← Тафсир

Тафсир · id 1509

تفسير ابن كثير - ط أولاد الشيخ

ابن كثير

Полный текст (6 736 стр.). Показаны 3676–3715 · переход к 3681.

стр. 3676

مسروق، عن عائشة؛ أنها قالت: أنا أول الناس سأل النبي، ﷺ ، عن هذه الآية: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّار﴾ قالت: قلت: أين الناس يومئذ يا رسول الله؟ قال: "على الصراط". رواه مسلم - منفردًا به دون البخاري - والترمذي وابن ماجه من حديث داود بن أبي هندٍ، به، وقال الترمذي: حسن صحيح [] [¬١]. ورواه أحمد أيضًا (٦٦): عن عفان، عن وهيب، عن [داود، عن الشعبي] [¬٢]، عنها ولم يذكر مسروقًا، وقال قتادة (٦٧): عن حسان بن بلال المزني، عن عائشة، ﵂: أنها سألت رسول الله، ﷺ ، عن [قول الله] [¬٣]: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ﴾ قال: قالت: يا رسول الله، فأين الناس يومئذ؟ قال: "لقد سألتني [¬٤] عن شيء ما سألني عنه أحد من أمتي، ذاك إذ الناس على [جسر جهنم] [¬٥] ". وروى الإمام أحمد (٦٨) من حديث حبيب بني أبي عمرة، عن مجاهد، عن ابن عباس، حدثتني عائشة أنها سألت رسول الله، ﷺ ، عن قوله تعالى: ﴿وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْويَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ فأين الناس يومئذ يا رسول الله؟ قال: "هم على متن جهنم".

стр. 3677

وقال ابن جرير (٦٩): حدثنا الحسن، حدثنا علي بن الجعد، أخبرنا القاسم، قال: سمعت الحسن؛ قال: قالت عائشة: يا رسول الله ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيرَ الْأَرْضِ﴾ فأين الناس يومئذ؟ قال: "إن هذا الشَّيءَ ما سألني عنه أحد" قال: "على الصراط يا عائشة". ورواه أحمد (٧٠): عن عفان، عن القاسم بن الفضل، عن الحسن، به. وقال الإِمام مسلم بن الحجاج في صحيحه (٧١): حدثني الحسن بن علي الحُلَّوَانِيُّ، حدثني أبو تَوْبَة [¬١] الربيع بن نافع، حدثنا معاوية بن سلام، عن زيد -يعني أخاه- أنه سمع أبا سلام، حدثني أبو أسماء الرَّحَبِيُّ، أن ثوبان مولى رسول الله، ﷺ ، حدثه قال: كنت قائمًا عند رسول الله، ﷺ ، فجاء حبر من أحبار اليهود، فقال: السلام عليك يا محمَّد؛ فدفعته دفعة كاد يصرع منها، فقال: لم تدفعني؟ فقلت: ألا تقولُ: يا رسول الله؟ فقال اليهودي: إنما ندعوه باسمه الذي سماه به أهلهُ. فقال رسول الله، ﷺ : "إن اسمي محمَّد الذي سماني به أهلي" فقال اليهودي: جئت أسألك. فقال له رسول الله، ﷺ : "أينفعك شي إن حدثتك" قيال: أسمع بأذني. فَنَكتَ رسول الله، ﷺ ، بعود معه، فقال: "سَلْ". فقال اليهودي: أين يكون [¬٢] الناس حين [¬٣] تبدل الأرض غير الأرض والسماوات؟ فقال رسول الله، ﷺ : "هم في الظلمة دون الجسر". قال: فمن أول الناس إِجَازَةً؟ قال: "فقراء المهاجرين". فقال اليهودي: فما تحفتهم حين يدخُلُون الجنة؟ قال: "زيادةُ كَبِد الحُوتِ [¬٤] ". قال: فما غِذَاؤُهُمْ في إِثْرِهَا؟ قال: "يُنْحَر لهم ثَوْرُ الجنة الذي كان يأكُلُ من أطرافها". قال: فما شرابهم عليه؟ قال: "من عين فيها [¬٥] تسمى سلسبيلًا". قال: صدقت. قال: وجئت أسألك عن شيء لا يعلمه أحد من أهل الأرض إلا نبي أو رجل أو رجلان.

стр. 3678

قال: "أينفعك [¬١] إن حدثتك؟ " قال: أسمع بأذني. قال: جئت أسألك عن الولد. قال: "ماء الرجل أبيضُ، وماء المرأة أصفر، فإذا اجتمعا فَعَلا منيُّ الرجلد منيَّ المرأة أَذْكَرا [¬٢] بإذن الله تعالى، وإذا علا منيُّ المرأة منيَّ الرجل آنثا بإذن الله". قال اليهودي: لقد صدقت، وإنك لنبي. ثم انصرف فذهب، فقال رسول الله، ﷺ : "لقد سألني هذا عن الذي سألني عنه وما لي عِلْمٌ بشيء منه، حتى أتاني الله به". قال [¬٣] أبو جعفر بن جرير الطبري (٧٢)، حدثنا ابن عوف، حدثنا أبو المغيرة، حدثنا ابن أبي مريم، حدثنا سعيد بن ثوبان الكلاعي، عن أبي أيوب الأنصاري: أتى النبيَّ، ﷺ حبْرٌ من اليهود، فقال: ارأيت إذ يقول الله تعالى في كتابه: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ﴾ فأين الخلق عند ذلك؟ فقال: "أضياف الله فلن يعجزهم ما لديه". ورواه ابن أبي حاتم: من حديث أبي بكر بن عبد الله بن أبي مريم به. وقال شعبة (٧٣): أخبرنا أبو إسحاق، سمعت عمرو بن ميمون - وربما قال: قال [¬٤] عبد الله، وربما لم يقل - فقلت له: عن عبد الله؟ فقال: سمعت عمرو بن ميمون يقول: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيرَ الْأَرْضِ﴾ قال: أرض كالفضة البيضاء نقية، لم يسفك فيها دم، ولم يعمل عليها خطيئة، ينفذهم البصر، ويسمعهم الداعي، حفاة عراة كما خلقوا. قال: أراه قال: قيامًا حتى يلجمهم العرق. وروي من وجه آخر (٧٤): عن شعبة، عن [¬٥] إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن عمرو بن

стр. 3679

ميمون، عن ابن مسعود، بنحوه. وكذا رواه عاصم (٧٥)، عن زر، عن ابن مسعود، به. وقال سفيان الثوري، عن أبي إسحاق، عن عمرو بن ميمون لم يخبر به (٧٦). أورد ذلك كله ابن جرير. وقد قال الحافظ أبو بكر البزار (٧٧): حدثنا محمد بن عبد اللَّه بن عبيد بن عقيل، حدثنا سهل بن حماد أبو عتاب [¬١]، حدثنا جرير بن أيوب، عن أبي إسحاق، عن عمرو بن ميمون، عن عبد اللَّه، عن النبي، ﷺ ، في قول اللَّه : ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيرَ الْأَرْضِ﴾ قال: "أرض بيضاء لم يسفك [¬٢] عليها دم، أو [¬٣] لم يعمل عليها خطيئة". ثم قال: لا نعلم رفعه إلا جرير بن أيوب، وليس [¬٤] بالقوي. ثم قال ابن جرير (٧٨): حدثنا أبو كريب، ثنا معاوية بن هشام، عن سنان، عن جابر الجعفي، عن أبي جبيرة، عن زيد قال: أرسل رسول اللَّه، ﷺ ، إلى اليهود فقال: "هل تدرون لم أرْسَلْتُ إليهم؟ " قالوا: اللَّه ورسوله أعلم. قال: "فإني أرسلتُ إليهم أسألهم عن قول اللَّه: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيرَ الْأَرْضِ﴾ إنها تكون يومئذ بيضاء مثل الفضة". فلما جاءوا سألهم، فقالوا: تكون بيضاء مثل النقي. وهكذا روي عن علي واين عباس وأنس بن مالك ومجاهد بن جبير: أنها [¬٥] تبدل يوم القيامة بأرض من فضة. وعن علي ﵁ أنه قال: تصير الأرض فضة، والسماوات ذهبًا.

стр. 3680

وقال الربيع، عن أبي العالية، عن أبي بن كعب، قال: تصير السماوات جنانًا. وقال أبو معشر، عن محمد بن كعب القرظي، عن محمد بن قيس في قوله: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيرَ الْأَرْضِ﴾ قال: خبزة يأكل منها المؤمنون من تحت أقدامهم. وكذا روى وكيع، عن [عمر] [¬١] بن بشير الهمداني، عن سعيد بن جبير في قوله: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيرَ الْأَرْضِ﴾ قال: تبدل الأرض [¬٢] خبزة بيضاء يأكل المؤمن من تحت قدميه. وقال الأعمش، عن خيثمة، قال: قال عبد اللَّه -هو [¬٣] ابن مسعود-: الأرض كلها يوم القيامة نار، والجنة من ورائها ترى كواعبها وأكوابها، ويلجم الناس العرق، أو [¬٤] يبلغ منهم العرق، ولم يبلغوا الحساب. وقال الأعمش أيضًا، عن المنهال بن عمرو [¬٥] عن قيس بن السكن، قال: قال عبد الله: الأرض كلها نار يوم القيامة، والجنة من ورائها ترى أكوابها وكواعبها، والذي نفس عبد اللَّه بيده، إن الرجل ليفيض عرقًا حتى ترسخ في الأرض قدمه، ثم يرتفع حتى يبلغ [¬٦] أنفه وما مسه الحساب. [فقالوا: من ذاك] [¬٧] يا أبا عبد الرحمن؟ قال: مما يرى [¬٨] الناس ويلقون. وقال أبو جعفر الرازي، عن الربيع بن أنس، عن كعب في قوله: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيرَ الْأَرْضِ﴾ قال: تصير السمارات جنانًا، ويصير مكان البحر نارًا، وتبدل الأرض غيرها. وفي [¬٩] الحديث الذي رواه أبو داود (٧٩): " لا يركب البحر إلا غاز أو حاج أو معتمر، فإن تحت البحر نارًا، أو تحت النار بحرًا".

стр. 3681

وفي حديث الصور المشهور المروى عن أبي هريرة (٨٠)، [عن النبي، ﷺ ، أنه قال] [¬١]: " [يبدل اللَّه الأرض] [¬٢] غير الأرض والسماوات فيبسطها، ويمدها مد الأديم العُكَاظِيِّ، لا ترى فيها عوجًا ولا أمتًا، ثم يَزْجُرُ اللهُ الخَلْقَ زَجْرةً فإذا هم في هذه المُبَدلَةِ". وقوله: ﴿وَبَرَزُوا لِلَّهِ﴾ أي: خرجت الخلائق جميعها من قبورهم للَّه ﴿الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ أي: الذي قهر كل شيء وغلبه، ودانت له الرقاب، وخضعت له الألباب. ﴿وَتَرَى الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ (٤٩) سَرَابِيلُهُمْ مِنْ قَطِرَانٍ وَتَغْشَى وُجُوهَهُمُ النَّارُ (٥٠) لِيَجْزِيَ اللَّهُ كُلَّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (٥١)﴾ يقول تعالى: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ﴾ وتبرز الخلائق لديَّانها، ترى يا محمد يومئذ المجرمين: وهم الذين أجرموا بفسادهم وكفرهم ﴿مُقَرَّنِينَ﴾ أي: بعضهم إلى بعض، قد جُمِع بين النظراء [¬٣] أو الأشكال منهم، كل صنف إلى صنف، كما قال تعالى: ﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ﴾، وقال: ﴿وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ﴾، وقال: ﴿وَإِذَا أُلْقُوا مِنْهَا مَكَانًا ضَيِّقًا مُقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُورًا﴾، وقال: ﴿وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ (٣٧) وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ﴾. والأصفاد: هي القيود، قاله ابن عباس، وسعيد بن جبير، والأعمش، وعبد الرحمن بن زيد، وهو مشهور في اللغة؛ قال عمرو بن كلثوم: فآبوا بالثياب وبالسبايا … وأبنا بالملوك مصفدينا وقوله: ﴿سَرَابِيلُهُمْ مِنْ قَطِرَانٍ﴾ أي: ثيابهم التي يلبسونها عليهم [¬٤] من قطران؛ وهو الذي تهنأ به الإِبل، أي: تطلى، قال [¬٥] قتادة: وهو ألصق شيء بالنار. ويقال فيه: قطران بفتح القاف وكسر الطاء وتسكينها [¬٦]، وبكسر القاف وتسكين

стр. 3682

الطاء، ومنه قول أبي النجم: كأن قطرانا إذا تلاها … ترمي [¬١] به الريح إلي مجراها وكان ابن عباس يقول: القطران هو النحاس المذاب، وربما قرأها: ﴿سَرَابِيلُهُمْ مِنْ قَطِرَانٍ﴾ أي: من نحاس حار قد انتهى حوه، وكذا روي عن مجاهد وعكرمة، وسعيد بن جبير، والحسن، وقتادة. وقوله: ﴿وَتَغْشَى وُجُوهَهُمُ النَّارُ﴾ كقوله: ﴿تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ﴾. وقال الإمام أحمد ﵀ (٨١): حدثنا يحيى بن إسحاق، أنبأنا أبان بن يزيد، عن يحيى بن أبي كثير، عن زلد، عن أبي سلام، عن أبي مالك الأشعري، قال: قال رسول اللَّه، ﷺ : ["أربع في أمتي] [¬٢] من أمر الجاهلية لا يتركوهن [¬٣]؛ الفخر بالأحساب، والطعن في الأنساب، والاستسقاء بالنجوم، والنياحة [على الميت] [¬٤]، و [] [¬٥] النائحة إذا لم تتب قبل موتها تقام يوم القيامة وعليها سربال من قطران، ودرع من جرب". انفرد بإخراجه مسلم. وفي حديث القاسم، عن أبي أمامة، ﵁؛ قال: قال رسول اللَّه، ﷺ ، [] [¬٦]: [النائحة إذا لم تتب توقف في طريق بين الجنة والنار، سرابيلها [¬٧] من قطران، وتغشى وجهها [¬٨] النار" (٨٢). وقوله: ﴿لِيَجْزِيَ اللَّهُ [كُلَّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ] [¬٩]﴾ أي: [] [¬١٠] يوم القيامة ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى﴾.

стр. 3683

﴿إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ يحتمل [¬١] أن يكون كقوله تعالى: ﴿اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ﴾ ويحتمل أنه في حال محاسبته لعبده سريع النجاز؛ لأنه يعلم كل شيء ولا يخفى عليه خافية، وإن جميع الخلق بالنسبة إلى قدرته كالواحد منهم، كقوله تعالى: ﴿مَا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ إلا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ وهذا معنى قول مجاهد: ﴿سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ إحصاء [¬٢]. ويحتمل أن يكون المعنيان [¬٣] مرادين، والله أعلم. ﴿هَذَا بَلَاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ (٥٢)﴾ يقول تعالى: هذا القرآن بلاغ للناس، كقوله: ﴿لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ أي: هو بلاغ لجميع الخلق؛ من إنس وجان [¬٤]، كما قال في أول السورة: ﴿الر [¬٥] كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ﴾. ﴿وَلِيُنْذَرُوا بِهِ﴾ أي: يتعظوا [¬٦] به ﴿وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ أي: يستدلوا بما فيه من الحجج والدلالات على أنه لا إله إلا هو ﴿وَلِيَذَّكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ أي: ذوو العقول. آخر تفسير سورة إبراهيم ﵊، [والحمد لله] [¬٧] رب العالمين. * * *

стр. 3684

سورة الحجر ﴿الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَقُرْآنٍ مُبِينٍ (١) رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ (٢) ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (٣)﴾ قد تقدم الكلام على الحروف المقطعة في أوائل السور. وقوله تعالى: ﴿رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ﴾، إخبار عنهم أنهم سيندمون على ما كانوا فيه من الكفر، ويتمنون لو كانوا في الدار الدنيا مع المسلمين. ونقل السدي في تفسيره بسنده المشهور عن ابن عباس وابن مسعود وغيرهما من الصحابة: أن [الكفار] [¬١] لما عرضوا على النار تمنوا أن لو كانوا مسلمين. وقيل: إن [¬٢] المراد أن كل كافر يود عند احتضاره [¬٣] أن لو كان مؤمنًا. وقيل: هذا إخبار عن يوم القيامة، كقوله [¬٤] تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقَالُوا يَاليتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾. وقال سفيان الثوري (١): عن سلمة بن [¬٥] كهيل، عن [¬٦] أبي الزعراء، عن عبد اللَّه في قوله: ﴿رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ﴾ قال: هذا في الجهنميين إذا [¬٧] رأوهم يخرجون من النار. وقال [¬٨] ابن جرير (٢): حدثني المثنى، أخبرنا مسلم بن إبراهيم [، حدثنا القاسم] [¬٩]

стр. 3685

حدثنا ابن أبي فروة العبدي: أن ابن عباس وأنس بن مالك كانا يتأولان هذه الآية ﴿رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ﴾ يتأولانها: يوم يحبس اللَّه أهل الخطايا من المسلمين مع المشركين في النار. قال: فيقول لهم المشركون: ما أغنى عنكم ما كنتم تعبدون في الدنيا. قال: فيغضب اللَّه لهم بفضل رحمته فيخرجهم، فذلك حين يقول: ﴿رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ﴾. وقال عبد الرزاق (٣): أخبرنا [¬١] الثوري عن حماد، عن إبراهيم، وعن خصيف، عن [¬٢] مجاهد، قالا: يقول أهل النار للموحدين: ما أغنى [عنكم إيمانكم] [¬٣]؟ فإذا قالوا ذلك، قال اللَّه: أخرجوا من كان في قلبه مثقال ذرة [من ايمان] [¬٤] قال: فعند ذلك قوله: ﴿رُبَمَا [¬٥] يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ﴾. وهكذا روي عن الضحاك وقتادة وأبي العالية وغيرهم. وقد ورد في ذلك أحاديث مرفوعة، فقال الحافظ أبو القاسم الطبراني (٤): حدثنا محمد بن العباس -هو الأخرم [¬٦]- حدثنا محمد بن منصور الطوسي، حدثنا صالح بن إسحاق الجِهْبِذ [¬٧]-[دلني عليه يحيى بن معين] [¬٨]- حدثنا مُعرّف [¬٩] بن واصل، عن يعقوب [بن نباتة] (*)، عن عبد الرحمن الأغر، عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "إن ناسًا من أهل لا إله إلا اللَّه

стр. 3686

يدخلون النار بذنوبهم، فيقول لهم أهل اللات والعزى: ما أغنى عنكم قولكم: لا إله إلا اللَّه، وأنتم معنا في النار؟ فيغضب اللَّه لهم [فيخرجُهم، فيلقيهم] [¬١] في نهر الحياة، فيبرءون [¬٢] من حرقهم كما يبرأ القمر من خسوفه [¬٣]، فيدخلون [¬٤] الجنة ويسمون فيها الجهنميين [¬٥] ". فقال رجل: يا أنس، أنت سمعت هذا من رسول اللَّه ﷺ ؟ فقال أنس: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "من كذب عليَّ متعمدًا فليتبوأ مقعده من النمر". نعم، أنا سمعت رسول اللَّه ﵌ يقول هذا. ثم قال الطبراني: تفرد به الجهبذ. (الحديث الثاني) وقال الطبراني أيضًا (٥): حدثنا عبد اللَّه بن أحمد بن حنبل، حدثنا أبو الشعثاء علي بن حسن الواسطي، حدثنا خالد بن نافع الأشعري، عن سعيد بن أبي بردة، عن أبيه، عن أبي موسى ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "إذا اجتمع أهل النار في النار، ومعهم من شاء اللَّه من أهل القبلة، قال الكفار للمسلمين: ألم تكونوا مسلمين؟ قالوا: بلى. قالوا: فما أغنى عنكم الإسلامُ، فقد صرتم معنا في النار؟ قالوا: كانت لنا ذنوب فأخذنا بها. فسمع اللَّه ما قالوا، فأمر بمن

стр. 3687

كان في النار من أهل القبلة فأخرجوا، فلما رأى ذلك من بقي من الكفار قالوا: يا ليتتا كنا مسلمين فنخرج كما خرجوا!! ". قال: ثم قرأ رسول اللَّه ﷺ : أعوذ باللَّه من الشيطان الرجيم: ﴿الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَقُرْآنٍ مُبِينٍ (١) رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ﴾. ورواه ابن أبي حاتم: من حديث خالد بن نافع به، وزاد فيه: بسم اللَّه الرحمن الرحيم، عوض الاستعاذة. (الحديث الثالث) قال [¬١] الطبراني أيضًا (٦): حدثنا موسى بن هارون، حدثنا إسحاق بن راهويه؛ قال: قلت لأبي أسامة: أحدّثكم أبو روق [¬٢] واسمه [¬٣] عطية بن الحارث: حدثني صالح بن أبي طريف؛ قال: سألت أبا سعيد الخدري فقلت له: هل سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول في هذه الآية: ﴿رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ﴾؟ قال: نعم، سمعته يقول: "يخرج اللَّه ناسًا من المؤمنين من النار بعدما يأخذ نقمته منهم". وقال: "لما أدخلهم اللَّه النار مع المشركين، قال لهم المشركون: تزعمون أنكم أولياء اللَّه في الدنيا فما بالكم معنا في النار؟ فإذا سمع اللَّه ذلك منهم أذن في الشفاعة لهم، فتشفع لهم [¬٤] الملائكة والنبيون، ويشفع المؤمنون حتى يخرجوا بإذن اللَّه، فإذا رأى المشكون ذلك، قالوا: يا ليتنا كنا مثلهم فتدركنا الشفاعة فنخرج معهم!! " قال: "فذلك قول اللَّه: ﴿رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ﴾ فيسمون في الجنة الجهنميين من أجل سواد في وجوههم، فيقولون: يارب، أذهب عنا هذا الاسم، فيأمرهم فيغتسلون في نهر الجنة فيذهب ذلك الاسم عنهم"؟ فأقر به أبو أسامة، وقال: نعم. (الحديث الرابع) وقال ابن أبي حاتم (٧): حدثنا علي بن الحسين، حدثنا العباس ابن [¬٥] الوليد النرسي [¬٦]، حدثنا مسكين أبو فاطمة، حدثني اليمان بن يزيد، عن محمد ابن

стр. 3688

حِمْيَر (٥)، عن محمد بن [¬١] علي، عن أبيه، عن جده، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "منهم من تأخذه النار إلى ركبتيه، ومنهم من تأخذه إلى حجزته، ومنهم من تأخذه النار إلى عنقه، على قدر ذنوبهم وأعمالهم، [ومنهم من يمكث فيها شهرًا ثم يخرج منها] [¬٢]، ومنهم من يمكث فيها سنة ثم يخرج منها، وأطولهم فيها مكثًا بقدر الدنيا منذ يوم خلقت إلى أن تفنى، فإذا أراد اللَّه أن يخرجوا [¬٣] منها، قالت اليهود والنصارى ومن في النار من أهل الأديان والأوثان، لمن في النار من أهل التوحيد: آمنتم بالله وكتبه ورسله فنحن وأنتم اليوم في النار سواء؟ فيغضب اللَّه لهم غضبًا لم يغضبه لشيء فيما مضى، فيخرجهم إلى عين في الجنة وهو قوله: ﴿رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ﴾. وقوله: ﴿ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا﴾ تهديد شديد لهم ووعيد أكيد، كقوله تعالى: ﴿قُلْ تَمَتَّعُوا فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّارِ﴾، وقوله: ﴿كُلُوا وَتَمَتَّعُوا قَلِيلًا إِنَّكُمْ مُجْرِمُونَ﴾، ولهذا قال: ﴿وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ﴾ أي: عن التوبة والإِنابة ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ أي: عاقبة أمرهم. ﴿وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ إلا وَلَهَا كِتَابٌ مَعْلُومٌ (٤) مَا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا وَمَا يَسْتَأْخِرُونَ (٥)﴾ يقول [¬٤] تعالى: إنه ما أهلك قرية إلا بعد قيام الحجة عليها وانتهاء أجلها، وإنه لا يؤخر أمة حان هلاكهم [¬٥] عن ميقاتها، ولا يتقدمون عن مدتهم، وهذا تنبيه لأهل مكة، وإرشاد لهم إلى الإِقلاع عما هم فيه [¬٦] من الشرك والعناد والإِلحاد الذي يستحقون به الهلاك. ﴿وَقَالُوا يَا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ (٦) لَوْ مَا تَأْتِينَا بِالْمَلَائِكَةِ

стр. 3689

إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٧) مَا نُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ إلا بِالْحَقِّ وَمَا كَانُوا إِذًا مُنْظَرِينَ (٨) إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (٩)﴾ يخبر تعالى عن كفرهم وعتوِّهم [¬١] وعنادهم في قولهم ﴿يا أيها الذي نزل عليه الذكر﴾ أي: الذي يدعي [¬٢] ذلك ﴿إنك لمجنون﴾ أي: في دعائك إيانا إلى اتباعك، وترك ما وجدنا عليه آباءنا ﴿لو ما﴾ أي: هلَّا ﴿تأتينا بالملائكة﴾ أي: يشهدون لك بصحة ما جئت به [إن كنت من الصادقين] [¬٣]، كما قال فرعون: ﴿فلولا [¬٤] ألقي عليه أسورة [¬٥]، من ذهب أو جاء معة الملائكة مقترنين﴾، ﴿وقال الذين لا يرجون لقاءنا لولا أنزل علينا الملائكة أو نرى ربنا لقد استكبروا في أنفسهم وعتوا عتوًّا كبيرا * يوم يرون الملائكة لا بشرى يومئذ للمجرمين ويقولون حجرا محجورًا﴾، وكذا قال في هذه الآية: ﴿ما ننزل الملائكة إلا بالحق وما كانوا إذًا منظرين﴾. وقال مجاهد في قوله: ﴿ما ننزل الملائكة إلا بالحق وما كانوا إذًا منظرين﴾ بالرسالة والعذاب. ثم قرر تعالى أنه هو الذي أنزل عليه [¬٦] الذكر وهو القرآن، وهو الحافظ له من التغيير والتبديل. ومنهم من أعاد الضمير في قوله تعالى: ﴿له لحافظون﴾ على النبي ﷺ ، كقوله: ﴿والله يعصمك من الناس﴾ والمعنى الأول أولى وهو ظاهر السياق. ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي شِيَعِ الْأَوَّلِينَ (١٠) وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إلا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (١١) كَذَلِكَ نَسْلُكُهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ (١٢) لَا يُؤْمِنُونَ بِهِ وَقَدْ خَلَتْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ (١٣)﴾ يقول تعالى مسلِّيًّا لرسوله ﷺ في تكذيب من كذبه من كفار قريش: إنه أرسل من قبله في [¬٧] الأم الماضية، وإنه ما أتى أمة من [¬٨] رسول [¬٩] إلا كذبوه واستهزءوا

стр. 3690

به. ثم أخبر أنه سلك التكذيب في قلوب المجرمين، الذين عاندوا واستكبروا عن اتباع الهدى. قال أنس والحسن البصري: ﴿كذلك نسلكه في قلوب المجرمين﴾ يعني: الشرك. وقوله: ﴿وقد خلت سنة الأولين﴾ أي: قد علم ما فعل تعالى بمن كذب رسله من الهلاك والدمار، وكيف أنجى الله الأنبياء وأتباعهم في الدنيا والآخرة. ﴿وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيهِمْ بَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ (١٤) لَقَالُوا إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ (١٥)﴾ يخبر تعالى عن قوة كفرهم وعنادهم ومكابرتهم للحق: أنه لو فُتح لهم بابٌ من السماء فجعلوا يصعدون فيه لما صدقوا بذلك، بل قالوا: ﴿سكرت أبصارنا﴾. قال مجاهد وابن كثير والضحاك: سدت أبصارنا. وقال قتادة، عن ابن عباس: أخذت أبصارنا. و [¬١] قال العوفي، عن ابن عباس: شبه علينا وإنما سحرنا. وقال الكلبي: عميت أبصارنا. وقال ابن زيد: ﴿سكرت أبصارنا﴾ السكران الذي لا يعقل. ﴿وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَزَيَّنَّاهَا لِلنَّاظِرِينَ (١٦) وَحَفِظْنَاهَا مِنْ كُلِّ شَيطَانٍ رَجِيمٍ (١٧) إلا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ مُبِينٌ (١٨) وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَينَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ شَيءٍ مَوْزُونٍ (١٩) وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ وَمَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرَازِقِينَ (٢٠)﴾ يذكر تعالى خلقه السماء في ارتفاعها، وما زينها به من الكواكب الثواقب، لمن تأملها وكرر [نظره فيما يرى فيها] [¬٢] من العجائب والآيات الباهرات، ما يحار نظره فيه، ولهذا

стр. 3691

قال مجاهد وقتادة: البروج ها هنا هي الكواكب (قلت): وهذ! كقوله ﵎: ﴿تبارك الذي جعل في السماء بروجًا وجعل فيها سراجًا وقمرًا منيرًا﴾. ومنهم من قال: البروج هي منازل الشمس والقمر. وقال عطية العوفي: البروج هاهنا هي قصور الحرس. وجعل الشهب حرسًا لها من مردة الشياطين؛ لئلا يَسَّمَّعوا [¬١] إلى الملأ الأعلى. فمن تمرد وتقدم [¬٢] منهم لاستراق [¬٣] السمع جاءه [شهاب مبين] [¬٤] فأتلفه، فربما يكون قد ألقى الكلمة التي سمعها قبل أن يدركه الشهاب إلى الذي هو دونه، فيأخذها الآخر ويأتي بها إلى وليه، كما جاء مصرحًا به في الصحيح كما قال البخاري في تفسير هذه الآية (٨): حدثنا علي بن عبد الله، حدثنا سفيان، عن عمرو، عن عكرمة، عن أبي هريرة، يبلغ به النبي ﷺ قال: "إذا قضى الله الأمر في السماء، [] [¬٥] ضَرَبَت الملائكة بأجنحتها خضعانًا لقوله كالسلسة على صفوان". قال علي. وقال غيره [¬٦]: "صفوان ينفذُهُم ذلك. فإذا فُزع عن قلوبهم قالوا: ماذا قال ربكم؟ قالوا للذي قال: الحقَّ وهو العلي الكبير. فيسمعها مسترقو السمع، ومسترقو السمع هكذا واحدٌ فوق الآخر [¬٧]- ووصف سفيان [¬٨] بيده وفرّج بين أصابع يده اليمنى، نَصَبَها بعضَها فوق بعض- فربما أدرك الشهابُ المستمعَ قبل أن يرمِيَ [¬٩] بها إلى صاحبه فيُحرِقَه، وربما لم يدركه حتى يرمي بها إلى الذي يليه، [إلى الذي] [¬١٠] هو أسفل منه، حتى يلقوها إلى الأرض -وربما قال سفيان: حتى تنتهي إلى الأرض- فتلقى [¬١١] على فم الساحر أو الكاهن، فيكذب معها مائة كذبة، فَيَصدُقُ، فيقولون: ألم يخبرنا يوم كذا وكذا يكون كذا وكذا فوجدناه حقًّا؟ للكلمة التي سمعت من السماء". ثم ذكر تعالى خلقه الأرض ومده إياها، وتوسيعها [¬١٢] وبسطها، وما جعل فيها من الجبال الرواسي، والأودية والأراضي والرمال، وما أنبت فيها من الزروع والثمار المتناسبة.

стр. 3692

و [¬١] قال ابن عباس: ﴿من كل شيء موزون﴾ أي: معلوم. وكذا قال سعيد بن جبير وعكرمة وأبو مالك ومجاهد والحكم بن عُتيبة [¬٢] والحسن بن محمد وأبو صالح وقتادة. ومنهم من يقول: مقدر بقدر. وقال ابن زيد: من كل شيء يوزن ويقدر بقدر. وقال ابن زيد: ما [يزنه أهل] [¬٣] الأسواق. وقوله: ﴿وجعلنا لكم فيها معايش ومن لستم له برازقين﴾ يذكر تعالى أنه صرفهم في الأرض في صنوف الأسباب [¬٤] والمعايش؛ وهي جمع معيشة. وقوله: ﴿ومن لستم له برازقين﴾ قال مجاهد: و [¬٥] هي الدواب والأنعام، وقال ابن جرير: هم العبيد والإِماء والدواب والأنعام. والقصد: أنه تعالى يمتن عليهم بما يسر لهم من أسباب المكاسب، ووجوه الأسباب، وصنوف المعايش، وبما سخر لهم من الدواب التي يركبونها، والأنعام التي يأكلونها، والعبيد والإماء التي يستخدمونها، ورزقهم على خالقهم لا عليهم، فلهم هم المنفعة، والرزق على الله تعالى. ﴿وَإِنْ مِنْ شَيءٍ إلا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إلا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ (٢١) وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ فَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَسْقَينَاكُمُوهُ وَمَا أَنْتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ (٢٢) وَإِنَّا لَنَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَنَحْنُ الْوَارِثُونَ (٢٣) وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَأْخِرِينَ (٢٤) وَإِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَحْشُرُهُمْ إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (٢٥)﴾ يخبر تعالى أنه مالك كل شيء، وأن كل شيء سهل عليه يسير لديه، وأن عنده خزائن الأشياء من جميع الصنوف ﴿وما ننزله إلا بقدر معلوم﴾ كما يشاء وكما يريد، ولما له في ذلك من الحكمة البالغة والرحمة بعباد [¬٦]، لا على جهة [¬٧] الوجوب، بل هو كتب على

стр. 3693

نفسه الرحمة. قال يزيد بن أبي زياد، عن أبي جحيفة، عن عبد الله: ما من عام بأمطر من عام، ولكن الله يقسمه [] [¬١] حيث شاء، عامًا هاهنا وعامًا هاهنا. ثم قرأ: ﴿وإن من شيء إلا عندنا خزائنه وما ننزله إلا بقدر معلوم﴾. رواه ابن جرير (٩). وقال أيضًا (١٠): حدثنا القاسم قال: ثنا الحسين [¬٢] حدثنا هشيم، أخبرنا [¬٣] إسماعيل بن سالم، عن الحكم بن عُتيبة [¬٤]. في قوله: ﴿وما ننزله إلا بقدر معلوم﴾ قال: ما عام بأكثر مطرًا من عام ولا أقل، ولكنه يُمطر قوم ويحرم آخرون، وربما كان في البحر. قال [¬٥]: وبلغنا أنه ينزل مع المطر من [¬٦] الملائكة أكثر من عدد ولد إبليس وولد آدم، يحصون كل قطرة حيث تقع وما تُنبت. وقال البزار (١١): حدثنا داود -هو ابن [¬٧] بكر التستري- حدثنا حبان [¬٨] بن أغلب ابن تميم، حدثني أبي، عن هشام، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " [خزائن الله الكلام، فإذا أراد شيئًا قال له: كن. فكان"] [¬٩]. ثم قال: لا يرويه إلا أغلب [ولم يكن] [¬١٠] بالقوي، وقد حدث عنه غير واحد من المتقدمين، ولم يروه عنه إلا ابنه.

стр. 3694

وقوله تعالى: ﴿وأرسلنا الرياح لواقح﴾ أي: تلقح السحاب فتدر ماء، وتلقح الشجر [فتفتح عن] [¬١] أوراقها وأكمامها، و [¬٢] هذه الرياح ذكرها [¬٣] بصيغة الجمع ليكون منها الإنتاج بخلاف الريح العقيم فإنه أفردها، ووصفها بالعقيم وهو عدم الإِنتاج؛ لأنه لا يكون إلا من [¬٤] شيئين فصاعدًا. و [¬٥] قال الأعمش (١٢): عن المنهال بن عمرو، عن قيس بن السكن [¬٦]، عن عبد الله بن مسعود في قوله: ﴿وأرسلنا الرياح لواقح﴾ قال: لواقح [¬٧] ترسل [¬٨] الريح فتحمل [¬٩] الماء من السماء، [ثم تمري] [¬١٠] السحاب حتى تذر كما تدر اللقحة. وكذا قال ابن عباس وإبراهيم النخعي وقتادة. وقال الضحاك: يبعثها الله على السحاب فتلقحه [¬١١] فيمتلئ ماء. وقال عبيد بن عمير الليثي (١٣): يبعث الله المبشرة فتقم الأرض قمًّا [¬١٢]، ثم يبعث الله المثيرة فتثير [] [¬١٣] السحاب، ثم يبعث الله المؤلفة فتؤاف السحاب، ثم يبعث الله اللواقح فتلقّح الشجر. ثم تلا: ﴿وأرسلنا الرياح لواقح﴾. وقد روى ابن جرير (١٤): من حديث عبيس بن ميمون، عن أبي المهزم، عن أبي

стр. 3695

هريرة، عن النبي ﷺ قال: "الريح الجنوب من الجنة، [وهي الريح اللواقح] [¬١] وهي التي [¬٢] ذكر الله في كتابه، وفيها منافع للناس" وهذا [¬٣] إسناد ضعيف. وقال الإمام أبو بكر عبد الله بن الزبير الحميدي في مسنده (١٥): حدثنا سفيان، حدثنا عمرو بن دينار، أخبرني يزيد بن جُعدبة [¬٤] الليثي، أنه سمع عبد الرحمن بن مخراق بحدث عن أبي ذر قال: قال رسول الله ﷺ : "إن اللَّه خلق في الجنة ريحًا بعد الريح بسبع [¬٥] سنين، وإن من دونها بابا مغلقًا، وإنما يأتيكم الريح من خلل ذلك الباب، ولو فتح لأذرت [¬٦] ما بين السماء والأرض من شيء، وهي عند الله الأذيب [¬٧]، وهي فيكم الجنوب". وقوله: ﴿فأسقيناكموه﴾ أي: أنزلناه لكم عذبًا يمكنكم أن تشربوا منه، و [¬٨] لو نشاء لجعلناه [¬٩] أجاجًا، كما ينبه الله على ذلك في الآية الأخرى في سورة الواقعة؛ وهو [¬١٠] قوله تعالى: ﴿أفرأيتم الماء الذي تشربون *أأنتم أنزلتموه من المزن أم نحن المنزلون؟ *لو نشاء جعلناه أجاجًا فلولا تشكرون﴾ وفي قوله: ﴿هو الذي أنزل من السماء ماء لكم من شراب ومنه شجر فيه تسيمون﴾. وقوله: ﴿وما أنتم له بخازنين﴾ قال سفيان الثوري: بمانعين. ويحتمل أن المراد: وما أنتم له بحافظين، بل نحن ننزله ونحفظه عليكم، ونجعله معينًا وينابيع في الأرض، ولو شاء تعالى لأغاره وذهب به، ولكن من رحمته أنزله وجعله عذبًا، وحفظه في العيون والآبار رالأنهار وغير ذلك؛ ليبقى لهم في طول السنة يشربون ويسقون

стр. 3696

أنعامهم وزروعهم وثمارهم. وقوله: ﴿وإنا لنحن نحيي ونميت﴾ إخبار عن قدرته تعالى على بدء الخلق وإعادته، وأنه هو الذي أحيا الخلق من العلم، ثم يميتهم، ثم يبعثهم كلهم ليوم الجمع. وأخبر أنه تعالى يرث الأرض ومن عليها، وإليه يرجعون [¬١]. ثم قال تعالى مخبرًا عن تمام علمه بهم أولهم وآخرهم []: ﴿ولقد علمنا المستقدمين منكم ولقد علمنا المستأخرين﴾، قال [¬٢] ابن عباس ﵄: المستقدمون: كل من هلك من لدن آدم ﵇. والمستأخرون: من هو حي ومن سيأتي إلى يوم القيامة. وروي نحوه عن عكرمة ومجاهد والضحاك وقتادة: محمد بن كعب والشعبي وغيرهم، وهو اختيار ابن جرير ﵀. وقال ابن جرير (١٦): حدثنا محمد بن عبد الأعلى، حدثنا المعتمر بن سليمان، عن أبيه، [عن رجل] [¬٣]، عن مروان بن الحكم أنه قال: كان أناس يستأخرون في الصفوف من أجل النساء، فأنزل الله: ﴿ولقد علمنا المستقدمين منكم ولقد علمنا المستأخرين﴾. وقد ورد [في هذا] [¬٤] حديث غريب جدًّا؛ فقال [¬٥] ابن جرير (١٧): حدثني [¬٦] محمد بن موسى الحرشي (*)، حدثنا نوح بن قيس [] [¬٧]، حدثنا عمرو بن مالك، عن أبي الجوزاء، عن ابن عباس ﵄ قال: كانت تصلي خلف النبي

стр. 3697

ﷺ امرأة [] [¬١]. قال ابن عباس: لا والله إن [¬٢] رأيت مثلها قط، وكان بعض المسلمين إذا صلوا استقدموا، يعني: لئلا يروها [¬٣]، وبعض يستأخرون، فإذا سجدوا نظروا إليها من تحت أيديهم، فأنزل الله: ﴿ولقد علمنا المستقدمين منكم ولقد علمنا المستأخرين﴾. وكذا [¬٤] رواه أحمد وابن أبي حاتم في تفسيره، ورواه [¬٥] الترمذي والنسائي في كتاب التفسير من سننيهما وابن ماجه: من طرق، عن نوع بن قيس الحداني، وقد وثقه أحمد وأبو داود وغيرهما، وحكي عن ابن معين تضعيفه، وأخرج [¬٦] له مسلم وأهل السنن. وهذا الحديث فيه نكارة شديدة، وقد رواه عبد الرزاق (١٨)، عن جعفر بن سليمان، عن عمرو بن مالك- وهو النكري [¬٧]- أنه سمع أبا الجوزاء يفول في قوله: ﴿ولقد علمنا المستقدمين منكم﴾: في الصفوف في الصلاة ﴿والمستأخرين﴾. فالظاهر [¬٨] أنه من كلام أبي الجوزاء فقط، ليس فيه لابن عباس ذكر. وقد قال الترمذي: هذا أشبه من رواية نوح بن قيس. والله أعلم. وهكذا روى ابن جرير (١٩) عن محمد بن أبي معشر، عن أبيه، أنه سمع [عون ابن] [¬٩] عبد الله يذاكر [] [¬١٠] محمد بن كعب في قوله: ﴿ولقد علمنا المستقدمين منكم ولقد علمنا المستأخرين﴾ أنها [¬١١] في صفوف الصلاة. فقال محمد بن كعب: ليس هكذا ﴿ولقد علمنا المستقدمين منكم﴾ الميت والمقتول ﴿والمستأخرين﴾ من يخلق بعد ﴿وإن ربك هو يحشرهم إنه حكيم عليم﴾ فقال عون بن عبد الله: وفقك الله وجزاك خيرًا. ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإ مَسْنُونٍ (٢٦) وَالْجَانَّ خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ

стр. 3698

نَارِ السَّمُومِ (٢٧)﴾. قال ابن عباس ومجاهد وقتادة: المراد بالصلصال هاهنا التراب البابس. والظاهر أنه كقوله تعالى: ﴿خلق الإنسان من صلصال كالفخار * وخلق الجان من مارج من نار﴾. وعن مجاهد أيضًا: ﴿الصلصال﴾ المنتن. وتفسير الآية بالآية أولى. وقوله: ﴿من حمأ مسنون﴾ أي: الصلصال من حمأ وهو الطين. والمسنون: الأملس، كما قال الشاعر: ثم خاصرتها [¬١] إلى القبة الخض … راء تمشي في مرمر مسنون أي: أملس صقيل. ولهذا روي عن ابن عباس أنه قال: هو التراب الرطب. وعن ابن عباس ومجاهد والضحاك أيضًا: أن الحمأ المسنون هو المنتن. وقيل: المراد بالمسنون هاهنا المصبوب. وقوله: ﴿والجان خلقناه من قبل﴾ أي: من قبل الإِنسان ﴿من نار السموم﴾ قال ابن عباس: هي السموم التي تقتل. وقال بعضهم: السموم بالليل والنهار. ومنهم من يقول: السموم بالليل، والحرور بالنهار. وقال أبو داود الطيالسي (٢٠): حدثنا شعبة، عن أبي إسحاق قال: دخلت على عمرو [¬٢] الأصم أعوده، فقال: ألا أحدثك حديثًا سمعته من عبد الله بن مسعود، يقول: هذه السموم جزء من سبعين جزءًا من السموم التي خلق منها الجان ثم قرأ: ﴿والجان خلقناه من

стр. 3699

قَبْلُ مِنْ نَارِ السَّمُومِ﴾. وعن ابن عباس: إن الجان خلق من لهب النار. وفي رواية: من أحسن النار. وعن عمرو بن دينار: من نار الشمس. وقد ورد في الصحيح (٢١): " خلقت الملائكة من نور، وخلقت الجان من مارج من نار، وخلق بنو آدم مما وصف لكم". [ومقصود] [¬١] الآية: التنبيه على شرف آدم ﵇، وطيب عنصره، وطهارة محتده [¬٢]. ﴿وَإِذْ قَال رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإ مَسْنُونٍ (٢٨) فَإِذَا سَوَّيتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ (٢٩) فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ (٣٠) إلا إِبْلِيسَ أَبَى أَنْ يَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ (٣١) قَال يَاإِبْلِيسُ مَا لَكَ أَلَّا تَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ (٣٢) قَال لَمْ أَكُنْ لِأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإ مَسْنُونٍ (٣٣)﴾ يذكر تعالى تنويهه بذكر آدم في ملائكته قبل خلقه له [¬٣]، وتشريفه إياه بأمره [¬٤] الملائكة بالسجود له، ويذكر تخلف [¬٥] إبليس عدوه عن السجود له من بين سائر الملائكة، حسدًا وكفرًا وعنادًا واستكبارًا وافتخارًا بالباطل، ولهذا قال: ﴿لَمْ أَكُنْ لِأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإ مَسْنُونٍ﴾، [كقوله: ﴿أَنَا خَيرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾، وقوله] [¬٦]: ﴿أَرَأَيتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إلا قَلِيلًا﴾ الآية. وقد روى ابن جرير هاهنا أثرًا غريبًا عجيبًا (٢٢): من حديث شبيب بن بشر، عن

стр. 3700

عكرمة، عن ابن عباس قال: لما خلق الله الملائكة، قال: إنّي خالق بشرًا من طين، فإذا أنا خلقته [فاسجدوا له. قالوا: لا نفعل! فأرسل عليهم نارًا فأحرقتهم، ثم خلق ملائكةً أخرى فقال لهم مثل ذلك فقالوا:] [¬١] [لا نفعل! فأرسل عليهم نارًا فأحرقتهم] [¬٢]، [ثم خلق] [¬٣] ملائكة [¬٤] أخرى [¬٥] فقال [] [¬٦]: [إني خالق بشرًا من طين فإذا أنا خلقته فاسجدوا له؛ قالوا: لا نفعل! فأرسل عليهم نارًا فأحرقتهم، ثم خلق ملائكة أخرى، فقال لهم] [¬٧] [مثل ذلك] [¬٨]، فقالوا [¬٩]: سمعنا وأطعنا! إلا إبليس كان من الكافرين الأوّلين. وفي ثبوت هذا عنه بعد، والظاهر أنه إسرائيلي، والله أعلم. ﴿قَال فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ (٣٤) وَإِنَّ عَلَيكَ اللَّعْنَةَ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ (٣٥) قَال رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (٣٦) قَال فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ (٣٧) إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ (٣٨)﴾ [يقول آمرًا] [¬١٠] لإبليس [¬١١] أمرًا كونيًّا لا يخالف: لا يمانع بالخروج من المنزلة التي كان فيها من الملأ الأعلى وأنه رجيم، أي: مرجوم، وأنه قد أتبعه [¬١٢] لعنة لا تزال متصلة به لاحقة له متواترة عليه إلى يوم القيامة. وعن سعيد بن جبير أنه قال: لما لعن الله إبليس تغيرت صورته عن صورة الملائكة، ورن رنة فكل رنة في الدنيا إلى يوم القيامه منها. رواه ابن أبي حاتم (٢٣). وأنه لما تحقق الغضب الذي لا مرد له، سأل من تمام حسده لآدم وذريته النَّظِرة إلى يوم القيامة؛ وهو يوم البعث، وأنه أجيب إلى ذلك استدراجًا له وإمهالًا، فلما تحقق النظرة قبحه

стр. 3701

الله. ﴿قَال رَبِّ بِمَا أَغْوَيتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْويَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٣٩) إلا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ (٤٠) قَال هَذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ (٤١) إِنَّ عِبَادِي لَيسَ لَكَ عَلَيهِمْ سُلْطَانٌ إلا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوينَ (٤٢) وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ (٤٣) لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ لِكُلِّ بَابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ (٤٤)﴾ يقول تعالى مخبرًا عن إبليس وتمرده وعتوّه: إنه قال للرب: ﴿بِمَا أَغْوَيتَنِي﴾ قال بعضهم: أقسم بإغواء الله له. (قلت): ويحتمل أنه: بسبب ما أغويتني وأضللتني ﴿لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ﴾ أي: لذرية آدم ﵇ ﴿فِي الْأَرْضِ﴾ أي: أحبب إليهم [¬١] المعاصي، وأرغبهم فيها، وأأزهم إليها، وأزعجهم إزعاجًا ﴿وَلَأُغْويَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ أي [¬٢]: كما أغويتني وقدرت على ذلك ﴿أَجْمَعِينَ إلا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾ كقوله [¬٣]: ﴿أَرَأَيتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إلا قَلِيلًا﴾. قال الله تعالى له متهددًا ومتوعدًا ﴿هَذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ﴾ أي: مرجعكم كلكم إليَّ فأجازيكم بأعمالكم؟ إن خيرًا فخيرٌ، وإن شرًّا فشرٌّ، كقوله [¬٤] تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ﴾. وقيل: طريق الحق مرجعها إلى الله تعالى وإليه تنتهي. قاله مجاهد والحسن وقتادة، كقوله [¬٥]: ﴿وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ﴾. وقرأ قيس بن عُبَاد [¬٦] ومحمد بن سيرين وقتادة ﴿هَذَا [¬٧] صِرَاطٌ عَلَيٌّ مُسْتَقِيمٌ﴾ كقوله: ﴿وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَينَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾ أي: رفيع، والشهور القراءة الأولى. وقوله: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيسَ لَكَ عَلَيهِمْ سُلْطَانٌ﴾ أي: الذين [¬٨] قدرت لهم الهداية،

стр. 3702

فلا سبيل لك عليهم، ولا وصول لك إليهم ﴿إلا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوينَ﴾ استثناء منقطع. وقد أورد ابن جرير ها هنا (٢٤): من حديث عبد الله بن المبارك، عن عبد الله بن مَوْهَب، حدثنا يزيد بن قسيط؛ قال: كانت الأنبياء يكون لهم مساجد خارجة من قراهم، فإذا أراد النبي أن يستنبئ ربه عن شيء خرج إلى مسجده [¬١]، فصلى ما كتب الله له [¬٢]، ثم سأل [¬٣] ما بدا له، فبينا نبي في مسجده، إذ جاء عدوّ الله -يعني: إبليس- حتى جلس بينه وبين القبلة، فقال النبي: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم! [فقال عدوّ الله: أرأيت الذي تعوذ منه فهو هو. فقال النبي: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. قال: فرده] [¬٤] [قال فردد] [¬٥] ذلك ثلاث مرات، فقال عدوّ الله: أخبرني بأي شيء تنجو مني؟ فقال النبي: بل أخبرني [بأي شيء] [¬٦] تَغْلِبُ ابنَ آدم مرتين؟ فأخذ كل واحد [¬٧] منهما [¬٨] على صاحبه، فقال النبي: إن الله تعالى يقول: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيسَ لَكَ عَلَيهِمْ سُلْطَانٌ إلا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوينَ﴾. قال عدوّ الله: قد سمعت هذا قبل أن تولد. قال النبي: ويقول الله [¬٩]: ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ وإني والله ما أحسست بك قط إلا استعذت بالله منك. قال عدوّ الله: صدقت! بهذا تنجو مني. فقال النبي: فأخبرني [¬١٠] بأي شيء تغلب ابن آدم؟ قال: آخذه عند الغضب وعند الهوى. وقوله: ﴿وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ أي: جهنم موعد جميع من اتبع إبديس، كما قال عن القرآن: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الْأَحْزَابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ﴾. ثم أخبر أن لجهنم سبعة أبواب ﴿لِكُلِّ بَابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ﴾ أي: قد كتب لكل باب منها جزء من أتباع إبليس، يدخلونه لا محيد لهه عنه، أجارنا الله منها! وكل يدخل من باب بحسب عمله، ويستقر في درك بقدر فعله [¬١١]. قال إسماعيل بن علية وشعبة، كلاهما (٢٥) عن أبي هارون الغنوي، عن حطان بن عبد الله

стр. 3703

أنه قال: سمعت علي بن أبي طالب هو يخطب قال: إن أبواب جهنم هكذا - قال أبو هارون - أطباقًا بعضها فوق بعض. وقال إسرائيل (٢٦)، عن أبي إسحاق عن هبيرة بن أبي يَريم [¬١]، عن علي ﵁ قال: أبواب جهنم سبعة بعضها فوق بعض، فيمتلئ الأول ثم الثاني ثم الثالث، حتى تملأ كلها. وقال عكرمة: ﴿سَبْعَةُ أَبْوَابٍ﴾: سبعة أطباق. وقال ابن جريج [¬٢]: ﴿سَبْعَةُ أَبْوَابٍ﴾ أولها جهنم، ثم لظى، ثم الحطمة، ثم سعير، ثم سقر، ثم الجحيم، ثم الهاوية. ورواية [¬٣] الضحاك، عن ابن عباس نحوه، وكذا روي [¬٤] عن الأعمش بنحوه أيضًا. وقال قتادة: ﴿لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ لِكُلِّ بَابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ﴾: هي والله منازل بأعمالهم. رواهنّ ابن جرير. وقال جويبر عن الضحاك: ﴿لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ لِكُلِّ بَابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ﴾ قال: باب [لليهود، وباب للنصارى] [¬٥]، وباب للصابئين، وباب للمجوس، وباب للذين أشركوا: وهم كفار العرب، وباب للمنافقين، وباب لأهل التوحيد، [فأهل التوحيد] [¬٦] يرجى لهم، ولا يرجى لأولئك أبدًا. وقال الترمذي (٢٧): حدثنا عبد بن حميد، حدثنا عثمان بن عمر، عن مالك بن مغول، عن جنيد [¬٧]، عن ابن عمر، عن النبي ﷺ ؛ قال: "لجهنم سبعة أبواب؛

стр. 3704

باب منها لمن سل السيف على أمتي، أو قال [¬١]: على أمة محمد". ثم قال: لا نعرفه إلا من حديث [مالك بن مغول] [¬٢]. وقال ابن أبي حاتم (٢٨): حدثنا أبي، حدثنا عباس بن الوليد الخلال، حدثنا زيد -يعني ابن يحيى- حدثنا سعيد بن بشير، عن قتادة، عن أبي نضرة، عن سمرة بن جندب، عن النبي ﷺ في قوله: ﴿لِكُلِّ بَابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ﴾ قال: "إن من [¬٣] أهل النار من تأخذه النار إلى كعبيه، وإن منهم من تأخذه النار إلى حُجْزَتِهِ، ومنهم من تأخذه النار إلى تراقيه، منازل بأعمالهم؛ فذلك قوله: ﴿لِكُلِّ بَابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ﴾ ". ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (٤٥) ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ آمِنِينَ (٤٦) وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ (٤٧) لَا يَمَسُّهُمْ فِيهَا نَصَبٌ وَمَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ (٤٨) نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٤٩) وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ (٥٠)﴾ لما ذكر تعالى حال أهل النار، عطف على [¬٤] ذكر أهل الجنة، وأنهم في جنات وعيون. وقوله: ﴿ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ﴾ أي: سالمين من الآفات مسلم عليكم ﴿آمِنِينَ﴾ [من كل] [¬٥] خوف وفزع، ولا تخشوا [¬٦] من إخراج ولا انقطاع ولا [¬٧] فناء.

стр. 3705

وقوله: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ﴾ روى القاسم، عن أبي أمامة قال (٢٩): يدخل أهل الجنة الجنة على ما في صدورهم في الدنيا من الشحناء والضغائن، حتى إذا توافوا [¬١] وتقابلوا نزع الله ما في صدورهم في الدنيا من غل، ثم قرأ: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ﴾. هكذا في هذه الرواية، والقاسم بن عبد الرحمن في روايته عن أبي أمامة ضعيف. وقد روى سُنيد في تفسيره (٣٠): حدثنا ابن فضالة، عن لقمان، عن أبي أمامة قال: لا يدخل الجنة مؤمن حتى ينزع الله ما في صدورهم من غل، حتى ينزع منه مثل السبع الضاري. وهذا موافق لما في الصحيح من رواية قتادة (٣١): حدثنا أبو المتوكل الناجي، أن أبا سعيد الخدري حدثهم، أن رسول الله ﷺ قال: "يخلص المؤمنون من النار، فيحبسون على قنطرة بين الجنة والنار، فيُقْتَصُّ لبعضهم من بعض مظالمُ كانت بينهم في الدنيا، حتى إذا هُذّبوا ونُقُّوا أُذن لهم في دخول الجنة". وقال ابن جرير (٣٢): حدثنا الحسن، حدثنا يزيد بن هارون، أخبرنا هشام، عن محمد -هو ابن سيرين- قال: استأذن الأشتر على عليّ ﵁ وعنده ابن لطلحة، فحبسه ثم أذن له، فلما دخل قال: إني لأراك إنما احتبستني لهذا؟ قال: أجل. قال: إني لأراه لو كان عندك ابن لعثمان لحبستني. قال: أجل، إني لأرجو أن أكون أنا وعثمان ممن قال الله تعالى: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ [إِخْوَانًا] [¬٢] عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ﴾. [وقال ابن جرير أيضًا (٣٣)] [¬٣]: حدثنا [¬٤] [الحسن، حدثنا أبو معاوية الضرير، حدثنا

стр. 3706

أبو مالك الأشجعي، عن أبي حبيبة -مولى لطلحة- قال: دخل عمران بن طلحة على علي ﵁، بعد ما فرغ من أصحاب الجمل، فرحب به وقال: إني لأرجو أن يجعلني الله] [¬١] وأباك [¬٢] [من الذين قال الله: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ﴾] [¬٣]. قال ورجلان جالسان على [¬٤] ناحية البساط، فقالا: الله أعدل من ذلك، تقتلهم بالأمس وتكونون إخوانًا! فقال علي ﵁: قوما أبعدَ أرض وأسحقها فمن هم [¬٥] إذن إن لم أكن أنا وطلحة؟ وذكر أبو معاوية الحديث بطوله. وروى وكيع (٣٤)، عن أبان بن عبد الله البجلي، عن نعيم بن أبي هند، عن ربعي بن حِرَاش، عن علي نحوه، وقال فيه: فقام رجل من همدان فقال: الله أعدل من ذلك [¬٦] يا أمير المؤمنين. قال: فصاح به عليٌّ صيحة، فظننت أن القصر قد [¬٧] تدهده لها، ثم قال: إذا لم نكن [¬٨] نحن فمن هم [¬٩]؟. وقال سعيد بن مسروق، عن أبي [¬١٠] طلحة فذكره [¬١١]، وفيه: فقال الحارث الأعور ذلك، فقام إليه علي ﵁ فضربه بشيء كان في يده في رأسه، وقال: فمن هم يا أعور إذا لم نكن نحن؟. وقال سفيان الثوري (٣٥): عن منصور، عن إبراهيم قال: جاء [¬١٢] ابن جرموز قاتل الزبير يستأذن على علي ﵁، فحجبه طويلًا ثم أذن له [¬١٣]، فقال له: أما أهل البلاء فتجفوهم! فقال علي: بفيك التراب! إني لأرجو أن أكون أنا وطلحة والزبير ممن قال الله:

стр. 3707

﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ﴾. وكذا روى الثوري (٣٦)، عن جعفر بن محمد، عن أبيه عن علي بنحوه. وقال سفيان بن عيينة (٣٧) عن إسرائيل، أبي موسى، سمع الحسن البصري يقول: قال علي: فينا والله أهل بدر نزلت هذه الآية: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ﴾. وقال كثير النوَّاء (٣٨) [¬١]: دخلت على أبي جعفر محمد بن علي فقلت: وليي وليكم، وسلمي سلمكم، وعدوي عدوكم، وحربي حربكم، إنّي [¬٢] أسألك بالله، أتبرأ من أبي بكر وعمر؟ فقال: ﴿قَدْ ضَلَلْتُ إِذًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُهْتَدِينَ﴾ تولّهما يا كثير، فما أدركك فهو في رقبتي هذه. ثم تلا هذه الآية ﴿إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ﴾ قال: أبو بكر وعمر وعلي ﵃ أجمعين. وقال الثوري (٣٩)، عن رجل [¬٣]، عن أبي صالح في قوله: ﴿إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ﴾ قال: هم عشرة؛ أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وطلحة، والزبير، وعبد الرحمن بن عوف، وسعد بن أبي وقاص، وسعيد بن زيد، وعبد الله بن مسعود ﵃ أجمعين. وقوله: ﴿مُتَقَابِلِينَ﴾ قال مجاهد: لا ينظر بعضهم في قفا بعض. وفيه [¬٤] حديث مرفوع؛ قال ابن أبي حاتم (٤٠): حدثنا يحيى بن عبدك القزوينى، حدثنا حسان بن حسان، حدثنا إبراهيم بن بشر،

стр. 3708

حدثنا يحيى بن معين [¬١]، عن إبراهيم القرشي [¬٢]، عن سعيد بن شرحبيل، عن زيد بن أبي أوفى قال: خرج علينا رسول الله ﷺ فتلا هذه الآية: ﴿إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ﴾ "في الله ينظر بعضهم إلى بعض". وقوله: ﴿لَا يَمَسُّهُمْ فِيهَا نَصَبٌ﴾ يعني: المشقة والأذى، كما جاء في الصحيحين (٤١): " إنّ الله أمرني أن أبشر خديجة ببيت في الجنة من قصب، لا صخب فيه ولا نصب". وقول: ﴿وَمَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ﴾ كما حاء في الحديث (٤٢): " يقال: يا أهل الجنة؟ إن لكم أن تصحُّوا فلا تمرضوا أبدًا، وإن لكم أن تعيشوا فلا تموتوا أبدًا، وإن لكم أن تشبوا فلا تهرموا أبدًا، وإن لكم أن تقيموا فلا تظعنوا [¬٣] أبدًا". وقال الله تعالى: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا لَا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا﴾. وقوله: ﴿نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ﴾ أي: أخبر يا محمد عبادي أني ذو رحمة وذو عقاب [¬٤] أليم. وقد تقدم ذكر نطر هذه الآية الكريمة، وهي دالة على مقامي الرجاء والخوف، وذكر في

стр. 3709

سبب نزولها: ما رواه موسى بن عبيدة، عن [مصعب بن ثابت] [¬١] قال: مر رسول الله ﷺ على ناس من أصحابه. يضحكون، فقال: "اذكروا الجنة واذكروا النار". فنزلت: ﴿نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٤٩) وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ﴾. رواه ابن أبي حاتم (٤٣) وهو مرسل. وقال ابن جرير (٤٤): حدثني المثنى، حدثنا إسحاق، أخبرنا ابن المكي، أخبرنا ابن المبارك، أخبرنا [¬٢] مصعب بن ثابت، حدثنا عاصم بن عبيد الله، عن ابن أبي رباح، عن رجل من أصحاب النبي ﷺ قال: طلع علينا رسول الله ﷺ من [¬٣] الباب الذي يدخل منه بنو شيبة، فقال: "ألا أراكم تضحكون". ثم أدبر حتى إذا كان عند الحجر، رجع إلينا القهقرى فقال: "إني لما خرجت جاء جبريل ﵇ فقال: يا محمد، إن الله يقول لِمَ [¬٤] تقنط عبادي ﴿نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٤٩) وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ﴾ ". وقال سعيد (٤٥) [¬٥]، عن قتادة في قوله تعالى: ﴿نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ قال: بلغنا أن رسول الله ﷺ قال: "لو يعلم العبد قدر عفو الله لَما تورع من حرام، ولو يعلم [] [¬٦] قدر [عقابه] [¬٧] لبخع نفسه". ﴿وَنَبِّئْهُمْ عَنْ ضَيفِ إِبْرَاهِيمَ (٥١) إِذْ دَخَلُوا عَلَيهِ فَقَالُوا سَلَامًا قَال إِنَّا مِنْكُمْ وَجِلُونَ

стр. 3710

﴿(٥٢) قَالُوا لَا تَوْجَلْ إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ (٥٣) قَال أَبَشَّرْتُمُونِي عَلَى أَنْ مَسَّنِيَ الْكِبَرُ فَبِمَ تُبَشِّرُونَ (٥٤) قَالُوا بَشَّرْنَاكَ بِالْحَقِّ فَلَا تَكُنْ مِنَ الْقَانِطِينَ (٥٥) قَال وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إلا الضَّالُّونَ (٥٦)﴾ يقول تعالى: وخبرهم [¬١] يا محمَّد عن قصة ضيف إبراهيم - والضيف يطلق على الواحد والجمع كالزور والسفر، وكيف دخلوا عليه ﴿فَقَالُوا سَلَامًا قَال إِنَّا مِنْكُمْ وَجِلُونَ﴾ أي: خائفون. وقد ذكر سبب خوفه منهم لما رأى أيديهم لا تصل إلى ما قربه لهم من ضيافة [¬٢]: وهو العجل السمين الحنيذ. ﴿قَالُوا لَا تَوْجَلْ﴾ أي: لا تخف ﴿وَبَشَّرُوهُ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ﴾ وهو [¬٣] إسحاق ﵇، كما تقدم في سورة هود. [فـ ﴿قَال﴾] [¬٤] متعجبًا من كبره وكبر زوجته، ومتحققًا للوعد ﴿أَبَشَّرْتُمُونِي عَلَى أَنْ مَسَّنِيَ الْكِبَرُ فَبِمَ تُبَشِّرُونَ﴾ فأجابوه مؤكدين لما بشروه به تحقيقًا، وبشارة بعد بشارة ﴿قَالُوا بَشَّرْنَاكَ بِالْحَقِّ فَلَا تَكُنْ مِنَ الْقَانِطِينَ﴾ وقرأ بعضهم (القَنِطين)، فأجابهم بأنه ليس يقنط، ولكن يرجو من الله الولد، وإن كان قد كبر وأسنت امرأته، فإنه يعلم من قدرة الله ورحمته ما هو أبلغ من ذلك. ﴿قَال فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ (٥٧) قَالُوا إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ (٥٨) إلا آلَ لُوطٍ إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ أَجْمَعِينَ (٥٩) إلا امْرَأَتَهُ قَدَّرْنَا إِنَّهَا لَمِنَ الْغَابِرِينَ (٦٠)﴾ يقول تعالى إخبارًا عن إبراهيم ﵇ لما ذهب عنه الروع وجاءته البشرى: إنه شرع يسألهم عما جاءوا له، فقالوا: ﴿إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ﴾ يعنون قوم لوط، وأخبروه أنهم سينجون آل لوط من بينهم إلا امرأته فإنها من المُهلَكين، ولهذا قالوا: ﴿إلا امْرَأَتَهُ

стр. 3711

قَدَّرْنَا إِنَّهَا لَمِنَ الْغَابِرِينَ﴾ أي: الباقين المهلكين. ﴿فَلَمَّا جَاءَ آلَ لُوطٍ الْمُرْسَلُونَ (٦١) قَال إِنَّكُمْ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ (٦٢) قَالُوا بَلْ جِئْنَاكَ بِمَا كَانُوا فِيهِ يَمْتَرُونَ (٦٣) وَأَتَينَاكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ (٦٤)﴾ يخبر تعالى عن لوط لما جاءته الملائكة في صورة شباب حسان الوجوه، فدخلوا عليه داره، قال: ﴿قَال إِنَّكُمْ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ (٦٢) قَالُوا بَلْ جِئْنَاكَ بِمَا كَانُوا فِيهِ يَمْتَرُونَ﴾ يعنون بعذابهم وهلاكهم ودمارهم، الذي كانوا يشكون في وقوعه بهم، وحلوله بساحتهم ﴿وَأَتَينَاكَ بِالْحَقِّ﴾ كقوله [¬١] تعالى: ﴿مَا نُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ إلا بِالْحَقِّ﴾. وقوله [¬٢]: ﴿وَإِنَّا لَصَادِقُونَ﴾ تأكيد لخبرهم إياه بما أخبروه به من نجاته وإهلاك قومه. ﴿فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيلِ وَاتَّبِعْ أَدْبَارَهُمْ وَلَا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ وَامْضُوا حَيثُ تُؤْمَرُونَ (٦٥) وَقَضَينَا إِلَيهِ ذَلِكَ الْأَمْرَ أَنَّ دَابِرَ هَؤُلَاءِ مَقْطُوعٌ مُصْبِحِينَ (٦٦)﴾ يذكر تعالى عن الملائكة: أنهم أمروه أن يسري بأهله بعد مضي جانب من الليل، وأن يكون لوط ﵇ يمشي وراءهم ليكون أحفظ لهم. وهكذا كان رسول الله ﷺ يمشي في الغزاة، بما [] [¬٣] يكون ساقة يزجي [¬٤] الضعيف، ويحمل المنقطع. وقوله: ﴿وَلَا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ﴾ أي: إذا سمعتم الصيحة بالقوم فلا تلتفتوا إليهم، وذروهم فيما حل بهم من العذاب والنكال ﴿وَامْضُوا حَيثُ تُؤْمَرُونَ﴾ كأنه كان معهم من يهديهم [¬٥] السبيل. ﴿وَقَضَينَا إِلَيهِ ذَلِكَ الْأَمْرَ﴾ أي: تقدمنا إليه في هذا ﴿أَنَّ دَابِرَ هَؤُلَاءِ مَقْطُوعٌ مُصْبِحِينَ﴾ أي: وقت الصباح، كقوله [¬٦] في الآية الأخرى: ﴿إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ أَلَيسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ﴾.

стр. 3712

وَجَاءَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ يَسْتَبْشِرُونَ (٦٧) قَال إِنَّ هَؤُلَاءِ ضَيفِي فَلَا تَفْضَحُونِ (٦٨) وَاتَّقُوا اللَّهَ وَلَا تُخْزُونِ (٦٩) قَالُوا أَوَلَمْ نَنْهَكَ عَنِ الْعَالمِينَ (٧٠) قَال هَؤُلَاءِ بَنَاتِي إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ (٧١) لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ (٧٢)﴾ يخبر تعالى عن مجيء قوم لوط لما علموا بأضيافه وصباحة وجوههم، وأنهم جاءوا مستبشرين بهم فرحين ﴿قَال إِنَّ هَؤُلَاءِ ضَيفِي فَلَا تَفْضَحُونِ (٦٨) وَاتَّقُوا اللَّهَ وَلَا تُخْزُونِ﴾. وهذا إنما قاله لهم قبل أن يعلم بأنهم رسل الله، كما [] [¬١] في سياق [¬٢] سورة هود، وأما ها هنا فتقدم ذكر أنهم رسل الله، وعطف بذكر مجئ قومه ومحاجته لهم، ولكن الواو لا تقتضي الترتيب، ولا سيما إذا دَلَّ دليل على خلافه، فقالوا له مجيبين: ﴿أَوَلَمْ نَنْهَكَ عَنِ الْعَالمِينَ﴾ أي: أو ما نهيناك أن تضيف أحدًا؟ فأرشدهم إلى نسائهم وما خلق لهم ربهم منهن من الفروج المباحة. وقد تقدم إيضاح [¬٣] القول في ذلك بما أغنى عن إعادته. هذا كله، وهم غافلون عما يراد بهم، وما قد أحاط بهم من البلاء، وماذا يصبحهم من العذاب المستقر. ولهذا قال تعالى لنبيه [¬٤] ﷺ : ﴿لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ أقسم تعالى بحياة نبيه صلوات الله وسلامه عليه، وفي هذا تشريف عظيم، ومقام رفيع، وجاه عريض. قال عمرو بن مالك النكري [¬٥]، عن أبي الجوزاء، عن ابن عباس أنه قال: ما خلق الله وما ذرأ وما برأ نفسًا أكرم عليه من محمَّد ﷺ ، وما سمعت الله أقسم بحياة أحد غيره، قال الله تعالى: ﴿لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [] [¬٦]. رواه ابن جرير (٤٦).

стр. 3713

وقال قتادة: ﴿فِي سَكْرَتِهِمْ﴾ أي: في ضلالتهم ﴿يَعْمَهُونَ﴾ أي: يلعبون. وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: ﴿لَعَمْرُكَ﴾ [¬١] لعيشك ﴿إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ قال: يتمادون [¬٢]. ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيحَةُ مُشْرِقِينَ (٧٣) فَجَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيهِمْ حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ (٧٤) إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ (٧٥) وَإِنَّهَا لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ (٧٦) إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ (٧٧)﴾ يقول تعالى: ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيحَةُ﴾ وهي ما جاءهم [] [¬٣] من الصوت القاصف عند شروق الشمس وهو طلوعها، وذلك مع رفع بلادهم إلى عنان السماء، ثم قلبها وجعل عاليها سافلها، وإرسال حجارة السجيل عليهم، وقد تقدم الكلام على السجيل في هود بما فيه كفاية. وقوله [¬٤]: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ﴾ أي أن آثار هذه النقم الظاهرة على تلك البلاد لمن تأمل ذلك وتوسمه بعين بصره وبصيرته، كما قال مجاهد في قوله: ﴿لِلْمُتَوَسِّمِينَ﴾ قال: المتفرسين. وعن ابن عباس والضحاك: للناظرين. وقال قتادة: للمعتبرين. وقال مالك عن بعض أهل المدينة: ﴿لِلْمُتَوَسِّمِينَ﴾ للمتأملين. وقال ابن أبي حاتم (٤٧): حدثنا الحسن بن عرفة، حدثنا محمَّد بن كثير العبدي، عن عمرو بن قيس، عن عطية، عن أبي سعيد قال: قال رسول الله ﷺ : "اتقوا فراسة المؤمن؛ فإنه ينظر بنور الله". ثم قرأ النبي ﷺ : ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ﴾. رواه الترمذي وابن جرير من حديث عمرو بن قيس الملائي، وقال الترمذي: لا نعرفه إلا

стр. 3714

من هذا الوجه. وقال ابن جرير أيضًا (٤٨): حدثني أحمد بن محمَّد الطوسي، حدثنا الحسن بن محمَّد، حدثنا الفرات بن السائب، حدثنا ميمون بن مهران، عن ابن [¬١] عمر قال: قال رسول الله ﷺ : "اتقوا فراسة المؤمن، فإن المؤمن ينظر بنور الله". وقال ابن جرير (٤٩): حدثني أبو شرحبيل الحمصي، حدثنا سليمان بن سلمة، حدثنا المؤمل بن سعيد بن يوسف الرحبي، حدثنا أبو المعلى أسد بن وداعة الطائي، حدثنا وهب بن منبه، عن طاوس بن كيسان، عن ثوبان قال: قال رسول الله ﷺ : "احذروا فراسة المؤمن؛ فإنه ينظر بنور الله وينطق [¬٢] بتوفيق الله". وقال أيضًا (٥٠): حدثنا عبد الأعلى بن واصل، حدثنا سعيد بن محمَّد الجَرْمي، حدثنا عبد الواحد بن واصل، حدثنا أبو بشر المزَلِق، عن ثابت، عن أنس بن مالك قال: قال النبي ﷺ : "إن لله عبادًا يعرفون الناس بالتوسم". ورواه الحافظ أبو بكر البزار (٥١): حدثنا سهل بن بحر، حدثنا سعيد بن محمَّد الجرمي، حدثنا أبو بشر- يقال له: ابن المزلِقي [¬٣]، قال: وكان ثقة- عن ثابت، عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : "إن لله عبادًا يعرفون الناس بالتوسم". وقوله: ﴿وَإِنَّهَا لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ﴾ أي: وإن قرية سدوم التي [¬٤] أصابها [ما أصابها] [¬٥]، من القلب الصوري والمعنوي، والقذف بالحجارة حتى صارت بحيرة [¬٦] منتنة خبيثة- لطريق مَهْيَع مسالكه مستمرة إلى اليوم، كقوله: ﴿وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيهِمْ مُصْبِحِينَ (١٣٧) وَبِاللَّيلِ أَفَلَا

стр. 3715

تَعْقِلُونَ (١٣٨) وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾. وقال مجاهد والضحاك: ﴿وَإِنَّهَا لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ﴾ قال: معلم. وقال قتادة: بطريق واضح. وقال قتادة أيضًا: بصقع من الأرض واحد. وقال السدي: بكتاب مبين. يعني كقوله: ﴿وَكُلَّ شَيءٍ أَحْصَينَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ﴾، ولكن ليس المعنى على ما قال ها هنا، والله أعلم. وقوله: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ أي: إن الذي صنعنا بقوم لوط من الهلاك والدمار، وإن جائنا لوطا وأهله، لدلالة واضحة جلية للمؤمنين بالله ورسله. ﴿وَإِنْ كَانَ أَصْحَابُ الْأَيكَةِ لَظَالِمِينَ (٧٨) فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ وَإِنَّهُمَا لَبِإِمَامٍ مُبِينٍ (٧٩)﴾ أصحاب الأيكة: هم قوم شعيب. قال الضحاك وقتادة وغيرهما: الأيكة الشجر الملتف. وكان ظلمهم: بشركهم بالله، وقطعهم الطريق، ونقصهم المكيال والميزان، فانتقم الله منهم بالصيحة والرجفة وعذاب يوم الظلة، وقد كانوا قريبًا من قوم لوط، بعدهم في الزمان، ومسامتين لهم في المكان، ولهذا قال تعالى: ﴿وَإِنَّهُمَا لَبِإِمَامٍ مُبِينٍ﴾ أي: طريق مبين. قال ابن عباس ومجاهد والضحاك وغيره [¬١]: طريق ظاهر. ولهذا لما أنذر شُعيب قومه قال في نذارته إياهم: ﴿وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ﴾. ﴿وَلَقَدْ كَذَّبَ أَصْحَابُ الْحِجْرِ الْمُرْسَلِينَ (٨٠) وَآتَينَاهُمْ آيَاتِنَا فَكَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ (٨١) وَكَانُوا يَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا آمِنِينَ (٨٢) فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيحَةُ مُصْبِحِينَ (٨٣) فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (٨٤)﴾ أصحاب الحجر: هم ثمود الذين كذبوا صالحًا نبيهم ﵇، ومن كذب برسول فقد كذب بجميع المرسلين [¬٢]، ولهذا أطلق عليهم تكذيب المرسلين. وذكر تعالى أنه آتاهم من الآيات ما يدلهم على صدق ما جاءهم به صالح؛ كالناقة التي
следующие страницы →