← Тафсир

Тафсир · id 1509

تفسير ابن كثير - ط أولاد الشيخ

ابن كثير

Полный текст (6 736 стр.). Показаны 3886–3925 · переход к 3891.

стр. 3886

﴿مَنْشُورًا﴾ أي: مفتوحًا يقرؤه هو وغيره، فيه جميع عمله من أول عمره إلى آخره ﴿يُنَبَّأُ الْإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ (١٣) بَلِ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ (١٤) وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ﴾ ولهذا قال تعالى: ﴿اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيكَ حَسِيبًا (١٤)﴾ أي: إنك تعلم أنك لم تظلم ولم يكتب عليك غير ما عملت، لأنك ذكرت جميع ما كان منك، ولا ينسى أحد شيئًا مما كان منه، وكل أحد يقرأ كتابه من كاتب وأمي. وقوله: ﴿أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ﴾ إنما ذكر العنق لأنه عضو لا نظير له في [¬١] الجسد، ومن ألزم بشيء فيه فلا محيد له عنه كما قال الشاعر: اذهب بها اذهب بها … طوقتها طوق الحمام [¬٢] قال قَتَادة: عن جابر بن عبد الله، عن نبي الله ﷺ أنَّه قال: "لا عدوى ولا طيرة، وكل إنسان ألزمناه طائره في عنقه" كذا رواه ابن جرير. وقد رواه الإمام عبد بن حميد ﵀، في مسنده متصلًا فقال: حدَّثنا الحسن بن موسى، حدَّثنا ابن لهيعة، عن أبي الزُّبَير، عن جابر قال: سمعت [رسول الله] [¬٣] ﷺ يقول [¬٤]: "طير كل عبد في عنقه". وقال الإِمام أحمد (٧٤): حدَّثنا علي بن إسحاق، حدَّثنا عبد الله، حدَّثنا ابن لهيعة، حدثني يزيد أن أبا الخير حدثه أنَّه سمع عقبة بن عامر ﵁ يحدث عن النبي ﷺ قال: "ليس من عَمَلِ يومٍ إلَّا وهو يختم عليه، فإذا مرض المؤمن قالت الملائكة [¬٥]: يا ربنا عبدك فلان قد حبسته فيقول الرب ﷻ : اختموا له على مثل

стр. 3887

عمله حتَّى يبرأ أو يموت". إسناد جيد قوي، ولم يخرجوه وقال معمر عن قَتَادة: ألزمناه طائره في عنقه. قال: عمله ﴿وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ قال: نخرج ذلك العمل ﴿كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا﴾ قال معمر: وتلا الحسن البصري ﴿عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ﴾: يا ابن آدم بسطت لك صحيفتك [¬١]، ووكل بك ملكان كريمان، أحدهما: عن يمينك، والآخر: عن يسارك، فأما الذي عن يمينك فيحفظ حسناتك، وأما الذي عن يسارك فيحفظ سيئاتك، فاعمل [¬٢] ما شئت أقلل أو أكثر حتَّى إذا مت طويت صحيفتك فجعلت في عنقك معك في قبرك حتَّى تخرج [¬٣] يوم القيامة كتابًا تلقاه [¬٤] منشورًا ﴿اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيكَ حَسِيبًا﴾ الآية، فقد [¬٥] عدل [- والله -] [¬٦] من جعلك حسيب نفسك. هذا من حسن كلام الحسن ﵀. ﴿مَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيهَا وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وزْرَ أُخْرَى وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ يخبر تعالى أن من اهتدى واتبع الحق واقتفى آثار النبوة فإنما يحصل عاقبة ذلك الحميدة لنفسه ﴿وَمَنْ ضَلَّ﴾ أي: عن الحق وزاغ عن سبيل الرشاد فإنما يجني على نفسه، وإنَّما يعود وبال ذلك عليه. ثم قال: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وزْرَ أُخْرَى﴾ أي: لا يحمل أحد ذنب أحد، ولا يجني جان إلا على نفسه، كما قال تعالى: ﴿وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَى حِمْلِهَا لَا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيءٌ﴾ ولا منافاة بين هذا وبين قوله تعالى: ﴿وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالهُمْ وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ﴾ وقوله: ﴿وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيرِ عِلْمٍ﴾ فإن الدعاة عليهم إثم ضلالهم [¬٧] في أنفسهم، وإثم آخر بسبب ما أضلوا من أضلوا من غير أن ينقص من أوزار أولئك ولا يحملوا عنهم شيئًا، وهذا من عدل الله ورحمته بعباده. وكذا قوله: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ إخبار عن عدله تعالى، وأنه لا يعذب أحدًا إلا بعد قيام الحجة عليه بإرسال الرسول إليه، كما قال تعالى: ﴿كُلَّمَا أُلْقِيَ

стр. 3888

فيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ (٨) قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِنْ شَيءٍ إِنْ أَنْتُمْ إلا فِي ضَلَالٍ كَبِيرٍ﴾ وكذا قوله: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَال لَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا بَلَى وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ وقال تعالى: ﴿وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ﴾ إلى غير ذلك من الآيات الدالة على أن الله تعالى لا يدخل أحدًا النار إلَّا بعد إرسال الرسول إليه، ومن ثم طعن جماعة من العلماء في اللفظة التي جاءت مقحمة في صحيح البخاري (٧٥) عند قوله تعالى: ﴿إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾. حدَّثنا [عبيد الله] [¬١] بن سعد، حدَّثنا يعقوب، حدَّثنا أبي، عن صالح بن كيسان، عن الأعرج [بإسناده إلى] [¬٢] أَبى هريرة عن النبي ﷺ قال: "اختصمت الجنَّة والنار" فذكر الحديث إلى أن قال: "وأما الجنَّة فلا يظلم الله من خلقة أحدًا، وإنه ينشئ للنار خلقًا فيلقون فيها. فتقول: هل من مزيد؟ [ويلقون فيها. وتقول: هل من مزيد؟﴾ [¬٣] ثلاثًا" وذكر تمام الحديث. فإن هذا إنما جاء في الجنَّة لأنها دار فضل، وأما النار فإنها دار عدل [¬٤]، لا يدخلها أحد إلَّا بعد الإعذار إليه وقيام الحجة عليه، وقد تكلم جماعة من الحفاظ في هذه اللفظة وقالوا: لعله انقلب على الراوي بدليل ما أخرجاه في الصحيحين (٧٦) - واللفظ للبخاري-[من حديث عبد الرزاق] [¬٥]، عن معمر، عن همام، عن أبي هريرة قال: قال النبي صلى الله

стр. 3889

عليه وسلم: "تحاجت الجنَّة والنار" فذكر الحديث إلى أن قال: "فأما النار فلا تمتلئ حتَّى يضع فيها قدمه، فيقول: قط قط: فهنا لك تمتلئ ويُزوى بعضها إلى بعض، ولا يظلم الله من خلقه أحدًا، وأما الجنَّة فينشئ الله لها خلقًا". بقي هاهنا مسألة قد اختلف الأئمة -رحمهم الله تعالى - فيها قديمًا وحديثًا، وهي: الولدان الذين ماتوا وهم صغار وآباؤهم كفار ماذا حكمهم؟ وكذا المجنون والأصم والشيخ الخرف، ومن مات في الفترة و [¬١] لم تبلغه الدعوة؟، وقد ورد في شأنهم أحاديث أنا ذاكرها لك بعون الله وتوفيقه، ثم نذكر فصلًا ملخصًا من كلام الأئمة في هذا والله [¬٢] المستعان. فالحديث الأول: عن الأسود بن سريع: قال الإِمام أحمد (٧٧): حدَّثنا عليّ بن عبد الله، حدَّثنا معاذ بن هشام، حدَّثنا أبي، عن قَتَادة، عن الأحنف بن قيس، عن الأسود بن سريع: أن نبي الله ﷺ قال: "أربعة يحتجون يِوم القيامة: رجل أصم لا يسمع شيئًا، ورجل أحمق، ورجل هرم، ورجل مات في فَتْرة؛ فأما الأصم فيقول: رب، قد جاء الإسلام وما أسمع شيئًا. وأما الأحمق فيقول: رب، لقد جاء الإسلام والصبيان يَحْذفوني [¬٣] بالبعر. وأما الهرم فيقول: رب، لقد جاء الإسلام وما أعقل شيئًا. وأما الذي مات في الفترة فيقول: رب، ما أتاني لك رسول. ليأخذ مواثيقهم: ليطيعنه. فيرسل إليهم: أن ادخلوا النار، فوالذي نفس محمد بيده، لو دخلوها لكانت عليهم بردًا وسلامًا" وبالإِسناد: عن قَتَادة، عن الحسن، [عن أبي رافع] [¬٤]، عن أبي هريرة (٧٨): مثل هذا الحديث غير أنَّه قال في آخره: "من دخلها

стр. 3890

كانت عليه بردًا وسلامًا، ومن لم يدخلها يسحب إليها". وكذا رواه إسحاق بن راهويه عن معاذ بن هشام. ورواه البيهقي في كتاب الاعتقاد من حديث حنبل بن إسحاق، عن عليّ بن عبد الله المديني به، وقال: هذا إسناد صحيح، وكذا رديه حمَّاد بن سلمة، عن علي بن زيد، عن أبي رافع، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "أربعة كلهم يدلي على الله بحجة"، فذكر نحوه، ورواه ابن جرير (٧٩) من حديث معمر، عن همام، عن أبي هريرة، فذكره موقوفًا، ثم قال أبو هريرة: اقرءوا إن شئتم: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾. وكذا رواه معمر عن عبد الله بن طاوس عن أبيه عن أبي هريرة موقوفًا. الحديث الثاني: عن أَنس بن مالك، قال أَبو داود الطالسي (٨٠): حدَّثنا الربيع، عن يزيد بن أبان قال: قلنا لأنس؛ يا أبا حمزة، ما تقول في أطفال المشركين: فقال: قال رسول الله صلى الله عليه: سلم: "لم يكن لهم سيئات فيعذبوا [¬١] فيكونوا من أهل النار، ولم يكن لهم حسنات فيجازوا بها فيكونوا من ملوك [¬٢] أهل الجنة، هم من [¬٣] خدم أهل الجنَّة". الحديث الثالث: عن أنس أيضًا: قال الحافظ أَبو يعلى (٨١): حدَّثنا أَبو خيثمة، حدَّثنا

стр. 3891

جرير، عن ليث، عن عبد الوارث، عن أَنس قال: قال رسول الله ﷺ : "يؤتى بأربعة يوم القيامة: بالمولود، والمعتوه ومن مات في الفترة، والشيخ الفاني الهمِّ [¬١] كلهم يتكلم بحجته، فيقول [الرب تبارك و] [¬٢] تعالى لعنق [من النار] [¬٣]: ابرز. ويقول لهم: إني كنت أبعث إلى عبادي رسلا من أنفسهم، وإني رسول نفسي إليكم، ادخلوا هذه. قال: فيقول من كُتب عليه الشقاء: يارب، أنى ندخلها ومنها كنا نفر؟. قال: ومن كتبت عليه [¬٤] السعادة [] [¬٥] يمغي فيقتحم فيها مسرعًا، قال: فيقول الله تعالى [¬٦]: أنتم لرسلي أشد تكذيبًا ومعصية، فيدخل هؤلاء الجنَّة، وهؤلاء النار". وهكذا رواه الحافظ أَبو بكر البزار عن يوسف بن موسى عن جرير بن عبد الحميد بإسناده مثله. الحديث الرابع: عن البراء بن عازب ﵁: قال الحافظ أَبو يعلى الموصلي في مسنده أيضًا (٨٢): حدَّثنا القاسم [¬٧] بن أبي شيبة، حدَّثنا عبد الله -يعني ابن داود- عن عمر بن ذر، عن يزيد بن أبي [¬٨] أمية، عن البراء قال: سئل [¬٩] رسول الله ﷺ عن أطفال المسلمين، قال [¬١٠]: "هم مع آبائهم"، وسئل عن أولاد المشركين فقال: "هم مع آبائهم"، فقيل: يا رسول الله، ما يعملون؟ قال: "الله أعلم بهم [¬١١] ". ورواه عمر بن ذر عن يزيد بن [¬١٢] أمية عن [¬١٣] رجال عن البراء عن عائشة فذكره.

стр. 3892

الحديث الخامس: عن ثوبان: قال الحافظ أَبو بكر أحمد بن عمرو بن عبد الخالق البزار في مسنده (٨٣): حدَّثنا إبراهيم بن سعيد الجوهري، حدَّثنا ريحان بن سعيد، حدَّثنا عباد بن منصور، عن أيوب، عن أبي قلابة، عن أَبي [¬١] أسماء، عن ثوبان: أن نبي الله ﷺ عظم شأن المسألة، قال: "إذا كان يوم القيامة جاء أهل الجاهلية يحملون أوثانهُم على ظهورهم، فيسألهم ربهم، فيقولون: ربنا، لم ترسل إلينا رسولًا ولم يأتنا لك أمر، ولو أرسلت إلينا رسولا لكنا أطوع عبادك. فيقول لهم ربهم: أرأيتم إن أمرتكم بأمر تطيعوني؛ فيقولون: نعم. فيأمرهم أن يعمدوا إلى جهنم فيدخلوها، فينطلقون حتَّى إذا دنوا منها وجدوا لها تغيظًا وزفيرًا، فرجعوا إلى ربهم فيقولون: ربنا أخرجنا -أو: أجرنا - منها. فيقول لهم: ألم تزعموا أني إن أمرتكم بأمر تطيعوني؛ فيأخذ على ذلك مواثيقهم، فيقول: اعمدوا إليها فادخلوها. فينطلقون حتَّى إذا راوها فَرِقوا ورجعوا، فقالوا: ربنا فرقنا منها، ولا نستطيع أن ندخلها. فيقول: ادخلوها داخرين". فقال نبي الله ﷺ : "لو دخلوها أول مرة كانت عليهم بردًا وسلامًا" ثم قال [] [¬٢] البزار: ومن هذا الحديث غير معروف إلَّا من هذا الوجه، لم يروه عن أيوب إلَّا عباد، ولا عن [¬٣] عباد إلَّا [] [¬٤] ريحان بن سعيد. قلت: وقد ذكره ابن حبان في ثقاته [¬٥]، وقال يحيى بن معين والنَّسائي: لا بأس به. ولم يرضه أَبو داود، وقال أَبو حاتم: شيخ لا بأس به، يكتب حديثه ولا يحتج به] [¬٦].

стр. 3893

الحديث السادس: عن أبي سعيد سعد بن مالك بن سنان الخدري (٥): قال الإمام محمد بن يحيى الذهلي: حدَّثنا سعيد [¬١] بن سليمان، عن فضيل بن مرزوق، عن عطية، عن أبي سعيد قال: قال رسول الله ﷺ : "الهالك في الفترة والمعتوه والمولود: يقول الهالك في الفترة: لم يأتني كتاب. ويقول المعتوه: رب، لم تجعل لي عقلًا أعقل به خيرًا ولا شرًّا. ويقول المولود: رب، لم أدرك العقل. فترفع لهم نار، فيقال لهم: رِدُوها. قال: فيردُها من كان في علم الله سعيدًا لو أدرك العمل، ويمسك عنها من كان في علم الله شَقيًّا لو أدرك العمل، فيقول [¬٢]: إياي عصيتم، فكيف لو أن [¬٣] رسلي أتتكم؟! ". وكذا رواه البزار (٨٤)، عن محمد بن عمر بن [¬٤] هياج الكوفي، عن عبيد [¬٥] الله بن موسى، عن فضيل بن مرزوق به، ثم قال: لا يعرف من حديث أبي سعيد إلا من طريقه، عن عطية، عنه، وقال في آخره: "فيقول الله: إياي عصيتم فكيف برسلي بالغيب؟! ". الحديث السابع: عن معاذ بن جبل (٨٥) ﵁ قال هشام بن عمار، ومحمد بن المبارك الصوري: حدَّثنا عمرو بن واقد، عن يونس بن حَلْبَس، عن أبي إدريس الخولانى، عن معاذ بن جبل، عن نبي الله ﷺ قال: "يؤتى يوم القيامة بالممسوخ [¬٦] عقلًا وبالهالك في الفترة، وبالهالك صغيرًا، فيقول الممسوخ [¬٧]: [يا رب لو آتيتني عقلًا ما كان من آتيته] [¬٨] عقلًا بأسعد مني". وذكر في الهالك في الفترة

стр. 3894

والصغير نحو ذلك - "فيقول الرب : إني آمركم بأمر، فتطيعوني؟ فيقولون: نعم. فيقول: اذهبوا فادخلوا النار. قال: ولو دخلوها ما ضرَّتهم، فتخرج عليهم قوابض فيظنون أنَّها قد أهلكت ما خلق الله من شيء، فيرجعون سراعًا [¬١] ثم يأمرهم الثانية فيرجعون كذلك [¬٢] فيقول الرب : قبل أن أخلقكم علمت ما أنتم عاملون، وعلى علمي خلقتكم، وإلى علمي تصيرون، ضُمِّيهم. فتأخذهم النار". الحديث الثامن: عن أبي هريرة (٨٦)، ﵁ وأرضا [¬٣]: قد تقدم روايته مندرجة مع رواية الأسود بن سريع ﵁. وفي الصحيحين عن أبي هريرة (٨٧) ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "كل مولود يولد على الفطرة، فأَبواه يهودانه و [¬٤] ينصِّرانه ويمجِّسانه، كما تنتج [¬٥] البهيمة بهيمة جمعاء [¬٦] هل تحسون فيها من جدعاء؟ " وفي رواية (٨٨) قالوا: يا رسول الله، أفرأيت من يموت صغيرًا؟ قال: "الله أعلم بما كانوا عاملين". وقال الإِمام أحمد (٨٩): حدَّثنا موسى بن داود، حدَّثنا عبد الرحمن بن ثابت، عن عطاء بن قرة، عن عبد الله بن ضمرة، عن أبي هريرة ﵁، عن النبي صلى الله

стр. 3895

عليه وسلم فيما أعلم - شك موسى - قال: "ذراري المسلمين في الجنَّة يكفلهم إبراهيم ﵇ "وفي صحيح مسلم (٩٠) عن عياض بن حمار [¬١] عن رسول الله ﷺ ، عن الله أنَّه قال: "إني خلقت عبادي حنفاء" وفي رواية لغيره (٩١): " مسلمين". الحديث التاسع: عن سمرة ﵁: رواه الحافظ أَبو بكر البرقاني في كتابه: "المستخرج على البخاري" من حديث عوف الأعرابي، عن أبي رجاء العطاردي، عن سمرة [﵁] [¬٢] عن النبي ﷺ قال: "كل مولود يولد على الفطرة" فناداه الناس: يا رسول الله، وأولاد المشركين؟ قال: "وأولاد المشركين". و [¬٣] "قال الطبراني (٩٢): حدَّثنا عبد الله بن أحمد، حدَّثنا عقبة بن مكرم الضبي، عن عيسى بن شعيب، عن عباد بن منصور، عن أبي رجاء، عن سمرة قال: سألنا رسول الله ﷺ عن أطفال المشركين فقال: "هُم خدم أهل الجنَّة".

стр. 3896

الحديث العاشر: عن عم حسناء [¬١] قال الإِمام [¬٢] أحمد (٩٣): حدَّثنا إسحاق -يعني: الأزرق- أخبرنا] [¬٣] روح، حدَّثنا عوف، عن حسناء [¬٤] بنت معاوية - من بني صريم - قالت: حدثني عمي قال [¬٥]: قلت: يا رسول الله، من في الجنَّة؟ قال: "النبي في الجنَّة، والشهيد في الجنَّة، والمولود في الجنَّة، والوئيد [في الجنَّة] [¬٦] ". فمن العلماء من ذهب ابن التوقف [¬٧] فيهم لهذا الحديث، ومنهم من جزم لهم بالجنة؛ لحديث سمرة بن جندب في صحيح البخاري (٩٤) أنَّه ﵊ قال في جملة ذلك المنام، حين مر على ذلك الشيخ، تحت الشجرة وحوله ولدان، فقال له جبريل: "هذا إبراهيم ﵇، وهؤلاء أولاد المسلمين وأولاد المشركين". قالوا: يا رسول الله، وأولاد المشركين؟ قال: "نعم، وأولاد المشركين". ومنهم من جزم لهم بالنار لقوله ﵇: "هم مع [¬٨] آبائهم" (٩٥)

стр. 3897

ومنهم من ذهب إلى أنهم يمتحنون يوم القيامة في العَرَصَات؛ فمن أطاع دخل الجنَّة، وانكشف علم الله فيهم بسابق السعادة، ومن عصى دخل النار داخرًا، وانكشف علم الله فيه بسابق [¬١] الشقاوة. وهذا القول يجمع بين الأدلة كلها، وقد صرحت به الأحاديث المتقدمة المتعاضدة الشاهد بعضها لبعض. وهذا القول هو الذي حكاه الشيخ أَبو الحسن عليّ بن إسماعيل الأشعري ﵀ عن أهل السنة والجماعة، وهو الذي نصره الحافظ أَبو بكر البيهقي ﵀ في كتاب "الاعتقاد"، وكذلك غيره من محققي العلماء والحفاظ النقاد. وقد ذكر الشيخ أَبو عمر بن عبد البر النمري (٩٦) بعض ما تقدم من أحاديث الامتحان، ثم قال: وأحاديث هذا الباب ليست قوية، ولا تقوم بها حجة وأهل العلم ينكرونها؛ لأن الآخرة دار جزاء و [¬٢] ليست دار عمل ولا ابتلاء، وكيف يكلفون دخول النار وليس ذلك في وسع المخلوقين، والله لا يكلف نفسًا إلا وسعها؟! والجواب عما قال: أن أحاديث هذا الباب منها ما هو صحيح -كما قد [¬٣] نص على ذلك غير واحد من أئمة العلماء - ومنها ما هو حسن، ومنها ما هو ضعيف يَقْوَى بالصحيح والحسن، وإذا كانت أحاديث الباب الواحد متعاضدة على هذا النمط أفادت الحجة عند الناظر فيها. وأما قوله: إن الآخرة دار جزاء، فلا شك أنَّها دار جزاء، ولا ينافي التكليف في عرصاتها قبل دخول الجنَّة أو النار، كما حكاه الشيخ أَبو الحسن الأشعري عن مذهب أهل السنة والجماعة من امتحان الأطفال، وقد قال الله تعالى: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ﴾، وقد ثبتت السنة في الصحاح وغيرها أن المؤمنين

стр. 3898

يسجدون لله يوم القيامة (٩٧)، وأما المنافق فلا يستطِيع ذلك ويعود طهره [] [¬١] طبقًا واحدًا [¬٢] كلما أراد السجود [¬٣] خرَّ لقفاه. وفي الصحيحين (٩٨) في الرجل الذي يكون آخر أهل النار خروجًا منها؛ أن الله يأخذ عهوده ومواثيقه أن لا يسأل غير ما هو فيه، ويتكرر ذلك مرارًا، ويقول الله تعالى: يا بن آدم، ما أغدرك! ثم يأذن له في دخول الجنة. وأما قوله: وكيف يكلفهم دخول النار وليس ذلك في وسعهم؟ فليس هذا بمانع من صحة الحديث؛ فإن الله يأمر العباد يوم القيامة بالجواز علي الصراط، وهو جسر علي جهنم، أحدّ من السيف وأدق من الشعرة، ويمر المؤمنون عليه بحسب أعمالهم كالبرق، وكالريح، وكأجاويد الخيل والركاب، ومنهم [¬٤] الساعي، ومنهم الماشي، ومنهم من يحبو حبوًا، ومنهم المكدوش على وجهه في النار وليس ما ورد في أولئك بأعظم من هذا؛ بل هذا أطم وأعظم، وأيضًا فقد ثبتت السنة بأن الدجال يكون معه جنة ونار، وقد أمر الشارع المؤمنين الذين يدركونه أن يشرب أحدهم من الذي يرى أنه نار؛ فإنه يكون عليه بردًا وسلامًا (٩٩)، فهذا نظير ذلك، وأيضًا فإن الله تعالى أمر بني إسرائيل أن يقتلوا أنفسهم، فقتل بعضهم بعضًا حتى قتلوا -فيما قيل- في غداة واحدة سبعين ألفًا، يقتل الرجل أباه وأخاه وهم في [¬٥] عماية [¬٦] غمامة أرسلها الله عليهم، وذلك عقوبة لهم علي عبادتهم العجل، وهذا أيضًا شاق علي النفوس جدًّا لا يتقاصر عما ورد في الحديث المذكور، والله أعلم.

стр. 3899

فصل فإذا تقرر هذا، فقد اختلف الناس في ولدان المشركين على أقوال؛ أحدهما: أنهم في الجنة، واحتجوا بحديث سمرة: أنه ﵇ رأى مع إبراهيم [﵇] [¬١] أولاد المسلمين وأولاد [¬٢] المشركين، وبما تقدم في رواية أحمد عن حسناء [¬٣] عن عمها: أن رسول الله ﷺ قال: "والمولود في الجنة"، وهذا استدلال صحيح، ولكن أحاديث الامتحان أخص منه، فمن علم الله منه أنه يطيع جعل روحه في البرزخ مع إبراهيم وأولاد المسلمين الذين ماتوا علي الفطرة، ومن علم منه أنه لا يجيب فأمره إلي الله تعالى، ويوم القيامة يكون في النار كما دلت عليه أحاديث الامتحان، ونقله الأشعري عن أهل السنة، ثم إن [¬٤] هؤلاء القائلين بأنهم في الجنة منهم [¬٥] من يجعلهم مستقلين فيها، ومنهم من يجعلهم خدمًا لهم، كما جاء في حديث علي بن زيد عن أنس عند أبي داود الطيالسي (١٠٠). وهو ضعيف، والله أعلم. و [¬٦] القول الثاني: أنهم مع آبائهم في النار، واستدل عليه [بما رواه] [¬٧] الإمام أحمد بن حنبل (١٠١)، عن أبي المغيرة، حدثنا عتبة بن ضمرة بن حبيب، حدثني عبد الله بن أبي قيس -مولى غطيف- أنه أتى عائشة فسألها عن ذراري الكفار، فقالت [¬٨]: قال رسول الله ﷺ : "هم تبع لآبائهم". فقلت: يا رسول الله ﷺ ، بلا عمل؟

стр. 3900

فقال [¬١]: "الله أعلم بما كانوا عاملين". وأخرجه أبو داود (١٠٢) من حديث محمد بن حرب، عن محمد بن زياد الألهاني، سمعت عبد الله بن أبي قيس، سمعت عائشة تقول: سألت رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم عن ذراري المؤمنين قال: "هم من [¬٢] آبائهم". قلت: فذراري المشركين؟ قال: "هم من آبائهم". قلت: بلا عمل؟ قال:! الله أعلم بما كانوا عاملين". ورواه أحمد (١٠٣) أيضًا [¬٣]، عن وكيع، عن أبي عقيل -يحيى بن المتوكل، وهو متروك- عن مولاته: بهية، عن عائشة: أنها ذكرت لرسول الله ﷺ أطفال المشركين فقال: "إن شئت أسمعتك تضاغيهم في النار". وقال عبد الله بن الإِمام أحمد (١٠٤): حدثنا عثمان بن أبي شيبة، عن محمد بن فضيل بن غزوان، عن محمد بن عثمان، عن زاذان، عن علي ﵁ قال: سألتْ خديجةُ ﵂ [رسولَ الله ﷺ ] [¬٤] عن ولدين لها ماتا في الجاهلية فقال: "هما في النار". قال: فلما رأى الكراهية في وجهها قال: "لو رأيت

стр. 3901

مكانهما لأبغضتهما". قالت: فولديّ منك؟ قال: [قال: "في الجنة". قال: ثم قال رسول الله ﷺ ] [¬١]: "إن المؤمنين وأولادهم في الجنة، وإن المشركين وأولادهم في النار"، ثم قرأ: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا [وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ] [¬٢] بِإِيمَانٍ [أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ] [¬٣]﴾. وهذا حديث غريب؛ فإن محمد بن عثمان هذا مجهول الحال، وشيخه زاذان [¬٤] لم يدرك عليًّا، والله أعلم. وروى أبو داود (١٠٥) من حديث ابن أبي زائدة، عن أبيه، عن الشعبي قال: قال رسول الله ﷺ : "الوائدة" [¬٥] والموءودة [¬٦] في النار" ثم قال الشعبي: حدثني به [¬٧] علقمة، عن أبي وائل، عن [¬٨] ابن مسعود. وقد رواه جماعة (١٠٦) عن داود بن أبي هند، في الشعبي، عن علقمة، عن سلمة بن قيس الأشجعي قال: أتيت أنا وأخي النبي ﷺ فقلنا: إن أمنا ماتت في الجاهلية، وكانت تقري الضيف وتصل الرحم، وإنها وأدت أختًا لنا في الجاهلية [لم تبلغ الحنث]، [¬٩] فقال: "الوائدة والموءودة في النار إلا أن تدرك [¬١٠] الوائدة الإسلام فتسلم"، وهذا إسناد حسن. والقول الثالث: التوقف فيهم، واعتمدوا علي قوله ﷺ : "الله أعلم بما كانوا عاملين"، وهو في الصحيحين (١٠٧) من حديث جعفر بن أبي [¬١١] إياس، عن

стр. 3902

سعيد بن جبير، عن ابن عباس: سئل رسول الله ﷺ عن أبي أولاد المشركين، قال [¬١]: "الله أعلم بما كانوا عاملين". [وكذلك هو في الصحيحين (١٠٨) من حديث الزهري، عن عطاء بن يزيد، وعن أبي سلمة، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ أنه سئل عن أطفال المشركين فقال: "اللَّه أعلم بما كانوا عاملين" [¬٢]. ومنهم من جعلهم من أهل الأعراف، وهذا القول يرجع إلي قول من ذهب إلي [¬٣] أنهم من أهل الجنة؛ لأن الأعراف ليس دار قرار، ومآل أهلها إلي الجنة، كما تقدم تقرير ذلك في سورة الأعراف، والله أعلم. [فصل] وليعلم أن هذا الخلاف مخصوص بأطفال المشركين، فأما ولدان المؤمنين فلا خلاف بين العلماء، كما حكاه القاضي أبو يعلى بن [¬٤] الفرّاء الحنبلي، عن الإِمام أحمد أنه قال: لا يختلف فيهم أنهم من أهل الجنة. وهذا هو المشهور بين الناس، وهو الذي نقطع به إن شاء الله . فأما ما ذكره الشيخ أبو عمر بن عبد البر، عن بعض العلماء أنهم توقفوا في ذلك، وأن الولدان كلهم تحت مشيئة الله ، قال أبو عمر (١٠٩): ذهب إلى هذا القول جماعة من أهل الفقه والحديث، منهم: حماد بن زيد، وحماد بن سلمة، وابن المبارك، وإسحاق بن راهويه، وغيرهم. قالوا [¬٥]: وهو يشبه ما رسم مالك في موطئه في أبواب القدر، وما أورده من الأحاديث في ذلك، وعلي ذلك أكثر أصحابه، وليس عن مالك فيه شيء منصوص، إلا أن المتأخرين من أصحابه ذهبوا إلي أن أطفال المسلمين في الجنة، وأطفال الكفار [¬٦] خاصة في المشيئة. انتهى كلامه، وهو غريب جدًّا.

стр. 3903

وقد ذكر أبو عبد الله القرطبي في كتابه [¬١] "التذكرة" نحو ذلك أيضًا، والله أعلم. وقد ذكروا في ذلك أيضًا [¬٢] حديث عائشة بنت طلحة، عن عائشة أم المؤمنين (١١٠) قالت: دُعي النبي [¬٣] ﷺ إلي جنازة صبي من الأنصار فقلت: يا رسول الله، طوبى له، عصفور من عصافير الجنة، لم يعمل السوء ولم يدركه، فقال: "أو غير ذلك يا عائشة، إن الله خلق الجنة وخلق لها أهلًا، وهم في أصلاب آبائهم وخلق النار، وخلق لها أهلًا، وهم في أصلاب آبائهم". رواه أحمد، ومسلم، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه. ولما كان الكلام في هذه المسألة يحتاج إلي دلائل صحيحة جيدة، وقد يتكلم فيها من لا علم عنده عن الشارع -كره جماعة [من العلماء] [¬٤] الكلام فيها- روي ذلك عن ابن عباس، والقاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق، ومحمد بن الحنفية، وغيرهم. وأخرج ابن حبان (١١١) في صحيحه: عن جرير بي حازم، سمعت أبا رجاء العطاردي، سمعت ابن عباس وهو علي المنبر يقول: قال رسول الله ﷺ : "لا يزال أمر هذه الأمة مواتيًا -أو: مقاربًا- ما لم يتكلموا في الولدان والقدر". قال ابن حبان: يعني: أطفال المشركين. وهكذا رواه أبو بكر البزار، من طريق جرير بن حازم، به. ثم قال: وقد رواه جماعة

стр. 3904

عن أبي رجاء، عن ابن عباس موقوفًا (١١٢). ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا (١٦)﴾ اختلف القراء في قراءة قوله: ﴿أَمَرْنَا﴾، فالمشهور قراءة التخفيف، واختلف المفسرون في معناها، فقيل: معناه: أمرنا مترفيها ففسقوا فيها أمرًا قدريًّا، كقوله تعالى: ﴿أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيلًا أَوْ نَهَارًا﴾؛ فإن اللَّه لا يأمر بالفحشاء، قالوا: معناه أنه سخرهم إلي فعل الفواحش فاستحقوا العذاب. وقيل: معناه أمرناهم بالطاعات ففعلوا الفواحش؛ فاستحقوا العقوبة. رواه ابن جريج [¬١] عن ابن عباس، وقاله سعيد بن جبير أيضًا. وقال ابن جرير: وقد [¬٢] يحتمل أن يكون معناه جعلناهم أمراء. قلت [¬٣]: إنما يجيء على قراءة من قرأ ﴿أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا﴾ قال علي بن أبي [¬٤] طلحة عن ابن عباس قوله: ﴿أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا﴾ يقول: سلطنا أشرارها فعصوا فيها، فإذا فعلوا ذلك [أهلكهم الله] [¬٥] بالعذاب، وهو قوله: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَابِرَ مُجْرِمِيهَا لِيَمْكُرُوا فِيهَا﴾ … الآية، وكذا قال أبو العالية، ومجاهد والربيع بن أنس. وقال العوفي عن ابن عباس: ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا﴾ يقول: أكثرنا عددهم [¬٦]، وكذا قال عكرمة، والحسن، والضحاك، وقتادة. وعن مالك عن الزهري ﴿أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا﴾ أكثرنا، وقد استشهد بعضهم بالحديث الذي رواه الإِمام أحمد (١١٣)، حيث قال: حدثنا روح بن عبادة، حدثنا أبو نعامة العدوي عن مسلم بن بديل، عن إياس بن زهير، عن سويد بن هبيرة، عن النبي ﷺ قال: "خير مال امرئ له مهرة مأمورة، أو سِكَّة مأبورة [¬٧] " قال الإِمام أبو عبيد القاسم بن

стр. 3905

سلام ﵀ في كتابه الغريب: المأمورة: كثيرة النسل، والسِّكَّة: الطريقة المصطفة من النخل، والمأبورة: من التأبير، وقال بعضهم: إنما جاء هذا متناسبًا، كقوله: "مأزورات غير مأجورات" (١١٤). ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنَ الْقُرُونِ مِنْ بَعْدِ نُوحٍ وَكَفَى بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا (١٧)﴾ يقول تعالى منذرًا كفار قريش في تكذيبهم رسول الله محمدًا ﷺ ، بأنه قد أهلك أمما من المكذبين للرسل من بعد نوح، ودل هذا على أن القرون التي كانت بين آدم ونوح على الإِسلام، كما قاله ابن عباس: كان بين آدم ونوح عشرة [¬١] قرون، كلهم على الإسلام. ومعناه: أنكم أيها المكذبون لستم أكرم على الله منهم، وقد كذبتم أشرف الرسل وأكَرم الخلائق، فعقوبتكم أولى وأحرى. وقوله: ﴿وَكَفَى بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا﴾ أي: هو عالم بجميع أعمالهم، خيرها وشرها، لا يخفى عليه منها خافية، [ ]. ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا (١٨) وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ

стр. 3906

فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا (١٩)﴾. يخبر تعالى أنه ما كُلُّ من طلب الدنيا وما فيها من النعيم يحصل له [¬١]، بل إنما يحصل لمن أراد الله ما [¬٢] يشاء، وهذه مُقيِّدة لإطلاق ما سواها من الآيات؛ فإنه قال: ﴿عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ﴾ أي: في الدار [¬٣] الآخرة ﴿يَصْلَاهَا﴾ أي: يدخلها حتى تغمره من جميع جوانبه ﴿مَذْمُومًا﴾ أي: في حال كونه مذمومًا على سوء تصرفه وصنيعه، إذ اختار الفاني على الباقي ﴿مَدْحُورًا﴾ مبعدًا مقصيًّا حقيرًا ذليلًا مهانًا. روى [¬٤] الإِمام أحمد (١١٥): حدثنا حسين، حدثنا ذويد [¬٥] عن أبي إسحاق، عن عروة عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : "الدنيا دار من لا دار له، ومال من لا مال له، ولها [¬٦] يجمع من لا عقل له!. وقوله ﴿وَ [¬٧] مَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ﴾ أي: أراد الدار الآخرة وما فيها من النعيم والسرور ﴿وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا﴾ أي: طلب ذلك من طريقه، وهو متابعة الرسول ﷺ ﴿وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾ أي: وقلبه مؤمن، أي: مصدق موقن بالثواب والجزاء ﴿فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا﴾. ﴿كُلًّا نُمِدُّ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا (٢٠) انْظُرْ كَيفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا (٢١)﴾ [يقول تعالى ﴿كُلًّا﴾ أي: كل واحد من الفريقين، الذين أرادوا الدنيا والذين أرادوا الآخرة- نمدهم فيما هم فيه ﴿مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ﴾ أي: هو المتصرف، الحاكم الذي لا

стр. 3907

يجور، فيعطى كُلًّا ما يستحقه من السعادة والشقاوة، فلا راد لحكمه، ولا مانع لما أعطى، ولا مغير لما أراده، لهذا قال ﴿وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا﴾ أي: لا يمنعه أحد ولا يرده راد. قال قتادة: وما كان عطاء ربك محظورًا أي: منقوصًا، وقال الحسن وغيره: أي: ممنوعًا، ثم قال ﴿انْظُرْ كَيفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ أي: في الدنيا، فمنهم الغني والفقير وبين ذلك، والحسن والقبيح وبين ذلك، ومن يموت صغيرًا، ومن يعمر حتى يبقى شيخًا كبيرًا، وبين ذلك ﴿وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا﴾ أي: ولتفاوتهم في الدار الآخرة أكبر من الدنيا؛ فإن منهم من يكون في الدركات في جهنم وسلاسلها وأغلالها، ومنهم من يكون في الدرجات العلى ونعيمها وسرورها، ثم أهل الدركات يتفاوتون فيما هم فيه كما أن أهل الدرجات يتفاوتون، فإن الجنة مائة درجة، ما بين كل درجتين كما بين السماء رالأرض. وفي الصحيحين (١١٦) " إن أهل الدرجات العلى ليرون أهل عليين كما ترون الكوكب الغابر في أفق السماء"؛ ولهذا قال تعالى ﴿وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا﴾ وفي الطبراني (١١٧) من رواية زاذان عن سلمان مرفوعًا "ما من عبد يريد أن يرتفع في الدنيا درجة فارتفع إلا وضعه الله في الآخرة أكبر منها" ثم قرأ ﴿وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا﴾] [¬١]. ﴿لَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَخْذُولًا (٢٢)﴾ يقول تعالى -والمراد المكلفون من الأمة-: لا تجعل أيها المكلف في عبادتك ربِّك له شريكًا ﴿فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا﴾ علي إشراكك، ﴿مَخْذُولًا﴾ لأن الرب تعالى لا ينصرك، بل يَكِلُك إلي الذي عبدت معه، وهو لا يملك لك ضرًّا ولا نفعًا، لأن مالك الضر والنفع هو الله وحده لا شريك له.

стр. 3908

وقد قال الإمام أحمد (١١٨): حدثنا أبو أحمد الزبيرى، حدثنا بشير بن سلمان عن سيار أبي الحكم. عن طارق بن شهاب، عن عبد الله -هو ابن مسعود قال- قال رسول الله ﷺ : "من أصابته فاقة فأنزلها بالناس [¬١]، لم تسد فاقته، ومن أنزلها بالله أوشك الله له بالغنى، إما أجل عاجل [¬٢]، وإما غنى عاجل" ورواه أبو داود والترمذي من حديث بشير بن سلمان به، وقال الترمذي: حسن صحيح غريب [¬٣] [﴿لَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَخْذُولًا﴾] [¬٤]. ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إلا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَينِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا (٢٣) وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا (٢٤)﴾ يقول تعالى آمرًا بعبادته وحده لا شريك له؛ فإن القضاء ها هنا بمعنى الأمر. قال مجاهد: ﴿وَقَضَى﴾ يعني [¬٥]: وصى. وكذا قرأ ذلك أبي بن كعب، وعبد الله

стр. 3909

ابن مسعود، والضحاك بن مزاحم: (ووصى ربك أن لا تعبدوا إلا إياه)، ولهذا قرن بعبادته بر الوالدين فقال: ﴿وَبِالْوَالِدَينِ إِحْسَانًا﴾، أي: وأمر بالوالدين إحسانًا كما قال في الآية الأخرى: ﴿أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ﴾ وقوله [¬١]: ﴿إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾، [أي: لا تسمعهما قولا سيئًا حتى ولا التأفيف الذي هو أدنى مراتب القول السيئ] [¬٢]، ﴿وَلَا تَنْهَرْهُمَا﴾ أي: ولا يصدر منك إليهما فعل قبيح، كما قال عطاء بن أبي رباح في قوله: ﴿وَلَا تَنْهَرْهُمَا﴾، أي: لا تنْفُض يدك [¬٣] على والديك. ولما نهاه عن القول القبيح، والفعل القبيح أمره بالقول الحسن، والفعل الحسن؛ فقال: ﴿وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا﴾ أي ليَّنًا، طيَّبًا، حسنًا بأدب، وتوفير، وتعظيم. ﴿وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ﴾، أي: تواضع لهما بفعلك ﴿وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا﴾، أي: في كبرهما، وعند وفاتهما ﴿كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾. قال [¬٤] ابن عباس: ثم أنزل الله: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى﴾. وقد جاء في بر الوالدين أحاديث كثيرة، منها الحديث المروي من طرق عن أنس (١١٩) وغيره، أن رسول الله ﷺ لما صعد المنبر قال: "آمين آمين آمين". فقالوا: يا رسول الله، علام أمّنت؟ قال: "أتاني جبريل قال: يا محمد، رَغِم أنفُ امرئ ذُكرتَ عنده فلم يصلِّ عليك، فقل: آمين. فقلت: آمين. ثم قال: [] [¬٥] رَغِم أنفُ امريء دخل عليه شهر رمضان ثم خرج ولم يغفر له، قل: آمين. فقلت: آمين. ثم قال: رَغِمَ أنفُ امرئ أدرك أبويه -أو أحدهما- فلم يدخلاه الجنة، قل: آمين. فقلت: آمين". حديث آخر: قال الإمام أحمد (١٢٠): حدثنا هشيم، حدثنا علي بن زيد، أخبرنا زرارة بن أوفى عن مالك بن الحارث -رجل منهم- أنه سمع النبي ﷺ

стр. 3910

يقول: "من ضم يتيمًا [¬١] بين أبوين مسلمين إلي طعامه وشرابه حتى يستغني عنه؛ وجبت له الجنة ألبتة [¬٢]، ومن أعتق امرأ مسلمًا كان فكاكه من النار، يجزي بكل عضو منه عضوًا منه". ثم قال (١٢١): حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، سمعت علي بن زيد، فذكر معناه، إلا أنه قال: عن رجل من قومه يقال له: مالك، أو: ابن مالك، وزاد: "ومن أدرك والديه أو أحدهما [¬٣] فدخل النار فأبعده الله". حديث آخر: وقال الإمام أحمد (١٢٢): حدثنا عفان، حدثنا حماد بن سلمة، أخبرنا علي بن زيد، عن زرارة بن أوفى، عن مالك بن عمرو القشيري، سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من أعق رقبة مسلمة فهي فداؤه من النار؛ مكان كل عظم من عظامه محَرّره بعظم من عظامه. ومن أدرك أحد والديه، ثم [¬٤] لم يغفر له فأبعده الله . ومن ضم يتيمًا بين أبوين مسلمين إلي طعامه وشرابه حتى يغنيه الله [¬٥] وجبت له الجنة". حديث آخر: وقال الإمام أحمد (١٢٣): حدثنا حجاج ومحمد بن جعفر قالا: حدثنا شعبة، عن قتادة، سمعت زرارة بن أوفى يحدث عن [أبيّ بن] [¬٦] مالك القشيري قال:

стр. 3911

قال النبي ﷺ : "من أدرك والديه أو أحدهما ثم دخل النار من بعد ذلك فأبعده الله وأسحقه". ورواه أبو داود الطيالسي عن شعبة به، وفيه زيادات أخر. حديث آخر: قال الإمام أحمد (١٢٤): حدثنا عفان، حدثنا أبو عوانة، حدثنا سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة [﵁]، عن النبي ﷺ قال: "رغم أنف، ثم رغم أنف، ثم رغم أنف: رجل أدرك والديه -أحدهما أو كلاهما- عند الكبر و [¬١] لم يدخل الجنة" صحيح من هذا الوجه، ولم يخرجه سوى مسلم من حديث أبي عوانة، وجرير وسليمان بن بلال عن سهيل به. حديث آخر: وقال الإمام أحمد (١٢٥): حدثنا ربعي بن إبراهيم -قال أحمد: وهو أخو إسماعيل بن علية، وكان يفضل على أخيه- عن عبد الرحمن بن إسحاق، عن سعيد بن أبي سعيد، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "رغم أنف رجل ذكرت عنده فلم يصل عليّ، ورغم أنف رجل دخل عليه شهر رمضان فانسلخ قبل أن يغفر له، ورغم أنف رجل أدرك عنده أبواه الكبرَ فلم يدخلاه الجنة"، قال ربعي: و [¬٢] لا أعلمه [¬٣] إلا قال: "أو أحدهما". ورواه الترمذي عن أحمد بن إبراهيم الدورقي عن ربعي

стр. 3912

ابن إبراهيم، ثم قال: غريب من هذا الوجه. حديث آخر: وقال الإمام أحمد (١٢٦): حدثنا يونس بن محمد، حدثنا عبد الرحمن بن الغسيل، حدثنا أسيد بن عَليّ، عن أبيه، علي [¬١] بن عبيد، عن أبي أسيد [¬٢]- وهو مالك بن ربيعة الساعدي [¬٣]- قال: بينما أنا جالس عند رسول الله ﷺ إذ جاءه رجل من الأنصار فقال: يا رسول الله، هل بقي علي من برّ أبويّ شيء بعد موتهما أبرهما به؟ قال: "نعم، خصال أربع: الصلاة عليهما والاستغفار لهما، وإنفاذ عهدهما، وإكرام صديقهما، وصلة [¬٤] الرحم التي لا رحم لك إلا من قِبلهما، فهو الذي بقي عليك بعد موتهما من برهما" و [¬٥] رواه أبو داود، وابن ماجة من حديث عبد الرحمن بن سليمان -وهو ابن الغسيل- به. حديث آخر: قال [¬٦] الإِمام أحمد (١٢٧): حدثنا روح، حدثنا ابن جريج، أخبرني محمد بن طلحة بن عبد الله بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن معاوية بن جاهمة السلمي: أن جاهمة جاء إلي النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، أردت الغزو وجئتك أستشيرك؟ فقال: "فهل [¬٧] لك من أم؟ " قال [¬٨]: نعم. فقال: "الزمها فإن الجنة

стр. 3913

تحت رجليها [¬١] "، ثم الثانية، ثم الثالثة، في مقاعد شتى كمثل هذا القول. ورواه النسائي وابن ماجة من حديث ابن جريج به. حديث آخر: قال الإمام أحمد (١٢٨): حدثنا خلف بن الوليد، حدثنا ابن [¬٢] عياش، عن [¬٣] بحير بن سعد، عن خالد بن معدان، عن المقدام بن معد يكرب الكندي، عن النبي ﷺ قال: "إن الله يوصيكم بآبائكم، أن الله ورعيكم بأمهامتكم، إن الله ووصيكم بأمهاتكم، إن الله يوصيكم بأمهاتكم، إن الله يوصيكم بالأقرب فالأقرب" وقد أخرجه ابن ماجه من حديث [] [¬٤] ابن عياش [¬٥] به. حديث آخر: قال الإمام أحمد (١٢٩): حدثنا يونس، حدثنا أبو عوانة، عن الأشعث بن سليم، عن أبيه، عن رجل من بني يربوع قال: أتيت النبي ﷺ فسمعته وهو يكلم الناس يقول" "يد المعطي العليا [¬٦]، أمك وأباك، وأختك، وأخاك، ثم أدناك أدناك". حديث آخر: قال الحافظ أبو بكر أحمد بن عمرو بن عبد الخالق البزار في مسند (١٣٠): حدثنا إبراهيم بن المستمر [¬٧] العُرُوقي، حدثنا عمرو بن سفيان، حدثنا الحسن [¬٨] بن أبي جعفر، عن ليث بن أبي سليم، عن علقمة [¬٩] بن [¬١٠] مرثد، عن سليمان بن بريدة، عن أبيه: أن رجلًا كان في الطواف حاملًا أمه يطوف بها، فسأل النبي ﷺ : هل أديتُ حقها؟ قال: "لا، ولا بزفرة واحدة"، أو كما قال: ثم قال البزار: لا نعلمه يُروى إلا من هذا الوجه. قلت: والحسن بن أبي جعفر ضعيف، والله أعلم.

стр. 3914

رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ إِنْ تَكُونُوا صَالِحِينَ فَإِنَّهُ كَانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُورًا (٢٥)﴾ قال سعيد بن جبير: هو الرجل تكون [¬١] منه البادرة إلي أبويه وفي نيته وقلبه أنه لا يؤخذ به، وفي رواية: أنه [¬٢] لا يريد إلا الخير بذلك، فقال: ﴿رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ﴾ وقوله: ﴿إِنَّهُ كَانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُورًا﴾ قال قتادة: للمطيعين [¬٣] أهل الصلاة، وعن ابن عباس: المسبحين [¬٤]، وفي رواية عنه: المطيعين المحسنين. وقال بعضهم: هم الذين يصلون بين العشاءين. وقال بعضهم: هم الذين يصلون الضحى. وقال شعبة: عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيب في قوله: ﴿فَإِنَّهُ كَانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُورًا﴾، قال: الذي يصيب الذنب، ثم يتوب، ويصيب الذنب، ثم يتوب، وكذا رواه عبد الرزاق عن الثوري ومعمر عن [¬٥] يحيى بن سعيد عن ابن المسيب، به. وكذا قال عطاء بن يسار. وقال مجاهد، وسعيد بن جبير: هم الراجعون إلى الخير. وقال مجاهد عن عبيد بن عمير في قوله [¬٦]: ﴿فَإِنَّهُ كَانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُورًا﴾، قال: هو الذي يذكر ذنوبه في الخلاء، فيستغفر الله منها، ووافقه على ذلك مجاهد. وقال عبد الرزاق (١٣١): أخبرنا محمد بن مسلم، عن عمرو بن دينار، عن عبيد بن عمير، في قوله: ﴿فَإِنَّهُ كَانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُورًا﴾، قال: كنا نعد الأواب الحفيظ أن يقول: اللهم؛ اغفر لي ما أصبت في مجلسي هذا.

стр. 3915

وقال ابن جرير (١٣٢): والأولى في ذلك قول من قال: هو التائب من الذنب، الراجع عن المعصية إلي الطاعة، مما يكره الله إلي ما يحبه ويرضاه وهذا الذي قاله هو الصواب؛ لأن الأواب مشتق من الأوب، وهو: الرجوع، يقال: آب فلان. إذا رجع، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ إِلَينَا إِيَابَهُمْ﴾، وفي الحديث الصحيح (١٣٣): أن رسول الله ﷺ كان إذا رجع من سفر قال: "آببون تائبون عابدون لربنا حامدون". ﴿وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا (٢٦) إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا (٢٧) وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغَاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ تَرْجُوهَا فَقُلْ لَهُمْ قَوْلًا مَيسُورًا (٢٨)﴾ لما ذكر تعالى بر الوالدين عطف بذكر الإحسان إلي القرابة وصلة الأرحام، وكما [¬١] تقدم في [¬٢] الحديث (١٣٤): " أمك وأباك، ثم أَدناك أدناك"، وفي رواية (١٣٥): " ثم الأقرب فالأقرب". وفي الحديث (١٣٦): " من أحب أن يبسط له رزقه وينسأ [¬٣] له في أجله فليصل رحمه".

стр. 3916

وقال الحافظ أبو بكر البزار (١٣٧): حدثنا عباد بن يعقوب، حدثنا [أبو يحيى التيمي] [¬١]، حدثنا فضيل بن مرزوق، عن عطية، عن أبي سعيد قال: لما نزلت هذه الآية: ﴿وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ﴾ دعا رسول الله ﷺ فاطمة فأعطاها "فَدَكَ"، ثم قال: لا نعلم حدث به عن فضيل بن مرزوق إلا أبو يحيى التيمي [¬٢]، وحميد بن حماد بن أبي الخُوار [¬٣]. وهذا الحديث مشكل لو صح إسناده، لأن الآية مكية، و "فَدَكُ" إنما فتحت مع خيبر سنة سبع من الهجرة، فكيف يلتئم هذا مع هذا؟ [فهو إذًا حديث منكر، والأشبه أنه من وضع الرافضة، والله أعلم] [¬٤]. وقد تقدم الكلام علي المساكين وابن [¬٥] السبيل في سورة براءة بما أغنى عن إعادته ها هنا. وقوله: ﴿وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا﴾، لما [¬٦] أمر بالإنفاق نهى عن الإسراف فيه؛ بل يكون وسطا كما قال في الآية الأخرى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَينَ ذَلِكَ قَوَامًا﴾ ثم قال منفرًا عن التبذير والسرف: ﴿إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ﴾ أي: أشباههم في ذلك. وقال ابن مسعود (١٣٨): التبذير: الإنفاق في غير حق، وكذا قال ابن عباس (١٣٩).

стр. 3917

وقال مجاهد (١٤٠): لو أنفق إنسان ماله كله في الحق لم يكن مبذرًا، ولو أنفق مدًّا في غير حق [¬١] كان تبذيرًا. وقال قتادة (١٤١): التبذير: النفقة في معصية الله وفي غير الحق وفي الفساد. وقال الإمام أحمد (١٤٢): حدثنا هاشم بن القاسم، حدثنا الليث [¬٢]، عن خالد بن يزيد، عن سعيد بن أبي هلال، عن أنس بن مالك أنه قال: أتى رجل من بنى تميم إلي رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله، إني ذو مال كثير، وذو أهل وولد وحاضرة، فأخبرني: كيف أنفق؟ وكيف أصنع؟ فقال رسول الله ﷺ : "تخرج الزكاة من مالك، فإنها طُهرَة تطهرك، وتصل أقرباءك، وتعرف حق السائل والجار والمسكين". فقال: يا رسول الله؛ أقلل [¬٣] لي؟ فقال:! قآت ذا القربى حقه والمسكين وابن السبيل ولا تبذر تبذيرًا" فقال: حسبي يا رسول الله إذا أديت الزكاة إلي رسولك؛ فقد [¬٤] برئت منها إلى الله وإلى رسوله [¬٥]؟ فقال رسول الله ﷺ : "نعم" إذا أديتها إلى رسولي فقد برئت منها، فلك أجرها، وإثمها على من بدلها". وقوله: ﴿إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ﴾ أي: في التبذير والسفه، وترك طاعة الله، وارتكاب [¬٦] معصيته، ولهذا قال: ﴿وَكَانَ الشَّيطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا﴾. أي: جحودًا؛ لأنه أنكر نعمة الله عليه، ولم يعمل بطاعته؛ بل أقبل علي معصيته ومخالفته. وقوله: ﴿وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغَاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ تَرْجُوهَا فَقُلْ لَهُمْ قَوْلًا مَيسُورًا﴾، أي: وإذا سألك أقاربك ومن أمرناك بإعطائهم، وليس عندك شيء، وأعرضت عنهم لفقد

стр. 3918

النفقة، ﴿فَقُلْ لَهُمْ قَوْلًا مَيسُورًا﴾ أي: عدهم وعدًا بسهولة ولين: إذا جاء رزق الله فسنصلكم إن شاء الله، هكذا فسر قوله: ﴿فَقُلْ لَهُمْ قَوْلًا مَيسُورًا﴾ بالوعد- مجاهد، وعكرمة، وسعيد بن جبير، والحسن، وقتادة، وغير واحد. ﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا (٢٩) إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا (٣٠)﴾ يقول تعالى آمرًا بالاقتصاد في العيش ذامًّا للبخل ناهيًا عن السرف: ﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ﴾، أي: لا تكن بخيلًا منوعًا لا تعطي أحدًا شيئًا، كما قالت اليهود عليهم لعائن الله: ﴿يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ﴾، أي: نسبوه إلي البخل، تعالى وتقدس الكريم الوهاب. وقوله: ﴿وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ﴾، أي ولا تسرف في الإنفاق فتعطي فوق طاقتك وتخرج أكثر من دخلك فتقعد ملومًا محسورًا. وهذا من باب اللف والنشر، أي: فتقعد إن بخلت ملومًا يلومك الناس ويذمونك ويستغنون عنك، كما قال زهير بن أبي سُلمي في المعلقة: ومن كان ذا مال ويبخل بماله … على قومه يُستغنَ عنه ويُذْمَمِ ومتى بسطت يدك فوق طاقتك قعدت بلا شيء تنفقه فتكون كالحسير، وهو الدابة التي قد عجزت عن السير فوقفت ضعفًا وعجزًا، فإنها تسمى الحسير، وهو مأخوذ من الكلال، كما قال تعالى: ﴿فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ (٣) ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَينِ يَنْقَلِبْ إِلَيكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا وَهُوَ حَسِيرٌ﴾، أي: كليل عن أن يرى عيبًا، هكذا فسر هذه الآية- بأن المراد منها [¬١] البخل والسرف- ابن عباس والحسنُ وقتادة وابن جريج وابن زيد وغيرهم. وقد جاء في الصحيحين (١٤٣) من حديث أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة: أنه سمع رسول الله، ﷺ يقول: "مثل البخيل والمنفق كمثل رجلين عليهما جبّتان من حديد من ثدْييهما إلي تراقيهما [¬٢] فأما المنفق فلا ينفق إلا سبغت -أو وفرت-

стр. 3919

علي [¬١] جلده، حتى تُخفي بنانه وتَعْفُو أثورهم، وأما البخيل فلا يريد أن ينفق شيئًا إلا لزقت كل حلقة [] [¬٢]، مكانها، فهو يوسعها [فلا تتسع] [¬٣] " هذا لفظ البخاري في "الزكاة". وفي الصحيحين (١٤٤) من طريق هشام بن عروة، عن زوجته فاطمة بنت المنذر عن جدتها أسماء بنت أبي بكر قالت: قال رسول الله ﷺ : "أنفقي هكذا وهكذا وهكذا، ولا توعي فيوعي الله [¬٤] عليك، ولا توكي فيوكي الله عليك"، وفي لفظ: "ولا تحصي فيحصي الله عليك". وفي صحيح مسلم (١٤٥) من طريق عبد الرزاق، عن معمر، عنى همام، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إن الله قال لي: أنْفِقْ أنْفِقْ عليك، وفي الصحيحين (١٤٦) من طريق معاوية بن أبي مُزرّد، عن سعيد بن يسار، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "ما من يوم يصبح العباد فيه إلا وملكان ينزلان من السماء يقول أحدهما: اللهم أعط منفقًا خلفًا، ويقول الآخر: اللهم أعط ممسكًا تلفًا". وروى مسلم (١٤٧)، عن قتيبة، عن إسماعيل بن جعفر، عن العلاء، عن أبيه، عن أبي هريرة مرفوعًا: "ما نقص مال من صدقة، وما زاد الله عبدًا بعفو إلا عزًّا، ومن تواضع لله رفعه الله".

стр. 3920

وفي حديث أبي كثير عن عبد الله بن عمرو مرفوعًا (١٤٨): " إياكم والشح فإنه أهلك من كان قبلكم، أمرهم بالبخل فبخلوا، وأمرهم بالقطيعة فقطعوا، وأمرهم بالفجور ففجروا". وروى البيهقي (١٤٩) من طريق سعدان بن نصر عن أبي معاوية، عن الأعمش، [عن أبي بريدة عن أبيه،] [¬١] قال: قال رسول الله ﷺ : "ما يخرج رجل صدقة حتى يفُك لَحيَي سبعين شيطانًا". وقال الإمام أحمد (١٥٠): حدثنا أبو عبيدة الحداد [¬٢]: حدثنا سُكَين [¬٣] بن عبد العزيز، حدثنا إبراهيم الهجري، عن أبي الأحوص [¬٤]: عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ : "ما عال من اقتصد". وقوله: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ﴾ إخبار [¬٥] أنه تعالى هو الرزاق

стр. 3921

القابض الباسط، المتصرف في خلقه بما يشاء، فيغني من يشاء ويفقر من يشاء لما [¬١] له في ذلك من الحكمة، ولهذا قال: ﴿إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا﴾، أي: خبير بصير بمن يستحق الغني [¬٢] ومن يستحق الفقر [¬٣]، كما جاء في الحديث (١٥١): " إن من عبادي من لا يصلحه إلا الفقر ولو أغنيته لأفسدت عليه دينه، [وإن من عبادي من لا يصلحه إلا الغني ولو أفقرته لأفسدت عليه دينه] [¬٤] " وقد يكون الغنى في حق بعض الناس استدراجًا والفقر عقوبةً عياذًا بالله من هذا وهذا. انتهى بحمد الله المجلد الثامن ويلبي بمشيئة الله تعالى المجلد التاسع وأوله تفسير الآية (٣١) من سورة الإسراء

стр. 3922

﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا (٣١)﴾ هذه الآية الكريمة دالة على أن الله تعالى أرحم بعباده من الوالد بولده؛ لأنه تعالى ينهى عن قتل الأولاد كما أوصى بالأولاد في الميراث، وكان أهل الجاهلية لا يورثون البنات؟ بل كان أحدهم ربما قتل ابنته لئلا تكثر عيلته، فنهى الله تعالى عن ذلك، فقال: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ﴾، أي: خوف أن تفتقروا في ثاني الحال، ولهذا قدم الاهتمام برزقهم فقال: ﴿نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ﴾ وقال [¬١] في [سورة] [¬٢] الأنعام: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِن إِمْلَاقٍ﴾ أي: من فقر ﴿نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ﴾. وقوله: ﴿إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا﴾ -أي: ذنبًا عظيمًا. وقرأ بعضهم: (كان خَطَأ كبيرًا) وهو بمعناه وفي الصحيحين (١٥٢) عن عبد الله بن مسعود قلت: يا رسول الله، أي الذنب أعظم؟ قال: "أن تجعل لله ندًّا وهو خلقك" قلت: ثم أي؟ قال: "أن تقتل ولدك خشية أن يطعم معك" قلت: ثم أي؟ قال: "أن تزاني بحليلة جارك". ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا (٣٢)﴾ يقول تعالى ناهيًا عباده عن الزنا، وعن مقاربته -وهو مخالطة أسبابه ودواعيه-: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً﴾، أي: ذنبًا عظيمًا، ﴿وَسَاءَ سَبِيلًا﴾ أي وبئس طريقًا ومسلكًا. وقد قال الإمام أحمد (١٥٣): حدثنا يزيد بن هارون، حدثنا [حريز]، حدثنا سليم بن عامر، عن أبي أمامة قال: إن [¬٣] فتىً شابًّا أتى [] [¬٤] النبي ﷺ فقال:

стр. 3923

يا رسول الله، ائذن لي بالزنا. فأقبل القوم عليه فزجروه وقالوا: مَهْ مَة. فقال: "ادنُهْ". فدنا منه قريبًا فقا: "اجلس". فجلس، فقال: "أتحبه لأمك"؟ قال: لا والله، جعلني الله فداك. قال: "ولا الناس يحبونه لأمهاتهم"، قال: "اتحبه لابنتك؟ " قال: لا والله يا رسوا الله، جعلني الله فداك. قال: "ولا الناس يحبونه لبناتهم"، قال: "أتحبه لأختك؟ "قال: لا والله، جعلني الله فداك. قال: "ولا الناس يحبونه لأخواتهم"، قال: "أتحبه لعمتك؟ " قال: لا والله، جعلني الله فداك. قال: "ولا الناس يحبونه لعماتهم"، قال: "أفتحبه لخالتك؟ " قال: لا والله، جعلني الله فداك. قال: "ولا الناس يحبونه لخالاتهم"، قال: فوضع يده عليه و [¬١] قال: "اللهم اغفر ذنبه وطهر قلبه وحصن فرجه". قال: فلم يكن بعد ذلك الفتى يلتفت إلي شيء. وقال ابن أبي الدنيا (١٥٤): حدثنا عمار بن نصر، حدثنا بقية، عن أبي بكر بن أبي مريم، عن الهيثم بن مالك الطائي، عن النبي ﷺ قال: "ما من ذنب بعد الشرك أعظم عند الله من نطفة وضعها رجل في رحم لا يحل له". ﴿وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إلا بِالْحَقِّ وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا (٣٣)﴾ يقول تعالى ناهيًا عن قتل النفس بغير حق شرعي كما ثبت في الصحيحين (١٥٥) أن رسول الله صلي ايله عليه وسلم قال: "لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله إلا بإحدى ثلاث: النفس بالنفس، والزاني المحمصن، والتارك لدينه المفارق للجماعة" وفي السنن (١٥٦): " لزوال الدنيا أهون عند [¬٢] الله من قتل مسلم".

стр. 3924

وقوله: (ومن قتل مظلومًا فقد جعلنا لوليه سلطانًا﴾ أي: سلطة على القاتل، فإنه بالخيار فيه، إن شاء قتله قودًا، وإن شاء عفا عنه على الدية، وإن شاء عفا عنه [¬١] مجانًا كما ثبتت السنة بذلك (١٥٧)، وقد أخذ الإمام الحبر ابن عباس من عموم هذه الآية الكريمة، ولاية معاوية السلطة أنه سيملك، لأنه كان ولي عثمان، وقد قتل عثمان مظلومًا ﵁ وكان معاوية يطالب عليًّا ﵁ أن يسلمه قتلته حتى يقتص منهم لأنه [¬٢] أموي، وكان علي ﵁ يستمهله [¬٣] في الأمر حتى يتمكن ويفعل ذلك، ويطب علي من معاوية أن يسلمه الشام فيأبى معاوية ذلك حتى يسلمه القتلة، وأبى أن يبايع عليًّا هو وأهل الشام، ثم مع المطاولة تمكن معاوية وصار الأمر إليه، كما تفاءل [¬٤] ابن عباس واستنبطه [¬٥] من هذه الآية الكريمة، وهذا من الأمر العجيب، وقد روى ذلك الطبراني في معجمه (١٥٨) حيث قال: حدثنا يحيى بن عبد الباقي، حدثنا أبو عمير بن النحاس، حدثنا ضمرة بن ربيعة، عن ابن شوذب، عن مطر الوراق، عن زهدم الجرمي [¬٦] قال: كنا في سمر ابن عباس فقال: إني محدثكم حديثًا [¬٧] ليس بسر ولا علانية، إنه لما كان من أمر [¬٨] هذا الرجل ما كان -يعني عثمان- قلت لعليّ: اعتزل، فلم كنت في جحر طُلبتَ حتى تُستخرج فعصاني، وايم الله ليتأمرن عليكم معاوية، وذلك أن الله تعالى يقول: ﴿ومن كل مظلومًا فقد جعلنا لوليه

стр. 3925

سلطانًا فلا يسرف في القتل إنه كان منصورًا﴾ الآية، وليحملنكم قريش على سنة فارس والروم، وليقيمن [¬١] عليكم النصارى واليهود والمجوس، فمن أخذ منكم يومئذ بما يعرف نجا، ومن ترك -وأنتم تاركون- كنتم كقرن [¬٢] من القرون هلك فيمن هلك. وقوله: ﴿فلا يسرف في القتل﴾ قالوا: معناه: فلا يسرف الولى في قتل القاتل بأن يمثل به أو يقتص من غير القاتل. وقوله: ﴿إنه كان منصورًا﴾ أي: إن الولي منصور على القاتل شرعًا، وغالبًا قدرًا. ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَال الْيَتِيمِ إلا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا (٣٤) وَأَوْفُوا الْكَيلَ إِذَا كِلْتُمْ وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ ذَلِكَ خَيرٌ وَأَحْسَنُ تَأْويلًا (٣٥)﴾ يقول تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَال الْيَتِيمِ إلا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ [حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ] [¬٣]﴾، أي: لا تتصرفوا له إلا بالغبطة، [﴿ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم إنه كان حوبًا كبيرًا﴾] [¬٤] ﴿ولا تأكلوها [¬٥] إسرافًا وبدارًا أن يكبروا ومن كان غنيًّا فليستعفف ومن كان فقيرًا فليأكل بالمعروف﴾. وقد جاء في صحيح مسلم (١٥٩) أن رسول الله ﷺ قال لأبي ذر: "يا أبا ذر؛ إني أراك ضعيفًا، وإني لك ما أحب لنفسي، لا تأَمَّرن على اثنين، ولا تولين مال يتيم". وقوله: ﴿وأوفوا بالعهد﴾ أي: الذي تعاهدون عليه الناس، والعقود التي تعاملونهم بها؛ فإن العهد والعقد كل منهما يسأل صاحبه عنه ﴿إن العهد كان مسئولًا﴾ أي: عنه. وقوله: ﴿وأوفوا الكيل إذا كلتم﴾ أي: من غير تطفيف، ولا تبخسوا الناس أشياءهم،
следующие страницы →