية [¬٣]، على وجه الماء سائرة بإذن الله وتحت كنفه وعنايته وحراسته وامتنانه؛ كما قال تعالى: ﴿إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ (١١) لِنَجْعَلَهَا لَكُمْ تَذْكِرَةً وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ﴾ وقال تعالى: ﴿وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ (١٣) تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا جَزَاءً لِمَنْ كَانَ كُفِرَ (١٤) وَلَقَدْ تَرَكْنَاهَا آيَةً فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾.
وقوله: ﴿ونادى نوح ابنه وكان فى معزل يا بني اركب معنا ولا تكن مع الكافرين﴾ هذا هو الابن الرابع واسمه يام وكان كافرًا، دعاه أبوه عند ركوب السفينة أن يؤمن ويركب معهم ولا يغرق مثلما يغرق الكافرون ﴿قال: سآوي إلى جبل يعصمني من الماء﴾: قيل:
стр. 3396
إنه اتخذ له مركبًا من زجاج وهذا من الإسرائيليات، والله أعلم بصحته.
والذي نص عليه القرآن أنه قال: ﴿سآوي إلى جبل يعصمني من الماء﴾ اعتقد بجهله أن الطوفان لا يبلغ إلى رءوس الجبال، وأنه لو تعلق في رأس جبل لنجاه ذلك من الغرق، فقال له أبوه نوح ﵇: ﴿لا عاصم اليوم من أمر الله إلا من رحم﴾ أي: ليس شيء يعصم اليوم من أمر الله، وقيل: إن [¬١] عاصمًا بمعنى معصوم، كما يقال: طاعم وكاسٍ بمعنى مطعوم ومكسوّ ﴿وحال بينهما الموج فكان من المغرقين﴾.
﴿وَقِيلَ يَاأَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَيَاسَمَاءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْمَاءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٤٤)﴾
يخبر تعالى أنه لما غرق [¬٢] أهل الأرض كلهم [¬٣] إلا أصحاب السفينة، أمر الأرض أن تبلع ماءها الذي نبع منها واجتمع عليها، وأمر السماء أن تقلع عن المطر ﴿وغيض الماء﴾ أي: شرع في النقص ﴿وقضي الأمر﴾ أي: فرغ ميت أهل الأرض قاطبة، ممن كفر بالله و [¬٤] لم يبق منهم ديار ﴿واستوت﴾ السفينة بمن فيها ﴿على الجودي﴾ قال مجاهد: وهو جبل بالجزيرة، تشامخت الجبال يومئذ من الغرق وتطاولت، وتواضع هو لله فلم يغرق، وأرست عليه سفينة نوح ﵇.
وقال قتادة: استوت عليه شهرًا [¬٥] حتى نزلوا منها. قال قتادة: وقد أبقى الله سفينة نوح ﵇[على الجودي] [¬٦] [¬٧] من أرض الجزيرة عبرة وآية، حتى رآها أوائل هذه الأمة، وكم من سفينة قد كانت بعدها فهلكت وصارت رمادًا [¬٨].
وقال الضحاك: الجودي جبل بالموصل. وقال بعضهم: هو الطور.
وقال ابن أبي حاتم (٤٨): حدثنا أبي، حدثنا عمرو بن رافع، حدثنا محمد بن عبيد، عن توبة بن سالم [- ويقال أبو سالم -] [¬٩]، قال: رأيت زر بن حبيش يصلي في الزاوية
стр. 3397
حين يدخل من أبواب كندة على يمينك، فسألته: إنك لكثير الصلاة هاهنا يوم الجمعة. قال: بلغني أن سفينة نوح أرست من هاهنا.
وقال علباء [¬١] بن أحمر، عن عكرمة، عن ابن عباس؛ قال (٤٩): كان مع نوح في السفينة ثمانون رجلًا معهم أهلوهم، وإنهم كانوا [في السفينة] [¬٢] مائة وخمسين يومًا، وإن الله وجه السفينة إلى مكة، فدارت [¬٣] بالبيت أربعين يومًا، ثم وجهها الله إلى الجودي فاستقرت عليه، فبعث نوح الغراب ليأتيه بخبر الأرض، فذهب فوقع على الجيف فأبطأ عليه، فبعث الحمامة فأتته بورق الزيتون ولطخت [¬٤] رجليها بالطين، فعرف نوح ﵇ أن الماء قد نصّب، فهبط إلى أسفل الجودي، فابتنى قرية وسماها [¬٥] ثمانين.
فأصبحوا ذات يوم وقد تبلبلت ألسنتهم على ثمانين لغة، إحداها اللسان [¬٦] العربي، فكان بعضهم لا يفقه كلام بعض، فكان نوح ﵇ يعبر عنهم.
وقال كعب الأحبار: إن السفينة طافت ما بين المشرق والمغرب قبل أن تستقر على الجودي.
وقال قتادة وغيره: ركبوا في عاشر شهر رجب، فساروا مائة وخمسين يومًا، واستقرت بهم على الجودي شهرًا، وكان خروجهم من السفينة في يوم عاشوراء من المحرم. وقد ورد نحو هذا في حديث مرفوع رواه ابن جرير (٥٠).
وأنهم صاموا يومهم ذلك [¬٧]، والله أعلم.
стр. 3398
وقال الإِمام أحمد (٥١): حدثنا أبو جعفر، حدثنا عبد الصمد بن حبيب الأزدي، عن أبيه حبيب بن عبد الله، عن شُبَيل، عن أبي هريرة؛ قال: النبي، ﷺ ، بأناس من اليهود وقد صاموا يوم عاشوراء، فقال [¬١]: "ما هذا من [¬٢] الصوم؟ ". قالوا [¬٣]: هذا اليوم الذي نجى الله موسى وبني إسرائيل من الفرق وغرق فيه فرعون، وهذا هوم استوت فيه السفينة على الجودى، فصام [¬٤] نوح وموسى ﵉ شكرًا لله . فقال النبي، ﷺ : "أنا أحق بموسى وأحق بصوم هذا اليوم". فصام وقال لأصحابه: "من كان أصبح منكم صائمًا فليتم صومه، ومن كان أصاب من غذاء أهله فليتم بقية يومه".
وهذا حديث غريب من هذا الوجه، ولبعضه شاهد في الصحيح.
وقوله: ﴿وقيل بعدًا للقوم الظالمين﴾ أي: [هلاكًا وخسارا] [¬٥] لهم وبعدًا [¬٦] من رحمة الله، فإنهم قد هلكوا عن آخرهم فلم يبق لهم بقية.
وقد روى الإمام أبو جعفر بن جرير، والحبر أبو محمد بن أبي حاتم في تفسيرهما (٥٢) [¬٧]،
من حديث [موسى بن يعقوب] [¬٨] الزمعي، عن فائد مولى عبيد الله بن أبي رافع أن إبراهيم ابن عبد الرحمن بن أبي ربيعة، أخبره أن عائشة زوج النبي، ﵌، أخبرته أن النبي، ﷺ ، قال: "لو رحم الله من قوم نوح أحدًا لرحم أم الصبي". قال رسول الله، ﷺ : "كان نوح ﵇ مكث في قومه ألف سنة [إلا خمسين عامًا] [¬٩]، [يدعوهم إلى الله] (*) وغرس مائة
стр. 3399
سنة الشجر، فعظمت وذهبت كل مذهب، ثم قطعها، ثم جعلها سفينة، ويمرون عليه ويسخرون منه [¬١]، ويقولون: تعمل سفينة في البر فكيف تجري؟ قال: سوف تعلمون. فلما فرغ ونبع الماء وصار في السكك، خشيت أم الصبي عليه، وكانت تحبه حيًا شديدًا، فخرجت إلى الجبل حى بلغت ثلثه، [فلما بلغها الماء ارتفعت حتى بلغت ثلثيه] [¬٢]، فلما بلغها الماء خرجت به حتى استوت على الجبل، فلما بلغ الماء رقبتها رفعته بيدبها ففرقا، فلو رحم الله منهم أحدًا لرحم أم الصبي".
وهذا حديث غريب من بهذا الوجه، وقد روي عن كعب الأحبار ومجاهد بن جبر [¬٣] قصة هذا الصبي وأمه بنحو من هذا.
﴿وَنَادَى نُوحٌ رَبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ (٤٥) قَالَ يَانُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلَا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ (٤٦) قَالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٤٧)﴾
هذا سؤال استعلام وكشف من نوح ﵇ عن حال ولده الذي غرق ﴿قال: رب إن ابني من أهلي﴾ أي: وقد وعدتني بنجاة أهلي، ووعدك الحق الذي لا يخلف، فكيف غرق وأنت أحكم الحاكمين؟ ﴿قال يا نوح إنه ليس من أهلك﴾ أي: الذين وعدت إنجاءهم؛ لأني إنما وعدتك بنجاة من امن من أهلك، ولهذا قال: ﴿وأهلك
стр. 3400
إلا من سبق عليه القول منهم﴾ فكان هذا الولد ممن سبق عليه القول بالغرق؛ لكفره ومخالفته أباه نبي الله نوحًا ﵇.
وقد نصَّ غير واحد من الأئمة على تخطئة من ذهب في تفسير هذا إلى أنه ليس بابنه وإنما كان ابن زنية، ويحكى القول بأنه ليس بابنه وإنما كان ابن امرأته عن مجاهد والحسن، وعبيد بن عمير وأبي جعفر الباقر، وابن جريج، واحتج بعضهم بقوله: ﴿إنه عمل غير صالح﴾، وبقوله: ﴿فخانتاهما﴾ فممن قاله الحسن البصري: احتج بهاتين الآيتين، وبعضهم يقول: ابن امرأته، وهذا يحتمل أن يكون أراد ما أراد الحسن، أو أراد أنه نسب إليه مجازا، لكونه كان ربيبًا عنده، فالله أعلم.
وقال ابن عباس (٥٣) وغير واحد من السلف: ما زنت امرأة نبي قط. قال: وقوله: ﴿إنه ليس من أهلك﴾ أي: الذين وعدتك نجاتهم.
وقول ابن عباس في هذا هو الحق الذي لا محيد عنه، فإن الله تعالى أغير من أن يمكن من امرأة نبي هذه الفاحشة؛ لأنهذا غضب الله على الذين رموا أم المؤمنين عائشة بنت الصديق زوج النبي، ﷺ ، وأنكر على المؤمنين الذين تكلموا بهذا وأشاعوه، ولهذا قال تعالى: ﴿إن الذين جاءوا بالإفك عصبة منكم لا تحسبوه شرا لكم بل هو خير لكم لكل امرئ منهم ما اكتسب من الإثم والذي تولى كبره منهم له عذاب عظيم﴾ إلى قوله: ﴿إذ تلقونه بألسنتكم وتقولون بأفواهكم ما ليس لكم به علم وتحسبونه هينًا وهو عند الله عظيم﴾.
وقال عبد الرزاق (٥٤): أخبرنا معمر، عن قتادة وغيره، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: هو ابنه غير أنه خالفه في العمل والنية. قال عكرمة في بعض الحروف: إنه عمل عملًا غير صالح. والخيانة تكون على غير باب.
وقد ورد في الحديث أن رسول الله، ﵌، قرأ بذلك، فقال الإمام أحمد (٥٥): حدثنا يزيد بن هارون، ثنا حماد بن سلمة، عن ثابت، عن شهر بن