طريق أخرى:" وقال الإمام أحمد (٣٥) حدثنا حسن، حدثنا ثابت أبو زيد، حدثنا هلال، حدثني عكرمة، عن ابن عباس قال: أسري بالنبي ﷺ إلى بيت المقدس، ثم جاء من ليلته فحدثهم بمسيره، وبعلامة بيت المقدس، وبعيرهم، فقال ناس: نحن لا نصدق محمدًا بما يقول، فارتدوا كفارًا؛ فضرب الله رقابهم مع أبي جهل، وقال أبو جهل: يخوفنا محمد بضجرة الزقوم، هاتوا تمرًا وزبدًا فتزقموا؛ ورأى الدجال في صورته رؤيا عين -ليس برؤيا منام- وعيسى، وموسى، وإبراهيم، فسئل النبي ﷺ عن الدجال؟ فقال: "رأيته فيلمانيًّا [¬١]، أقمر، هجانًا [¬٢]، إحدى عينيه قائمة؛ كأنها كوكب دري، كأن شعر رأسه أغصان شجرة، ورأيت عيسى ﵇ أبيض، جعد الرأس، حديد البصر، مبطن الخلق، ورأيت موسى أسحم [¬٣] آدم، كثير الشعر، شديد الخلق. ونظرت إلى إبراهيم ﵇ فلم [¬٤] انظر إلى إرْب [¬٥] منه إلا نظرت إليه مني، حتى كأنه صاحبكم، قال جبريل: [سلم على مالك] [¬٦] فسلمت عليه. [ورواه النسائي من حديث أبي زيد ثابت بن يزيد عن هلال، وهو ابن خباب به. وهو إسناد صحيح] [¬٧].
(طريق أخرى): قال البيهقي (٣٦): أنبأنا أبو عبد الله الحافظ، أنبأنا أبو بكر الشافعي، أنبأنا إسحاق بن الحسن، حدثنا الحسين بن محمد، حدثنا شيبان، عن قتادة عن أبي العالية قال [¬٨]: حدثنا ابن عم نبيكم ﷺ ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "رأيت ليلة أسري بي موسى بن عمران؛ رجلًا
стр. 3852
طوالًا جعدًا كأنه من رجال شنوءه، ورأيت عيسى ابن مريم ﵇؛ مربوع الخلق إلى الحمرة والبياض، سبط الرأس" وأري [¬١] مالكا خازن جهنم والدجال في آيات أراهن الله إياه قال: ﴿فَلَا تَكُنْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقَائِهِ﴾ فكان قتادة يفسرها أن نبي الله ﷺ قد لقي موسى ﵇ ﴿وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِبَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ قال: جعل الله موسى هدى لبني إسرائيل.
رواه مسلم (٣٧) في الصحيح عن عبد بن حميد عن يونس بن محمد عن شيبان، وأخرجاه (٣٨) من حديث شعبة عن قتادة مختصرًا.
طريق أخرى: [قال البيهقي (٣٩):
أخبرنا علي بن أحمد بن عبدان، أنبأنا أحمد بن عبيد الصفار، ثنا دبيس المعدل، ثنا عفان] [¬٢] قال [¬٣]: ثنا [¬٤] حماد بن سلمة عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : "لما أسري بي مرت بي رائحة طيبة فقلت: ما هذه الرائحة؟ قالوا: ماشطة بنت فرعون وأولادها، سقط مشطها من يدها فقالت: بسم الله! فقالت ابنة فرعون: أبي؟ قالت: ربي وربك ورب أبيك! قالت: أَوَ لك رب غير أبي؟ قالت: نعم، ربي وربك ورب أبيك الله! قال: فدعاها فقال: ألك رب غيري؟ قالت: نعم، ربي وربك الله عز رجل. قال: فأمر ببقرة [¬٥] من نحاس فأحميت، ثم أمر بها لتلقى فيها قالت: إن لي إليك [¬٦] حاجة، قال: ما [¬٧] هي؟ قالت: تجمع عظامي وعظام ولدي في موضع، قال: ذاك لك؛ لما لك علينا من الحق، قال: فأمر
стр. 3853
بهم فألقوا واحدًا واحدًا، حتى بلغ رضيعًا فيهم، فقال: يا أمه قعي ولا تقاعسي؛ فإنك على الحق. قال: وتكلم أربعة [¬١] وهم صغار: هذا،: شاهد يوسف، وصاحب جريج، وعيسى ابن مريم ﵇. إسناد لا بأس به ولم يخرجوه.
(طريق أخرى): [] [¬٢] وقال الإِمام أحمد (٤٠): حدثنا محمد بن جعفر وروح المعنى قالا: حدثنا عوف عن زرارة بن أوفى، عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : "لما كان ليلة أُسري لي وأصبحت [¬٣] بمكة فَظِعْتُ (٥) بأمرى [¬٤]، وعرفت أن الناس مكذبي" فقعد معتزلًا حزينًا فمر به عدو الله أبو جهل، فجاء حتى جلس إليه، فقال له كالمستهزئ: [هل كان من شيءٍ] [¬٥]؟ فقال له رسول الله ﷺ : "نعم". قال: وما هو؟ قال: "إني أسري بي الليلة". قال: إلى أين [¬٦]؟ قال: "إلى بيت المقدس". قال: ثم أصبحت بين ظهرانينا؟ قال: "نعم". قال: فلم يره أنه يكذبه؛ مخافة أن يجحده [¬٧] الحديث إن [¬٨] دعا قومه إليه، فقال [¬٩]: أرأيت إن دعوت قومك أتحدثهم بما حدثتني؟ فقال رسول الله ﷺ : "نعم". فقال [¬١٠]: هيا معشر بني كعب بن لؤي، قال: فانتفضت إليه المجالس، وجاءوا حتى جلسوا إليهما، قال: حدِّث قومك بما حدثتني؟ فقال رسول الله ﷺ : "إني أسري بي
стр. 3854
الليلة". فقالوا: إلى أين؟ قال: "إلى بيت المقدس". قالوا: ثم أصبحت بين ظهرانينا؟ قال: "نعم". قال: فمن بين مصفق، ومن بين واضع يده على رأسه متعجبًا للكذب -زعم- قالوا: وتستطيع أن تنعت لنا [¬١] المسجد -وفي القوم من قد سافر إلى ذلك البلد ورأى المسجد-؟ قال رسول الله ﷺ : "فذهبت أنعت فما زلت أنعت حتى التبس [¬٢] عليّ بعض النعت، قال: فجيء بالمسجد -وأنا أنظر إليه- حتى وُضع دون دار عقيل، [أو عقال] [¬٣] فنعته، وأنا أنظر إليه، قال: وكان مع هذا نعت [¬٤] لم أحفظه، يقول عوف: قال: فقال القوم [¬٥]: أما النعت فوالله لقد أصاب". و [¬٦] أخرجه النسائي من حديث عوف وهو ابن أبي جميلة الأعرابي [به، ورواه البيهقي من حديث النضر بن شميل وهوذة عن عوف وهو ابن أبي جميلة الأعرابي] [¬٧]، أحد الأئمة الثقات به.
رواية عبد الله بن مسعود ﵁:
قال الحافظ أبو بكر البيهقي (٤١): أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أخبرنا أبو عبد الله محمد بن يعقوب، حدثنا السري بن خزيمة، حدثنا يوسف بن بهلول، حدثنا عبد الله بن نمير، عن مالك بن مغول [¬٨]، عن الزبير بن عدي، عن طلحة بن مصرف، عن مرة الهمداني، عن عبد الله بن مسعود قال: لما أسري برسول الله ﷺ فانتهى إلى سدرة المنتهى -وهي في السماء السادسة، وإليها ينتهي [¬٩] ما يُصعد به حتى يقبض منها [¬١٠]، وإليها ينتهي ما يُهبط به [¬١١] من فوقها حتى يقبض منها [¬١٢] ﴿إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى﴾ - قال: غشيها فراش من ذهب، وأعطي رسول الله ﷺ تسليمًا [¬١٣] الصلوات الخمس وخواتيم سورة البقرة، وغفر لمن لا يشرك بالله المقحمات،
стр. 3855
يعني: الكبائر.
ورواه مسلم في صحيحه عن محمد بن عبد الله بن نمير وزهير بن حرب، كلاهما عن عبد الله بن نمير به.
ثم قال البيهقي: وهذا الذي ذكره عبد الله بن مسعود طرف من حديث المعراج، وقد رواه أنس بن مالك عن مالك بن صعصعة عن النبي ﷺ (٤٢)، ثم عن أبي ذر عن النبي ﷺ (٤٣). ثم رواه مرة مرسلًا دون ذكرهما (٤٤)، ثم إن البيهقي ساق الأحاديث الثلاثة كما تقدم.
قلت: وقد روي عن ابن مسعود بأبسط من هذا وفيه غرابة، وذلك فيما رواه الحسن بن عرفة (٤٥) في جزئه المشهور: حدثنا مروان بن معاوية، عن قنان بن عبد الله النهمي، حدثنا أبو ظبيان الجنبي قال: كنا جلوسًا عند أبي عبيدة بن عبد الله -يعني: ابن مسعود- ومحمد بن سعد بن أبي وقاص، وهما جالسان، فقال محمد بن سعد لأبي عبيدة: حدِّثْنا عن أبيك ليلة أُسري بمحمد ﷺ ، فقال أبو عبيدة: لا، بل حدثنا أنت عن أبيك؟ فقال محمد: لو سألتني قبل أن أسألك لفعلت، قال: فأنشأ أبو عبيدة يحدث -يعني عن أبيه- كما سئل قال: قال رسول الله ﷺ : "أتاني جبريل ﵇ بدابة فوق الحمار ودون البغل، فحملني عليه، ثم انطلق يهوي بنا، كلما صعد عقبة استوت، رجلاه كذلك مع يديه، وإذا هبط استوت يداه مع رجليه، حتى مررنا برجل طوال سبط آدم كأنه من رجال أزد شنوءة، وهو يقول، فيرفع صوته يقول: أكرمته وفضلته. قال: فدفعنا [¬١] إليه فسلمنا عليه، فرد السلام فقال: من هذا معك يا جبريل؟ قال: هذا أحمد، قال: مرحبًا بالنبي الأمي العربي، الذي بلغ رسالة ربه، ونصح لأمته [¬٢]. قال: ثم اندفعنا فقلت: من هذا ياجبريل؟ قال: هذا موسى بن عمران قال: قلت: ومن يعاتب؟ قال: يعاتب ربه فيك، قلت: فيرفع صوته على ربه؟! قال: إن الله قد عرف له حدته. قال: ثم اندفعنا حتى مررنا بشجرة كأن ثمرها السرج [¬٣]، تحتها شيخ وعياله، قال: فقال لي جبريل: اعمد [¬٤] إلى أبيك إبراهيم، فدفعنا إليه فسلمنا عليه، فرد
стр. 3856
السلام، فقال إبراهيم: من هذا معك يا جبريل؟ قال: هذا ابنك أحمد. قال: فقال: مرحبًا بالنبي الأمي، الذي بلغ رسالة ربه، ونصح لأمته، يابني إنك لاقٍ ربك الليلة، وإن أمتك آخر الأمم وأضعفها، فإن استطعت أن تكون حاجتك أو جُلُّها في أمتك فافعل. قال: ثم اندفعنا حتى انتهينا إلى المسجد الأقصى فنزلت فربطت الدابة [في الحلقة] [¬١] التي في باب المسجد التي كانت الأنبياء تربط بها، ثم دخلت المسجد فعرفت النبيين من بين راكع وقائم وساجد، قال: ثم أتيت بكأسين من عسل ولبن، فأخذت اللبن فشربت، فضرب جبريل ﵇ منكبي وقال: أصبت الفطرة ورب محمد. قال: ثم أقيمت الصلاة فأممتهم، ثم انصرفنا فأقبلنا".
إسناد غريب ولم يخرجوه، فيه من الغرائب: سؤال الأنبياء عنه ﵇ ابتداء، ثم سؤاله عنهم بعد انصرافه، والمشهور في الصحاح -كما تقدم- أن جبريل كان يعلمه بهم أولًا؛ ليسلم عليهم سلام معرفة. وفيه أنه اجتمع بالأنبياء ﵈ قبل دخوله المسجد؛ والصحيح أنه إنما اجتمع بهم في السموات، ثم نزل إلى بيت المقدس ثانيًا، وهم معه، وصلى بهم فيه، ثم إنه ركب البراق وكرّ راجعًا إلى مكة، والله أعلم.
(طريق أخرى): قال الإِمام أحمد (٤٦): حدثنا هشيم، أخبرنا العوام عن جبلة بن سحيم عن مؤثر [¬٢] بن عفازة [¬٣]، عن ابن مسعود، عن النبي ﷺ قال: "لقيت ليلة أسري بي إبراهيم وموسى وعيسى ﵈ فتذاكروا أمر الساعة قال: فردوا أمرهم إلى إبراهيم ﵇ فقال: لا علم لي بها. فردوا أمرهم إلى موسى فقال: لا علم لي بها. فردوا أمرهم [¬٤] إلى عيسى فقال: أما وجبتها، فلا يعلم بها أحد إلا الله ، و [¬٥] فيما عهد إليَّ ربي أن الدجال خارج قال: ومعي قضيبان، فإذا رآني، ذاب كما يذوب الرصاص قال: فيهلكه [¬٦] الله [¬٧] حتى إن الحجر والشجر يقول: يا مسلم إن تحتي [¬٨] كافرًا فتعال فاقتله. قال: فيهلكهم الله، ثم يرجع الناس إلى بلادهم وأوطانهم، قال: فعند ذلك يخرج [¬٩] يأجوج ومأجوج، وهم من كل حدب ينسلون، فيطئون بلادهم، فلا يأتون على شيء إلا أهلكوه، ولا يمرون على ماء إلا شربوه، قال: ثم يرجع الناس إليّ فيشكونهم، فأدعو الله عليهم؛ فيهلكهم ويميتهم حتى تَجْوَى [¬١٠] الأرض من
стр. 3857
نتن [¬١] ريحهم -أي: تنتن- قال: فيُنزل الله المطر، فيجترف أجسادهم حتى يقذفهم في البحر، ففيما [¬٢] عهد إليّ ربي: أن ذلك إذا كان كذلك أن الساعة كالحامل المتم، لا يدري أهلها متى [¬٣] تفجؤهم بولادها ليلًا أو نهارًا.
وأخرجه ابن ماجة عن بندار عن يزيد بن هارون عن العوام [¬٤] بن حوشب.
(رواية عبد الرحمن بن قرط أخي عبد الله [¬٥] بن قرط الثمالي): قال سعيد بن منصور (٤٧): حدثنا مسكين بن ميمون مؤذن مسجد الرملة، حدثني عروة بن رويم، عن عبد الرحمن بن قرط أن رسول الله ﷺ ليلة أُسري به من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى- كان [¬٦] بين زمزم والمقام، جبريل عن يمينه وميكائيل عن يساره، فطارا به حتى بلغ السماوات العلا، فلما رجع قال: سمعت تسبيحًا في السماوات العلا مع تسبيح كثير، سبحت السماوات العلا من ذي المهابة مشفقات [¬٧] من ذي العلو بما علا، سبحان العلي الأعلى! .
ونذكر هذا الحديث عند قوله تعالى من هذه السورة: ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ … ﴾ الآية.
(رواية عمر بن الخطاب ﵁: قال الإِمام أحمد (٤٨): حدثنا أسود [¬٨] بن
стр. 3858
عامر، حدثنا حماد بن سلمة، عن أبي سنان، عن عبيد بن آدم وأبي مريم وأبي شعيب: أن عمر بن الخطاب ﵁ كان بالجابية، فذكر فتح بيت المقدس قال: قال أبو سلمة: فحدثني أبو سنان، عن عبيد بن آدم قال: سمعت عمر بن الخطاب يقول لكعب: أين ترى أن أصلي؟ قال: إن أخذت عني صليت خلف الصخرة، فكانت القدس كلها بين يديك. فقال عمر بن الخطاب ﵁: ضاهيت اليهودية، لا [¬١]، ولكن أصلي حيث صلى رسول الله ﷺ ، فتقدم إلى القبلة فصلى، ثم جاء فبسط رداءه، وكنس الكناسة في ردائه، وكنس الناس.
[فلم يعظم] [¬٢] الصخرة تعظيمًا [¬٣] يصلي وراءها وهي بين يديه، كما أشار به [¬٤] كعب الأحبار، وهو من قوم يعظمونها حتى جعلوها قبلتهم، ولكن منّ الله عليه بالإِسلام، فهُدي إلى الحق؛ ولهذا لما أشار بذلك قال له أمير المؤمنين: ضاهيت اليهودية، ولا أهانها إهانة النصارى الذين كانوا قد جعلوها مزبلة من أجل أنها قبلة اليهود، ولكن أماط الأذى وكنس عنها الكناسة بردائه. وهذا شبيه بما جاء في صحيح مسلم (٤٩) عن أبي مرثد الغنوي قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تجلسوا على القبور ولا تصلوا إليها".
(رواية أبي هريرة ﵁ وهي مطولة جدًّا وفيها غرابة). قال الإِمام أبو جعفر بن جرير (٥٠) في تفسير سورة سبحان: حدثنا علي بن سهل، ثنا حجاج، ثنا أبو جعفر الرازي، عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية الرياحي [¬٥]، عن أبي هريرة أو غيره -شك أبو جعفر- في قول الله : ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾، قال:
стр. 3859
[جاء جبريل] [¬١] [إلى النبي ﷺ ومعه ميكائيل، فقال] [¬٢] جبريل [¬٣] لميكائيل [¬٤]: ائتني بطست من ماء زمزم كيما أطهر قلبه، وأشرح له صدره. قال: فشق [¬٥] عنه بطنه فغسله ثلاث مرات، واختلف إليه ميكائيل بثلاث طساس من ماء زمزم، فشرح صدره، ونزع ما كان فيه من غل، وملأه [] [¬٦] وعلمًا وحلمًا [¬٧] وإيمانًا ويقينًا وإسلامًا، وختم بين كتفيه بخاتم النبوة.
ثم أتاه بفرس فحُمل عليه، كل خطوة منه [¬٨] منتهى بصره أو أقصى بصره، قال: فسار وسار معه جبريل- عليه [¬٩] السلام- قال: فأتى على قوم يزرعون في يوم، ويحصدون في يوم، كلما حصدوا عاد كما كان، فقال النبي ﷺ : "ياجبريل؛ ما هذا؟ " قال: هؤلاء المجاهدون في سبيل الله، تضاعف لهم الحسنة بسبعمائة ضعف وما أنفقوا [¬١٠] من شيء فهو يخلفه وهو خير الرازقين.
ثم أتى على قوم ترضخ رءوسهم بالصخر، كلما رضخت عادت كما كانت، ولا يفتر عنهم من ذلك شيء، فقال: "ما هؤلاء يا جبريل؟ " قال: هؤلاء الذين تتثاقل رءوسهم عن الصلاة المكتوبة.
ثم أتى على قوم على [¬١١] أقبالهم رقاع، وعلى أدبارهم رقاع، يسرحون كما تسرح الإبل والنعم، ويأكلون الضريع والزقوم ورضف [¬١٢] جهنم وحجارتها، قال: "فما هؤلاء يا جبريل؟ " قال: هؤلاء الذين لا يؤدون صدقات أموالهم، وما ظلمهم الله تعالى شيئًا، وما الله بظلام للعبيد.
ثم أتى على قوم بين أيديهم لحم نضيج في قدر، ولحم آخر نِئ [¬١٤] قذر خبيث، فجعلوا يأكلون من النئ الخبيث، ويَدَعون النضيج الطيب، فقال: "ما هؤلاء يا جبريل؟ " فقال:
стр. 3860
هذا الرجل من أمتك تكون عنده المرأة الحلال الطيب، فيأتي امرأة خبيثة فيبيت عندها حتى يصبح، [والمرأة تقوم من عند زوجها حلالًا طيبًا، فتأتي رجلًا خبيثًا فتبيت معه حتى تصبح] [¬١].
قال: ثم أتى على خشبة على الطريق، لا يمر بها ثوب إلا شقته، ولا شيء إلا خرقته، قال: ["ما هذا ياجبريل؟] [¬٢] " قال: هذا مثل أقوام من أمتك يقعدون على الطريق يقطعونه، ثم تلا: ﴿وَلَا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِرَاطٍ تُوعِدُونَ وَتَصُدُّونَ﴾ … الآية.
قال: ثم أتى على رجل قد [¬٣] جمع [¬٤] حزمة حطب [¬٥] عظيمة، لا يستطيع حملها وهو يزيد عليها، فقال: "ما هذا [¬٦] يا جبريل؟ " قال: هذا الرجل من أمتك، يكون عليه أمانات الناس، لا يقدر على أدائها، وهو يريد أن يحمل عليها.
ثم أتى على قوم تُقرض ألسنتهم وشفاههم بمقاريض من حديد، كلما قرضت عادت كما كانت، لا يفتر عنهم من ذلك شيء، فقال: "ما هؤلاء ياجبريل؟ " فقال: هؤلاء خطباء الفتنة. ثم أتى على جحرٍ صغير، يخرج منه ثور عظيم، فجعل الثور يريد أن يرجع من حيث [¬٧] خرج فلا يستطع فقال: "ما هذا يا جبريل؟ " فقال: هذا الرجل يتكلم بالكلمة العظيمة، ثم يندم عليها فلا يستطيع أن يردها.
ثم أتى على واد، فوجد ريحًا طيبة باردة وريحَ مسك، وسمع صوتًا، فقال: "ياجبريل ما هذه [¬٨] الريح الطيبة الباردة؟ وما هذا المسك؟ وما هذا الصوت؟ " قال: هذا صوت الجنة تقول: يارب، آتني ما [¬٩] وعدتني، فقد كثرت غرفي وإستبرقي وحريري وسندسي؛ وعبقرين [¬١٠] ولؤلؤي ومرجاني، وفضتي وذهبي، وأكوابي وصحافي وأباريقي ومراكبي؛ وعسلي ومائي ولبني وخمري، فآتني ما وعدتني، فقال: لكِ كل مسلم ومسلمة، ومؤمن ومؤمنة، ومن آمن بي وبرسلي وعمل صالحًا، ولم يشرك بي، ولم يتخذ من دوني أندادًا، ومن خَشِيَني فهو آمن؛ ومن سألني أعطيته؛ ومن أقرضني جزيته؛ ومن توكل عليّ كفيته، إني أنا الله لا إله إلا أنا لا أخلف الميعاد؛ وقد أفلح المؤمنون وتبارك الله أحسن الخالقين،
стр. 3861
قالت [¬١]: قد [¬٢] رضيت.
قال: ثم أتى على واد فسمع صوتًا منكرًا، ووجد ريحًا منتنة، فقال: "ما هذه الريح يا جبريل؟ وما هذا الصوت؟ " فقال: هذا صوت جهنم تقول: يارب، آتني ما وعدتني فقد كثرت سلاسلي وأغلالي، وسعيري وحميمي؛ وضريعي [¬٣] وغساقي وعذابي، وقد بَعُدَ قَعْري واشتد حرِّي، فآتني كل ما وعدتني. قال: لكِ كل مشرك ومشركة، وكافر وكافرة، وكل خبيث وخبيثة، وكل جبار لا يؤمن بيوم الحساب. قالت: قد رضيت.
قال: ثم سار حتى أتى بيت المقدس، فنزل فربط فرسه إلى صخرة، ثم دخل فصلى مع الملائكة، فلما قضيت الصلاة قالوا: يا جبريل، من هذا معك؟ قال: محمد ﷺ . قالوا: أو قد أرسل [إليه] [¬٤]؟ قال: نعم. قالوا: حيّاه الله من أخ ومن خليفة، فنعم الأخ، ونعم الخليفة، ونعم المجيء جاء.
قال: ثم لقي أرواح الأنبياء، فأثنوا على ربهم، فقال إبراهيم: الحمد لله الذي اتخذني خليلًا، وأعطاني ملكًا عظيمًا، وجعلني أمة قانتًا يؤتم بي، وأنقذني من النار وجعلها عليّ بردًا وسلامًا! ثم إن موسى ﵇ أثنى على ربه فقال: الحمد لله الذي كلمني تكليمًا، وجعل هلاك آل فرعون ونجاة بني إسرائيل على يدي، وجعل من أمتي قومًا يهدون بالحق وبه يعدلون! ثم إن داود ﵇ أثنى على ربه فقال: الحمد لله الذي جعل لي ملكًا عظيمًا، وعلمني الزبور، وألان لي الحديد، وسخر لي الجبال يسبحن والطير، وأعطاني الحكمة وفصل الخطاب! ثم إن سليمان ﵇ أثنى على ربه فقال: الحمد لله الذي سخر لي الرياح، وسخر لي الشياطين، يعملون لي [¬٥] ما شئت من محاريب وتماثيل وجفان كالجواب [¬٦] وقدور راسيات، وعلمني منطق الطير، وآتاني من كل شيء فضلًا، وسخر لي جنود الشياطين والإِنس والطير، وفضلني على كثير من عباده المؤمنين، وآتاني ملكًا عظيمًا لا ينبغي لأحد من بعدي، وجعل ملكي ملكًا طيبًا ليس فيه حساب! ثم إن عيسى ﵇ أثنى على ربه فقال: الحمد لله الذي جعلني كلمته، وجعل مثلي [¬٧] مثل آدم، خلقه من تراب ثم قال له "كن" فيكون، وعلمني الكتاب والحكمة والتوراة والإِنجيل، وجعلني أخلق من الطين كهيئة الطير، [فأنفخ فيه] [¬٨] فيكون طيرًا بإذن الله، وجعلني أبرئ الأكمه والأبرص، وأحيي الموتى [بإذن الله] [¬٩]،
стр. 3862
ورفعني وطهرني، وأعاذني وأمي من الشيطان الرجيم، فلم يكن للشيطان علينا سبيل. قال [¬١]: ثم إن محمدًا ﷺ أثنى على ربه فقال: "وكلكم [¬٢] أثنى على ربه، وإني مُثْنٍ على ربي فقال: الحمد لله الذي أرسلني رحمة للعالمين، وكافة للناس بشيرًا ونذيرًا، وأنزل على الفرقان، فيه بيان لكل شيء، وجعل أمتي خير أمة أخرجت للناس، وجعل أمتي أمة وسطًا، وجعل أمتي هم الأولين وهم الآخرين، وشرح لي صدري، ووضع عني وزري، ورفع لي [¬٣] ذكري، وجعلني فاتحًا وخاتمًا" فقال إبراهيم ﵇: بهذا فضلكم محمد ﷺ .
قال أبو جعفر الرازي: خاتم النبوة [¬٤] فاتح بالشفاعة يوم القيامة.
ثم أُتي بآنية ثلاثة مغطاة أفواهها؛ فأُتي بإناء منها فيه ماء، فقيل: اشرب، فشرب منه يسيرًا، ثم دفع إليه إناء آخر فيه لبن، فقيل [له: اشرب، فشرب منه] [¬٥] حتى روي، ثم دفع إليه إناء آخر فيه خمر، فقيل له: اشرب فقال: لا أريده قد رويت، فقال له جبريل: أما إنها ستحرم على أمتك، ولو شربت منها لم يتبعك من أمتك إلا قليل.
قال: ثم صعد به إلى السماء فاستفتح فقيل: من هذا يا جبريل؟ فقال: محمد، قالوا [¬٦]: أو قد أرسل إليه [¬٧]؟ قال: نعم، قالوا: حياه الله من أخ ومن خليفة [¬٨]؛ فنعم الأخ، ونعم الخليفة، ونعم المجيء جاء، [ففتح لهما] [¬٩] فدخل، فإذا هو برجل تام الخلق، لم ينقص من خلقه شيء، كما ينقص من خلق الناس، عن يمينه باب يخرج منه ريح طيبة، وعن شماله باب يخرج منه ريح خبيثة، إذا نظر إلى الباب الذي عن يمينه ضحك واستبشر، وإذا نظر إلى [¬١٠] الباب الذي عن يساره بكى وحزن.
فقلت: يا جبريل، من هذا الشيخ التام الخلق، الذي لم ينقص من خلقه شيء؟ وما هذان البابان؟ فقال: هذا أبوك آدم، وهذا الباب الذي عن يمينه باب الجنة، إذا نظر إلى من يدخله [¬١١] من ذريته ضحك واستبشر، والباب الذي عن شماله باب جهنم، إذا نظر إلى من يدخله [¬١٢] من ذريته بكى وحزن.
стр. 3863
ثم صعد به جبريل إلى السماء الثانية، فاستفتح، فقيل: من هذا معك؟ فقال: محمد رسول الله، قالوا: أو قد أرسل محمد؟ قال: نعم. قالوا: حياه الله من أخ ومن خليفة! فلنعم الأخ، ونعم الخليفة! ونعم المجيء جاء! قال: فدخل فإذا هو بشابين، فقال: يا جبريل، من هذان الشابان؟ قال [¬١]: هذا عيسى ابن مريم، ويحيى بن زكريا ابنا الخالة ﵉.
قال: فصعد به إلى السماء الثالثة، فاستفتح، فقالوا: من هذا؟ قال: جبريل، قالوا: ومن معك؟ قال: محمد، قالوا: أو قد أرسل؟ قال: نعم، قالوا: حياه الله من أخ ومن خليفة! فنعم الأخ، ونعم الخليفة! ونعم المجئ جاء! قال: فدخل فإذا هو برجل قد فضل على الناس في الحسن [كما فضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب، قال: من هذا يا جبريل الذي قد فضل على الناس في الحسن؟] [¬٢] قال: هذا أخوك يوسف ﵇.
قال: ثم صعد به إلى السماء الرابعة، فاستفتح فقالوا: من هذا؟ قال: جبريل، قالوا: ومن معك؟ قال: محمد، قالوا: أو قد أرسل إليه [¬٣]؟ قال: نعم، قالوا: حياه الله من أخ ومن خليفة! فنعم الأخ، ونعم الخليفة! ونعم المجيء جاء! قال: فدخل فإذا هو برجل، قال [¬٤]: من هذا يا جبريل؟ قال: هذا إدريس ﵇ رفعه الله مكانًا عليًّا.
ثم صعد به إلى السماء الخامسة، فاستفتح، فقالوا: من هذا؟ قال: جبريل. قالوا: ومن معك؟ قال: محمد. قالوا: أو قد أرسل إليه [¬٥]؟ قال: نعم. قالوا: حياه الله من أخ ومن [¬٦] خليفة! فنعم الأخ ونعم الخليفة ونعم المجيء جاء! قال [¬٧]: فدخل فإذا هو برجل جالس، وحوله قوم يقص عليهم، قال: من هذا يا جبريل؟ ومن هؤلاء حوله؟ قال: هذا [¬٨] هارون المحبب [في قومه] [¬٩]، وهؤلاء بنو إسرائيل.
ثم صعد به إلى السماء السادسة، فاستفتح، قيل [¬١٠]: من هذا؟ قال: جبريل. قالوا: ومن معك؟ قال: محمد. قالوا: أو قد أرسل إليه [¬١١]؟ قال: نعم. قالوا: حياه الله من
стр. 3864
أخ ومن خليفة! فنعم الأخ، ونعم الخليفة! ونعم المجئ جاء [¬١]! فإذا هو برجل جالس، فجاوزه فبكى الرجل فقال: يا جبريل! من هذا؟ قال: موسى. قال: فما باله يبكي؟ قال: زعم بنو [¬٢] إسرائيل أني أكرم بني آدم على الله ، وهذا رجل من بني آدم قد خلفني في دنيا وأنا في أخرى، فلو أنه بنفسه لم أبال، ولكن مع كل نبي أمته.
قال: [ثم صعد] [¬٣] به إلى السماء السابعة، فاستفتح، [فقيل له] [¬٤]: من هذا؟ قال: جبريل. قالوا [¬٥]: ومن معك؟ قال: محمد، قالوا: أو قد أرسل إليه [¬٦]؟ قال: نعم، قالوا: حياه الله من أخ ومن خليفة! فنعم الأخ، ونعم الخليفة، ونعم المجيء جاء، قال: فدخل فإذا هو برجل أشمط جالس عند باب الجنة على كرسي، وعنده قوم جلوس، بيض الوجوه، أمثال [¬٧] القراطيس، وقوم في ألوانهم شيء، فقام هؤلاء الذين في ألوانهم شيء، فدخلوا نهرًا، فاغتسلوا فيه، فخرجوا وقد خلص من ألوانهم شيء، ثم دخلوا نهرًا آخر، فاغتسلوا فيه، فخرجوا وقد خلص من [¬٨] ألوانهم [شيء، ثم دخلوا نهرًا آخر، فاغتسلوا فيه، فخرجوا] [¬٩] [] [¬١٠] وقد [¬١١] خلصت [¬١٢] ألوانهم [¬١٣] فصارت مثل ألوان أصحابهم، فجاءوا فجلسوا إلى أصحابهم، فقال: يا جبريل! من هذا الأشمط؟ ثم من هؤلاء البيض [¬١٤] الوجوه؟ ومن هؤلاء الذين في ألوانهم شيء؟ [وما هذه الأنهار التي دخلوا فيها فجاءوا وقد صفت ألوانهم؟ قال: هذا أبوك إبراهيم أول من شمط على الأرض، وأما هؤلاء البيض الوجوه، فقوم لم يلبسوا إيمانهم بظلم، وأما هؤلاء الذين في ألوانهم شيء] [¬١٥]؛ فقوم [¬١٦] خلطوا عملًا صالحا وآخر سيئًا، فتابوا فتاب الله عليهم، وأما الأنهار؛ فأولها: رحمة الله. والثاني: نعمة [¬١٧] الله. والثالث: سقاهم ربهم شرابًا طهورًا.
قال: ثم انتهى إلى السدرة فقيل له: هذه السدرة ينتهي إليها كل أحد خلا من أمتك
стр. 3865
على سنتك، فإذا هي شجرة يخرج من أصلها أنهار من ماء غير آسن، وأنهار من لبن لم يتغير طعمه، وأنهار من خمر لذّة للشاربين، وأنهار من عسل مصفى، وهي شجرة يسير الراكب في ظلها سبعين عامًا لا يقطعها، والورقة منها مغطية للأمة كلها، قال: فغشيها نور الخلاق وغشيتها الملائكة أمثال الغربان حين [¬١] يقعن [¬٢] على الشجرة، [قال: فكلمه الله] [¬٣] عند ذلك، فقال [¬٤] له: سل. قال: إنك اتخذت إبراهيم خليلًا، وأعطيته ملكًا عظيمًا، وكلمت موسى تكليمًا، وأعطيت داود ملكًا عظيمًا، وألنت له الحديد، [وسخرت له الجبال، وأعطيت سليمان ملكًا، وسخرت له الجن والإِنس والشياطين] [¬٥]، وسخرت له الرياح، وأعطيته ملكًا عظيمًا لا ينبغي لأحد من بعده، وعلمت عيسى التوراة والإنجيل وجعلته يبرئ الأكمه والأبرص، ويحيي الموتى بإذنك، وأعذته وأمه من الشيطان الرجيم، فلم يكن للشيطان عليهما سبيل. فقال له ربه : وقد اتخذتك خليلًا. -وهو مكتوب في التوراة: حبيب الرحمن- وأرسلتك إلى الناس كافة بشيرًا ونذيرًا، وشرحت لك صدرك، ووضعت عنك وزرك، ورفعت لك ذكرك، فلا أُذكر إلا ذكرتَ معي، وجعلت أمتك خير أمة أخرجت للناس، وجعلت أمتك أمة وسطًا، وجعلت أمتك هم الأولين [¬٦] الآخرين، وجعلت أمتك لا تجوز لهم خطبة حتى يشهدوا أنك عبدي ورسولي، وجعلت من أمتك أقوامًا قلوبهم أناجيلهم، وجعلتك أول النبيين خلقًا، وآخرهم بعثًا [¬٧] وأولهم [¬٨] يقضى له، وأعطيتك سبعًا من المثاني لم [يعطها نبي] [¬٩] قبلك، وأعطيتك خواتيم سورة البقرة من كنز تحت العرش لم أعطها نبيًّا قبلك، وأعطيتك الكوثر، وأعطيتك ثمانية أسهم: الإِسلام، والهجرة، والجهاد، والصدقة، والصلاة [¬١٠]، وصوم رمضان، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر. وجعلتك فاتحًا وخاتمًا، فقال النبي ﷺ : "فضَّلني ربي بست: أعطاني فواتح الكلام وخواتيمه، وجوامع الحديث، وأرسلني إلى الناس كافة بشيرًا ونذيرًا، وقذف في قلوب عدوي الرعب من مسيرة شهر، وأحلت لي الغنائم ولم تحل لأحد قبلي، وجعلت لي الأرض كلها طهورًا ومسجدًا".
قال: وفرض عليه خمسين صلاة، فلما رجع إلى موسى قال: بم أمرت يا محمد؟ قال: بخمسين صلاة، قال: ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف؛ فإن أمتك أضعف الأمم،
стр. 3866
فقد لقيت من بني إسرائيل شدة، قال: فرجع النبي ﷺ إلى ربه فسأله التخفيف، فوضع عنه عشرًا، [ثم رجع] [¬١] إلى موسى فقال: بكم أمرت؟ قال [¬٢]: بأربعين، قال: ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف؛ فإن أمتك أضعف الأمم، قد [¬٣] لقيت من بني إسرائيل شدة، قال: فرجع النبي ﷺ إلى ربه فسأله التخفيف فوضع عنه عشرًا، فرجع إلى موسى فقال: بكم أمرت؟ قال: أمرت بثلاثين، فقال له موسى: ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف؛ فإن أمتك أضعف الأم، وقد لقيت من بني إسرائيل شدة؛ قال: فرجع إلى ربه فسأله التخفيف، فوضع عنه عشرًا، فرجع إلى موسى ﵇ فقال: بكم أمرت؟ قال: أمرت بعشرين، قال: ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف؛ فإن أمتك أضعف الأمم، وقد لقيت من بني إسرائيل شدة؛ قال: فرجع إلى ربه فسأله التخفيف، فوضع عنه عشرًا، فرجع إلى موسى فقال: بكم أمرت؟ قال [¬٤]: بعشر؛ قال: ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف؛ فإن أمتك أضعف الأمم، وقد لقيت من بني إسرائيل شدة، قال: فرجع [على حياء] [¬٥] إلى ربه، فسأله التخفيف، فوضع عنه خمسًا، فرجع إلى موسى ﵇ فقال: بكم أمرت؟ قال [¬٦]: بخمس، قال: ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف؛ فإن أمتك أضعف الأمم، وقد لقيت من بني إسرائيل شدة، قال: قد رجعت إلى ربي حتى استحييت، فما أنا [راجع] [¬٧] إليه؛ قيل: [أما إنك كما] [¬٨] صبرت نفسك على خمس صلوات؛ فإنهن يجزين عنك خمسين صلاة؛ فإن كل حسنة بعشر أمثالها، قال: فرضى محمد ﷺ كل الرضا؛ قال: وكان موسى ﵇ من أشدهم عليه حين مر به، وخيرهم له حين رجع إليه.
ثم رواه ابن جرير، عن محمد بن عبيد الله، عن أبي النضر هاشم بن القاسم، عن أبي جعفر الرازي، عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية أو غيره -شك أبو جعفر- عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ فذكره بمعناه، وقد رواه الحافظ أبو بكر البيهقي، عن أبي سعيد الماليني، عن ابن عدي، عن محمد بن الحسن السكوني البالسي بالرملة، حدثنا علي بن سهل، فذكر مثل ما رواه ابن جرير عنه.
وذكر البيهقي أن الحاكم أبا عبد الله رواه عن إسماعيل بن محمد بن الفضل بن محمد
стр. 3867
الشعراني، عن جده، عن [إبراهيم بن] [¬١] حمزة الزبيري، عن حاتم بن إسماعيل، حدثني عيسى بن ماهان -يعني أبا جعفر الرازي- عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية، عن أبي هريرة عن النبي ﷺ فذكره.
وقال ابن أبي حاتم: ذكر [¬٢] أبو زرعة: حدثنا محمد بن عبد الله بن نمير، حدثنا يونس بن بكير، [حدثنا عيسى بن] [¬٣] عبد الله التميمي -عن [¬٤] أبا جعفر الرازي- عن الربيع بن أنس البكري [¬٥]، عن أبي العالية أو غيره -شك عيسى- عن أبي هريرة، أن [رسول الله] [¬٦] ﷺ قال [في قوله تعالى] [¬٧]: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ … فذكر الحديث بطوله كنحوٍ مما سقناه.
قلت: أبو جعفر الرازي قال فيه الحافظ أبو زرعة الرازي: يهم في الحديث كثيرًا، وقد ضعفه غيره أيضًا ووثقه بعضهم، والأظهر أنه سيئ الحفظ، ففيما تفرد به نظر. وهذا الحديث في بعض ألفاظه غرابة ونكارة شديدة، وفيه شيء من حديث المنام من رواية سمرة بن جندب في المنام الطويل عند البخاري، ويشبه أن يكون مجموعًا من أحاديث شتى، أو منام، أو [¬٨] قصة أخرى غير الإِسراء، والله أعلم.
وقد روى البخاري ومسلم في الصحيحين (٥١) من حديث عبد الرزاق: أنبأنا معمر، عن الزهري، أخبرني سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة قال: قال [رسول الله] [¬٩] ﷺ حين أُسري به: "لقيت موسى- ﵇ قال [¬١٠] فنعته فإذا رجل حسبته قال: مضطرب، رَجْلَ الرأسِ كأنه من رجال شنوءة، قال: ولقيت عيسى، فنعته النبي ﷺ : ربعة أحمر كأنما خرج من ديماس -يعني: حمام- قال: ولقيت [¬١١] إبراهيم وأنا أشبه ولده به، قال: وأتيت بإناءين، في أحدهما لبن وفي الآخر
стр. 3868
خمر، قيل لي: خذ أيهما شئت؟ فأخذت اللبن فشربت فقيل لي [¬١]: هديت الفطرة -أو أصبت الفطرة- أما إنك لو أخذت الخمر غوت أمتك". وأخرجاه من وجه آخر عن الزهري به نحوه.
وفي صحيح مسلم (٥٢) عن محمد بن رافع عن حجين بن المثني، عن عبد العزيز بن أبي سلمة، عن عبد الله بن الفضل الهاشمي، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لقد رأيتنى في الحجر، وقريش تسألني عن مسراي، فسألوني عن أشياء من بيت المقدس لم أثبتها، فكربت كربًا ما كربت مثله قط، فرفعه الله لي أنظر إليه، ما سألوني عن شيء إلا أنبأتهم به، وقد رأيتني في جماعة من الأنبياء، وإذا موسى قائم يصلي، [وإذا هو رجل ضرب جعد كأنه من رجال شنوءة، وإذا عيسى [ابن مريم] [¬٢] قائم يصلي] [¬٣]، أقرب الناس شبهًا به عروة بن مسعود الثقفى، وإذا إبراهيم قائم يصلي [أشبه الناس به] [¬٤] صاحبكم -يعني: نفسه- فحانت الصلاة فأممتهم، فلما فرغت قال قائل: يامحمد؛ هذا مالك صاحب النار [¬٥]، [فسلَّم عليه] [¬٦] فالتفت إليه، فبدأني بالسلام".
وقال ابن أبي حاتم (٥٣): حدثنا أبي، حدثنا حجاج بن منهال، حدثنا حماد بن سلمة، عن علي بن زيد، عن أبي الصلت، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "رأيت ليلة أسري بي لما انتهينا إلي السماء السابعة فنظرت فوق فإذا رعد وبرق وصواعق، قال: وأتيت علي قوم بطونهم كالبيوت فيها الحيات ترى من خارج بطونهم، فقلت: من هؤلاء ياجبريل؟ قال: هؤلاء أكلة الربا، فلما نزلت إلي السماء [¬٧] الدنيا نظرت أسفل مني، قال: [¬٨] فإذا أنا برهج ودخان وأصوات، فقلت: [ما هذا] [¬٩] يا جبريل؟ قال: هذه الشياطين، يحرفون [¬١٠] علي أعين بني آدم، [ألّا يتفكروا] [¬١١] في ملكوت
стр. 3869
السموات والأرض، ولولا ذلك لرأوا العجائب".
ورواه الإمام أحمد عن حسن وعفان- كلاهما عن حماد بن سلمة به.
ورواه ابن ماجة من حديث حماد به.
رواية جماعة من الصحابة ممن تقدم وغيرهم، قال الحافظ البيهقي (٥٤): حدثنا أبو عبد الله -يعني: الحاكم- حدثنا عبدان بن يزيد بن يعقوب الدقاق بهمذان [¬١]، حدثنا إبراهيم بن الحسين الهمذاني [¬٢]، حدثنا أبو محمد -هو إسماعيل بن موسى [¬٣] الفزاري- حدثنا عمر بن سعد النصري [¬٤] من بني نصر [¬٥] بن قعين [¬٦]، حدثني عبد العزيز، وليث بن أبي سليم، وسليمان الأعمش، وعطاء بن السائب- بعضهم يزيد في الحديث علي بعض- عن علي بن أبي طالب، وعن [¬٧] عبد الله بن عباس- ومحمد بن إسحاق بن يسار، عمّن حدثه، عن ابن عباس- وعن سليم بن مسلم العقيلي، عن عامر الشعبي، عن عبد الله بن مسعود وجويبر، عن الضحاك بن مزاحم قالوا: كان رسول الله ﷺ في بيت أم هانئ راقدًا، وقد صلي العشاء الآخرة. قال أبو عبد الله الحاكم: قال لنا هذا الشيخ … وذكر الحديث فكتب [¬٨] المتن من نسخة مسموعة منه، فذكر حديثًا طويلًا يذكر فيه عدد الدرج والملائكة وغير ذلك مما لا ينكر شيء [¬٩] منها في قدرة الله إن صحت الرواية.
قال البيهقي: فيما ذكرنا قبل في [¬١٠] حديث أبي هارون العبدي في إثبات الإسراء والمعراج كفاية، وبالله الترفيق.
قلت: وقد أرسل هذا الحديث غير واحد من التابعين، وأئمة المفسرين، رحمة الله عليهم أجمعين.
(رواية عائشة أم المؤمنين ﵂) قال البيهقي (٥٥): أخبرنا أبو عبد الله
стр. 3870
الحافظ، أخبرني مكرم بن أحمد القاضي، حدثنا إبراهيم بن الهيثم البلدي [¬١]، حدثني محمد بن كثير الصنعاني، حدثنا معمر [¬٢] بن راشد، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة [﵂] [¬٣] قالت: لما أسري [برسول الله] [¬٤] ﷺ إلي المسجد الأقصى أصبح يحدث الناس بذلك، فارتد ناس ممن [¬٥] كانوا آمنوا به وصدقوه، وسعوا بذلك إلي أبي بكر فقالوا: هل لك في صاحبك [¬٦]؟ يزعم أنه أسري به الليلة إلي بيت المقدس، فقال: أوَ قال ذلك؟ قالوا: نعم، قال: لئن كان قال ذلك لقد صدق، قالوا: فتصدقه [¬٧] أنه ذهب الليلة [¬٨] إلي بيت المقدس وجاء قبل أن يصبح؟ قال: نعم، إني لأصدقه فيما [¬٩] هو أبعد من ذلك؛ أصدقه [في خبر] [¬١٠] السماء في غدوة أو روحة، فلذلك سمى أبو بكر: الصديق [﵁] [¬١١].
(رواية أم هانيء بنت أبي طالب [﵂] [¬١٢] قال محمد بن إسحاق (٥٦): حدثني محمد بن [] [¬١٣] السائب الكلبي عن أبي صالح باذان عن أم هانئ بنت أبي طالب في مسرى رسول الله ﷺ ، أنها كانت تقول: ما أسري برسول الله ﷺ إلا وهو في بيتي نائم عندي تلك الليلة، فصلي العشاء الآخرة، ثم نام ونمنا، فلما كان قبيل الفجر أهبَّنا [رسول الله ﷺ ] [¬١٤] فلما صلى الصبح وصلينا معه قال: "يا أم هانيء لقد صليت معكم العشاء الآخرة كما رأيت بهذا الوادي، ثم
стр. 3871
جئت بيت المقدس فصليت فيه، [ثم صليت] [¬١] صلاة الغداة معكم الآن كما ترين".
الكلبي: متروك بمرة ساقط. لكن رواه أبو يعلى (٥٧) في مسنده عن محمد بن إسماعيل الأنصاري، عن ضمرة بن ربيعة، عن يحيى بن أبي عمرو السيبانى [¬٢]، عن أبي صالح، عن أم هانئ بأبسط من هذا السياق فليكتب ها هنا.
وروى الحافظ أبو القاسم الطبراني (٥٨) من حديث عبد الأعلى بن أبي المساور، عن عكرمة، عن أم هانئ قالت: بات رسول الله ﷺ ليلة أسري به في بيتي، ففقدته من الليل، فامتنع مني النوم مخافة أن يكون عرض له بعض قريش، فقال رسول الله ﷺ : "إن جبريل ﵇ أتاني، فأخذ بيدي فأخرجني، فإذا في الباب دابة [¬٣] دون البغل وفوق الحمار، فحملنى عليها، ثم انطلق حتى انتهى بي إلي بيت المقدس، فأراني إبراهيم ﵇، يشبه خلفه خلقي، ويشبه خلقي خلقَه، وأرانى موسى آدم، طويلًا، سبط الشعر، شبهته برجال أزد شنوءة، وأراني عيسى ابن مريم ربعة، أبيض، يضرب إلي الحمرة، شبهته بعروة بن مسعود الثقفى، وأرانى الدجال ممسوح العين اليمنى، شبهته بقطن بن عبد العزى- قال: وأنا أريد أن أخرج إلي قريش فأخبرهم بما رأيت". فأخذت بثوبه فقلت: إني أذكرك الله إنك تأتي قومك يكذبونك، وينكرون مقالتك، فأخاف أن يسطوا بك، قالت [¬٤]: فضرب ثوبه من يدي، ثم خرج إليهم فأتاهم -وهم جلوس- فأخبرهم ما أخبرني، فقام جبير بن مطعم فقال: يا محمد لو [¬٥] كنت شابًّا كما كنت؛ ما تكلمت بما تكلمت به وأنت بين ظهرانينا. فقال رجل من القوم: يا محمد؛ هل مررت بإبل لنا [] [¬٦] في مكان كذا وكذا؟ قال: "نعم، والله قد [¬٧] وجدتهم قد أضلوا بعيرًا لهم، فهم في طلبه". قال: فهل [¬٨] مررت بإبل لبني
стр. 3872
فلان؟ قال: "نعم، وجدتهم في مكان كذا وكذا، وقد انكسرت لهم ناقة حمراء، وعندهم قصعة من ماء فشربت ما فيها". قالوا: فأخبرنا عدتها وما فيها من الرعاة. [قال: قد كنت عن عدتها مشغولًا فنام فأتى بالإِبل، فعدها وعلم ما فيها من الرعاة] [¬١]، ثم أتى قريشًا فقال لهم: "سألتموني عن إبل بني فلان، فهي كذا وكذا، وفيها من الرعاة [فلان وفلان، وسألتموني عن إبل بنى فلان، فهي كذا وكذا، وفيها من الرعاة] [¬٢] ابن أبي قحافة وفلان وفلان، وهي مصبحتكم بالغداة [¬٣] علي [¬٤] الثنية". قال: فقعدوا [¬٥] علي الثنية ينظرون أصَدَقَهم ما قال: فاستقبلوا الإبل فسألوهم [¬٦]: هل ضل لكم بعير؟ فقالوا [¬٧]: نعم، فسألوا الآخر: هل انكسرت لَكم ناقة حمراء؟ قالوا [¬٨]: نعم. قالوا: فهل كانت [¬٩] عندكم قصعة؟ قال أبو بكر: أنا والله وضعتها، فما شربها أحد، ولا أهراقوه في الأرض. فصدقه أبو بكر، وآمن به، فسُمي يومئذ: الصديق.
فصل
وإذا حصل الوقوف علي مجموع هذه الأحاديث، صحيحها وحسنها وضعيفها، يحصل مضمون ما اتفقت عليه من مسرى رسول الله ﷺ من مكة إلي بيت المقدس، وأنه مرة واحدة؛ وإن اختلفت عبارات الرواة في أدائه، أو زاد بعضهم فيه [¬١٠] أو نقص منه؛ فإن الخطأ جائز علي من عدا الأنبياء ﵈، ومن جعل من الناس كل رواية خالفت الأخرى مرةً علي حدة؛ فأثبت إسراءات متعددة، فقد أبعد وأغرب، وهرب إلي غير مهرب؛ ولم يتحصل [¬١١] علي مطلب. وقد صرح بعضهم من المتأخرين بأنه- ﵇ - أُسري به مرة من مكة إلي بيت المقدس فقط، ومرة من مكة إلي السماء فقط، ومرة إلي بيت المقدس ومنه إلي السماء، وفرح [¬١٢] بهذا المسلك، وأنه قد [ظفر بشيء] [¬١٣] يخلص به من الإشكالات، وهذا بعيد جدًّا، ولم ينقل هذا عن أحد من السلف، ولو تعدّد هذا التعدد لأخبر [¬١٤] النبي ﷺ به أمته، ولنقلته [¬١٥] الناس علي التعدد والتكرر.
стр. 3873
قال موسى بن عقبة عن الزهري: كان الإسراء قبل الهجرة بسنة، وكذا قال عروة.
وقال السدي: بستة عشر شهرًا.
والحق: أنه ﵇ أسري به يقظة لا منامًا، من مكة إلي بيت المقدس، راكبًا البراق، فلما انتهى إلي [بيت المقدس] [¬١] باب المسجد ربط الدابة عند الباب ودخله [¬٢]، فصلي في قبلته تحية المسجد ركعتين، ثم أتى المعراج -وهو كالسلم ذو درج يرقى فيها- فصعد فيه إلي السماء الدنيا ثم إلي بقية السموات السبع، فتلقاه من كل سماء مقربوها، وسلم عليه الأنبياء الذين في السموات بحسب منازلهم ودرجاتهم، حتى مر بموسى الكليم في السادسة، وإبراهيم الخليل في السابعة، ثم جاوز منزلتهما ﷺ وعليهما [¬٣] وعلي سائر الأنبياء حتى انتهى إلي مستوى يسمع فيه صريف الأقلام، أي: أقلام القدر بما هو كائن، ورأى سدرة المنتهي، وغشيها من أمر الله تعالى عظمة عظيمة من فراش من ذهب وألوان متعددة، وغشيتها الملائكة، ورأى هنالك جبريل علي صورته، له ستمائة جناح، ورأى رفرفًا أخضر قد سد الأفق، ورأى البيت المعمور [¬٤]، و [¬٥] إبراهيم الخليل- بانى [¬٦] الكعبة الأرضية- مسندًا [¬٧] ظهره إليه، لأنه الكعبة السماوية يدخله كل يوم سبعون ألفًا من الملائكة يتعبدون فيه، ثم لا يعودون إليه إلي ويوم القيامة، ورأى الجنة والنار، وفرض الله عليه هنالك الصلوات خمسين، ثم خففها إلي خمس [¬٨] رحمة منه ولطفًا بعباده، وفي هذا اعتناء عظيم بشرف الصلاة وعظمتها، ثم هبط إلي بيت [¬٩] المقدس، وهبط معه الأنبياء، فصلي بهم فيه لما حانت الصلاة، وبحتمل أنها الصبح من يومئذ، ومن الناس من يزعم أنه أمهم في السماء، والذي تظاهرت به الروايات أنه بيت المقدس، ولكن في بعضها أنه كان أول دخوله إليه، والظاهر أنه بعد رجوعه إليه، لأنه لما مر بهم في منازلهم جعل يسأل عنهم جبريل واحدًا واحدًا، وهو يخبره بهم، وهذا هو اللائق، لأنه كان أولًا مطلوبًا [¬١٠] إلي الجناب العلوي، ليفرض عليه وعلى أمته ما يشاء الله تعالى، ثم لما فرغ من الذي أريد به، اجتمع به [¬١١] هو وإخوانه من النبيين، ثم أظهر شرفه وفضله عليهم بتقديمه في الإمامة، وذلك عن إشارة جبريل ﵇ له في ذلك، ثم خرج من البيت [¬١٢]
стр. 3874
المقدس فركب البراق وعاد إلى مكة بغلس، والله أعلم.
وأما عرض الآنية عليه من اللبن والعسل، أو [¬١] اللبن والخمر، أو اللبن والماء، أو الجمبع فقد ورد أنه في البيت المقدس، وجاء أنه في السماء، ويحتمل أن يكون ها هنا وههنا لأنه كالضيافة للقادم، والله أعلم.
ثم اختلف الناس: هل كان الإسراء ببدنه ﵇ وروحه [¬٢]، أو بروحه فقط؟ على قولين: فالأكثرون من العلماء علي أنه أسري ببدنه وروحه يقظة لا منامًا، ولا ينكر أن يكون رسول الله ﷺ رأى قبل ذلك منامًا؛ ثم [¬٣] رآه بعد [¬٤] يقظة؛ لأنه [ ﷺ كان] لا يرى رؤيا إلا جاءت [مثل فلق] [¬٥] الصبح، والدليل علي هذا قوله تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ﴾ فالتسبيح إنما يكون عند الأمور العظام، ولو كان منامًا لم يكن فيه كبير شيء، ولم يكن مستعظمًا، ولَما بادرت كفار قريش إلي تكذيبه، ولَما ارتد جماعة ممن كان قد أسلم، وأيضًا فإن العبد عبارة عن مجموع الروع والجسد وقد قال: ﴿أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيلًا﴾. وقد قال تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَينَاكَ إلا فِتْنَةً لِلنَّاسِ﴾ قال ابن عباس: هي رؤيا عين أريها رسول الله ﷺ . رواه البخاري (٥٩). وقال تعالى: ﴿مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى﴾ والبصر من آلات الذات لا الروح، وأيضًا فإنه حمل علي البراق، وهو دابة بيضاء، برّاقة لها لمعان، وإنما يكون هذا للبدن لا للروح؛ لأنها لا تحتاج في حركتها إلي مركب تركب عليه، والله أعلم.
وقال آخرون: بل [¬٦] أُسري برسول الله ﷺ بروحه لا بجسده، قال محمد بن إسحاق بن يسار في السيرة (٦٠): حدثني يعقوب بن عتبة بن المغيرة بن الأخنس أن معاوية بن أبي سفيان كان إذا سئل عن مسرى رسول الله ﷺ قال: كانت رؤيا من الله صادقة.
стр. 3875
وحدثني بعض آل أبي بكر أن عائشة كانت تقول: ما فقد جسد رسول الله ﷺ ولكن أسري بروحه.
قال ابن إسحاق: فلم ينكر ذلك من قولها؛ لقول الحسن: إن هذه الآية نزلت ﴿وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَينَاكَ إلا فِتْنَةً لِلنَّاسِ﴾ ولقول الله في الخبر عن إبراهيم: ﴿أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى﴾ قال [¬١]: ثم مضى علي ذلك فعرفت أن الوحي يأتي للأنبياء من الله أيقاظًا ونيامًا.
فكان رسول الله ﷺ يقول: "تنام عيناي وقلبي يقظان" (٦١)، فالله أعلم أي ذلك كان قد جاءه وعاين فيه [¬٢] من الله فيه ما عاين علي أي حالاته، كان نائمًا أو يقظانًا، كل ذلك حق وصدق. انتهى كلام ابن إسحاق
وقد تعقبه أبو جعفر بن جرير في تفسيره بالرد والإنكار والتشنيع، بأن هذا خلاف ظاهر سياق القرآن، وذكر من [¬٣] الأدلة علي رده بعض ما تقدم، والله أعلم.
فائدة حسنة جليلة
روى الحافظ أبو نعيم الأصبهاني في كتاب "دلائل النبوة" من طريق محمد بن عمر الواقدي، حدثني مالك بن أبي الرجال، عن عمرو بن عبد الله، [عن محمد] [¬٤] بن كعب القرظي قال: بعث رسول الله ﷺ دحية بن خليفة إلي قيصر، فذكر وروده عليه وقدومه إليه. وفي السياق دلالة عظيمة على وفور عقل هرقل، ثم استدعى مَن بالشام من التجار، فجيء بأبي سفيان صخر بن حرب وأصحابه، فسألهم عن [¬٥] تلك المسائل المشهورة التي رواها البخاري ومسلم كما سيأتي بيانه (٦٢)، وجعل أبو [¬٦] سفيان
стр. 3876
يجهد أن يحقر أمره، ويصغره عنده، قال في هذا السياق عن أبي سفيان: والله ما بمنعني [¬١] أن أقول عليه قولا أسقطه من عينه؛ إلا أني أكره أن أكذب عنده كذبة يأخذها علي، ولا يصدقني [في شيء] [¬٢]، قال: حتى ذكرت قوله ليلة أسري به قال: فقلت: أيها الملك، ألا أخبرك خبرًا تعرف أنه قد كذب؟ قال: وما هو؟ قال: قلت: إنه يزعم لنا أنه خرج من أرضنا أرض الحرم في ليلة، فجاء مسجدكم هذا، مسجد إيلياء، ورجع إلينا تلك الليلة قبل الصباح. قال: وبطريق إيلياء عند رأس قيصر؟ فقال [¬٣]: بطريق إيلياء، قد علمت تلك الليلة. قال: فنظر إليه [¬٤] قيصر وقال: وما [¬٥] علمك بهذا؟ قال: إني كنت لا أنام ليلة حتى أغلق أبواب المسجد، فلما كان تلك الليلة أغلقت الأبواب كلها غير باب واحد غلبني، فاستعنت [عليه بعمالي] [¬٦] ومن يحضرني كلهم، فعالجته [¬٧] فغلبني، فلم نستطع أن نحركه، كأنما نزاول به جبلًا، فدعوت إليه النجاجرة، فنظروا إليه فقالوا [¬٨]: إن هذا باب سقط عليه النجاف والبنيان، ولا نستطع أن نحركه حتى نصبح فننظر من أين أتى؟ قال: فرجعت، وتركت البابين مفتوحين، فلما أصبحت غدوت عليهما فإذا الحجر الذي [في زاوية] [¬٩] المسجد مثقوب، وإذا فيه أثر مربط الدابة قال: فقلت لأصحابي: ما حُبس هذا الباب الليلة إلا على نبي، وقد صلي [¬١٠] الليلة في مسجدنا … وذكر تمام الحديث.
(فائدة)
قال الحافظ أبو الخطاب عمر بن دحية في كتابه "التنوير في مولد السراج المنير" وقد ذكر حديث الإسراء من طريق أنس، وتكلم عليه فأجاد وأفاد ثم قال: وقد تواترت الروايات في حديث الإسراء عن عمر بن الخطاب وعلي وابن مسعود وأبي ذر، ومالك بن صعصعة؛ وأبي هريرة وأبي سعيد، وابن عباس وشداد بن أوس وأبي بن كعب وعبد الرحمن بن قرط، وأبي حبة وأبي ليلى الأنصاريين؛ وعبد الله بن عمرو وجابر وحذيفة وبريدة، وأبي أيوب وأبي أمامة وسمرة بن جندب، وأبي الحمراء وصهيب الرومي، وأم هانئ، وعائشة وأسماء ابنتي أبي بكر الصديق ﵃ أجمعين- منهم من ساقه بطوله، ومنهم من اختصره علي ما وقع في المسانيد، وإن لم تكن رواية بعضهم علي شرط الصحة فحديث
стр. 3877
الإسراء أجمع عليه المسلمون واعترض فيه الزنادقة الملحدون ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾.
[قوله تعالى] [¬١]
﴿وَآتَينَا مُوسَى الْكِتَابَ وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِبَنِي إِسْرَائِيلَ أَلَّا تَتَّخِذُوا مِنْ دُونِي وَكِيلًا (٢) ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا (٣)﴾
لما ذكر تعالى أنه أسرى بعبده محمد ﷺ عطف بذكر موسى عبده ورسوله [¬٢] وكليمه أيضًا؛ فإنه تعالى كثيرًا ما يقرن بين ذكر موسى ومحمد -عليهما [من الله الصلاة و] [¬٣] السلام- وبين ذكر التوراة والقرآن؛ ولهذا قال بعد ذكر الإسراء: ﴿وَآتَينَا مُوسَى الْكِتَابَ﴾ يعني: التوراة ﴿وَجَعَلْنَاهُ﴾ أي: الكتاب ﴿هُدًى﴾ أي: هاديًا ﴿لِبَنِي إِسْرَائِيلَ أَلَّا تَتَّخِذُوا [¬٤]﴾ أي: لئلا تتخذوا ﴿مِنْ دُونِي وَكِيلًا﴾ أي: وليًّا ولا نصيرًا ولا معبودًا دوني؛ لأن الله تعالى أنزل علي كل نبي أرسله أن يعبده وحده لا شريك له.
ثم قال ﴿ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ﴾ تقديره: يا ذرية من حملنا مع نوح، فيه تهييج وتنبيه علي المنة. أي: يا سلالة من نجينا فحملنا مع نوح في السفينة، تشبهوا بأبيكم ﴿إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا﴾ فاذكروا أنتم نعمتي عليكم بإرسالي إليكم محمدًا صلى الله تعالى عليه وآله وسلم، وقد ورد في الحديث (٦٣) وفي الأثر عن السلف (٦٤) أن نوحًا ﵇
стр. 3878
كان يحمد الله على طعامه وشرابه ولباسه، وشأنه كله، فلهذا سمي عبدًا شكورًا.
قال الطبراني (٦٥): حدَّثنا علي بن عبد العزيز، حدَّثنا أبو نعيم، حدَّثنا سفيان، عن أبي حصين، عن عبد الله بن سنان، عن سعد بن مسعود الثقفي قال: إنما سُمي نوح عبدًا شكورًا؛ لأنه كان إذا أكل أو شرب حمد الله.
وقد [¬١] قال الإِمام أحمد (٦٦): حدَّثنا أَبو أسامة، حدَّثنا زكريا بن أبي زائدة، في سعيد بن أبي بردة، عن أَنس بن مالك ﵁ قال؛ قال رسول الله ﷺ : "إن الله ليرضى عن العبد أن يأكل الأكلة، أو يشرب الشربة، فيحمد الله عليها".
وهكذا رواه مسلم، والترمذي، والنَّسائي من طريق أَبى أسامة به [¬٢] وقال مالك عن زيد بن أسلم: كان يحمد الله على كل حال.
وقد ذكر البخاري (٦٧) هنا [¬٣] حديث أبي زرعة، عن أبي هريرة، عن رسول الله ﷺ قال [¬٤]: "أنا سيد الناس يوم القيامة - بطوله، وفيه: - فيأتون نوحًا فيقولون: يا نوح، إنك [¬٥] أنت أول الرسل إلى أهل الأرض، وقد سماك الله عبدًا شكورًا،
стр. 3879
اشفع لنا إلى ربك" وذكر الحديث بكماله.
﴿وَقَضَينَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَينِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا (٤) فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولَاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلَال الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مَفْعُولًا (٥) ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا (٦) إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا (٧) عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا (٨)﴾
يقول تعالى: إنه قضى إلى بني إسرائيل في الكتاب أي: تقدم إليهم، وأخبرهم في الكتاب الذي أنزله عليهم أنهم سيفسدون في الأرض مرتين، ويعلون [¬١] علوًا كبيرًا أي: يتجبرون [¬٢]، ويطغون [¬٣]، ويفجرون [¬٤] على الناس، كما قال تعالى: ﴿وَقَضَينَا إِلَيهِ ذَلِكَ الْأَمْرَ أَنَّ دَابِرَ هَؤُلَاءِ مَقْطُوعٌ مُصْبِحِينَ﴾ أي: تقدمنا إليه وأخبرناه بذلك وأعلمناه به.
وقوله: ﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولَاهُمَا﴾ أي: أُولى الإفسادتين ﴿بَعَثْنَا عَلَيكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ﴾ أي: سلطنًا عليكم جندًا من خلقنا، أولي بأس شديد، أي: قوة وعُدة وسلطة شديدة ﴿فَجَاسُوا خِلَال الدِّيَارِ﴾ أي: تملكوا بلادكم وسلكوا خلال بيوتكم، أي: سلكوا [¬٥] بينها ووسطها، وتصرفوا [¬٦] ذاهبين وجائين، لا يخافون [¬٧] أحدًا. ﴿وَكَانَ وَعْدًا مَفْعُولًا﴾.
وقد اختلف المفسرون من السلف والخلف في هؤلاء المسلطين عليهم [¬٨]: من هم؟ فعن ابن عبَّاس وقَتَادة: أنَّه جالوت الجزري، وجنوده سلط عليهم أولًا، ثم أديلوا عليه بعد
стр. 3880
ذلك، وقتل داود جالوت؛ ولهذا قال: ﴿ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا﴾.
وعن سعيد بن جبير: أنَّه ملك الموصل سنحاريب [¬١] وجنوده، وعنه أيضًا وعن غيره: أنَّه بُخْتُنَصَّر ملك بابل.
وقد ذكر ابن أبي حاتم له قصة عجيبة؛ في كيفية ترقيه من حال إلى حال، إلى أن [¬٢] ملك البلاد، وأنه كان فقيرًا مقعدًا ضعيفًا، يستعطي الناس ويستطعمهم، ثم آل به الحال إلى ما آل، وأنَّه سار إلى بلاد بيت المقدس، فقتل بها خلقًا كثيرًا من بني إسرائيل.
وقد روى ابن جرير (٦٨) في هذا المكان حديثًا أسنده عن حذيفة مرفوعًا مطولًا، وهو حديث موضوع لا محالة، لا يستريب في ذلك من عنده أدنى معرفة بالحديث، والعجب كل العجب، كيف راج عليه مع إمامته وجلاله وقدره؟! وقد صرح شيخنا الحافظ العلامة أَبو الحجاج المزي [¬٣]﵀ بأنَّه موضوع مكذوب، وكتب ذلك على حاشية الكتاب.
وقد وردت في هذا آثار كثيرة إسرائيلية، لم أر تطويل الكتاب بذكرها؛ لأن منها [¬٤] ما هو موضوع من وضع زنادقتهم، ومنها ما قد يحتمل أن كون صحيحًا، ونحن في غنية عنها، ولله الحمد. وفيما قص الله تعالى علينا في كتابه غنية عما سواه من بقية الكتب قبله، ولم يحوجنا الله ولا رسوله إليهم. وقد أخبر الله [¬٥] تعالى عنهم [¬٦] أنهم لما طغوا وبغوا
стр. 3881
سلط الله عليهم عدوهم، فاستباح بيضتهم، وسلك خلال بيوتهم، وأذلهم وقهرهم، جزاء وفاقًا، وما ربك بظلام للعبيد، فإنهم كانوا قد تمردوا وقتلوا خلقًا من الأنبياء والعلماء.
وقد روى ابن جرير (٦٩): حدثني يونس بن عبد الأعلى، أخبرنا ابن وَهْب، أخبرني سليمان بن بلال، عن يحيى بن سعيد قال: سمعت سعيد بن المسيب يقول: ظهر بُخْتُنَصَّرَ على الشام، فخرب بيت المقدس وقتلهم، ثم أتى دمشق فوجد بها دمًا يغلي على كِبًا [¬١]، فسألهم: ما هذا الدم؟ فقالوا: أدركنا آباءنا على هذا، وكلما ظهر، عليه الكِبَا [¬٢] ظهر. قال: فقتل على ذلك الدم سبعين ألفا من المسلمين وغيرهم فسكن.
وهذا صحيح إلى سعيد بن المسيب، وهذا هو المضهور، وأنه قتل أشرافهم وعلماءهم، حتَّى إنه لم يبق من [¬٣] يحفظ [¬٤] التوراة، وأخذ معه خلفا منهم أسرى من أبناء الأنبياء وغيرهم، وجرت أمور وكوائن يطول ذكرها، ولو وجدنا ما هو صحيح أو ما يقاربه، لجاز كتابته وروايته، والله أعلم.
ثم قال تعالى: ﴿إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا﴾ أي: فعديها كما قال تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيهَا﴾.
وقوله [¬٥]: ﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ﴾ أي: المرة الآخرة، أي: إذا أفسدتم المرة الثانية، وجاء أعداؤكم ﴿لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ﴾ أي: يهينوكم ويقهروكم ﴿وَلِيَدْخُلُوا [¬٦] الْمَسْجِدَ﴾ أي: بيت المقدس ﴿كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ أي: في التي جاسوا فيها خلال الديار ﴿وَلِيُتَبِّرُوا﴾ أي: يدمروا ويخربوا ﴿مَا عَلَوْا﴾ أي: ما ظهروا عليه ﴿تَتْبِيرًا (٧) عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ﴾ أي: فيصرفهم عنكم ﴿وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا﴾ أي: متى [¬٧] عدتم إلى الإِفساد ﴿عُدْنَا﴾ إلى الإدالة [¬٨] عليكم في الدنيا، مع ما ندخره لكم في الآخرة من العذاب والنكال، ولهذا قال: ﴿وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا﴾ أي: مستقرا ومحصرًا، وسجنًا لا محيد لهم عنه.
قال ابن عبَّاس: حصيرًا، أي: سجنا.
стр. 3882
وقال مجاهد: يحصرون فيها وكذا قال غيره [¬١].
وقال الحسن: فراشًا ومهادًا.
وقال قَتَادة: قد عاد [¬٢] بنو إسرائيل، فسلط الله عليهم هذا الحي، محمد ﷺ وأصحابه، يأخذون منهم الجِزيَةَ عن يد وهم صاغرون.
﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا (٩) وَأَنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (١٠)﴾
يمدح تعالى كتابه العزيز، الذي أنزله على رسوله محمد ﷺ وهو القرآن؛ بأنه يهدي لأقوم الطرق، وأوضح السبل، ﴿وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ به، الذين يعملون الصالحات على مقتضاه ﴿أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا﴾ أي: يوم القيامة ﴿وَأَنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ﴾ أي: ويبشر الذين لا يؤمنون بالآخرة ﴿أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ أي يوم القيامة، كما قال تعالى: ﴿فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾.
﴿وَيَدْعُ الْإِنْسَانُ بِالشَّرِّ دُعَاءَهُ بِالْخَيرِ وَكَانَ الْإِنْسَانُ عَجُولًا (١١)﴾
يخبر تعالى عن عجلة الإِنسان، ودعائه في بعض الأحيان على نفسه أو ولده أو ماله بالشر، أي: بالموت، أو الهلاك والدمار واللعنة ونحو ذلك، فلو استجاب له ربه لهلك بدعائه، كما قال تعالى: ﴿وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجَالهُمْ بِالْخَيرِ لَقُضِيَ إِلَيهِمْ أَجَلُهُمْ﴾ … الآية، وكذا فسره ابن عبَّاس ومجاهد وقَتَادة وقد تقدم في هذا الحديث (٧٠): " لا تدعوا على أنفسكم، ولا على أموالكم - أن توافقوا من الله ساعة إجابة [¬٣] يستجيب فيها" وإنما يحمل ابن آدم على ذلك [¬٤] عجلته وقلقه، ولهذا قال تعالى: ﴿وَكَانَ الْإِنْسَانُ عَجُولًا﴾.
وقد ذكر سلفان الفارسي وابن عبَّاس (٧١) ﵄ ها هنا قصة آدم عليه
стр. 3883
السلام حين همّ بالنهوض قائمًا قبل أن تصل الروح إلى رجليه، وذلك أنَّه جاءته النفخة من قبل رأسه فلما وصلت إلى دماغه عطس، فقال: الحمد لله. فقال [¬١] الله: يرحمك ربك يا آدم، فلما وصلت إلى عينيه فتحهما، فلما سرت إلى أعضائه وجسده جعل ينظر إليه ويعجبه، فهمّ بالنهوض قبل أن تصل إلى رجليه فلم [¬٢] يستطع؛ وقال: يا رب عَجِّلْ قبل الليل.
﴿وَجَعَلْنَا اللَّيلَ وَالنَّهَارَ آيَتَينِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ وَكُلَّ شَيءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلًا (١٢)﴾
يمتن تعالى على خلقه بآياته العظام، فمنها مخالفته بين الليل والنهار؛ ليسكنوا في الليل، وينتشروا في النهار للمعايش [¬٣] والصنائع [¬٤] والأعمال والأسفار، وليعلموا عدد الأيام والجمع والشهور والأعوام، ويعرفوا [¬٥] مضي الآجال المضروبة للديون والعبادات والمعاملات والإِجارات، وغير ذلك؛ ولهذا قال: ﴿لِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ أي: في معايشكم [¬٦] وأسفاركم ونحو ذلك ﴿وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ﴾ فإنه لو كان الزمان كده نسقًا واحدًا وأسلوبًا متساويًا، لما عرف شيء من ذلك، كما قال تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيكُمُ اللَّيلَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَاءٍ أَفَلَا تَسْمَعُونَ (٧١) قُلْ أَرَأَيتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيكُمُ النَّهَارَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلَا تُبْصِرُونَ (٧٢) وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ وقال تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَجَعَلَ فِيهَا
стр. 3884
سِرَاجًا وَقَمَرًا مُنِيرًا (٦١) وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا﴾ وقال تعالى: ﴿وَلَهُ اخْتِلَافُ اللَّيلِ﴾ وقال: ﴿يُكَوِّرُ اللَّيلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى أَلَا هُوَ الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ﴾ وقال تعالى: ﴿فَالِقُ الْإِصْبَاحِ وَجَعَلَ [¬١] اللَّيلَ سَكَنًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ وقال تعالى: ﴿وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ فَإِذَا هُمْ مُظْلِمُونَ (٣٧) وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾.
ثم إنه تعالى جعل لليل آية، أي: علامة يعرف بها، وهي الظلام وظهور القمر فيه، [وللنهار علامة، وهي النور وظهور الشمس] [¬٢] النيرة [¬٣] فيه [¬٤]، وفاوت بين [نور القمر وضياء الشمس] [¬٥]، ليعرف هذا من هذا، كما قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إلا بِالْحَقِّ﴾ إلى قوله: ﴿لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَّقُونَ﴾ … الآية. كما قال تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾ الآية.
قال ابن جريج: عن عبد الله بن كثير في قوله: ﴿فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً﴾، قال: ظلمة الليل وسدفة [¬٦] النهار وقال ابن جريج: عن مجاهد: الشمس آية النهار، والقمر آية الليل، [﴿فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيلِ﴾ [¬٧] قال: السواد الري في القمر، وكذلك خلقه الله تعالى.
وقال ابن جريج: قال ابن عبَّاس: كان القمر يضيء كما تضيء الشمس، والقمر آية الليل، والشمس آية النهار، فمحونا آية الليل: السواد الذي في القمر.
وقد روى أَبو جعفر بن جرير (٧٢) من طرق متعددة جيدة - أن ابن الكواء سأل [أمير المؤمنين] [¬٨] علي بن أبي طالب فقال: يا أمير المؤمنين ما هذه اللطخة التي في القمر؟ فقال: ويحك! أما تقرأ القرآن؟ فهذه محوه.
وقال قَتَادة في قوله ﴿فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيلِ﴾: كنا نحدث أن محو آية الليل سواد القمر
стр. 3885
الذي فيه، ﴿وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً﴾ أي: منيرة، وخلق الشمس أنور من القمر وأعظم.
وقال ابن أبي نجيح: عن ابن عبَّاس: ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيلَ وَالنَّهَارَ آيَتَينِ﴾ قال: ليلًا ونهارًا، كذلك خلقهما الله .
﴿وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا (١٣) اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيكَ حَسِيبًا (١٤)﴾
يقول تعالى بعد ذكر الزمان وذكر [¬١] ما يقع فيه عن أعمال بني آدم: ﴿وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ﴾ وطائره: هو ما طار عنه من عمله -كما قال ابن عبَّاس ومجاهد وغير واحد - من خير وشر، ويلزم [¬٢] به، ويجازى عليه ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَال ذَرَّةٍ خَيرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَال ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ وقال تعالى: ﴿إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ (١٧) مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إلا لَدَيهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ وقال تعالى: ﴿وَإِنَّ عَلَيكُمْ لَحَافِظِينَ (١٠) كِرَامًا كَاتِبِينَ (١١) يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ (١٢) إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ (١٣) وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ﴾ وقال: ﴿إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ وقال: ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ والمقصود أن عمل ابن آدم محفوظ عليه، قليله وكثيره، ويكتب عليه ليلًا ونهارًا، صباحًا ومساءً.
وقال الإِمام أحمد (٧٣): حدَّثنا قتيبة، حدَّثنا ابن لهيعة، عن أبي الزُّبَير، عن جابر، سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لَطائرُ كل إنسان في عنقه" قال ابن لهيعة: يعني [¬٣] الطيرة وهذا القول من ابن لهيعة في تفسير هذا الحديث غريب جدًّا، والله أعلم وقوله: ﴿وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا﴾ أي: نجمع له عمله كله في كتاب يعطاه يوم القيامة؛ إما بيمينه إن كان سعيدًا، أو بشماله [¬٤] إن كان شقيًّا.
стр. 3886
﴿مَنْشُورًا﴾ أي: مفتوحًا يقرؤه هو وغيره، فيه جميع عمله من أول عمره إلى آخره ﴿يُنَبَّأُ الْإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ (١٣) بَلِ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ (١٤) وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ﴾ ولهذا قال تعالى: ﴿اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيكَ حَسِيبًا (١٤)﴾ أي: إنك تعلم أنك لم تظلم ولم يكتب عليك غير ما عملت، لأنك ذكرت جميع ما كان منك، ولا ينسى أحد شيئًا مما كان منه، وكل أحد يقرأ كتابه من كاتب وأمي.
وقوله: ﴿أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ﴾ إنما ذكر العنق لأنه عضو لا نظير له في [¬١] الجسد، ومن ألزم بشيء فيه فلا محيد له عنه كما قال الشاعر:
اذهب بها اذهب بها … طوقتها طوق الحمام [¬٢]
قال قَتَادة: عن جابر بن عبد الله، عن نبي الله ﷺ أنَّه قال: "لا عدوى ولا طيرة، وكل إنسان ألزمناه طائره في عنقه" كذا رواه ابن جرير.
وقد رواه الإمام عبد بن حميد ﵀، في مسنده متصلًا فقال: حدَّثنا الحسن بن موسى، حدَّثنا ابن لهيعة، عن أبي الزُّبَير، عن جابر قال: سمعت [رسول الله] [¬٣] ﷺ يقول [¬٤]: "طير كل عبد في عنقه".
وقال الإِمام أحمد (٧٤): حدَّثنا علي بن إسحاق، حدَّثنا عبد الله، حدَّثنا ابن لهيعة، حدثني يزيد أن أبا الخير حدثه أنَّه سمع عقبة بن عامر ﵁ يحدث عن النبي ﷺ قال: "ليس من عَمَلِ يومٍ إلَّا وهو يختم عليه، فإذا مرض المؤمن قالت الملائكة [¬٥]: يا ربنا عبدك فلان قد حبسته فيقول الرب ﷻ : اختموا له على مثل
стр. 3887
عمله حتَّى يبرأ أو يموت".
إسناد جيد قوي، ولم يخرجوه وقال معمر عن قَتَادة: ألزمناه طائره في عنقه. قال: عمله ﴿وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ قال: نخرج ذلك العمل ﴿كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا﴾ قال معمر: وتلا الحسن البصري ﴿عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ﴾: يا ابن آدم بسطت لك صحيفتك [¬١]، ووكل بك ملكان كريمان، أحدهما: عن يمينك، والآخر: عن يسارك، فأما الذي عن يمينك فيحفظ حسناتك، وأما الذي عن يسارك فيحفظ سيئاتك، فاعمل [¬٢] ما شئت أقلل أو أكثر حتَّى إذا مت طويت صحيفتك فجعلت في عنقك معك في قبرك حتَّى تخرج [¬٣] يوم القيامة كتابًا تلقاه [¬٤] منشورًا ﴿اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيكَ حَسِيبًا﴾ الآية، فقد [¬٥] عدل [- والله -] [¬٦] من جعلك حسيب نفسك. هذا من حسن كلام الحسن ﵀.
﴿مَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيهَا وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وزْرَ أُخْرَى وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾
يخبر تعالى أن من اهتدى واتبع الحق واقتفى آثار النبوة فإنما يحصل عاقبة ذلك الحميدة لنفسه ﴿وَمَنْ ضَلَّ﴾ أي: عن الحق وزاغ عن سبيل الرشاد فإنما يجني على نفسه، وإنَّما يعود وبال ذلك عليه.
ثم قال: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وزْرَ أُخْرَى﴾ أي: لا يحمل أحد ذنب أحد، ولا يجني جان إلا على نفسه، كما قال تعالى: ﴿وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَى حِمْلِهَا لَا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيءٌ﴾ ولا منافاة بين هذا وبين قوله تعالى: ﴿وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالهُمْ وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ﴾ وقوله: ﴿وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيرِ عِلْمٍ﴾ فإن الدعاة عليهم إثم ضلالهم [¬٧] في أنفسهم، وإثم آخر بسبب ما أضلوا من أضلوا من غير أن ينقص من أوزار أولئك ولا يحملوا عنهم شيئًا، وهذا من عدل الله ورحمته بعباده.
وكذا قوله: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ إخبار عن عدله تعالى، وأنه لا يعذب أحدًا إلا بعد قيام الحجة عليه بإرسال الرسول إليه، كما قال تعالى: ﴿كُلَّمَا أُلْقِيَ
стр. 3888
فيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ (٨) قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِنْ شَيءٍ إِنْ أَنْتُمْ إلا فِي ضَلَالٍ كَبِيرٍ﴾ وكذا قوله: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَال لَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا بَلَى وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ وقال تعالى: ﴿وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ﴾ إلى غير ذلك من الآيات الدالة على أن الله تعالى لا يدخل أحدًا النار إلَّا بعد إرسال الرسول إليه، ومن ثم طعن جماعة من العلماء في اللفظة التي جاءت مقحمة في صحيح البخاري (٧٥) عند قوله تعالى: ﴿إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾.
حدَّثنا [عبيد الله] [¬١] بن سعد، حدَّثنا يعقوب، حدَّثنا أبي، عن صالح بن كيسان، عن الأعرج [بإسناده إلى] [¬٢] أَبى هريرة عن النبي ﷺ قال: "اختصمت الجنَّة والنار" فذكر الحديث إلى أن قال: "وأما الجنَّة فلا يظلم الله من خلقة أحدًا، وإنه ينشئ للنار خلقًا فيلقون فيها. فتقول: هل من مزيد؟ [ويلقون فيها. وتقول: هل من مزيد؟﴾ [¬٣] ثلاثًا" وذكر تمام الحديث.
فإن هذا إنما جاء في الجنَّة لأنها دار فضل، وأما النار فإنها دار عدل [¬٤]، لا يدخلها أحد إلَّا بعد الإعذار إليه وقيام الحجة عليه، وقد تكلم جماعة من الحفاظ في هذه اللفظة وقالوا: لعله انقلب على الراوي بدليل ما أخرجاه في الصحيحين (٧٦) - واللفظ للبخاري-[من حديث عبد الرزاق] [¬٥]، عن معمر، عن همام، عن أبي هريرة قال: قال النبي صلى الله
стр. 3889
عليه وسلم: "تحاجت الجنَّة والنار" فذكر الحديث إلى أن قال: "فأما النار فلا تمتلئ حتَّى يضع فيها قدمه، فيقول: قط قط: فهنا لك تمتلئ ويُزوى بعضها إلى بعض، ولا يظلم الله من خلقه أحدًا، وأما الجنَّة فينشئ الله لها خلقًا".
بقي هاهنا مسألة قد اختلف الأئمة -رحمهم الله تعالى - فيها قديمًا وحديثًا، وهي: الولدان الذين ماتوا وهم صغار وآباؤهم كفار ماذا حكمهم؟ وكذا المجنون والأصم والشيخ الخرف، ومن مات في الفترة و [¬١] لم تبلغه الدعوة؟، وقد ورد في شأنهم أحاديث أنا ذاكرها لك بعون الله وتوفيقه، ثم نذكر فصلًا ملخصًا من كلام الأئمة في هذا والله [¬٢] المستعان.
فالحديث الأول: عن الأسود بن سريع: قال الإِمام أحمد (٧٧):
حدَّثنا عليّ بن عبد الله، حدَّثنا معاذ بن هشام، حدَّثنا أبي، عن قَتَادة، عن الأحنف بن قيس، عن الأسود بن سريع: أن نبي الله ﷺ قال: "أربعة يحتجون يِوم القيامة: رجل أصم لا يسمع شيئًا، ورجل أحمق، ورجل هرم، ورجل مات في فَتْرة؛ فأما الأصم فيقول: رب، قد جاء الإسلام وما أسمع شيئًا. وأما الأحمق فيقول: رب، لقد جاء الإسلام والصبيان يَحْذفوني [¬٣] بالبعر. وأما الهرم فيقول: رب، لقد جاء الإسلام وما أعقل شيئًا. وأما الذي مات في الفترة فيقول: رب، ما أتاني لك رسول. ليأخذ مواثيقهم: ليطيعنه. فيرسل إليهم: أن ادخلوا النار، فوالذي نفس محمد بيده، لو دخلوها لكانت عليهم بردًا وسلامًا" وبالإِسناد: عن قَتَادة، عن الحسن، [عن أبي رافع] [¬٤]، عن أبي هريرة (٧٨): مثل هذا الحديث غير أنَّه قال في آخره: "من دخلها
стр. 3890
كانت عليه بردًا وسلامًا، ومن لم يدخلها يسحب إليها".
وكذا رواه إسحاق بن راهويه عن معاذ بن هشام. ورواه البيهقي في كتاب الاعتقاد من حديث حنبل بن إسحاق، عن عليّ بن عبد الله المديني به، وقال: هذا إسناد صحيح، وكذا رديه حمَّاد بن سلمة، عن علي بن زيد، عن أبي رافع، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "أربعة كلهم يدلي على الله بحجة"، فذكر نحوه، ورواه ابن جرير (٧٩) من حديث معمر، عن همام، عن أبي هريرة، فذكره موقوفًا، ثم قال أبو هريرة: اقرءوا إن شئتم: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾.
وكذا رواه معمر عن عبد الله بن طاوس عن أبيه عن أبي هريرة موقوفًا.
الحديث الثاني: عن أَنس بن مالك، قال أَبو داود الطالسي (٨٠):
حدَّثنا الربيع، عن يزيد بن أبان قال: قلنا لأنس؛ يا أبا حمزة، ما تقول في أطفال المشركين: فقال: قال رسول الله صلى الله عليه: سلم: "لم يكن لهم سيئات فيعذبوا [¬١] فيكونوا من أهل النار، ولم يكن لهم حسنات فيجازوا بها فيكونوا من ملوك [¬٢] أهل الجنة، هم من [¬٣] خدم أهل الجنَّة".
الحديث الثالث: عن أنس أيضًا: قال الحافظ أَبو يعلى (٨١): حدَّثنا أَبو خيثمة، حدَّثنا