← Тафсир

Тафсир · id 1509

تفسير ابن كثير - ط أولاد الشيخ

ابن كثير

Полный текст (6 736 стр.). Показаны 4166–4205 · переход к 4171.

стр. 4166

أهل النار شهقة لو كان أحد ميتًا من شهقة لماتوا [¬١]. فذلك قوله: ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ﴾ يقول: إذا ذبح الموت رواه ابن أَبي حاتم (١٤٧) في تفسيره، وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عبَّاس (١٤٨) في قوله: ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ﴾ من أسماء يوم القيامة، عظمه الله وحذره عباده. وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم (١٤٩) في قوله: ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ﴾ قال: يوم القيامة، وقرأ: ﴿أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَاحَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ﴾ وقوله: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيهَا وَإِلَينَا يُرْجَعُونَ﴾ يخبر تعالى أنَّه الخالق المالك المتصرف، وأن الخلق كلهم يهلكون، ويبقى هو تعالى وتقدس، ولا أحد يدعي ملكًا ولا تصرفًا، بل هو الوارث لجميع خلقه، الباقي بعدهم، الحاكم فيهم، فلا تظلم نفس شيئًا، ولا جناح بعوضة، ولا مثقال ذرة. قال ابن أبي حاتم (١٥٠): ذكر هدبة بن خالد القيسي، حدَّثنا حزم بن أبي حزم القطعي [¬٢]، قال: كتب عمر بن عبد العزيز إلى عبد الحميد بن عبد الرحمن صاحب الكوفة: أما بعد، فإن الله كتب على خلقه حين [¬٣] خلقهم الموت، فجعل مصيرهم إليه، وقال فيما أنزل من كتابه الصادق الذي حفظه بعلمه، وأشهد ملائكته على خلقه إنه يرث الأرض ومن عليها وإليه يرجعون. ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا (٤١) إِذْ قَال لِأَبِيهِ يَاأَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنْكَ شَيئًا (٤٢) يَاأَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَويًّا (٤٣) يَاأَبَتِ لَا تَعْبُدِ الشَّيطَانَ إِنَّ الشَّيطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا (٤٤)﴾ يقول تعالى لنبيه محمد ﷺ ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ﴾ واتله على

стр. 4167

قومك هؤلاء الذين يعبدون الأصنام، واذكر لهم ما كان من خبر إبراهيم خليل الرحمن - الذين هم من ذريته، ويدعون أنَّهم على ملته، وقد [¬١] كان صديقًا نبيًّا - مع أبيه، كيف نهاه عن عبادة الأصنام، فقال: ﴿يَاأَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنْكَ شَيئًا﴾ أي: لا ينفعك ولا يدفع عنك ضررًا. ﴿يَاأَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي﴾ يقول: وإن [¬٢] كنت من صلبك، وتراني [¬٣] أصغر منك؛ لأني ولدك، فاعلم أني قد اطلعت من العلم من الله على ما لم تعلمه أنت، ولا اطلعت عليه، ولا جائك بعد ﴿فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَويًّا﴾ أي: طريقًا مستقيمًا موصلًا إلى نيل المطوب، والنجاة من المرهوب. ﴿يَاأَبَتِ لَا تَعْبُدِ الشَّيطَانَ﴾ أي: لا تطعه [¬٤] في عبادتك هذه الأصنام، فإنه هو الداعي إلى ذلك، والراضي به، كما قال تعالى: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيكُمْ يَابَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾. وقال: ﴿إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إلا إِنَاثًا وَإِنْ يَدْعُونَ إلا شَيطَانًا مَرِيدًا﴾. وقوله: ﴿إِنَّ الشَّيطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا﴾ أي: مخالفًا مستكبرًا [¬٥] عن طاعة ربه، فطرده وأبعده، فلا تتبعه تَصِر مثله. ﴿يَاأَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ﴾ أي: على شركك وعصيانك لما أمرك به ﴿فَتَكُونَ لِلشَّيطَانِ وَلِيًّا﴾: يعني: فلا يكون لك مولى ولا ناصرًا ولا مغيثًا إلَّا إبليس، وليس إليه ولا إلى غيره من الأمر شيء، بل اتباعك له موجب لإِحاطة العذاب بك، كما قال تعالى: ﴿تَاللَّهِ لَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيطَانُ أَعْمَالهُمْ فَهُوَ وَلِيُّهُمُ الْيَوْمَ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾. ﴿يَاأَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ فَتَكُونَ لِلشَّيطَانِ وَلِيًّا (٤٥) قَال أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يَاإِبْرَاهِيمُ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا (٤٦) قَال سَلَامٌ عَلَيكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا (٤٧)﴾ يقول تعالى مخبرًا عن جواب أبي إبراهيم [لولده إبراهيم] [¬٦] فيما دعاه إليه أنَّه قال:

стр. 4168

﴿قَال أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يَاإِبْرَاهِيمُ﴾ يعني: [ن كنت لا] [¬١] تريد عبادتها ولا ترضاها، فانته عن سبها وشتمها وعيبها، فإنك إن لم تنته عن ذلك اقتصصت منك وشتمتك وسببتك، وهو قوله: ﴿لَأَرْجُمَنَّكَ﴾ قاله ابن عبَّاس، والسدي، وابن جريج، والضحاك (١٥١) وغيرهم وقوله: ﴿وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا﴾ (١٥٢)، وعكرمة، وسعيد بن جبير (١٥٣)، ومحمد بن إسحاق (١٥٤): يعني دهرًا [¬٢]. وقال الحسن البصري (١٥٥): زمانا طويلًا، وقال السدي (١٥٦): ﴿وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا﴾ قال: أبدًا. وقال عليّ بن أبي طلحة والعوفي، عن ابن عبَّاس (١٥٧) ﴿وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا﴾ قال: سويًّا سالمًا، قبل أن تصيبك [¬٣] مني عقوبة. وكذا قال الضحاك، وقَتَادة، وعطية الجدلي (١٥٨)، وأَبو [¬٤] مالك، وغيرهم واختاره ابن جرير. فعندها قال إبراهيم لأبيه: ﴿سَلَامٌ عَلَيكَ﴾ كما قال تعالى في صفة المؤمنين [] [¬٥]: ﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا﴾ وقال تعالى: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلَامٌ عَلَيكُمْ لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ﴾ ومعنى قول إبراهيم لأبيه: ﴿سَلَامٌ عَلَيكَ﴾ يعني: اما أنا فلا ينالك مني مكروه، ولا أذى، وذلك لحرمة الأَبوة ﴿سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي﴾، أي: ولكن سأسأل الله تعالى فيك [¬٦] أن يهديك ويغفر ذنبك ﴿إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا﴾ قال [¬٧] ابن عبَّاس (١٥٩) وغيره (١٦٠): لطفًا. أي: في أن هداني لعبادته والإِخلاص له.

стр. 4169

وقال قَتَادة ومجاهد (١٦١) وغيرهما ﴿إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا﴾ قال: عوَّده [¬١] الإجابة. وقال السدي (الحفي) الذي يهتم بأمره. وقد استغفر إبراهيم ﷺ لأبيه مدة طويلة، وبعد أن هاجر إلى الشام وبنى المسجد الحرام، وبعد أن ولد له إسماعيل وإسحاق ﵉ في قوله: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ﴾ وقد استغفر المسلمون لقراباتهم [¬٢] وأهلهم من المشركين في ابتداء الإسلام، وذلك اقتداء بإبراهيم الخليل في ذلك، حتَّى أنزل الله تعالى: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَينَنَا وَبَينَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ إلا قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَمَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيءٍ﴾ الآية. يعني: إلا في هذا القول فلا تتأسوا به، ثم بين تعالى أن إبراهيم أقلع عن ذلك ورجع عنه، فقال تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ (١١٣) وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إلا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ﴾ وقوله: ﴿وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُو رَبِّي﴾ أي: أجتنبكم وأتبرأ منكم، ومن آلهتكم التي تعبدونها [من دون الله] [¬٣] ﴿وَأَدْعُو رَبِّي﴾ أي: وأعبد ربي وحده لا شريك له ﴿عَسَى أَلَّا أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيًّا﴾ وعسى هذه موجبة لا محالة، فإنه ﵇ سيد الأنبياء بعد محمد ﷺ . ﴿وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُو رَبِّي عَسَى أَلَّا أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيًّا (٤٨) فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَكُلًّا جَعَلْنَا نَبِيًّا (٤٩)﴾ يقول تعالى: [فلما اعتزل] [¬٤] الخليل أباه وقومه في الله، أبدله الله من هو خير منهم، وَهْب له إسحاق ويعقوب، يعني ابنه وابن إسحاق، كما قال في الآية الأخرى: ﴿وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً﴾ وقال: ﴿وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ﴾ ولا [¬٥] خلاف أن إسحاق والد

стр. 4170

يعقوب، وهو نص القرآن في سورة البقرة: ﴿أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَال لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ﴾ ولهذا إنما ذكر هاهنا إسحاق ويعقوب، أي [¬١] جعلنا له نسلًا وعقبًا أنبياء، أقر الله بهم عينه في حياته، ولهذا قال: ﴿وَكُلًّا جَعَلْنَا نَبِيًّا﴾ فلو لم يكن يعقوب قد [¬٢] نبئ في حياة إبراهيم، لما اقتصر عليه، ولذكر [¬٣] ولده يوسف، فإنه نبي أيضًا، كما قال رسول الله ﷺ في الحديث المتفق على صحته (١٦٢)، حين سئل عن خير الناس، فقال: "يوسف نبي الله، ابن يعقوب نبي الله، ابن إسحاق نبي الله، ابن إبراهيم خليل الله" وفي [¬٤] اللفظ الآخر: "إن الكريم ابنَ الكريم ابنِ الكريم ابنِ الكريم: يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم" (١٦٣) وقوله: (﴿وَوَهَبْنَا لَهُمْ مِنْ رَحْمَتِنَا وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيًّا﴾ قال عليّ بن أبي طلحة عن ابن عبَّاس (١٦٤): يعني الثناء الحسن. وكذا قال السدي ومالك بن أَنس. وقال ابن جرير (١٦٥): إنما قال: ﴿عَلِيًّا﴾ لأن جميع الملل والأديان يثنون عليهم ويمدحونهم صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين. ﴿وَوَهَبْنَا لَهُمْ مِنْ رَحْمَتِنَا وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيًّا (٥٠) وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مُوسَى إِنَّهُ كَانَ مُخْلَصًا وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا (٥١) وَنَادَينَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الْأَيمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا (٥٢) وَوَهَبْنَا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنَا أَخَاهُ هَارُونَ نَبِيًّا (٥٣)﴾

стр. 4171

لما ذكر تعالى إبراهيم الخليل وأثنى عليه، عطف بذكر الكليم، فقال: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مُوسَى إِنَّهُ كَانَ مُخْلَصًا﴾ قرأ بعضهم (*): بكسر اللام من الإِخلاص في العبادة. قال الثَّوري عن عبد العزيز بن رفيع، عن أبي لبابة [¬١] قال: قال الحواريون: يا روح الله، أخبرنا عن المخلص لله. قال: الذي يعمل لله، لا، يحب أن يحمده الناس. وقرأ الآخرون بفتحها بمعنى أنَّه كان مصطفى، كما قال تعالى: ﴿إِنِّي اصْطَفَيتُكَ عَلَى النَّاسِ﴾. ﴿وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا﴾ جمع الله [¬٢] له بين الوصفين، فإنه كان من المرسلين الكبار أولي العزم الخمسة، وهم: نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد صلوات الله وسلامه عليهم وعلى سائر الأنبياء [¬٣] أجمعين. وقوله: ﴿وَنَادَينَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ﴾ أي: الجبل ﴿الْأَيمَنِ﴾ أي: من جانبه الأيمن من موسى، حين ذهب [¬٤] يبتغي من تلك [¬٥] النار جذوة، رآها تلوح فقصدها، فوجدها في جانب الطور الأيمن منه، عند شاطئ الوادي، فكلمه الله تعالى، ناداه وقربه وناجاه. قال ابن جرير (١٦٦): حدَّثنا ابن بشار [¬٦]، حدَّثنا يحيى -هو القطان-، حدَّثنا سفيان، عن عطاء بن السائب [¬٧] عن سعيد بن جبير عن ابن عبَّاس: ﴿وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا﴾، قال [¬٨] أدنى حتَّى سمع صرف القلم. وهكذا قال مجاهد (١٦٧) وأَبو العالية (١٦٨).

стр. 4172

وغيرهم (١٦٩). يعنون صريف القلم بكتابة التوراة. وقال السدي (١٧٠): ﴿وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا﴾ قال: أدخل في السماء فكلم. وعن مجاهد (١٧١) نحوه. و [¬١] قال عبد الرزاق عن معمر عن قَتَادة (١٧٢): ﴿وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا﴾ [¬٢]: نجا بصدقه. وقال ابن أبي حاتم (١٧٣): حدَّثنا عبد الجبار بن عاصم، حدَّثنا محمد بن سلمة الحراني، عن أبي الواصل، عن شهر بن حوشب، عن عمرو بن [معد يكرب] [¬٣] قال: لما قرَّب الله موسى نجيًّا بطور سيناء، قال: يا موسى، إذا خلقت لك قلبًا شاكرًا، ولسانا ذاكرًا، وزوجة تعين على الخير، فلم أخزن [¬٤] عنك من الخير شيئًا، ومن أخزن [¬٥] عنه هذا فلم أفتح له من الخير شيئًا. وقوله: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنَا أَخَاهُ هَارُونَ نَبِيًّا﴾ أي: وأجبنا سؤاله وشفاعته في [¬٦] أخيه، فجعلناه نبيًّا، كما قال في الآية الأخرى: ﴿وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا يُصَدِّقُنِي إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ﴾ [] [¬٧]، وقال [¬٨]: ﴿قَال قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يَامُوسَى﴾ وقال: ﴿فَأَرْسِلْ إِلَى هَارُونَ (١٣) وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ﴾؛ ولهذا قال بعض السلف: ما شفع أحد في أحد شفاعة في الدنيا، أعظم من شفاعة موسى في

стр. 4173

هارون أن يكون نبيًّا، قال الله تعالى: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنَا أَخَاهُ هَارُونَ نَبِيًّا﴾. قال ابن جرير (١٧٤): حدثنا يعقوب، حدثنا ابن علية، عن داود،. عن عكرمة قال: قال ابن عباس قوله: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنَا أَخَاهُ هَارُونَ نَبِيًّا﴾ قال: كان هارون أكبرَ من موسى ولكن أراد وهب له نبوته. وقد ذكره ابن أبي حاتم (١٧٥) معلقًا عن يعقوب، وهو ابن إبراهيم الدورقي به. ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا (٥٤) وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَكَانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا (٥٥)﴾ هذا ثناء من الله تعالى على إسماعيل بن إبراهيم الخليل ﵉ وهو والد عرب الحجاز كلهم، بأنه ﴿كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ﴾. قال ابن جريج (١٧٦): لم يعد ربه عدة إلا أنجزها. يعني: ما التزم عبادة قط بنذر إلا قام بها ووفاها حقها. وقال ابن جرير (١٧٧): حدثني يونس، أنبأنا ابن وهب، أخبرني عمرو بن الحارث، أن سهل بن عقيل حدثه أن إسماعيل النبي ﵇ وعد رجلا مكانًا أن يأتيه، فجاء ونسي الرجل، فظل به إسماعيل، وبات حتى جاء الرجل من الغد، فقال: ما برحت من هاهنا؟ قال: لا. قال: إني نسيت. قال: لم أكن لأبرح حتى تأتيني. فلذلك: ﴿كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ﴾. وقال سفيان الثوري: بلغني أنه أقام في ذلك المكان ينتظره حولًا حتى جاءه. وقال [ابن شوذب]: بلغني أنه اتخذ ذلك الموضع سكنًا. وقد روى أبو داود (١٧٨) في سننه، وأبو بكر محمد بن جعفر الخرائطي في كتابه "مكارم

стр. 4174

الأخلاق" من طريق إبراهيم بن طهمان عن [بديل بن ميسرة] [¬١]، [] [¬٢] عن عبد الكريم -يعني: ابن عبد الله بن شقيق- عن أبيه، عن عبد الله بن أبي الحمساء قال: "بايعت رسول الله، ﷺ ، قبل أن يبعث، فبقيت له عليَّ بقية، فوعدته [¬٣] أن آتيه بها في مكانه ذلك، قال: فنسيت [¬٤] يومي والغد، فأتيته في اليوم الثالث وهو في مكانه ذلك، فقال لي: "يا فتى، لقد شققت عليَّ، أنا هاهنا منذ ثلاث أنتظرك". لفظ الخرائطي، وساق آثارًا [¬٥] حسنة في ذلك. ورواه ابن منده أبو عبد الله في كتاب "معرفة الصحابة" بإسناده: عن إبراهيم بن طهمان، عن بديل بن ميسرة، عن عبد الكريم به [¬٦]. وقال بعضهم: إنما قيل له: ﴿صَادِقَ الْوَعْدِ﴾ لأنه قال لأبيه: ﴿سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ﴾ فصدق في ذلك. فصدقُ الوعدِ من الصفات الحميدة [¬٧]، كما أن خُلْفَه من الصفات الذميمة، قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ (٢) كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ وقال رسول الله ﷺ : "آية المنافق ثلاث، إذا حدّث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان" (١٧٩). ولما كانت هذه صفات المنافقين، كان التلبس بضدها من صفات المؤمنين، ولهذا أثنى الله على عبده ورسوله إسماعيل بصدق الوعد، وكذلك كان رسول الله، ﷺ ، صادق الوعد أيضًا، لا يعد أحدًا شيئًا إلا وفَّى له به، وقد أثنى على أبي [¬٨] العاص بن الربيع زوج ابنته زينب [¬٩] فقال: "حدثني فصدقني، ووعدني فوفى لي (١٨٠) " ولما

стр. 4175

توفي النبي، ﷺ ، قال الخليفة أبو بكر الصديق: من كان له عند رسول الله ﷺ عِدَة أو دَيْن فليأتني أنجز له. فجاءه جابر بن عبد الله فقال: إن رسول الله ﷺ كان قال: "لو جاء مال البحرين أعطيتك هكذا وهكذا وهكذا". يعني [¬١]: ملء كفيه، فلما جاء مال البحرين أمر الصديق جابرًا، فغرف بيديه من المال، ثم أمره بِعَدِّهِ، فإذا هو خمسمائة درهم، فأعطاه مثليها معها (١٨١). وقوله: ﴿وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا﴾ في هذا دلالة على شرف إسماعيل على أخيه إسحاق؛ لأنه إنما وصف بالنبوّة فقط، وإسماعيل وصف بالنبوّة والرسالة، وقد ثبت في صحيح مسلم (١٨٢) أن رسول الله ﷺ قال: "إن الله اصطفى من ولد إبراهيم إسماعيل … " وذكر تمام الحديث فدل على صحة ما قلناه. وقوله: ﴿وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَكَانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا﴾ هذا أيضًا من الثناء الجميل، والصفة الحميدة، والخلة السديدة، حيث كان مثابرًا على طاعة ربه آمرًا بها لأهله، كما قال تعالى لرسوله: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى﴾، وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ أي: مروهم بالمعروف، وانهوهم عن المنكر، ولا تدعوهم هملًا؛ فتأكلهم النار يوم القيامة. وقد جاء في الحديث عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "رحم الله رجلًا قام من الليل فصلّى، وأيقظ امرأته، فإن أبت نضح في وجهها الماء. رحم الله

стр. 4176

امرأة قامت من الليل فصلت، وأيقظت زوجها، فإن أبى [نضحت في وجهه الماء] [¬١] ". أخرجه أبو داود (١٨٣) وابن ماجة. وعن أبي سعيد وأبي هريرة ﵄ عن النبي ﷺ قال: "إذا استيقظ الرجل من الليل وأيقظ امرأته، فصليا ركعتين، كتبا من الذاكرين الله كثيرًا والذاكرات". رواه أبو داود (١٨٤)، والنسائي (١٨٥)، وابن ماجة (١٨٦) واللفظ له. ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِدْرِيسَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا (٥٦) وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا (٥٧)﴾. وهذا ذكر إدريس ﵇ بالثناء عليه، بأنه كان صديقًا نبيًّا، وأن الله رفعه مكانًا علما، وقد تقدم في الصحيح (١٨٧): أن رسول الله ﷺ مر به في ليلة الإسراء، وهو في السماء الرابعة. وقد روى ابن جرير (١٨٨) هاهنا أثرًا غربيًا عجيبًا، فقال [¬٢]: حدثني يونس بن عبد الأعلى، أنبأنا ابن وهب، أخبرني جرير بن حازم، عن سليمان الأعمش، عن شمر بن عطية، عن هلال بن يَسَاف، قال: سأل ابن عباس كعبًا -وأنا حاضر- فقال له: ما

стр. 4177

قول الله لإدريس: ﴿وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا﴾ فقال كعب: أما إدريس فإن الله أوحى إليه: إني أرفع لك كل يوم مثل عمل جميع بني آدم، فأحب أن يزداد عملًا، فأتاه خليل له من الملائكة فقال: إن الله أوحى إليَّ [¬١] كذا وكذا، فكلم لي ملك الموت [فليؤخرني حتى أزداد عملًا] [¬٢] فحمله بين جناحيه، ثم صعد به إلى السماء، فلما كان في السماء الرابعة، تلقاهم ملك الموت منحدرًا، فكلم ملك الموت في الذي كلمه فيه إدريس، فقال: وأين إدريس؟ فقال: هو ذا على ظهري. قال ملك الموت: فالعجب! بعثت وقيل لي: اقبض روح إدريس في السماء الرابعة، فجعلت أقول: كيف أقبض روحه في السماء الرابعة وهو في الأرض؟ فقبض روحه هناك. فذلك [قول الله] [¬٣] ": ﴿وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا﴾. و [¬٤] هذا من أخبار كعب الأحبار الإسرائيليات، وفي بعضه نكارة، والله أعلم. وقد رواه ابن أبي حاتم من وجه آخر، عن ابن عباس: أنه سأل كعبًا، فذكر نحو ما تقدم، غير أنه قال لذلك [¬٥] الملك: هل لك أن تسأله -يعني: ملك الموت- كم بقي من أجلي لكي أزداد من العمل -وذكر باقيه [¬٦]- وفيه: أنه لما سأله عما بقي من أجله، قال: لا أدري حتى أنظر. ثم نظر، ثم [¬٧] قال: إنك تسألني عن رجل ما بقي من عمره إلا طرفة عين. فنظر الملك [] [¬٨] تحت جناحه إلى إدريس، فإذا هو قد قبض ﵇ وهو لا يشعر به. ثم رواه من وجه آخر عن ابن عباس أن إدريس كان خياطًا، فكان لا يغرز إبرة إلا قال: سبحان الله، فكان يمسي حين يمسي، وليس في الأرض أحد أفضل عملًا منه. وذكر بقيته كالذي قبله، أو نحوه. وقال ابن أبي نجيح: عن مجاهد (١٨٩) في قوله: ﴿وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا﴾ قال: إدريس رفع ولم يمت كما رفع عيسى] [¬٩]. [وقال سفيان عن منصور، عن مجاهد (١٩٠)] [¬١٠] في قوله] [¬١١]: ﴿وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا

стр. 4178

عَلِيًّا﴾ قال: السماء الرابعة. وقال العوفي عن ابن عباس (١٩١): ﴿وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا﴾ قال: رفع إلى السماء السادسة فمات بها. وهكذا قال الضحاك بن مزاحم. قال [¬١] الحسن (١٩٢) وغيره في قوله: ﴿وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا﴾ قال: الجنَّة. ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْرَائِيلَ وَمِمَّنْ هَدَينَا وَاجْتَبَينَا إِذَا تُتْلَى عَلَيهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا (٥٨)﴾ يقول تعالى: هؤلاء النبيون -وليس المراد المذكورين في هذه السورة فقط، بل جنس الأنبياء ﵈، استطرد من ذكر الأشخاص إلى الجنس- ﴿الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ﴾ الآية. قال السدي (١٩٣) وابن جرير (١٩٤) ﵀: [فالذي [¬٢] عنى به من ذرية [آدم: إدريس، والذي عنى به من ذرية من حملنا مع نوح: إبراهيم] [¬٣] والذي عنى به من ذرية] [¬٤] إبراهيم: إسحاق ويعقوب وإسماعيل، والذي عنى به من ذرية إسرائيل: موسى وهارون وزكريا ويحيى وعيسى ابن مريم. قال ابن جرير (١٩٥): ولذلك [¬٥] فرّق أنسابهم، وإن كان يجمع جميعهم آدم؛ لأن فيهم مَن ليس منْ ولد من كان مع نوح في السفينة، وهو إدريس، فإنه جد نوح. قلت: هذا هو الأظهر: أن إدريس في عمود نسب نوح ﵉، وقد قيل: إنه

стр. 4179

من أنبياء بني إسرائيل، أخذًا من حديث الإسراء، حيث قال في سلامه على النبي ﷺ : مرحبًا بالنبي الصالح، والأخ الصالح. ولم يقل: والولد الصالح، كما قال آدم وإبراهيم ﵉. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا يونس، أنبأنا ابن وهب، أخبرنا [¬١] ابن لهيعة، عن يزيد بن أبي [¬٢] حبيب، عن عبد الله بن محمد: أن إدريس أقدم من نوح، بعثه الله إلى قومه، فأمرهم أن يقولوا: لا إله إلا الله، ويعملوا ما شاءوا، فأبوا، فأهلكهم الله . [ومما يؤيد أن المراد بهذه الآية جنس الأنبياء، أنها كقوله تعالى في سورة الأنعام: ﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَينَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ] [¬٣] إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (٨٣) وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ كُلًّا هَدَينَا وَنُوحًا هَدَينَا مِنْ قَبْلُ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (٨٤) وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى [¬٤] وَعِيسَى وَإِلْيَاسَ كُلٌّ مِنَ الصَّالِحِينَ (٨٥) وَإِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطًا وَكُلًّا فَضَّلْنَا عَلَى الْعَالمِينَ (٨٦) وَمِنْ آبَائِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَإِخْوَانِهِمْ وَاجْتَبَينَاهُمْ وَهَدَينَاهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ إلى قوله [¬٥]: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيهِ أَجْرًا إِنْ هُوَ إلا ذِكْرَى لِلْعَالمِينَ﴾ وقال تعالى: ﴿وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيكَ وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ وفي صحيح البخاري (١٩٦)، عن مجاهد: أنه سأل ابن عباس في "ص" سجدة؟ قال: نعم، ثم تلا هذه الآية: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ فنبيكم ممن أمر أن يقتدي بهم، قال: وهو منهم. يعني: داود. وقال الله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿إِذَا تُتْلَى عَلَيهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا﴾ أي: إذا سمعوا كلام الله المتضمن حججه ودلائله وبراهينه، سجدوا لربهم خضوعًا واستكانة، وحمدًا وشكرًا على ما هم فيه من النعم العظيمة. و "البُكي": جمع باك فلهذا أجمع العلماء على شرعية [¬٦] السجود هاهنا اقتداءً بهم واتباعًا لمنوالهم.

стр. 4180

قال سفيان الثوري (١٩٧): عن الأعمش، عن إبراهيم، عن أبي معمر قال: قرأ عمر بن الخطاب ﵁[] [¬١] سورة مريم فسجد، وقال: هذا السجود، فأين البُكِيّ؟ يريد: البكاء. رواه ابن أبي حاتم وابن جرير (١٩٨)، وسقط من روايته ذكر [¬٢] "أبي معمر" فيما رأيت، فالله [¬٣] أعلم. ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا (٥٩) إلا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ شَيئًا (٦٠)﴾ ولما ذكر تعالى حزب السعداء، وهم الأنبياء ﵈، ومن اتبعهم من القائمين بحدود الله وأوامره، المؤدين فرائض الله، التاركين لزواجره ذكر أنه ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ﴾ أي: قرون أخر ﴿أَضَاعُوا الصَّلَاةَ﴾ -وإذا أضاعوها فهم لما سواها من الواجبات أضيع؛ لأنها عماد الدين وقوامه، وخير أعمال العباد- وأقبلوا على شهوات الدنيا وملاذها [¬٤]، ورضوا بالحياة الدنيا واطمأنوا بها، فهؤلاء سيلقون غيًّا، أي: خسارًا يوم القيامة. وقد اختلفوا في المراد بإضاعة الصلاة هاهنا؛ فقال قائلون: المراد بإضاعتها تركها بالكلية. قاله محمد بن كعب القرظي، وابن زيد بن أسلم، والسدي، واختاره ابن جرير، ولهذا ذهب من ذهب من السلف والخلف والأئمة، كما هو المشهور عن الإِمام أحمد، وقول عن الشافعي: إلى تكفير تارك الصلاة؛ للحديث: "بين العبد وبين الشرك ترك الصلاة" (١٩٩) والحديث الآخر: "العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر" (٢٠٠). وليس هذا محل بسط هذه المسألة.

стр. 4181

وقال [¬١] الأوزاعي: عن موسى بن سليمان، عن القاسم بن مخيمرة (٢٠١) في قوله: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ﴾ قال: إنما أضاعوا المواقيت، ولو كان تركًا كان كفرًا. وقال وكيع: عن المسعودي [¬٢]، عن القاسم بن عبد الرحمن والحسن بن سعد، عن ابن مسعود (٢٠٢): أنه قيل له: إن الله يكثر ذكر الصلاة في القرآن ﴿الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ﴾ و ﴿عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ﴾ و ﴿عَلَى صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾ قال ابن مسعود: على [¬٣] مواقيتها. قالوا [¬٤]،: ما كنا نرى ذاك إلا على الترك؟ قال: ذلك الكفر. وقال مسروق [¬٥] (٢٠٣): لا يحافظ أحد على الصلوات الخمس فيكتب من الغافلين، وفي إفراطهن الهلكة، وإفراطهن إضاعتهن عن وقتهن. وقال الأوزاعي: عن إبراهيم بن يزيد: أن عمر بن عبد العزيز (٢٠٤) قرأ: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾ ثم قال: لم تكن إضاعتهم تركها، ولكن أضاعوا الوقت. وقال ابن أبي نجيح: عن مجاهد (٢٠٥): ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ﴾ قال: عند قيام الساعة، وذهاب صالحي أمة محمد ﷺ ينزو بعضهم على بعض في الأزقة [¬٦]. وكذا روى ابن جريج [¬٧] عن مجاهد (٢٠٦) مثله [¬٨].

стр. 4182

وروى جابر الجعفي (٢٠٧) عن مجاهد، وعكرمة، وعطاء بن أبي رباح: أنهم من هذه الأمة يعنون في آخر الزمان. وقال ابن جرير (٢٠٨): حدثني الحارث، حدثنا الحسن الأشيب، حدثنا شريك، عن إبراهيم بن مهاجر، عن مجاهد: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ﴾ قال: هم في هذه الأمة، يتراكبون تراكب الأنعام والحمر في الطرق، لا يخافون الله في السماء، ولا يستحيون الناس في الأرض. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن سنان الوسطى حدثنا أبو [¬١] عبد الرحمن المقرئ [¬٢] حدثنا حيوة [¬٣]، حدثنا بشير بن أبي عمرو الخولاني، أن الوليد بن قيس حدثه، أنه سمع أبا سعيد الخدري يقول: سمعت رسول الله ﷺ [¬٤]: "يكون خلف بعد ستين سنة، أضاعوا الصلاة، واتبعوا الشهوات، فسوف يلقون غيًّا، ثم يكون خلف يقرءون القرآن لا يعدو تراقيهم، ويقرأ القرآن ثلاثة: مؤمن، ومنافق، وفاجر". قال بشير: قلت للوليد: ما هؤلاء الثلاثة؟ قال: المؤمن مؤمن به، والمنافق كافر به، والفاجر يأكل [¬٥] به. وهكذا رواه أحمد عن أبي عبد الرحمن المقرئ به (٢٠٩). وقال ابن أبي حاتم أيضًا: حدثني أبي، حدثنا إبراهيم بن موسى، أنبأنا عيسى بن يونس، حدثنا عبيد الله بن عبد الرحمن بن موهب، عن مالك، عن [¬٦] أبي الرجال: أن عائشة كانت ترسل بالشيء صدقة لأهل الصفة، وتقول: لا تعطوا منه بربريًّا ولا بربرية، فإني سمعت رسول الله ﷺ قول: "هم الخلف الذين قال الله تعالى

стр. 4183

[فيهم] [¬١]: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ﴾ " (٢١٠). هذا حديث غريب. وقال أيضًا: حدثني أبي، حدثنا عبد الرحمن بن [¬٢] الضحاك، حدثنا الوليد، حدثنا حَريز [¬٣]، عن شيخ من أهل المدينة: أنه سمع محمد بن كعب القرطبي يقول في قوله: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ﴾ الآية، قال: هم أهل الغرب [¬٤]، يملكون وهم شر من ملك. وقال كعب الأحبار: والله إني لأجد صفة المنافقين في كتاب الله شرابين للقهوات تراكين للصلوات، لعابين بالكعبات، رقادين عن العتمات، مفرطين في الغدوات، تراكين [¬٥] للجمعات [¬٦]، قال: ثم تلا هذه الآية ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾. وقال الحسن البصري: عطلوا المساجد ولزموا الضيعات [¬٧]. وقال أبو الأشهب العطاردي: أوحى الله تعالى إلى داود [﵇] [¬٨] يا داود؛ حذر وأنذر أصحابك أكل الشهوات، فإن القلوب المعلقة بشهوات الدنيا عقولها عني محجوبة، وإن أهون ما أصنع بالعبد من عبيدي إذا آثر شهوة من شهواته علي أن أحرمه طاعتي. وقال الإمام أحمد (٢١١): حدثنا زيد بن الحباب، حدثني [¬٩] أبو السمح [¬١٠] التميمي، عن أبي قبيل، أنه سمع عقبة [¬١١] بن عامر قال: قال رسول الله ﷺ : "إني

стр. 4184

أخاف على أمتي اثنتين: القرآن واللبن [¬١]،، أما اللبن [¬٢] فيتبعون الريف، ويتبعون الشهوات، ويتركون الصلوات، وأما القرآن فيتعلمه المنافقون، فيجادلون به المؤمنين". ورواه عن حسن بن مرسى (٢١٢)، عن ابن لهيعة، حدثنا أبو قبيل، عن عقبة، به مرفوعًا بنحوه تفرد به. وقوله: ﴿فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾ قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس (٢١٣): ﴿فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾ أي: خسرانًا. وقال قتادة (٢١٤): شرًّا. وقال سفيان الثوري وشعبة ومحمد بن إسحاق عن أبي إسحاق، السبيعي، عن أبي عبيدة، عن عبد الله بن مسعود (٢١٥): ﴿فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾ قال: واد في جهنم، بعيد القعر، خبيث الطعم. وقال الأعمش: عن زياد، عن أبي عياض (٢١٦) في قوله: ﴿فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾ قال: واد في جهنم من قيح ودم. وقال الإمام أبو جعفر بن جرير (٢١٧): حدثني عباس بن أبي طالب، حدثنا محمد بن زياد بن زيار [¬٣]، حدثنا شرقي بن قُطَامِي [¬٤]، عن لقمان بن عامر الخزاعي قال: جئت أبا أمامة صُدَيّ [¬٥] بن عجلان الباهلي فقلت: حدثنا حديثًا سمعته [¬٦] من رسول الله صلي الله عليه

стр. 4185

وسلم. قال: فدعا بطعام، ثم قال: قال رسول الله ﷺ : "لو أن صخرة زنة عشر أواق قذف [¬١] بها من شفير جهنم، ما بلغت قعرها خمسين خويفًا، ثم تنتهي [¬٢] إلي غي وأثام". قال: قلت: وما غي وأثام؟ قال [¬٣]: بئران [¬٤] في أسفل جهنم، يسيل فيهما صديد أهل النار، وهما اللتان [¬٥] ذكر الله في كتابه: ﴿أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾ وقوله في الفرقان: ﴿وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا﴾. هذا حديث غريب ورفعه منكر. وقوله: ﴿إلا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا﴾ أي: إلا من رجع عن ترك الصلوات [¬٦]، واتباع الشهوات، فإن الله يقبل [¬٧] توبته، ويحسن عاقبته، ويجعله من ورثة جنة النعيم، ولهذا قال: ﴿فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ شَيئًا﴾ وذلك لأن التوبة تَجُبُّ ما قبلها، وفي الحديث الآخر: "التائب من الذنب كمن لا ذنب له" (٢١٨)؛ ولهذا لا ينقص هؤلاء التائبون من أعمالهم التي عملوها شيئًا، ولا قوبلوا بما عملوه قبلها فينقص [¬٨] لهم مما عملوه بعدها [¬٩]؛ لأن ذلك [¬١٠] ذهب هدرًا، وترك نسيًا، وذهب مجانًا، من كرم الكريم، وحلم الحليم. وهذا الاستثناء هاهنا: كقوله في سورة الفرقان: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إلا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا (٦٨) يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا (٦٩) إلا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا إلا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾. ﴿جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدَ الرَّحْمَنُ عِبَادَهُ بِالْغَيبِ إِنَّهُ كَانَ وَعْدُهُ مَأْتِيًّا (٦١) لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا إلا سَلَامًا وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا (٦٢) تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَنْ كَانَ تَقِيًّا (٦٣)﴾

стр. 4186

يقول تعالى: الجنات التي يدخلها [¬١] التائبون من ذنوبهم هي: ﴿جَنَّاتِ عَدْنٍ﴾ أي: إقامة، ﴿الَّتِي وَعَدَ الرَّحْمَنُ عِبَادَهُ﴾ بظهر الغيب، أي: هي من الغيب الذي يؤمنون به وما رأوه، وذلك لشدة إيقانهم وقوة إيمانهم. وقوله: ﴿إِنَّهُ كَانَ وَعْدُهُ مَأْتِيًّا﴾ تأكيد لحصول ذلك وثبوته واستقراره، فإن الله لا يخلف الميعاد ولا يبدله، كقوله: ﴿و [¬٢] كَانَ وَعْدُهُ مَفْعُولًا﴾ أي: كائنًا [¬٣] لا محالة. وقوله هاهنا: ﴿مَأْتِيًّا﴾ أي: العباد صائرون إليه وسيأتونه. ومنهم من قال: ﴿مَأْتِيًّا﴾ بمعنى آتيًا؛ لأن كل ما أتاك فقد أتيته، كما تقول [¬٤] العرب: أتت علي خمسون سنة، وأتيت علي خمسين سنة [¬٥]، كلاهما بمعنى وقوله: ﴿لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا﴾ أي: [] [¬٦] هذه [الجنات ليس] [¬٧] فيها كلام ساقط تافه لا معنى له، كما قد يوجد في الدنيا. وقوله: ﴿إلا سَلَامًا﴾ استثناء منقطع، كقوله: ﴿لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا تَأْثِيمًا (٢٥) إلا قِيلًا سَلَامًا سَلَامًا﴾ وقوله: ﴿وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾ أي: في مثل وقت البكرات ووقت العشيّات لا أن هناك [ليلا أو نهارًا] [¬٨]، ولكنهم في أوقات تتعاقب، يعرفون مضيها بأضواء وأنوار، كما قال الإمام أحمد (٢١٩): حدثنا عبد الرزاق، حدثنا معمر، عن همام، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "أول زمرة [¬٩] تلج الجنة صورهم [علي صورة] [¬١٠] القمر ليلة البدر، لا

стр. 4187

يبصقون فيها ولا يتمخطون فيها، ولا يتغوطون، آنيتهم وأمشاطهم الذهب والفضة، ومجامرهم [¬١] [¬٢] الأُلوَّة، ورشحهم المسك، ولكل [واحد منهم] [¬٣] زوجتان، يرى مخ ساقيهما من وراء اللحم؛ من الحسن، لا اختلاف بينهم، ولا تباغض، قلوبهم علي قلب واحد، يسبحون الله بكرة وعشيًّا [¬٤] ". أخرجاه في الصحيحين (٢٢٠)، من حديث معمر به. وقال الإمام أحمد (٢٢١): حدثنا يعقوب، حدثنا أبي، عن [] [¬٥] ابن إسحاق، حدثني الحارث بن فضيل الأنصاري، عن محمود بن لبيد الأنصاري، عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : "الشهداء على بارق نهر [¬٦] بباب الجنة، في قبة خضراء، يخرج عليهم رزقهم من الجنة بكرة وعشيًّا". تفرد به أحمد من هذا الوجه. وقال الضحاك عن ابن عباس: ﴿وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾ قال: مقادير الليل والنهار. وقال ابن جرير (٢٢٢): حدثنا علي بن سهل، حدثنا الوليد بن مسلم قال: سألت زهير [¬٧] ابن محمد عن قول الله تعالى: ﴿وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾ قال: ليس في الجنة ليل، هم في نور أبدًا، ولهم مقدار الليل والنهار، يعرفون مقدار الليل بإرخاء الحجب وإغلاق الأبواب، ويعرفون مقدار النهار برفع الحجب وبفتح الأبواب. وبهذا الإسناد (٢٢٣) عن الوليد بن مسلم، عن خليد [¬٨]، عن الحسن البصري، وذكر أبواب الجنة فقال: أبواب يرى ظاهرها من باطنها، فتكلم وتكلم، فَتُهَمهِم [¬٩]: انفتحي … انغلقي … ، فتفعل.

стр. 4188

وقال قتادة (٢٢٤) في قوله: ﴿وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾ فيها ساعتان، بكرة وعشي، ليس ثَمّ [¬١] ليل ولا نهار، وإنما هو ضوء ونور. وقال مجاهد (٢٢٥): ليس بكرة ولا عشيًّا، ولكن [¬٢] يؤتون به على ما كانوا يشتهون في الدنيا. وقال الحسن (٢٢٦) وقتادة (٢٢٧) وغيرهما (٢٢٨): كانت العرب، الأنْعَم فيهم من يتغدى ويتعشى، ونزل القرآن على ما في أنفسهم من النعيم [¬٣]، فقال تعالى: ﴿وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾. وقال ابن مهدي عن حماد بن زيد، عن هشام، عن الحسن: ﴿وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾ قال: البكور يرد على العشي، والعشي يرد على البكور، ليس فيها ليل. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسين، حدثنا سليم [¬٤] بن منصور بن عمار، حدثني أبي، حدثنا محمد بن زياد قاضي أهل شمشاط [¬٥] عن عبد الله بن حُدير [¬٦] عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: "ما من غداة من غدوات الجنة -وكل الجنة غدوات- إلا أنه يزف إلى ولي الله فيها زوجة من الحور العين، أدناهن التي خلقت من الزعفران" (٢٢٩). قال أبو محمد: هذا حديث منكر. وقوله [¬٧]: ﴿تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَنْ كَانَ تَقِيًّ﴾ أي: هذه الجنة التي وصفنا بهذه الصفات العظيمة، هي التي [¬٨] نورثها عبادنا المتقين، وهم المطيعون لله -عز

стр. 4189

وجل- في السراء والضراء، والكاظمون [¬١] الغيظ، والعافون [¬٢] عن الناس، وكما [¬٣] قال [¬٤] تعالى في أول سورة المؤمنين: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ (١٠) الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾. ﴿وَمَا نَتَنَزَّلُ إلا بِأَمْرِ رَبِّكَ لَهُ مَا بَينَ أَيدِينَا وَمَا خَلْفَنَا وَمَا بَينَ ذَلِكَ وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا (٦٤) رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَينَهُمَا فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ قال الإمام أحمد (٢٣٠): حدثنا يعلى ووكيع قالا: حدثنا عمر بن ذر، عن أبيه، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: قال رسول الله- صلي الذ عليه وسلم - لجبريل [¬٥]: "ما يمنعك أن تزورنا [¬٦] أكثر مما تزورنا؟ " قال: فنزلت: ﴿وَمَا نَتَنَزَّلُ إلا بِأَمْرِ رَبِّكَ﴾ إلي آخر الآية. انفرد بإخراجه البخاري (٢٣١)، فرواه عند تفسير هذه الآية: عن أبي نعيم، عن عمر بن ذر، به. ورواه ابن أبي حاتم وابن جرير: من [¬٧] حديث عمر بن ذر، به. وعندهما زيادة في آخر الحديث. فكان ذلك الجواب لمحمد، ﷺ (٢٣٢). وقال العوفي عن ابن عباس (٢٣٣): احتبس جبريل عن رسول الله ﷺ ، فوجد رسول الله ﷺ من ذلك وحزن، فأتاه جبريل فقال [¬٨]: يا محمد ﴿وَمَا نَتَنَزَّلُ إلا بِأَمْرِ رَبِّكَ لَهُ مَا بَينَ أَيدِينَا وَمَا خَلْفَنَا وَمَا بَينَ ذَلِكَ وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾.

стр. 4190

وقال مجاهد (٢٣٤): لبث جبريل عن محمد ﷺ اثنتي [¬١] عشرة ليلة، ويقولون: قُلِيَ [¬٢]، فلما جاءه، قال: "يا جبريل، لقد رثت [¬٣] عليَّ، حتى ظن المشركون كل ظن". فنزلت: ﴿وَمَا نَتَنَزَّلُ إلا بِأَمْرِ رَبِّكَ [لَهُ مَا بَينَ أَيدِينَا وَمَا خَلْفَنَا وَمَا بَينَ ذَلِكَ] [¬٤] وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾، قال: وهذه الآية كالتي في الضحي. وكذلك قال الضحاك (٢٣٥) بن مزاحم، وقتادة (٢٣٦)، والسدي، وغير واحد: إنها نزلت في احتباس جبريل. وقال الحكم بن أبان عن عكرمة قال: أبطأ جبريل النزول علي رسول الله، ﷺ أربعين يومًا، ثم نزل، فقال له النبي ﷺ : "ما نزلت حتى اشتقت إليك". فقال له جبريل: بل أنا كنت إليك أشوق، ولكني مأمور. فأوحي إلى جبريل أن قل له: ﴿وَمَا نَتَنَزَّلُ إلا بِأَمْرِ رَبِّكَ﴾ الآية. رواه ابن أبي حاتم ﵀ وهو غريب. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن سنان، حدثنا أبو معاوية، حدثنا الأعمش، عن مجاهد قال: أبطأت [¬٥] الرسل على النبي ﷺ ، ثم أتاه جبريل فقال له: "ما حبسك يا جبربل؟ " فقال له [¬٦] جبريل: وكيف نأتيكم وأنتم لا تقصون أظفاركم، ولا تُنْقُون براجمكم، ولا تأخذون شواربكم، ولا تستاكون؟ ثم قرأ: ﴿وَمَا نَتَنَزَّلُ إلا بِأَمْرِ رَبِّكَ﴾ إلى آخر الآية. وقد قال الطبراني (٢٣٧): حدثنا أبو عامر النحوي، حدثنا محمد بن إبراهيم الصوري، حدثنا سليمان بن عبد الرحمن [الدمشقي]، حدثنا إسماعيل بن عياش، أخبرني ثعلبة بن مسلم، عن أبي [] [¬٧] كعب مولى ابن عباس، [عن ابن عباس] [¬٨]، عن النبي صلي

стр. 4191

الله عليه وسلم: أن جبريل أبطأ عليه، فذكر له ذلك، فقال: وكيف وأنتم لا تستنون، ولا تُقَلِّمون أظفاركم، ولا تقصون شواربكم، ولا تُنْقُون رواجبكم (*) [¬١]. وهكذا رواه الإمام أحمد (٢٣٨) عن أبي اليمان، عن إسماعيل بن عياش به ونحوه. وقال الإمام أحمد (٢٣٩): حدثنا سيار [¬٢]، حدثنا جعفر بن سليمان، حدثنا المغيرة بن حبيب ختن [¬٣] مالك بن دينار، حدثني شيخ من أهل المدينة، عن أم سلمة قالت: قال لي رسول الله ﷺ : "أصلحي لنا المجلس، فإنه ينزل ملك إلى الأرض لم ينزل إليها قط". وقوله: ﴿لَهُ مَا بَينَ أَيدِينَا وَمَا خَلْفَنَا﴾ قيل: المراد بـ: ﴿مَا بَينَ أَيدِينَا﴾: أمر الدنيا، ﴿وَمَا خَلْفَنَا﴾: أمر الآخرة ﴿وَمَا بَينَ ذَلِكَ﴾: ما بين النفختين. هذا قول أبي العالية (٢٤٠) وعكرمة، ومجاهد، وسعيد بن جبير (٢٤١)، وقتادة في رواية عنهما، والسدي (٢٤٢)، والربيع بن أنس (٢٤٣). وقيل: ﴿مَا بَينَ أَيدِينَا﴾ ما نستقبل من أمر الآخرة ﴿وَمَا خَلْفَنَا﴾ أي: ما مضى من الدنيا ﴿وَمَا بَينَ ذَلِكَ﴾ أي: ما بين الدنيا والآخرة. يروى نحوه عن ابن عباس (٢٤٤)، وسعيد بن جبير (٢٤٥)،

стр. 4192

والضحاك (٢٤٦)، وقتادة (٢٤٧)، وابن جريج (٢٤٨)، والثوري، واختاره ابن جرير أيضًا، والله أعلم. وقوله: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ قال مجاهد (٢٤٩): معناه ما نسيك ربك. وقد تقدم عنه أن هذه الآية كقوله: ﴿وَالضُّحَى (١) وَاللَّيلِ إِذَا سَجَى (٢) مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا يزيد [¬١] بن محمد بن عبد الصمد الدمشقي، حدثنا محمد بن عثمان [¬٢]-يعني: أبا الجماهر- حدثنا إسماعيل بن عياش، حدثنا عاصم بن رجاء بن حَيْوة، عن أبيه، عن أبي الدرداء رفعه قال: لم ما أحل الله في كتابه فهو حلال، وما حرم فهو حرام، وما سكت عنه [¬٣] فهو عافية، فاقبلوا من الله عافيته، فإن الله لم يكن لينسى شيئًا". ثم تلا هذه الآية: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ (٢٥٠). وقوله: ﴿رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَينَهُمَا [﴾ أي: خالق ذلك ومدبره، والحاكم فيه، والمتصرف الذي لا معقب لحكمه] [¬٤] ﴿فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ قال عليّ بن أبي طلحة: عن ابن عباس (٢٥١): هل تعلم للرب مثلًا أو شبيهًا [¬٥].

стр. 4193

وكذلك قال مجاهد (٢٥٢)، وسعيد بن جبير، وقتادة (٢٥٣)، وابن جريج (٢٥٤) وغيرهم. وقال عكرمة عن ابن عباس (٢٥٥): ليس أحد يسمَّى [¬١]، الرحمن غيره ﵎، وتقدس اسمه. ﴿وَيَقُولُ الْإِنْسَانُ أَإِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا (٦٦) أَوَلَا يَذْكُرُ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيئًا (٦٧) فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّيَاطِينَ ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا (٦٨) ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمَنِ عِتِيًّا (٦٩) ثُمَّ لَنَحْنُ أَعْلَمُ بِالَّذِينَ هُمْ أَوْلَى بِهَا صِلِيًّا (٧٠)﴾ يخبر تعالى عن الإِنسان أنه يتعجب، ويستبعد إعادته بعد موته، كما قال تعالى: ﴿وَإِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ أَإِذَا كُنَّا تُرَابًا أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ وقال: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ (٧٧) وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَال مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ (٧٨) قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾ وقال هاهنا: ﴿وَيَقُولُ الْإِنْسَانُ أَإِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا (٦٦) أَوَلَا يَذْكُرُ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيئًا﴾ [يستدل تعالى بالبداءة علي الإِعادة، يعني أنه تعالى قد [¬٢] خلق الإِنسان ولم يك شيئًا] [¬٣]، أفلا يعيده وقد صار شيئًا، كما قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيهِ﴾. وفي الصحيح (٢٥٦): " يقول الله تعالى: كذبني ابن [¬٤] آدم، ولم يكن له أن يكذبني، وآذاني ابن آدم ولم يكن له أن يؤذيني؛ أما تكذيبه إياي فقوله: لن يعيدني

стр. 4194

كما بدأني، وليس أول الحلق بأهون عليَّ [¬١]، من آخره، وأما أذاه إياي فقوله: إن لي ولدًا، وأنا الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوًا أحد". وقوله: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّيَاطِينَ﴾ أقسم الرب ﵎ بنفسه الكريمة، أنه لا بد أن يحشرهم جميعًا، وشياطينهم [¬٢] الذين كانوا يعبدون من دون الله ﴿ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا﴾. قال العوفي عن ابن عباس (٢٥٧): يعني قعودًا، كقوله: ﴿وَتَرَى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً﴾. وقال السدي في قوله: ﴿ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا﴾ يعني: قيامًا، وروي عن مرة عن ابن مسعود مثله [¬٣]. وقوله: ﴿ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ﴾ يعني من كل أمة. قاله مجاهد (٢٥٨). ﴿أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمَنِ عِتِيًّا﴾. قال الثوري عن [علي بن الأقمر عن أبي الأحوص] [¬٤]، عن ابن مسعود (٢٥٩) قال: يحبس الأول على الآخر، حتى إذا تكاملت العدة [¬٥] أتاهم جميعًا، ثم بدأ بالأكابر فالأكابر جرمًا، وهو قوله: ﴿ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمَنِ عِتِيًّا﴾. وقال قتادة (٢٦٠): ﴿ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمَنِ عِتِيًّا﴾ قال: ثم لننزعن من أهل كل دين قادتهم ورؤساءهم [¬٦] في الشر. وكذا قال ابن جريج، وغير واحد من السلف. وهذا كقوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا ادَّارَكُوا فِيهَا جَمِيعًا قَالتْ أُخْرَاهُمْ لِأُولَاهُمْ رَبَّنَا هَؤُلَاءِ أَضَلُّونَا فَآتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا مِنَ النَّارِ قَال لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلَكِنْ لَا تَعْلَمُونَ (٣٨) وَقَالتْ أُولَاهُمْ لِأُخْرَاهُمْ فَمَا كَانَ لَكُمْ عَلَينَا مِنْ فَضْلٍ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ﴾. وقوله: ﴿ثُمَّ لَنَحْنُ أَعْلَمُ بِالَّذِينَ هُمْ أَوْلَى بِهَا صِلِيًّا﴾ "ثم" هاهنا لعطف الخبر على

стр. 4195

الخبر، والمراد: أنه تعالى أعلم بمن يستحق من العباد أن يصلى بنار جهنم، ويخلد فيها، وبمن [¬١] يستحق تضعيف [¬٢] العذاب، كما قال في الآية المتقدمة: ﴿قَال لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلَكِنْ لَا تَعْلَمُونَ﴾. ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إلا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا (٧١) ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا (٧٢)﴾ قال الإِمام أحمد (٢٦١): حدثنا سليمان بن حرب، حدثنا غالب بن سليمان، عن كثير بن زياد البُرْساني [¬٣]، عن أبي سمية قال: اختلفنا في الورود؛ فقال بعضنا: لا يدخلها مؤمن، وقال بعضهم: يدخلونها جميعًا، ثم ينجي الله الذين اتقوا. فلقيت جابر بن عبد الله، فقلت له: إنا اختلفنا في الورود. فقال: يردونها جميعًا -وقال سليمان بن [¬٤] مرة: يدخلونها جميعًا- وأهوى بأصبعيه إلى أذنيه، وقال: صمَّتا إن لم أكن سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لا يبقي بر ولا فاجر إلّا دخلها، فتكون علي المؤمن بردًا وسلامًا، كما كانت علي إبراهيم، حتى إن للنار ضجيجًا من بردهم، ثم ينجّي الله الذين اتقوا ويذر الظالمين فيها جثيًّا". غريب ولم يخرجوه. وقال الحسن بن عرفة: حدثنا مروان بن معاوية، عن بكار [¬٥] بن أبي مروان، عن خالد بن معدان (٢٦٢) قال: قال أهل الجنة بعد ما دخلوا الجنة: ألم يعدنا ربنا [¬٦] الورود علي النار؟ قال: قد مررتم عليها وهي خامدة. وقال عبد الرزاق (٢٦٣): عن ابن عيينة، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس بن أبي حازم قال: كان عبد الله بن رواحة واضعًا رأسه في حجر امرأته، فبكي، فبكت امرأته، فقال: ما يبكيك؟ فقالت: رأيتك تبكي فبكيت. قال: إني ذكرت قول الله : ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إلا وَارِدُهَا﴾ فلا أدري أنجو منها أم لا؟ وفي رواية: وكان مريضًا.

стр. 4196

وقال ابن جرير (٢٦٤): حدثنا أبو كريب، حدثنا ابن [¬١] يمان، عن مالك بن مِغُوَل، عن أبي إسحاق: كان أبو ميسرة إذا أوي [¬٢] إلي فراشه قال: يا ليت أمي لم تلدني. ثم يبكي، فقيل: ما يبكيك يا أبا ميسرة؟ فقال: أخبرنا أنَّا واردوها، ولم نخبر أنَّا صادرون عنها. وقال عبد الله بن المبارك عن الحسن البصري (٢٦٥) قال: قال رجل لأخيه: هل [¬٣] أتاك بأنك [¬٤] وارد النار؟ قال: نعم. [قال: هل] [¬٥] أتاك أنك صادر عنها [¬٦]؟ قال: لا. قال: ففيم الضحك؟ [قال: فما رُؤي ضاحكًا حتى لحق بالله] [¬٧]. وقال عبد الرزاق أيضًا: أخبرنا ابن عيينة، عن عمرو، أخبرني من سمع ابن عباس يخاصم نافع بن الأزرق، فقال ابن عباس: الورود: الدخول. فقال نافع: لا. فقرأ ابن عباس: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ﴾ وردوا أم لا، وقال: ﴿يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ﴾ أورْدٌ هو أم لا؟ أما [¬٨] أنا وأنت فسندخلها، فانظر هل نخرج منها أم لا؟ وما أرى الله مخرجك منها بتكذيبك. فضحك نافع (٢٦٦). وروي ابن جريج، عن عطاء قال: قال أبو راشد الحروري -وهو نافع بن الأزرق (٢٦٧) -: ﴿لَا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا﴾. فقال ابن عباس: ويلك، أمجنون أنت؟ أين قوله: ﴿يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ﴾، ﴿وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ ورْدًا (٨٦)﴾، ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إلا وَارِدُهَا﴾ والله إن كان دعاء من مضي: اللهم أخرجني من النار سالمًا، وأدخلني الجنة غانمًا. وقال ابن جرير (٢٦٨): حدثني محمد بن عبيد المحاربي [¬٩]، حدثنا أسباط، عن عبد الملك، عن عبيد الله، عن مجاهد قال: كنت عند ابن عباس؛ فأتاه رجل يقال له:

стр. 4197

أبو راشد -وهو نافع بن الأزرق- فقال له: يا بن عباس، أرأيت قول الله: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إلا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا (٧١)﴾؟. قال: أما أنا وأنت يا أبا راشد فسنردها، فانظر هل نصدر عنها أم لا؟ وقال أبو داود الطيالسي (٢٦٩): قال شعبة: أخبرني عبد الله بن السائب، عمن سمع ابن عباس يقرؤها. (وإن منهم إلا واردها) يعني: الكفار. وهكذا روي عمر بن الوليد الشَّنيّ [¬١]: أنه سمع عكرمة يقرؤها كذلك (وإن منهم إلا واردها) قال: وهم: الظلمة، كذلك كنا نقرؤها. رواه ابن أبي حاتم، وابن جرير (٢٧٠). وقال العوفي عن ابن عباس (٢٧١) قوله: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إلا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا (٧١)﴾ يعني: البر والفاجر، ألم [¬٢] تسمع إلى قول الله لفرعون: ﴿يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ وَبِئْسَ الْورْدُ الْمَوْرُودُ (٩٨)﴾. ﴿وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ ورْدًا﴾؟ فسمى الورود على [¬٣] النار دخولًا وليس بصادر. و [¬٤] قال الإِمام أحمد (٢٧٢): حدثنا عبد الرحمن، عن إسرائيل، عن السدي، عن مرة، عن عبد الله -هو ابن مسعود- ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إلا وَارِدُهَا﴾ قال رسول الله ﷺ : "يرد الناس النار [¬٥] كلهم، ثم يصدرون عنها بأعمالهم". ورواه الترمذي [¬٦] (٢٧٣) عن عبد [¬٧] بن حميد، عن [¬٨] عبيد الله، عن [] [¬٩] إسرائيل، عن السدي به. ورواه من طريق شعبة، عن السدي، عن مرة، عن ابن مسعود موقوفًا. هكذا وقع [] [¬١٠] هذا الحديث ها هنا مرفوعًا، وقد رواه أسباط، عن السدي، عن مرة، عن عبد الله بن مسعود قال: يرد الناس جميعًا الصراط، وورودهم قيامهم حول النار، ثم يصدرون عن الصراط بأعمالهم، فمنهم من يمر مثل البرق، ومنهم من يمر مثل الريح،

стр. 4198

[ومنهم من يمر مثل الطير] [¬١]، ومنهم من يمر كأجود الخيل، ومنهم من يمر كأجود الإِبل، ومنهم من يمر كعدو الرجل، حتى إن آخرهم مَرًّا رجل نوره علي موضعي إبهامي قدميه، يمر يتكفأ به الصراط، والصراط دَحْضٌ مزلة، عليه حسك كحسك القَتَاد (*) [¬٢]، حافتاه ملائكة، معهم كلاليب من نار، يختطفون بها الناس … وذكر تمام الحديث. رواه ابن أبي حاتم. وقال ابن جرير (٢٧٤): حدثنا خلاد بن أسلم، حدثنا النضر، حدثنا إسرائيل، أخبرنا أبو إسحاق، [عن أبي] الأحوص [¬٣]، عن عبد [¬٤] الله: قوله: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إلا وَارِدُهَا﴾ قال: الصراط علي جهنم مثل حد السيف، فتمر الطبقة الأولى كالبرق، والثانية كالريح، والثالثة كأجود الخيل، والرابعة كأجود البهائم، ثم يمرون والملائكة يقولون: اللهم سلّم سلّم. ولهذا شواهد في الصحيحن وغيرهما؛ من رواية أنس (٢٧٥)، وأبي سعيد (٢٧٦)، وأبي هريرة (٢٧٧)، وجابر (٢٧٨)، وغيرهم من الصحابة ﵃.

стр. 4199

وقال ابن جرير (٢٧٩): حدثني يعقوب، حدثنا ابن عُلَيَّة، عن الجُريري، عن [أبي السليل] [¬١]، عن غنيم بن قيس قال: ذكروا ورود النار فقال كعب: تمسك النار للناس كأنها متن [¬٢] إهالة حتى يستوي [¬٣] عليها أقدام الخلائق؛ برهم وفاجرهم، ثم يناديها مناد: أن أمسكي أصحابك، ودعي أصحابي. قال: فتخسف [¬٤] بكل ولي لها، و [¬٥] لهي أعلم بهم من الرجل بولده، ويخرج المؤمنون نَديَّة ثيابهم. قال كعب: ما بين منكبي الخازن من خزنتها مسيرة سنة، مع كل واحد منهم عمود ذو [¬٦] شعبتين، يدفع به الدفع فيصرع به في النار سبعمائة ألف. و [¬٧] قال الإمام أحمد (٢٨٠): حدثنا أبو معاوية، حدثنا الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر عن أم مُبَشّر، عن حفصة قالت: قال رسول الله ﷺ : "إني لأرجو ألا يدخل النار إن شاء الله أحد شهد بدرًا والحديبية". قالت: فقلت: أليس الله يقول: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إلا وَارِدُهَا﴾ قالت: فسمعته يقول: ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا﴾. وقال أحمد أيضًا (٢٨١): حدثنا ابن إدريس، حدثنا الأعمش، عن أبي سفيان [¬٨]، عن جابر، عن أم مبشر -امرأة زيد بن حارثة- قالت: كان رسول الله ﷺ في بيت حفصة، فقال: "لا يدخل النار أحد شهد [¬٩] بدرًا والحديبية". قالت حفصة: أليس الله يقول: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إلا وَارِدُهَا﴾؟ فقال رسول الله ﷺ : ﴿ثم ننجي الذين اتقوا﴾. وفي الصحيحين (٢٨٢) من حديث الزهري، عن سعيد، عن أبي هريرة ﵁

стр. 4200

قال: قال رسول الله ﷺ : "لا يموت لأحد من المسلمين ثلاثة من الولد تمسه النار، إلا تَحِلَّة القسم". وقال [¬١] عبد الرزاق (٢٨٣): قال معمر: أخبرني الزهري، عن ابن المسيب، عن أبي هريرة، أن النبي ﷺ قال: "من مات له ثلاثة لم تمسه النار إلا تَحِلَّة القسم". يعني: الورود. وقال أبو [¬٢] داود الطيالسي (٢٨٤): حدثنا زمعة، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لا يموت لمسلم ثلاثة من الولد تمسه النار إلا تَحِلَّة القسم". قال الزهري: كأنه يريد هذه الآية: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إلا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا﴾. وقال ابن جرير (٢٨٥): حدثنا عمران بن بكار الكلاعي [¬٣]، حدثنا أبو المغيرة، حدثنا عبد الرحمن بن يزيد بن تميم، حدثنا إسماعيل بن عبيد الله، عن أبي صالح، عن أبي هريرة قال: خرج رسول الله ﷺ يعود رجلًا من أصحابه وَعِكا، وأنا معه، ثم قال: "إن الله تعالى يقول: هي ناري أسلطها على عبدي المؤمن؛ لتكون [¬٤] حظه من النار في الآخرة". غريب ولم يخرجوه من هذا الوجه. وحدثنا أبو كريب، حدثنا ابن [¬٥] يمان، عن عثمان بن الأسود، عن مجاهد (٢٨٦) قال: الحمّى حظ كل مؤمن من النار، ثم قرأ: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إلا وَارِدُهَا﴾. و [¬٦] قال الإِمام أحمد (٢٨٧): حدثنا حسن، حدثنا ابن لهيعة، حدثنا زبان [¬٧] بن فائد،

стр. 4201

عن سهل بن معاذ بن أنس الجهني، عن أبيه، عن رسول الله ﷺ قال: "من قرأ: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١)﴾ حتى يختمها عشر مرات، بنى الله له قصرًا في الجنة". فقال عمر: إذًا نستكثر يا رسول الله. فقال رسول الله ﷺ : "الله [¬١] أكثر وأطيب". وقال رسول الله ﷺ : "من قرأ ألف آية في سبيل الله، كتب يوم القيامة مع النبين والصديقين والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقًا، إن شاء الله، ومن حرس من وراء المسلمين في سبيل الله متطوعًا لا بأجرة [¬٢] سلطان، لم ير النار بعينيه إلا تحلة القسم، قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إلا وَارِدُهَا﴾، وإن الذكر في سبيل الله [¬٣] يضاعف [¬٤] فوق النفقة بسبعمائة ضعف". وفي رواية: "بسبعمائة ألف ضعف" (٢٨٨).

стр. 4202

وروي أبو داود (٢٨٩) عن أبي الطاهر، عن ابن وهب، عن يحيى بن أيوب [وسعيد بن أبي أيوب] [¬١]، كلاهما عن زبان [¬٢]، عن سهل، عن أبيه، عن رسول الله ﷺ : "إن الصلاة والصيام [¬٣] والذكر تضاعف [¬٤] علي النفقة في سبيل الله بسبعمائة ضعف". وقال عبد الرزاق عن معمر، عن قتادة (٢٩٠) قوله: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إلا وَارِدُهَا﴾ قال: هو الممر [¬٥] عليها. وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم (٢٩١) في قوله: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إلا وَارِدُهَا﴾ قال: ورود المسلمين المرور [¬٦] على الجسر بين ظهريها، وورود المشركين أن يدخلوها، وقال النبي ﷺ : "الزالون والزالات يومئذ كثير، وقد أحاط بالجسر يومئذ سماطان من الملائكة، دعاؤهم: يا الله: سلّم سلّم". وقال السدي عن مرة، عن ابن مسعود (٢٩٢) في قوله: ﴿كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا

стр. 4203

مَقْضِيًّا﴾ قال: قسمًا واجبًا. وقال مجاهد (٢٩٣): حتمًا. قال: قضاء. وكذا قال ابن جريج (٢٩٤). وقوله: ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ أي: إذا مر الخلائق كلهم علي النار، وسقط مها من سقط [] [¬١] من الكفار والعصاة ذوي المعاصي، بَحَسَبهم، نجي الله تعالى المؤمنين المتقين منها بحسب أعمالهم، فَجَوَازهم علي الصراط وسرعتهم بقدر أعمالهم التي كانت في الدنيا، ثم يشفعون في أصحاب الكبائر من المؤمنين، فيشفع [] [¬٢] الملائكة والنبيون والمؤمنون، فيخرجون خلقًا كثيرًا قد أكلتهم النار، إلا دارات وجوههم -وهي مواضع السجود- وإخراجهم إياهم من النار بحسب ما في قلوبهم من الإيمان، فيخرجونا أولًا من كان في قلبه مثقال دينار من إيمان، ثم الذي يليه، ثم الذي يليه، [ثم الذي يليه]، حتى يخرجون من كان في قلبه أدنى أدنى أدنى مثقال ذرة من إيمان، ثم يخرج الله من النار من قال يومًا من الدهر: لا إله إلا الله، وإن لم يعمل خيرًا قط، ولا يبقى في النار إلا من وجب عليه الخلود، كما وردت [¬٣] بذلك الأحاديث الصحيحة عن رسول الله ﷺ ، ولهذا قال تعالى: ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا﴾. ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَال الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَيُّ الْفَرِيقَينِ خَيرٌ مَقَامًا وَأَحْسَنُ نَدِيًّا (٧٣) وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَحْسَنُ أَثَاثًا وَرِئْيًا (٧٤)﴾ يخبر تعالى عن الكفار حين تتلى عليهم آيات الله [¬٤]، ظاهرة الدلالة، بينة الحجة، واضحة البرهان أنهم يصدون ويعرضون عن ذلك، ويقولون عن الذين آمنوا، مفتخرين عليهم، ومحتجين [] [¬٥] على صحة ما هم عليه من الدين الباطل، بأنهم [¬٦]: ﴿خَيرٌ مَقَامًا وَأَحْسَنُ نَدِيًّا﴾ [أي: أحسن منازل، وأرفع دورًا، وأحسن نديًّا] [¬٧]، وهو [¬٨]: مجمع الرجال للحديث [¬٩]، أي: ناديهم [¬١٠] أعمر وأكثر واردًا وطارقًا، يعنون: فكيف [نكون ونحن] [¬١١] بهذه المثابة على باطل، وأولئك [الذين هم] [¬١٢] مختفون مستترون

стр. 4204

في دار الأرقم بن أبي الأرقم ونحوها من [¬١] الدور على الحق؟ كما قال تعالى مخبرًا عنهم: ﴿وَقَال الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا لَوْ كَانَ خَيرًا مَا سَبَقُونَا إِلَيهِ﴾ وقال قوم نوح: ﴿قَالُوا أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ﴾ ليقال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهَؤُلَاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيهِمْ مِنْ بَينِنَا أَلَيسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ﴾، ولهذا قال تعالى رادًّا عليهم شبهتهم: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ﴾ أي: وكم [¬٢] من أمة وقرن من المكذبين، قد أهلكناهم بكفرهم ﴿هُمْ أَحْسَنُ أَثَاثًا وَرِئْيًا﴾ أي: كانوا أحسن من هؤلاء أموالًا وأمتعة، ومناظر وأشكالًا. قال الأعمش: عن أبي ظبيان، عن ابن عباس (٢٩٥): ﴿خَيرٌ مَقَامًا وَأَحْسَنُ نَدِيًّا﴾ قال: المقام: المنزل، والندي: المجلس، والأثاث: المتاع، والرئي: المنظر. وقال العوفي عن ابن عباس (٢٩٦): المقام: المسكن، والندي: المجلس والنعمة والبهجة التي كانوا فيها. وهو كما قال الله لقوم فرعون حين أهلكهم وقص [¬٣] شأنهم في القرآن: ﴿كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (٢٥) وَزُرُوعٍ [¬٤] وَمَقَامٍ كَرِيمٍ﴾ فالمقام: المسكن والنعيم، والندي: المجلس والمجمع الذي كانوا يجتمعون فيه، وقال تعالى فيما قص علي رسوله من أمر قوم لوط [إذ قال] [¬٥]: ﴿وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنْكَرَ﴾ والعرب تسمي المجلس: النادي. وقال قتادة (٢٩٧): لما رأوا أصحاب محمد ﷺ في عيشهم خشونة، وفيهم قشافة، فَعَرَّض أهل الشرك بما تسمعون [¬٦]: ﴿أَيُّ الْفَرِيقَينِ خَيرٌ مَقَامًا وَأَحْسَنُ نَدِيًّا﴾ وكذا قال مجاهد (٢٩٨) والضحّاك. ومنهم من قال في الأثاث: هو المال. ومنهم من قال: المتاع. ومنهم من قال: الثياب. والرئي: المنظر، كما قاله [¬٧] ابن عباس (٢٩٩) ومجاهد (٣٠٠) وغير واحد. وقال الحسن البصري: يعني الصور. وكذا قال مالك: ﴿أَثَاثًا وَرِئْيًا﴾: أكثر أموالًا،

стр. 4205

وأحسن صورًا. والكل متقارب صحيح. ﴿قُلْ مَنْ كَانَ فِي الضَّلَالةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدًّا حَتَّى إِذَا رَأَوْا مَا يُوعَدُونَ إِمَّا الْعَذَابَ وَإِمَّا السَّاعَةَ فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضْعَفُ جُنْدًا (٧٥)﴾ يقول تعالى: ﴿قُلْ﴾ يا محمد لهؤلاء المشركين بربهم، المدعين أنهم علي الحق وأنكم على الباطل ﴿مَنْ كَانَ فِي الضَّلَالةِ﴾ أي: منا ومنكم ﴿فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدًّا﴾ أي: فأمهله الرحمن فيما هو فيه، حتى يلقي ربه وينقضي أجله ﴿إِمَّا الْعَذَابَ [¬١]﴾ يصيبه ﴿وَإِمَّا السَّاعَةَ﴾ بغتة تأتيه ﴿فَسَيَعْلَمُونَ﴾ حينئذ ﴿مَنْ هُوَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضْعَفُ جُنْدًا﴾ في مقابلة ما احتجوا به من خيرية المقام وحسن الندي. قال مجاهد (٣٠١) في قوله: ﴿فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدًّا﴾ فليدعه الله في طغيانه. وهكذا قرر ذلك أبو جعفر بن جرير، ﵀. وهذه مباهلة للمشركين الذين يزعمون أنهم [¬٢] علي هدًى فيما [¬٣] هم فيه، كما ذكر تعالى مباهلة اليهود في قوله: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ هَادُوا إِنْ زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِيَاءُ لِلَّهِ مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ أي: ادعوا علي المبطل منا ومنكم بالموت، إن كنتم تدعون أنكم علي الحق، فإنه لا يضركم الدعاء، فنكلوا عن ذلك، وقد تقدم تقرير ذلك في سورة البقرة مبسوطًا، ولله الحمد. وكما ذكر تعالى المباهلة مع النصارى في سورة آل عمران حين صمموا على الكفر، واستمروا علي الطغيان والغلو في دعواهم أن عيسى ولد الله، وقد [¬٤] ذكما [¬٥] الله حججه وبراهينه علي عبودية عيسى، وأنه مخلوق كآدم، قال تعالى [بعد ذلك] [¬٦]: ﴿فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ [¬٧] بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ﴾ فنكلوا أيضًا عن ذلك. ﴿وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيرٌ
следующие страницы →