← Тафсир

Тафсир · id 1509

تفسير ابن كثير - ط أولاد الشيخ

ابن كثير

Полный текст (6 736 стр.). Показаны 3711–3750 · переход к 3716.

стр. 3711

قَدَّرْنَا إِنَّهَا لَمِنَ الْغَابِرِينَ﴾ أي: الباقين المهلكين. ﴿فَلَمَّا جَاءَ آلَ لُوطٍ الْمُرْسَلُونَ (٦١) قَال إِنَّكُمْ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ (٦٢) قَالُوا بَلْ جِئْنَاكَ بِمَا كَانُوا فِيهِ يَمْتَرُونَ (٦٣) وَأَتَينَاكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ (٦٤)﴾ يخبر تعالى عن لوط لما جاءته الملائكة في صورة شباب حسان الوجوه، فدخلوا عليه داره، قال: ﴿قَال إِنَّكُمْ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ (٦٢) قَالُوا بَلْ جِئْنَاكَ بِمَا كَانُوا فِيهِ يَمْتَرُونَ﴾ يعنون بعذابهم وهلاكهم ودمارهم، الذي كانوا يشكون في وقوعه بهم، وحلوله بساحتهم ﴿وَأَتَينَاكَ بِالْحَقِّ﴾ كقوله [¬١] تعالى: ﴿مَا نُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ إلا بِالْحَقِّ﴾. وقوله [¬٢]: ﴿وَإِنَّا لَصَادِقُونَ﴾ تأكيد لخبرهم إياه بما أخبروه به من نجاته وإهلاك قومه. ﴿فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيلِ وَاتَّبِعْ أَدْبَارَهُمْ وَلَا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ وَامْضُوا حَيثُ تُؤْمَرُونَ (٦٥) وَقَضَينَا إِلَيهِ ذَلِكَ الْأَمْرَ أَنَّ دَابِرَ هَؤُلَاءِ مَقْطُوعٌ مُصْبِحِينَ (٦٦)﴾ يذكر تعالى عن الملائكة: أنهم أمروه أن يسري بأهله بعد مضي جانب من الليل، وأن يكون لوط ﵇ يمشي وراءهم ليكون أحفظ لهم. وهكذا كان رسول الله ﷺ يمشي في الغزاة، بما [] [¬٣] يكون ساقة يزجي [¬٤] الضعيف، ويحمل المنقطع. وقوله: ﴿وَلَا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ﴾ أي: إذا سمعتم الصيحة بالقوم فلا تلتفتوا إليهم، وذروهم فيما حل بهم من العذاب والنكال ﴿وَامْضُوا حَيثُ تُؤْمَرُونَ﴾ كأنه كان معهم من يهديهم [¬٥] السبيل. ﴿وَقَضَينَا إِلَيهِ ذَلِكَ الْأَمْرَ﴾ أي: تقدمنا إليه في هذا ﴿أَنَّ دَابِرَ هَؤُلَاءِ مَقْطُوعٌ مُصْبِحِينَ﴾ أي: وقت الصباح، كقوله [¬٦] في الآية الأخرى: ﴿إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ أَلَيسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ﴾.

стр. 3712

وَجَاءَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ يَسْتَبْشِرُونَ (٦٧) قَال إِنَّ هَؤُلَاءِ ضَيفِي فَلَا تَفْضَحُونِ (٦٨) وَاتَّقُوا اللَّهَ وَلَا تُخْزُونِ (٦٩) قَالُوا أَوَلَمْ نَنْهَكَ عَنِ الْعَالمِينَ (٧٠) قَال هَؤُلَاءِ بَنَاتِي إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ (٧١) لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ (٧٢)﴾ يخبر تعالى عن مجيء قوم لوط لما علموا بأضيافه وصباحة وجوههم، وأنهم جاءوا مستبشرين بهم فرحين ﴿قَال إِنَّ هَؤُلَاءِ ضَيفِي فَلَا تَفْضَحُونِ (٦٨) وَاتَّقُوا اللَّهَ وَلَا تُخْزُونِ﴾. وهذا إنما قاله لهم قبل أن يعلم بأنهم رسل الله، كما [] [¬١] في سياق [¬٢] سورة هود، وأما ها هنا فتقدم ذكر أنهم رسل الله، وعطف بذكر مجئ قومه ومحاجته لهم، ولكن الواو لا تقتضي الترتيب، ولا سيما إذا دَلَّ دليل على خلافه، فقالوا له مجيبين: ﴿أَوَلَمْ نَنْهَكَ عَنِ الْعَالمِينَ﴾ أي: أو ما نهيناك أن تضيف أحدًا؟ فأرشدهم إلى نسائهم وما خلق لهم ربهم منهن من الفروج المباحة. وقد تقدم إيضاح [¬٣] القول في ذلك بما أغنى عن إعادته. هذا كله، وهم غافلون عما يراد بهم، وما قد أحاط بهم من البلاء، وماذا يصبحهم من العذاب المستقر. ولهذا قال تعالى لنبيه [¬٤] ﷺ : ﴿لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ أقسم تعالى بحياة نبيه صلوات الله وسلامه عليه، وفي هذا تشريف عظيم، ومقام رفيع، وجاه عريض. قال عمرو بن مالك النكري [¬٥]، عن أبي الجوزاء، عن ابن عباس أنه قال: ما خلق الله وما ذرأ وما برأ نفسًا أكرم عليه من محمَّد ﷺ ، وما سمعت الله أقسم بحياة أحد غيره، قال الله تعالى: ﴿لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [] [¬٦]. رواه ابن جرير (٤٦).

стр. 3713

وقال قتادة: ﴿فِي سَكْرَتِهِمْ﴾ أي: في ضلالتهم ﴿يَعْمَهُونَ﴾ أي: يلعبون. وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: ﴿لَعَمْرُكَ﴾ [¬١] لعيشك ﴿إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ قال: يتمادون [¬٢]. ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيحَةُ مُشْرِقِينَ (٧٣) فَجَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيهِمْ حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ (٧٤) إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ (٧٥) وَإِنَّهَا لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ (٧٦) إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ (٧٧)﴾ يقول تعالى: ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيحَةُ﴾ وهي ما جاءهم [] [¬٣] من الصوت القاصف عند شروق الشمس وهو طلوعها، وذلك مع رفع بلادهم إلى عنان السماء، ثم قلبها وجعل عاليها سافلها، وإرسال حجارة السجيل عليهم، وقد تقدم الكلام على السجيل في هود بما فيه كفاية. وقوله [¬٤]: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ﴾ أي أن آثار هذه النقم الظاهرة على تلك البلاد لمن تأمل ذلك وتوسمه بعين بصره وبصيرته، كما قال مجاهد في قوله: ﴿لِلْمُتَوَسِّمِينَ﴾ قال: المتفرسين. وعن ابن عباس والضحاك: للناظرين. وقال قتادة: للمعتبرين. وقال مالك عن بعض أهل المدينة: ﴿لِلْمُتَوَسِّمِينَ﴾ للمتأملين. وقال ابن أبي حاتم (٤٧): حدثنا الحسن بن عرفة، حدثنا محمَّد بن كثير العبدي، عن عمرو بن قيس، عن عطية، عن أبي سعيد قال: قال رسول الله ﷺ : "اتقوا فراسة المؤمن؛ فإنه ينظر بنور الله". ثم قرأ النبي ﷺ : ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ﴾. رواه الترمذي وابن جرير من حديث عمرو بن قيس الملائي، وقال الترمذي: لا نعرفه إلا

стр. 3714

من هذا الوجه. وقال ابن جرير أيضًا (٤٨): حدثني أحمد بن محمَّد الطوسي، حدثنا الحسن بن محمَّد، حدثنا الفرات بن السائب، حدثنا ميمون بن مهران، عن ابن [¬١] عمر قال: قال رسول الله ﷺ : "اتقوا فراسة المؤمن، فإن المؤمن ينظر بنور الله". وقال ابن جرير (٤٩): حدثني أبو شرحبيل الحمصي، حدثنا سليمان بن سلمة، حدثنا المؤمل بن سعيد بن يوسف الرحبي، حدثنا أبو المعلى أسد بن وداعة الطائي، حدثنا وهب بن منبه، عن طاوس بن كيسان، عن ثوبان قال: قال رسول الله ﷺ : "احذروا فراسة المؤمن؛ فإنه ينظر بنور الله وينطق [¬٢] بتوفيق الله". وقال أيضًا (٥٠): حدثنا عبد الأعلى بن واصل، حدثنا سعيد بن محمَّد الجَرْمي، حدثنا عبد الواحد بن واصل، حدثنا أبو بشر المزَلِق، عن ثابت، عن أنس بن مالك قال: قال النبي ﷺ : "إن لله عبادًا يعرفون الناس بالتوسم". ورواه الحافظ أبو بكر البزار (٥١): حدثنا سهل بن بحر، حدثنا سعيد بن محمَّد الجرمي، حدثنا أبو بشر- يقال له: ابن المزلِقي [¬٣]، قال: وكان ثقة- عن ثابت، عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : "إن لله عبادًا يعرفون الناس بالتوسم". وقوله: ﴿وَإِنَّهَا لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ﴾ أي: وإن قرية سدوم التي [¬٤] أصابها [ما أصابها] [¬٥]، من القلب الصوري والمعنوي، والقذف بالحجارة حتى صارت بحيرة [¬٦] منتنة خبيثة- لطريق مَهْيَع مسالكه مستمرة إلى اليوم، كقوله: ﴿وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيهِمْ مُصْبِحِينَ (١٣٧) وَبِاللَّيلِ أَفَلَا

стр. 3715

تَعْقِلُونَ (١٣٨) وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾. وقال مجاهد والضحاك: ﴿وَإِنَّهَا لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ﴾ قال: معلم. وقال قتادة: بطريق واضح. وقال قتادة أيضًا: بصقع من الأرض واحد. وقال السدي: بكتاب مبين. يعني كقوله: ﴿وَكُلَّ شَيءٍ أَحْصَينَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ﴾، ولكن ليس المعنى على ما قال ها هنا، والله أعلم. وقوله: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ أي: إن الذي صنعنا بقوم لوط من الهلاك والدمار، وإن جائنا لوطا وأهله، لدلالة واضحة جلية للمؤمنين بالله ورسله. ﴿وَإِنْ كَانَ أَصْحَابُ الْأَيكَةِ لَظَالِمِينَ (٧٨) فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ وَإِنَّهُمَا لَبِإِمَامٍ مُبِينٍ (٧٩)﴾ أصحاب الأيكة: هم قوم شعيب. قال الضحاك وقتادة وغيرهما: الأيكة الشجر الملتف. وكان ظلمهم: بشركهم بالله، وقطعهم الطريق، ونقصهم المكيال والميزان، فانتقم الله منهم بالصيحة والرجفة وعذاب يوم الظلة، وقد كانوا قريبًا من قوم لوط، بعدهم في الزمان، ومسامتين لهم في المكان، ولهذا قال تعالى: ﴿وَإِنَّهُمَا لَبِإِمَامٍ مُبِينٍ﴾ أي: طريق مبين. قال ابن عباس ومجاهد والضحاك وغيره [¬١]: طريق ظاهر. ولهذا لما أنذر شُعيب قومه قال في نذارته إياهم: ﴿وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ﴾. ﴿وَلَقَدْ كَذَّبَ أَصْحَابُ الْحِجْرِ الْمُرْسَلِينَ (٨٠) وَآتَينَاهُمْ آيَاتِنَا فَكَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ (٨١) وَكَانُوا يَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا آمِنِينَ (٨٢) فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيحَةُ مُصْبِحِينَ (٨٣) فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (٨٤)﴾ أصحاب الحجر: هم ثمود الذين كذبوا صالحًا نبيهم ﵇، ومن كذب برسول فقد كذب بجميع المرسلين [¬٢]، ولهذا أطلق عليهم تكذيب المرسلين. وذكر تعالى أنه آتاهم من الآيات ما يدلهم على صدق ما جاءهم به صالح؛ كالناقة التي

стр. 3716

أخرجها الله لهم بدعاء صالح من صخرة صماء، فكانت [¬١] تسرح في بلادهم، لها شرب ولهم شرب يوم معلوم، فلما عتوا وعقروها قال لهم: ﴿تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ ذَلِكَ وَعْدٌ غَيرُ مَكْذُوبٍ﴾، وقال تعالى: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَينَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى﴾، وذكر تعالى أنهم: ﴿كَانُوا يَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا آمِنِينَ﴾ أي: من غير خوف ولا احتياج إليها، بل أشرًا وبطرًا وعبثًا، كما هو المشاهد من صنيعهم في بيوتهم بوادي الحجر الذي مر به رسول الله ﷺ وهو ذاهب إلى تبوك، فقنع رأسه وأسرع دابته، وقال لأصحابه: "لا تدخلوا بيوت القوم المعذبين إلا أن تكونوا باكين، فإن لم تبكوا فتباكوا، خشية أن يصيبكم ما أصابهم" (٥٢). وقوله: ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيحَةُ مُصْبِحِينَ﴾ أي: وقت الصباح من اليوم الرابع ﴿فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ أي: ما كانوا يستغلونه [¬٢] من زروعهم وثمارهم، التي ضنوا بمائها عن الناقة حتى عقروها؛ لئلا تضيق [¬٣] عليهم في المياه، فما دفعت عنهم تلك الأموال، ولا نفعتهم [¬٤] لما جاء أمر ربك. ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَينَهُمَا إلا بِالْحَقِّ وَإِنَّ السَّاعَةَ لآتِيَةٌ فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ (٨٥) إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ (٨٦)﴾ يقول تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَينَهُمَا إلا بِالْحَقِّ وَإِنَّ السَّاعَةَ لآتِيَةٌ﴾ أي: بالعدل ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى﴾، وقال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَينَهُمَا بَاطِلًا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ﴾، وقال تعالى: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَينَا لَا تُرْجَعُونَ (١١٥) فَتَعَالى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لَا إِلَهَ إلا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ﴾ ثم أخبر نبيه بقيام الساعة، وأنها كائنة لا محالة، ثم أمره [¬٥] بالصفح الجميل عن المشركين في أذاهم له، وتكذيبهم ما جاءهم به، كقوله [¬٦]: ﴿فَاصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلَامٌ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ قال [¬٧] مجاهد وقتادة وغيرهما: كان هذا قبل القتال. وهو كما قالا، فإن هذه مكية والقتال إنما شرع بعد الهجرة.

стр. 3717

وقوله: ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ﴾ تقرير للمعاد، وأنه تعالى قادر على إقامة الساعة، فإنه الخلاق الذي لا يعجزه خلق [ما يشاء] [¬١]، وهو العليم بما تمزق من الأجساد، وتفرق في سائر أقطار الأرض، كقوله [¬٢]: ﴿أَوَلَيسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ (٨١) إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٨٢) فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيءٍ وَإِلَيهِ تُرْجَعُونَ﴾. ﴿وَلَقَدْ آتَينَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ (٨٧) لَا تَمُدَّنَّ عَينَيكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيهِمْ وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ (٨٨)﴾ يقول تعالى لنبيه ﷺ : كما آتيناك القرآن العظيم، فلا تنظرنَّ إلى الدنيا وزينتها، وما متعنا به أهلها من الزهرة الفانية لنفتنهم فيه، [فلا تغبطهم بما هم فيه] [¬٣]، ولا تذهب نفسك عليهم حسرات، حزنًا عليهم في تكذيبهم لك، ومخالفتهم دينك ﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ [لِمَنِ اتَّبَعَكَ] مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ أي: ألن لهم جانبك، كقوله [¬٤]: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيهِ مَاعَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾. وقد اختلف في السبع المثاني ما هي؛ فقال ابن مسعود وابن عمر وابن عباس ومجاهد وسعيد بن جبير والضحاك و [غير واحد] [¬٥]: هي السبع الطول [¬٦]. يعنون: البقرة وآل عمران والنساء والمائدة والأنعام والأعراف ويونس، نص عليه ابن عباس وسعيد بن جبير. وقال سعيد [¬٧]: بين فيهنّ الفرائض والحدود والقصص والأحكام. وقال ابن عباس: بين الأمثال والخبر والعبر. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا ابن أبي عمر قال: قال سفيان: المثاني المثنى [¬٨]، البقرة وآل عمران والنساء والمائدة والأنعام والأعراف، والأنفال وبراءة سورة واحدة. قال ابن عباس (٥٣): ولم يعطهن أحد إلا النبي ﷺ ، وأعطي موسى

стр. 3718

منهن ثنتين. رواه هشيم [¬١]، عن الحجاج، عن الوليد بن العيزار [¬٢]، عن سعيد بن جبير عنه. [وقال الأعمش (٥٤)، عن مسلم البطين، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس] [¬٣] قال: أوتي النبي ﷺ سبعًا من الثاني: الطول [¬٤]، وأوتي موسى ﵇ ستًّا، فلما ألقى الألواح ارتفع اثنتان وبقيت [¬٥] أربع. وقال مجاهد (٥٥) هي السبع الطُّول [¬٦]. ويقال: هي القرآن العظيم. وقال خصيف (٥٦)، عن زياد بن أبي مريم في قوله تعالى: ﴿سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي﴾ قال: أعطيتك سبعة [¬٧] أجزاء؛ آمر وأنهى وأبشر وأنذر وأضرب الأمثال وأعدد النعم وأنبئك بنبأ القرآن. رواه ابن جرير وابن أبي حاتم. (والقول الثاني): أنها الفاتحة وهي سبع آيات، روي ذلك عن عمر وعلي وابن مسعود وابن عباس، وقال [¬٨] [ابن عباس] [¬٩]: والبسملة هي الآية السابعة، وقد خصكم الله بها (٥٧). وبه قال إبراهيم النخعي وعبد الله بن عبيد بن عمير وابن أبي مليكة وشهر بن حوشب والحسن البصري ومجاهد.

стр. 3719

وقال [¬١] قتادة: ذكر لنا أنهن فاتحة الكتاب، وأنهن يثنين [¬٢] في كل [¬٣] قراءة [وفي رواية: في كل] [¬٤] ركعة مكتوبة أو تطوّع. واختاره ابن جرير، واحتج بالأحاديث الواردة في ذلك، وقد قدمناها في فضائل سورة الفاتحة في أول التفسير و الحمد. وقد أورد البخاري رحمه الله تعالى ها هنا حديثين: (أحدهما) قال (٥٨): حدثنا محمد بن بشار، حدثنا غندر، حدثنا شعبة، عن خُبيب بن عبد الرحمن، عن حفص بن عاصم، عن أبي سعيد بن المعلى قال: مر بي النبي ﷺ وأنا أصلي فدعاني، فلم آته حتى صليت [ثم أتيت] [¬٥]، فقال: "ما منعك أن تأتي؟ " فقلت: كنت أصلي. فقال: "ألم يقل الله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ﴾؟ " ثم قال: "ألا أُعلمك أعظم سورة في القرآن قبل أن أخرج من المسجد". فذهب النبي ﷺ ليخرج فذكرته [¬٦] فقال: " ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالمِينَ﴾ هي السبع المثاني والقرآن العظيم الذي أوتيته". (الثاني) قال (٥٩): حدثنا آدم، حدثنا ابن أبي ذئب، حدثنا المقبري، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "أم القرآن هي السبع المثاني والقرآن العظيم". فهذا نص في أن الفاتحة السبع المثاني والقرآن العظيم، ولكن لا ينافي وصف [¬٧] غيرها من السبع الطول [¬٨] بذلك؛ لما فيها من هذه [¬٩] الصفة، كما لا ينافي وصف القرآن بكماله

стр. 3720

بذلك أيضًا، كما قال تعالى: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ﴾ فهو مثاني من وجه ومتشابه من وجه، وهو القرآن العظيم أيضًا كما أنه ﵊ لما سئل عن المسجد الذي أسس على التقوى فأشار إلى مسجده (٦٠)، والآية نزلت في مسجد قباء فلا تنافي، فإن ذكر الشيء لا ينفي ذكر ما عداه إذا اشتركا في تلك الصفة، والله أعلم. وقوله: ﴿لَا تَمُدَّنَّ عَينَيكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ﴾ أي: استغن بما آتاك الله من القرآن العظيم عما هم فيه من المتاع والزهرة الفانية. ومن هاهنا ذهب ابن عيينة إلى تفسير الحديث الصحيح (٦١): " ليس منا من لم يتغن بالقرآن" إلى أنه يستغنى به عما عداه، وهو تفسير صحيح، ولكن ليس هو القصود من الحديث كما تقدم في أول التفسير. وقال ابن أبي حاتم (٦٢): ذكر عن وكيع بن الجراح، حدثنا موسى بن عبيدة، عن يزيد بن [عبد الله] [¬١] بن قسيط، عن أبي رافع صاحب النبي ﷺ قال: ضاف [¬٢] النبي ﷺ ضيف، ولم يكن عند النبي ﷺ شيء [¬٣] يصلحه، فأرسل إلى رجل من اليهود: "يقول لك محمد رسول الله: أسلفني دقيقًا إلى هلال رجب". قال: لا، إلا برهن. فأتيت النبي ﵌ فأخبرته [¬٤] فقال: "أما والله إني لأمين من في السماء، وأمين من في الأرض، ولئن أسلفني

стр. 3721

أو باعني لأؤدين [¬١] إليه". فلما خرجت من عنده نزلت هذه الآية: ﴿لَا تَمُدَّنَّ عَينَيكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ إلى آخر الآية، كأنه يعزيه عن الدنيا. و [¬٢] قال العوفي، عن ابن عباس: ﴿لَا تَمُدَّنَّ عَينَيكَ﴾ قال: نهى الرجل أن يتمنى مال صاحبه. وقال مجاهد: ﴿إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ﴾ هم الأغنياء. ﴿وَقُلْ إِنِّي أَنَا النَّذِيرُ الْمُبِينُ (٨٩) كَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى الْمُقْتَسِمِينَ (٩٠) الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ (٩١) فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٩٢) عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٩٣)﴾ يأمر تعالى نبيه ﷺ بأن [¬٣] يقول للناس: [أنه] [¬٤] النذير المبين البين النذارة، نذير للناس من عذاب أليم أن يحل بهم على تكذيبه، كما حل بمن تقدمهم من الأم المكذبة لرسلها، وما أنزل الله عليهم من العذاب والانتقام. وقوله: ﴿الْمُقْتَسِمِينَ﴾ أي: المتحالفين، أي: تحالفوا على مخالفة الأنبياء وتكذيبهم وأذاهم، كقوله تعالى إخبارًا عن قوم صالح أنهم: ﴿قَالُوا تَقَاسَمُوا بِاللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ﴾ الآية، أي: نقتلهم ليلًا، قال مجاهد: تقاسموا: تحالفوا. ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيمَانِهِمْ لَا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ﴾، ﴿أَوَلَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُمْ مِنْ قَبْلُ مَا لَكُمْ مِنْ زَوَالٍ﴾. ﴿أَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لَا يَنَالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ﴾ فكأنهم كانوا لا يكذبون بشيء [من الدنيا] [¬٥] إلا أقسموا عليه فسموا مقتسمين. قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: المقتسمون [¬٦] أصحاب صالح الذين تقاسموا بالله لنبيتنه وأهله.

стр. 3722

وفي الصحيحين (٦٣): عن أبي موسى، عن النبي ﷺ قال: "إنما مثلي ومثل ما بعثني الله به؛ كمثل رجل أتى قومًا، فقال: يا قوم إني رأيت الجيش بعيني، وإني أنا [¬١] النذير العريان، فالنجاء النجاء [¬٢]، فأطاعه طائفة من قومه، فأدلجوا وانطلقوا على مهلهم فنجَوا، وكذبت طائفة منهم فأصبحوا مكانهم، فصبحهم الجيش فأهلكهم واجتاحهم، فذلك مثل من أطاعني فاتبع ما جئت به ومثل من عصاني وكذب بما جئت به من الحق". وقوله: ﴿الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ﴾ أي: جزءوا كتبهم المنزلة عليهم فآمنوا ببعض وكفروا ببعض. قال البخاري (٦٤): حدثننا يعقوب بن إبراهيم، حدثنا هشيم، أنبأنا أبو بشر، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: ﴿جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ﴾ قال: هم أهل الكتاب جَزَّءوه أجزاء، فآمنوا ببعضه وكفروا ببعضه. حدثنا عبيد الله بن موسى، عن الأعمش، عن أبي ظبيان، عن ابن عباس ﴿جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ﴾ قال: هم أهل [¬٣] الكتاب جزَّءوه أجزاء فآمنوا ببعضه وكفروا ببعضه (٦٥). حدثنا عبيد الله بن موسى، عن الأعمش، عن أبي ظبيان، عن ابن عباس [] [¬٤]: ﴿كَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى الْمُقْتَسِمِينَ﴾ قال [¬٥]: آمنوا ببعض وكفروا ببعض اليهود والنصارى (٦٦). قال ابن أبي حاتم: وروي عن مجاهد وعكرمة والحسن والضحاك وسعيد بن جبير وغيرهم مثل [¬٦] ذلك. وقال الحكم بن أبان، عن عكرمة، عن ابن عباس: ﴿جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ﴾ قال: السحر.

стр. 3723

وقال عكرمة: العضة السحر بلسان قريش، يقول للساحرة: إنها العاضهة [¬١]. وقال مجاهد: عضوه أعضاء، قالوا: سحر [¬٢]! و [¬٣] قالوا: كهانة" وقالوا: أساطير الأولين! وقال عطاء: قال بعضهم: ساحر! وقالوا: مجنون! وقالوا: كاهن" فذلك العضين. وكذا روي عن الضحاك وغيره. وقال محمد بن إسحاق (٦٧)، عن محمد بن أبي محمد، عن [عكرمة أو سعيد بن جبير] [¬٤]، عن ابن عباس: أن الوليد بن المغيرة اجتمع إليه نفر من قريش، وكان ذا شرف فيهم، وقد حضر الموسم، فقال لهم: يا معشر قريش، إنه قد حضر هذا الموسم، وإن وفود العرب ستقدم عليكم فيه، وقد سمعوا بأمر صاحبكم هذا، فأجمعوا فيه رأيًا واحدًا، ولا تختلفوا فيكذب بعضكم بعضًا، ورد قولكم بعضه بعضًا. فقالوا: وأنت يا أبا عبد شمس فقل، وأقم لنا رأيًا نقول به. قال: بل أنتم قولوا لأسمع. قالوا: نقول كاهن؟ قال [¬٥]: ما هو بكاهن. قالوا: فنقول مجنون؟ قال: ما هو بمجنون. قالوا: فنقول شاعر؟ قال: ما هو بشاعر. قالوا: فنقول ساحر؟ قال: ما هو بساحر. [قالوا: فماذا نقول] [¬٦]؟ قال: والله إن لقوله لحلاوة [¬٧]، فما أنتم بقائلين من هذا شيئًا إلا عرف أنه باطل، وإن [¬٨] أقرب القول أن تقولوا: هو ساحر. فتفرقوا عنه بذلك، وأنزل الله فيهم: ﴿الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ﴾ أصنافًا ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٩٢) عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ أولئك [¬٩] النفر الذين قالوا ذلك لرسول الله. وقال عطية العوفي، عن ابن عمر في قوله: ﴿لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٩٢) عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ قال: عن لا إله إلا الله.

стр. 3724

وقال عبد الرزاق: أنبأنا الثوري، عن ليث -هو ابن أبي سليم- عن مجاهد في قوله تعالى: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٩٢) عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ قال: عن لا إله إلا الله. وقد روى الترمذي وأبو يعلى الموصلي وابن جرير وابن أبي حاتم (٦٨): من حديث شريك القاضي، عن ليث بن أبي سليم، عن بشير بن أبي نهيك (*)، عن أنس، عن النبي ﷺ : ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ قال [¬١]: "عن لا إله إلا الله". ورواه ابن إدريس (٦٩): عن ليث، عن بشير، عن أنس موقوفًا. وقال ابن جرير (٧٠): حدثنا أحمد، حدثنا أبو أحمد، حدثنا شريك، عن هلال، عن عبد الله بن عكيم [¬٢]. قال: قال [¬٣] عبد الله -هو ابن مسعود-: والذي لا إله غيره، ما منكم من أحد إلا سيخلو الله به يوم القيامة، كما يخلو أحدكم [¬٤] بالقمر ليلة البدر، فيقول: ابن آدم ماذا غرك مني بي؟ ابن آدم ماذا عملت [فيما علمت] [¬٥]؟ ابن آدم ماذا

стр. 3725

أجبت المرسلين؟. وقال أبو جعفر: عن الربيع، عن أبي العالية [في قوله] [¬١]: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٩٢) عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ قال: يسأل العباد كلهم عن خلتين يوم القيامة، عما كانوا يعبدون، وماذا أجابوا المرسلين؟. وقال ابن عيينة: عن عملك، وعن مالك. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا أحمد بن أبي الحواري، حدثنا يونس الحذاء، عن أبي حمزة الشيباني [¬٢]، عن معاذ بن جبل قال: قال لي رسول الله ﷺ : "يا معاذ، إن المرء [¬٣] يسأل يوم القيامة عن جميع سعيه، حتى كحل عينيه، وعن فتات الطينة بأصبعه، فلا ألفينك يوم القيامة وأحد أسعد بما آتى الله منك". وقال علي بن أبي طلحة (٧١)، عن ابن عباس في قوله: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٩٢) عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ثم قال: ﴿فَيَوْمَئِذٍ لَا يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلَا جَانٌّ﴾ قال: لا يسألهم: هل عملتم كذا؟ لأنه أعلم بذلك منهم، ولكن يقول: لم عملتم كذا وكذا؟. ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ (٩٤) إِنَّا كَفَينَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ (٩٥) الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (٩٦) وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ (٩٧) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ (٩٨) وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى

стр. 3726

يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ (٩٩)﴾. يقول تعالى آمرًا رسوله ﷺ بإبلاغ ما بعثه به، وبإنفاذه [¬١] والصدع به، وهو مواجهة المشركين به، كما قال ابن عباس: ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ﴾ أي: أمضه. وفي رواية: افعل ما تؤمر. وقال مجاهد: هو الجهر بالقرآن في الصلاة. وقال أبو عبيدة، عن عبد الله بن مسعود. ما زال النبي ﷺ مستخفيًا حتى نزلت: ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ﴾ فخرج هو وأصحابه. وقوله: ﴿وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ (٩٤) إِنَّا كَفَينَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ﴾ أي: بلغ ما أنزل إليك من ربك، ولا تلتفت إلى المشركين الذين [¬٢] يريدون أن يصدوك [¬٣] عن آيات الله ﴿وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾ ولا تخفهم؛ فإن الله كافيك إياهم وحافظك منهم، كقوله [¬٤] تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾. وقال الحافظ أبو بكر البزار (٧٢): حدثنا يحيى بن محمد بن السَّكن، حدثنا إسحاق بن إدريس، حدثنا عون بن كهمس، عن نريد بن درهم، عن أنس قال: سمعت أنسًا يقول في هذه الآية: ﴿إِنَّا كَفَينَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ (٩٥) الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾ قال: مر رسول الله ﷺ فغمزه بعضهم فجاء جبريل. قال [¬٥]: أحسبه قال: فغمزهم فوقع في أجسادهم كهبئة الطعنة حتى ماتوا. وقال محمد بن إسحاق (٧٣): كان عظماء المستهزئين -كما حدثني يزيد بن رومان،

стр. 3727

عن عروة بن الزبير - خمسة نفر من قومه، و [¬١] كانوا ذوي أسنان وشرف في قومهم؛ من بني أسد بن عبد العزى بن قصي: الأسود بن المطب أبو زمعة، كان رسول الله ﷺ فيما بلغني قد دعا عليه، لما كان يبلغه من أذاه واستهزائه، فقال: "اللهم أعم بصره وأثكله ولده". ومن بني زهرة: الأسود بني عبد يغوث بن وهب بن عبد مناف بن زهرة، ومن بني مخزوم: الوليد بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم، ومن بني سهم بن عمرو (٥) ابن [] [¬٢] هُصَيص بن كعب بن لؤي: العاص بن وائل بن هشام بن سعيد بن سعد [بن سهم] (**)، ومن خزاعة: الحارث بن الطلاطلة بن عمرو بن الحارث بن [] [¬٣] عمرو بن مَلكْان. فلما تمادوا في الشر، وأكثروا برسول الله ﷺ الاستهزاء، أنزل الله تعالى: ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ (٩٤) إِنَّا كَفَينَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ﴾ إلى قوله: ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾. قال ابن إسحاق: فحدّثني يزيد بن رومان، عن عروة بن الزبير أو غيره من العلماء: أن جبريل أتى رسول الله ﷺ وهم يطوفون بالبيت فقام، وقام رسول الله ﷺ إلى جنبه، فمرّ به [الأسود بن المطلب فرمى في وجهه بورقة خضراء فعمى، ومر به] [¬٤] الأسود بن عبد يغوث، فأشار إلى بطنه فاستسقى [¬٥] بطنه فمات منه حَبَنًا [¬٦]، ومر به الوليد بن المغيرة فأشار إلى أثر جرح [¬٧] بأسفل كعب رجله، وكان أصابه قبل ذلك بسنتين وهو يجرّ ازاره، وذلك أنه مرّ برجل من خزاعة يريش نبلًا له، فتعلق سهم من نبله بإزاره، فخدش رجله ذلك الخدش، وليس بشيء فانتقض به فقتله، ومرَّ به العاص بن وائل

стр. 3728

فأشار إلى أخمص رجله، فخرج على حمار له ريد الطائف، فوُقص على شِبرْقة (*) فدخلت في أخمص رجله [¬١] منها [¬٢] شوكة [¬٣] فقتلته، ومرَّ به الحارث بن الطلاطلة فأشار إلى رأسه فامتخط قيحًا فقتله. قال محمد بن إسحاق (٧٤): حدثني محمد بن أبي محمد، عن رجل، عن ابن عباس قال: كان رأسهم الوليد بن المغيرة وهو الذي جمعهم. وهكذا روي عن سعيد بن جبير وعكرمة نحو سياق محمد بن إسحاق [] [¬٤] عن يزيد عن عروة بطوله، إلا أن سعيدًا يقول: الحارث بن عيطلة، وعكرمة يقول: الحارث بن قيس. قال الزهري: وصدقا، هو الحارث بن قيس وأمه عيطلة [¬٥]. وكذا روي عن مجاهد ومقسم وقتادة وغير واحد أنهم كانوا خمسة. وقال الشعبي: كانوا سبعة. والمشهور الأول. وقوله: ﴿الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ تهديد شديد ووعيد أكيد لمن جعل مع الله معبودًا [¬٦] آخر. وقوله: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ (٩٧) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ﴾ أي: وإنا لنعلم يا محمد أنك يحصل لك ملأ أذاهم لك انقباض صدر وضيق، فلا يهيدنك [¬٧] ذلك، ولا يثنينك عن إبلاغك رسالة الله، وتوكل عليه فإنه كافيك وناصرك عليهم، فاشتغل بذكر الله وتحميده وتسبيحه وعبادته التي هي الصلاة، ولهذا قال: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ﴾، كما جاء في الحديث الذي رواه الإِمام أحمد (٧٥):

стр. 3729

حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، حدثنا معاوية بن صالح، عن أبي الزاهرية، عن كثير بن مرة، عن نعيم بن همار [¬١]، أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: "قال الله تعالى: يا ابن آدم، لا تعجز عن أربع ركعات من أول النهار أكفك آخره". و [¬٢] رواه أبو داود والنسائي (٧٦) [¬٣]: من حديث مكحول، عن كثير بن مرة بنحوه [¬٤]. ولهذا كان رسول الله ﷺ إذا حزبه أمر صلى (٧٧). وقوله: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ قال البخاري (٧٨): قال سالم: الموت. وسالم هذا هو سالم بن عبد الله بن عمر، كما قال ابن جرير (٧٩): حدثنا محمد بن بشار، حدثنا يحيى بن سعيد، عن سفيان، حدثنا طارق بن عبد الرحمن، عن سالم بن عبد الله ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ قال: الموت.

стр. 3730

وهكذا قال مجاهد والحسن وقتادة وعبد الرحمن بن يزيد بن أسلم وغيره. والدليل على ذلك قوله تعالى إخبارًا عن أهل النار أنهم قالوا: ﴿لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ (٤٣) وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ (٤٤) وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ (٤٥) وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ (٤٦) حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ﴾. وفي الصحيح (٨٠): من حديث الزهري، عن خارجة بن زيد بن ثابت، عن أمّ العلاء امرأة من الأنصار: أن رسول الله ﷺ لما دخل على عثمان بن مظعون وقد مات، [قلت] [¬١]: رحمة الله عليك أبا السائب! فشهادتي عليك لقد أكرمك الله. فقال رسول الله ﷺ : "وما يدريك أن الله أكرمه؟ " فقلت: بأبي وأمي يا رسول الله فمن؟ فقال: "أما هو فقد جاءه اليقين، و [¬٢] إني لأرجو له الخير". ويستدل من هذه [¬٣] الآية الكريمة وهي قوله: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ على أن العبادة كالصلاة ونحوها واجبة على الإِنسان ما دام عقله ثابتًا، فيصلي بحسب حاله، كما ثبت في صحيح البخاري (٨١) عن عمران بن حصين ﵄: أن رسول الله ﷺ قال: "صل قائمًا، فإن لم تستطع فقاعدًا، فإن لم تستطع فعلى جنب". ويستدل بها على تخطئة من ذهب من الملاحدة إلى أن المراد باليقين: المعرفة، فمتى وصل أحدهم إلى المعرفة سقط عنه التكليف عندهم، وهذا كفر وضلال وجهل، فإن الأنبياء ﵈ كانوا هم وأصحابهم أعلم الناس بالله، وأعرفهم بحقوقه وصفاته، وما يستحق من التعظيم، وكانوا مع هذا أعبد الناس [¬٤] وأكثر الناس عبادة، ومواظبة على فعل الخيرات إلى حين الوفاة، وإنما المراد باليقين هاهنا الموت كما قدمناه، ولله الحمد والمنة، والحمد لله على الهداية، وعليه الاستعانة والتوكل، وهو المسئول أن يتوفانا على أكمل الأحوال وأحسنها، فإنه جواد كريم.

стр. 3731

آخر تفسير سورة الحجر، والحمد لله رب العالمين

стр. 3732

تفسير سورة النحل وهي مكية ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالى عَمَّا يُشْرِكُونَ (١)﴾ يخبر تعالى عن اقتراب الساعة ودنوها، معبرًا بصيغة الماضي الدال على التحقيق والوقوع لا محالة، كقوله [¬١]: ﴿اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ﴾ وقال: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾. وقوله: ﴿فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ أي: قرب ما تباعد ﴿فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾. يحتمل أن يعود الضمير على الله، وصحتمل أن يعود على العذاب، وكلاهما متلازم كما قال تعالى: ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَلَوْلَا أَجَلٌ مُسَمًّى لَجَاءَهُمُ الْعَذَابُ وَلَيَأْتِيَنَّهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ ﴿يَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ﴾. وقد ذهب الضحاك في تفسير هذه الآية إلى قول عجيب، فقال في قوله: ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ﴾ أي: فرائضه وحدوده. وقد رده ابن جرير فقال: لا نعلم أحدًا استعجل الفرائض [¬٢] والشرائع قبل وجودها، بخلاف العذاب فإنهم استعجلوه قبل كونه استبعادًا وتكذيبًا. قلت: كما قال تعالى: ﴿يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِهَا وَالَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنْهَا وَيَعْلَمُونَ أَنَّهَا الْحَقُّ أَلَا إِنَّ الَّذِينَ يُمَارُونَ فِي السَّاعَةِ لَفِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ﴾. وقال ابن أبي حاتم: ذكر عن يحيى بن آدم، عن أبي بكر بن عياش، عن محمد بن عبد الله مولى المغيرة بن شعبة، في كعب بن علقمة، عن عبد الرحمن بن حجيرة، عن عقبة بن عامر قال: قال رسول الله ﷺ : "تطلع عليكم عند الساعة سحابة سوداء من المغرب مثل الترس، فما تزال ترتفع في السماء ثم ينادي مناد فيها: [يا] [¬٣] أيها الناس، فيقبل الناس بعضهم على بعض، هل سمعتم؟ فمنهم من يقول: نعم، ومنهم من يشك، ثم ينادي الثانية: يا أيها الناس، فيقول الناس بعضهم لبعض: هل سمعتم؛ فيقولون: نعم. ثم ينادي الثالثة: [يا] [¬٤] أيها الناس، أتى أمر الله فلا تستعجلوه". قال رسول الله [ ﷺ ]: "فوالذي نفسي بيده، إن الرجلين لينشران الثوب فما يطويانه أبدًا، وإن الرجل ليمدَّن حوضه فما يسقي فيه شيئًا

стр. 3733

أبدًا، وإن الرجل ليحلب ناقته فما يشربه أبدًا - قال: ويشتغل الناس [¬١] " (١). ثم إنه تعالى نزه نفسه عن شركهم [¬٢] به غيره، وعبادتهم معه ما سواه من الأوثان والأنداد، تعالى وتقدس علوًّا كبيرًا، وهؤلاء هم المكذبون بالساعة، فقال [¬٣]: ﴿سُبْحَانَهُ وَتَعَالى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾. ﴿يُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ أَنْ أَنْذِرُوا أَنَّهُ لَا إِلَهَ إلا أَنَا فَاتَّقُونِ (٢)﴾ يقول تعالى: ﴿يُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ بِالرُّوحِ﴾ أي: الوحي، كقوله [¬٤]: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَينَا إِلَيكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا﴾ ". وقوله: ﴿عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾ وهم الأنبياء، كما قال تعالى: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيثُ يَجْعَلُ رِسَالتَهُ [¬٥]﴾، وقال: ﴿اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ﴾، وقال: ﴿يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلَاقِ (١٥) يَوْمَ هُمْ بَارِزُونَ لَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيءٌ لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾. وقوله: ﴿أَنْ أَنْذِرُوا﴾ أي: لينذروا ﴿أَنَّهُ لَا إِلَهَ إلا أَنَا فَاتَّقُونِ [¬٦]﴾ [] [¬٧] أي: فاتقوا عقوبتي من خالف أمري وعبد غيري. ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ تَعَالى عَمَّا يُشْرِكُونَ (٣) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ (٤)﴾

стр. 3734

يخبر تعالى عن خلقه العالم العلوي: وهو السموات، والعالم السفلي: وهو الأرض بما حوت، وأن ذلك مخلوق بالحق لا للعبث، بل ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى﴾. ثم نزه نفسه عن شرك من عبد معه غيره، وهو المستقل بالخلق وحده لا شريك له، فلهذا يستحق أن يعبد وحده لا شريك له. ثم نبه على خلق جنس الإِنسان من نطفة، أي: مهينة ضعيفة، فلما استقل ودرج إذا هو يخاصم ربه تعالى ويكذبه ويحارب رسله، وهو إنما خلق ليكون عبدًا لا ضدًّا، [كقوله تعالى] [¬١]: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيرًا (٥٤) وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُهُمْ وَلَا يَضُرُّهُمْ وَكَانَ الْكَافِرُ عَلَى رَبِّهِ ظَهِيرًا﴾، وقوله [¬٢]: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ (٧٧) وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَال مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ (٧٨) قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾، وفي الحديث الذي رواه الإمام أحمد (٢) وابن ماجه، عن [بُسر ابن] [¬٣] جحاش قال: بصق رسول الله [ ﷺ ] في كفه، ثم قال: "يقول الله تعالى: ابن آدم، أنَّى تعجزني وقد خلقتك من مثل هذه، حتى إذا سويتك فعدلتك، مشيت بين برديك وللأرض منك وئيد، فجمعت ومنعت حتى إذا بلغت الحلقوم، قلت: أتصدق وأنَّى أوان الصدقة؟ ". ﴿وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ (٥) وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ (٦) وَتَحْمِلُ أَثْقَالكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إلا بِشِقِّ الْأَنْفُسِ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (٧)﴾ يمتن تعالى على عباده بما خلق [] [¬٤] لهم من الأنعام، وهي الإِبل والبقر والغنم، كما

стр. 3735

فصلها في سورة الأنعام إلى [¬١] ثمانية أزواج، وبما جعل لهم فيها [¬٢] من المصالح والمنافع؛ من أصوافها وأوبارها وأشعارها يلبسون ويفترشون، ومن ألبانها يشربون، ويأكلون من أولادها، وما لهم فيها من الجمال: وهو الزينة، ولهدا قال: ﴿وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ [¬٣] حِينَ تُرِيحُونَ﴾ وهو وقت [¬٤] رجوعها عشيًّا من المرعى [¬٥]، فإنها تكون أمده خواصر، وأعظمه ضروعًا وأعلاه أسنمة ﴿وَحِينَ تَسْرَحُونَ﴾ أي: غدوة حين تبعثونها إلى المرعى. ﴿وَتَحْمِلُ أَثْقَالكُمْ﴾ وهي الأحمال المثقلة التي تعجزون عن نقلها وحمدها ﴿إِلَى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إلا بِشِقِّ الْأَنْفُسِ﴾ وذلك في الحج والعمرة والغزو والتجارة وما جرى مجرى ذلك، تستعملونها في [¬٦] أنواع الاستعمال من ركوب وتحميل، كقوله [¬٧]: ﴿وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهَا وَلَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ كَثِيرَةٌ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ (٢١) وَعَلَيهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ﴾، وقال تعالى: ﴿اللَّهُ [¬٨] الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَنْعَامَ لِتَرْكَبُوا مِنْهَا وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ﴾ [¬٩] (٧٩) وَلَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ وَلِتَبْلُغُوا عَلَيهَا حَاجَةً فِي صُدُورِكُمْ وَعَلَيهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ (٨٠) وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ فَأَيَّ آيَاتِ اللَّهِ تُنْكِرُونَ﴾ ولهذا قال هاهنا بعد تعداد هذه النعم: ﴿إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ أي: ربكم الذي قيض لكم هذه الأنعام وسخرها لكم، كقوله [¬١٠]: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيدِينَا أَنْعَامًا فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ (٧١) وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ﴾، وقال: ﴿لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيتُمْ عَلَيهِ وَتَقُولُوا سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ (١٣) وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ [¬١١]﴾. قال ابن عباس: ﴿لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ﴾ أي: ثياب، والمنافع: ما ينتفعون [¬١٢] به من الأطعمة والأشربة. وقال عبد الرزاق: أخبرنا [¬١٣] إسرائيل، عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس: ﴿دِفْءٌ وَمَنَافِعُ﴾ نسل كل دابة. وقال مجاهد ﴿لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ﴾ أي [¬١٤]: لباس

стр. 3736

ينسج ﴿وَمَنَافِعُ﴾ تركب ولحم ولبن. وقال قتادة: ﴿دِفْءٌ وَمَنَافِعُ﴾ يقول: لكم فيها لباس ومنفعة وبلغة. وكذا قال غير واحد من المفسرين بألفاظ متقاربة. ﴿وَالْخَيلَ وَالْبِغَال وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٨)﴾ هذا صنف آخر مما خلق ﵎ لعباده يمتن به عليهم؛ وهو الخيل والبغال والحمير، التي جعلها للركوب والزينة بها، وذلك أكبر المقاصد منها، ولما فضلها [¬١] على [¬٢] الأنعام وأفردها بالذكر، استدل [¬٣] من استدل [ممن ذهب من العلماء] إلى تحريم لحوم الخيل بذلك على ما ذهب إليه فيها، كالإِمام أبي حنيفة ﵀ ومن وافقه من الفقهاء بأنه [¬٤] تعالى قرنها بالبغال والحمير وهي حرام، كما ثبتت به السنة النبوية وذهب إليه [¬٥] أكثر العلماء. وقد روى الإمام أبو جعفر بن جرير (٣) حدثني يعقوب، حدثنا ابن علية [¬٦]، أنبأنا هشام الدستوائي، حدَّثنا يحيى بن أبي كثير، عن مولى نافع بن علقمة، عن [¬٧] ابن عباس: أنه [¬٨] كان يكره لحوم الخيل والبغال والحمير، وكان يقول: قال الله تعالى: ﴿وَالْأَنْعَامَ

стр. 3737

خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ﴾ فهذه للأكل ﴿وَالْخَيلَ وَالْبِغَال وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا﴾ فهذه للركوب. وكذا روى من طريق سعيد بن جبير وغيره عن ابن عباس بمثله، وقال مثل ذلك الحكم [¬١] بن عتيبة [¬٢] [أيضًا ﵁]، واستأنسوا بحديث رواه الإِمام أحمد في مسنده (٤). حدثنا يزيد بن عبد ربه، حدثنا بقية بن الوليد، حدثنا ثور بن يزيد، عن صالح بن يحيى بن المقدام بن معد يكرب، عن أبيه، عن جده، عن خالد بن الوليد ﵁ قال: نهى رسول الله ﷺ عن أكل لحوم الخيل والبغال والحمير. وأخرجه أبو داود والنسائي وابن ماجه: من حديث صالح بن يحيى بن المقدام وفيه كلام به. ورواه أحمد (٥) أيضًا من وجه آخر بأبسط من هذا وأدل منه؛ فقال: حدثنا أحمد بن عبد الملك، حدثنا محمد بن حرب، حدثنا سليمان بن سليم، عن صالح بن يحيى بن المقدام، عن جده المقدام بن معد يكرب قال: غزونا مع خالد بن الوليد الصائفة، فقرم [¬٣] أصحابنا إلى اللحم، فسألوني رمكة [¬٤] فدفعتها إليهم فحبلوها، فقلت: مكانكم حتى آتي خالدًا فأسأله. فأتيته فسألته، فقال: غزونا مع رسول الله ﷺ غزوة خيبر، فأسرع الناس في حظائر يهود، فأمرني أن أنادي: الصلاة جامعة ولا يدخل الجنة [¬٥] إلا مسلم. ثم قال: "أيها الناس: إنكم قد أسرعتم في حظائر يهود، ألا لا يحل أموال المعاهدين إلا بحقها، وحرام عليكم لحوم الأَتُن الأهلية وخيلها وبغالها، وكل ذي ناب من السباع، وكل ذي مخلب من الطير". والرمكة: هي الحجرة، وقوله: حبلوها أي: أوثقوها في الحبل ليذبحوها، والحظائر: البساتين القريبة من العمران. وكأن هذا الصنيع وقع بعد إعطائهم العهد، ومعاملتهم على الشطر، والله أعلم. فلو صح هذا الحديث لكان نصًّا في تحريم لحوم [¬٦] الخيل، ولكن لا يقاوم ما ثبت في

стр. 3738

الصحيحين (٦): عن جابر بن عبد الله قال: نهى رسول الله ﷺ عن لحوم الحمر الأهلية وأذن في لحوم الخيل. ورواه الإمام [¬١] أحمد (٧) وأبو داود: بإسنادين كل منهما على شرط مسلم، عن جابر قال: ذبحنا يوم خيبر الخيل والبغال والحمير، فنهانا رسول الله ﷺ عن البغال والحمير، ولم ينهنا [¬٢] عن الخيل. وفي صحيح مسلم (٨): عن أسماء بنت أبي بكر ﵄ قالت: نحرنا على [¬٣] عهد رسول الله ﷺ فرسًا فأكلناه ونحن بالمدينة. فهذه أدل وأقوى وأثبت، وإلى ذلك صار جمهور العلماء: مالك والشافعي وأحمد وأصحابهم وأمصر السلف والخلف، والله أعلم. وقال عبد الرزاق: أنبأنا ابن جريج، عن ابن أبي مليكة، عن ابن عباس قال: كانت الخيل وحشية فذللها الله لإِسماعيل بن إبراهيم ﵉. وذكر وهب بن منبه في إسرائيلياته: أن الله خلق الخيل من ريح الجنوب والله أعلم. فقد دل النص على جواز [¬٤] ركوب هذه الدواب ومنها البغال، وقد أهديت إلى رسول الله ﷺ بغلة فكان يركبها، مع أنه قد نهى عن إنزاء الحُمر على الخيل؛ لئلا ينقطع النسل.

стр. 3739

قال الإمام أحمد (٩): حدثني محمَّد بن عبيد، حدثنا عمر من آل حذيفة، عن الشعبي، عن دحية الكلبي قال: قلت: يا رسول الله، ألا أحمل لك حمارًا على فرس فتنتج لك بغلا فتركبها؟ قال: "إنما يفعل ذلك الذين لا يعلمون". ﴿وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ وَمِنْهَا جَائِرٌ وَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ (٩)﴾ لما ذكر تعالى من الحيوانات ما يسار عليه في السبل الحسية نبه على الطرق المعنوية الدينية، وكثيرًا ما يقع في القرآن العبور من الأمور الحسية إلى الأمور المعنوية النافعة الدينية، كقوله [¬١] تعالى: ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾، وقال تعالى: ﴿يَابَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيرٌ﴾. ولما ذكر تعالى في هذه السورة الحيوانات من الأنعام وغيرها، التي يركبونها ويبلغون عليها حاجة في صدورهم، وتحمل أثقالهم إلى البلاد والأماكن البعيدة والأسفار الشاقة، شرع في ذكر الطرق التي يسلكها الناس إليه، فبين أن الحق منها [ما هي] [¬٢] موصلة إليه، فقال: ﴿وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ﴾، كقوله [¬٣]: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾، وقال: ﴿قَال [¬٤] هَذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ﴾. قال مجاهد [في قوله] [¬٥]: ﴿وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ﴾ قال: [طريق الحق على الله. وقال السدي: ﴿وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ﴾] [¬٦] قال: الإِسلام.

стр. 3740

وقال العوفي، عن ابن عباس في قوله: ﴿وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ﴾ يقول: و [¬١] على الله البيان. أي: تبيين [¬٢] الهدى والضلال [¬٣]. وكذا روى علي بن أبي طلحة عنه، وكذا قال قتادة والضحاك، وقول مجاهد ها هنا أقوى من حيث السياق؛ لأنّه تعالى أخبر أن ثم طرقًا تسلك [¬٤] إليه، فليس يصل إليه منها إلا طريق الحق، وهي الطريق التي شرعها ورضيها، وما عداها مسدودة والأعمال فيها مردودة، ولهذا قال تعالى: ﴿وَمِنْهَا جَائِرٌ﴾ أي: خائر مائل زائغ عن الحق. قال ابن عباس وغيره: هي الطرق المختلفة، والآراء والأهواء [¬٥] المتفرقة، كاليهودية والنصرانية والمجوسية. وقرأ ابن مسعود: (ومنكم جائر). ثم أخبر تعالى [¬٦] أن ذلك كله كائن عن قدرته ومشيئته، فقال: ﴿وَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ﴾، كما قال تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا﴾، وقال: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ (١١٨) إلا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾. ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لَكُمْ مِنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ (١٠) يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالْأَعْنَابَ وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (١١)﴾ لما ذكر تعالى [¬٧] ما أنعم به عليهم من الأنعام والدواب شرع في ذكر نعمته عليهم في إنزال المطر من السماء: وهو العلو، مما لهم فيه بلغة ومتاع لهم ولأنعامهم، فقال: ﴿لَكُمْ مِنْهُ شَرَابٌ﴾ أي: جعله عذبًا زلالًا يسوغ لكم شرابه، ولم يجعله ملحًا أجاجًا. ﴿وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ﴾ أي: وأخرج لكم به [¬٨] شجرًا ترعون فيه أنعامكم. كما قال ابن عباس وعكرمة والضحاك وقتادة وابن زيد في قوله: ﴿فِيهِ تُسِيمُونَ﴾ أي: ترعون.

стр. 3741

ومنه الإِبل السائمة، والسوم: الشرعي. وروى ابن ماجه (١٠): أن رسول الله صلى الله عليه وسأنهى عن السوم قبل طلوع الشمس. وقوله: ﴿يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالْأَعْنَابَ وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ﴾ أي: يخرجها من الأرض بهذا الماء الواحد، على اختلاف صنوفها وطعومها وألوانها وروائحها وأشكالها، ولهذا قال: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ أي: دلالة وحجة على أنه لا إله إلا الله، كما قال تعالى: ﴿أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ [¬١] مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ﴾. ثم قال تعالى: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (١٢) وَمَا ذَرَأَ لَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ (١٣)﴾ ينبه تعالى عباده على آياته العظام، ومننه الجسام، في تسخيره الليل والنهار يتعاقبان، والشمس والقمر يدوران، والنجوم الثوابت والسيارات، في أرجاء السموات نورًا وضياء للمهتدين [¬٢] بها في الظلمات، وكل منها يسير في فلكه الذي جعله الله تعالى فيه، يسير بحركة مقدرة لا يزيد عليها ولا ينقص منها، والجميع تحت قهره وسلطانه وتسخيره وتقدير وتسييره، كقوله [¬٣]: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالمِينَ﴾، ولهذا قال: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ

стр. 3742

لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ أي: لدلالات على قدرته تعالى الباهرة وسلطانه العظيم لقوم يعقلون عن الله ويفهمون حججه. وقوله: ﴿وَمَا ذَرَأَ لَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ﴾ لما نبه تعالى [¬١] على معالم السموات نبه على ما خلق في الأرض من الأمور العجيبة، الأشياء المختلفة من الحيوانات والمعادن والنباتات والجمادات [¬٢]، على اختلاف ألوانها وأشكالها، وما فيها من المنافع والخواص ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ﴾ أي الاء الله ونعمه فيشكرونها. ﴿وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (١٤) وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَأَنْهَارًا وَسُبُلًا لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٥) وَعَلَامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ (١٦) أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (١٧) وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (١٨)﴾ يخبر تعالى عن تسخيره البحر المتلاطم الأمواج، ويمتن على عباده بتذليله لهم، وتيسيرهم [¬٣] للركوب فيه، وجعله السمك والحيتان فيه، وإحلاله لعباده لحمها؛ حيها وميتها، في الحل والإِحرام، وما يخلقه فيه بن اللآلئ والجواهر النفيسة، وتسهيله للعباد استخراجها من قرارها حلية يلبسونها، وتسخيره البحر لحمل [¬٤] السفن التي تمخره، أي: تشقه. وقيل: تمخر الرياح، وكلاهما صحيح، [وقيل: تمخره بجؤجئها] [¬٥]: وهو صدرها المسنم، الذي أرشد العباد إلى صنعتها، وهداهم إلى ذلك إرثًا عن أبيهم نوح ﵇، فإنه أول من ركب السفن، وله كان تعليم صنعتها، ثم أخذها الناس عنه قرنا بعد قرن، وجيلا بعد جيل، يسيرون من قطر إلى قطر، ومن [¬٦] بلد إلى بلد، ومن [¬٧] إقليم إلى إقليم، [لجلب ما هناك إلى هنا، وما هنا إلى هناك] [¬٨]، ولهذا قال تعالى: ﴿وَلِتَبْتَغُوا

стр. 3743

مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ أي: نعمه وإحسانه. وقد قال الحافظ أبو بكر البزار في مسنده (١١): وجدت في كتابي عن محمَّد بن معاوية البغدادي، حدثنا عبد الرحمن بن عبد الله بن [عمر، عن سهيل] [¬١] بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة [] [¬٢] قال: "كلم الله [هذا] [¬٣] البحر الغربي، وكلم البحر الشرقي، فقال للبحر الغربي: إني حامل فيك عبادًا من عبادي فكيف أنت صانع فيهم؟ قال: أغرقهم. فقال: بأسك في نواحيك، وأحملهم على يدي، وحرمه الحلية والصيد. وكلم [هذا] [¬٤] البحر الشرقي فقال: إني حامل فيك عبادا من عبادي فما أنت صانع بهم؟ فقال: أحملهم على يدي، وأكون لهم كالوالدة لولدها. فأثابه الحلية والصيد". ثم قال البزار: لا نعلم من [¬٥] رواه عن سهيل [¬٦] غير عبد الرحمن بن عبد الله ابن عمر [¬٧]، وهو منكر الحديث. وقد رواه سهيل [¬٨]، عن النعمان بن أبي عياش، عن عبد الله بن [] [¬٩] عمرو موقوفًا. ثم ذكر تعالى الأرض وما جعل [¬١٠] فيها من الرواسي الشامخات، والجبال الراسيات، لتقر الأرض ولا تميد -أي: تضطرب- بما عليها من الحيوانات [¬١١]، فلا يهنأ لهم عيش بسبب ذلك، ولهذا قال: ﴿وَالْجِبَال أَرْسَاهَا﴾ وقال عبد الرزاق: أنبأنا معمر، عن قتادة، سمعت الحسن يقول: لما خلقت الأرض كانت تميد، فقالوا [¬١٢]: ما هذه بمقرة على ظهرها أحدًا. فأصبحوا وقد خلقت الجبال، فلم [¬١٣] قدر الملائكة مم خلقت الجبال. وقال سعيد: عن قتادة، عن الحسن، عن قيس بن عباد [¬١٤]: أن الله لما خلق الأرض جعلت تمور، فقالت الملائكة: ما هذه بمقرة على ظهرها أحدًا. فأصبحت صبحًا وفيها

стр. 3744

رواسيها. وقال ابن جرير (١٢): حدثني المثنى، حدثني حجاج بن منهال، حدثنا حماد، عن عطاء بن السائب، عن عبد الله بن حبيب، عن علي بن أبي طالب ﵁ قال: لما خلق الله الأرض قمصت [¬١]، وقالت: أي رب، تجعل عليَّ بني آدم يعملون [على] [¬٢] الخطايا ويجعلون [¬٣] عليَّ الخبث؟ قال [¬٤]: فأرسى الله فيها من الجبال ما ترون وما لا ترون، فكان إقرارها كاللحم يترجرج. وقوله: ﴿وَأَنْهَارًا وَسُبُلًا﴾ أي: وجعل فيها أنهارا تجري من [] [¬٥] مكان إلى مكان آخر رزقًا للعباد، ينبع في موضع وهو رزق لأهل موضع آخر، فيقطع البقاع والبراري والقفار، ويخترق الجبال والآكام فيصل إلى البلد الذي سخر لأهله، وهي سائرة في الأرض يمنة ويسرة، وجنوبا وشمالًا، وشرقا وغربا، ما [¬٦] بين صغار وكبار، وأودية تجري حينا وتنقطع في وقت، وما بين نبع وجمع، وقوي السير وبطئه، بحسب ما أراد وقدر وسخر ويسر، فلا إله إلا هو ولا رب سواه. وكذلك جعل [¬٧] في الأرض سبلًا، أي: طرفًا يسلك فيها من بلاد إلى بلاد، حتى إنه تعالى ليقطع الجبل حتى يكون ما بينهما ممرًّا [¬٨] ومسلكا، كما قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا فِيهَا فِجَاجًا سُبُلًا﴾ الآية. وقوله: ﴿وَعَلَامَاتٍ﴾ أي: دلائل من جبال كبار وأكام صغار ونحو ذلك، يستدل بها المسافرون برا وبحرا إذا ضلوا الطرق. وقوله: ﴿وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ﴾ أي: في ظلام الليل، قاله ابن عباس. وعن مالك في قوله: ﴿وَعَلَامَاتٍ [وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ]﴾ يقول [¬٩]: النجوم وهي الجبال. ثم [قال تعالى منبهًا] [¬١٠] على عظمته، و [¬١١] أنه لا تنبغي [¬١٢] العبادة إلا له دون ما سواه

стр. 3745

من الأوثان، التي لا تخلق شيئًا بل هم يخلقون، ولهذا قال: ﴿أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾. ثم نبههم على كثرة نعمه عليهم وإحسانه إليهم، فقال: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ أي: يتجاوز عنكم، ولو طالبكم بشكر جميع نعمه لعجزتم عن القيام بذلك، ولو أمركم به لضعفتم وتركتم، ولو عذبكم لعذبكم وهو غير ظالم لكم، ولكنه غفور رحيم، يغفر الكثير، ويجازي على اليسير. وقال ابن جرير: يقول إن الله لغفور لما كان منكم من تقصير في شكر بعض ذلك، إذا تبتم وأنبتم إلى طاعته واتباع مرضاته، رحيم بكم أن يعذبكم بعد الإِنابة والتوبة. ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ (١٩) وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَخْلُقُونَ شَيئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ (٢٠) أَمْوَاتٌ غَيرُ أَحْيَاءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ (٢١)﴾ يخبر تعالى أنه يعلم الضمائر والسرائر كما يعلم الظواهر، وسيجزي كل عامل بعمله يوم القيامة؛ إن خيرًا فخير، وإن شرًّا فشر. ثم أخبر أن الأصنام التي يدعونها من دون الله لا يخلقون [شيئًا وهم يخلقون] [¬١]، كما قال الخليل: ﴿أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ (٩٥) وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾. وقوله: ﴿أَمْوَاتٌ غَيرُ أَحْيَاءٍ﴾ أي: هي جمادات لا أرواح فيها، فلا تسمع ولا تبصر ولا تعقل. ﴿وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾ أي: لا يدرون متى تكون الساعة، فكيف [¬٢] يرتجى عند هذه نفع أو ثواب [¬٣] أو جزاء؟ إنما يرتجى ذلك من الذي يعلم كل شيء وهو خالق كل شيء. ﴿إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ قُلُوبُهُمْ مُنْكِرَةٌ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ (٢٢) لَا جَرَمَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْتَكْبِرِينَ (٢٣)﴾

стр. 3746

يخبر تعالى أنه لا إله إلا هو الواحد الأحد الفرد الصمد، وأخبر أن الكافرين تنكر قلوبهم ذلك، كما أخبر عنهم متعجبين من ذلك ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيءٌ عُجَابٌ﴾. وقال تعالى: ﴿وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾. وقوله: ﴿وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ﴾ أي: عن عبادة الله، مع [¬١] إنكار قلوبهم لتوحيده، كما قال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾، ولهذا قال ها هنا: ﴿لَا جَرَمَ﴾ أي: حقًّا ﴿أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ﴾ أي: وسيجزيهم على ذلك أتم الجزاء ﴿إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْتَكْبِرِينَ﴾. ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (٢٤) لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيرِ عِلْمٍ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ (٢٥)﴾ يقول تعالى: وإذا قيل لهؤلاء المكذبين ﴿مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُوا﴾ معرضين عن الجواب ﴿أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ أي: لم ينزل شيئًا، إنما هذا الذي يتلى علينا أساطير الأولين، أي: مأخوذ من كتب المتقدمين، كما قال تعالى: ﴿وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ أي: يفترون على الرسول، ويقولون أقوالًا متضادة مختلفة كلها باطلة، كما قال تعالى: ﴿انْظُرْ كَيفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَال فَضَلُّوا فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا﴾ وذلك أن كل من خرج عن الحق فمهما قال أخطأ، وكانوا يقولون ساحر وشاعر وكاهن ومجنون، ثم استقر أمرهم إلى ما اختلفه لهم شيخهم الوحيد [المسمى بالوليد] [¬٢] بن المغيرة المخزومي، لما ﴿فَكَّرَ وَقَدَّرَ (١٨) فَقُتِلَ كَيفَ قَدَّرَ (١٩) ثُمَّ قُتِلَ كَيفَ قَدَّرَ (٢٠) ثُمَّ نَظَرَ (٢١) ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ (٢٢) ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ (٢٣) فَقَال إِنْ هَذَا إلا سِحْرٌ يُؤْثَرُ﴾ أي: ينقل ويحكى، فتفرقوا عن قوله ورأيه قبحهم الله. قال الله تعالى: ﴿لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيرِ عِلْمٍ﴾ أي: إنما قدرنا عليهم أن يقولوا ذلك، ليتحملوا [¬٣] أوزارهم ومن أوزار الذين يتبعونهم ويوافقونهم، أي: يصير عليهم خطيئة ضلالهم في أنفسهم، وخطيئة إغوائهم

стр. 3747

لغيرهم واقتداء أولئك بهم، كما جاء في الحديث: "من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من اتبعه لا ينقص ذلك من أجورهم شيئًا، ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الإِثم مثل آثام من اتبعه لا ينقص ذلك من آثامهم شيئًا" (١٣). وقال تعالى: ﴿وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالهُمْ وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ وَلَيُسْأَلُنَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَمَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾. وهكذا روى العوفي، عن ابن عباس في قوله [¬١]: ﴿لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيرِ عِلْمٍ﴾ أنها كقوله: ﴿وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالهُمْ وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ﴾. وقال مجاهد: يحملون أثقالهم، ذنوبهم [¬٢] وذنوب من أطاعهم، ولا يخفف عمن أطاعهم من العذاب شيئًا. ﴿قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُمْ مِنَ الْقَوَاعِدِ فَخَرَّ عَلَيهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَأَتَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيثُ لَا يَشْعُرُونَ (٢٦) ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يُخْزِيهِمْ وَيَقُولُ أَينَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تُشَاقُّونَ فِيهِمْ قَال الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ إِنَّ الْخِزْيَ الْيَوْمَ وَالسُّوءَ عَلَى الْكَافِرِينَ (٢٧)﴾ قال العوفي: عن ابن عباس في قوله: ﴿قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ قال: هو النمروذ الذي بني الصرح. قال ابن أبي حاتم: وروي عن مجاهد نحوه. وقال عبد الرزاق: عن معمر، عن زيد بن أسلم: أول جبار كان في الأرض النمروذ، فبعث الله عليه بعوضة، فدخلت [¬٣] في منخره، فمكث أربعمائة سنة يضرب رأسه بالمطارق، وأرحم الناس به من جمع يديه فضرب بهما [¬٤] رأسه، وكان جبارا أربعمائة

стр. 3748

سنة، فعذبه الله أربعمائة سنة كملكه، ثم أماته الله [¬١] وهو الذي كان بني صرحا [¬٢] إلى السماء، الذي قال الله تعالى: ﴿فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُمْ مِنَ الْقَوَاعِدِ﴾ (١٤). وقال آخرون: بل هو بختنصر. وذكروا من المكر الذي حكى [¬٣] الله ها هنا كما قال في سورة إبراهيم ﴿وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ﴾. وقال آخرون: هذا من باب المثل لإبطال ما صنعه [¬٤] هؤلاء [¬٥] الذين كفروا بالله، وأشركوا في عبادته غيره، كما قال نوح ﵇ ﴿وَمَكَرُوا مَكْرًا كُبَّارًا﴾ أي: احتالوا في إضلال الناس بكل حيلة، وأمالوهم إلى شركهم بكل وسيلة، كما يقول لهم [¬٦] أتباعهم يوم القيامة: ﴿بَلْ مَكْرُ اللَّيلِ وَالنَّهَارِ إِذْ تَأْمُرُونَنَا أَنْ نَكْفُرَ بِاللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَنْدَادًا﴾ الآية. وقوله: ﴿فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُمْ مِنَ الْقَوَاعِدِ﴾ أي: اجتثه من أصله وأبطل عملهم، وأصلها كقوله [¬٧] تعالى: ﴿كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ﴾. وقوله: ﴿فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيدِيهِمْ وَأَيدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَاأُولِي الْأَبْصَارِ﴾. وقال الله ها هنا: ﴿فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُمْ مِنَ الْقَوَاعِدِ فَخَرَّ عَلَيهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَأَتَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيثُ لَا يَشْعُرُونَ (٢٦) ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يُخْزِيهِمْ﴾ أي: يظهر فضائحهم، وما كانت تجنه ضمائرهم، فيجعله علانية، كقوله [¬٨] تعالى: ﴿يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ﴾ أي: تظهر وتشتهر، كما في الصحيحين (١٥): عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : "ينصب لكل غادر لواء يوم القامة عند استه بقدر غدرته [¬٩]، فيقال: هذه غدرة فلان بن فلان".

стр. 3749

وهكذا هؤلاء يظهر للناس ما كانوا يسرونه من المكر، ويخزيهم الله على رءوس الخلائق، ويقول لهم الرب ﵎ مقرعًا لهم وموبخًا: ﴿أَينَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تُشَاقُّونَ فِيهِمْ﴾ تحاربون وتعادون في سبيلهم، [] [¬١] أين هم عن نصركم وخلاصكم ها هنا؟ ﴿هَلْ يَنْصُرُونَكُمْ أَوْ يَنْتَصِرُونَ﴾، ﴿فَمَا لَهُ مِنْ قُوَّةٍ وَلَا نَاصِرٍ﴾ فإذا توجهت عليهم الحجة، وقامت عليهم الدلالة، وحقت عليهم الكلمة، وأسكتوا عن الاعتذار حين لا فرار ﴿قَال الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ وهم السادة في الدنيا والآخرة، والمخبرون عن الحق في الدنيا والآخرة، فيقولون حينئذ: ﴿إِنَّ الْخِزْيَ الْيَوْمَ وَالسُّوءَ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ أي: الفضيحة والعذاب محيط [¬٢] اليوم بمن كفر بالله، وأشرك به ما لا يضره وما لا ينفعه. ﴿الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ فَأَلْقَوُا السَّلَمَ مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِنْ سُوءٍ بَلَى إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٢٨) فَادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَلَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ (٢٩)﴾ يخبر تعالى عن حال المشركين الظالمي أنفسهم عند احتضارهم، ومجيء الملائكة إليهم لقبض أرواحهم الخبيثة [¬٣] ﴿فَأَلْقَوُا السَّلَمَ﴾ أي: أظهروا السمع والطاعة والانقياد قائلين: ﴿مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِنْ سُوءٍ﴾ كما يقولون يوم المعاد: ﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾، ﴿يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ﴾ قال الله مكذبًا لهم في قيلهم ذلك: ﴿بَلَى إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٢٨) فَادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَلَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ﴾ أي: بئس المقيل والمقام والمكان من دار هوان، لمن [¬٤] كان متكبرًا عن آيات الله واتباع رسله. وهم يدخلون جهنم من يوم مماتهم بأرواحهم، ويأتى [¬٥] أجسادهم في قبورها من حرها وسمومها، فإذا كان يوم القيامة سلكت أرواحهم في آجسادهم، وخلدت في نار جهنم ﴿لَا يُقْضَى عَلَيهِمْ فَيَمُوتُوا وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا﴾ كما قال الله تعالى: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾. ﴿وَقِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُوا خَيرًا لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ

стр. 3750

الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَلَدَارُ الْآخِرَةِ خَيرٌ وَلَنِعْمَ دَارُ الْمُتَّقِينَ (٣٠) جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَاءُونَ كَذَلِكَ يَجْزِي اللَّهُ الْمُتَّقِينَ (٣١) الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلَامٌ عَلَيكُمُ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٣٢)﴾ هذا خبر عن السعداء بخلاف [ما أخبر] [¬١] به عن الأشقياء، فإن أولئك قيل لهم ﴿مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ﴾ فقالوا [¬٢] معرضين عن الجواب: لم ينزل شيئًا إنما هذا أساطير الأولين، وهؤلاء ﴿قَالُوا خَيرًا﴾ أي: أنزل خيرًا، أي: رحمة وبركة وحسنًا لمن اتبعه وآمن به. ثم أخبروا عما وعد الله عباده فيما أنزله على رسله، فقال [¬٣]: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَلَدَارُ الْآخِرَةِ خَيرٌ﴾ الآية، كقوله تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ أي: مَن أحسن عمله في الدنيا أحسن الله إليه في [الدنيا والآخرة]. ثم أخبروا بأن دار الآخرة خير، أي: من الحياة الدنيا والجزاء فيها أتم من الجزاء في الدنيا، كقوله [¬٤]: ﴿وَقَال [¬٥] الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيرٌ﴾ الآية، وقال تعالى: ﴿وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيرٌ لِلْأَبْرَارِ﴾، وقال تعالى: ﴿وَالْآخِرَةُ خَيرٌ وَأَبْقَى﴾، وقال لرسوله ﷺ ﴿وَلَلْآخِرَةُ خَيرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى﴾. ثم وصف [¬٦] الدار الآخرة فقال [¬٧]. ﴿وَلَنِعْمَ دَارُ الْمُتَّقِينَ﴾. وقوله: ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ﴾ بدل من قوله [¬٨]: ﴿دَارُ الْمُتَّقِينَ﴾، أي: لهم في الآخرة جنات عدن، أي: مقامة [¬٩] يدخلونها ﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ أي: بين أشجارها
следующие страницы →