نحوه (٢٢٦).
وهذه العبارة إن لم ترجع إلى معنى الإخبار ففيها تساهل، وعبارة الحسن وقتادة في رواية ابن جرير أحسن، والله أعلم.
﴿فِي الْأَرْضِ﴾ قال ابن أبي حاتم (٢٢٧): حدثنا أبي، حدثنا [أبو سلمة] [¬١]، حدثنا حماد، حدثنا عطاء بن السائب، عن عبد الرحمن بن سابط أن رسول الله، ﷺ ، قال: "دُحِيت الأرض من مكة، وأول من طاف بالبيت الملائكة، فقال الله: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ يعني مكة".
وهذا مرسل، وفي سنده ضعف، وفيه مُدْرَج، وهو أن المراد بالأرض مكة، والله أعلم. فإن الظاهر أن المراد بالأرض أعم من ذلك، [والله أعلم] [¬٢].
﴿خَلِيفَةً﴾ قال السدي في تفسيره (٢٢٨)، عن أبي مالك وعن أبي صالح، عن ابن عباس - وعن مرة، عن ابن مسعود، وعن ناس من الصحابة: إن الله تعالى قال للملائكة: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ قالوا: ربنا وما يكون ذلك الخليفة؟ قال: يكون له ذرية يفسدون في الأرض ويتحاسدون [] [¬٣] ويقتل بعضهم بعضًا.
قال ابن جرير (٢٢٩): فكان تأويل الآية على هذا ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ مني [¬٤]، يخلفني في الحكم [بالعدل] [¬٥] بين خلقي، وإن ذلك الخليفة هو آدم ومن قام مقدمه في طاعة الله والحكم بالعدل بين خلقه، وأما الإفساد وسفك الدماء بغير حقها فمن غير خلفائه.
قال ابن جرير: وإنما معنى الخلافة التي ذكرها الله إنما هي خلافة قَرْنٍ منهم قَرْنًا، قال: والخليفة
الفعيلة، من قولك: خلف فلان فلانًا في هذا الأمر، إذا قام مقدمه فيه بعده، كما قال تعالى: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلَائِفَ فِي الْأَرْضِ مِنْ بَعْدِهِمْ لِنَنْظُرَ كَيفَ تَعْمَلُونَ﴾، ومن ذلك قيل للسلطان الأعظم: خليفة؛ لأنه خلف الذي كان قبله فقام بالأمر مقامه، فكان منه خلفًا.
стр. 422
قال: وكان محمد بن إسحاق يقول في قوله تعالى: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ يقول: ساكنًا وعامرًا يعمرها ويسكنها خلقًا ليس منكم.
[قال ابن جرير (٢٣٠)،] [¬١]: وحدثنا أبو كريب، حدثنا عثمان [¬٢] بن سعيد، حدثنا بشر بن عمارة، عن أبي روق، عن الضحاك، عن ابن عباس قال: إن [¬٣] أول من سكن الأرض الجن، فأفسدوا فيها وسفكوا فيها الدماء، وقتل بعضهم بعضًا، قال: فبعث الله إليهم إبليس، فقتلهم إبليس ومن معه حتى ألحقهم بجزائر البحور وأطراف الجبال، ثم خلق آدم وأسكنه إياها فلذلك قال: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾.
وقال سفيان الثوري (٢٣١): عن عطاء بن السائب، عن ابن سابط ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ﴾ قال: يعنون به [¬٤] بني آدم.
وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: قال الله للملائكة: إني أريد أن أخلق في الأرض خلقًا وأجعل فيها خليفة، وليس لله خلق إلا الملائكة، والأرض ليس فيها خلق، قالوا: أتجعل فيها من يفسد فيها!.
وقد تقدّم ما رواه السُّدّي، عن ابن عباس وابن مسعود وغيرهما من الصحابة أن الله أعلم الملائكة بما تفعله [¬٥] ذرّية آدم، فقالت الملائكة ذلك، وتقدم آنفًا ما رواه الضحاك، عن ابن عباس أن الجن أفسدوا في الأرض قبل بني آدم، فقالت الملائكة ذلك، فقاسوا هؤلاء بأولئك.
وقال ابن أبي حاتم (٢٣٢): حدثنا أبي، حدثنا علي بن محمد الطنافسي، حدثنا أبو معاوية، حدثنا الأعمش، عن بُكَير بن الأخنس، عن مجاهد، عن عبد الله بن عمرو، قال: كان الجن [¬٦] بنو الجان، في الأرض قبل أن يُخلق آدم بألفي سنة، فأفسدوا في الأرض، وسفكوا الدماء، فبعث الله جندًا من الملائكة فضربوهم حتى ألحقوهم بجزائر البحور، فقال الله للملائكة: ﴿وَإِذْ قَال رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَال إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾.
стр. 423
وقال أبو جعفر الرازي: عن الريبع [بن أنس،] [¬١]، عن أبي العالية في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَال رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ إلى قوله ﴿وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾. قال: خلق الله الملائكة يوم الأربعاء، وخلق الجن يوم الخميس، وخلق آدم يوم الجمعة؛ فكفر قوم من الجن، فكانت الملائكة تهبط إليهم في الأرض فتقاتلهم [ببغيهم] [¬٢]، فكانت الدماء بينهم، وكان [¬٣] الفساد في الأرض، فمن ثم قالوا: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا﴾ كما أفسدت الجن ﴿وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ﴾ كما سفكوا.
قال ابن أبي حاتم (٢٣٣): وحدثنا الحسن بن محمد بن الصباح، حدثنا سعيد بن سليمان، حدثنا مبارك بن فضالة، حدثنا الحسن قال: قال الله للملائكة: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾، قال لهم: إني فاعل. [أفاضوا برأيهم] [¬٤]، فعلمهم علمًا وطوي عنهم علمًا، علمه ولم يعلموه، فقالوا بالعلم الذي علمهمم: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ ﴿قَال إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾.
قال الحسن: إن ابن كانوا في الأرض يفسدون ويسفكون الدماء، ولكن جعل الله في قلوبهم أن ذلك سيكون، فقالوا بالقول الذي عَلَّمهم.
وقال عبد الرزاق (٢٣٤) كلت معمر، عن قتادة في قوله: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا﴾.
كان الله [¬٥] أعلمهم أنه إذا كان في الأرض خَلْق أفسدوا فيها وسفكوا الدماء، فذلك حين قالوا: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا﴾.
وقال ابن أبي حاتم (٢٣٥): حدثنا أبي، حدثنا هشام الرازي، حدثنا ابن المبارك، عن معروف،
стр. 424
يعني ابن خَرّبوذ المكي، عمن سمع أبا جعفر محمد بن علي يقول: السِّجِل ملك، وكان هاروت وماروت من أعوانه، وكان له في [¬١] كل يوم ثلاث لمحات ينظرهن في أمّ الكتاب، فنظر نظرة لم تكن له فأبصر فيها خلق آدم وما فيه من الأمور، فأسَرَّ ذلك إلى هاروت وماروت، وكانا من أعوانه، فلما قال الله تعالى: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ﴾. قالا [¬٢] ذلك استطالة على الملائكة.
وهذا أثر غريب، وبتقدير صحته إلى أبي جعفر محمد بن علي بن الحسين الباقر، فهو نقله عن أهل الكتاب، وفيه نكارة توجب ردّه، والله أعلم. ومقتضاه: أن الذين قالوا ذلك إنما كانوا اثنين فقط، وهو خلاف السياق.
وأغرب منه ما رواه ابن أبي حاتم أيضًا، حيث قال (٢٣٦): حدثنا أبي، حدثنا هشام بن عبيد [¬٣] الله، حدَّثنا عبد الله بن يحيى بن أبي كثير، قال سمعت أبي يقول؛ إنّ الملائكة الذين قالوا ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ﴾ كانوا عشرة آلاف، فخرجت نار من عند الله فأحرقتهم.
стр. 425
وهذا أيضًا إسرائيلي منكر كالذي قبله، والله أعلم.
قال ابن جريج (٢٣٧): إنما تكلموا بما أعلمهم الله [¬١] أنه كائن من خلق آدم، فقالوا: أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء.
قال ابن جرير: وقال بعضهم: إنما قالت الملائكة ما قالت: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ﴾؛ لأنّ الله أذن لها [¬٢] في السؤال عن ذلك، بعد ما أخبرها [¬٣] أن ذلك كائن من بني آدم، فسألته الملائكة فقالت -على [¬٤] التعجب منها-: وكيف يعصونك يا رب وأنت خالقهم؟ فأجابهم ربهم: ﴿إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ يعني: أن ذلك كائن منهم وإن لم تعلموه أنتم [ومن بعض ما] [¬٥] ترونه لي طائعًا.
قال: وقال بعضهم ذلك من الملائكة على وجه الاسترشاد عما لم يعلموا من ذلك، فكأنهم قالوا: يا رب! خبرنا، مسألة استخبار منهم، لا على وجه الإنكار. واختاره ابن جرير.
[وقال سعيد، عن قتادة قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَال رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ قال: استشار الملائكة في خلق آدم، فقالوا: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ﴾ وقد علمت الملائكة أنه لا شيء أكره عند الله من سفك الدماء والفساد في الأرض ﴿وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَال إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾. فكان في علم الله أنه سيكون من تلك الخليقة أنبياء ورسل وقوم صالحون وساكنوا الجنة، قال: وذكر لنا عن ابن عباس أنه كان يقول: إن الله لما أخذ في خلق آدم ﵇، قالت الملائكة: ما الله خالق خلقًا أكرم عليه منا ولا أعلم منا، فابتلوا بخلق آدم -وكل خَلْق مُبتَلى- كما ابتُليت السموات والأرض بالطاعة، فقال الله تعالى ﴿ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالتَا أَتَينَا طَائِعِينَ﴾.
وقوله تعالى] [¬٦]: ﴿وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ﴾ قال عبد الرزاق (٢٣٨) عن معمر، عن قتادة: التسبيحُ: التسبيحُ، والتقديس: الصلاة.
وقال السدي (٢٣٩): عن أبي مالك، وعن أبي صالح عن ابن عباس- وعن مرة، عن ابن
стр. 426
مسعود، وعن ناس من الصحابة ﴿وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ﴾ قال: يقولون: نصلي لك.
وقال مجاهد: ﴿وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ﴾ قال: نعظمك ونكبرك.
وقال الضحاك: التقديس: التطهير.
وقال محمد بن إسحاق: ﴿وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ﴾ قال: لا نعصي، ولا نأتي شيئًا تكرهه.
وقال ابن جرير: التقديس هو التعظيم والتطهير، ومنه قولهم: سبوح قدُّوس، يعني بقولهم: سبوح: تنزيه له [¬١]، وبقولهم: قدوس: طهارة وتعظيم له، وكذلك [¬٢] قيل للأرض: أرض مقدّسة، يعني بذلك المطهرة. فمعنى قول الملائكة إذا: ﴿وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ﴾، ننزهك ونبرئك مما يضيفه إليك أهلُ الشرك بك ﴿وَنُقَدِّسُ لَكَ﴾، ننسبك إلى ما هو من صفاتك، من الطهارة من الأدناس وما أضاف إليك أهل الكفر بك.
[وفي صحيح مسلم (٢٤٠)، عن أبي ذرٍّ ﵁ أنْ رسول الله ﷺ سئل: أي الكلام أفضل؟ قال: "ما اصطفى الله لملائكته: سبحان الله وبحمده".
وروى البيهقي (٢٤١) عن عبد الرحمن بن قرط أن رسول الله ﷺ ليلة أُسري به سمع تسبيحًا في السموات العلى: "سبحان العلي الأعلى، "] [¬٣]. ﴿قَال إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ و [¬٤] قال قتادة: فكان في علم الله أنه سيكون في [¬٥] علم تلك الخليقة [¬٦] أنبياء
стр. 427
ورسل وقوم صالحون وساكنو الجنة.
وسيأتي عن ابن مسعود وابن عباس وغير [¬١] واحد من الصحابة والتابعين أقوال في حكمة قوله تعالى: ﴿قَال إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾.
[وقد استدل القرطبي وغيره بهذه الآية على وجوب نصب الخليفة ليفصل بين الناس فيما اختلفوا فيه، ويقطع تنازعهم، وينتصر لمظلومهم من ظالمهم، ويقيم الحدود، ويزجر عن تعاطي الفواحش، إلى غير ذلك من الأمور المهمة التي لا تمكن إقامتها إلا بالإمام، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.
والإمامة تُنال بالنص، كما يقوله طائفة من أهل السنة في أبي بكر، أو بالإيماء إليه كما يقول آخرون منهم، أو باستخلاف الخليفة آخر بعده. كما فعل الصديق بعمر بن الخطاب، أو بتركه شورى في جماعة صالحين كذلك كما فعله عمر، أو باجتماع أهل الحل والعقد على مبايعته، أو بمبايعة واحد منهم له فيجب التزامها عند الجمهور، وحكى على ذلك إمام الحرمين الإجماع، واللَّه أعلم.
أو بقهر واحد الناس على طاعته فتجب لئلا يؤدي ذلك إلى الشقاق والاختلاف، وقد نص عليه الشافعي.
وهل يجب الإشهاد على عقد الإمامة؟ فيه خلاف؛ فمنهم من قال: لا يشترط، وقيل: بلى، ويكفي شاهدان، وقال الجبائي: يجب أربعة، وعاقد ومعقود له، كما ترك عمر ﵁ الأمر شورى بين ستة، فوقع الأمر على عاقد وهو عبد الرحمن بن عوف، ومعقود له وهو عثمان، واستنبط وجوب الأربعة الشهود من الأربعة الباقين، وفي هذا نظر، والله أعلم.
ويجب أن يكون ذكرا حرًّا بالغًا عاقلًا مسلمًا عدلًا مجتهدًا بصيرا سليم الأعضاء خبيرا بالحروب والآراء قرشيًّا على الصحيح، ولا يشترط الهاشمي، ولا المعصوم من الخطأ، خلافًا للغلاة الروافض، ولو فسق الإمام هل ينعزل أم لا؟ فيه خلاف، والصحيح أنه لا ينعزل لقوله ﵊ "إلا أن تروا كفرًا بواحًا عندكم من الله فيه برهان" (٢٤٢).
стр. 428
وهل له أن يعزل نفسه؟ فيه خلاف، وقد عزل الحسن بن علي ﵁ نفسه وسلم الأمر إلى معاوية، لكن هذا لعذر، وقد مُدح على ذلك.
فأما نصب إمامين في الأرض أو أكثر فلا يجوز؛ لقوله ﵊ "من جاءكم وأمركم جميع يريد أن يفرق بينكم فاقتلوه كائنًا من كان" (٢٤٣).
وهذا قول الجمهور، وقد حكى الإجماع على ذلك غيرُ واحدٍ؛ منهم إمام الحرمين، وقالت الكرامية: يجوز اثنين فأكثر، كما كان علي ومعاوية إمامين واجبي الطاعة، قالوا: وإذا جاز بعث نبيين في وقت واحد وأكثر، جاز ذلك في الإمامة؛ لأن النبوة أعلى رتبة بلا خلاف، وحكى إمام الحرمين عن الأستاذ أبي إسحاق أنه جوّز نصب إمامين فأكثر إذا تباعدت الأقطار واتسعت الأقاليم بينهما، وتردد إمام الحرمين في ذلك.
قلت: وهذا يشبه حال خلفاء بني العباس بالعراق، والفاطميين بمصر، والأمويين بالمغرب، ولنقرر هذا كله في موضع آخر من كتاب "الأحكام". إن شاء الله تعالى] [¬١].
﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَال أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٣١) قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إلا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (٣٢) قَال يَاآدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ قَال أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ (٣٣)﴾
هذا مقام ذَكَرَ الله تعالى فيه شرف آدم على الملائكة، بما اختصه [به] [¬٢] من علم أسماء كل شيء دونهم، وهذا كان بعد سجودهم له، وإنما قدّم هذا الفصل على ذاك لمناسبة ما بين هذا المقام وعدم علمهم بحكمة [¬٣] خلق الخليفة [¬٤]، حين سألوا عن ذلك، فأخبرهم تعالى بأنه يعلم ما لا يعلمون؛ ولهذا ذكر الله هذا المقام عقيب هذا؛ ليبين لهم شرف آدم بما فضل به عليهم في العلم، فقال تعالى: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾.
стр. 429
وقال السدي عمن حدّثه عن ابن عباس (٢٤٤): ﴿وعلم آدم الأسماء كلها﴾ قال: علمه [¬١] أسماء ولده إنسانًا [إنسانًا] [¬٢] والدواب، فقيل: هذا الحمار، هذا الجمل، هذا الفرس.
وقال الضحاك عن ابن عباس (٢٤٥): ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾ [قال: هي هذه الأسماء] [¬٣] التي يتعارف بها الناس إنسان، ودواب [¬٤]، وسماء [¬٥]، وأرض، وسهل، وبحر، وخيل [¬٦]، وحمار، وأشباه ذلك من الأمم وغيرها.
وروى ابن أبي حاتم وابن جرير (٢٤٦) من حديث عاصم بن كليب عن سعيد بن معبد [¬٧]، عن ابن عباس: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾ قال: علمه اسم الصحفة والقدر؟ قال: نعم حتى الفسوة والفُسَيَّة [¬٨].
وقال مجاهد: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾ قال: علمه [¬٩]، اسم كل دابة، وكل طير، وكل شيء.
وكذلك رُوي عن سعيد بن جبير وقتادة وغيرهم من السلف أنه علمه أسماء كل شيء. وقال الربيع في رواية عنه: أسماء الملائكة.
وقال حميد الشامي: أسماء النجوم.
وقال عبد الرحمن بن زيد: علمه أسماء ذريته كلهم.
واختار ابن جرير أنه علمه أسماء اللائكة وأسماء الذرية، لأنه قال: ﴿ثُمَّ عَرَضَهُمْ﴾ وهذا عبارة عما يعقل. وهذا الذي رجح به ليس بلازم، فإنه لا ينفي أن يدخل معهم غيرهم، ويعبر عن الجميع بصيغة من يعقل للتغليب. كما قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى رِجْلَينِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى أَرْبَعٍ يَخْلُقُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ إِنَّ
стр. 430
اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ﴾.
[وقد قرأ عبد الله بن مسعود ﴿ثم عرضهن﴾. وقرأ أبي بن كعب: ﴿ثم عرضها﴾، أي: السموات] [¬١].
والصحيح أنه علمه أسماء الأشياء كلها ذواتها وصفاتها [¬٢] وأفعالها، كما قال ابن عباس: حتى الفسوة والفُسيّة، يعني: أسماء الذوات والأفعال المكبر والمصغر؛ ولهذا قال البخاري في تفسير هذه الآية في [¬٣] كتاب التفسير من صحيحه (٢٤٧):
حدثنا مسلم بن إبراهيم، حدَّثنا هشام، حدثنا قتادة، عن أنس بن مالك: أن رسول الله ﷺ قال -وقال لي خليفة: حدَّثنا يزيد بن زُرَيع، حدَّثنا سعيد، عن قتادة، عن أنس، عن النبي ﷺ قال: "يجتمع المؤمنون يوم القيامة، فيقولون: لو استشفعنا إلى ربنا؟ فيأتون آدم فيقولون: أنت أبو الناس، خلقك الله بيده، وأسجد لك ملائكته، وعلمك أسماء كل شيء، فاشفع لنا عند ربك حتى يريحنا من مكاننا هذا، فيقول: لست هُنَاكُم، ويذكر ذنبه فيستحي، فيقول [¬٤]: ائتوا نوحًا فإنه أول رسول بعثه الله إلى أهل الأرض، فيأتونه فيقول: لست هناكم، ويذكر سؤاله ربه ما ليس له به علم فيستحي، فيقول: ائتوا خليل الرحمن، فيأتونه، فيقول: لست هناكم. فيقول [¬٥]: ائتوا موسى عبدًا كلمه [¬٦] الله وأعطاه التوراة، فيأتونه، فيقول: لست هناكم. في يذكر قتل النفس بغير نفس؛ فيستحي من ربه. فيقول [¬٧]: ائتوا عيسى عبدَ الله ورسوله وكَلِمَةَ الله وروحه، فيأتونه [¬٨]، فيقول: لست هناكم، ائتوا محمدًا عبدًا غَفَر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، فيأتوني، فأنطلق حتى أستأذن على ربي فيؤذن لي، فإذا رأيت ربي وقعتُ ساجدًا، فيدعني ما شاء الله، ثم يقال: ارفع رأسك، وسل تعطه، وقُل يسمع، واشفع تشفع، فأرفع رأسي فأحمده بتحميد يعلمنيه، ثم أشفع فَيَحدُّ لي حدًّا فأدخلهم الجنة، ثم أعود إليه، فإذا [¬٩] رأيت ربي مثله، ثم أشفع فيحد لي حدًّا فأدخلهم الجنة، [ثم أعود الثالثة] [¬١٠]، ثم أعود الرابعة فأقول: ما بقي في النار إلا من حبسه القرآن ووجب عليه الخلود.
هكذا ساق البخاري هذا الحديث هاهنا، وقد رواه مسلم والنسائي من حديث هشام، وهو ابن
стр. 431
أبي عبد الله الدستوائى، عن قتادة، به (٢٤٨).
وأخرجه مسلم والنسائي وابن ماجة من حديث سعيد، و [¬١] هو ابن أبي عروبة، عن قتادة (٢٤٩).
ووجه إيراده هاهنا والمقصود منه قوله ﵊ "فيأتون آدم فيقولون: أنت أبو الناس خلقك الله بيده، وأسجد لك ملائكته، وعلمك أسماء كل شيء".
فدل هذا على [¬٢] أنه علمه [¬٣] أسماء جميع المخلوقات؛ ولهذا قال ﴿ثم عرضهم على الملائكة﴾ يعني المسميات، كما قال عبد الرزاق، عن مَعْمَر، عن قتادة قال: ثم عرض تلك الأسماء على الملائكة: ﴿فَقَال أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾.
وقال السدي في تفسيره (٢٥٠): عن أبي مالك، وعن أبي صالح، عن ابن عباس - وعن مرّة، عن ابن مسعود، وعن ناس من الصحابة ﴿وعلم آدم الاسماء كلها﴾ ثم عرض الخلق على الملائكة.
وقال ابن جريج، عن مجاهد ﴿ثم عرضهم﴾: عرض أصحاب الأسماء على الملائكة.
وقال ابن جرير (٢٥١): حدثنا القاسم، حدثنا الحسين، حدثني الحجاج، عن جرير بن حازم ومبارك بن فضالة، عن الحسن -وأبي بكر، عن الحسن وقتادة- قال: علمه اسم كل شيء، [وجعل يسمي كل شيء] [¬٤] باسمه، وعُرضت عليه أمَّة، أمَّة.
وبهذا الإسناد عن الحسن وقتادة، في قوله تعالى: ﴿إن كنتم صادقين﴾. إني لم أخلق خلقًا إلا كنتم أعلم منه، فأخبروني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين.
وقال الضحاك: عن ابن عباس (٢٥٢): ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ إن كنتم تعلمون أني [¬٥] لم
стр. 432
أجعل في الأرض خليفة.
وقال السدي (٢٥٣) عن أبي مالك، وعن أبي صالح عن ابن عباس، وعن مرّة، عن ابن مسعود، وعن ناس من الصحابة: ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ أن بني آدم يفسدون في الأرض ويسفكون الدماء.
وقال ابن جرير: وأولى الأقوال في ذلك تأويل ابن عباس ومن قال بقوله، ومعنى ذلك فقال: أنبئوني بأسماء من عَرَضْتُه عليكم أيها [¬١] الملائكة القائلون: أتجعل فيها [¬٢] من يفسد فيها [¬٣] ويسفك الدماء؟ من غيرنا، أم منا، فنحن نسبح بحمدك ونقدس لك إن كنتم صادقين في قِيلكم، إني إنْ جعلت خليفتي في الأرض من غيركم عصاني و [¬٤] ذريته وأفسدوا وسفكوا الدماء، وإن جعلتكم فيها أطعتموني واتبعتم [¬٥] أمري بالتعظيم لي والتقديس، فإذا [¬٦] كنتم لا تعلمون أسماء هؤلاء الذين عرضت عليكم وأنتم تشاهدونهم، فأنتم بما هو غير موجود من الأمور الكائنة التي لم توجد أحرى أن تكونوا [¬٧] غير عالمين. ﴿قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إلا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾.
هذا تقديس وتنزيه من الملائكة للَّه تعالى أن يحيط أحد بشيء من علمه إلا بما شاء، وأن يعلموا شيئًا إلا ما علمهم الله تعالى؛ ولهذا قالوا: ﴿قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إلا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ [الْحَكِيمُ] [¬٨]﴾ أي: العليم بكل شيء، الحكيم في خلقك وأمرك، وفي تعليمك من تشاء ومنعك من تشاء، لك الحكمة في ذلك والعدل التام.
قال ابن أبي حاتم (٢٥٤): حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا حفص بن غياث، عن حجاج، عن ابن أبي مليكة، عن ابن عباس: سبحان الله. قال: تنزيه الله نفسه عن السوء، قال [¬٩]: ثم قال عمر لعلي -وأصحابه عنده-: لا إله إلا الله قد عرفناها، فما سبحان الله؟ فقال له علي: كلمة أحبها الله لنفسه، ورضيها، وأحب أن تقال:
стр. 433
قال (٢٥٥): وحدثنا أبي، حدثنا ابن نفيل، حدثنا النضر بن عربي [¬١] قال: سأل رجل ميمون بن مهران عن "سبحان الله" قال [¬٢]: اسم يُعَظّمُ الله به ويحاشى به من السوء.
وقوله تعالى: ﴿قَال يَاآدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ قَال أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾.
قال زيد بن أسلم: قال: أنت جبرائيل، أنت ميكائيل، أنت إسرافيل، حتى عدّد الأسماء كلها، حتى بلغ الغراب.
وقال مجاهد في قول الله: ﴿قَال يَاآدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ﴾ قال اسم الحمامة، والغراب، واسم كل شيء.
وروي عن سعيد بن جبير، والحسن، وقتادة نحو ذلك. فلما ظهر فضل آدم ﵇ على الملائكة ﵈ في سرده ما [¬٣] علمه اللَّه تعالى من أسماء الأشياء، قال الله تعالى للملائكة: ﴿قَال أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾ أي: ألم أتقدم إليكم أني أعلم الغيب الظاهر والخفي؛ كما قال تعالى: ﴿وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى﴾. وكما قال تعالى إخبارًا عن الهدهد أنه قال لسليمان: ﴿أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إلا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾.
وقيل في معنى [¬٤] قوله تعالى ﴿وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾ غيرُ ما ذكرناه؛ فروى الضحاك عن ابن عباس ﴿وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾ قال: يقول [¬٥]: أعلم السر كما أعلم العلانية، يعني ما كَتَم إبليس في نفسه من الكبر والاغترار.
وقال السدي (٢٥٦): عن أبي مالك، وعن أبي صالح عن ابن عباس وعن مرة عن ابن مسعود، وعن ناس من الصحابه قال: قولهم: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا [وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ﴾. الآية] [¬٦]. فهذا الذي أبدوا ﴿وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُون﴾ يعني: ما أسر إبليس في نفسه من الكبر، وكذلك قال سعيد بن جبير ومجاهد والسدي والضحاك والثوري، [واختاره مالك و] [¬٧] ابن
стр. 434
جرير.
وقال أبو العالية والربيع بن أنس والحسن وقتادة: هو قولهم: لم يخلق ربنا خلقًا إلا كنا أعلم منه وأكرم عليه منه.
وقال أبو جعفر الرازي: عن الربيع بن أنس: ﴿وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾ فكان الذي أبدوا هو [¬١]، قولهم: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا [وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ [¬٢]﴾ وكان الذي كتموا بينهم قولهم: لم يخلق ربنا خلقًا إلا كنا [¬٣] نحن أعلم منه وأكرم. فعرفوا أن الله فضل عليهم آدم في العلم والكرم.
وقال ابن جرير (٢٥٧): حدَّثنا يونس، حدَّثنا ابن وهب، عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم في قصة الملائكة وآدم فقال الله للملائكة: كما لم تعلموا هذه الأسماء فليس لكم علم، إنما أردت أن أجعلهم ليفسدوا فيها، هذا عندي قد علمته، ولذلك أخفيت عنكم أني أجعل فيها من يعصيني ومن يطعني، قال: وقد [¬٤] سبق من الله ﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ قال: ولم تعلم الملائكة ذلك ولم يدروه، قال: فلما [¬٥] رأوا ما أعطى الله آدم من العلم أقرّوا له بالفضل.
وقال ابن جرير: وأولى الأقوال في ذلك قول ابن عباس، وهو أن معنى قوله تعالى ﴿وأعلم ما تبدون﴾ وأعلم -مع علمي غيب السموات والأرض- ما تظهرونه [¬٦] بألسنتكم ﴿وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾ تخفونه] [¬٧] في أنفسكم، فلا يخفى علي شيء، سواء عندي سرائركم وعلانيتكم.
والذي أظهروه بألسنتهم قولهم: أتجعل فيها من يفسد فيها، والذي كانوا يكتمونه [¬٨] ما كان منطويا عليه إبليس من الخلاف على الله في أوامره [¬٩]، والتكبر عن طاعته.
قال: وصح ذلك كما تقول العرب: قُتِل الجيش وهُزموا، وإنما قتل الواحد أو [¬١٠] البعض، وهزم الواحد أو [¬١١] البعض، فيخرج الخبر عن المهزوم منه و [¬١٢] المقتول مخرج الخبر عن جميعهم، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ﴾ ذُكِر أن الذي نادى إنما كان واحدًا من بني تميم، قال: وكذلك قوله: ﴿وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾.
стр. 435
﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إلا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ (٣٤)﴾.
وهذه كرامة عظيمة من الله تعالى لآدم، امتن بها على ذريته، حيث أخبر أنه تعالى أمر الملائكة بالسجود لآدم، وقد دل على ذلك أحاديث أيضًا كثيرة، منها حديث الشفاعة المتقدم، وحديث موسى ﵇ "رب أرني آدم الذي أخرجنا ونفسه من الجنة، فلما اجتمع به قال: أنت آدم الذي خلقه الله [¬١] بيده، ونفخ فيه من روحه وأسجد له ملائكته … (٢٥٨). قال وذكر الحديث كما سيأتي [إن شاء الله] [¬٢].
وقال ابن جرير (٢٥٩): حدَّثنا أبو كريب، حدَّثنا عثمان بن سعيد، حدَّثنا بشر بن عمارة، عن أبي روق، عن الضحاك، عن ابن عباس قال: كان إبليس من حي من أحياء الملائكة يقال لهم: الحن، خلقوا من نار السموم، من بين الملائكة، وكان اسمه الحارث، وكان خازنًا من خزان الجنة، قال: وخلقت الملائكة كلهم من غير غير هذا الحي، قال: وخلقت الجن الذين ذكروا في القرآن من مارج من نار، [وهو لسان النار الذي يكون في طرفها إذا ألهبت.
قال: وخلق الإنسان من طين] [¬٣]، فأول من سكن الأرض الجن فأفسدوا فيها وسفكوا الدماء [¬٤]، وقتل بعضهم بعضًا.
قال: فبعث الله إليهم إبليس في جند من الملائكة، وهم هذا الحي اللذين [¬٥] يقال لهم: الجن - فقتلهم إبليس ومن معه، حتى ألحقهم بجزائر البحور وأطراف الجبال، فلما فعل إبليس ذلك اغتر في نفسه، فقال: قد صنعت شيئًا لم يصنعه أحد.
قال: فاطلع الله على ذلك من قلبه، ولم تطع [¬٦] عليه الملائكة الذين كانوا معه، فقال الله تعلى للملائكة الذين كانوا [¬٧] معه: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ فقالت الملائكة مجيبين له: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ﴾ كما أفسدت الجن وسفكت الدماء، وإنما بعثتنا عليهم لذلك؟ فقال الله تعالى: ﴿إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾. يقول: إِني قد اطلعت
стр. 436
من [¬١] قلب إبليس على ما لم تطلعوا عليه من كبره واغتراره. قال: ثم أمر بتربة آدم فرفعت، فخلق الله آدم من طين لازب، واللازب اللزج الصلب [¬٢]، من حمإ مسنون منتن، وإنما كان حمأ مسنونًا بعد التراب، فخلق منه آدم بيده.
قال: فمكث أربعين ليلة جسدًا ملقى، وكان [¬٣] إبليس يأتيه فيضربه برجله، فيصلصل [أي] [¬٤] فيصوت قال: فهو قول الله تعالى: ﴿من صلصال كالفخار﴾ يقول: كالشيء المنفرج الذي ليس بمصمت.
قال: ثم يدخل في فيه ويخرج من دبره، ويدخل من دبره ويخرج من فِيه، ثم يقول: لست شيئًا للصلصلة، وَلِشَيء مَا خُلِقْتَ ولئن سلَّطت عليك لأهلكنك، ولئن سلطتَ عليَّ لأعصينك [¬٥].
قال: فلما نفخ الله فيه من روحه، أتت النفخة من قِبل رأسه فجعل لا يجري شيء منها في جسده إلا صار لحمًا ودمًا، فلما انتهت النفخة إلى سرته نظر إلى جسده فأعجبه [ما رأى من جسده] [¬٦] فذهب لينهض فلم يقدر، فهو قول الله تعالى: ﴿وكان [¬٧]، الإنسان عجولًا﴾ قال: ضَجِرًا [¬٨] لا صبرَ له على سراء ولا ضراء.
قال: فلما تمت النفخة في جسده عطس، فقال: "الحمد لله رب العالمين" -بإلهام الله- فقال الله له: "يرحمك الله يا آدم! ". قال: ثم قال تعالى: للملائكة الذين كانوا مع إبليس خاصة دون الملائكة الذين في السموات-: اسجدوا لآدم؛ فسجدوا كلهم أجمعون إلا إبليس أبي واستكبر، لما كان حدّث نفسه من الكبر والاغترار.
فقال: لا أسجد له، وأنا خير منه وأكبر سنًّا وأقوى خلقًا، خلقتني من نار وخلقته من طين. يقول: إن النار أقوى من الطين. قال: فلما أبى إبليس أن يسجد أبلسه الله، أي [¬٩]: آيسه من الخير كله، وجعله شيطانًا رجيمًا عقوبة لمعصيته.
ثم علّم آدم الأسماء كلها، وهي هذه الأسماء التي يتعارف بها الناس إنسان ودابة، وأرض وسهل، وبحر وجبل وحمار، وأشباه ذلك من الأمم وغيرها.
стр. 437
ثم عرض هذه الأسماء على أولئك الملائكة يعني: الملائكة الذين كانوا مع إبليس، الذين خلقوا من نار السموم وقال لهم: ﴿أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ﴾ أي [¬١] يقول: أخبروني بأسماء هؤلاء ﴿إن كنتم صادقين﴾ إن كنتم تعلمون لِم أجعل في الأرض خليفة.
قال: فلما علمت الملائكة موجدة الله عليهم فيما تكلموا به من علم الغيب، الذي لا يعلمه غيره، الذي ليس لهم به علم ﴿قالوا سبحانك﴾ تنزيهًا لله من أن يكون أحد يعلم الغيب غيره- و [¬٢] تبنا إليك ﴿لَا عِلْمَ لَنَا إلا مَا عَلَّمْتَنَا﴾ تبريًّا منهم من علم الغيب، إلا ما علمتنا كما علمت آدم فقال: ﴿قَال يَاآدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ﴾ يقول: أخبرهم بأسمائهم ﴿[فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ] [¬٣] قَال أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ﴾ أيتها [¬٤] الملائكة خاصة ﴿إني أعلم غيب السموات والأرض﴾ ولا يعلم غيري ﴿وأعلم ما تبدون﴾ يقول: ما تظهرون ﴿وما كنتم تكتمون﴾ يقول: أعلم السر كما أعلم العلانية، يعني ما كتم إبليس في نفسه من الكبر والاغترار.
هذا سياق غريب، وفيه أشياء فيها نظر، يطول مناقشتها، وهذا الإسناد إلى ابن عباس يروى به تفسير مشهور.
وقال السدي في تفسيره (٢٦٠)، عن أبي مالك، وعن أبي صالح، عن ابن عباس - وعن مرة، عن ابن مسعود، وعن أناس من أصحاب النبي [¬٥] ﷺ لما فرغ الله من خلق ما أحب استوى على العرش، فجعل إبلس على مُلك السماء [¬٦] الدنيا، وكان من قبيلة من الملائكة يقال لهم الجن، وإنما سموا الجن، لأنهم خزان الجنة، وكان إبليس مع مُلكه خازنًا، فوقع في صدره [كبر] [¬٧] وقال: ما أ عطاني الله هذا إلا لمزية لي على الملائكة.
فلما وقع ذلك الكبر في نفسه اطلع الله على ذلك منه فقال [¬٨] الله للملائكة: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ فقالوا: [¬٩] ربنا؛ وما يكون ذلك الخليفة؟ قال: يكون له ذرية يفسدون في الأرض ويتحاسدون ويقتل بعضهم بعضًا.
قالوا: [ربنا] أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك قال: إني أعلم ما لا تعلمون. يعني: من شأن إبليس. فبعث الله [¬١٠] جبريل إلى الأرض ليأتيه
стр. 438
بطين منها، فقالت الأرض: إني أعوذ بالله منك أن تقبض [¬١] مني أو تشينني، فرجع ولم يأخذ، وقال: رب مني عاذت بك فأعذتها، فبعث ميكائيل، فعاذت منه فأعاذها [¬٢]، فرجع فقال كما قال جبريل، فبعث ملك الموت فعاذت منه، فقال: وأنا أعوذ بالله أن أرجع ولم أنفذ أمره، فأخذ من وجه الأرض وخلط، ولم يأخذ من مكان واحد، وأخذ من تربة حمراء وبيضاء وسوداء؛ فلذلك خرج بنو آدم مختلفين، فصعد به فَبَلّ التراب حتى عاد طينًا لازبًا، واللازب هو الذي يلتزق بعضه ببعض، ثم قال للملائكة: ﴿إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإ مَسْنُونٍ (٢٨) فَإِذَا سَوَّيتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ﴾ فخلقه الله بيده لئلا يتكبر إبليس عنه، ليقول له: تتكبر عما عملت بيدي، ولم أتكبر أنا عنه يخلقه بشرًا، فكان جسدًا من طين أربعين سنة من مقدار يوم الجمعة، فمرّت به الملائكة ففزعوا منه لما رأوه، وكان أشدهم فزعًا منه [¬٣] إبليس، فكان يمر به فيضربه فيصوت الجسد كما يصوت الفخار تكون له صلصلة فذلك [¬٤] حين يقول: ﴿من صلصال كالفخار﴾ ويقول: لأمر ما خلقت.
ودخل من فيه فخرج من دبره، وقال للملائكة: لا ترهبوا من هذا؛ فإن ربكم صمد وهذا أجوف، لئن سلطت عليه لأهلكنه، فلما بلغ الحين الذي يريد الله أن ينفخ فيه الروح قال للملائكة: إذا نفختُ فيه من روحي فاسجدوا له، فلما نفخ فيه الروح فدخل الروح في رأسه عطس فقالت الملائكة: قل: الحمد لله، [فقال: الحمد لله] [¬٥]، فقال له الله: "رحمك ربك".
فلما دخلت الروح في عينيه نظر إلى ثمار الجنة، فلما دخل الروح إلى جوبه اشتهى المام، فوثب قبل أن تبلغ الروح رجليه عجلان إلى ثمار الجنة، فذلك حين يقول الله تعالى: ﴿خُلق الإنسان من عجل﴾ ﴿فسجد الملائكة كلهم أجمعون إلا إبليس أبى أن يكون مع الساجدين﴾ ﴿أبى واستكبر وكان من الكافرين﴾.
قال الله له: ما منعك أن تسجد إذ أمرتك لما خلقتُ بيدي؟ قال: أنا خير منه، لم أكن لأسجد لبشر [¬٦] خلقته من طين.
قال الله له: ﴿فاهبط [¬٧] منها فما يكون لك﴾ يعني ما ينبغي لك ﴿أن تتكبر فيها فاخرج [¬٨] إنك من الصاغرين﴾ والصغار هو الذل.
стр. 439
قال: ﴿وعلم آدم الأسماء كلها﴾ ثم عرض الخلق على الملائكة ﴿فقال أنبئوني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين﴾ أن بني آدم يفسدون في الأرض ويسفكون الدماء، فقالوا له [¬١]: ﴿سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم﴾ قال الله: ﴿يا آدم أنبئهم بأسمائهم فلما أنبأهم بأسمائهم قال ألم أقل لكم إني أعلم غيب السموات والأرض وأعلم ما تبدون وما كنتم تكتمون﴾.
قال: قولهم: ﴿أتجعل فيها من يفسد فيها﴾ فهذا الذي أبدوا ﴿[وما كنتم] [¬٢] تكتمون﴾ يعني ما أسر إبليس في نفسه من الكبر.
فهذا الإسناد إلى هؤلاء الصحابة مشهور في تفسير السديّ، ويقع فيه إسرائيليات كثيرة، فلعل بعضها مدرج [¬٣] ليس من كلام الصحابة، أو أنهم أخذوه من بعض الكتب المتقدمة، والله أعلم. والحاكم يروي في مستدركه بهذا الإسناد بعينه أشياء، ويقول: على شرط البخاري (٢٦١).
والغرض أن الله تعالى لما أمر الملائكة بالسجود لآدم، دخل إبليس في خطابهم، لأنه -وإن لم يكن من عنصرهم- إلا أنه كان قد تشبه بهم وترسم [¬٤] بأفعالهم، فلهذا دخل في الخطاب لهم، وذم في مخالفة الأمر، وسنبسط المسألة إن شاء الله تعالى عند قوله تعالى: ﴿إلا إبليس كان من الجن ففسق عن أمر ربه﴾.
ولهذا قال محمد بن إسحاق، عن خلاد (٢٦٢)، عن عطاء، عن طاوس، عن ابن عباس قال: كان إبليس قبل أن يركب المعصية من الملائكة اسمه عزازيل، وكان من سكان الأرض، وكان من أشد الملائكة اجتهادًا، وأكثرهم علمًا، فذلك [¬٥] دعاه إلى الكبر، وكان من حي يسمون حنًّا [¬٦].
وفي رواية عن خلاد، عن عطاء، عن طاوس -أو مجاهد- عن ابن عباس، أو غيره، بنحوه (٢٦٣).
стр. 440
وقال ابن أبي حاتم (٢٦٤): حدثنا أبي، حدثنا سعيد بن سليمان، حدثنا عباد -يعني ابن العوّام- عن سفيان بن حسين، عن يعلى بن مسلم، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: كان إبليس اسمه عزازيل، وكان من أشراف [¬١] الملائكة من ذوي الأجنحة الأربعة، ثم أبلس [¬٢] بعد.
وقال سُنَيد [¬٣]، عن حجاج، عن ابن جريج (٢٦٥)، قال: قال ابن عباس: كان إبليس من أشراف الملائكة وأكرمهم قبيلة، وكان خازنًا على الجنان، وكان له سلطان سماء الدنيا، وكان له سلطان على [¬٤] الأرض.
وهكذا روى الضحاك وغيره عن ابن عباس، سواء (٢٦٦).
وقال صالح مولى التَّوأمة [¬٥] (٢٦٧) عن ابن عباس: إن من الملائكة قَبيلًا يقال لهم: الحن، وكان [¬٦] إبليس منهم، وكان [يسوس] [¬٧] ما بين السماء والأرض، فعصى، فمسخه الله شيطانًا رجيمًا. رواه ابن جرير.
وقال قتادة، عن سعيد بن المسيب: كان إبليس رئيس ملائكة سماء الدنيا (٢٦٨).
وقال ابن جرير (٢٦٩): حدثنا محمد بن بشار، حدثنا عدي [¬٨] بن أبي عدي، عن عوف، عن الحسن قال: ما كان إبليس من الملائكة طرفة عين قط، وإنه لأصل الجن، كما أن آدم أصل الإنس.
وهذا إسناد صحيح عن الحسن. وهكذا قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم سواء.
стр. 441
وقال شهر بن حوشب: كان إبليس من الجن الذين طردتهم الملائكة، فأسره بعض الملائكة فذهب به إلى السماء. رواه ابن جرير.
وقال سنيد بن داود (٢٧٠): حدثنا هشيم، أنبأنا عبد الرحمن بن يحيى، عن موسى بن نمير، وعثمان بن سعيد بن كامل، عن سعد بن مسعود قال: كانت الملائكة تقاتل الجن، فسبي إبليس وكان صغيرًا، فكان مع الملائكة، يتعبد [¬١] معها، فلما أمروا بالسجود لآدم سجدوا [¬٢]، فأبى إبليس فلذلك قال تعالى: ﴿إلا إبليس كان من الجن﴾.
وقال ابن جرير (٢٧١): حدثنا محمد بن سنان القزاز، حدثنا أبو عاصم، عن شريك، عن رجل، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: إن الله خلق خلقًا فقال: اسجدوا لآدم. فقالوا: لا نفعل. فبعث الله عليهم نارًا فأحرقتهم [¬٣]. ثم خلق خلقًا آخر فقال: ﴿إني خالق بشرًا من طين﴾ اسجدوا لآدم. قال: فأبوا. فبعث الله عليهم نارًا فأحرقتهم. ثم خلق هؤلاء، فقال: اسجدوا لآدم. قالوا: نعم. وكان إبليس من أولئك الذين أبوا أن يسجدوا لآدم.
وهذا غريب ولا يكاد يصح إسناده، فإن فيه رجلًا مبهمًا ومثله لا يحتج به، والله أعلم.
وقال قتادة في قوله تعالى: ﴿وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم﴾ فكانت الطاعة لله، والسجدة لآدم أكرم الله آدم بها [¬٤] أن أسجد له ملائكته.
وقال في قوله تعالى: ﴿فسجدوا إلا إبليس أبى واستكبر وكان من الكافرين﴾ حسد عدو الله إبليس آدم ﵇، على ما أعطاه الله من الكرامة، وقال: أنا ناري وهذا طيني. وكان بدء الذنوب الكبر، استكبر عدو اللَّه أن يسجد لآدم ﵇.
وقال بعض الناس: كان هذا سجود تحية وسلام وإكرام، كما قال تعالى: ﴿ورفع أبويه على العرش وخروا له سجدًا وقال: يا أبت، هذا تأويل رؤياي من قبل قد جعلها ربي حقًّا﴾.
وقد كان هذا مشروعًا في الأمم الماضية، ولكنه نسخ في ملتنا. قال معاذ: قدمت الشام فرأيتهم يسجدون لأساقفتهم وعلمائهم، فأنت يا رسول الله؛ أحق أن يسجد لك. فقال: "لا، لو كنت آمرًا بشرًا أن يسجد لبشر، لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها من عظم حقه عليها" (٢٧٢).
стр. 442
ورجحه الرازي وقال بعضهم: بل كانت السجدة لله وآدم قبلة فيها. كما قال تعالى: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ وفي هذا التنظير نظر، والأظهر أن القول الأول أولى، والسجدة لآدم إكرامًا وإعظامًا واحترامًا وسلامًا، وهي طاعة لله ؛ لأنها امتثال لأمره تعالى.
وقد قوّاه الرازي في تفسيره وضعف ما عداه من القولين الآخرين، وهما: كونه جُعل قبلة إذ لا يظهر فيه شرف.
والآخر: أن المراد بالسجود الخضوع لا الانحناء ووضع الجبهة على الأرض. وهو ضعيف كما قال:
وقال قتادة في قوله تعالى: ﴿فَسَجَدُوا إلا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ حسد عدوّ الله إبليس آدم ﵇، على ما أعطاه الله من الكرامة، وقال: أنا ناريٌّ وهذا طينيٌّ، وكان بدء الذنوب الكبر، استكبر عدوّ الله أن يسجد لآدم ﵇.
قلت: وقد ثبت في الصحيح "لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال حبة من خردل من كبر" (٢٧٣).
стр. 443
وقد كان في قلب إبليس من الكبر والكفر والعناد ما اقتضى طرده وإبعاده عن جناب الرحمة وحضرة القدس.
وقال ابن أبي حاتم (٢٧٤) حدثنا أبو [¬١] سعيد الأشج، حدثنا أبو أسامة، حدثنا صالح بن حيان، حدثنا عبد الله بن بريدة: قوله تعالى: ﴿وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ من الذين أبوا، فأحرقتهم النار.
وقال أبو جعفر، عن الربيع، عن أبي العالية: ﴿وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ يعني: من العاصين.
وقال السدي: ﴿وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ الذين لم يخلقهم الله يومئذ [¬٢] يكونون بعد.
وقال محمد بن كعب القرظي: ابتدأ الله خلق إبليس على الكفر والضلالة، وعمل بعمل الملائكة، فصيره الله إلى ما [ابتدأه] عليه خلقه من الكفر، قال الله تعالى: ﴿وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾.
[وقال قتادة في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ﴾ فكانت الطاعة لله والسجدة لآدم أكرم الله آدم بها أن أسْجَدَ له ملائكته.
قال بعض المعربين: وكان من الكافرين، أي: وصار من الكافرين بسبب امتناعه، كما قال: ﴿فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ﴾ وقال: ﴿فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ وقال الشاعر:
بتيهاء قفرٍ والمطيٌّ كأنها … قطا الحزن قد كانت فراخًا بيوضها
أي قد صارت.
وقال ابن فورك: تقديره وقد كان في علم الله من الكافرين.
ورجحه القرطبي وذكر هاهنا مسألة فقال: قال علماؤنا: من أظهر الله على يديه ممن ليس بنبي كرامات وخوارق العادات فليس ذلك دالًّا على ولايته خلافًا لبعض الصوفية والرافضة. هذا لفظه.
ثم استدل على ما قال بأنا لا نقطع بهذا الذي جرى الخارق على يديه أنه يوافي الله بالإيمان وهو لا يقطع لنفسه لذلك، يعني: والولي الذي يقطع له بذلك الأمر.
стр. 444
قلت: وقد استدل بعضهم على أن الخارق قد يكون على يد غير الولي، بل قد يكون على يد الفاجر والكافر أيضًا بما ثبت عن ابن صياد أنه قال: هو الدخ حين خبأ له رسول الله ﷺ ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ﴾ (٢٧٥). وبما كان يصدر عنه أنه كان يملأ الطريق إذا غضب حتى ضربه عبد الله بن عمر، وبما ثبتت به الأحاديث عن الدجال بما يكون على يديه من الخوارق الكثيرة؛ من أنه يأمر السماء أن تمطر فتمطر، والأرض أن تنبت فتنبت؛ وتتبعه كنوز الأرض مثل اليعاسيب؛ وأن يقتل ذلك الشاب ثم يحييه، إلى غير ذلك من الأمور المهولة.
وقد قال يونس بن عبد الأعلى الصدفي: قلت للشافعي: كان الليث بن سعد يقول: إذا رأيتم الرجل يمشي على الماء [] [¬١] فلا تغتروا به حتى تعرضوا أمره على الكتاب والسنة.
فقال الشافعي: قصر الليث ﵀ بل إذا رأيتم الرجل يمشي على الماء ويطير في الهواء فلا تغتروا به حتى تعرضوا أمره على الكتاب والسنة.
وقد حكى الرازي وغيره قولين للعلماء هلي المأمور بالسجود لآدم خاص بملائكة الأرض أو عام بملائكة السموات والأرض؟ وقد رجح كلًّا من القولين طائفة، وظاهر الآية الكريمة العموم ﴿فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ (٧٣) إلا إِبْلِيسَ﴾ فهذه أربعة أوجه مقوية للعموم، والله أعلم] [¬٢].
﴿وَقُلْنَا يَاآدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ (٣٥) فَأَزَلَّهُمَا الشَّيطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ (٣٦)﴾
يقول الله تعالى إخبارًا عما أكرم به آدم: بعد أن أمر الملائكة بالسجود له، فسجدوا إلا إبليس: إنه أباحه الجنة يسكن منها حيث يشاء، ويأكل منها ما شاء، رغدًا، أي: هنيئًا واسعًا طيبًا.
وروى الحافظ أبو بكر بن مردويه، من حديث محمد بن عيسى الدامغاني: حدَّثنا سلمة بن الفضل، عن ميكائيل، عن ليث، عن إبراهيم التيمي، عن أبيه، عن أبي ذر، قال: قلت: يا رسول الله؟ أرأيت آدم أنبيًّا كان؟ قال: "نعم نبيًّا رسولًا، [كلمه الله قِبَلًا] " [يعني عيانًا. فقال] [¬٣]: ﴿اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ﴾ (٢٧٦).
стр. 445
وقد اختلف في الجنة التي أسكنها آدم، أهي في السماء أم [¬١] في الأرض؟ والأكثرون على الأول، [وحكى القرطبي عن المعتزلة والقدرية القول بأنها في الأرض] [¬٢]، وسيأتي تقرير ذلك في سورة الأعراف إن شاء الله تعالى، وسياق الآية يقتضي أن حوّاء خلقت قبل دخول آدم الجنة.
وقد صرح بذلك محمد بن إسحاق حيث قال (٢٧٧): لما فرغ الله من معاتبة إبليس، أقبل على آدم وقد علمه الأسماء كلها فقال: ﴿يَاآدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ﴾ إلى قوله: ﴿إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ قال: ثم [¬٣] ألقيت السنة على آدم فيما بلغنا عن أهل الكتاب- من أهل التوراة وغيرهم من أهل العلم، عن ابن عباس وغيره- ثم أخذ ضلعًا من أضلاعه من شقه الأيسر، ولأم مكانه لحمًا، وآدم نائم لم يهُب من نومه حتى خلق الله من ضلعه تلك زوجته حوّاء، فسوّاها امرأة ليسكن إليها، فلما كُشِف عنه السنة وهبَّ من نومه، رآها إلى جنبه، فقال:- فيما يزعمون والله أعلم-"لحمى ودمي وروحي [¬٤] ". فسكنْ [¬٥] إليها، فلما زوّجه الله وجعل له سكنًا من نفسه قال له قِبَلًا [¬٦]: ﴿يَاآدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾.
ويقال: إن خلق حوّاء كان بعد دخوله الجنة كما قال السدي في خبر [¬٧] ذكره عن أبي مالك، وعن أبي صالح، عن ابن عباس- وعن مرّة، عن ابن مسعود، وعن ناس من الصحابة (٢٧٨): أخرج إبليس من الجنة، وأسكن آدم الجنة، فكان يمشي فيها وحْشًا ليس له زوج يسكن إليه، فنام نومة فاستيقظ، وعند رأسه امرأة قاعدة خلقها الله من ضلعه، فسألها: ما أنت؟ قالت: امرأة. قال: ولم خلقت؟ قالت: لتسكن إليَّ. قالت له الملائكة: -ينظرون ما بلغ من علمه- ما اسمها [¬٨] يا آدم؟ قال: حوّاء، قالوا [¬٩]: ولم [سميت] [¬١٠]، حوّاء؟ قال: إنها خلقت من شيء
стр. 446
حي (٢٧٩). قال الله: ﴿يَاآدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيثُ شِئْتُمَا﴾.
وأمّا قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ﴾ فهو اختبار من الله تعالى وامتحان لآدم. وقد اختلف في هذه الشجرة، ما هي؟ فقال السدي: عمن حدّثه، عن ابن عباس (٢٨٠): الشجرة التي نُهي عنها آدم ﵇ هي الكَرْم. وكذا قال سعيد بن جبير، والسدي، والشعبي، وجَعْدة بن هُبَيرة، ومحمد بن قيس.
وقال السدي أيضًا في خبر ذكره عن أبي مالك، وعن أبي صالح، عن ابن عباس وعن مرّة، عن ابن مسعود، وعن ناس من الصحابة: ﴿وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ﴾ هي الكرم.
وتزعم يهود أنها الحنطة.
وقال ابن جرير وابن أبي حاتم (٢٨١): حدثنا محمد بن إسماعيل بن سمرة الأحمسي، حدَّثنا أبو يحيى الحماني [¬١]، حدَّثنا النضر أبو عمر الخزّاز [¬٢]، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: الشجرة التي نُهي عنها آدم [﵇] هي السنبلة.
وقال عبد الرزاق (٢٨٢): أنبأنا [¬٣] ابن عيينة وابن المبارك، عن الحسن بن عمارة، عن المنهال بن عمرو، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: هي السنبلة.
وقال: محمد بن إسحاق عن رجل من أهل العلم، [] [¬٤]، عن مجاهد، عن ابن عباس، قال: هي البر.
وقال ابن جرير (٢٨٣): وحدّثني المثنى بن إبراهيم، حدَّثنا مسلم بن إبراهيم، حدَّثنا القاسم، حدّثني رجل من بني تميم، أن ابن عباس كتب إلى أبي الجلد [¬٥] يسأله [¬٦] عن الشجرة التي أكل
стр. 447
منها آدم والشجرة التي تاب عندها آدم. فكتب إليه [أبو الجلد] [¬١]: سألتني عن الشجرة التي نُهِيَ عنها آدم وهي السنبلة، وسألتني عن الشجرة التي تاب عندها آدم وهي الزيتونة.
وكذلك فسره الحسن البصري، ووهب بن منبه، وعطية العوفي، وأبو مالك ومحارب بن دثار، وعبد الرحمن بن أبي ليلى.
وقال محمد بن إسحاق عن بعض أهل اليمن، عن وهب بن منبه أنه كان يقول: هي [¬٢] البر، ولكن الحبة منها في الجنة ككُلَى البقر، و [¬٣] ألين من الزبد وأحلى من العسل.
وقال سفيان الثوري: عن حصين، عن أبي مالك: ﴿وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ﴾ قال: النخلة.
وقال ابن جرير: عن مجاهد: ﴿وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ﴾ قال: التينة [¬٤]، وبه قال قتادة وابن جريج.
وقال أبو جعفر الرازي: عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية، كانت الشجرة من أكل منها أحدث، ولا ينبغي أن يكون في الجنة حدث.
وقال عبد الرزاق (٢٨٤): حدثنا عمر بن عبد الرحمن بن مُهْرِب قال: سمعت وهب بن منبه يقول: لما أسكن الله آدم وزوجته الجنة ونهاه عن أكل الشجرة، وكانت شجرة غصونها متشعب بعضها في [¬٥] بعض، وكان لها ثمر تأكله الملائكة لخلدهم، وهي الثمرة [¬٦] التي نهى الله عنها آدم وزوجته.
فهذه أقوال ستة في تعيين [¬٧] هذه الشجرة.
قال الإمام العلامة أبو جعفر بن جرير (٢٨٥) ﵀: والصواب في ذلك أن يقال: إنّ الله جلَّ ثناؤه نهى آدم وزوجته عن أكل شجرة بعينها من أشجار الجنة، دون سائر أشجارها فأكلا منها، ولا علم عندنا بأي شجرة كانت على التعيين؛ لأن الله لم يضع لعباده دليلًا على ذلك في القرآن ولا من السنة الصحيحة.
стр. 448
وقد قيل: كانت شجرة البر وقيل: كانت شجرة العنب، وقيل: كانت شجرة التين. وجائز أن تكون [¬١] واحدة منها، وذلك عِلْمٌ إذا عُلِمَ لم ينفع العالمَ به علمُه، وإن جَهِلَهُ جاهل لم يضره جهله به، والله أعلم.
[وكذلك رجح الإبهام الرازي في تفسيره وغيره وهو الصواب] [¬٢].
وقوله تعالى: ﴿فَأَزَلَّهُمَا الشَّيطَانُ عَنْهَا﴾. يصح أن يكون الضمير في قوله: ﴿عَنْهَا﴾ عائدًا إلى الجنة، فيكون معنى الكلام كما قرأ [¬٣] عاصم بن بَهْدلة، وهو ابن أبي النَّجُود: فأزلهما، أي: فنحاهما، ويصح أن يكون عائدًا على أقرب المذكورين، وهو الشجرة، فيكون معنى الكلام كما قال الحسن وقتادة: "فأزلهما"، أي: من قَبِيلِ الزلل، فعلى هذا يكون تقدير الكلام ﴿فَأَزَلَّهُمَا الشَّيطَانُ عَنْهَا﴾ أي: بسببها، كما قال تعالى: ﴿يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ﴾ أي: يصرف بسببه من هو مأفوك؟ ولهذا قال تعالى: ﴿فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ﴾ أي: من اللباس والمنزل الرحب والرزق الهنيء والراحة.
﴿وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ﴾. أي [¬٤]: قرار وأرزاق وآجال ﴿إِلَى حِينٍ﴾ أي: إلى وقت مؤقت ومقدار معين، ثم تقوم القيامة.
وقد ذكر المفسرون من السلف كالسُّدّي بأسانيده، وأبي العالية، ووهب بن منبه وغيرهم، هاهنا أخبارًا إسرائيلية عن قصة الحية [¬٥] وإبليس، وكيف جرى من دخول إبليس إلى [¬٦] الجنة ووسوسته، وسنبسط ذلك، إن شاء الله، في سورة الأعراف، فهناك القصة أبسط منها هاهنا، والله الموفق.
وقد قال ابن أبي حاتم هاهنا (٢٨٦): حدثنا علي بن الحسن [¬٧] بن إشكاب، حدثنا علي بن
стр. 449
عاصم، عن سعيد بن أبي عَرُوبة، عن قتادة، عن الحسن، عن أبي بن كعب، قال: قال رسول الله، ﷺ : "إن الله خلق آدم رجلا طُوَالا، كثير شعر الرأس، كأنه نخلة سَحوق، فلما ذاق الشجرة سقط عنه لباسه، فأوّل ما بدا منه عورته، فلما نظر إلى عورته جعل يَشْتَدَّ في الجنة فأخذت شَعْرَه شجرةٌ، فنازعها، فناداه الرحمن يا آدم؛ مني تَفرُّ؟ فلما سمع كلام الرحمن، قال: يا رب؛ لا، ولكن استحياء".
قال (٢٨٧): وحدثني جعفر بن أحمد بن الحكم القرشي [¬١] سنة أربع وخمسين ومائتين، حدثنا سليمان [¬٢] بن منصور بن عمار، حدثنا علي بن عاصم، عن سعيد، عن قتادة، عن أبي ابن كعب قال: قال رسول الله ﷺ : "لما ذاق آدم من الشجرة فرّ [¬٣] هاربًا، فتعلقت شجرة بشعره، فنودي يا آدم؛ أفرارًا مني؟ قال بل حياء منك. قال: يا آدم؛ اخرج من جواري؛ فبعزتي لا يساكنني فيها من عصاني، ولو خلقت مثلك ملء الأرض خلقًا فم عصوني لأسكنتهم دار العاصين".
هذا حديث غريب، وفيه انقطاع، بل إعضال بين قتادة وأبي بن كعب، ﵁ [¬٤]!
وقال الحاكم (٢٨٨): حدَّثنا [¬٥] أبو بكر بن بَالُويَه [¬٦] عن محمد بن أحمد بن النضر، عن معاوية بن عمرو، عن زائدة، عن عمار بن [] [¬٧] معاوية البَجَلي، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: ما أسكن آدم الجنة إلا ما بين صلاة العصر إلى غروب الشمس.
ثم قال: صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه.
[وقال عبد بن حميد في تفسيره. حدَّثنا روح، عن هشام، عن الحسن، قال: لبث آدم في الجنة ساعة من نهار، تلك الساعة ثلاثون ومائة سنة من أيام الدنيا] [¬٨].
وقال أبو جعفر الرازي (٢٨٩): عن الربيع بن أنس قال: خرج [¬٩]، آدم من الجنة للساعة التاسعة
стр. 450
أو العاشرة، فأخرج آدم معه غصنًا من شجر الجنة على رأسه تاج من شجر الجنة، وهو الإكليل من ورق الجنة.
وقال السدي: قال الله تعالى: ﴿اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا﴾ فهبطوا ونزل [¬١] آدم بالهند، [ونزل معه الحجر الأسود، وقبضة من ورق الجنة فبثه بالهند] [¬٢] فنبتت شجرة [¬٣] الطب، فإنما أصل ما يجاء به من [الطيب من الهند] [¬٤] من قبضة الورق التي [¬٥] هبط بها آدم، وإنما قبضها [آدم حين أخرج من الجنة] [¬٦] أسفًا على الجنة حين أخرج منها.
وقال عمران بن عيينة (٢٩٠) عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: أهبط آدم من الجنة بدَحْناء أرض بالهند [¬٧].
وقال ابن أبي حاتم (٢٩١): حدَّثنا أبو زرعة، حدَّثنا عثمان بن أبي شيبة، حدَّثنا جرير، عن عطاء، عن سعيد، عن ابن عباس؛ قال: أهبط آدم ﵇ إلى أرض يقال لها دَحْناء، بين مكة والطائف.
وعن الحسن البصري قال: أهبط آدم بالهند، وحواء بجدة، وإبليس بدستميسان من البصرة على أميال، وأهبطت الحية بأصبهان. رواه ابن أبي حاتم (٢٩٢).
وقال [أبو محمد] [¬٨] بن أبي حاتم (٢٩٣): حدَّثنا محمد بن عمار بن الحارث، حدَّثنا محمد بن سعيد بن سابق، حدَّثنا عمرو بن أبي قيس، عن الزبير [¬٩] بن عدي، عن ابن عمر قال: أهبط آدم بالصفا وحواء بالمروة.
стр. 451
وقال رجاء بن أبي سلمة (٢٩٤): أهبط آدم ﵇ يداه على ركبتيه مطأطئًا رأسه، وأهبط إبليس مشبكًا [¬١] بين أصابعه رافعًا رأسه إلى السماء.
قال عبد الرزاق (٢٩٥): قال معمر: أخبرني عوف عن قسامة بن زهير، عن أبي موسى قال: إن الله حين أهبط آدم من الجنة إلى الأرض، علمه صنعة كل شيء، وزوده من ثمار الجنة، فثماركم هذه من ثمار الجنة، غير أن هذه تتغير وتلك لا تتغير.
وقال الزهري: عن عبد الرحمن بن هرمز الأعرج عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : خير يوم طلعت فيه الشمس يوم الجمعة، فيه خلق آدم، وفيه أدخل الجنة، وفيه أخرج منها". رواه مسلم والنسائي (٢٩٦).
[وقال الرازي: اعلم أن في هذه الآية تهديدًا عظيمًا عن كل المعاصي من وجوه: (الأوّل): إنما يتصوّر ما جرى على آدم بسبب إقدامه على هذه الزلة الصغيرة، كان على وجل شديد من المعاصي، قال الشاعر:
يا ناظرا يرنو بعينَيْ راقدٍ … ومشاهدًا للأمر غير مشاهدِ
تَصِلُ الذنوبَ إلى الذنوب وترتجي … دَرَجَ الجنَانِ ونيل فوز العابدِ
أنسيتَ ربَّك حين أخرج آدمًا … منها إلى الدنيا بذنب واحدٍ
قال ابن القاسم:
ولكننا سبي العدو فهل ترى … نعود إلى أوطاننا ونسلم
قال الرازي: عن فتح الموصلي أنه قال: كنا قومًا من أهل الجنة، فسبانا إبليس إلى الدنيا، فليس لنا إلا الهم والحزن حتى نرد إلى الدار التي أخرجنا منها.
فإن قيل: فإذا كانت جنة آدم التي أخرج منها في السماء -كما يقول الجمهور من العلماء-
стр. 452
فكيف تمكن إبليس من دخول الجنة وقد طرد من هنالك طردًا قدريًّا، والقدري لا يخالف ولا يمانع؟ فالجواب: أن هذا بعينه استدل به من يقول: إن الجنة التي كان فيها آدم في الأرض لا في السماء.
كما قد بسطنا هذا في أول كتابنا البداية والنهاية، وأجاب الجمهور بأجوبة: أحدها: أنه منع من دخول الجنة مكرمًا، فأما على وجه السرقة والإهانة فلا يمتنع؛ ولهذا قال بعضهم -كما جاء في التوراة: إنه دخل في فم الحية إلى الجنة. وقد قال بعضهم: يحتمل أنه وسوس لهما وهو خارج باب الجنة.
وقال بعضهم: يحتمل أنه وسوس لهما وهو في الأرض وهما في السماء، ذكرها الزمخشري وغيره. وقد أورد القرطبي (٢٩٧) هاهنا أحاديث في الحيات وقتلهن وبيان حكم ذلك فأجاد وأفاد] [¬١].
﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (٣٧)﴾
قيل: إن هذه الكلمات [¬٢] مفسرة بقوله تعالى: ﴿قَالا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾.
وروي هذا [¬٣] عن مجاهد، وسعيد بن جبير، وأبي العالية، والربيع بن أنس، والحسن وقتادة، ومحمد بن كعب القرظي، وخالد بن معدان، وعطاء الخراساني، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم.
وقال أبو إسحاق السبيعي (٢٩٨) عن رجل من بني تميم، قال: أتيت ابن عباس فسألته قلت [¬٤]: ما الكلمات التي تلقى آدم من ربه؟ قال: علم شأن الحج.
وقال سفيان الثوري (٢٩٩): عن عبد [¬٥] العزيز بن رُفيع، أخبرني من سمع عبيد بن عمير - وفي رواية أخبرني مجاهد، عن عبيد بن عمير - أنه قال: قال آدم: يا رب؛ خطيئتي التي أخطأتُ شيءٌ كتبتَه عليَّ قبل أن تخلقني أو شيء ابتدعتُه من قِبَلِ نفسي؟ قال "بل شيء [¬٦] كتبتُه عليك
yyy
стр. 453
قبل أن أخلقك" قال: فكما كتبته علي فاغفر [¬١] لي. قال فذلك قوله تعالى: ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ [فَتَابَ عَلَيهِ] [¬٢]﴾.
وقال السدّي (٣٠٠): عمن حدثه، عن ابن عباس: ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ﴾ قال: قال آدم ﵇: يا رب؛ ألم تخلقني بيدك؟ قيل له: بلى. قال [¬٣]: [ونفخت في من روحك؟ قيل له: بلى] [¬٤] وعطستُ، فقلتَ: يرحمك الله، وسبقت رحمتُكَ غضَبَك؟ قيلَ له: بلى. وكتبت عليَّ أن أعمل هذا؟ قيل له: بلى. قال: أرأيت [¬٥] إن تبت هل أنت راجعي إلى الجنة؟ قال: نعم.
وهكذا [¬٦] رواه العوفي، وسعيد بن جبير، وسعيد بن مَعْبَد، عن ابن عباس، بنحوه.
ورواه الحاكم في مستدركه من حديث سعيد [¬٧] بن جبير، عن ابن عباس، وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه (٣٠١). وهكذا فسره السدّي وعطية العَوْفي.
وقد روى ابن أبي حاتم (٣٠٢) هاهنا حديثًا شبيهًا بهذا فقال: حدثنا علي بن الحسين [¬٨] ابن إشكاب، حدثنا علي بن عاصم، عن سعيد بن أبي عَرُوبة، عن قتادة، عن الحسن، عن أبي بن كعب قال: قال رسول الله ﷺ : "قال آدم ﵇: أرأيت يا رب؛ إن تبتُ ورجعتُ أعائدي إلى الجنة؟ قال: نعم. فذلك قوله: ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ﴾.
وهذا حديث غريب من هذا الوجه، وفيه انقطاع.
وقال أبو جعفر الرازي: عن الربيع بن أنس عن أبي العالية في قوله تعالى: ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ [فَتَابَ عَلَيهِ] [¬٩]﴾. قال: إن آدم لما أصاب الخطيئة قال: يا رب؛ أرأيت إن تبت وأصلحت؟ قال الله: "إذًا أرجعك إلى الجنة". فهي من الكلمات، ومن الكلمات أيضًا: ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾.
стр. 454
وقال ابن أبي نَجيح: عن مجاهد، أنه كان يقول في قول الله تعالى: ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ [فَتَابَ عَلَيهِ] [¬١]﴾ قال الكلمات اللَّهُمَّ؛ لا إله إلا أنت سبحانك وبحمدك، رب؛ إني ظلمت نفسي فاغفر لي، إنك خير الغافرين، اللَّهُمَّ؛ لا إله إلا أنت سبحانك وبحمدك، رب؛ إني ظلمت نفسي [[فارحمني] [¬٢]، إنك خير الراحمين، اللَّهُمَّ لا إله إلا أنت سبحانك وبحمدك، رب إني ظلمت نفسي] [¬٣] فتب علي، إنك أنت التواب الرحيم.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ أي: إنه يتوب على من تاب إليه وأناب كقوله: ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا [¬٤] أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ﴾. وقوله: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ [ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا] [¬٥]﴾. الآية. وقوله: ﴿وَمَنْ تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا [فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا] [¬٦]﴾. إلى [¬٧] غير ذلك من الآيات الدالة على أنه تعالى يغفر الذنوب؛ ويتوب على من يتوب، وهذا من لطفه بخلقه ورحمته بعبيده، لا إله إلا هو التواب الرحيم.
﴿قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٣٨) وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٣٩)﴾
يقول تعالى مخبرًا عما أنذر به آدم وزوجته وإبليس حين [¬٨] أهبطهم من الجنة -والمراد الذرية- إنه سينزل الكتب، ويبعث الأنبياء والرسل، كما قال أبو العالية: الهُدَى الأنبياء والرسل والبينات [¬٩] والبيان، وقال مقاتل بن حَيَّان: الهدى محمد ﷺ ، وقال الحسن: الهدى القرآن، وهذان القولان صحيحان، وقول أبي العالية أعَمّ.
﴿فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ﴾ أي: من أقبل على ما أُنزلتْ به الكتب، وأُرسلتْ به الرسل ﴿فَلَا خَوْفٌ عَلَيهِمْ﴾ أي: فيما يستقبلونه [¬١٠] من أمر الآخرة ﴿وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ على ما فاتهم من أمور الدنيا، كما قال في سورة طه ﴿قَال اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى﴾.
стр. 455
قال ابن عباس: فلا يضل في الدنيا ولا يشقى في الآخرة ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾. كما قال هاهنا: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ أي مخلدون فيها، لا محيد لهم عنها، ولا محيص.
وقد أورد ابن جرير ﵀ هاهنا حديثًا ساقه من طريقين عن أبي مَسْلَمة سعيد بن يزيد عن أبي نضرة المنذر بن مالك بن قطعة عن أبي سعيد -واسمه سعد بن مالك بن سِنَان الخدري- قال: قال رسول الله ﷺ : "أما أهل النار الذين هم أهلها فإنهم لا [¬١] يموتون فيها ولا يحيون، و [¬٢] لكن أقوام [¬٣] أصابتهم النار بخطاياهم أو بذنوبهم فأماتتهم [¬٤]، إماتة، حتى إذا صاروا فحمًا أذن في الشفاعة".
وقد رواه مسلم من حديث شعبة، عن أبي سلمة، به (٣٠٣).
[وذكر هذا الإهباط الثاني لما تعلق به ما بعده من المعنى المغاير للأول، وزعم بعضهم أنه تأكيد وتكرير، كما يقال: قم. قم. وقال آخرون: بل الإهباط الأول من الجنة إلى السماء الدنيا، والثاني من سماء الدنيا إلى الأرض. والصحيح الأول، والله أعلم] [¬٥].
﴿يَابَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ (٤٠) وَآمِنُوا بِمَا أَنْزَلْتُ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ وَلَا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ (٤١)﴾
يقول تعالى آمرًا بني إسرائيل بالدخول [¬٦] في الإسلام، ومتابعة محمد عليه من الله أفضل الصلاة والسلام، ومُهَيّجًا لهم بذكر أبيهم إسرائيل، وهو نبي الله يعقوب ﵇، وتقديره: يا بني العبد الصالح المطيع لله؛ كونوا مثل أبيكم في متابعة الحق، كما تقول: يا بن الكريم؛ افعل كذا. يا بن الشجاع؛ بارز الأبطال. يا بن العالم؛ اطلب العلم. ونحو ذلك.
ومن ذلك أيضًا قوله تعالى: ﴿ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا﴾. فإسرائيل هو يعقوب ﵇ بدليل ما رواه أبو داود الطيالسي، حدثنا عبد الحميد بن بهرام، عن شهر بن حَوشب، قال: حدثني عبد الله بن عباس قال: حضرت عصابة من اليهود نبي الله صلى الله عليه
стр. 456
وآله وسلم فقال لهم: "هل تعلمون أن إسرائيل يعقوب؟ " قالوا: اللَّهُمَّ؛ نعم. فقال النبي ﷺ : "اللَّهُمَّ؛ اشهد" (٣٠٤).
وقال الأعمش: عن إسماعيل بن رجاء، عن عمير [¬١] مولى ابن عباس. عن [عبد الله] [¬٢] بن عباس: أن إسرائيل كقولك: عبد الله (٣٠٥).
وقوله تعالى: ﴿اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيكُمْ﴾ قال مجاهد: نعمة الله التي أنعم بها عليهم فيما سمى وفيما سوى ذلك، أن [¬٣] فجر لهم الحجر، وأنزل عليهم المن والسلوى، ونجاهم [¬٤] من عبودية آل فرعون.
وقال أبو العالية: نعمته أن جعل منهم الأنبياء والرسل، وأنزل عليهم الكتب.
قلت: وهذا كقول موسى ﵇ لهم: ﴿يَاقَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَالمِينَ﴾. يعني: في زمانهم.
وقال محمد بن إسحاق: حدثني محمد بن أبي محمد (٣٠٦)، عن عكرمة -أو سعيد بن جبير- عن ابن عباس، في قوله تعالى: ﴿اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيكُمْ﴾ أي: بلائي عندكم وعند آبائكم لما كان نجاهم به من فرعون وقومه، [وقال تعالى] ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ﴾. قال: بعهدي الذي أخذت في [¬٥] أعناقكم للنبي محمد ﷺ إذا [¬٦] [جاءكم أوف بعهدكم، أي:] [¬٧] أنجز لكم ما وعدتكم [¬٨] عليه بتصديقه واتباعه، بوضع ما كان عليكم من الإصر والأغلال التي كانت في أعناقكم بذنوبكم التي كانت من أحداثكم.
[وقال الحسن البصري: هو قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَي عَشَرَ نَقِيبًا وَقَال اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ وَآتَيتُمُ الزَّكَاةَ وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَلَأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾. الآية.
стр. 457
وقال آخرون هو الذي أخذ الله عليهم في التوراة، أنه سيبعث من بني إسماعيل نبيًّا عظيمًا يطيعه جميع الشعوب، والمراد به محمد ﷺ ، فمن اتبعه غفر الله له ذنبه، وأدخله الجنة، وجعل له أجرين.
وقد أورد الرازي بشارات كثيرة عن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام بمحمد ﷺ ] [¬١]، وقال أبو العالية ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِي﴾ قال: عهده إلى عباده دين [¬٢] الإسلام أن يتبعوه.
وقال الضحاك (٣٠٧): عن ابن عباس ﴿أُوفِ بِعَهْدِكُمْ﴾ قال: أرضَ [¬٣] عنكم وأدخلكم الجنة. وكذا قال السدي، والضحاك، وأبو العالية، والربيع بن أنس.
وقوله تعالى: ﴿وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ﴾ أي فاخشون، قاله أبو العالية، والسدي، والربيع بن أنس، وقتادة.
وقال ابن عباس في قوله تعالى: ﴿وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ﴾: أي أنزل بكم ما أنزلت [¬٤] بمن كان قبلكم من آبائكم من النّقمَات التي قد عرفتم من المسخ وغيره.
وهذا انتقال من الترغيب إلى الترهيب، فدعاهم إليه بالرغبة والرهبة، لعلهم يرجعون إلى الحق، واتباع الرسول، ﷺ ، والاتعاظ بالقرآن وزواجره، وامتثال أوامره وتصديق أخباره، والله [يهدي من] [¬٥] يشاء إلى [صراط مستقيم] [¬٦].
ولهذا قال ﴿وَآمِنُوا بِمَا أَنْزَلْتُ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ﴾ يعني به القرآن الذي أنزله على محمد [ ﷺ ] النبي الأمي العربي، بشيرًا ونذيرًا وسراجًا منيرًا، مشتملًا على الحق من الله تعالى، مصدقًا لما بين يديه من التوراة والإنجيل.
قال أبو العالية ﵀ في قوله تعالى: ﴿وَآمِنُوا بِمَا أَنْزَلْتُ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ﴾ يقول [يا معشر أهل الكتاب؛ آمنوا بما أنزلت مصدقًا لما معكم، يقول] [¬٧] لأنهم يجدون محمدًا ﷺ مكتوبًا عندهم في التوراة والإنجيل.
وروي عن مجاهد والربيع بن أنس وقتادة نحو ذلك.
стр. 458
وقوله: ﴿وَلَا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ﴾ [قال بعض المعربين: أول فريق كافر به أو نحو ذلك] [¬١].
قال ابن عباس (٣٠٨): ولا تكونوا أول كافر به وعندكم فيه من العلم ما ليس عند غيركم.
و [¬٢] قال أبو العالية: يقول ولا تكونوا أول من كفر بمحمد ﷺ .
[يعني من جنسكم أهل الكتاب بعد سماعكم بمبعثه] [¬٣]. وكذا قال الحسن والسدي والربيع بن أنس.
واختار ابن جرير أن الضمير في قوله ﴿بِهِ﴾ عائد على القرآن الذي تقدم ذكره في قوله ﴿بِمَا أَنْزَلْتُ﴾.
وكلا القولين صحيح؛ لأنهما متلازمان؛ لأن من كفر بالقرآن فقد كفر بمحمد [ ﷺ ] [¬٤] ومن كفر بمحمد ﷺ ، فقد كفر بالقرآن.
وأما قوله: ﴿أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ﴾ فيعني به أول من كفر به من بني إسرائيل؛ لأنه قد تقدمهم من كفار قريش وغيرهم من العرب بشر كثير، وإنما المراد أول من كفر به من بني إسرائيل مباشرة، فإنّ يهود المدينة أول بني إسرائيل خوطبوا بالقرآن، فكفرهم به يستلزم أنهم أول من كفر به من جنسهم.
وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ يقول: لا تعتاضوا عن الإيمان بآياتي وتصديق رسولي بالدنيا وشهواتها فإنها قليلة فانية، كما قال عبد الله بن المبارك (٣٠٩): أنبأنا [¬٥] عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، عن هارون بن يزيد [¬٦] قال: سئل الحسن - يعني البصري- عن قوله تعالى: ﴿ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ قال: الثمن القليل: الدنيا بحذافيرها.
وقال ابن لهيعة (٣١٠): حدّثني عطاء بن دينار، عن سعيد بن جبير، في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ وإن آياته كتابه الذي أنزله [¬٧] إليهم، وإن الثمن القليل الدنيا
стр. 459
وشهواتها.
وقال السدي: ﴿وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ يقول لا تأخذوا طمعًا [¬١] قليلًا ولا [¬٢] تكتموا اسم الله لذلك الطمع وهو الثمن.
وقال أبو جعفر: عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ يقول: لا تأخذوا عليه أجرًا، قال: وهو مكتوب عندهم في الكتاب الأوّل: يا بن آدم؛ عَلِّمْ مجانًا كما عُلِّمْتَ مجانًا.
[وقيل: معناه لا تعتاضوا عن البيان والإيضاح ونشر العلم النافع في الناس بالكتمان واللبس؛ لتستمروا على رياستكم في الدنيا القليلة الحقيرة الزائلة عن قريب.
وفي سنن أبي داود، عن أبي هريرة (٣١١) ﵁ قال: قال: رسول الله ﷺ : "من تعلم علمًا مما يبتغى به وجه الله لا يتعلمه إلا ليصيب به عرضًا من الدنيا (لم يُرَحْ رائحة الجنة) [¬٣] يوم القيامة".
فأمّا تعليم العلم بأجرة؛ فإن كان قد تعين عليه فلا يجوز أن يأخذ عليه أجرة، ويجوز أن يتناول من بيت المال ما يقوم به حاله وعياله، فإن لم يحصل له منه شيء وقطعه التعليم عن التكسب فهو كما لم يتعين عليه، وإذا لم يتعين عليه فإنه يجوز أن يأخذ عليه أجرة عند مالك والشافعي وأحمد وجمهور العلماء. كما في صحيح البخاري عن أبي سعيد (٣١٢) في قصة اللديغ "إن أحق ما أخذتم عليه أجرًا كتاب الله".
وقوله في قصة المخطوبة: "زَوَّجْتُكَهَا بما معك من القرآن" (٣١٣).
فأما حديث عبادة بن الصامت أنه علَّم رجلًا من أهل الصفة شيئًا من القرآن، فأهدى له قوسًا، فسأل عنه رسول الله، ﷺ ، فقال: "إن أحببت أن تطوَّق بقوس من نار فاقْبَلْه" فتركه.
стр. 460
رواه أبو داود (٣١٤)
وروي مثله عن أبي بن كعب مرفوعًا (٣١٥)، فإن صح إسناده فهو محمول عند كثير من العلماء، منهم أبو عمر بن عبد البر، على أنه لما علَّمه الله لم يجز بعد هذا أن يعتاض عن ثواب الله بذلك القوس، فأمَّا إذا كان من أوّل الأمر على التعليم بالأجرة فإنه يصح كما في حديث اللديغ وحديث سهل في المخطوبة، والله أعلم.
وقوله] [¬١] ﴿وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ﴾ قال ابن أبي حاتم (٣١٦): حدثنا أبو عمر الدوري، حدثنا أبو