← Тафсир

Тафсир · id 1509

تفسير ابن كثير - ط أولاد الشيخ

ابن كثير

Полный текст (6 736 стр.). Показаны 4201–4240 · переход к 4206.

стр. 4201

عن سهل بن معاذ بن أنس الجهني، عن أبيه، عن رسول الله ﷺ قال: "من قرأ: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١)﴾ حتى يختمها عشر مرات، بنى الله له قصرًا في الجنة". فقال عمر: إذًا نستكثر يا رسول الله. فقال رسول الله ﷺ : "الله [¬١] أكثر وأطيب". وقال رسول الله ﷺ : "من قرأ ألف آية في سبيل الله، كتب يوم القيامة مع النبين والصديقين والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقًا، إن شاء الله، ومن حرس من وراء المسلمين في سبيل الله متطوعًا لا بأجرة [¬٢] سلطان، لم ير النار بعينيه إلا تحلة القسم، قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إلا وَارِدُهَا﴾، وإن الذكر في سبيل الله [¬٣] يضاعف [¬٤] فوق النفقة بسبعمائة ضعف". وفي رواية: "بسبعمائة ألف ضعف" (٢٨٨).

стр. 4202

وروي أبو داود (٢٨٩) عن أبي الطاهر، عن ابن وهب، عن يحيى بن أيوب [وسعيد بن أبي أيوب] [¬١]، كلاهما عن زبان [¬٢]، عن سهل، عن أبيه، عن رسول الله ﷺ : "إن الصلاة والصيام [¬٣] والذكر تضاعف [¬٤] علي النفقة في سبيل الله بسبعمائة ضعف". وقال عبد الرزاق عن معمر، عن قتادة (٢٩٠) قوله: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إلا وَارِدُهَا﴾ قال: هو الممر [¬٥] عليها. وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم (٢٩١) في قوله: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إلا وَارِدُهَا﴾ قال: ورود المسلمين المرور [¬٦] على الجسر بين ظهريها، وورود المشركين أن يدخلوها، وقال النبي ﷺ : "الزالون والزالات يومئذ كثير، وقد أحاط بالجسر يومئذ سماطان من الملائكة، دعاؤهم: يا الله: سلّم سلّم". وقال السدي عن مرة، عن ابن مسعود (٢٩٢) في قوله: ﴿كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا

стр. 4203

مَقْضِيًّا﴾ قال: قسمًا واجبًا. وقال مجاهد (٢٩٣): حتمًا. قال: قضاء. وكذا قال ابن جريج (٢٩٤). وقوله: ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ أي: إذا مر الخلائق كلهم علي النار، وسقط مها من سقط [] [¬١] من الكفار والعصاة ذوي المعاصي، بَحَسَبهم، نجي الله تعالى المؤمنين المتقين منها بحسب أعمالهم، فَجَوَازهم علي الصراط وسرعتهم بقدر أعمالهم التي كانت في الدنيا، ثم يشفعون في أصحاب الكبائر من المؤمنين، فيشفع [] [¬٢] الملائكة والنبيون والمؤمنون، فيخرجون خلقًا كثيرًا قد أكلتهم النار، إلا دارات وجوههم -وهي مواضع السجود- وإخراجهم إياهم من النار بحسب ما في قلوبهم من الإيمان، فيخرجونا أولًا من كان في قلبه مثقال دينار من إيمان، ثم الذي يليه، ثم الذي يليه، [ثم الذي يليه]، حتى يخرجون من كان في قلبه أدنى أدنى أدنى مثقال ذرة من إيمان، ثم يخرج الله من النار من قال يومًا من الدهر: لا إله إلا الله، وإن لم يعمل خيرًا قط، ولا يبقى في النار إلا من وجب عليه الخلود، كما وردت [¬٣] بذلك الأحاديث الصحيحة عن رسول الله ﷺ ، ولهذا قال تعالى: ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا﴾. ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَال الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَيُّ الْفَرِيقَينِ خَيرٌ مَقَامًا وَأَحْسَنُ نَدِيًّا (٧٣) وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَحْسَنُ أَثَاثًا وَرِئْيًا (٧٤)﴾ يخبر تعالى عن الكفار حين تتلى عليهم آيات الله [¬٤]، ظاهرة الدلالة، بينة الحجة، واضحة البرهان أنهم يصدون ويعرضون عن ذلك، ويقولون عن الذين آمنوا، مفتخرين عليهم، ومحتجين [] [¬٥] على صحة ما هم عليه من الدين الباطل، بأنهم [¬٦]: ﴿خَيرٌ مَقَامًا وَأَحْسَنُ نَدِيًّا﴾ [أي: أحسن منازل، وأرفع دورًا، وأحسن نديًّا] [¬٧]، وهو [¬٨]: مجمع الرجال للحديث [¬٩]، أي: ناديهم [¬١٠] أعمر وأكثر واردًا وطارقًا، يعنون: فكيف [نكون ونحن] [¬١١] بهذه المثابة على باطل، وأولئك [الذين هم] [¬١٢] مختفون مستترون

стр. 4204

في دار الأرقم بن أبي الأرقم ونحوها من [¬١] الدور على الحق؟ كما قال تعالى مخبرًا عنهم: ﴿وَقَال الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا لَوْ كَانَ خَيرًا مَا سَبَقُونَا إِلَيهِ﴾ وقال قوم نوح: ﴿قَالُوا أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ﴾ ليقال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهَؤُلَاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيهِمْ مِنْ بَينِنَا أَلَيسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ﴾، ولهذا قال تعالى رادًّا عليهم شبهتهم: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ﴾ أي: وكم [¬٢] من أمة وقرن من المكذبين، قد أهلكناهم بكفرهم ﴿هُمْ أَحْسَنُ أَثَاثًا وَرِئْيًا﴾ أي: كانوا أحسن من هؤلاء أموالًا وأمتعة، ومناظر وأشكالًا. قال الأعمش: عن أبي ظبيان، عن ابن عباس (٢٩٥): ﴿خَيرٌ مَقَامًا وَأَحْسَنُ نَدِيًّا﴾ قال: المقام: المنزل، والندي: المجلس، والأثاث: المتاع، والرئي: المنظر. وقال العوفي عن ابن عباس (٢٩٦): المقام: المسكن، والندي: المجلس والنعمة والبهجة التي كانوا فيها. وهو كما قال الله لقوم فرعون حين أهلكهم وقص [¬٣] شأنهم في القرآن: ﴿كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (٢٥) وَزُرُوعٍ [¬٤] وَمَقَامٍ كَرِيمٍ﴾ فالمقام: المسكن والنعيم، والندي: المجلس والمجمع الذي كانوا يجتمعون فيه، وقال تعالى فيما قص علي رسوله من أمر قوم لوط [إذ قال] [¬٥]: ﴿وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنْكَرَ﴾ والعرب تسمي المجلس: النادي. وقال قتادة (٢٩٧): لما رأوا أصحاب محمد ﷺ في عيشهم خشونة، وفيهم قشافة، فَعَرَّض أهل الشرك بما تسمعون [¬٦]: ﴿أَيُّ الْفَرِيقَينِ خَيرٌ مَقَامًا وَأَحْسَنُ نَدِيًّا﴾ وكذا قال مجاهد (٢٩٨) والضحّاك. ومنهم من قال في الأثاث: هو المال. ومنهم من قال: المتاع. ومنهم من قال: الثياب. والرئي: المنظر، كما قاله [¬٧] ابن عباس (٢٩٩) ومجاهد (٣٠٠) وغير واحد. وقال الحسن البصري: يعني الصور. وكذا قال مالك: ﴿أَثَاثًا وَرِئْيًا﴾: أكثر أموالًا،

стр. 4205

وأحسن صورًا. والكل متقارب صحيح. ﴿قُلْ مَنْ كَانَ فِي الضَّلَالةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدًّا حَتَّى إِذَا رَأَوْا مَا يُوعَدُونَ إِمَّا الْعَذَابَ وَإِمَّا السَّاعَةَ فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضْعَفُ جُنْدًا (٧٥)﴾ يقول تعالى: ﴿قُلْ﴾ يا محمد لهؤلاء المشركين بربهم، المدعين أنهم علي الحق وأنكم على الباطل ﴿مَنْ كَانَ فِي الضَّلَالةِ﴾ أي: منا ومنكم ﴿فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدًّا﴾ أي: فأمهله الرحمن فيما هو فيه، حتى يلقي ربه وينقضي أجله ﴿إِمَّا الْعَذَابَ [¬١]﴾ يصيبه ﴿وَإِمَّا السَّاعَةَ﴾ بغتة تأتيه ﴿فَسَيَعْلَمُونَ﴾ حينئذ ﴿مَنْ هُوَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضْعَفُ جُنْدًا﴾ في مقابلة ما احتجوا به من خيرية المقام وحسن الندي. قال مجاهد (٣٠١) في قوله: ﴿فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدًّا﴾ فليدعه الله في طغيانه. وهكذا قرر ذلك أبو جعفر بن جرير، ﵀. وهذه مباهلة للمشركين الذين يزعمون أنهم [¬٢] علي هدًى فيما [¬٣] هم فيه، كما ذكر تعالى مباهلة اليهود في قوله: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ هَادُوا إِنْ زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِيَاءُ لِلَّهِ مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ أي: ادعوا علي المبطل منا ومنكم بالموت، إن كنتم تدعون أنكم علي الحق، فإنه لا يضركم الدعاء، فنكلوا عن ذلك، وقد تقدم تقرير ذلك في سورة البقرة مبسوطًا، ولله الحمد. وكما ذكر تعالى المباهلة مع النصارى في سورة آل عمران حين صمموا على الكفر، واستمروا علي الطغيان والغلو في دعواهم أن عيسى ولد الله، وقد [¬٤] ذكما [¬٥] الله حججه وبراهينه علي عبودية عيسى، وأنه مخلوق كآدم، قال تعالى [بعد ذلك] [¬٦]: ﴿فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ [¬٧] بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ﴾ فنكلوا أيضًا عن ذلك. ﴿وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيرٌ

стр. 4206

مَرَدًّا (٧٦)﴾. لما ذكر تعالى إمداد من هو في الضلالة فيما هو فيه، وزيادته علي ما هو عليه، أخبر بزيادة المهتدين هدى، كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (١٢٤) وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ﴾. وقوله: ﴿وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ﴾ قد تقدم تفسيرها، والكلام عليها، وإيراد الأحاديث المتعلقة بها في سورة الكهف ﴿خَيرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا﴾ أي: جزاءً ﴿وَخَيرٌ مَرَدًّا﴾ أي: عاقبة ومردا علي صاحبها. وقال عبد الرزاق (٣٠٢): أخبرنا عُمَر بن راشد، عن يحيي [¬١] بن أبي كثير، عن أبي [¬٢] سلمة بن عبد الرحمن قال: جلس رسول الله ﷺ ذات يوم، فأخذ عودًا يابسًا فحط [¬٣] ورقه، ثم قال: "إن قول لا إله إلا الله، والله أكبر، والحمد لله، وسبحان الله، تحط الخطايا كما تحط ورق هذه الشجرة الريح، خذهن يا أبا الدرداء قبل أن يُحال بينك وبينهن، هن الباقيات الصالحات، وهن من كنوز الجنة". قال أبو سلمة: فكان [¬٤] أبو الدرداء إذا ذكر هذا الحديث قال: لأهَللن الله، ولأكبرن الله، وَلأسبحن الله، حتى إذا رآني الجاهل حسب أني مجنون. وهذا ظاهره أنه مرسل، ولكن قد يكون من رواية أبي سلمة عن إلي الدرداء، والله أعلم. وهكذا وقع في سنن ابن ماجة (٣٠٣) من حديث أبي معاوية، عن عُمَرَ [¬٥] بن راشد، عن يحيى، عن أبي سلمة، عن أبي الدرداء فذكر نحوه.

стр. 4207

﴿أَفَرَأَيتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَال لَأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا (٧٧) أَطَّلَعَ الْغَيبَ أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا (٧٨) كَلَّا سَنَكْتُبُ مَا يَقُولُ وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ الْعَذَابِ مَدًّا (٧٩) وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ وَيَأْتِينَا فَرْدًا (٨٠)﴾ قال الإمام أحمد (٣٠٤): حدثنا أبو معاوية، حدثنا الأعمش عن مسلم عن مسروق عن خباب بن الأرت قال: كنت رجلًا قينًا، وكان لي على العاص بن وائل دين، فأتيته أتقاضاه، فقال: لا، والله لا أقضيك حتى تكفر بمحمد [فقلت: لا، والله لا أكفر بمحمد ﷺ ] [¬١] حتى تموت، ثم تبعث. قال: فإني إذا مت ثم بعثت جئتني ولي ثَمَّ مال وولد فأعطيتك [¬٢]. فأنزل الله: ﴿أَفَرَأَيتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَال لَأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا﴾ إلى قوله: ﴿وَيَأْتِينَا فَرْدًا﴾ أخرجه [¬٣] صاحبا الصحيح وغيرهما، من غير وجه عن الأعمش به. وفي لفظ البخاري (٣٠٥): كنت قينًا بمكة، فعملت للعاص بن وائل سيفًا، فجئت أتقاضاه فذكر الحديث، وقال: ﴿أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا﴾ قال: مَوْثقًا. وقال عبد الرزاق (٣٠٦): أخبرنا الثوري، عن الأعمش، عن أبي الضحي، عن مسروق قال: قال خباب بن الأرت: كنت قينًا بمكة، فكنت أعمل للعاص بن وائل، قال: فاجتمعت لي عليه دراهم، فجعت لأتقاضاه، فقال لي: لا أقضيك حتى تكفر بمحمد. فقلت: لا أكفر بمحمد حتى تموت ثم تبعث. قال: فإذا بعثت كان لي مال وولد. قال [¬٤]: فذكرت ذلك لرسول الله ﷺ ، فأنزل الله: ﴿أَفَرَأَيتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَال لَأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا﴾ إلى قوله: ﴿وَيَأْتِينَا فَرْدًا﴾.

стр. 4208

وقال العوفي عن ابن عباس (٣٠٧): إن رجالًا من أصحاب رسول الله ﷺ كانوا يطلبون العاص بن وائل السهمي بدَيْن، فأتوه يتقاضونه، فقال: ألستم تزعمون أن في الجنة ذهبًا وفضة وحريرًا، ومن كل الثمرات؟ قالوا: بلي. قال: فإن موعدكم الآخرة، فوالله لأوتين مالًا وولدًا، ولأوتين مثل كتابكم الذي جئتم به. فضرب الله مثله في القرآن فقال: ﴿أَفَرَأَيتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا﴾ إلى قوله: ﴿وَيَأْتِينَا فَرْدًا﴾. و [¬١] هكذا قال مجاهد (٣٠٨) وقتادة (٣٠٩) وغيرهم: إنها نزلت في العاص بن وائل. وقوله ﴿لَأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا﴾ قرأ بعضهم (*) بفتح "الواو" من "ولدًا"، وقرأ آخرون بضمها وهو بمعناه قال رؤبة: الحمدُ للهِ العزيزِ فَردَا … لم يتخذ مِنْ وُلد شيء وُلْدًا. وقال الحارث بن [¬٢] حلّزَة [¬٣]: وَلَقَدْ رَأَيتُ مَعَاشرًا … قَد تَمَّروا مالًا وَوُلْدَا وقال الشاعر: فَلَيْتَ [¬٤] فلانًا كان في بَطْنِ أمه … وليت فلانًا كان وُلْد حمار وقيل: إن الوُلْد بالضم: جمع، والولَد بالفتح: مفرد، وهي لغة قيس، والله أعلم. وقوله: ﴿أَطَّلَعَ الْغَيبَ﴾ إنكار على هذا القائل: ﴿لَأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا﴾ يعني: يوم القيامة، أي: أعلم ما له في الآخرة حتى تَألَّى وحلف على ذلك ﴿أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا﴾ أم له عند الله [عهد سيؤتيه] [¬٥] ذلك؟ وقد تقدم عند البخاري: أنه الموثق. وقال الضحاك عن ابن عباس: ﴿أَطَّلَعَ الْغَيبَ أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا﴾ قال: لا إله إلا الله فيرجو بها.

стр. 4209

وقال محمد بن كعب القرظي: ﴿إلا من اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا﴾ قال: شهادة أن لا إله إلا الله، ثم قرأ: ﴿إلا من اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا﴾. وقوله: ﴿كَلَّا﴾ هي حرف رَدْع لما قبلها، وتأكيد لما بعدها ﴿سَنَكْتُبُ مَا يَقُولُ﴾ أي: من طلبه ذلك، وحكمه لنفسه بما يتمناه، وكفره بالله العظيم ﴿وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ الْعَذَابِ مَدًّا﴾ أي: في الدار الآخرة على قوله ذلك، وكفره بالذي الدنيا ﴿وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ﴾ أي: من مال وولد نسلبه منه، عكس ما قال: إنه يؤتى [¬١] في الدار الآخرة مالًا وولدًا زيادة [¬٢] على [الذي له] [¬٣] في الدنيا، بل في الآخرة يسلب [¬٤] من الذي كان له في الدنيا؛ ولهذا قال تعالى: ﴿وَيَأْتِينَا فَرْدًا﴾ أي: من المال والولد. قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس (٣١٠): ﴿وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ﴾ [قال: نرثه] [¬٥]. وقال مجاهد (٣١١): ﴿وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ﴾ [ماله وولده. وذلك الذي قال العاص بن وائل. وقال عبد الرزاق عن معمر عن قتادة (٣١٢): ﴿وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ﴾:] [¬٦] قال: ما عنده، و [¬٧] هو قوله: ﴿لَأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا﴾ وفي حرف ابن مسعود: (ونرثه ما عنده). وقال قتادة (٣١٣): ﴿وَيَأْتِينَا فَرْدًا﴾ لا مال له، ولا ولد. وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم (٣١٤): ﴿وَنَرِثُهُ مَا يَقُول﴾ قال: ما جمع من الدنيا وما عمل فيها، قال: ﴿وَيَأْتِينَا فَرْدًا﴾ قال: فردًا من ذلك، لا يتبعه قليل ولا كثير. ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا (٨١) كَلَّا سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ

стр. 4210

وَيَكُونُونَ عَلَيهِمْ ضِدًّا (٨٢) أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا (٨٣) فَلَا تَعْجَلْ عَلَيهِمْ إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَدًّا (٨٤)﴾ يخبر تعالى عن الكفار المشركين بربهم: أنهم اتخذوا من دونه آلهة؛ لتكون لهم تلك الآلهة ﴿عِزًّا﴾ يعتزون بهم ويستنصرونهم. ثم أخبر أنه ليس الأمر كما زعموا، ولا يكون ما طمعوا، فقال: ﴿كَلَّا سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ﴾ أي: يوم القيامة ﴿وَيَكُونُونَ عَلَيهِمْ ضِدًّا﴾ أي: بخلاف ما ظنوا فيهم، كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ (٥) وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ (٦)﴾ وقرأ أبو [¬١]، نهيك: ﴿كَلَّا سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ﴾. وقال السدى: ﴿كَلَّا سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ﴾ أي: بعبادة الأوثان. وقوله: ﴿وَيَكُونُونَ عَلَيهِمْ ضِدًّا﴾ أي: بخلاف ما رجوا منهم. وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس (٣١٥): ﴿وَيَكُونُونَ عَلَيهِمْ ضِدًّا﴾ قال: أعوانًا. قال مجاهد (٣١٦): عونًا عليهم، تخاصمهم وتكذبهم. وقال العوفي عن ابن عباس (٣١٧): ﴿وَيَكُونُونَ عَلَيهِمْ ضِدًّا﴾ قال [¬٢]: قرناء. و [¬٣] قال السدي: ﴿وَيَكُونُونَ عَلَيهِمْ ضِدًّا﴾ قال: الخصماء الأشداء في [¬٤] الخصومة. و [¬٥] قال قتادة (٣١٨): قرناء في النار يلعن بعضهم بعضًا، ويكفر بعضهم ببعض.

стр. 4211

وقال الضحاك (٣١٩): ﴿وَيَكُونُونَ عَلَيهِمْ ضِدًّا﴾ قال: أعداء. وقال ابن زيد (٣٢٠): الضد: البلاء. وقال عكرمة (٣٢١): الضد: الحسرة. وقوله: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا﴾ قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس (٣٢٢): تغويهم إغواء. وقال العوفي عنه: تحرضهم على محمد وأصحابه. وقال مجاهد (٣٢٣): تشليهم [¬١] إشلاء. وقال قتادة (٣٢٤): تزعجهم إزعاجًا إلى معاصي الله. وقال سفيان الثوري: تغريهم إغراء، وتستعجلهم استعجالًا. وقال السدي (٣٢٥): تطغيهم طغيانًا. وقال عبد الرحمن بن زيد: هذا كقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ﴾ وقوله: ﴿فَلَا تَعْجَلْ عَلَيهِمْ إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَدًّا﴾ أي: لا تعجل يا محمد على هؤلاء في وقوع العذاب بهم ﴿إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَدًّا﴾ أي: إنما نؤخرهم لأجل معدود مضبوط، وهم صائرون لا محالة إلى عذاب الله ونكاله، [] [¬٢]: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ﴾ ﴿فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيدًا﴾ ﴿إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا﴾، ﴿نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلًا ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلَى عَذَابٍ غَلِيظٍ﴾، ﴿قُلْ تَمَتَّعُوا فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّارِ﴾. قال السدي: ﴿إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَدًّا﴾: السنين والشهور والأيام والساعات. وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس (٣٢٦): ﴿إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَدًّا﴾ قال: نعد أنفاسهم في الدنيا.

стр. 4212

يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا (٨٥) وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ ورْدًا (٨٦) لَا يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَةَ إلا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا (٨٧)﴾ يخبر تعالى عن أوليائه المتقين، الذين خافوه في الدار الدنيا، واتبعوا رسله، وصدقوهم فيما أخبروهم، وأطاعوهم فيما أمروهم به [¬١]، وانتهوا عما عنه زجروهم أنه يحشرهم يوم القيامة وفدًا إليه [¬٢]، والوفد: هم القادمون ركبانًا، ومنه الوفود، وركوبهم على نجائب من نور، من مراكب الدار الآخرة، وهم قادمون على خير موفود إليه، إلى دار كرامته ورضوانه. وأما المجرمون المكذبون للرسل المخالفون لهم، فإنهم يساقون عنفًا إلى النار، ﴿ورْدًا﴾ عطاشًا. قاله عطاء [¬٣]، وابن عباس (٣٢٧)، ومجاهد، والحسن (٣٢٨)، وقتادة (٣٢٩)، وغير واحد. وههنا يقال: ﴿أَيُّ الْفَرِيقَينِ خَيرٌ مَقَامًا وَأَحْسَنُ نَدِيًّا﴾. وقال ابن أبي حاتم (٣٣٠): حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا ابن خالد، عن عمرو بن قيس الملائي، عن ابن مرزوق: ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا﴾ قال: يستقبل المؤمن عند خروجه من قبره أحسن صورة رآها، وأطيبها ريحا، فيقول: من أنت؟ فيقول: أما تعرفني؟ فيقول: لا، إلا أن الله قد طيب ريحك وحسَّن وجهك. فيقول: أنا عملك الصالح، وهكذا كنت في الدنيا، حسنَ العمل طيبه، فطالما ركبتك في الدنيا، فهلم اركبني. فيركبه، فذلك قوله: ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا﴾. وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس (٣٣١): ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا﴾ قال: ركبانًا [¬٤].

стр. 4213

وقال ابن جرير (٣٣٢): [حدثني ابن [¬١] المثنى] [¬٢]، حدثنا ابن مهدي، عن شعبة [¬٣]، عن إسماعيل، عن رجل، عن أبي هريرة: ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا﴾ قال: على الإِبل. وقال ابن جريج [¬٤] (٣٣٣): على النجائب. وقال الثوري (٣٣٤): على الإبل النوق. وقال قتادة (٣٣٥): ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا﴾ قال: إلى الجنة. وقال عبد الله بن الإِمام أحمد في مسند أبيه (٣٣٦): حدثنا سويد بن سعيد، أخبرنا عليّ ن مسهر، عن عبد الرحمن بن إسحاق، حدثنا النعمان بن سعد قال: كنا جلوسًا عند عليّ ﵁، فقرأ هذه الآية: ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا﴾ قال: لا، والله ما على أرجلهم يحشرون، ولا يحشر الوفد على أرجلهم، ولكن بنوق [¬٥] لم ير الخلائق مثلها، عليها رحائل من ذهب، فيركبون عليها، حتى يضربوا أبواب الجنة. وهكذا رواه ابن أبي حاتم (٣٣٧) وابن جرير (٣٣٨)، من حديث عبد الرحمن بن إسحاق المدني به. وزاد: عليها [¬٦] رحائل الذهب، وأزمتها الزبرجد، والباقي مثله. وقد روى ابن أبي حاتم ها هنا حديثًا غريبًا جدًّا مرفوعًا، عن علي فقال: حدثنا أبي، حدثنا أبو غسان مالك بن إسماعيل النهدي [¬٧]، حدثنا مسلمة بن جعفر

стр. 4214

البجلي، سمعت أبا معاذ البصري قال: إن عليًّا كان ذات يوم عند رسول الله ﷺ فقرأ عليَّ هذه الآية: ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا﴾ فقال: ما أظن الوفد إلا الركب يا رسول الله. فقال رسول الله ﷺ : "والذي نفسي بيده، إنهم إذا خرجوا من قبورهم يستقبلون -أو يؤتون- بنُوق [¬١] بيض لها أجنحة، وعليها وحال الذهب، شُرُك نعالهم نور يتلألأ كل خطوة منها مد البصر، فينتهون إلى شجرة ينبع من أصلها عينان، فيشربون من إحداهما، فتغسل ما في بطونهم من دنس، ويغتسلون من الأخرى، فلا تشعث [أبشارهم ولا] [¬٢] أشعارهم [¬٣] بعدها أبدًا، وتجري عليهم نضرة النعيم، فينتهون -أو فيأتون- باب الجنة، فإذا حلقة من ياقوتة حمراء على [¬٤] صفائح الذهب، فيضربون بالحلقة على الصفيحة، فيسمع لها طنين يا [¬٥] علي، فيبلغ كل حوراء أن زوجها قد أقبل، فتبعث قيمها فيفتح له، فإذا رآه خرّ له -قال مسلمة: أراه قال: ساجدًا- فيقول: ارفع رأسك، إنما أنا قيمك وكلت بأمرك. فيتبعه ويقفو أثره، فتستخف الحوراء العجلة، فتخرج من خيام الدر والياقوت حتى تعتنقه، ثم تقول: أنت حبي، وأنا حِبك، وأنا الخالدة التي لا أموت، وأنا الناعمة التي لا أبأس، وأنا الراضية التي لا أسخط [¬٦]، وأنا المقيمة التي لا أظعن. فيدخل بيتًا من أسّه إلى سقفه مائة ألف ذراع، بناؤه على جندل اللؤلؤ طرائق: أصفر وأحمر وأخضر، ليس منها طريقة تشاكل صاحبتها [¬٧]، وفي البيت سبعون سريرًا، على كل سرير سبعون حشية، على كل حشية سبعون زوجة، على كل زوجة سبعون حلة، يرى مخ ساقها من وراء الحلل، يقضى جماعها في مقدار ليلة من لياليكم هذه، الأنهار من تحتهم تطرد؛ أنهار من ماء غير آسن -قال: صاف لا كَدَرَ فيه- وأنهار من لبن لم يتغير طعمه، لم يخرج من ضروع الماشية، وأنهار من خمر لذة للشاربين، لم يعتصرها الرجال بأقدامهم [¬٨]، وأنهار من عسل مصفى، لم يخرج من بطون النحل، فيستحلي الثمار، فإن شاء أكل قائمًا، وإن قاعدًا، وإن شاء متكئًا. ثم تلا: ﴿وَدَانِيَةً عَلَيهِمْ ظِلَالُهَا وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا تَذْلِيلًا﴾ فيشتهي الطعام فيأتيه تطير أبيض- وربما قال: أخضر [¬٩]- فترفع أجنحتها، فيأكل من جنوبها أي الألوان شاء، ثم تطير فتذهب، فيدخل الملك فيقول: سلام عليكم ﴿وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ولو أن شعرة من شعر

стр. 4215

الحوراء وقعت [¬١] لأهل الأرض، لأضاءت، الشمس معها سواد في نور". هكذا وقع في هذه الرواية مرفوعًا، وقد رويناه في المقدمات من كلام علي ﵁ بنحوه، وهو أشبه بالصحة، والله أعلم. وقوله: ﴿وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ ورْدًا﴾ أي: عطاشًا، ﴿لَا يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَةَ﴾ أي: ليس لهم من يشفع لهم كما يشفع المؤمنون بعضهم لبعض، كما قال تعالى مخبرًا عنهم: ﴿فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ (١٠٠) وَلَا صَدِيقٍ حَمِيمٍ﴾. وقوله: ﴿إلا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا﴾ هذا استثناء منقطع، بمعنى: لكن من اتخذ عند الرحمن عهدًا [¬٢]، وهو شهادة ألّا إله إلا الله، والقيام بحقها. قال عليّ بن أبي طلحة عن ابن عباس (٣٣٩): ﴿إلا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا﴾ قال: العهد شهادة أن لا إله إلا الله، ويبرأ إلى الله من الحول والقوة، ولا يرجو إلا الله . وقال ابن أبي حاتم (٣٤٠): حدثنا عثمان بن خالد الواسطي، حدثنا محمد بن الحسن الواسطي، عن المسعودي، عن عون بن عبد الله، عن أبي فاختة، عن الأسود بن يزيد قال: قرأ عبد الله -يعني ابن مسعود- هذه الآية ﴿إلا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا﴾ ثم قال: اتخذوا عند الله عهدًا، فإن الله يقول يوم القيامة: من كان له [عند الله] [¬٣] عهد فليقم. قالوا: يا أبا عبد الرحمن؛ فَعَلَّمنا. قال: قولوا: اللهم فاطر السموات والأرض، عالم الغيب والشهادة، فإني أعهد إليك في هذه الحياة الدنيا أنك إن تكلني إلى عملي يقربني من الشر ويباعدني من الخير، وإني لا أثق إلا [برحمتك، فاجعل] [¬٤] لي عندك عهدًا تؤديه إليَّ يوم القيامة، إنك لا تخلف الميعاد. قال المسعودي: فحدثني زكريا، عن القاسم بن عبد الرحمن، أخبرنا [¬٥] ابن مسعود: وكان يُلْحِقُ [¬٦] بهن: خائفًا مستجيرًا مستغفرًا راهبًا راغبًا إليك. ثم رواه من وجه آخر عن المسعودي بنحوه.

стр. 4216

﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا (٨٨) لَقَدْ جِئْتُمْ شَيئًا إِدًّا (٨٩) تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا (٩٠) أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا (٩١) وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا (٩٢) إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إلا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا (٩٣) لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا (٩٤) وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا (٩٥)﴾ لما قرر تعالى في هذه السورة الشريفة عبودية عيسى ﵇، وذكر خلقه من مريم بلا أب، شرع في مقام الإنكار على من زعم أن له ولدًا -تعالى وتقدّس وتنزه عن ذلك علوًّا كبيرًا- فقال: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا (٨٨) لَقَدْ جِئْتُمْ شَيئًا إِدًّا﴾ أي: في قولكم هذا ﴿شَيئًا إِدًّا﴾ قال ابن عباس (٣٤١) ومجاهد (٣٤٢) وقتادة (٣٤٣) ومالك: أي: عظيمًا. ويقال: إدًّا بكسر الهمزة وفتحها، ومع مدها أيضًا، ثلاث لغات، أشهرها الأولى. وقوله: ﴿تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا (٩٠) أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا﴾ أي: يكاد يكون ذلك عند سماعهن [¬١] هذه المقالة من فجرة بني آدم، إعظامًا للرب وإجلالًا؛ لأنهن مخلوقات ومؤسسات على توحيده، وأنه لا إله إلا هو، وأنه لا شريك له، ولا نظير له، ولا ولد له، ولا صاحبة له، ولا كفء له، بل هو الأحد الصمد. وفي كُلِّ شيء له آية … تدل على أنه واحد [¬٢] وقال ابن جرير (٣٤٤): حدثني عليّ، حدثنا عبد الله، حدثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، قوله: ﴿تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ [¬٣] مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا (٩٠) أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا﴾ قال: إن الشرك فزعت منه السموات والأرض والجبال، وجميع

стр. 4217

الخلائق إلا الثقلين، فكادت أن تزول منه لعظمة الله، وكما لا ينفع مع الشرك إحسان المشرك، كذلك نرجو أن يغفر الله ذنوب الموحدين، وقال رسول الله ﷺ : "لقنوا موتاكم شهادة أن لا إله إلا الله، فمن قالها عند موته وجبت له الجنة". قالوا: يا رسول الله، فمن قالها في صحته؟ قال: "تلك أوجب وأوجب". ثم قال: "والذي نفسي بيده، لو جيء بالسموات والأرضين وما فيهن، وما بينهن وما تحتهن، فوضعن في كفة الميزان، ووضعت شهادة أن لا إله إلا الله في الكفة الأخرى، لرجحت بهن". وهكذا رواه ابن جرير، ويشهد له حديث البطاقة (٣٤٥)، والله أعلم. وقال الضحاك: ﴿تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ [¬١] مِنْهُ﴾ أي: يتشققن فَرَقًا [¬٢] من عظمة الله. وقال عبد الرحمن [¬٣] بن زيد بن أسلم: ﴿وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ﴾ أي: غضبًا لله . ﴿وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا﴾ قال ابن عباس (٣٤٦): هدمًا. وقال سعيد بن جبير: ﴿هَدًّا﴾ [¬٤] ينكسر بعضها على بعض متتابعات. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا محمد بن عبد الله بن سويد المقبري، حدثنا سفيان بن عيينة، حدثنا مسعر، عن عون، عن [¬٥] عبد الله، قال: إن الجبل لينادي الجبل باسمه: يا فلان، هل مر بك اليوم ذاكرًا لله ؟ فيقول: نعم ويستبشر. قال عون: لهي للخير أسمع، أفيسمعن الزور والباطل إذا قيل ولا يسمعن غيره، ثم قرأ: ﴿تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا (٩٠) أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا﴾. وقال ابن أبي حاتم أيضًا: حدثنا المنذر بن شاذان، حدثنا هَوذَة، حدثنا عوف، عن

стр. 4218

غالب بن عَجْرَد، حدثني رجل من أهل الشام في مسجد منى قال: بلغني أن الله لما خلق الأرض وخلق ما فيها من الشجر، لم يكن في الأرض شجرة يأتيها بنو آدم إلا أصابوا منها منفعة -[أو قال: كان لهم فيها منفعة] [¬١]- ولم تزل الأرض والشجر بذلك حتى تكلم فجرة بني آدم بتلك الكلمة العظيمة: قولهم ﴿اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا﴾ فلما تكلموا بها اقشعرت الأرض وشاك الشجر. وقال كعب الأحبار (٣٤٧): غضبت الملائكة واستعرت [¬٢] النار، حين قالوا ما قالوا. وقال الإمام أحمد (٣٤٨): حدثنا أبو [¬٣] معاوية، حدثنا الأعمش، عن سعيد بن جبير، عن أبي عبد الرحمن السلمي، عن أبي موسى ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "ما أحد أصبر على أذى يسمعه من الله: إنه يشرك به ويجعل له ولد وهو يعافيهم ويدفع عنهم ويرزقهم". أخرجاه في الصحيحين. وفي لفظ: "إنهم يجعلون لي ولدًا وهو يرزقهم ويعافيهم". وقوله: ﴿وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا﴾ أي: لا يصلح له ولا يليق به؛ لجلاله وعظمته لأنه لا كفء له من خلقه [¬٤] لأن جميع الخلائق عبيد له ولهذا قال: ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إلا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا (٩٣) لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا﴾ أي: قد علم عددهم منذ خلقهم إلى يوم القيامة، ذكرهم وأنثاهم، وصغيرهم وكبيرهم ﴿وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا﴾ أي: لا ناصر له ولا مجير إلا الله وحده لا شريك له، فيحكم في خلقه بما يشاء، وهو العادل الذي لا يظلم مثقال ذرة ولا يظلم أحدًا. ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا (٩٦) فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْمًا لُدًّا (٩٧) وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزًا (٩٨)﴾

стр. 4219

يخبر تعالى أنه يغرس لعباده المؤمنين الذين يعملون الصالحات -وهي الأعمال التي ترضي الله لمتابعتها الشريعة المحمدية- يغرس لهم في قلوب عباده الصالحين مودة، وهذا أمر لا بد منه ولا [¬١] محيد عنه، وقد وردت بذلك الأحاديث الصحيحة عن رسول الله ﷺ من غير وجه: قال الإمام أحمد (٣٤٩): حدثنا عفان، حدثنا أبو عوانة، حدثنا سهيل، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: "إن الله إذا أحب عبدًا دعا جبربل فقال: يا جبريل، إني أحب فلانًا فأحبه". قال: "فيحبه جبريل". قال: "ثم ينادي في أهل السماء: إن الله يحب فلانًا [فأحبوه] ". قال: "فيحبه أهل السماء، ثم يوضع له القبول في الأرض. وإن الله إذا أبغض عبدًا دعا جبربل فقال: يا جبريل، إني أبغض فلانًا فأبغضه". قال: "فيبغضه جبربل، لم ينادي في أهل السماء: إن الله يبغض فلانًا فأبغضوه". قال: "فيبغضه أهل السماء، ثم توضع [¬٢] له البغضاء في الأرض". ورواه مسلم (٣٥٠) من حديث سهيل. ورواه أحمد (٣٥١) والبخاري من حديث ابن جريج، عن موسى بن عقبة [¬٣]، عن نافع مولى ابن عمر، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ بنحوه. وقال الإمام أحمد (٣٥٢): حدثنا محمد بن بكر، حدثنا ميمون -أبو محمد المرئي [¬٤]- حدثنا محمد بن عباد المخزومي، عن ثوبان ﵁، عن النبي ﷺ قال: "إن العبد ليلتمس مرضات الله فلا يزال كذلك، فيقول الله لجبريل: إن فلانًا عبدي يلتمس أن يرضيني، ألا وإن رحمتي عليه. فيقول جبربل:

стр. 4220

رحمة الله على فلان، ويقولها [¬١] حملة العرش، ويقولها من حولهم، حتى يقولها أهل السموات السبع، ثم يهبط إلى الأرض". غريب ولم يخرجوه من هذا الوجه. وقال الإمام أحمد (٣٥٣): حدثنا أسود بن عامر، حدثنا شريك، عن محمد بن سعد الواسطي، عن أبي ظبية، عن أبي أمامة قال: قال رسول الله ﷺ : "إن المقَة من الله -قال شريك: هي المجة- والصيت من السماء، فإذا أحب الله عبدًا قال لجبريل ﵇: إني أحب فلانًا. فينادى جبريل: إن ربكم يمقُ [¬٢]-يعني: يحب- فلا، فأحبوه -وأرى [¬٣] شريكًا قد قال: "فتنزل له المحبة في الأرض"-"وإذا أبغض عبدًا قال لجبريل: إني أبغض فلانًا فأبغضه. قال: "فينادي جبريل: إن ربكم يبغض فلانًا فأبغضوه، قال: أرى شريكًا [قد قال] [¬٤]: فيجرى له البغض في الأرض". غريب ولم يخرجوه. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا أبو داود الحَفريّ، حدثنا عبد العزيز -يعني: ابن محمد، وهو: الدراوردي [¬٥]- عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: "إذا أحب الله عبدًا نادى جبريل: إني قد [¬٦] أحببت فلانًا فأحبه. فينادى في السماء، ثم ينزل له المحبة في أهل الأرض، فذلك قول الله : ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا﴾. ورواه مسلم (٣٥٤) والترمذي [¬٧]- كلاهما عن قتيبة [¬٨]، عن الدراوردي به. وقال الترمذي [¬٩]: حسن صحيح. وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس (٣٥٥) في قوله: ﴿سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا﴾

стр. 4221

قال: حبًّا. وقال مجاهد عنه (٣٥٦) ﴿سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا﴾ قال: محبة في الناس في الدنيا. وقال سعيد بن جبير (٣٥٧) عنه: يحبهم ويحبِّبهم، يعني: إلى خلقه المؤمنين. كما قال مجاهد (٣٥٨) أيضًا. والضحاك (٣٥٩) وغيرهم. وقال العوفي عن ابن عباس (٣٦٠) أيضًا: الود من المسلمين في الدنيا، والرزق الحسن، واللسان الصادق. وقال قتادة (٣٦١): ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا﴾ إي والله في قلوب أهل الإيمان، ذكر لنا أن هرم بن حيان كان يقول: ما أقبل عبد بقلبه إلى الله إلا أقبل الله بقلوب المؤمنين إليه، حتى يرزقه مودتهم ورحمتهم. وقال قتادة (٣٦٢): وكان عثمان بن عفان ﵁ يقول: ما من عبد يعمل خيرًا أو شرًّا إلا كساه الله رداء عمله. وقال ابن أبي حاتم ﵀ حدثنا أحمد بن سنان، حدثنا عبد الرحمن بن مهدي عن الربيع بن صبيح [¬١]، عن الحسن البصري ﵀ قال: قال رجل: والله لأعبدن الله عبادة أذكر بها. فكان لا يرى في حين صلاة إلا قائمًا يصلي، وكان أول داخل إلى المسجد وآخر خارج، فكان لا يعظم، فمكث بذلك سبعة أشهر، وحسان لا يمر على قوم إلا قالوا: انظروا إلى هذا المرائي. فأقبل على نفسه فقال: لا أراني أذكر إلا بشر، لأجعلن

стр. 4222

عملي كله لله فلم يزد على أن قلب نيته، ولم يزد على العمل الذي كان يعمل، فكان يمر بعد بالقوم، فيقولون: رحم الله فلانًا، الآن [] [¬١]. وتلا الحسن: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا﴾. وقد روى ابن جرير (٣٦٣) أثرًا أن هذه الآية نزلت في هجرة عبد الرحمن بن عوف. وهو خطأ، فإن هذه السورة بتمامها مكية، لم ينزل منها شيء بعد الهجرة، ولم يصح سند ذلك، والله أعلم. وقوله: ﴿فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ﴾ يعني: القرآن ﴿بِلِسَانِكَ﴾ أي: يا محمد، وهو اللسان العربي المبين الفصيح الكامل ﴿لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ﴾ أي: المستجيبين لله المصدقين لرسوله ﴿وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْمًا لُدًّا﴾ أي: عوجًا عن الحق، مائلين [¬٢] إلى الباطل. وقال ابن أبي نجيح عن مجاهد (٣٦٤): ﴿قَوْمًا لُدًّا﴾ لا يستقيمون [¬٣]. وقال الثوري عن إسماعيل -وهو السدي- عن أبي صالح: ﴿وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْمًا لُدًّا﴾ عوجًا عن الحق. وقال الحسن البصري (٣٦٥): ﴿قَوْمًا لُدًّا﴾: صمًّا. وقال غيره: صمّ آذان القلوب. وقال قتادة (٣٦٦): ﴿قَوْمًا لُدًّا﴾. يعني: قريشًا. وقال العوفي عن ابن عباس (٣٦٧): ﴿قَوْمًا لُدًّا﴾ فجارًا. وكذا روى ليث بن أبي سليم عن مجاهد (٣٦٨). وقال ابن زيد (٣٦٩): الألد: الظلوم، وقرأ قول الله: ﴿وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ﴾.

стр. 4223

وقوله: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ﴾ أي: من [¬١] أمة كفروا بآيات الله، وكذبوا رسله ﴿هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزًا﴾. أي: هل ترى منهم أحدًا، أو تسمع لهم ركزًا. قال ابن عبَّاس (٣٧٠) وأَبو العالية، وعكرمة، والحسن البصري، وسعيد بن جبير، والضحاك (٣٧١)، وابن زيد: يعني صوتًا. وقال الحسن (٣٧٢) وقَتَادة (٣٧٣): هل ترى عينًا، أو تسمع صوتًا. والركز في أصل اللغة هو: الصوت الخفي، قال الشاعر: فتوجست [¬٢] ركز الأنيس فراعها … عن ظهر غيبِ والإنيس سقامها آخر تفسير سورة مريم، ولله الحمد والمنة. ويتلوه إن شاء الله تعالى تفسير سورة طه، والحمد لله. * * *

стр. 4224

تفسير [¬١] سورة طه [وهي] [¬٢] مكية روى إمام الأئمة محمد بن إسحاق بن خزيمة في كتاب "التوحيد" (١) عن زياد بن أيوب، عن إبراهيم بن المنذر الخزامي، حدَّثنا إبراهيم بن مهاجر بن مسمار، عن عمر بن حفص بن ذكوان، عن مولى الحُرَقة -يعني: عبد الرحمن بن يعقوب- عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "إن الله قرأ طه، ويس قبل أن يخلق آدم بألف عام، فلما سمعت الملائكة قالوا: طوبى لأمة ينزل عليهم هذا، وطوبى لأجواف تحمل هذا، وطوبى لألسن تتكلم [¬٣] بهذا" هذا حديث غريب، وفيه نكارة، وإبراهيم بن مهاجر وشيخه تكلم فيهما. ﴿طه (١) مَا أَنْزَلْنَا عَلَيكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى (٢) إلا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشَى (٣) تَنْزِيلًا مِمَّنْ خَلَقَ الْأَرْضَ وَالسَّمَاوَاتِ الْعُلَى (٤) الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (٥) لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَمَا بَينَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثَّرَى (٦) وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى (٧) اللَّهُ لَا إِلَهَ إلا هُوَ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى (٨)﴾

стр. 4225

تقدم الكلام على الحروف المقطعة في أول سورة "البقرة" بما أغنى عن إعادته. وقال ابن أبي حاتم (٢): حدَّثنا الحسين بن محمد بن شنبة [¬١] الواسطي، حدَّثنا أَبو أحمد -يعني الزبيري- أنبأنا إسرائيل، عن سالم الأفطس، عن سعيد بن جبير، عن ابن عبَّاس قال: ﴿طه﴾ يا رجل. وهكذا رُوي عن [¬٢] مجاهد (٣)، وعكرمة (٤)، وسعيد بن جبير (٥)، ومحمد بن كعب، وأبي [¬٣] مالك، وعطية العوفي، والحسن (٦)، وقَتَادة، (٧)، والضحاك (٨)، والسدي، وابن أبزى، أنهم قالوا: ﴿طه﴾، بمعنى يا رجل. وفي رواية عن ابن عبَّاس (٩)، وسعيد بن جبير، والثوري: أنَّها كلمة بالنبطة معناها: يا رجل. وقال أَبو صالح [¬٤]: هي معربة. وأسند القاضي عياض في كتابه "الشفا" من طريق عبد بن حميد في تفسيره: حدَّثنا هاشم بن القاسم عن ابن جعفر، عن الربيع بن أَنس قال: كان النبي ﷺ إذا صلى قام على رِجْل ورفع الأخرى، فأنزل الله تعالى: ﴿طه﴾، يعني: طئ الأرض

стр. 4226

يا محمد. ﴿مَا أَنْزَلْنَا عَلَيكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى﴾. ثم قال: ولا خفاء بما في هذا من الإِكرام وحسن المعاملة. وقوله: ﴿مَا أَنْزَلْنَا عَلَيكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى﴾ قال جوبير: عن الضحاك: لما أنزل الله القرآن على رسوله، قام به هو وأصحابه، فقال المشركون من قريش: ما أنزل هذا القرآن على محمد إلَّا ليشقى! فأنزل الله تعالى: ﴿طه (١) مَا أَنْزَلْنَا عَلَيكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى (٢) إلا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشَى﴾. فليس الأمر كما زعمه المبطلون، بل من آتاه الله العلم فقد أراد به خيرًا كثيرًا، كما ثبت في الصحيحين (١٠) عن معاوية، قال: قال رسول الله، ﷺ : "من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين". وما أحسن الحديث الذي رواه الحافظ أَبو القاسم الطبراني (١١) في ذلك، حيث قال: حدَّثنا أحمد بن زهير، حدَّثنا العلاء بن سالم، حدَّثنا إبراهيم الطالقاني، حدَّثنا ابن المبارك، عن سفيان، عن سماك بن حرب، عن ثعلبة بن الحكم قال: قال رسول الله، ﷺ : "يقول الله تعالى للعلماء يوم القيامة، إذا قعد على كرسيه لقضاء عباده: إني لم أجعل علمي وحكمتي فيكم إلَّا وأنا أريد أن أغفر لكم على ما كان منكم ولا أبالي"! إسناده جيد، وثعلبة بن الحكم هذا [هو الليثي] [¬١] ذكره أَبو عمر [¬٢] في استيعابه، وقال: نزل البصرة، ثم تحول إلى الكوفة، وروى عنه سماك بن حرب. وقال مجاهد (١٢) في قوله: ﴿مَا أَنْزَلْنَا عَلَيكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى﴾: هي كقوله: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ﴾، وكانوا يُعَلِّقون الحبال بصدورهم في الصلاة. وقال قَتَادة (١٣): ﴿مَا أَنْزَلْنَا عَلَيكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى﴾ لا، والله ما جعله شقاء، ولكن

стр. 4227

جعله رحمة ونورًا، ودليلًا إلى [¬١] الجنَّة. ﴿إلا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشَى﴾: إن الله أنزل كتابه وبعث رسله رحمة، رحم بها العباد، ليتذكر ذاكر، وينتفع رجل بما سمع من كتاب الله، وهو ذكر أنزل الله فيه حلاله وحرامه. و [¬٢] قوله: ﴿تَنْزِيلًا مِمَّنْ خَلَقَ الْأَرْضَ وَالسَّمَاوَاتِ الْعُلَى﴾ أي: هذا القرآن الذي جاءك يا محمد تنزيل من رب كل شيء ومليكه، القادر على ما يشاء، الذي خلق الأرض بانخفاضها وكثافتها، وخلق السموات العلى في ارتفاعها ولطافتها، وقد جاء في الحديث الذي صححه التِّرمِذي وغيره: أن سُمْك كل سماء مسيرة خمسمائة عام، وبعد ما بينها والتي تليها مسيرة [¬٣] خمسمائة عام. وقد أورد ابن أبي حاتم هاهنا حديث الأوعال من رواية العباس عم رسول الله، ﷺ ، ورضي الله عنه. وقوله: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ تقدم الكلام على ذلك في سورة الأعراف بما أغنى عن إعادته أيضًا، وأن المسلك الأسلم في ذلك طريقة السلف، إمرار ما جاء في ذلك من الكتاب والسنة، من غير تكييف ولا تحريف ولا تشبيه ولا تعطل ولا تمثيل. وقوله: ﴿لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَمَا بَينَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثَّرَى﴾ أي: الجميع ملكه وفي قبضته، وتحت تصريفه ومشيئته، وإرادته وحكمه، وهو خالق ذلك، ومالكه وإلهه، لا إله سواه، ولا رب غيره. وقوله: ﴿وَمَا تَحْتَ الثَّرَى﴾، قال محمد بن كعب (١٤): ما تحت الأرض السابعة. وقال الأوزاعي (١٥): إن يحيى بن أبي كعير حدثه: أن كعبًا سئل فقيل له: ما تحت هذه الأرض؟ قال: الماء. قيل: وما تحت الماء؟ قال: الأرض. قيل: وما تحت الأرض؟ قال: الماء. قيل: وما تحت الماء؟ قال: الأرض. قيل: وما تحت الأرض؟! قال: الماء. قيل: وما ما تحت الماء؟ قال: الأرض. قيل: وما تحت الأرض؟ قال: الماء. قيل: وما تحت الماء؟ قال: الأرض. قيل: وما تحت الأرض؟! قال: صخرة. قيل: وما تحت

стр. 4228

الصخرة؟ قال: ملك. قيل: وما تحت الملك؟ قال: حوت مُعَلّق طرفاه بالعرش. قيل: وما تحت الحوت؟ قال: الهواء والظلمة، وانقطع العلم. وقال ابن أبي حاتم: حدَّثنا أَبو عبيد الله بن أخي ابن وَهْب، حدَّثنا عمي، حدثني عبد الله بن عياش [¬١]، حدَّثنا عبد الله بن سليمان، عن دراج، عن عيسى بن هلال الصدفي [¬٢]، عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله ﷺ : "إن الأرضين كل أرض والتي تليها مسيرة خمسمائة عام، والعليا منها على ظهر حوت، قد التقى طرفاه في السماء، والحوت على صخرة، والصخرة بيد الملك، والثانية سجن الريح، والثالثة فيها حجارة جهنم، والرابعة فيها كبريت جهنم، والخامسة فيها حيات جهنم، والسادسة فيها عقارب جهنم، والسابعة فيها سقر، وفيها إبليس مصفد بالحديد، يد أمامه ويد خلفه، فإذا أراد الله أن يطلقه لما يشاء أطلقه". هذا حديث غريب جدًّا ورفعه فيه نظر. وقال الحافظ أَبو يعلى في مسنده (١٦): حدَّثنا أَبو موسى الهروي، عن العباس بن الفضل -قلت: ابن الفضل الأنصاري؟ قال: نعم-[عن القاسم] [¬٣] بن عبد الرحمن، عن محمد بن عليّ، عن جابر بن عبد الله قال: كنت مع رسول الله، ﷺ ، في غزوة تبوك، فأقبلنا راجعين في حر شديد، فنحن متفرقون بين واحد واثنين، منتشرين، قال: وكنت في أول العسكر، إذ عارضنا رجل فسلم، ثم قال: أيكم محمد؟ ومضى أصحابي ووقفت معه، فإذا رسول الله، ﷺ ، قد أقبل في وسط العسكر على جمل أحمر، مُقَنَّع بثوبه على رأسه من الشمس، فقلت: أيها السائل، هذا رسول الله قد أتاك. فقال: أيهم هو؟ فقلت: صاحب البَكْر الأحمر. فدنا منه، فأخذ بخطام راحلته، فكف عليه رسول الله، ﷺ ، فقال: أنت محمد؟ قال: "نعم". قال: إني أريد أن أسألك عن خصال، لا يعلمهن أحد من أهل الأرض إلا رجل أو رجلان. فقال رسول الله، ﷺ : "سل عما شئت". فقال: يا محمد، أينام النبي؟ فقال رسول الله، ﷺ : "تنام عيناه ولا ينام قلبه". قال: صدقت. ثم قال: يا محمد، مِن أين يشبه الولد أباه أو أمه؟ [¬٤] قال: "ماء الرجل أبيض غليظ، وماء المرأة أصفر رقيق، فأي الماءين غلب على الآخر نزع [¬٥]، الولد". فقال: صدقت. فقال: ما للرجل من الولد، وما للمرأة منه؟ فقال: "للرجل العظام والعروق والعصب، وللمرأة اللحم والدم والشعر". قال: صدقت. ثم قال: يا

стр. 4229

محمد، ما تحت هذه؟ -يعني: الأرض- فقال رسول الله، ﷺ : "خلق". فقال: فما تحتهم؟ قال: "أرض". قال: فما تحت الأرض؟ قال: "الماء". قال: فما تحت الماء؟ قال: "ظلمة". قال: فما تحت الظلمة؟ قال: "الهواء". قال: فما تحت الهواء؟ قال: "الثرى". قال: فما تحت الثرى؟ ففاضت [¬١] عينا رسول الله، ﷺ ، بالبكاء وقال: "انقطع علم المخلوقين عند علم الخالق، أي السائل: ما المسئول عنها بأعلم من السائل". قال: فقال: صدقتَ، أشهد أنك رسول الله. فقال رسول الله، ﷺ : "أيها الناس، هل تدرون من هذا؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: "هذا جبريل، ﷺ ". هذا حديث غريب جدًّا، وسياق عجيب، تفرد به القاسم بن عبد الرحمن هذا، وقد قال فيه يحيى بن معين: ليس يساوي شيئًا. وضعفه أَبو [¬٢] حاتم الرازي، وقال ابن عدي: لا يعرف. قلت: وقد [¬٣] خلط في هذا الحديث، ودخل عليه شيء في شيء، وحديث في حديث، وقد يحتمل [¬٤] أنَّه تعمد ذلك، أو أدخل عليه فيه، والله أعلم. وقوله: ﴿وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى﴾ أي: أنزل هذا القرآن الذي خلق الأرض والسماوات [العلى، الذي يعلم السر وأخفى، كما قال تعالى: ﴿قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ] [¬٥] إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (٦)﴾. قال علي بن أبي طلحة (١٧): عن [¬٦] بن عبَّاس: ﴿يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى﴾ قال: السر ما أسر ابن آدم في نفسه ﴿وَأَخْفَى﴾ ما أخِفيَ على ابن آدم مما هو فاعله قبل أن يعلمه، فالله يعلم ذلك كله، فعِلْمُه [¬٧] فيما مضى من ذلك وما بقي علم واحد، وجميع الخلائق في ذلك عنده كنفس واحدة، وهو قوله: ﴿مَا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ إلا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾. وقال الضحاك (١٨): ﴿يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى﴾ قال: السر: ما تحدث له نفسك،

стр. 4230

وأخفى: ما لم تحدث به نفسك بعد. وقال سعيد بن جبير (١٩): أي تعلم ما تسر اليوم ولا تعلم ما تسر غدًا، والله يعلم ما تسر اليوم وما تسر غدًا. وقال مجاهد (٢٠): ﴿وَأَخْفَى﴾ يعني: الوسوسة. وقال أيضًا هو وسعيد بن جبير (٢١): ﴿وَأَخْفَى﴾ أي: ما هو عامله مما لم يحدث به نفسه. وقوله: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إلا هُوَ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ أي: الذي أنزل عليك القرآن: هو الله الذي لا إله إلَّا هو ذو الأسماء الحسنى] [¬١] والصفات العلى. وقد تقدم بيان الأحاديث الواردة في الأسماء الحسنى في أواخر سورة الأعراف، وللّه الحمد والمنة. ﴿وَهَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى (٩) إِذْ رَأَى نَارًا فَقَال لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدًى (١٠)﴾ من ها هنا شرع ﵎ في ذكر قصة موسى، وكيف كان ابتداء الوحي إليه [¬٢] وتكليمه إياه، وذلك بعد ما قضى موسى الأجل الذي كان بينه وبين صهره في رعاية الغنم، وسار بأهله - قيل: قاصدًا بلاد مصر - بعد ما طالت الغيبة عنها أكثر من عشر سنين، ومعه زوجته، فأضل الطَّرِيق، وكانت ليلة شاتية، ونزل منزل بين شعاب وجبال، في برد وشتاء، وسحاب وظلام وضباب، وجعل يقدح بزند معه ليوريَ نارًا، كما جرت له العادة به، فجعل لا يقدح شيئًا، ولا يخرج منه شرر ولا شيء، فبينا هو كذلك، إذ آنس من

стр. 4231

جانب الطور نارًا، أي: ظهرت له نار من جانب الجبل الذي هناك عن يمينه، فقال لأهله يبشرهم: (﴿إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِقَبَسٍ﴾ أي: شهاب من نار، وفي الآية الأخرى: ﴿أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ﴾ وهي: الجمر الذي معه لهب ﴿لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ﴾ دل على وجود البرد، وقوله: ﴿بِقَبَسٍ﴾ دل على وجود الظلام. وقول: ﴿أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدًى﴾ أي: من يهديني [¬١] الطريق، دلَّ على أنَّه [كان] [¬٢] قد تاه عن الطريق، كما قال الثَّوري عن أبي سعيد الأعور، عن عكرمة، عن ابن عبَّاس (٢٢) في قوله: ﴿أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدًى﴾ قال: من يهديني [¬٣] إلى الطريق، وكانوا شاتين وضلوا الطَّرِيق، فلما رأى النار قال: إن لم أجد أحدًا يهديني [¬٤] آتِكم بنار توقدون بها. ﴿فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ يَامُوسَى (١١) إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى (١٢) وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى (١٣) إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إلا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي (١٤) إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى (١٥) فَلَا يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا مَنْ لَا يُؤْمِنُ بِهَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَتَرْدَى (١٦)﴾ يقول تعالى: ﴿فَلَمَّا أَتَاهَا﴾ أي: النار واقترب منها، ﴿نُودِيَ يَامُوسَى﴾. وفي الآية الأخرى ﴿فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ مِنْ شَاطِئِ الْوَادِ الْأَيمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَنْ يَامُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ﴾، وقال هاهنا: ﴿إِنِّي أَنَا رَبُّكَ﴾ أي: الذي يكلمك ويخاطبك ﴿فَاخْلَعْ نَعْلَيكَ﴾ قال علي بن أبي طالب (٢٣) وأَبو ذرٍّ وأَبو أيوب، وغير واحد من السلف: كانتا من جلد حمار غير ذكي [¬٥].

стр. 4232

وقيل: إنما أمره بخلع نعليه تعظيمًا للبقعة. قال سعيد بن جبير: كما يؤمر الرجل أن يخلع نعليه إذا أراد دخول [¬١] الكعبة. وقيل: ليطأ الأرض المقدسة بقدميه حافيًا غير منتعل. وقيل غير ذلك، والله أعلم. وقوله: ﴿طِوًى﴾، قال علي بن أبي طلحة عن ابن عبَّاس (٢٤): هو اسم للوادي. وكذا قال غير واحد. فعلى هذا كون عطف بيان. وقيل: عبارة عن الأمر بالوطء بقدميه. وقيل: لأنه قُدِّس مرتين، وطوى له البركة وكررت. والأول أصح، لقوله [¬٢]: ﴿إِذْ نَادَاهُ رَبُّهُ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى﴾. وقوله: ﴿وَأَنَا اخْتَرْتُكَ﴾ كقوله: ﴿إِنِّي اصْطَفَيتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالاتِي وَبِكَلَامِي﴾ أي: على جميع الناس من الموجودين في زمانه. وقيل: إن الله تعالى قال: يا موسى، أتدري لم خصصتك بالتكليم من بين الناس؟ قال: لا. قال] [¬٣]: لأني لم يتواضع لي أحد تواضعك. وقوله: ﴿فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى﴾ أي: اسمع الآن ما أقول لك وأوحيه إليك: ﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إلا أَنَا﴾ هذا أول واجب على المكلفين، أن يعلموا أنَّه لا إله إلا الله وحده لا شريك له. وقوله: ﴿فَاعْبُدْنِي﴾ أي: وخدني وقم بعبادتي من غير شريك ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾، قيل: معناه صل لتذكرني. وقيل: معناه: وأقم الصلاة عند ذكرك لي. ويشهد لهذا الثاني ما قال الإِمام أحمد (٢٥): حدَّثنا عبد الرحمن بن مهدي، حدَّثنا المثنى بن سعيد، عن حمَّادة، عنَ أَنس، عن النبي، ﷺ قال: (إذا رقد أحدكم عن الصلاة، أو غفل عنها، فليصلها إذا ذكرها، وإن الله تعالى قال: ﴿وَأَقِمِ [¬٤]

стр. 4233

الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾. وفي الصحيحين (٢٦) عن أَنس قال: قال رسول الله، ﷺ : "من نام عن صلاة أو نسيها، فكفارتها أن يصليها إذا ذكرها، ولا كفارة لها إلَّا ذلك". وقوله: ﴿إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ﴾ أي: قائمة لا محالة، وكائنة لا بد منها. وقوله: ﴿أَكَادُ أُخْفِيهَا﴾ قال الضحاك عن ابن عبَّاس، أنَّه كان يقرؤها "أكاد أخفيها من [¬١] نفسي". يقول: لأنها لا تخفى من [¬٢] نفس الله أبدًا. وقال سعيد بن جبير: عن ابن عبَّاس (٢٧): من نفسه. وكذا قال مجاهد (٢٨)، وأَبو صالح (٢٩)، ويحيى بن رافع (٣٠). [وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عبَّاس: ﴿أَكَادُ أُخْفِيهَا﴾ يقول: لا أطلع عليها أحدًا غيري] [¬٣]. وقال السدي: ليس أحد من أهل السماوات والأرض إلَّا قد أخفى الله عنه علم الساعة، وهي في قراءة ابن مسعود: (إني أكاد أخفيها من نفسي) يقول: كتمتها من الخلائق، حتَّى لو استطعت أن أكتمها من نفسي لفعلت. وقال قَتَادة (٣١): ﴿أَكَادُ أُخْفِيهَا﴾، وهي في بعض القراءة: (أخفيها من نفسي)

стр. 4234

ولعمري لقد أخفاها الله من الملائكة المقربين، ومن الأنبياء والمرسلين. قلت: وهذا كقوله: ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيبَ إلا اللَّهُ﴾، وقال: ﴿ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا تَأْتِيكُمْ إلا بَغْتَةً﴾ أي: ثقل علمها على أهل السماوات والأرض. وقال ابن أبي حاتم: حدَّثنا أَبو زرعة، حدَّثنا منجاب، حدَّثنا أَبو تُمَيلة، حدثني محمد بن سهل الأسدي، عن وِقَاء [¬١] قال: أقرأنيها سعيد بن جبير يعني: ﴿أَكَادُ أُخْفِيهَا﴾ بنصب [¬٢] الألف، وخفض الفاء، يقول: أظهرها، ثم قال [¬٣]: أما سمعت قول الشاعر: دأب شَهْرَينِ ثم شهرَا دميكًا … بأَريكين [¬٤] يخفياني غميرا [¬٥] وقال الأسدي: الغمير: نبت رطب ينبت في خلال يبس. والأريكين: موضع. والدميك: الشهر التام. وهذا الشعر لكعب بن زهير. وقوله : ﴿لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى﴾ أي: أقيمها لا محالة؛ لأجزي كل عامل بعمله ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَال ذَرَّةٍ خَيرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَال ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ و ﴿إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾. وقوله: ﴿فَلَا يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا مَنْ لَا يُؤْمِنُ بِهَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَتَرْدَى﴾، المراد بهذا الخطاب آحاد المكلفين، أي: لا تتبعوا من كذب بالساعة، وأقبل على ملاذه في دنياه، وعصى مولاه، واتبع هواه، فمن وافقهم على ذلك فقد خاب وخسر ﴿فَتَرْدَى﴾ أي: [تهلك وتعطب] [¬٦]، قال الله تعالى: ﴿وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّى﴾. ﴿وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَامُوسَى (١٧) قَال هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى (١٨) قَال أَلْقِهَا يَامُوسَى (١٩) فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَى (٢٠) قَال خُذْهَا وَلَا تَخَفْ سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا الْأُولَى (٢١)﴾ هذا برهان من الله تعالى لموسى، ﵇، ومعجزة عظيمة وخرق [للعادة باهر دالٌّ] [¬٧] على أنَّه لا يقدر على مثل هذا إلا الله وأنه لا يأتي به إلَّا نبي مرسل.

стр. 4235

فقوله: ﴿وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَامُوسَى﴾ قال بعض المفسرين: إنما قال له ذلك على سبيل الإِيناس له. وقيل: إنما قال له ذلك على وجه التقرير، أي: أما هذه التي في يمينك - عصاك التي تعرفها - فسترى ما نصنع بها الآن، ﴿وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَامُوسَى﴾ استفهام تقرير ﴿قَال هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيهَا﴾ أي: أعتمد عليها في حال المشي ﴿وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي﴾ أي: أهز بها الشجرة ليسقط ورقها، لترعاه غنمي. قال عبد الرحمن بن القاسم عن الإمام مالك: والهش: أن يضع الرجل المحجن في الغصن، ثم يحركه حتَّى السقط ورقه وثمره، ولا يكسر العود، فهذا الهش، ولا يَخْبط. وكذا قال ميمون بن مهران أيضًا. وقوله: ﴿وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى﴾ أي: مصالح ومنافع وحاجات آخر غير ذلك. وقد تكلّف بعضهم لذكر شيء من تلك المآرب التي أبهمت فقيل: كانت تضيء له بالليل، وتحرس له الغنم إذا نام، ويغرسها فتصير شجرة تظله، وغير ذلك من الأمور الخارقة للعادة. والظاهر: أنَّها لم تكن كذلك، ولو كانت كذلك لما استنكر موسى ﵊ صيرورتها ثعبانًا، فما كان يفر منها هاربًا، ولكن كل ذلك من الأخبار الإسرائيلية، وكذا قول بعضهم: إنها كانت لآدم ﵊. وقول الآخر: أنها هي الدابة التي تخرج قبل يوم القيامة. وروي عن ابن عبَّاس أنَّه قال: كان اسمها ماشا. والله أعلم بالصواب. وقوله تعالى: ﴿أَلْقِهَا يَامُوسَى﴾ أي: هذه العصا التي في يدك يا موسى ألقها ﴿فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَى﴾ أي: صارت في الحال حية عظيمة، ثعبانا طويلًا، يتحرك بحركة سريعة، فإذا هي تهتز كأنها جان، وهو أسرع الحيات حركة، ولكنه صغير، فهذه في غاية الكبر، وفي غاية سرعة الحركة. ﴿تَسْعَى﴾ أي: تمشي وتضطرب. قال ابن أبي حاتم: حدَّثنا أبي، حدَّثنا أحمد بن عبدة، حدَّثنا حفص بن جُمَيع، حدَّثنا سماك، عن عكرمة، عن ابن عبَّاس ﴿فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَى﴾ ولم تكن قبل ذلك حية، فمرت بشجرة فأكلتها، ومرت بصخرة فابتلعتها، فجعل موسى يسمع وقع الصخرة في جوفها، فولَّى مدبرًا، فنودي أن: ياموسى؛ خذها، فلم يأخذها، ثم نودي الثانية أن خذها ولا تخف، فقيل له في الثالثة: إنك من الآمنين، فأخذها. وقال وَهْب بن منبه في قوله: ﴿فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَى﴾ قال: فألقاها على وجه

стр. 4236

الأرض، ثم كانت منه نظرة، فإذا أعظم ثعبان نظر إليه الناظرون، فَدَبَّ يلتمس كأنَّه يبتغي شيئًا يريد أخذه، يمر بالصخرة مثل الخَلِفَة [¬١] من الإِبل فيلتقمها، وطعن بالناب من أنيابه في أصل الشجرة العظيمة فيجتثها، عيناه توقدان نارًا، وقد عاد المحجن منها عرفًا [¬٢]، قيل: شعره مثل النيازك، وعاد الشعبتان منها مثل القليب الواسع، فيه أضراس وأنياب لها صريف [¬٣]، فلما عاين ذلك موسى ولى مدبرًا ولم يعقب، فذهب حتَّى أمعن ورأى أنَّه قد أعجز الحية، ثم ذكر ربه فوقف استحياء منه، ثم نودي: يا موسى أن ارجع حيث كنت، فرجع موسى وهو شديد الخوف. فقال: (﴿خُذْهَا﴾ بيمينك ﴿وَلَا تَخَفْ سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا الْأُولَى﴾ وعلى موسى حينئذ مَدْرَعة من صوف، فدخلها بخلال من عيدان، فلما أمره بأخذها أدلى طرف المدرعة على يده، فقال له ملك: أرأيت [¬٤] يا موسى، لو أذن الله بما تحاذر أكانت المدرعة تغني عنك شيئًا؟ قال: لا، ولكني ضعيف، ومن ضعف خاف [¬٥]. فكشف عن يده ثم وضعها على فم الحية، حتَّى سمع حس الأضراس والأنياب، ثم قبض، فإذا هي عصاه التي عهدها، وإذا يده في موضعها الذي كان يضعها إذا توكأ بين الشعبتين. ولهذا قال تعالى: ﴿سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا الْأُولَى﴾ أي: إلى حالها التي تعرف قبل ذلك. ﴿وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلَى جَنَاحِكَ تَخْرُجْ بَيضَاءَ مِنْ غَيرِ سُوءٍ آيَةً أُخْرَى (٢٢) لِنُرِيَكَ مِنْ آيَاتِنَا الْكُبْرَى (٢٣) اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى (٢٤) قَال رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي (٢٥) وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي (٢٦) وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي (٢٧) يَفْقَهُوا قَوْلِي (٢٨) وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي (٢٩) هَارُونَ أَخِي (٣٠) اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي (٣١) وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي (٣٢) كَي نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا (٣٣) وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا (٣٤) إِنَّكَ كُنْتَ بِنَا بَصِيرًا (٣٥)﴾ وهذا برهان ثان لموسى ﵇ وهو أن الله أمره أن يدخل يده في جيبه، كما صرح به في الآية الأخرى، وهاهنا [عيَّن تلك] [¬٦] بقوله: ﴿وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلَى جَنَاحِكَ﴾. وقال في مكان آخر: ﴿وَاضْمُمْ إِلَيكَ جَنَاحَكَ مِنَ الرَّهْبِ فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ

стр. 4237

مِنْ رَبِّكَ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ﴾. وقال مجاهد (٣٢): ﴿وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلَى جَنَاحِكَ﴾ كفه تحت عضده؛ وذلك أن موسى ﵇ كان إذا أدخل يده في جيبه ثم أخرجها، تخرج تتلألأ كأنها فلقة قمر. وقوله: ﴿تَخْرُجْ بَيضَاءَ مِنْ غَيرِ سُوءٍ﴾ أي: من غير برص ولا أذى، ومن غير شين، قاله ابن عبَّاس (٣٣) ومجاهد (٣٤)، وعكرمة (٣٥) وقَتَادة (٣٦)، والضحاك (٣٧) والسدي (٣٨) وغيرهم. وقال الحسن البصري: أخرجها - والله - كأنها مصباح، فعلم موسى أنَّه قد لقي ربه ولهذا قال تعالى: ﴿لِنُرِيَكَ مِنْ آيَاتِنَا الْكُبْرَى﴾. وقال وَهْب: قال له ربه: ادنه. فلم نرل يدنيه حتَّى شد ظهره بجذع الشجرة، فاستقر وذهبت عنه الرعدة، وجمع بده في العصا، وخضع برأسه وعنقه. وقوله: ﴿اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى﴾ أي: اذهب إلى فرعون ملك مصر، الذي خرجت فارًّا منه وهاربًا، فادعه إلى عبادة الله وحده لا شريك له، ومره فليُحْسِن إلى بني إسرائيل ولا يعذبهم، فإنه قد طغى وبغى، وآثر الحياة الدنيا، ونسي الرب الأعلى. قال وَهْب بن منبه: قال الله لموسى: انطلق برسالتي فإنك بعيضي وسمعي، وإني معك - أيدي [¬١] ونصري - واني قد ألبستك جُنَّةً من سلطاني، لتستكمل بها القوة في أمري، فأنت جند عظيم من جندي، بعثتك إلى خلق ضعيف من خلقي، بَطر نعمتي، وأمِن مكري، وغرته الدنيا عني، حتَّى جحد حقي، وأنكر ربوبيتي، وزعم أنَّه لا يعرفني، فإني

стр. 4238

أقسم بعزتي لولا القدر [¬١] الذي وضعت بيني وبين خلقي، لبطشت به بطشة جبار، يغضب لغضبه السماوات والأرض، والجبال والبحار، فإن أمرت السماء حصبته، وإن أمرت الأرض ابتلعته، وإن أمرت الجبال دمرته، وإن أمرت البحار غرقته، ولكنه هان عليَّ وسقط من عيني، ووسعه حلمي، واستغنيت بما عندي، وحقي إني أنا الغنيّ لا غنيّ غيرى، فبلغه رسالتي، وادعه إلى عبادتي وتوحيدي وإخلاصي، وذكره أيامي [¬٢] وحذره نقمتي وبأسي، وأخبره أنَّه لا يقوم شيء لغضبي، وقل له فيما بين ذلك قولًا لينًا؛ لعله يتذكر أو يخشى، وخبره [¬٣] أني إلى العفو والمغفرة أسرع مني إلى الغضب والعقوبة، ولا يَرُوعَنَّك [¬٤] ما ألبستُه من لباس الدنيا، فإن ناصيته بيدي، ليس ينطق ولا يطرف ولا يتنفس إلَّا بإذني، وقل له: أجب ربك فإنه واسع المغفرة، وقد أمهلك أربعمائة سنة، في كلها أنت مبارزه بالمحاربة تسبه وتتمثل به، وتصد عباده عن سبيله، وهو يمطر عليك السماء، وينبت لك الأرض، لم تسقم ولم تَهرم ولم تفتقر، ولو شاء الله أن يعجل لك العقوبة لفعل، ولكنه ذو أناة وحلم عظيم، وجاهده بنفسك وأخيك، وأنتما تحتسبان بجهاده [¬٥]، فإني لو شئت أن آتيه بجنود لا قبل له بها لفعلت، ولكن ليعلم هذا العبد الضعيف الذي قد أعجبته نفسُه وجموعه أن الفئة القليلة -ولا قليل مني- تغلب الفئة الكثيرة بإذني، ولا تعجبنكما زينته، ولا ما متع به، ولا تمدّا إلى ذلك أعينكما، فإنها زُهرة الحياة الدنيا، وزينة المترفين، ولو شئت أن أزينكما من الدنيا بزينة - ليعلم فرعون حين ينظر إليها أن مقدرته تعجز عن مثل ما أوتيتما - فعلت، ولكن أرغب بكما عن ذلك، وأزْويه عنكما وكذلك أفعل بأوليائي، وقديمًا ما جرَتْ [عادتي] [¬٦] في ذلك فإني [¬٧] لأذودهم عن نعيمها ورخائِها كما يذود الراعي الشفيق إِبلَه عن مبارك المعرة وما ذاك لهوانهم عليَّ، ولكن ليستكملوا نصيبهم من كرامتي سالمًا موفرًا [¬٨] لم تَكْلمْه الدنيا. واعلم أنَّه لم يتزين لي العباد بزينة هي أبلغ مما عندي من الزهد في الدنيا، فإنها زينة المتقين، عليهم منها لباس يُعْرفون به من السكينة والخشوع، سيماهم في وجوههم من أثر السجود، أولئك أوليائي حقًّا حقًّا، فإذا لقيتهم فاخفض لهم جناحك، وذلل قلبك ولسانك، واعلم أنَّه من أهان لي وليًّا أو أخافه فقد بارزني بالمحاربة، وبادأني وعرض لي نفسه ودعاني إليها، وأنا أسرع شيء إلى نصرة أوليائي، أفيظن الذي يحاربني أن يقوم لي، أم يظن الذي يعاديني أن يعجزني، أم يظن الذي يبارزني أن يسبقني أو يفوتني، وكيف وأنا الثائر لهم في الدنيا والآخره لا أكل مضطرهم إلى غيري. رواه ابن أبي حاتم. ﴿قَال رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي (٢٥) وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي﴾ هذا سؤال من موسى - عليه

стр. 4239

السلام - لربه، ، أن يشرح له صدره فيما بعثه به، فإنه قد أمره بأمر عظيم، وخطب جسيم: بعثه إلى أعظم ملك على وجه الأرض إذ ذاك وأجبرهم، وأشدهم كفرًا، وأكثرهم جنودًا، وأعمرهم ملكًا، وأطغاهم وأبلغهم تمردًا، بلغ من أمره أن ادَّعى أنَّه لا يعرف الله، ولا يعلم لرعاياه إلهًا غيره. هذا وقد مكث موسى في داره مدة وليدًا عندهم، في حجر فرعون على فراشه، ثم قتل منهم نفسًا فخافهم أن يقتلوه، فهرب منهم هذه المدة بكمالها، ثم بعد هذا بعثه ربه إليهم [¬١] نذيرًا - لدعوهم إلى الله أن يعبدوه وحده لا شريك له، ولهذا قال: ﴿قَال رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي (٢٥) وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي﴾ أي: إن لم تكن أنت [عزي ونصري] [¬٢]، وعضدي وظهيري، وإلا فلا طاقة لي بذلك. ﴿وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي (٢٧) يَفْقَهُوا قَوْلِي﴾ وذلك لما كان أصابه من اللثغ، حين عرض عليه التمرة والجمرة، فأخذ الجمرة فوضعها على لسانه، كما سيأتي بيانه، وما سأل أن يزول ذلك بالكلية، بل بحيث يزول العي، ويحصل لهم فهم ما يريد منه وهو قدر الحاجة، ولو سأل الجميع لزال، ولكن الأنبياء لا يسألون إلا [¬٣] بحسب الحاجة، ولهذا بقيت بقية، قال الله تعالى إخبارًا عن فرعون أنَّه قال: ﴿أَمْ أَنَا خَيرٌ مِنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلَا يَكَادُ يُبِينُ﴾ أي: يفصح بالكلام. وقال الحسن البصري: ﴿وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي﴾ قال: حل عقدة واحدة، ولو سأل أكثر من ذلك أعطي. وقال ابن عبَّاس: شكا موسى إلى ربه ما يتخوف من آل فرعون في القتيل، وعقدة لسانه، فإنه كان في لسانه عقدة تمنعه من كثير من الكلام، وسأل ربه أن يعينه بأخيه هارون يكون له ردءًا، ويتكلم عنه بكثير مما لا يفصح [¬٤] به لسانه، فآتاه سؤله، فحل عقدة من لسانه. وقال ابن أبي حاتم: ذُكِرَ عن عمرو بن عثمان، حدَّثنا بقية، عن أرطاة بن المنذر، حدثني بعض أصحاب محمد بن كعب عنه قال: أتاه ذو قرابة له، فقال له: ما بك بأس، لولا أنك تلحن في كلامك، ولست تُعرب في قراءتك. فقال القرظي: يا بن أخي، ألست أفهمك إذا حدثتك؟ قال: نعم. قال: فإن موسى ﵇ إنما سأل ربه أن يحل [¬٥] عقدة من لسانه كي يفقه [¬٦] بنو إسرائيل كلامه، ولم يزد عليها. هذا لفظه.

стр. 4240

وقوله ﴿وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي (٢٩) هَارُونَ أَخِي﴾ وهذا أيضًا سؤال من موسى ﵇ في أمر خارجي عنه، وهو مساعدة أخيه هارون له. قال الثَّوري عن أبي سعيد عن عكرمة عن ابن عبَّاس: أنَّه قال: فنبيء هارون [ساعة إذ نبيء] [¬١] موسى، ﵇. وقال ابن أبي حاتم: ذكر عن ابن نمير، حدَّثنا أَبو أسامة، عن هشام بن عروة [¬٢]، عن أبيه، عن عائشة: أنَّها خرجت فيما كانت تعتمر، فنزلت ببعض الأعراب، فسمعت رجلًا يقول: أي أخ كان في الدنيا أنفع لأخيه؟ قالوا: ما ندري. قال: والله أنا أدري. قالت: فقلت في نفسي: في حَلِفِه لا يستثني، إنه ليعلم أي أخ في الدنيا كان أنفع لأخيه. قال: موسى حين سأل لأخيه النبوة. فقلت: صدق والله. قلت: وفي هذا قال الله تعالى في الثناء على موسى ﵇: ﴿وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا﴾. وقوله: ﴿اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي﴾ قال مجاهد: ظهري. ﴿وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي﴾ أي: في مشاورتي، ﴿كَي نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا (٣٣) وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا﴾ قال مجاهد: لا يكون العبد من الذاكرين الله كثيرًا حتَّى يذكر الله قائمًا وقاعدًا ومضطجعًا. وقوله: ﴿إِنَّكَ كُنْتَ بِنَا بَصِيرًا﴾ أي: في اصطفائك لنا، وإعطائك إيانا النبوة، وبعثتك لنا إلى عدوك فرعون، فلك الحمد في ذلك. ﴿قَال قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يَامُوسَى (٣٦) وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَيكَ مَرَّةً أُخْرَى (٣٧) إِذْ أَوْحَينَا إِلَى أُمِّكَ مَا يُوحَى (٣٨) أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِي وَعَدُوٌّ لَهُ وَأَلْقَيتُ عَلَيكَ مَحَبَّةً مِنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَينِي (٣٩) إِذْ تَمْشِي أُخْتُكَ فَتَقُولُ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى مَنْ يَكْفُلُهُ فَرَجَعْنَاكَ إِلَى أُمِّكَ كَي تَقَرَّ عَينُهَا وَلَا تَحْزَنَ وَقَتَلْتَ نَفْسًا فَنَجَّينَاكَ مِنَ الْغَمِّ وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا﴾ هذه إجابة من الله لرسوله موسى ﵇ فيما سأل من ربه وتذكير له بنعمه السالفة عليه، فيما كان ألهمَ أمه حين كانت توضعه، وتحذر عليه من فرعون وملئه أن يقتلوه؛ لأنه كان قد ولد في السنة التي يقتلون فيها الغلمان، فاتخذت له تابوتًا، فكانت توضعه ثم تضعه فيه، وتوسله في البحر -وهو النيل- وتمسكه إلى منزلها
следующие страницы →