إنه اتخذ له مركبًا من زجاج وهذا من الإسرائيليات، والله أعلم بصحته.
والذي نص عليه القرآن أنه قال: ﴿سآوي إلى جبل يعصمني من الماء﴾ اعتقد بجهله أن الطوفان لا يبلغ إلى رءوس الجبال، وأنه لو تعلق في رأس جبل لنجاه ذلك من الغرق، فقال له أبوه نوح ﵇: ﴿لا عاصم اليوم من أمر الله إلا من رحم﴾ أي: ليس شيء يعصم اليوم من أمر الله، وقيل: إن [¬١] عاصمًا بمعنى معصوم، كما يقال: طاعم وكاسٍ بمعنى مطعوم ومكسوّ ﴿وحال بينهما الموج فكان من المغرقين﴾.
﴿وَقِيلَ يَاأَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَيَاسَمَاءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْمَاءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٤٤)﴾
يخبر تعالى أنه لما غرق [¬٢] أهل الأرض كلهم [¬٣] إلا أصحاب السفينة، أمر الأرض أن تبلع ماءها الذي نبع منها واجتمع عليها، وأمر السماء أن تقلع عن المطر ﴿وغيض الماء﴾ أي: شرع في النقص ﴿وقضي الأمر﴾ أي: فرغ ميت أهل الأرض قاطبة، ممن كفر بالله و [¬٤] لم يبق منهم ديار ﴿واستوت﴾ السفينة بمن فيها ﴿على الجودي﴾ قال مجاهد: وهو جبل بالجزيرة، تشامخت الجبال يومئذ من الغرق وتطاولت، وتواضع هو لله فلم يغرق، وأرست عليه سفينة نوح ﵇.
وقال قتادة: استوت عليه شهرًا [¬٥] حتى نزلوا منها. قال قتادة: وقد أبقى الله سفينة نوح ﵇[على الجودي] [¬٦] [¬٧] من أرض الجزيرة عبرة وآية، حتى رآها أوائل هذه الأمة، وكم من سفينة قد كانت بعدها فهلكت وصارت رمادًا [¬٨].
وقال الضحاك: الجودي جبل بالموصل. وقال بعضهم: هو الطور.
وقال ابن أبي حاتم (٤٨): حدثنا أبي، حدثنا عمرو بن رافع، حدثنا محمد بن عبيد، عن توبة بن سالم [- ويقال أبو سالم -] [¬٩]، قال: رأيت زر بن حبيش يصلي في الزاوية
стр. 3397
حين يدخل من أبواب كندة على يمينك، فسألته: إنك لكثير الصلاة هاهنا يوم الجمعة. قال: بلغني أن سفينة نوح أرست من هاهنا.
وقال علباء [¬١] بن أحمر، عن عكرمة، عن ابن عباس؛ قال (٤٩): كان مع نوح في السفينة ثمانون رجلًا معهم أهلوهم، وإنهم كانوا [في السفينة] [¬٢] مائة وخمسين يومًا، وإن الله وجه السفينة إلى مكة، فدارت [¬٣] بالبيت أربعين يومًا، ثم وجهها الله إلى الجودي فاستقرت عليه، فبعث نوح الغراب ليأتيه بخبر الأرض، فذهب فوقع على الجيف فأبطأ عليه، فبعث الحمامة فأتته بورق الزيتون ولطخت [¬٤] رجليها بالطين، فعرف نوح ﵇ أن الماء قد نصّب، فهبط إلى أسفل الجودي، فابتنى قرية وسماها [¬٥] ثمانين.
فأصبحوا ذات يوم وقد تبلبلت ألسنتهم على ثمانين لغة، إحداها اللسان [¬٦] العربي، فكان بعضهم لا يفقه كلام بعض، فكان نوح ﵇ يعبر عنهم.
وقال كعب الأحبار: إن السفينة طافت ما بين المشرق والمغرب قبل أن تستقر على الجودي.
وقال قتادة وغيره: ركبوا في عاشر شهر رجب، فساروا مائة وخمسين يومًا، واستقرت بهم على الجودي شهرًا، وكان خروجهم من السفينة في يوم عاشوراء من المحرم. وقد ورد نحو هذا في حديث مرفوع رواه ابن جرير (٥٠).
وأنهم صاموا يومهم ذلك [¬٧]، والله أعلم.
стр. 3398
وقال الإِمام أحمد (٥١): حدثنا أبو جعفر، حدثنا عبد الصمد بن حبيب الأزدي، عن أبيه حبيب بن عبد الله، عن شُبَيل، عن أبي هريرة؛ قال: النبي، ﷺ ، بأناس من اليهود وقد صاموا يوم عاشوراء، فقال [¬١]: "ما هذا من [¬٢] الصوم؟ ". قالوا [¬٣]: هذا اليوم الذي نجى الله موسى وبني إسرائيل من الفرق وغرق فيه فرعون، وهذا هوم استوت فيه السفينة على الجودى، فصام [¬٤] نوح وموسى ﵉ شكرًا لله . فقال النبي، ﷺ : "أنا أحق بموسى وأحق بصوم هذا اليوم". فصام وقال لأصحابه: "من كان أصبح منكم صائمًا فليتم صومه، ومن كان أصاب من غذاء أهله فليتم بقية يومه".
وهذا حديث غريب من هذا الوجه، ولبعضه شاهد في الصحيح.
وقوله: ﴿وقيل بعدًا للقوم الظالمين﴾ أي: [هلاكًا وخسارا] [¬٥] لهم وبعدًا [¬٦] من رحمة الله، فإنهم قد هلكوا عن آخرهم فلم يبق لهم بقية.
وقد روى الإمام أبو جعفر بن جرير، والحبر أبو محمد بن أبي حاتم في تفسيرهما (٥٢) [¬٧]،
من حديث [موسى بن يعقوب] [¬٨] الزمعي، عن فائد مولى عبيد الله بن أبي رافع أن إبراهيم ابن عبد الرحمن بن أبي ربيعة، أخبره أن عائشة زوج النبي، ﵌، أخبرته أن النبي، ﷺ ، قال: "لو رحم الله من قوم نوح أحدًا لرحم أم الصبي". قال رسول الله، ﷺ : "كان نوح ﵇ مكث في قومه ألف سنة [إلا خمسين عامًا] [¬٩]، [يدعوهم إلى الله] (*) وغرس مائة
стр. 3399
سنة الشجر، فعظمت وذهبت كل مذهب، ثم قطعها، ثم جعلها سفينة، ويمرون عليه ويسخرون منه [¬١]، ويقولون: تعمل سفينة في البر فكيف تجري؟ قال: سوف تعلمون. فلما فرغ ونبع الماء وصار في السكك، خشيت أم الصبي عليه، وكانت تحبه حيًا شديدًا، فخرجت إلى الجبل حى بلغت ثلثه، [فلما بلغها الماء ارتفعت حتى بلغت ثلثيه] [¬٢]، فلما بلغها الماء خرجت به حتى استوت على الجبل، فلما بلغ الماء رقبتها رفعته بيدبها ففرقا، فلو رحم الله منهم أحدًا لرحم أم الصبي".
وهذا حديث غريب من بهذا الوجه، وقد روي عن كعب الأحبار ومجاهد بن جبر [¬٣] قصة هذا الصبي وأمه بنحو من هذا.
﴿وَنَادَى نُوحٌ رَبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ (٤٥) قَالَ يَانُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلَا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ (٤٦) قَالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٤٧)﴾
هذا سؤال استعلام وكشف من نوح ﵇ عن حال ولده الذي غرق ﴿قال: رب إن ابني من أهلي﴾ أي: وقد وعدتني بنجاة أهلي، ووعدك الحق الذي لا يخلف، فكيف غرق وأنت أحكم الحاكمين؟ ﴿قال يا نوح إنه ليس من أهلك﴾ أي: الذين وعدت إنجاءهم؛ لأني إنما وعدتك بنجاة من امن من أهلك، ولهذا قال: ﴿وأهلك
стр. 3400
إلا من سبق عليه القول منهم﴾ فكان هذا الولد ممن سبق عليه القول بالغرق؛ لكفره ومخالفته أباه نبي الله نوحًا ﵇.
وقد نصَّ غير واحد من الأئمة على تخطئة من ذهب في تفسير هذا إلى أنه ليس بابنه وإنما كان ابن زنية، ويحكى القول بأنه ليس بابنه وإنما كان ابن امرأته عن مجاهد والحسن، وعبيد بن عمير وأبي جعفر الباقر، وابن جريج، واحتج بعضهم بقوله: ﴿إنه عمل غير صالح﴾، وبقوله: ﴿فخانتاهما﴾ فممن قاله الحسن البصري: احتج بهاتين الآيتين، وبعضهم يقول: ابن امرأته، وهذا يحتمل أن يكون أراد ما أراد الحسن، أو أراد أنه نسب إليه مجازا، لكونه كان ربيبًا عنده، فالله أعلم.
وقال ابن عباس (٥٣) وغير واحد من السلف: ما زنت امرأة نبي قط. قال: وقوله: ﴿إنه ليس من أهلك﴾ أي: الذين وعدتك نجاتهم.
وقول ابن عباس في هذا هو الحق الذي لا محيد عنه، فإن الله تعالى أغير من أن يمكن من امرأة نبي هذه الفاحشة؛ لأنهذا غضب الله على الذين رموا أم المؤمنين عائشة بنت الصديق زوج النبي، ﷺ ، وأنكر على المؤمنين الذين تكلموا بهذا وأشاعوه، ولهذا قال تعالى: ﴿إن الذين جاءوا بالإفك عصبة منكم لا تحسبوه شرا لكم بل هو خير لكم لكل امرئ منهم ما اكتسب من الإثم والذي تولى كبره منهم له عذاب عظيم﴾ إلى قوله: ﴿إذ تلقونه بألسنتكم وتقولون بأفواهكم ما ليس لكم به علم وتحسبونه هينًا وهو عند الله عظيم﴾.
وقال عبد الرزاق (٥٤): أخبرنا معمر، عن قتادة وغيره، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: هو ابنه غير أنه خالفه في العمل والنية. قال عكرمة في بعض الحروف: إنه عمل عملًا غير صالح. والخيانة تكون على غير باب.
وقد ورد في الحديث أن رسول الله، ﵌، قرأ بذلك، فقال الإمام أحمد (٥٥): حدثنا يزيد بن هارون، ثنا حماد بن سلمة، عن ثابت، عن شهر بن
стр. 3401
حوشب، عن أسماء بنت يزيد قالت: سمعت رسول الله، ﵌، يقرأ: (إنه عَمِل غير صالح) وسمعته يقول: (يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله ان الله يغفر الذنوب جميعًا ولا يبالي إنّه هو الغفور الرحيم).
وقال أحمد أيضًا (٥٦): ثنا وكيع، ثنا هارون النحوي، عن ثابت البناني، عن شهر بن حوشب، عن أم سلمة: أن رسول الله، ﷺ ، قرأها: (إنّه عَمِل غير صالح).
أعاده أحمد أيضًا في مسند أم سلمة هي أم المؤمنين، والظاهر - والله أعلم - أنها أسماء بنت يزيد، فإنها تكنى بذلك أيضًا.
وقال عبد الرزاق أيضًا (٥٧): أنا الثوري وابن عيينة، عن موسى بن أبي عائشة، عن سليمان بن قتة قال: سمعت ابن عباس سئل - وهو إلى جنب الكعبة - عن قول الله: ﴿فخانتاهما﴾ قال: أما إنّه لم يكن بالزنا، ولكن كانت هذه تخبر الناس أنه مجنون، وكانت هذه تدل على الأضياف، ثم قرأ ﴿إنه عمل غير صالح﴾. قال ابن عيينة: وأخبرني عمار الدهني أنه سأل سعيد بن جبير عن ذلك فقال: كان ابن نوح، إن الله لا يكذب، قال تعالى: ﴿ونادى نوح ابنه﴾. قال: وقال بعض العلماء: ما فجرت امرأة نبي قط.
وكذا روي عن مجاهد أيضًا، وعكرمة، والضحاك، وميمون بن مهران، وثابت بن الحجاج، وهو اختيار أبي جعفر بن جرير، وهو الصواب الذي لا شك فيه.
стр. 3402
﴿قِيلَ يَانُوحُ اهْبِطْ بِسَلَامٍ مِنَّا وَبَرَكَاتٍ عَلَيْكَ وَعَلَى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسُّهُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ (٤٨)﴾
يخبر تعالى عما قيل لنوح ﵇ حين أرست السفينة على الجودي، من السلام عليه وعلى من معه من المؤمنين، وعلى كل مؤمن من ذريته إلى يوم القيامة، كما قال محمد بن كعب: دخل في هذا السلام كل مؤمن ومؤمنة إلى يوم القيامة، وكذلك في العذاب والمتاع كل كافر وكافرة إلى يوم القيامة.
وقال محمد بن إسحاق (٥٨): لما أراد الله أن يكف الطوفان أرسل ريحًا على وجه الأرض، فسكن الماء وانسدت ينابيع الأرض الغمر الأكبر وأبواب السماء، يقول الله تعالى: ﴿وقيل يا أرض ابلعي ماءك﴾ الآية. فجعل الماء ينقص ويغيض وبدبر، وكان استواء الفلك على الجودي - فيما يزعم أهل التوراة - في الشهر السابع لسبع عشرة ليلة مضت منه، وفي أول يوم من الشهر العاشر رأى رءوس الجبال، فلما مضى بعد ذلك أربعون يومًا فتح نوع كوة الفُلكِ التي ركب فيها، ثم أرسل الغراب لينظر له ما صنع الماء فلم يرجع إليه، فأرسل الحمامة فرجعت إليه لم تجد لرجليها موضعًا، فبسط يده للحمامة فأخذها فأدخلها، ثم مضى سبعة أيام ثم أرسلها لتنظر له، فرجعت حين أمست وفي فيها ورق زيتون، فعلم نوح أن الماء قد قل عن وجه الأرض، ثم مكث سبعة أيام ثم أرسلها فلم ترجع، فعلم نوح أن الأرض قد برزت، فلما كملت السنة فيما بين أن أرسل الله الطوفان إلى أن أرسل نوع الحمامة، ودخل يوم واحد من الشهر الأول من سنة اثنتين، برز وجه الأرض وظهر اليبس، وكشف نوح غطاء الفلك، وفي الشهر الثاني من سنة اثنتين في سبع وعشرسن ليلة منه ﴿قيل يا نوح اهبط بسلام منا﴾ الآية.
﴿تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلَا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ (٤٩)﴾
يقول تعالى لنبيه، ﷺ : هذه القصة وأشباهها ﴿من أنباء الغيب﴾ يعني من أخبار الغيوب السالفة نوحيها إليك على وجهها كأنك شاهدها ﴿نوحيها إليك﴾ أي: نعلمك بها وحيًا منا إليك ﴿ما كنت تعلمها أنت ولا قومك من قبل هذا﴾ أي: لم يكن عندك ولا عند أحد من قومك علم بها، حتى يقول من يكذبك: إنك تعلمتها منه، بل أخبرك الله بها مطابقة لما كان عليه الأمر الصحيح، كما تشهد به كتب الأنبياء قبلك،
стр. 3403
فاصبر على تكذيب من كذبك من قومك وأذاهم لك، فإنا سننصرك ونحوطك بعنايتنا، ونجعل العاقبة لك ولأتباعك فى الدنيا والآخرة، كما فعلنا بالمرسلين حيث نصرناهم على أعدائهم ﴿إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا﴾ الآية.: قال تعالى: ﴿ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين إنهم لهم المنصورون﴾ الآية.: قال تعالى: ﴿فاصبر إن العاقبة للمتقين﴾.
﴿وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا مُفْتَرُونَ (٥٠) يَاقَوْمِ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى الَّذِي فَطَرَنِي أَفَلَا تَعْقِلُونَ (٥١) وَيَاقَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ وَلَا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ (٥٢)﴾
يقول تعالى ﴿و﴾ لقد أرسلنا ﴿إلى عاد أخاهم هودًا﴾ آمرًا لهم بعبادة الله وحده لا شريك له، ناهيًا لهم عن الأوثان التي افتروها، واختلقوا لها أسماء الآلهة، وأخبرهم أنه لا يريد منهم أجرة على هذا النصح والبلاغ من الله، إنما يبغي ثوابه من الله الذي فطره. ﴿أفلا تعقلون﴾ من يدعوكم إلى ما يصلحكم في الدنيا والآخرة من غير أجرة.
ثم أمرهم بالاستغفار الذي فيه تكفير الذنوب السالفة، وبالتوبة عما يستقبلون، ومن اتصف بهذه الصفة يسر الله عليه رزقه، وسهل عليه أمره، وحفظ شأنه، ولهذا قال: ﴿يرسل السماء عليكم مدرارًا﴾. وفي الحديث (٥٩): " من لزم الاستغفار، جعل الله له من كل همَّ فرجًا، ومن كل ضيقٍ مخرجًا، ورزقه من حيثُ لا يحتسب".
﴿قَالُوا يَاهُودُ مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِي آلِهَتِنَا عَنْ قَوْلِكَ وَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ (٥٣) إِنْ نَقُولُ إِلَّا اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ قَالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ﴾
стр. 3404
﴿وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (٥٤) مِنْ دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لَا تُنْظِرُونِ (٥٥) إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٥٦)﴾
يخبر تعالى أنهم قالوا لنبيهم: ﴿ما جئنتا ببينة﴾ أي: بحجة وبرهان على ما تدعيه ﴿وما نحن بتاركي آلهتنا عن قولك﴾ أي: بمجرد قولك اتركوهم نتركهم ﴿وما نحن لك بمؤمنين﴾ بمصدقن ﴿إن نقول إلا اعتراك بعض آلهتنا بسوء﴾ يقولون: ما نظن إلا أن بعض الآلهة أصابك بجنون وخبل في عقلك؛ بسبب نهيك عن عبادتها وعيبك لها ﴿قال إني أشهد الله واشهدوا أني بريء مما تشركون * من دونه﴾ يقول: إني بريء من جميع الأنداد والأصنام ﴿فكيدوني جميعًا﴾ أي: أنتم وآلهتكم إن كانت حقّا ﴿ثم لا تنظرون﴾ أي: طرفة عين.
وقوله: ﴿إني توكلت على الله ربي وربكم ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها﴾ أي: تحت قهره وسلطانه، وهو الحاكم العادل الذي لا يجوز في حكمه، فإنه على صراط مستقيم.
قال الوليد بن مسلم، عن صفوان بن عمرو، عن أيفع بن عبد الكلاعي (٦٠): أنه قال في قوله تعالى: ﴿ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها إن ربي على صراط مستقيم﴾ قال: فيأخذ بنواصي عباده [فيلقن المؤمن] [¬١] حتى يكون له ألين من الوالد لولده، ويقال للكافر ﴿ما غرك بربك الكريم﴾.
وقد تضمن هذا المقام حجة بالغة ودلالة قاطعة على صدق ما جاءهم به، وبطلان ما هم عليه من عبادة الأصنام، التي لا تنفع ولا تضر، بل هي جماد لا تسمع ولا تبصر، ولا توالي ولا تعادي، وإنما يستحق إخلاص العبادة الله وحده لا شريك له، الذي بيده الملك وله التصرف، وما من شيء إلا تحت ملكه وقهره وسلطانه، فلا إله إلّا هو ولا رب سواه.
стр. 3405
﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ مَا أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَيْكُمْ وَيَسْتَخْلِفُ رَبِّي قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّونَهُ شَيْئًا إِنَّ رَبِّي عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ (٥٧) وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا هُودًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَنَجَّيْنَاهُمْ مِنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ (٥٨) وَتِلْكَ عَادٌ جَحَدُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَعَصَوْا رُسُلَهُ وَاتَّبَعُوا أَمْرَ كُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ (٥٩) وَأُتْبِعُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا إِنَّ عَادًا كَفَرُوا رَبَّهُمْ أَلَا بُعْدًا لِعَادٍ قَوْمِ هُودٍ﴾ [هود: ٥٧ - ٦٠]
يقول لهم هود: فإن تولوا عما جئتكم به من عبادة الله ربكم وحده لا شريك له، فقد قامت عليكم الحجة بإبلاغي إياكم رسالة الله التي بعثني بها ﴿وَيَسْتَخْلِفُ رَبِّي قَوْمًا غَيْرَكُمْ﴾ يعبدونه وحده لا يشركون به، ولا يبالي بكم، فإنكم لا تضرونه بكفركم، بل يعود وبال ذلك عليكم ﴿إِنَّ رَبِّي عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ﴾ أي: شاهد وحافظ لأقوال عباده وأفعالهم، ويجزيهم عليها إن خيرًا فخير، وإن شرًّا فشر ﴿وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا﴾ وهو الريح العقيم فأهلكهم الله عن آخرهم، ونجى هودًا وأتباعه من عذاب غليظ برحمته تعالى ولطفه.
﴿وَتِلْكَ عَادٌ جَحَدُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ﴾ كفروا بها، وعصوا رسل الله، وذلك أن من كفر بنبي فقد كفر بجميع الأنبياء؛ لأنه لا فرق بين أ حد منهم في وجوب الإيمان به، فعاد كفروا بهود فنزل كفرهم منزلة من كفر بجميع الرسل ﴿وَاتَّبَعُوا أَمْرَ كُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ﴾ تركوا اتباع رسولهم الرشيد، واتبعو أمر كل جبار عنيد، فلهذا أتبعوا في هذه الدنيا لعنة من الله، ومن العباد المؤمنين كلما ذكروا، وينادى عليهم يوم القيامة على رءوس الأشهاد ﴿أَلَا إِنَّ عَادًا كَفَرُوا رَبَّهُمْ﴾. الآية.
قال السدي: ما بعث نبي بعد عاد إلا لعنوا على لسانه.
﴿وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ﴾
يقول تعالى: ولقد أرسلنا إلى ثمود، وهم الذين كانوا يسكنون مدائن الحجر بين تبوك
_________
стр. 3406
والمدينة، وكانوا بعد عاد، فبعث الله منهم أخاهم صالحاً، فأمرهم بعبادة الله وحده؛ ولهذا قال: ﴿هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ﴾ أي: ابتدأ خلقكم منها، خلق منها أباكم آدم ﴿وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا﴾ أي: جعلكم عمارًا تعمرونها وتستغلونها ﴿فَاسْتَغْفِرُوهُ﴾ لسالف ذنوبكم ﴿ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ﴾ فيما تستقبلونه ﴿إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ﴾، كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾. الآية.
﴿قَالُوا يَاصَالِحُ قَدْ كُنْتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَذَا أَتَنْهَانَا أَنْ نَعْبُدَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا وَإِنَّنَا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ (٦٢) قَالَ يَاقَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتَانِي مِنْهُ رَحْمَةً فَمَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ عَصَيْتُهُ فَمَا تَزِيدُونَنِي غَيْرَ تَخْسِيرٍ﴾
يذكر تعالى ما كان من الكلام بين صالح ﵇ وبين قومه، وما كان عليه قومه من الجهل والعناد في قولهم ﴿قَدْ كُنْتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَذَا﴾ أي: كنا نرجوك في عقلك قبل أن تقول ما قلت ﴿أَتَنْهَانَا أَنْ نَعْبُدَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا﴾ وما كان عليه أسلافنا ﴿وَإِنَّنَا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ﴾ أي: شك كثير.
﴿قَالَ يَاقَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي﴾ فيم أرسلني به إليكم على يقين وبرهان ﴿وَآتَانِي مِنْهُ رَحْمَةً فَمَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ عَصَيْتُهُ﴾ وتركت دعوتكم إلى الحق وعبادة اللَّه وحده، فلو تركته لما نفعتموني ولما زدتموني ﴿غَيْرَ تَخْسِيرٍ﴾ أي: خسارة.
﴿وَيَاقَوْمِ هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ قَرِيبٌ (٦٤) فَعَقَرُوهَا فَقَالَ تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ ذَلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ (٦٥) فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا صَالِحًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ (٦٦) وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ (٦٧) كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا أَلَا إِنَّ ثَمُودَ كَفَرُوا رَبَّهُمْ أَلَا بُعْدًا لِثَمُودَ﴾
تقدم الكلام عليها في سورة الأعراف بما أغنى عن إعادته، فلله الحمد والمنة.
стр. 3407
﴿وَلَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى قَالُوا سَلَامًا قَالَ سَلَامٌ فَمَا لَبِثَ أَنْ جَاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ (٦٩) فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لَا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُوا لَا تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمِ لُوطٍ (٧٠) وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ (٧١) قَالَتْ يَاوَيْلَتَى أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ (٧٢) قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ﴾ [هود: ٦٩ - ٧٣]
يقول تعالى: ﴿وَلَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُنَا﴾ وهم الملائكة ﴿إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى﴾ قيل: تبشره بإسحاق، وقيل: بهلاك قوم لوط، ويشهد للأول قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الرَّوْعُ وَجَاءَتْهُ الْبُشْرَى يُجَادِلُنَا فِي قَوْمِ لُوطٍ (٧٤)﴾. ﴿قَالُوا سَلَامًا قَالَ سَلَامٌ﴾ أي: عليكم.
قال علماء البيان: هذا أحسن مما حيَّوه به؛ لأن الرفع يدل على الثبوت والدوام.
﴿فَمَا لَبِثَ أَنْ جَاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ﴾ أي: ذهب سريعًا فأتاهم بالضيافة، وهو عجل؛ فتى البقر، حنيذ: مشوي على الرضف وهي الحجارة المحماة.
هذا معنى ما روي عن ابن عباس وقتادة وغير واحد، كما قال في الآية الأخرى: ﴿فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ (٢٦) فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ قَالَ أَلَا تَأْكُلُونَ﴾.
وقد تضمنت هذه الآية آداب الضيافة من وجوه كثيره.
وقوله: ﴿فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لَا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ﴾ تنكرهم ﴿وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً﴾ وذلك أن الملائكة لا همة لهم إلى الطعام، ولا يشتهونه ولا يأكلونه، فلهذا رأى حالهم معرضين عما جاءهم به، فارغين عنه بالكلية، فعند ذلك نكرهم ﴿وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً﴾.
قال السدي: لما بعث الله الملائكة لقوم لوط، أقبلت تمشي في صور رجال شبان، حتى نزلوا على إبراهيم فتضيفوه، فلما رآهم أجَلَّهم ﴿فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ﴾ فذبحه، ثم شواه في الرضف، وأتاهم به فقعد معهم، وقامت سارة تخدمهم، فذلك حين يقول: (وامرأته قائمة وهو جالس) - في قراءة ابن مسعود - ﴿فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ قَالَ أَلَا تَأْكُلُونَ﴾ قالوا: يا إبراهيم إنا لا نأكل طعامًا إلا بثمن. قال: فإن لهذا ثمنًا. قالوا: وما
стр. 3408
ثمنه؟ قال: تذكرون اسم الله على أوله وتحمدونه على آخره. فنظر جبريل إلى ميكائيل فقال: حُقَّ لهذا أن يتخذه ربه خليلاً. ﴿فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لَا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ﴾ يقول: فلما رآهم لا يأكلون فزع منهم وأوجس منهم خيفة، فلما نظرت إليه سارة أنه قد أكرمهم، وقامت هي تخدمهم ضحكت وقالت: عجبًا لأضيافنا هؤلاء نخدمهم بأنفسنا كرامة لهم، وهم لا يأكلون طعامنا!.
وقال ابن أبي حاتم (٦١): حدثنا على بن الحسين، ثنا نصر بن علي، ثنا نوح بن قيس، عن عثمان بن محصن، في ضيف إبراهيم قال: كانوا أربعة: جبريل، وميكائيل، وإسرافيل، ورفائيل. قال نوح بن قيس: فزعم عون [¬١] بن أبي شداد أنه لما دخلوا على إبراهيم، فقرّب إليهم العجل، مسحه جبريل بجناحيه، فقام يدرج حتى لحق بأمه وأم العجل في الدار.
وقوله تعالى إخبارًا عن الملائكة: ﴿قَالُوا لَا تَخَفْ﴾ أي: قالوا: لا تخف منا، إنا ملائكة أرسلنا إلى قوم لوط لنهلكهم، فضحكت سارًة استبشارًا بهلاكهم لكثرة فسادهم وغلظ كفرهم وعنادهم؛ فلهذا جوزيت بالبشارة بالولد بعد الإياس.
وقال قتادة: ضحكت وعجبت أن قومًا يأتيهم العذاب وهم في غفلة.
وقوله: ﴿وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ﴾ قال العوفي، عن ابن عباس ﴿فَضَحِكَتْ﴾ أي: حاضت.
وقول محمد بن قيس: إنها إنما ضحكت من أنها ظنت أنهم يريدون أن يعملوا كما يعمل قوم لوط. وقول الكلبي: إنها إنما ضحكت لما رأت من الروع بإبراهيم - ضعيفان جدًّا. وإن كان ابن جرير قد رواهما بسنده إليهما، فلا يلتفت إلى ذلك، والله أعلم.
وقال وهب بن منبه: إنما ضحكت لما بشرت بإسحاق. وهذا مخالف لهذا السياق؛ فإن البشارة صريحة مرتبة على ضحكها.
﴿فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ﴾ أي: بولد لها يكون له ولد وعقب ونسل، فإن يعقوب ولد إسحاق، كما قال فى سورة البقرة: ﴿أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾.
стр. 3409
ومن هاهنا استدل من استدل بهذه الآية على أن الذبيح إنما هو إسماعيل، وأنه يمتنع أن يكون إسحاق؛ لأنه وقعت البشارة به وأنه سيولد له يعقوب، فكيف يؤمر إبراهيم بذبحه وهو طفل صغير، ولم يولد له بعد يعقوب الموعود بوجوده، ووعد الله حق لا خلف فيه، فيمتنع أن يؤمر بذبع هذا والحالة هذه، فتعين أن يكون هو إسماعيل، وهذا من أحسن الاستدلال وأصحه وأبينه، ولله الحمد.
﴿قَالَتْ يَاوَيْلَتَى أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا﴾ الآية. حكى قولها في هذه الآية كما حكى فعلها في الآية الأخرى، فإنها ﴿قَالَتْ يَاوَيْلَتَى أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ﴾، وفي الذاريات: ﴿فَأَقْبَلَتِ امْرَأَتُهُ فِي صَرَّةٍ فَصَكَّتْ وَجْهَهَا وَقَالَتْ عَجُوزٌ عَقِيمٌ﴾ كما جرت به عادة النساء في أقوالهن وأفعالهن عند التعجب ﴿قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ أي: قالت الملائكة لها: لا تعجبي من أمر الله، فإنه إذا أراد شيئًا أن يقول له: كن؛ فيكون. فلا تعجبي من هذا وإن كنت عجوزًا عقيمًا وبعلك شيخًا كبيرًا، فإن الله على ما يشاء قدير.
﴿رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ﴾ أي: هو الحميد في جميع أفعاله وأقواله، محمود ممجد في صفاته وذاته؛ ولهذا ثبت في الصحيحين (٦٢) أنهم قالوا: قد علمنا السلام عليك فكيف الصلاة عليك يا رسول الله؟ قال: "قولوا: اللهم، صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وآل إبراهيم، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد".
﴿فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الرَّوْعُ وَجَاءَتْهُ الْبُشْرَى يُجَادِلُنَا فِي قَوْمِ لُوطٍ (٧٤) إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ (٧٥) يَاإِبْرَاهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا إِنَّهُ قَدْ جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَإِنَّهُمْ آتِيهِمْ عَذَابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ (٧٦)﴾ [هود: ٧٤ - ٧٦]
يخبر تعالى عن إبراهيم ﵇ أنه لما ذهب عنه الروع، وهو ما أوجس من الملائكة خيفة حين لم يأكلوا، وبشروه بعد ذلك بالولد، وأخبروه بهلاك قوم لوط، أخذ يقول كما قال سعيد بن جبير في الآية قال (٦٣): لما جاءه جبريل ومن معه قالوا له: ﴿إنا
стр. 3410
﴿مُهْلِكُو أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ﴾ قال لهم: أتهلكون قرية فيها ثلثمائة مؤمن؟ قالوا: لا. قال: أفتهلكون قرية فيها مائتا مؤمن؟ قالوا: لا. قال: أفتهلكون قرية فيها أربعون مؤمنًا؟ قالوا: لا. قال: ثلاثون؟ قالوا: لا. حتى بلغ خمسة قالوا: لا؟ قال: أرأيتكم إن كان فيها رجل واحد مسلم أتهلكونها؟ قالوا: لا. فقال إبراهيم ﵇ عند ذلك: ﴿إِنَّ فِيهَا لُوطًا قَالُوا نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَنْ فِيهَا لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ﴾ الآية. فسكت عنهم واطمأنت نفسه. وقال قتادة وغيره قريبًا من هذا، زاد ابن إسحاق: أفرأيتم إن كان فيها مؤمن واحد؟ قالوا: لا. قال: فإن كان فيها لوط يدفع به عنهم العذاب؟ قالوا: ﴿نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَنْ فِيهَا﴾ الآية.
وقوله: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ﴾ مدح لإِبراهيم بهذه الصفات الجميلة، وقد تقدم تفسيرها.
وقوله تعالى: ﴿يَاإِبْرَاهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا إِنَّهُ قَدْ جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ﴾ أي: إنه قد نفذ فيهم القضاء، وحقت عليهم الكلمة بالهلاك وحلول البأس الذي لا ورد عن القوم المجرمين.
﴿وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وَقَالَ هَذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ (٧٧) وَجَاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ وَمِنْ قَبْلُ كَانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ قَالَ يَاقَوْمِ هَؤُلَاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَلَا تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ (٧٨) قَالُوا لَقَدْ عَلِمْتَ مَا لَنَا فِي بَنَاتِكَ مِنْ حَقٍّ وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نُرِيدُ﴾
يخبر تعالى عن قدوم رسله من الملائكة بعد ما أعلموا إبراهيم بهلاكهم، وفارقوه وأخبروه بإهلاك الله قوم لوط هذه الليلة، فانطلقوا من عنده فأتوا لوطًا، ﵇، وهو - على ما قيل - في أرض له، وقيل في منزله، ووردرا عليه وهم في أجمل صورة تكون؛ على هيئة شبان حسان الوجوه، ابتلاء من الله وله الحكمة والحجة البالغة، فساءه شأنهم وضاقت نفسه بسببهم، وخشي إن لم يضفهم أن يضيفهم أحد من قومه فينالهم بسوء ﴿وَقَالَ هَذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ﴾.
قال ابن عباس وغير واحد: شديد بلاؤه. وذلك أنه علم أنه سيدافع عنهم ريشق عليه ذلك.
وذكر قتادة: أنهم أتوه وهو في أرض له فتضيفوه، فاستحيا منهم فانطلق أمامهم، وقال
стр. 3411
لهم في أثناء الطريق كالمعرض لهم بأن ينصرفوا عنه: إنه والله يا هؤلاء، ما أعلم على وجه الأرض أهل بلد أخبث من هؤلاء، ثم مشى قليلاً ثم أعاد ذلك عليهم حتى كرره أربع مرات، قال قتادة: وقد كانوا أمروا أن لا يهلكوهم حتى يشهد عليهم نبيهم بذلك.
وقال السدي: خرجت الملائكة من عند إبراهيم نحو قرية لوط، فبلغوا نهر سدوم نصف النهار، ولقوا بنت لوط تسقى فقالوا: يا جارية، هل من منزل؟ فقالت: مكانكم حتى آتيكم، وفَرَقَتْ عليهم من قومها، فأتت أباها فقالت: يا أبتاه؛ أدرك فتيانًا على باب المدينة، ما رأيت وجوه قوم أحسن منهم لا يأخذهم قومك فيفضحوهم. وكان قومه نهوه أن يضيف رجلًا، فقالوا: خل عنا فلنضيف الرجال، فجاء بهم فلم يعلم بهم أحد إلا أهل بيته، فخرجت امرأته فأخبرت قومها، فجاءوا يهرعون إليه.
وقوله: ﴿يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ﴾ أي: يسرعون ويهرولون من فرحهم بذلك.
وقوله: ﴿وَمِنْ قَبْلُ كَانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ﴾ أي: لم يزل هذا من سجيتهم، حتى أخذوا وهم على ذلك الحال.
وقوله: ﴿قَالَ يَاقَوْمِ هَؤُلَاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ﴾ يرشدهم إلى نسائهم، فإن النبي للأمة بمنزلة الوالد، فأرشدهم إلى ما هو أنفع لهم في الدنيا والآخرة، كما قال لهم في الآية الأخرى: ﴿أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالَمِينَ (١٦٥) وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ﴾، وقوله في الآية الأخرى: ﴿قَالُوا أَوَلَمْ نَنْهَكَ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ أي: ألم ننهك عن ضيافة الرجال ﴿قَالَ هَؤُلَاءِ بَنَاتِي إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ (٧١) لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾، وقال في هذه الآية الكريمة: ﴿هَؤُلَاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ﴾ قال مجاهد: لم يكن بناته، ولكن كن من أمته، وكل نبي أبو أمته. وكذا روي عن قتادة وغير واحد.
وقال ابن جريج: أمرهم أن يتزوجوا النساء، ولم يعرض عليهم سفاحًا.
وقال سعيد بن جبير: يعني نساءهم هن بناته هو وهو أب لهم نبيهم. ويقال في بعض القراءات: (النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم، وأزواجه أمهاتهم وهو أب لهم).
وكذا روي عن الربيع بن أنس، وقتادة، والسدي، ومحمد بن إسحاق وغيرهم.
وقوله: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَلَا تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي﴾ أي: اقبلوا ما آمركم به من الاقتصار على نسائكم ﴿أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ﴾ أي: فيه خير يقبل ما آمره به، ويترك ما أنهاه عنه؟
﴿قَالُوا لَقَدْ عَلِمْتَ مَا لَنَا فِي بَنَاتِكَ مِنْ حَقٍّ﴾ أي: إنك لتعلم أن نساءنا لا أرب لنا فيهن ولا نشتهيهن ﴿وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نُرِيدُ﴾ أي: ليس لنا غرض إلا في الذكور وأنت تعلم
стр. 3412
ذلك، فأي حاجة في تكرار القول علينا في ذلك؟ قال السدي: ﴿وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نُرِيدُ﴾ إنما نريد الرجال.
﴿قَالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ (٨٠) قَالُوا يَالُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ وَلَا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلَّا امْرَأَتَكَ إِنَّهُ مُصِيبُهَا مَا أَصَابَهُمْ إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ﴾
يقول تعالى مخبرًا عن نبيه لوط ﵇ إن لوطًا توعدهم بقوله: ﴿لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً﴾. الآية. أي: لكنت نكلت بكم، وفعلت بكم الأفاعيل بنفسي وعشيرتي؛ ولهذا ورد في الحديث (٦٤) من طريق محمد بن عمرو بن علقمة، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة أن رسول الله، ﷺ ، قال: "رحمة الله على لوط! لقد كان يأوي إلى ركن شديد - يعني الله فما بعث اللَّه بعده من نبي إلا في ثَرْوة (*) من قومه".
فعند ذلك أخبرته الملائكة أنهم رسل الله إليه، وأنهم لا وصول لهم إليه ﴿قَالُوا يَالُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ﴾ وأمروه أن يسري بأهله من آخر الليل، وأن يتبع أدبارهم، أي: يكون ساقة لأهله ﴿وَلَا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ﴾ أي: إذا سمعت ما نزل بهم، ولا تهولنكم تلك الأصوات المزعجة، ولكن استمروا ذاهبين. ﴿إِلَّا امْرَأَتَكَ﴾ قال الأكثرون، هو استثناء من المثبت وهو قوله: ﴿فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ﴾ تقديره: ﴿إِلَّا امْرَأَتَكَ﴾ وكذلك قرأها ابن مسعود، ونصب هؤلاء امرأتك؛ لأنه من مثبت فوجب نصبه عندهم.
وقال آخرون من القراء والنحاة: هو استثناء من قوله ﴿وَلَا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلَّا﴾
стр. 3413
﴿امْرَأَتَكَ﴾ فجوزوا الرفع والنصب، وذكر هؤلاء أنها خرجت معهم وأنها لما سمعت الوجبة، التفتت وقالت: واقوماه! فجاءها حجر من السماء فقتلها.
ثم قربوا له هلاك قومه تبشيرًا له؛ لأنه قال لهم أهلكوهم الساعة فقالوا: ﴿إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ﴾. هذا وقوم لوط وقوف على الباب عكوف، قد جاءوا يهرعون إليه من كل جانب، ولوط واقف على الباب يدافعهم ويردعهم وينهاهم عما هم فيه، وهم لا يقبلون منه، بل يتوعدونه ويتهددونه، فعند ذلك خرج عليهم جبريل ﵇ فضرب وجوههم بجناحه، فطمس أعينهم فرجعوا وهم لا يهتدون الطريق، كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ رَاوَدُوهُ عَنْ ضَيْفِهِ فَطَمَسْنَا أَعْيُنَهُمْ فَذُوقُوا عَذَابِي وَنُذُرِ﴾ الآية.
وقال معمر (٦٥)، عن قتادة، عن حذيفة بن اليمان قال: كان إبراهيم، ﵇، يأتي قوم لوط فيقول: أنهاكم الله أن تَعَرَّضوا لعقوبته! فلم يطيعوه، حتى إذا بلغ الكتاب أجله انتهت الملائكة إلى لوط وهو يعمل في أرض له، فدعاهم إلى الضيافة فقالوا: إنا ضيوفك الليلة، وكان الله قد عهد إلى جبريل ألا يعذبهم حتى يشهد عليهم لوط ثلاث شهادات، فلما توجه بهم لوط إلى الضيافة ذكر ما يعمل قومه من الشر، فمشى معهم ساعة ثم التفت إليهم، فقال: أما تعلمون ما يعمل أهل هذه القرية؟ ما أعلم على وجه الأرض شرًّا منهم، أين أذهب بكم؟ إلى قومي وهم من أشر خلق الله؟ فالتفت جبريل إلى الملائكة، فقال: احفظوها هذه واحدة، ثم مشى معهم ساعة، فلما توسط القرية، وأشفق عليهم واستحيا منهم، قال: أما تعلمون ما يعمل أهل هذه القرية؟ ما أعلم على وجه الأرض أشر منهم، إن قومي أشر خلق الله، فالتفت جبريل إلى الملائكة، فقال: احفظوها هاتان اثنتان، فلما انتهى إلى باب الدار بكى حياء منهم وشفقة عليهم، فقال: إن قومي أشر خلق الله، أما تعلمون ما يعمل أهل هذه القرية؟ ما أعلم على وجه الأرض أهل قرية شرًّا منهم. فقال جبريل للملائكة: احفظوا هذه ثلاث قد حق العذاب، فلما دخلوا ذهبت عَجُوزُه عجوز السوء، فصعدت فلوحت بثوبها، فأتاها الفساق يهرعون سراعًا قالوا: ما عندك؟ قالت: ضيف لوطٌ قومًا ما رأيت قط أحسن وجوهًا منهم، ولا أطيب ريحًا منهم، فهرعوا يسارعون إلى الباب، فعالجهم لوط على الباب فدافعوه طويلاً، وهو داخل وهم خارج، يناشدهم الله ويقول: ﴿هَؤُلَاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ﴾ فقام الملك فلز بالباب - يقول: فسَدَّه - واستأذن جبريل في عقوبتهم فأذن الله له، فقام في الصورة التي يكون فيها في السماء، فنشر جناحه - ولجبريل جناحان - وعليه وشاح من در منظوم،
стр. 3414
وهو براق الثنايا أجلى الجبين، ورأسه حبك حبك مثل المرجان، وهو اللؤلؤ كأنه الثلج، ورجلاه إلى الخضرة، فقال: يا لوط، ﴿إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ﴾ امض يا لوط، عن الباب ودعني وإياهم، فتنحى لوط عن الباب، فخرج إلىهم فنشر جناحه، فضرب به وجوههم ضربة شدخ أعينهم، فصاروا عميًا لا يعرفون الطريق، ولا يهتدون إلى بيوتهم ثم أمر لوط فاحتمل بأهله في ليلته قال: ﴿فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ﴾.
وروي عن محمد بن كعب وقتادة والسدي نحو هذا.
﴿فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ (٨٢) مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ﴾
يقول تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا﴾ وكان ذلك عند طلوع الشمس ﴿جَعَلْنَا عَالِيَهَا﴾ وهي سدوم ﴿سَافِلَهَا﴾، كقوله: ﴿فَغَشَّاهَا مَا غَشَّى﴾ أي: أمطرنا عليها حجارة من سجيل، وهي بالفارسية حجارة من طين، قاله ابن عباس وغيره.
وقال بعضهم: أي: من سنك وهو الحجر، وكل وهو الطين، وقد قال في الآية الأخرى: ﴿حِجَارَةً مِنْ طِينٍ﴾ أي: مستحجرة قوية شديدة، وقال بعضهم: مشوية، وقال البخاري (٦٦): سجيل الشديد الكبير، سجيل وسجين، اللام والنون أختان، وقال تميم ابن مقبل:
وَرَجْلَة يَضْرِبُونَ البيضَ ضاحيةً … ضربًا تواصى [¬١] بهِ الأبطالُ سجينا
وقوله: ﴿مَنْضُودٍ﴾ قال بعضهم: منضودة في السماء، أي: معدة لذلك.
وقال آخرون: ﴿مَنْضُودٍ﴾ أي: يتبع بعضها بعضًا في نزولها عليهم.
وقوله: ﴿مُسَوَّمَةً﴾ أي: معلمة مختومة عليها أسماء أصحابها، كل حجر مكتوب عليه اسم الذي ينزل عليه، وقال قتادة وعكرمة: ﴿مُسَوَّمَةً﴾ مطوقة بها نضح من حمرة.
وذكروا أنها نزلت على أهل البلد وعلى المتفرقين في القرى مما حولها، فبينا أحدهم يكون عند الناس يتحدث، إذ جاءه حجر من السماء فسقط عليه من بين الناس فدمره، فتتبعهم الحجارة من سائر البلاد حتى أهلكتهم عن آخرهم، فلم يبق منهم أحد.
стр. 3415
وقال مجاهد: أخذ جبريل قوم لوط من سرحهم ودورهم، حملهم بمواشيهم وأمتعتهم ررفعهم حتى سمع أهل السماء نُباح كلابهم ثم أكفأهم، وكان حملهم على حوافي جناحه الأيمن. قال: ولما قلبها كان أول ما سقط منها شذانها.
وقال قتادة: بلغنا أن جبريل أخذ بعروة القرية الوسطى، ثم ألوى بها إلى جوّ السماء حتى سمع أهل السماء ضواغي (*) كلابهم، ثم دمّر بعضها على بعض، ثم أتبع شذاذ القوم صخرًا. قال: رذكر لنا أنهم كانوا أربع قرى، في كل قرية مائة ألف، وفي رواية: ثلاث قرى، الكبرى منها سدرم. قال: وبلغنا أن إبراهيم، ﵇، كان يشرف على سدوم ويقول: سدوم، يوم ما لَكِ.
رفي رواية عن قتادة وغيره بلغنا أن جبريل، ﵇، لما أصبح نشر جناحه، فانتسف به أرضهم بما فيها من قصورها ودوابها وحجارتها وشجرها وجميع ما فيها، فضمها في جناحه فحواها وطواها في جوف جناحه، ثم صعد بها إلى السماء الدنيا، حتى سمع سكان السماء أصوات الناس والكلاب، وكانوا أربعة آلاف ألف، ثم قلبها فأرسلها إلى الأرض منكوسة، ودمدم بعضها على بعض، فجعل عاليها سافلها، ثم أتبعها حجارة من سجيل.
وقال محمد بن كعب القرظي: كانت قرى قوم لوط خمس قريات: سدرم، رهي العظمى، وصعبة، وصعوة، وعثرة، ودوما، احتملها جبريل بجناحه، ثم صعد بها حتى أن أهل السماء الدنيا ليسمعون نابحة كلابها وأصوات دجاجها، ثم كفأها على وجهها، ثم أتبعها الله بالحجارة، يقول الله تعالى: ﴿جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ﴾ فأهلكها الله وما حولها من المؤتفكات.
وقال السدّي: لما أصبح قوم لوط نزل جبريل فاقتلع الأرض من سبع أرضين، فحملها حتى بلغ بها السماء، حتى سمع أهل السماء الدنيا نباح كلابهم وأصوات ديوكهم، ثم قلبها فقتلهم، فذلك قوله: ﴿وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوَى﴾ ومن لم يمت حين سقط للأرض، أمطر الله عليه وهو تحت الأرض الحجارة، ومن كان منهم شاذًّا في الأرض يتبعهم في القرى، فكان الرجل يتحدّث فيأتيه الحجر فيقتله، فذلك قوله عز رجل: ﴿وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ﴾ أي: في القرى حجارة من سجيل. هكذا قال السدي.
وقوله: ﴿وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ﴾ أي: وما هذه النقمة ممن تشبه بهم في ظلمهم ببعيد عنه.
стр. 3416
وقد ورد في الحديث المروي في السنن عن ابن عباس مرفوعًا (٦٧): " من وجدتموه يعمل عمل قوم لوط فاقتلوا الفاعل والمفعول به".
وذهب الإمام الشافعي في قول عنه، وجماعة من العلماء: إلى أن اللائط يقتل، سواء كان محصنًا أو غير محصن، عملًا بهذا الحديث.
وذهب الإِمام أبو حنيفة إلى أنه يلقى من شاهق ويتبع بالحجارة، كما فعل الله بقوم لوط، والله أعلم بالصواب.
﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ وَلَا تَنْقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ إِنِّي أَرَاكُمْ بِخَيْرٍ وَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ (٨٤)﴾
يقول تعالى: ولقد أرسلنا إلى مدين، وهم قبيلة من العرب كانوا يسكنون بين الحجاز والشام قريبًا من بلاد معان في بلدٍ يعرف بهم، يقال لها مدين، فأرسل الله إليهم شعيبًا وكان من أشرفهم نسبًا؛ ولهذا قال: ﴿أَخَاهُمْ شُعَيْبًا﴾ يأمرهم بعبادة الله تعالى وحده لا شريك له، وينهاهم عن التطفيف في الكيال والميزان ﴿إِنِّي أَرَاكُمْ بِخَيْرٍ وَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ﴾ أي: في معيشتكم ورزقكم، وإني أخاف أن تسلبوا ما أنتم فيه بانتهاككم محارم الله ﴿وَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ﴾ أي: في الدار الآخرة.
﴿وَيَاقَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (٨٥) بَقِيَّتُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ (٨٦)﴾
ينهاهم أولًا عن نقص المكيال والميزان إذا أعطوا الناس، ثم أمرهم بوفاء الكيل والوزن بالقسط آخذين ومعطين، ونهاهم عن العيث في الأرض بالفساد وقد كانوا يقطعون الطريق.
وقوله: ﴿بَقِيَّتُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ قال ابن عباس (٦٨): رزق الله خير لكم.
стр. 3417
وقال الحسن: رزق الله خير لكم من بخسكم الناس.
وقال الربيع بن أنس: وصية الله خير لكم.
وقال مجاهد: طاعة الله، وقال قتادة حظكم من الله خير كم، وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: الهلاك في العذاب والبقية في الرحمة.
وقال أبو جعفر بن جرير (٦٩): ﴿بَقِيَّتُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ أي: ما يفضل لكم من الربح بعد وفاء الكيل واليزان خير لكم من أخذ أموال الناس، وقال: وقد روي هذا عن ابن عباس.
قلت: ويشبه قوله تعالى: ﴿قُلْ لَا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ﴾ الآية.
وقوله: ﴿وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ﴾ أي: برقيب ولا حفيظ، أي: افعلوا ذلك لله ، لا تفعلوه ليراكم الناس، بل لله .
﴿قَالُوا يَاشُعَيْبُ أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ (٨٧)﴾
يقولون له على سبيل التهكم - قبحهم الله -: ﴿أَصَلَاتُكَ﴾ قال الأعمش: أي: قرآنك ﴿تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا﴾ أي: الأوثان والأصنام ﴿أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ﴾ فنترك التطفيف عن [¬١] قولك، وهى أموالنا نفعل فيها ما نريد.
[قال الحسن في قوله: ﴿أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا﴾ أي: والله إن صلاته لتأمرهم أن يتركوا ما كان يعبد آباؤهم] [¬٢].
وقال الثوري في قوله: ﴿أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ﴾ يعنون الزكاة.
[وقولهم] ﴿إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ﴾ قال ابن عباس وميمون بن مهران وابن جريج وابن أسلم وابن جرير: يقولون ذلك أعداء الله على سبيل الاستهزاء، قبحهم الله
стр. 3418
ولعنهم عن رحمته وقد فعل.
﴿قَالَ يَاقَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ (٨٨)﴾
يقول لهم: ﴿أَرَأَيْتُمْ﴾ يا قوم ﴿إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي﴾ أي: على بصيرة فيما أدعو إليه ﴿وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا﴾ قيل: أراد النبوة، وقيل: أراد الرزق الحلال، ويحتمل الأمرين.
[وقال الثوري] [¬١]: ﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ﴾ أي: لا أنهاكم عن شيء [¬٢] وأخالف أنا في السر فأفعله خفية عنكم، كما قال قتادة في قوله: ﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ﴾ يقول: لم أكن لأنهاكم [¬٣] عن امر وأرتكبه [¬٤] ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ﴾ أي: فيما آمركم وأنهاكم، إنما مرادي [¬٥] إصلاحكم جهدي وطاقتي ﴿وَمَا تَوْفِيقِي﴾ أي: في إصابة الحق فيما أريده ﴿إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ﴾ في جميع أموري ﴿وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ أي: أرجع؛ قاله مجاهد وغيره.
قال الإمام أحمد (٧٠): حدثنا عفان، حدثنا حماد بن سلمة، حدثنا أبو قزعة سويد بن حُجَير الباهلي، عن حكيم بن معاوية، عن أبيه أن أخاه مالكًا قال: يا معاوية، إن محمدًا أخذ جيراني، فانطلق إليه فإنه قد عرفك وكلمك. فانطلقت معه فقال: دع لي جيراني فقد [¬٦] كانوا أسلموا. فأعرض عنه، فقام متمعطًا [¬٧] فقال: أما والله لئن فعلت، إن الناس يزعمون أنك تأمر [¬٨] بالأمر وتخالف إلى غيره. وجعلت أجرّه وهو يتكلم، فقال رسول الله: "ما تقول؟ " فقال: إنك والله لئن فعلت ذلك [¬٩] إن الناس ليزعمون أنك لتأمر
стр. 3419
بالأمر وتخالف إلى غيره. قال: فقال: "أو قد قالوهما؟ - أو [¬١]: قائلهم - ولئن فعلت ذاك ما ذاك إلا على، وما عليهم من [¬٢] ذلك من شيء، أرسلوا له جيرانه".
وقال أحمد أيضًا (٧١): حدثنا عبد الرزاق، حدثنا معمر، عن بهز بن حكيم، عن أبيه، عن جده قال: أخذ النبي، ﷺ ، ناسًا من قومي في تهمة فحبسهم، فجاء رجل من قومي إلى رسول الله، ﷺ ، وهو يخطب، فقال: يا محمد، علام تحبس جيرتي [¬٣]؟ فصمت رسول الله، ﷺ ، فقال: إن ناسًا ليقولون إنك تنهى عن الشيء [¬٤] وتستخلي به. فقال النبي، ﷺ : "ما يقول؟ " قال: فجعلت أعَرِّضُ بينهما بالكلام [¬٥]، مخافة أن يسمعها فيدعو على قومي دعوة لا يفلحون بعدها أبدًا، فلم يزل رسول الله، ﷺ ، به [¬٦] حتى فهمها، فقال: " [أو] [¬٧] قد قالوها؟ " - أو "قائلها منهم - والله لو فعلت لكان عليَّ وما كان عليهم، خلوا له [¬٨] عن جيرانه".
ومن هذا القبيل الحديث الذي رواه الإِمام أحمد (٧٢) حدثنا أبو عامر، ثنا سليمان بن بلال، عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن، عن عبد الملك بن سعيد بن سويد الأنصاري قال: سمعت أبا حميد وأبا أسيد يقولان قال رسول الله، ﷺ : "إذا سمعتم الحديث عني تعرفه قلوبكم، وتلين له أشعاركم وأبشاركم، وترون أنه منكم قريب - فأنا أولاكم به، وإذا سمعتم الحديث عني تنكره قلوبكم، وتنفر منه أشعاركم وأبشاركم [¬٩]،
стр. 3420
وترون أنه منكم بعيد [¬١]- فأنا أبعدكم منه".
[وهذا] [¬٢] إسناده صحيح. و [¬٣] قد أخرج مسلم (٧٣) بهذا السند حديث: "إذا دخل أحدكم المسجد فليقل: اللهم، افتح لي أبواب رحمتك، وإذا خرج فليقل: اللهم إني أسألك من فضلك".
ومعناه - والله أعلم -: مهما بلغكم عني من خير فأنا أولاكم به، ومهما يكن من مكروه فأنا أبعدكم منه ﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ﴾.
وقال قتادة (٧٤)، عن عَزْرَة [¬٤]، عن الحسن العرني [¬٥]، عن يحيى بن الجزار، عن مسروق أن [¬٦]: [امرأة جاءت] إلى [¬٧] ابن مسعود فقالت: أتنهى عن الواصلة؟ قال: نعم، فقالت المرأة: فلعله في بعض نسائك. فقال ما حفظت إذًا وصية العبد الصالح ﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ﴾.
وقال عثمان بن أبي شيبة (٧٥): حدثنا جرير، عن أبي سليمان الضبي [¬٨]، قال: كانت تحيئنا كتب عمر بن عبد العزيز فيها الأمر والنهي، فيكتب في آخرها: وما كنت من ذلك
стр. 3421
إلا كما قال العبد الصالح: ﴿وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.
﴿وَيَاقَوْمِ لَا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَاقِي أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ مَا أَصَابَ قَوْمَ نُوحٍ أَوْ قَوْمَ هُودٍ أَوْ قَوْمَ صَالِحٍ وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ (٨٩) وَاسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ (٩٠)﴾
يقول لهم: ﴿وَيَاقَوْمِ لَا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَاقِي﴾ أي: لا [¬١] تحملنكم عداوتي وبغضي على الإِصرار على ما أنتم عليه من الكفر والفساد، فيصيبكم مثل ما أصاب قوم نوح، وقوم هود، وقوم صالح، وقوم لوط من النقمة والعذاب، وقال قتادة: ﴿وَيَاقَوْمِ لَا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَاقِي﴾ يقول: لا يحملنكم فراقي - وقال السدي: عداوتي - على أن تتمادوا في الضلال والكفر فيصيبكم من العذاب ما أصابهم.
وقال ابن أبي حاتم (٧٦): ثنا [محمد] [¬٢] بن عوف الحمصي، ثنا أبو المغيرة عبد القدوس ابن الحجاج، ثنا ابن أبي [¬٣] غنية، حدثني عبد الملك بن أبي سليمان، عن أبي ليلى الكندي قال: كنت مع مولاي أمسك دابته وقد أحاط الناس بعثمان بن عفان، إذ أشرف علينا من داره فقال: ﴿وَيَاقَوْمِ لَا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَاقِي أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ مَا أَصَابَ قَوْمَ نُوحٍ أَوْ قَوْمَ هُودٍ أَوْ قَوْمَ صَالِحٍ﴾ يا قوم، لا تقتلوني، إنكم إن تقتلوني [¬٤] كنتم هكذا. وشبك بين أصابعه.
وقوله: ﴿وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ﴾ [قيل: المراد في الزمان، قال قتادة] [¬٥]: يعني إنما هلكوا بين أيديكم بالأمس، وقيل: في المكان، ويحتمل الأمران ﴿وَاسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ﴾ [أي: استغفروه] [¬٦] من سالف الذنوب ﴿ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ﴾ فيما تستقبلونه من الأعمال السيئة، وقوله: ﴿إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ﴾ أي: لمن تاب وأناب.
﴿قَالُوا يَاشُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمَّا تَقُولُ وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفًا وَلَوْلَا رَهْطُكَ
стр. 3422
لَرَجَمْنَاكَ وَمَا أَنْتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ (٩١) قَالَ يَاقَوْمِ أَرَهْطِي أَعَزُّ عَلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَاتَّخَذْتُمُوهُ وَرَاءَكُمْ ظِهْرِيًّا إِنَّ رَبِّي بِمَا تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ (٩٢)﴾
يقولون ﴿يَاشُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ [كَثِيرًا مِمَّا تَقُولُ﴾ أي:] ما نفهم كثيرًا من قولك وفي آذاننا وقر، ومن بيننا وبينك حجاب. ﴿وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفًا﴾.
قال سعيد بن جبير والثوري: وكان ضرير البصر. و [¬١] قال الثوري: كان [¬٢] يقال له خطيب الأنبياء.
[قال السدي: ﴿وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفًا﴾ قال: أنت واحد.
وقال أبو روق: يعنون ذليلًا؛ لأن عشيرتك ليسوا على دينك] [¬٣].
﴿وَلَوْلَا رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ﴾ أي: قومك وعشيرتك، لولا عزة قومك [¬٤] علينا لرجمناك، قيل: بالحجارة، وقيل: لسببناك ﴿وَمَا أَنْتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ﴾ أي: ليس لك عندنا معزة.
﴿قَالَ يَاقَوْمِ أَرَهْطِي أَعَزُّ عَلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ﴾ يقول: أتتركوني لأجل قومي، ولا تتركوني إعظامًا لجناب [الرب ﵎] [¬٥] أن تنالوا نبيه بمساءة، وقد اتخذتم جانب الله ﴿وَرَاءَكُمْ ظِهْرِيًّا﴾ أي: نبذتموه خلفكم لا تطيعونه ولا تعظمونه [¬٦] ﴿إِنَّ رَبِّي بِمَا تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾ أي: هو يعلم جميع أعمالكم وسيجزيكم بها.
﴿وَيَاقَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ سَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَمَنْ هُوَ كَاذِبٌ وَارْتَقِبُوا إِنِّي مَعَكُمْ رَقِيبٌ (٩٣) وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا شُعَيْبًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ (٩٤) كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا أَلَا بُعْدًا لِمَدْيَنَ كَمَا
стр. 3423
بَعِدَتْ ثَمُودُ (٩٥)﴾
لما يئس نبي الله شعيب من [استجابة قومه] [¬١] له قال: ﴿يَاقَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ﴾ أي: على طريقتكم، وهذا تهديد ووعيد شديد ﴿إِنِّي عَامِلٌ﴾ على طريقتي ومنهجى فـ ﴿سَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ﴾ أي: في الدار الآخرة ﴿وَمَنْ هُوَ كَاذِبٌ﴾ أي: مني ومنكم ﴿وَارْتَقِبُوا﴾ أي: انتظروا ﴿إِنِّي مَعَكُمْ رَقِيبٌ﴾.
قال الله تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا شُعَيْبًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ﴾ [وهم قومه] [¬٢] ﴿فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ﴾ [وقوله: ﴿جَاثِمِينَ﴾] [¬٣] أي: هامدين لا حراك بهم، وذكر هاهنا أنه أتتهم صيحة، وفي الأعراف: رجفة، وفي الشعراء: عذاب يوم الظلة، وهم أمة واحدة اجتمع عليهم يوم عذابهم هذه النقم كلها، وإنما ذكر [في] [¬٤] كل سياق ما يناسبه؛ ففي الأعراف لما قالوا: ﴿لَنُخْرِجَنَّكَ يَاشُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنَا﴾ ناسب أن يذكر هناك [¬٥] الرجفة، فرجفت بهم الأرض التي ظلموا بها وأرادوا إخراج نبيهم منها، وههنا لما أساءوا الأدب في مقالتهم على نبيهم [ناسب] [¬٦] ذكر الصيحة التي أسكتتهم وأخمدتهم، وفي الشعراء لما قالوا: ﴿فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ قال: ﴿فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ إِنَّهُ كَانَ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ وهذا من الأسرار الغريبة الدقيقة، ولله الحمد والمنة كثيرًا دائمًا.
وقوله: ﴿كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا﴾ أي: يعيشوا في دارهم قبل ذلك ﴿أَلَا بُعْدًا لِمَدْيَنَ كَمَا بَعِدَتْ ثَمُودُ﴾ وكانوا جيرانهم قريبًا منهم في الدار، وشبيهًا بهم في الكفر وقطع الطريق، وكانوا عربًا شبههم [¬٧].
﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ (٩٦) إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَاتَّبَعُوا أَمْرَ فِرْعَوْنَ وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ (٩٧) يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ (٩٨) وَأُتْبِعُوا فِي هَذِهِ لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ بِئْسَ
стр. 3424
الرِّفْدُ الْمَرْفُودُ (٩٩)﴾
يقول تعالى: مخبرًا عن إرساله [¬١] موسى، ﵇، بآياته وبيناته وحججه ودلالاته الباهرة القاطعة، إلى [فرعون، لعنه الله، وهو ملك ديار مصر على أمة] [¬٢] القبط وملئه ﴿فَاتَّبَعُوا أَمْرَ فِرْعَوْنَ﴾ أي: مسلكه ومنهجه وطريقته في الغي [والضلال] [¬٣] ﴿وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ﴾ أي: ليس فيه رشد ولا هدى، وإنما هو جهل وضلال وكفر وعناد، وكما أنهم اتبعوه فى الدنيا وكان مقدمهم ورئيسهم، كذلك هو يقدمهم يوم القيامة إلى نار جهنم فأوردهم إياها، وشربوا من حياض رداها، وله فى ذلك الحظ الأوفر من العذاب الأكبر، كما قال تعالى: ﴿فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ فَأَخَذْنَاهُ أَخْذًا وَبِيلًا﴾ وقال تعالى: ﴿فَكَذَّبَ وَعَصَى (٢١) ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعَى (٢٢) فَحَشَرَ فَنَادَى (٢٣) فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى (٢٤) فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولَى (٢٥) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِمَنْ يَخْشَى﴾، وقال تعالى: ﴿يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ﴾ وكذلك شأن المتبوعين يكونون موفرين في العذاب يوم الميعاد، كما قال تعالى: ﴿قَالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلَكِنْ لَا تَعْلَمُونَ﴾، وقال تعالى إخبارًا عن الكفرة أنهم يقولون في النار: ﴿رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا (٦٧) رَبَّنَا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْنًا كَبِيرًا﴾، وقال الإِمام أحمد (٧٧): حدثنا هشيم، حدثنا [أبو الجهم] [¬٤]، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة قال [¬٥]: قال رسول الله، ﷺ : "امرؤ القيس حامل لواء شعراء الجاهلية إلى النار".
стр. 3425
وقوله: ﴿وَأُتْبِعُوا فِي هَذِهِ لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ بِئْسَ الرِّفْدُ الْمَرْفُودُ﴾، أي؛ أتبعناهم زيادة على [ما جازيناهم من] [¬١] عذاب النار لعنة في الدنيا ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ بِئْسَ الرِّفْدُ الْمَرْفُودُ﴾.
قال مجاهد: زيدوا لعنة يوم القيامة؛ فتلك لعنتان.
وقال على بن أبي طلحة (٧٨)، عن ابن عباس ﴿بِئْسَ الرِّفْدُ الْمَرْفُودُ﴾ قال: لعنة الدنيا والآخرة. وكذا قال الضحاك وقتادة، أو هكذا قوله تعانى] [¬٢]: ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا يُنْصَرُونَ (٤١) وَأَتْبَعْنَاهُمْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ هُمْ مِنَ الْمَقْبُوحِينَ﴾، وقال تعالى: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾.
﴿ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْقُرَى نَقُصُّهُ عَلَيْكَ مِنْهَا قَائِمٌ وَحَصِيدٌ (١٠٠) وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ لَمَّا جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَمَا زَادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ (١٠١)﴾
لما ذكر تعالى خبر هؤلاء الأنبياء، وما جرى لهم مع أممهم، وكيف أهلك الكافرين ونجى المؤمنين، قال: ﴿ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْقُرَى﴾ أي: [من أخبارها] [¬٣] ﴿نَقُصُّهُ عَلَيْكَ مِنْهَا قَائِمٌ﴾ أي: عامر ﴿وَحَصِيدٌ﴾ أي: هالك داثر ﴿وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ﴾ أي: إذ أهلكناهم ﴿وَلَكِنْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ بتكذيبهم رسلنا وكفرهم بهم ﴿فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ﴾ [أي أصنامهم و] [¬٤] أوثانهم التي [كانوا] [¬٥] يعبدونها ويدعونها ﴿مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ﴾ أي: ما نفعوهم ولا أنقذوهم لما جاء أمر الله بإهلاكهم ﴿وَمَا زَادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ﴾. قال مجاهد وقتادة وغيرهما: أي: غير تخسير. وذلك أن سبب هلاكهم ودمارهم إنما كان [¬٦] باتباعهم تلك الآلهة وعبادتهم إياها، فبهذا [¬٧] أصابهم ما أصابهم
стр. 3426
وخسروا [بهم] [¬١] في الدنيا والآخرة.
﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ (١٠٢)﴾
يقول تعالى: وكما أهلكنا أولئك القرون الظالمة المكذبة لرسلنا، كذلك نفعل بنظائرهم وأشباههم [¬٢] وأمثالهم ﴿إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾، وفي الصحيحين (٧٩): عن أبي موسى الأشعري، ﵁، قال: قال رسول الله، ﷺ :، إن الله ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته". ثم قرأ رسول الله، ﷺ : ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾.
﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِمَنْ خَافَ عَذَابَ الْآخِرَةِ ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ (١٠٣) وَمَا نُؤَخِّرُهُ إِلَّا لِأَجَلٍ مَعْدُودٍ (١٠٤) يَوْمَ يَأْتِ لَا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ (١٠٥)﴾
يقول تعالى: إن في إهلاكنا الكافرين ونصرة الأنبياء وإنجائنا المؤمنين ﴿لَآيَةً﴾ أي: عظة [¬٣] واعتبارًا على صدق موعودنا في [الدار] [¬٤] الآخرة ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ﴾، وقال تعالى: ﴿فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ (١٣) وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ (١٤) وَاسْتَفْتَحُوا وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ﴾.
وقوله: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِمَنْ خَافَ عَذَابَ الْآخِرَةِ ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ﴾ أي: أولهم وآخرهم فلا يبقى منهم أحد، كقوله: ﴿وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا﴾.
﴿وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ﴾ أي: يوم عظيم تحضره الملائكة كلهم، ويجتمع فيه الرسل جميعهم، وتحشر فيه الخلائق بأسرهم، من الإنس والجن، والطير والوحوش والدواب، ويحكم فيهم العادل الذي لا يظلم مثقال ذرة، وإن تك حسنة يضاعفها.
وقوله: ﴿وَمَا نُؤَخِّرُهُ إِلَّا لِأَجَلٍ مَعْدُودٍ﴾ أي: ما نؤخر إقامة القيامة إلا أنه قد سبقت كلمة الله وقضاؤه وقدره في وجود أناس معدودين من ذرية آدم، وضرب مدة معينة إذا
стр. 3427
انقضت وتكامل وجود أولئك القدر خروجهم من ذرية [آدم أقام الله] [¬١] الساعة، ولهذا قال: ﴿وَمَا نُؤَخِّرُهُ إِلَّا لِأَجَلٍ مَعْدُودٍ﴾ أي: لمدة مؤقتة لا يزاد عليها ولا ينقص [¬٢] منها ﴿يَوْمَ يَأْتِ لَا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ أي [¬٣]: يوم يأتي [هذا اليوم وهو] [¬٤] يوم القيامة لا يتكلم أحد [يومئذ] [¬٥] إلا بأذن الله، كقوله: ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ صَفًّا لَا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَابًا﴾، وقال: ﴿وَخَشَعَتِ الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ فَلَا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسًا﴾. وفي الصحيحين عن رسول الله في [¬٦] حديث الشفاعة (٨٠) [الطويل] [¬٧]: "ولا يتكلم يومئذ إلا الرسل، ودعوى الرسل يومئذ: اللهم سلم سلم! ".
وقوله: ﴿فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ﴾ أي: فمن أهل الجمع شقي ومنهم سعيد، كما قال: ﴿فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ﴾.
وقال الحافظ أبو يعلى في مسنده (٨١): ثنا موسى بن حيان، ثنا عبد الملك بن عمرو، ثنا سليمان بن سفيان، ثنا عبد الله بن دينار، عن ابن عمر، عن عمر قال: لما نزلت ﴿فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ﴾ سألت النبي، ﷺ ، فقلت [¬٨]: يا رسول الله: علام [¬٩] نعمل؟ على شيء قد فرغ منه، أم على شيء ثم يفرغ منه؟ فقال [¬١٠] "على
стр. 3428
شيء قد فرغ منه يا عمر وجرت به الأقلام، ولكن كل ميسر لما خلق له".
ثم بين تعالى حال الأشقياء وحال السعداء فقال.
﴿فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ (١٠٦) خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ (١٠٧)﴾
يقول تعالى ﴿لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ﴾ قال ابن عباس: الزفير في الحلق، والشهيق في الصدر. أي: تنفسهم زفير وأخذهم النفس شهيق، لما هم [¬١] فيه من العذاب، عياذًا بالله من ذلك.
﴿خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ﴾ قال الإِمام أبو جعفر بن جرير: من عادة العرب إذا أرادت أن تصف الشيء بالدوام أبدًا قالت: هذا دائم دوام السموات والأرض، وكذلك يقولون: هو باق ما اختلف الليل والنهار، وما سمر ابنا سمير، وما لألأت العُفْرُ بأذنابها، يعنون بذلك كلمة أبدًا، فخاطبهم جل ثناؤه بما يتعارفونه بينهم فقال: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ﴾.
قلت ويحتمل أن المراد بـ "ما دامت السموات والأرض" الجنس؛ لأنه لا بد في عالم الآخرة من سموات وأرض، كما قال تعالى: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ﴾؛ ولهذا قال الحسن البصري في قوله: ﴿مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ﴾ قال: تبدل سماء غير هذه السماء، وأرض غير هذه الأرض، فما دامت تلك السماء وتلك الأرض. وقال ابن أبي حاتم (٨٢): ذكر عن سفيان بن حسين، عن الحكم، عن مجاهد، عن ابن عباس قوله: ﴿مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ﴾ قال: لكل جنة سماء وأرض.
وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم ما دامت الأرض أرضًا والسماء سماء.
وقوله: ﴿إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾، كقوله: ﴿النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾.
وقد اختلف المفسرون في المراد من هذا الاستثناء على أقوال كثيرة، حكاها الشيخ أبو الفرج بن الجوزي في كتابه "زاد المسير"، وغيره من علماء التفسير، ونقل كثيرًا منها
стр. 3429
الإِمام أبو جعفر بن جرير ﵀ في كتابه، واختار هو ما نقله عن خالد بن معدان والضحاك وقتادة وأبي سنان، ورواه ابن أبي حاتم عن ابن عباس والحسن أيضًا: أن الاستثناء عائد على العصاة من أهل التوحيد، ممن يخرجهم الله من النار بشفاعة الشافعين، من الملائكة والنبيين والمؤمنين، حين يشفعون في أصحاب الكبائر، ثم تأتي رحمة أرحم الراحمين، فتخرج من النار من لم يعمل خيرًا قط، وقال يوما من الدهر: لا إله إلا الله، كما وردت بذلك الأخبار الصحيحة المستفيضة عن رسول الله، ﷺ ، بمضمون ذلك؛ من حديث أنس (٨٣) وجابر (٨٤) وأبي سعيد (٨٥) وأبي هريرة (٨٦) وغيرهم من الصحابة، ولا يبقى بعد ذلك في النار إلا من وجب عليه الخلود فيها ولا محيد له عنها، وهذا الذي عليه كثير من العلماء قديما وحديثا في تفسير هذه الآية الكريمة.
وقد روي في تفسيرها في أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، وابن مسعود، وابن عباس، وأبي هريرة، وعبد الله بن عمرو، وجابر، أبي يسعيد من الصحابة، وعن أبي مجلز والشعبي وغيرهما من التابعين، وعن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم وإسحاق بن راهويه وغيرهما من الأئمة - أقوال غريبة، وورد حديث غريب في معجم الطبراني الكبير (٨٧): عن أبي أمامة صدي بن عجلان الباهلي، ولكن سنده ضعيف، والله أعلم.
و [¬١] قال قتادة: الله أعلم بثنياه. وقال السدي: هي منسوخة بقوله: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾.
﴿وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ (١٠٨)﴾
يقول تعالى: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا﴾ وهم أتباع الرسل ﴿فَفِي الْجَنَّةِ﴾ [أي:
стр. 3430
فمأواهم الجنة] [¬١] ﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾ أي: ماكثين فيها أبدًا ﴿مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ﴾ معنى [¬٢] الاستثناء ها هنا: أن دوامهم فيما هم فيه من النعيم ليس أمرًا واجبًا بذاته، بل هو موكول إلى مشيئة الله تعالى، فله المنة عليهم دائما [¬٣]، ولهذا "يلهمون التسبيح والتحميد كما يلهمون النفس" (٨٨).
وقال الضحاك والحسن البصري: هي في حق عصاة [¬٤] الموحدين، الذين كانوا في النار ثم أخرجوا منها، وعقب ذلك بقوله: ﴿عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾ أي: غير مقطوع، قاله ابن عباس، ومجاهد، وأبو العالية وغير واحد، لئلا يتوهم متوهم بعد ذكره المشيئة أن ثَمَّ انفطاعًا أو [لَبسًا أو شيئًا]، بل ختم له بالدوام وعدم الانقطاع، كما بين هناك أن عذاب أهل النار في النار دائما مردود إلى مشيئته، وأنه بعدله وحكمته عذبهم، ولهذا قال: ﴿إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾، كما قال: ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ وهنا طيب القلوب وثبت المقصود بقوله: ﴿عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾.
وقد جاء في الصحيحين (٨٩): " يؤتى بالموت في صورة كبش أملح فيذبح بين الجنة والنار، ثم يقال: يا أهل الجنة خلود بلا [¬٥] موت، ويا أهل النار خلود بلا [¬٦] موت".
وفي الصحيح أيضًا (٩٠): " فيقال [¬٧]: يا أهل الجنة، إن لكم أن تعيشوا فلا تموتوا [¬٨] أبدًا، وإن لكم أن تشبوا فلا تهرموا أبدًا، وإن لكم أن تصحوا فلا تسقموا أبدًا، وإن لكم أن تنعموا فلا تبأسوا أبدًا".
﴿فَلَا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِمَّا يَعْبُدُ هَؤُلَاءِ مَا يَعْبُدُونَ إِلَّا كَمَا يَعْبُدُ آبَاؤُهُمْ مِنْ قَبْلُ
стр. 3431
وَإِنَّا لَمُوَفُّوهُمْ نَصِيبَهُمْ غَيْرَ مَنْقُوصٍ (١٠٩) وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ فَاخْتُلِفَ فِيهِ وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ (١١٠) وَإِنَّ كُلًّا لَمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ رَبُّكَ أَعْمَالَهُمْ إِنَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (١١١)﴾
يقول تعالى: ﴿فَلَا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِمَّا يَعْبُدُ هَؤُلَاءِ﴾ المشركون، إنه باطل وجهل وضلال، فإنهم إنما يعبدون ما يعبد آباؤهم من قبل، أي: ليس لهم مستند فيما هم فيه إلا اتباع الآباء في الجهالات، وسيجزيهم الله على ذلك أتم الجزاء، فيعذب كافرهم عذابًا لا يعذبه أحدًا من العالمين، وإن كان لهم حسنات فقد وفاهم الله إياها في الدنيا قبل الآخرة.
قال سفيان الثوري (٩١)، عن جابر الجعفي، عن مجاهد، عن ابن عباس ﴿وَإِنَّا لَمُوَفُّوهُمْ نَصِيبَهُمْ غَيْرَ مَنْقُوصٍ﴾ قال: ما وعدوا فيه من خير أو شر.
وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: لموفوهم من العذاب نصيبهم [¬١] غير منقوص.
ثم ذكر تعالى أنه آتى موسى الكتاب فاختلف الناس فيه، فمن مؤمن به ومن كافر به، ذلك بمن سلف من الأنبياء قبلك يا محمَّد أسوة، [فلا يغيظنك] [¬٢] تكذيبهم لك، ولا يهيدنك ذلك ﴿وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ﴾.
قال ابن جرير: لولا ما تقدم من تأجيله العذاب [¬٣] إلى أجل معلوم لقضى الله بينهم.
ويحتمل أن يكون المراد بالكلمة: أنه لا يعذب أحدًا إلا بعد قيام الحجة عليه وإرسال الرسول إليه، كما قال: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾، فإنه قد قال في الآية الأخرى: ﴿وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَكَانَ لِزَامًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى (١٢٩) فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ﴾ ثم أخبر أن الكافرين في شك مما جاءهم به الرسول قوي فقال: ﴿وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ﴾.
ثم أخبر تعالى أنه سيجمع الأولين والآخرين من الأمم، ويجزيهم بأعمالهم إن خيرًا فخير، وإن شرّا فشر، فقال: ﴿وَإِنَّ كُلًّا لَمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ رَبُّكَ أَعْمَالَهُمْ إِنَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾
стр. 3432
أي: عليم [بأعمالهم جميعًا؛ جليلها] [¬١] وحقيرها، صغيرها وكبيرها، وفي هذه الآية قراءات كثيرة، يرجع [¬٢] معناها إلى هذا الذي ذكرناه، كما في قوله تعالى ﴿وَإِنْ كُلٌّ لَمَّا جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ﴾.
﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (١١٢) وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ (١١٣)﴾
يأمر تعالى رسوله وعباده المؤمنين بالثبات والدوام على الاستقامة، وذلك من أكبر العون على النصر على الأعداء ومخالفة الأضداد، ونهى عن الطغيان، وهو البغي، فإنه مصرعة حتى ولو كان على مشرك، وأعلم تعالى أنه بصير بأعمال العباد، لا يغفل عن شيء، ولا يخفى عليه شيء.
وقوله: ﴿وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ قال على بن أبي طلحة، عن ابن عباس: لا تُدْهِنُوا.
وقال العوفى، عن ابن عباس: هو الركون إلى الشرك.
وقال أبو العالية: لا ترضوا بأعمالهم.
وقال ابن جرير، عن ابن عباس: ولا تميلوا إلى الذين ظلموا.
وهذا القول حسن، أي: لا تستعينوا بالظلمة فتكونوا كأنكم قد رضيتم بباقي صنيعهم ﴿فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ﴾ أي: ليس لكم من دونه من ولي [ينقذكم] [¬٣] ولا ناصر يخلصكم من عذابه.
﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ (١١٤) وَاصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (١١٥)﴾
قال على بن أبي طلحة: عن ابن عباس ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ﴾ قال: يعني الصبح والمغرب.
стр. 3433
وكذا قال الحسن وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم.
وقال الحسن في رواية وقتادة والضحاك وغيرهم: هي الصبح والعصر.
وقال مجاهد: هي الصبح في أول النهار، والظهر والعصر من آخره. وكذا قال محمَّد بن [كعب] [¬١] القرظي والضحاك في رواية عنه.
[وقوله] [¬٢] ﴿وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ﴾ قال ابن عباس ومجاهد والحسن وغيرهم: يعني صلاة العشاء.
وقال الحسن في رواية ابن المبارك عن مبارك بن فضالة عنه: ﴿وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ﴾ يعني: المغرب والعشاء، قال رسول الله، ﷺ : "هما زُلْفَتَا الليل المغرب والعشاء" (٩٢). وكذا قال مجاهد ومحمد بن كعب وقتادة والضحاك إنها صلاة المغرب والعشاء.
وقد يحتمل أن تكون هذه الآية نزلت قبل فرض الصلوات الخمس ليلة الإسراء، فإنه إنما كان يجب من الصلاة صلاتان؛ صلاة قبل طلوع الشمس، وصلاة قبل غروبها، وفي أثناء الليل قيام عليه وعلى الأمة، ثم نسخ في حق الأمّة وثبت وجوبه عليه، ثم نسخ عنه أيضًا في قول، والله أعلم.
وقوله: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ يقول: أن فعل الخيرات يكفر الذنوب السالفة، كما جاء في الحديث الذي رواه الإِمام أحمد وأهل السنن (٩٣): عن أمير المؤمنين على بن أبي طالب قال: كنت إذا سمعت من رسول الله حديثًا نفعني الله بما شاء أن ينفعني منه، وإذا حدّثني عنه أحد استحلفته، فإذا حلف لي صدقته، وحدثني أبو بكر -
стр. 3434
وصدق أبو بكر -: أنه سمع رسول الله، ﷺ ، يقول: "ما من مسلم يذنب ذنبًا، فيتوضأ ويصلي ركعتين إلا غفر له".
وفي الصحيحين (٩٤) عن أمير المؤمنين عثمان بن عفان: أنه توضّأ لهم كوضوء رسول الله، ﷺ ، ثم قال: هكذا رأيت رسول الله، ﷺ ، يتوضأ، وقال: "من توضأ نحو وضوئي هذا، ثم صلى ركعتين لا يحدّث فيهما نفسه، غفر له ما تقدم من ذنبه".
وروى الإِمام أحمد وأبو جعفر بن جرير (٩٥) من حديث أبي عقيل زهرة بن معبد، أنه سمع الحارث مولى عثمان يقول: جلس عثمان يوما وجلسنا معه، فجاءه المؤذن فدعا عثمان بماء في إناء - أظنه سيكون فيه قدر مد - فتوضأ، ثم قال: رأيت رسول الله، ﷺ ، يتوضأ وضوئي هذا، ثم قال: "من توضأ وضوئي هذا، ثم قام فصلى صلاة الظهر، غفر له ما كان بينه وبين صلاة الصبح، ثم صلى العصر غفر له ما بينه وبين صلاة الظهر، ثم صلى المغرب غفر له ما بينه وبين صلاة العصر، ثم صلى العشاء غفر له ما بينه وبين صلاة المغرب، ثم لعله يبيت يتمرغ ليلته، ثم إن قام فتوضأ وصلى الصبح غفر له ما بينها وبين صلاة العشاء، وهنّ الحسنات يذهبن السيئات".
وفي الصحيح (٩٦): عن أبي هريرة، عن رسول الله، ﷺ ، أنه قال:
стр. 3435
" أرأيتم لو أن بباب أحدكم [نهرًا غمرًا [¬١]] [¬٢] يغتسل فيه كل يوم خمس مرات، هل يبقى من درنه شيء [¬٣]؟ "قالوا: لا، يا رسول الله. قال: "كذلك الصلوات الخمس، يمحو الله بهنّ الذنوب والخطايا".
وقال مسلم في صحيحه (٩٧): حدثنا أبو الطاهر، وهارون بن سعيد، قالا: حدثنا ابن وهب، عن أبي صخر، أن عمر بن إسحاق مولى زائدة حدثه، عن أبيه، عن أبي هريرة: أن رسول الله، ﷺ ، كان يقول: "الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان، مكفرات ما [¬٤] بينهنّ إذا اجتنبت الكبائر".
وقال الإِمام أحمد (٩٨): حدثنا الحكم بن نافع، حدثنا إسماعيل بن عَياش، عن ضمضم ابن زرعة، عن شريح بن عبيد، أن أبا رهم السمعي كان يحدث، أن أبا أيوب الأنصاري حدثه، أن رسول الله، ﷺ ، كان يقول: "إن كل صلاة تحط ما بين يديها من خطيئة".
وقال أبو جعفر بن جرير (٩٩): حدثنا محمَّد بن عوف، حدثنا محمَّد بن إسماعيل،